زفرات حرى
الطيب مصطفى
ماذا يفعل دينق ألور في لاهاي؟!
لم أدهش البتة من تصريحات دينق ألور وزير خارجية الحركة الشعبية الذي تحدث خلال زيارته الحالية للعاصمة الهولندية لاهاي عن اختلاف داخل الحكومة السودانية حول الموقف من محكمة الجنايات الدولية حيث تؤيد الحركة الشعبية التعاون مع المحكمة بينما يرفض شريكها المؤتمر الوطني التعاون مع تلك المحكمة... أقول إنني لم أدهش لتصريحات دينق ألور الذي لم يفعل غير ما كان متوقعاً منه وإنما دُهشت لاستنكار المؤتمر الوطني ممثلاً في بروف إبراهيم غندور لتصريحات ألور وذلك حين قال إن دينق ألور كان ينبغي أن يُعبِّر عن رؤية رئيسه البشير - الرجل الأول في الدولة المنوط به التعبير عن سياسة الدولة الخارجية!!.
غندور والمؤتمر الوطني يعلمان تماماً أن دينق ألور لم يتم تعيينه أصلاً في هذا المنصب إلا ليعبِّر عن رؤية ومواقف الحركة الشعبية حول مختلف القضايا كما أن سلفه د. لام أكول لم يُطرد من وزارة الخارجية من قِبل الحركة إلا لأنه كان يعبِّر عن رؤية الحكومة السودانية باعتباره وزيراً لخارجية السودان وليس وزيراً لخارجية الحركة الشعبية ولذلك كثيراً ما أشعر بالألم والحسرة والغضب والإحباط وكل مشاعر الخذلان وخيبة الأمل عندما أقرأ تصريحاً مثل ذلك الذي صدر من غندور الذي كان ينبغي له أن يصمت ويبلع »زقوم« ما اقترفته أيديهم وما جنوه على أنفسهم وعلى السودان حين رضوا من البداية ووافقوا على تعيين رجل يعلمون تماماً أنه سيكون وبالاً عليهم بل هو الوبال بعينه!!.
لا أظن أن غندور وغيره من قيادات المؤتمر الوطني نسوا التحذيرات التي أطلقناها قبل تعيين ألور في المنصب كما لا أظنهم نسوا أنني قلت إن د. منصور خالد بالرغم من سوئه الذي سارت به الركبان وعمالته التي كشفتها الوثائق الأمريكية... لا أظنهم نسوا أنني قلت إن منصور خالد أفضل من دينق ألور ذلك أن منصوراً على الأقل لا يعتبر قضية أبيي قضية شخصية كما هو الحال بالنسبة لدينق ألور... أقول ذلك بالرغم من أنه لو كان الأمر بيدي لما عيَّنتُ أياً منهما، ذلك أن التعبير عن السياسة الخارجية هو حق أصيل بموجب الدستور لرئيس الجمهورية وحتى بعد »مطب« نيفاشا فإن مؤسسة الرئاسة هي التي تعبِّر عن السياسة الخارجية لذلك فإن من حق الرئيس أن يعترض على تعيين من لا يراه معبِّراً عن سياسة الدولة الخارجية.
نفس الشيء يمكن أن يقال عن تعيين الفريق سلفاكير رئيساً للجنة معالجة أزمة محكمة الجنايات الدولية بالرغم من أنه حين عُيِّن سلفاكير كانت الحركة قد أعلنت على لسان عرمانها وفي بيان منشور بأن الحركة تدعو إلى التعامل مع محكمة الجنايات الدولية ثم لم تمضِ أيامٌ قليلة على تعيين الرجل حتى صرح من العاصمة الأوغندية كمبالا وأمام الرئيس موسفيني ـ عدو السودان الشمالي اللدود ـ بأنه يؤيد موقف الاتحاد الإفريقي الداعي إلى تأجيل مذكرة أوكامبو لمدة عام وقال بالنص: »لا داعي لاستعجال مثول الرئيس البشير أمام المحكمة« وقال إن القصد من إرجاء مثول الرئيس يتلخص في أن يتمكن من إنفاذ اتفاقية نيفاشا!! أما بعد ذلك فلا توجد مشكلة في مثول الرئيس أمام المحكمة!!.
بربكم هل من هوان أكبر من ذلك؟! من يا تُرى يلف الحبال حول عنق السودان ممثلاً في رئيسه؟! من الذي وافق على القرار ٣٩٥١ حول إحالة أزمة دارفور إلى محكمة الجنايات الدولية؟! لن أسأل عمّن وافق على الحبل الأكبر الذي »تسللت« منه كل الحبال الأخرى! أعني بالطبع حبل نيفاشا!!.
من الذي يقود مسيرة الانبطاح في الحكومة التي أعلم أن الرئيس البشير يقف ضدها ولكنه كثيراً ما يضطره أدبه الجم الذي أعلمه إلى الاستجابة والإذعان لرغبة المنبطحين إعمالاً للشورى وما أدراك ما الشورى التي لا أريد أن أتحدث عنها الآن!!.
تابعوا معي بقية الخبر... وزير الخارجية الهولندي ماكسيم ڤيرهاجن قال بعد لقائه وزير خارجية الحركة الشعبية »إن نهج الحكومة السودانية تجاه المحكمة الدولية بدأ يتحسن وأن المسؤولين ما عادوا ينازعون في حق المحكمة في التعامل مع السودان«!!.
اذن فإن وزير خارجية هولندا تلقى هذا الكلام من دينق ألور الذي اعتبره الوزير الهولندي وزيراً لخارجية السودان وبالتالي المعبر عن موقف حكومة السودان!! الرجل محق ـ والله العظيم ـ في أن يقول ذلك لأنه لا يدري ولا يفهم ولا يدرك ــ ولا ينبغي له ــ أن هناك حكومة في العالم يعمل وزير خارجيتها ضدها!!.
لكن دعونا نسأل ألا يعبر رأي دينق ألور هذا عن رأي رئيسه الحقيقي سلفاكير الذي عينته الحكومة السودانية بكامل وعيها رئيساً للجنة معالجة الأزمة؟! ألم يطلب سلفاكير من المحكمة الجنائية »إرجاء مثول الرئيس«؟! ألا يعني ذلك اعترافاً بالمحكمة؟!.
في ذات الوقت جاء في الأخبار أن الحكومة رفضت المقترحات الفرنسية التي جاء بها مستشار الرئيس الفرنسي الذي زار السودان مؤخراً والتي سبق أن جاء بها وزير الحركة الشعبية دينق ألور في وقت سابق من زيارة لفرنسا ووصفها حينها بالمقترحات الجيدة!! لكن الى متى ستصمد الحكومة في هذا الموقف فلا أحد يعلم!!.
المبعوث الفرنسي جاء يحمل حبلاً جديداً يرغب في لفه حول عنق السودان يتمثل في الاعتراف بالمحكمة الجنائية الدولية والتعامل معها الى جانب السماح بمراجعة القوانين السودانية من قبل فريق قانوني دولي لتتواءم مع القوانين الدولية!!.
بالله عليكم هل من »حقارة« أكبر من ذلك... والله لو كان الأمر بيدي لطردتُ هذا الصفيق بدلاً من حسن استقباله على أعلى المستويات ثم الإشادة بمواقف فرنسا واهتمامها بالشأن السوداني والذي ورد على لسان أحد أكبر المسؤولين السياديين!.
أما أخبار عمرو موسى فقد عاد مجدداً لحشر أنفه فها هو يجتمع مع مندوبي الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي ويصرح بأن هذه »اللقاءات تهدف الى حل مشكلة دارفور«!! بالله عليكم هل من شيء »يفقع المرارة« أكثر من هذا الرجل الذي لم يحل مشكلة منذ أن عُيِّن أميناً عاماً للجامعة العربية؟! من يقول لهذا الرجل كتّر خيرك وشكر الله سعيك ويودعه قبل أن تحط قدمه أرض مطار الخرطوم!!.
أما ألور فإنه سيواصل مهمته وسيتحدث أمام البرلمان الهولندي وبالطبع فقد ناقش الرجل مشكلة أبيي مع نظيره الهولندي وفقاً لرؤية الحركة!!.
من المهازل الجديدة التي قرأتها بالأمس أن ألور سيمثل السودان في اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي الذي ينعقد بنيويورك في الثاني والعشرين من سبتمبر الحالي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
سؤال بريء: من أرسل ألور إلى لاهاي ليكيد للسودان ومن قرر أن يرأس الرجل وفد السودان لذلك الاجتماع الخطير بالرغم من أنه لا يعبِّر عن سياسة السودان الخارجية فيما يتعلق بالمذكرة المرفوعة من محكمة الجنايات الدولية؟! لماذا نصرّ على أن نضع رقابنا أمام الجزارين؟!
غداً إن شاء الله أحدثكم عن زهير السراج.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة