|
د. أسامة عثمان: نيورك
Ussama1999@yahoo.com
بهذا المقال نختم هذه السلسلة عن السودان والمحكمة الدولية وسنعرض في نهاية هذا ما نعتقد أنه قد يكون فيه بعض مخرج من هذا الامتحان العسير الذي دخلته البلاد. كنا قد استعرضتا في المقالات السابقة محدودية هامش الحركة للسودان على المسارين الدبلوماسي والسياسي الخارجي باعتبار أن الأمل الوحيد قد صار معقودا على اتخاذ قرار من مجلس يطلب من المحكمة تعليق النظر في الدعوى لمدة 12 شهرا تتجدد إلى ما لا نهاية حيث لا سبيل لإلغاء القرار من قبل مجلس الأمن فالمجلس ليس درجة في التقاضي تعلو المحكمة الجنائية. كما بينا ضعف إمكانية أن يؤثر السودان في مجلس الأمن من خلال دوائر تحركه الثلاث: الأفريقية والإسلامية والعربية بعد أن أضاع فرصة الضغط الوحيدة بالتمنع في تجديد ولاية اليوناميد. وبقي المسار القانوني.
ويبدو أن المسار القانوني قد انحصر في ثلاثة اتجاهات: اتجاه الرفض التام للمحكمة والتعامل معها ويمثل هذا الاتجاه الكثير من النافذين في الحكومة أو من شقها الذي يمثله المؤتمر الوطني وبعض التنفيذيين بل أن أصحاب هذا الرأي يستخفون بالمحكمة وبمدعيها العام ويتجلى هذا الرأي في معظم تصريحات السيد مندوب السودان لدى الأمم المتحدة فهو يعتبر المحكمة "محض سخف" فيما بلغنا في آخر تصريح له للصحف من على ضفاف البسفور. وعندما سئل عما ستفعل الحكومة إذا ما أصدرت المحكمة قرارا بقبول التهم وأصدرت "أمر قبض" بحق الرئيس أجاب سعادة المندوب بأن السودان "لن يبدي أي احترام للقرار وسيتجاهله ولن يعيره أي أهمية"، وفي مقابل هذا الخط الصدامي (بدون شدة على الدال!) هنالك اتجاه لا يرى في التعامل مع المحكمة حرجا، يمثل الاتجاه الحزب الشريك في الحكم، الجبهة الشعبية، وجميع حركات دارفور وحزب المؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي وغيرها من الأحزاب الأخرى المشاركة في الحكومة أو التي هي في المعارضة وقطاع مقدر من المواطنين في الداخل وفي الخارج. وبين هذا وذاك اتجاه وسطي يدعو إلى معادلة لا ترفض التعامل مع الجنائية ولا تمتثل لها بحسب تعبير السيد الصادق المهدي أو للتعامل غير المباشر مع المحكمة عن طريق الاتحاد الأفريقي الذي يمكن أن يطلب من مجلس الأمن تعليق الإجراءات بدعوى أنه طرف متضرر من تدهور الأوضاع في دارفور بسبب هذا القرار وهذا الرأي يمثله مستشار الرئيس د. مصطفى إسماعيل. وربما كان هذا الاتجاه الوسطي هو صاحب فكرة أن تطلب حكومة السودان من محكمة العدل الدولية إصدار رأي عن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن كما أن الحكومة ستسعين في معركتها هذه ببيوت خبرة وقانونيين أجانب فيما ذكر وزير العدل. وغاية أملهم أن تصدر محكمة العدل الدولية قرارا يطعن في صلاحية المحكمة الجنائية الدولية أو مجلس الأمن. ولكن ماذا أعد وزير العدل إن رفضت المحكمة إصدار ذلك الرأي لعدم الاختصاص، أو أيدت رأي المحكمة الجنائية ومجلس الأمن، وما العمل إن أصدرت رأيا استشاريا لصالح السودان ولم يعمل به مجلس الأمن أو المحكمة الجنائية فليس لمحكمة العدل الدولية ولاية علي أي منهما، وما هي فاعلة إن سعت بعض الدول لإنقاذ أمر المحكمة وفرض عقوبات على السودان وعلى الرئيس البشير وشركائه المدعى عليهم الآخرين حتى وإن صوتت روسيا أو الصين ضد ذلك، فالتصرف رغم قرارات مجلس الأمن وإرادة المجتمع الدولي لن يكون جديدا على أمريكا أو بريطانيا. فالطريق القانوني محفوف بالمخاطر وبه الكثير من العوائق. وننصح من يريدوا أن يمضوا فيه أن يعدو العدة لذلك لأن الطرف الآخر يعد نفسه إعداد جيدا. وربما يكون من المفيد أن نذكر في هذا السياق أن قانونيا أمريكيا كبيرا ممن أعرف يعمل متطوعا في وقت فراغه مع إحدى منظمات المجتمع المدني النشطة في قضايا حقوق الإنسان والعدالة المنضوية ضمن منظمات أخرى في التحالف من أجل المحكمة الجنائية الدولية اتصل بي ذات يوم مستفسرا عن ترجمة عبارة "هيبة الدولة" بالإنكليزية وبعد أن طرحت عليه بعض الأسئلة عن السياق علمت منه أنه كان يراجع ترجمة لتصريحات أوردتها الصحف لوالي جنوب دارفور السابق الحاج عطا المنان هدد فيها "باللجوء إلى الطيران لفرض هيبة الدولة" وكان ذلك في معرض حديث عن المجموعات التي تعتدي على المواطنين في ولايته ولكنه لم يحدد هذه المجموعات إن كانت من حركات دارفور المسلحة أو من قطاع الطرق أو من الجنجويد فتقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن الجميع يعتدون على المواطنين، أما الطيران فليس بالطبع من وسائل الحركات المسلحة دعك من الفرسان والحرص على ترجمة ذالك التصريح واضحة الدلالة. ومع مثل هذا الرصد الدقيق لا نستبعد أن تكون عبارة السيد الرئيس بأن "أحمد هارون لن يستقيل ولن يقال ولن يحقق معه" التي قالها في الرد على تصريح نقلته الصحف للمدعي العام صلاح أبو زيد بأن محضر الاتهام به ما يستوجب إجراء المزيد من التحري وإعادة استجواب وزير الدولة بالشؤون الإنسانية (الأيام 24 مارس 2007) قد ترجمت وضمنت في مذكرة السيد أوكامبو ذات المائة صفحة باعتبار أن "المدعى عليه" يحمي المتهمين في دارفور حتى من الأجهزة العدلية الوطنية التي تقول حكومة السودان بأنها قادرة وراغبة في التحقيق وإقامة العدالة. ولا شك أن ملاحظة المدعي العام السوداني قد قيدت بحرص أيضا. ويحسن بأنصار اتجاه المواجهة وعدم التعاون الانتباه لما يقولون، حتى لا يكونوا أعداء لأنفسهم، يوفرون بما يقولون ذخيرة لخصمهم وإن لم يقصدوا ذلك فالأمر أمر محاكم وبينات في نهاية الأمر.
جاء في تصريح منشور للسيد صلاح عبد الله مدير جهاز الأمن والمخابرات في صحف الخرطوم التي صدرت يوم الثلاثاء 19 أغسطس 2008 أن ضغوطا غربية تمارس على السودان لتقديم تنازلات مرتبطة بتغيير تركيبة الحكم فيه. وجاء في تصريح سبقه للدكتور مصطفى عثمان إسماعيل أن المبعوث الأمريكي ريتشارد وليامسون جاء "لاستكشاف موقف السودان بعد طلب المحكمة، وأنه متأكد أنه سيعود بعد تقييم ما سمعه في الخرطوم وربما يأتينا بصفقة ما". وفي السياق نفسه ذكر السيد حاج ماجد سوار، عضو المكتب القيادي وأمين الشباب في المؤتمر الوطني، " أن جهات دولية وإقليمية تنكب الآن في اتصالات وتوافقات لترشيح شخصية شمالية شهيرة لمنافسة الرئيس عمر البشير في الانتخابات بوصفة ودعم أمريكي يتم إنضاجها على نار هادئة جدا"
فإذا قرأنا هذه التصريحات جميعا مربوطة مع بعضها، رغم تباين مواقع قائليها، وأضفنا إليها خيبة أمل القائم بالأعمال الأمريكي بعد مرافقته للرئيس في زيارته لدارفور لعدم حدوث اختراق كان يتوقعه أو يرجوه كل الدبلوماسيين الذين كانوا في الرحلة وإذا ربطنا كل ذلك بالدعوة التي تلقتها الحركة الشعبية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لحضور مؤتمريها في نهاية الشهر الجاري ومطلع الشهر القادم إلى جانب دعوة عبد الواحد نور وخليل إبراهيم ومجموعات جبهة الشرق لزيارة الولايات المتحدة نجد في كل ذلك إشارات واضحة للجهات صاحبة الأمر في السودان لما هو مطلوب منهم فعله. كل هذا يدل على أن أمريكا معنية بشكل كبير وحريصة على التأثير في مسار الأمور في السودان. فشتم أمريكا وبوش لن يحل المشكلة كما ذكر السيد فيرناديز القائم بالأعمال الأمريكي في السودان. ويجدر بأصحاب الأمر أن يعوا ذلك قبل إرسال الوفود ذات اليمين وذات اليسار والإحساس بأن هنالك جهدا يبذل.
نعتقد أن أمريكا وغيرها قد بدأت تظهر عليهم عوارض الإعياء من أمر السودان وهناك رغبة في إيجاد حل بأسرع ما أمكن وبدل أن يكون الحل مفروضا يمكن للحكومة أن تكون شريكا فيه. وفي رأينا فثمة سانحة للحكومة لأخذ زمام المبادرة لإيجاد المخرج بعد دفع الثمن المطلوب الذي حكمته قلة الخيارات وفرص المناورة هذه المرة. والثمن ليس غاليا إن كان الهدف هو إنقاذ الوطن. فالمطلوب من الحكومة، أو المؤتمر الوطني تحديدا أن يقوم بعمل شيء محسوس يشير على أن ثمة رغبة جادة في التغيير هذه المرة وليس من قبيل المناورة ليس لحل مشكلة دارفور فحسب وإنما لحل مشكلة السودان بأكمله وبداية الحل تبدأ بالإقرار بان هنالك مشكلة والمشكلة هي ثنائية الحكم وعدم التكافوء بين الحزبين الحاكمين وانعدام الثقة بينهما وتهميش الآخرين أحزابا وجماعات مسلحة والمماطلة في تنفيذ مطلوبات التحول الديمقراطي المحددة في آليات وأجهزة وقوانين صيغت في اتفاقية السلام الشامل واتفاقية أيوجا والشرق والدستور الانتقالي بمشاركة ورعاية شركاء من المجتمع الدولي أرادوها أن تكون مخرجا للسودان من دوامة أزماته التي لا تنتهي والتي يتحملون أعباءها من أموال دافعي الضرائب في بلدانهم وهؤلاء الشركاء أنفسهم هم من بيدهم الأمر والنهي في مجلس الأمن.
وليس ثمة حرج في التراجع والتنازل لإنقاذ البلاد حقا، فبالأمس القريب تنحى الجنرال مشرف عن الحكم وذكر أن ذلك قد تم ليجنب البلاد الدخول في متاهات لا يعلم مداها إلا الله وطلب الصفح من شعبه إن كان قد أخطأ لأن كل ما فعله كان من أجل باكستان. ولقد أجاب الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان ذات يوم والسماء ملبدة بغيوم رفض الخرطوم لنشر قوات أجنبية في دارفور وقسم الرئيس المغلظ بأن لا تطأ أرض دارفور قدم جندي أجنبي وأنه سيقاتلها بنفسه إن قدمت وقد سادت حالة من اليأس في أوساط الأمم المتحدة فسأل أحد الصحافيين الأمين العام إن كان منزعجا لتصريحات الرئيس البشير. فأجاب بهدوء ودبلوماسية رائعة " لقد علمتنا التجارب أن الكثير من الزعماء والرؤساء يقولون ويصرحون بأشياء قطعية ثم يتبينوا لاحقا أن مصلحة بلادهم وشعوبهم تقتضي أمرا آخر فيتراجعوا من أجل بلادهم وشعوبهم" وهذه الإجابة البليغة والأسلوب الذي تعكسه كانت ممهدا لمباحثات جرت فيما بعد وأفضت إلى اتفاق في أديس أبابا الذي قاد لانتشار القوات الهجين في دارفور. فقد أمن الأمين العام للطرف الآخر ما يحفظ كرامته واقترح عليه مبررا يسوقه عندما يتراجع وخلق من الحالة السلبية شيئا ايجابيا. ثم إن الرئيس البشير لا يزال رئيسا تعترف به الأمم المتحدة وتتفاوض معه وقد انتشر نصف القوات الأجنبية ووعدت الحكومة بتذليل كل الصعاب لنشر ما تبقى حتى تحقق الهدف الذي حددته الأمم المتحدى بنشر 80 في المائة منها قبل انقضاء العام. حدث كل ذلك ولم يطلب مؤتمر الحركة الإسلامية من الرئيس أن يتنحى لأنه حنث في قسمه. ولم يقل المؤتمر الوطني دعونا نبحث عن بديل. وفي نهاية الأمر إن تنفيذ مطلوبات التحول الديمقراطي المنصوص عليها بشكل واضح وقاطع لا تعتبر تنازلا أو هزيمة لأحد فبعد أن ماطل المؤتمر الوطني في تنفيذها لاعتبارات السياسة ليس عليه من حرج إن نفذ ما هو متفق عليه ولقد رأينا ذلك في أزمة الشريكين وفي أكثر من منعطف آخر. فعلى أصحاب الأمر أن لا يكونوا فريسة للخطاب التعبوي المنفلت الذي سيقود لا محالة لهلاك العباد والبلاد.
إننا لا نعتقد أن "مبادرة أهل السودان" والهيئة القومية لإيجاد الحل والترتيبات القانونية بتعيين مدع عام وربما تغيير القوانين لتشمل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية مما أعلن حتى الآن كافية لتمثل ذلك الشيء المحسوس المقنع المطلوب الذي ينتظره المجتمع الدولي والذي يتطلع إليه أهل السودان لإنقاذ البلاد. وليس من أحد يرجو أن يكون السودان عراقا آخر. فالغموض والتردد ومحاولة المؤتمر الوطني لأن يكون كل شيء "تحت السيطرة" تبدو أشبه بمحاولة كسب الوقت حتى قيام الانتخابات التي ستدشن بداية مرحلة جديدة في حسابات المؤتمر الوطني.
ويجدر بنا هنا أن نذكر بأن قيام الانتخابات التي يراهن عليها المؤتمر الوطني كثيرا لاكتساب شرعية جديدة لن تكون خاتمة المطاف، فالطريق إليها ليس سالكا في ظل الإشكالات القانونية القائمة وأمر الانتخابات لم يعد أمرا داخليا كما كان عليه الحال، وما انتخابات زيمبابوي ببعيدة عن الأذهان كما أن فوز حماس لم يكسبها شرعية في نظر المجتمع الدولي الذي أسقطها بما وضع أمامها من عراقيل وحالت عين المجتمع الدولي وإملاءات أمريكا دون أي محاولة من مشرف للثأثير في مسار الانتخابات في بلاده. فمجلس الأمن نفسه صار يتدخل في أشياء كانت تعد من صميم مظاهر السيادة ومنها الانتخابات لاسيما في البلدان الخارجة من صراعات كالسودان مثلا الذي يأمل أن تعينه الأمم المتحدة على تنظيم الانتخابات وإكسابها الشرعية وبالتالي إكساب الشرعية للنظام الذي سينتج عنها. ولقد أشرفت على الانتخابات في بلدان كثيرة خرجت من الحروب كجمهورية الكنغو الديمقراطية وطالبت لجنة الانتخابات بحرمان كل من حامت حوله شبهة انتهاك للحقوق الإنسان أو لجرائم حرب من الترشح وفعلت ذلك في أفغانستان للحيلولة دون تولي أمراء الحرب لأمر البلاد عن طريق الانتخابات فهل يا ترى فكر ذلك المسؤول الحزبي الرفيع في الحزب الحاكم عندما صرح "سنرشح الرئيس البشير للانتخابات رغم أنف الجميع".
كتب الأستاذ موسى يعقوب في "أخبار اليوم" مقالين بعد دخول "الإنقاذ" عامها العشرين مفاخرا بقدرة الإنقاذ الكبيرة في فن "إدارة المخاطر" الذي مكنها من البقاء حتى الآن رغم العواصف والأعاصير. وذكر الدكتور غازي صلاح الدين في لقاء مع قناة الجزيرة مؤخرا أنهم قد تعلموا "القتال في حافة الهاوية" كما كان يقول أبو عمار رحم الله. فهل ستسلم الجرة هذه المرة أم هي السقطة التي لا قيامة بعدها.
|