أركويت: من أمير الشرق إلى مؤتمر البجا
أوهاج محمد
أركويت قمة من قمم تلال البحر تطل على سواكن من إرتفاع 1100 متر فوق سطح البحر ومنحدر (ونترى) بميلان 89 درجة وبمسافة أفقية لا تتجاوز العشرين ميلاً عبارة عن وادى (دهنت) وتلة (تتيفاى-والتى تعنى أم ضبان) التى إكتسبت إسمها من جثث شهداء الثورة المهدية فى معركة من أشرس المعارك التى إنتصرت فيها قوات أمير الشرق عثمان أبوبكر دقنة على جيوش السير جراهام.(ويقول الفنان الراحل سيدنا الآمين واصفا تلك الطبيعة: تأبا دهنت ونتريب شنبيب).
تروى مذكرات أمير الشرق أنه كان يحارب من ساحل البحر الأحمر إلى أدارأما على نهر عطبرة ولكنه لا يبيت ليله خارج أركويت إلا لظروف قاهرة جداً فقد كانت أركويت تمثل الأمان لأمير الشرق وتلك هى أقدار الزمان أن يلقى ربه بعيداً عنها ولكن يعود جثمانه إليها فى العام 1964 لتكون مثواه الأخير. وإبان الحرب العالمية الثانية إتخدها الإنجليز قاعدة حربية وأقاموا بها مطاراً حربيا ما زال يعرف بمطار كارثاقو أو فورتى سفن (47) تأريخاً لذالك الزمان.
أما حكومات ما بعد الإستقلال فقد إتخذتها منتجعاً سياحياً صيفياً حيث كان السيد إسماعيل ألأزهرى يداوم على قضاء إجازته هناك ولكن مجىء الحكم المايوى كان قاصمة الظهر لأركويت حيث تم إغلاق المصيف الذى كان يتبع لهيئة السياحة والسكة حديد ومن يومها يؤمها من أمها بصورة فردية ولكن المؤسسة السياحية لم تجد من يعيرها إهتماماً.
ما دعانى لسرد هذه الفذلكة هو إنعقاد إجتماع مؤتمر البجا فى منتصف أغسطس 2008 فى تلكم البقعة وبمبانى الفندق القديم والأمير يطل ساخراً من قبره مما آل إليه حال أحفاده بعد قرن وربع القرن من ذالكم التاريخ الذى سطره هو وجنوده حتى جعلوا شاعر الجيش الإنجليزى كبلنق ينظم قصيدته الفزى وزى مدحاً لمخترعى حرب العصابات وكاسرى مربع جيش الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس آن ذاك.
وهذه هنى المرة الثانية التى ينعقد فيها المؤتمر العام لمؤتمر البجا منذ تأسيسه فى العام 1958م وهذه محمدة فى حد ذاتها ولكن ظروف اليوم لم تكن كتلك التى إنعقد فيها المؤتمر العام الآول. فالمؤتمر هذه المرة جاء ويحمل فى طياته خلافات جبهة الشرق وجسد بصورة سافرة صراع جناح السيد موسى محمد أحمد والآنسة آمنة ضرار على إظهار كل منهما أنه الآحق بتمثيل أهل الشرق. وتجلى هذا فى لجوء كل منهم إلى عزل الآخرمن موقعه والتهديد بإجراءات عقابية أشد.
المتتبع لهذه الحركة يلحظ أن مؤتمر أركويت أظهر موسى محمد أحمد وكأنه تمترس خلف اليسار حيث كانت أصابع اليسار واضحة فى تنظيم المؤتمر ومقرراته التى خرج بها. وفى الجانب الآخر بدا واضحا إحتماء غريمته ضرار بالمؤتمر الشعبى، بالرغم من تاريخها اليسارى،والإستنجاد بالمؤتمر الوطنى (سبحان مغير الآحوال) لتقوية موقفها. أما البجا أصحاب الحق فقد كانوا منقسمين بين الإثنين ولكن دون فروق قبلية حيث كان الطيف البجاوى القبلى متواجداً هنا وهناك ولكن كان واضحا أن كفة موسى محمد أحمد كانت هى الآرجح.
وما توافر من معلومات يقول أن تكلفة تنظيم المؤتمر فاقت ال 300 مليون جنيه (قديم طبعاً) ونحن نقول كما قال الصحابى أبى ذر الغفارى لمعاوية بن سفيان عندما رآه قد إتخذ قصراً (ومن هو معاوية فى الإسلام): يا معاوية إن كان هذا من مالك فهذا تبذير وإن كان من أموال المسلمين فهذا حرام. والسؤال هو من مول هذا المؤتمر؟ ولمصلحة من؟ أغلب الظن ليس هناك غير متهم واحد هو المؤتمر الوطنى الذى أراد أن يتخذ هذه السانحة لدق إسفين بين فرقاء جبهة الشرق ومن ثم أهل الشرق قاطبة تمهيداً لفتنة قادمة فى المنطقة ولكن يبدو أن جهات أخرى إصطادت بصورة أكثر إحترافية من المؤتمر الوطنى وهذا يظهر بصورة جلية فى الآتى:
- بالرغم من عدم تقديم دعوة له للحضور فقد فاجأ السيد مبروك سليم المؤتمرين بالحضور وإلقائه خطاباً أثنى فيه على مؤتمر البجا وإمتنانه لقبائل البجا لقبول الرشايدة بالعيش بين ظهرانيهم وعلى أرضهم وقوله مخاطباً موسى بأننا معك ولو خضت بنا البحر لخضناه معك – فهل كان هذا موقفاً مبدئياً أم صباً للزيت على الفتنة التى لحت يوادرها فى الآفق؟
- البيان الختامى تجاهل اشياءً اساسية يقول عنها الدكتور أبومحمد أبوآمنة(لا يمكن لآى حزب أن يتجاهل أموراً أساسية كالحريات العامة وحرية الصحافة وعدم الإلتزام بالمواثيق ولإنتخابات ودارفور والإتفاقيات بما فيها إتفاقية سلام الشرق فى هكذا بيان- وهى أمور حتى المؤتمر الوطنى يمارس فيها النقد الذاتى سراً فكيف بمؤتمر البجا لا يلقى بها بالاً وهى الإساس).
- أما تركيز البيان الختامى للمؤتمرعلى قضايا حلايب والفشقة وشهداء بورتسودان وبالصورة التى تم بها تفنيد تلك المطالب، وهى التى اسقطت من طاولة المفاوضات فى أسمرا رغم مطالبة أهل الشرق جميعاً بتضمينها، فهذا يعنى أن جهة ما قد إصطادت بصورة ذكية جداً وأفلحت فى حشر قضايا حساسة فى البيان آنف الذكر حتى تتخذ ذالك ذريعة لخلق توتر بين السودان من جهة ومصر وإثيوبيا من جهة أخرى ثم رفع درجة التوتر مع المحكمة الدولية بإضافة قضية شهداء بورتسودان على ما هو جار الآن.
وهكذا أصبح مسرح شرق السودان جاهزاً للقوى الخارجية التى تريد أن تتخذ منه ذريعة لتضييق الخناق على حكومة المؤتمر الوطنى لآن الشريك الآخر ليس له إهتمام بهكذا مناطق. فمن سيسطاد فى مياه البحر المالح هذه المرة ؟ ولمن سيبيع فرقاء أسمرا تراخيص الصيد؟ سنرى!
نه
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة