هل تنقذ دبلوماسية المنظمات (المطلوب) البشير؟!
كنت أعددت مقالة بعنوان: (هل جنت على نفسها براقش؟) لأعلق على بعض التصريحات الشخصية للمشير البشير بعيد صدور مذكرة مدعي محكمة الجنايات الدولية بطلب توقيفه. وحسب علمي أن "براقش" كانت كلبة لقوم من الأعراب، ولكني وددت أن أعرف ما قصتها حتى صارت مضرب مثل لسوء المنقلب بفعل المرء لا بفعل غيره. وهممت بفتح "السحارة" قوقل .. فوجدت عنواناً " نعم على نفسها جنت براقش" ونقرت على الرابط فإذا به مقالاً للأستاذ/ محمد موسى جبارة كتبت في 10/04/2005م!! فقلت أحكر وأقرأ، فالأستاذ/ محمد موسى من الكتاب الذين أقرأ لهم وأنا (مغمض) كما يقال!! والمقال يمكن الاطلاع عليه في الرابط التالي: http://www.mafhoum.com/press8/236P2.htm وأنا إلتهم السطور، كانت علامات التعجب تقفز أمامي وتتكاثر.. فالحال (ياهو) نفس الحال! وأهز رأسي وأمط شفاهي!! وقلت: ماذا لو أن البشير استمع للنقد البنّاء الذي قدمه الأستاذ/ محمد وغيره منذ صدور القرار 1593؟!
وفور فراغي من قراءة المقال، قررت أن أنحو في تعليقي في إتجاه آخر على الرغم من صلاحية تصريحات البشير على التعليق وعلى الرغم من مضاهاتها لفعل (براقش)، مثل مطالبته (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بالاعتذار للشعوب الأفريقية عما ارتكبه من مذابح بشأنهم في السودان والجزائر والبلدان الأخرى وإعادة الثروات التي نهبتها، وقال أن الإستعمار الجديد لم يتعظ من سلفه القديم، .... مطلوب من الدول الإستعمارية أن تغسل أياديها من دماء الشعوب ...الخ) جريدة الشرق الأوسط في 04/08/2008م. أليس هذا، بربكم، فعل (براقش)؟! ومن قبل قال مستشهداً في دارفور أن: (دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى أن تقوم الساعة)!! وهو أبلغ استشهاد لـ(مجرم) في ساحة الجريمة!
استقر بي الرأي في أن أكتب عن تعلق المشير ونظامه بقشة المنظمات والمواقف الدبلوماسية الدولية. وكان مدخلي؛ ماذا كان رد الفعل الدولي على توجيه تهم ممثالة للرئيس الصربي/اليوغسلافي السابق سلوبودان مليوسوفيتش والرئيس الليبيري السابق شارلس تايلور؟
أعانني في مسألة الرئيس اليوغسلافي السابق، مقال الأستاذ/عادل فيصل راسخ بعنوان: حملة التضليل حول اعتقال البشير! والمنشورة في موقع سودانايل.كوم في 05/08/2008م، معلقاً على مقال كتبه كبير كبير مدعي المحاكم الجنائية الدولية السابقة الخاصة بجرائم الحرب التي ارتكبت في يوغسلافيا ورواندا القاضي الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون في صحيفة نيويورك تايمز في عددها الصادر في 15/7/2008م. يقول الكاتب: (أن الأجواء التي سادت بعد صدور القرار (القبض على الرئيس اليوغسلافي السابق) كانت مشابهه للأجواء السائدة الآن، فقد صدرت العديد من الانتقادات التي استهدفت مدعي المحكمة الجنائية الدولية ووصلت المدى الذي وصفت فيه قراراته بالإخفاق وأنها لم تضع في الحسبان المعطيات السياسية). وعلى الرغم من ذلك تم القبض على مليوسوفيتش بنفس تهم البشير وجُرجِر إلى لاهاي حتى مات في سجنه البارد!
أما فيما يختص بقبض شارلس تايلور، فقد كتب البروفيسور ديفيد كرين مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بسراليون، كتب مقالاً في موقع بالتيمورصن مقالاً في 21/07/2008م في الرباط: www.baltimoresun.com/news/opinion/oped/bal-op.sudan21jul,0,3126414.story يقول البرفيسور ديفيد كرين بأنه في تاريخ 04/06/2003م وفي أثناء خطو الرئيس الليبيري شارلس تايلور الخطوات لإفتتاح حفل التوقيع على اتفاقية سلام أكرا في غانا، وقفتُ، والكلام للمدعي، وأعلنتُ أمام العالم بأني وجهت 17 تهمة ضده؛ أي تايلور، تشمل من ضمن ما تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. رحب جزء من العالم بما إدعاءه المدعي الجنائي الدولي على تايلور وأدانه الآخرين. ويقول البروفيسور ديفيد كرين، بأن السياسيين والدبلوماسيين قالوا بأن هذا الإعلان من المدعي الجنائي الخاص سيؤثر على عملية السلام والاستقرار في غرب إفريقيا. وحسب المدعي، بأن البعض قال بأن الإتهام سيضع حياة المدنيين في خطر.
إن إحتماء البشير و(ربعه) بالمنظمات الإقليمية والدولية لم ولن يؤتي أكلها. فالجامعة العربية، سكت أمينها العام بعد كل تلك الحماسة التي أبداها ونصائحه (الغالية) للبشير للتعامل مع ملف محكمة الجنايات بعقلانية وحكمة وجدية، على اعتبار أن الموضوع خطير وأن الشعارات والإدانات لا تحل المشكلة.. فقد طلب الأمين العام للجامعة العربية (لبن الطير) من البشير، لتذهب مجهوداته أدراج الرياح!! على أنه يجب الإشادة هنا بالجامعة العربية وبأمينها العام، لأنها المرة الأولى التي تقف فيها موقفاً واضحاً في مثل هذه القضايا!!
أما الإتحاد الإفريقي ومجلس سلمها، فقد اكتفى بمجرد طلب (تعليق) مثول البشير أمام العدالة الدولية لمدة عام!! والبشير يطمع في إلغاء الطلب! كما عبر عنه نافع علي نافع. وأغلب الدول الإفريقية وعددها (30) ثلاثون دولة، أعضاء في محكمة الجنايات الدولية، فلا نعتقد بأنها ستعمل على تقويضها، بل ستكون في موقف الرئيس السنغالي عبدالله واد، وهو من أصدقاء البشير حسب قوله، القائل بأنه سوف يتعاون مع المحكمة إذا طلبت منه المحكمة لتنفيذ أوامر القبض على البشير!! والجبهة الإفريقية (المتوهمة) بدأت في التصدع. فالرئيس الأوغندي يوري موسوفيني طلب بتحقيق أفريقي في التهم المنسوبة للبشير!!
أما الأمم المتحدة، وتعتبر مجلس الأمن أحد أجهزتها، فقد (أخذت علماً) بمذكرة مجلس الأمن السلم الإفريقي التابع للإتحاد الإفريقي بشأن تداعيات مذكرة المدعي الجنائي الدولي بطلب توقيف البشير، ولم يتخذ (فعلاً) بل وعد بـ(نظر) الموضوع مستقبلاً! أما الأمين العام السيد/بان كي موون، فقد قال بأن الأمم المتحدة لا تستطيع التدخل في عمل المحكمة، لأن المحكمة، وأن كانت مسألة دارفور تم تحويلها إليها من قبل مجلس الأمن، مستقلة عن الأمم المتحدة. وفي أحدث تصريحاته ومواقفه (قلص) الأمين العام من مستوى اتصالات المنظمة الدولية المباشرة مع النظام لتتم عبر الإتحاد الإفريقي؛ أي عبر وسيط!! والأمين العام شخص صادق ومنسجم مع ضميره، ومسئولياته الدولية، فكيف له أن يتعامل مباشرة مع شخص متهم بإرتكاب بجرائم مصنفة في وثائق المنظمة الدولية بأنها من أخطر الجرائم؟ وهو، أي الأمين العام، عكس ما افترضه ثابو أمبيكي رئيس جنوب أفريقيا بأن طرح سؤالاً: كيف يتم التعامل معه، أي البشير، في حال صدر أمر القبض عليه من قبل قضاة المحكمة؟ وقد رد على تصريحاته الأخ/ محمدين محمد إسحاق بمقال بعنوان: عار جنوب أفريقيا .. عار ثابو مبيكي، نشر في موقع سودانيزأونلاين http://www.sudaneseonline.com/ar/article_21162.shtml
ويكفينا من منظمة المؤتمر الإسلامي، بأن طالبت المؤتمر بـ(العمل) على (تعليق) مذكرة توقيف الرئيس السوداني! جريدة الحياة اللندنية 05/08/2008م. فلم يجني البشير إلا ما زرعه! فقد صرح به لجريدة الرياض في 06/08/2008م، http://www.alriyadh.com/2008/08/06/article365384.html السيد/علي كرتي، وزير الدولة بوزارة الخارجية السودانية، قائلاً: " .. أن هناك دولاً تقف خلف هذه المحكمة وتمنعها من أن تتراجع عن قرارها .. ومنعت مجلس الأمن من مراجعة هذا القرار حينما دعت الصين لاجتماع للدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن من أجل أن تطالب هذه الدول المحكمة بتعليق هذا القرار وسحبه رفضت تلك الدول أن يقوم المجلس بسحب القرار .. وهذه الدول التي عارضت طلب الصين للدول الإسلامية والعربية علاقات معها ومصالح معها...) وهذا يعني للضحايا الشيء الكثير.. هناك في العالم من يهتم بتطبيق العدالة وأن يستمر القضاة في نظر طلب المدعي الجنائي الدولي. هذا من جانب، ومن جانب آخر، نستطيع أن نقول بأن حكومة البشير لم تفلح في الاجتماع الطاريء للجنة التنفيذية بمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة. فالوزير يستبطن خيبة أمل في تصريحه أعلاه، ويقرنه بتهديد (ناعم) فقد قال: (.. لا يمكن أن يصدق العقل أن تحاول مثل هذه الدول تدمير دولة هي جزء من الدول العربية والإسلامية وتقف الدول العربية والإسلامية مكتوفة الأيدي .. وهناك إجراءات كثيرة جداً يمكن أن يطالب بها السودان إذا استمرت موقف تلك الدول على إصراره من ذلك القرار). نفس المصدر. على أن خيبة الأستاذ كرتي كانت بائنة حين قال: ( .. أنه حتى الآن لم تظهر أي بوادر لتعليق أو تجميد ذلك القرار من قبل المجتمع الدولي ...)!! خيبة كرتي وتلاشي رجائه، بمثابة انبلاج فجر جديد للضحايا!! إلاّ أن كرتي لا ينفك من تتبع خطى (براقش)، ديدن أهل الإنقاذ، فقد ختم تصريحه: (أن السودان حريص بشكل كبير أن لا يؤثر هذا القرار على الأوضاع في دارفور .. ولكن إذا استمر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بدعم من مجلس الأمن في المضي في قراره فإن هناك الكثير جداً من الخيارات المتاحة للحكومة السودانية في قرارات يمكن أن تؤثر على القوات الأممية الموجودة في دارفور .. وعلى مجمل علاقات السودان مع الأمم المتحدة). المصدر أعلاه. يبدو أن المنظمة كانت تعيش وقع القبض على (الجزار) كراديتش المتهم بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية ضد المسلمين في كوسوفو، ولم تكن أجواء اجتماع اللجنة التنفيذية، بالتالي، في صالح المشير البشير. فالعالم، بما فيه منظمة المؤتمر الإسلامي، مرحب بإلقاء القبض على كراديتش (المسيحي) وتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة في لاهاي. فهل ستندد المنظمة (الإسلامية) بطلب المدعي الجنائي الدولي بالقبض على عمر البشير (المسلم) والمتهم بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية ضد (مسلمي) دارفور؟! العدالة لنا ولسوانا.
إن المحكمة الجنائية الدولية صار جزءاً من النظام الدولي. ومبدأ عدم الإفلات من العقاب صار راسخاً ويطول حتى رؤساء الدول كما رأينا، فليس صحيحاً أن البشير أول رئيس دولة يتهم وهو في سدة الحكم! وليس صحيحاً بأن الدول الإفريقية وحدها المتهمة بإرتكاب جرائم إبادة جماعية، فقد اتهمت قيادة يوغسلافيا السابقة وهي دولة أوربية. فالمنظمات والدول تحترم تعهداتها وإلتزاماتها، فقد عاد مبعوثي البشير، ليس بـ(خفي حنين)، ولكن خالييّ الوفاض! فالجامعة العربية، تنادي بالتعامل بـ(العقلانية) مع موضوع محكمة الجنايات الدولية، والإتحاد الإفريقي تطالب بـ(تأجيل) توقيف البشير، ومجلس الأمن (وعد بنظر) أمر المذكرة في المستقبل، والأمين العام (يقلص) مستوى إتصالاته لتتم عبر (وسيط)! وكذا الأمر مع منظمة المؤتمر الإسلامي والتي تنادي بـ(بتعليق) مذكرة توقيف البشير. فلا نفي للإتهام، وبالتالي للجرائم، ولكن قلق من سوء مآل رئيسٍ كان يوماً يضحك بينهم ملء (شدقيه)!!
كانت المحصلة النهائية لكل من يوغسلافيا السابقة وليبيريا – بإلقاء القبض على كل من مليوسوفيتش وتايلور، أن جرت انتخابات نيابية ورئاسية حرة في الدولتين، واستتب الأمن فيهما ولم يتعرض حياة المدنيين إلى أي خطر ولم يتم تهديد السلام والأمن الأقليمي، بل تم قبول الدولتين من المجتمع الإقليمي والدولي. ومن قبل، اليابان الذي كان يحكمه الأمبراطور الإله ذهبت بمحاكم طوكيو، لنرى اليابان المسالمة والمتصالحة مع نفسها والعالم، وألمانيا النازية، ذهبت بمحاكم نوربيرغ، لتأتي إلينا ألمانيا دولة إقتصادية رائدة وقائدة ومسالمة ومتصالحة مع جيرانها والعالم.. بالنسبة لنظام الإنقاذ.. فلن يجديه التغني بأطماع الأمبريالية في ثروات السودان وأهداف الإستعمار الجديد في إخضاع الدول (الضعيفة) .. ولن يجديه مبادرات المتملقين أصحاب المصالح المسماة (وطنية)؛ وعوفيت يا أخي آدم الهلباوي، بسؤالك لهؤلاء على لسان (تليس) غضبان أسفا: أين كانت هذه القوى السياسية يوم أُكل الجمل الأبيض؟ في مقالك المعنون (لالوبنا ولا تمر السوق) المنشور في موقع سودانيزأونلاين: http://www.sudaneseonline.com/ar/article_21382.shtml لن يجدي البشير إطلاق الوعود والرقص في (ساحة الجريمة).. لن يجدي البشير إخراج المظاهرات مدفوعة الأجر وإجبار التلاميذ والموظفين في الخروج في مظاهرات معدة سلفاً.. ولن يجدي الإبتزاز بمساواة رأس البشير ببقاء الوطن.. ولن يجدي الإبتزاز بخطورة العدالة على السلام .. ولن يجدي تعيين مدعي عام من قبل (الجاني) للنظر في (جريمته)! فحسب المحامي الدولي أمام محكمة الجنايات الدولية الليبي الفرنسي الدكتور/هادي شلوف، أنه (too late) على مثل هذه الخطوات في لقائه مع الصحفي واصل علي في موقع سودانتربيون: http://www.sudantribune.com/spip.php?article28139 .. لن يجدي البشير التوسل بفيتو (الملحدين) الصينيين والروس.. ولن يجدي إرسال الوفود لاستجلاب النصرة الزائفة.. لن يجدي إقامة الندوات في القاهرة.. لن يجدي البشير نفعاً التوسل بالموتى والتمسح بأضرحتهم.. ولن يجدي جلسات الأدعية المدفوعة الأجر.. لن يفيد البشير كل هذه (الهرجلة) لأن طريق الحل واحد: فليذهب نظام الإنقاذ بمحكمة الجنايات الدولية، وليبقى السودان دولة مسالمة موحدة ومتصالحة مع نفسها ومحيطها ومساهمة في الرفاه والسلام العالمي.
نقل عن الفاشي موسوليني، في إحدى تجلياته: (الذكي من يتعلم من أخطاء غيره) .. رغم ذلك كان أكبر خطأئه تحالفه مع هتلر النازية، وكان مصيرهما دارمياً.. هكذا دائماً مصير الطغاة، على الرغم من أن (براقش) صارت مثلاً يضرب بين الناس بسوء تصرف المرء وتقديره بما يجلب الهلاك لنفسه.
مصطفى عبدالكريم مصطفى
07/08/2008م
--
Mustafa
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة