|
|
Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55 |
|
من أين أتى هؤلاء؟ : الصادق حمدين
هذه المقالة كتبتها قبل شهور خلت تحت إسم نزار حماد التلب لأسباب إقتضتها الضرورة ، واليوم نعيد نشرها ثانية لأنها تناسب المقام الذي قال فيه الرجل الذي كنا نعتبره أديب لكل الشعب السوداني بمختلف إتجاهاته وسحناته ولكن تصريحاته الأخيرة التي آزر فيها البشير واعتبره خير من يمثل السودان ويقوده بعد كل هذا الخراب والدمار الذي أحدثه بالسودان وأهله ويكفي إنه مطارد من قبل العدالة الدولية ، كما اختزل الأديب الكبير قضية دارفور في أشخاص وهاجمهم بطريقة لا تتناسب ونضالهم فلم يذكر إسم عبد الواحد محمد نور وقال بالحرف الواحد " القاعد في فرنسا ده " مع إن عبد الواحد قد صار علم في رأسه نار وذلك بسبب قوة طرح قضيته اختلف الناس حوله أم إتفقوا فهذا شأن آخر لا دخل للسن فيه المهم هو طرحه فقضايا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وفصل الدين عن السياسة كلها قضايا لا يتصدى لها إلا الكبار ، أما العبارة التي قالها في مناسبة أخري والتي صارت كالقول المأثور قالها الروائي المعروف الطيب صالح عندما كان في طريقه إلى تونس لحضور محفل أدبي هناك فاعترضته السلطات التونسية بأن وثيقة السفر التى كان يحملها لا تؤهله للدخول إليها بسبب سلوك حكومته فما كان منه إلا أن قال مندهشا( من أين أتى هؤلاء؟). بالرغم من خصوصية السبب الذي قيل فيه إلا أن اللفظ قد شاع بعمومه وصار يتداوله الناس وكأنه قيل إستنكاراً من الأديب الكبير للكارثة التى ألمت ببنى وطنه ، وإذا كان الأمر كذلك لما عاد الأديب إلى الوطن ماراً بصالة كبار الزوار واصفا ال " هؤلاء " بالكرام، لا ندرى أى كرم لمسه الكاتب الكبير من هؤلاء وهم الذين قالوا فى أدبه الذي كان سبب شهرته إنه " ساقط قول ينضح فحشاً وعهراً " ليس هذا فحسب ، بل تم تحريك دعوى جنائية فى مواجهته والمدهش إن ممثل دعوى " الحسبة " رجل يدعى إلمامه بالأدب فتمت مكافأته بأن أرسل إلى أمريكا أرض النقاء والعفاف ليعمل دبلوماسيا هناك ، ولم نسمع له إحتجاجاً لشطب دعواه لكيديتها ولعدم وجود سبب لرفعها أصلا لانه إختار خصماً ظهر لاحقاً إنه كان خصماً متوهماً ، أما الخصم الحقيقي فهو الشعب السوداني لأنه تعدى على عبارات لم يكن المعنى بها هو إطلاقا فتم عقابه بأن أصبحت سيرة هؤلاء كابوسا يوميا يلاحقه وأصبحوا هم أعلاما بدأ التأريخ بهم ولسوف ينتهى بهم أما الشعب السودانى فقد أصبح نكرة بين الأمم وهكذا سدد الشعب السودانى ثمن فاتورة لم ينتفع منها أبدا ، ليس المقصود من هذا الكلام الطعن فى وطنية أحد لأن سفر التأريخ مازال مشرعا ولم يضع نقطة النهاية لأحداث غيرت تأريخ شعب بأكمله بعد ، فكل يوم يتساقط من كان الشعب السودانى يظن أن الوطنية تتجسد فيه ويصحو ضمير من كان يظن أنه قد باع يومه بغده وهكذا دنيا السياسة مسرح كبير تتبادل فيه الأدوار فالعبرة بالخواتيم دائماً فلم يعامل أرنستو تشي جيفارا كرمز للنضال من أجل المبادئ إلا بعد إستشهاده من أجلها ، لأن الأموات لا يستطيعون تغيير مواقفهم وهذا ما يفسر لنا مبالغة الشعوب فى الإحتفاء وتكريم النابغين من أبنائها بعد رحيلهم لأن أعمالهم الجيدة تبقى لتبرر لهم ذلك التكريم . فى مقاله ( تآكل أمانة وكرامة السوداني ) تناول شوقي بدري بسرده السلس حسن أخلاق جيل مضى من السياسيين فأظهر قبح الجيل الحالى منهم ، كما تحسر على أمانه وكرامة شعب السودان ومعلوم أن الإنسان لا يتحسر إلا على ما مضى ولم يعد موجودا ولا أعتقد أن شوقي يقصد التعميم بدليل إنه كتب كلمة " تآكل " مما يؤكد تفاؤله بأن هناك نفر من أبناء الشعب السودانى من يفضل الموت جوعا ولايمد يده للمال الحرام والكرامة تحكى عنها بيوت الأشباح والدماء التى تروى أرض هذا الوطن بشكل يومى لغد أفضل هذا ما لم يكتبه شوقي بدري لكنه يقرأ من بين السطور، ولكننا نقرأ من بين السطور أيضاً إن الأمانة لا تتجزأ فعدم إمتلاك الفريق إبراهيم عبود لمنزل لا يعنى إنه أمين ففي عهده كانت ترقية ضباطه تعتمد على مدى وحشيتهم في الحرب الدائرة ضد شعب الجنوب مع إنه أقسم على حماية الشعب السوداني أرضا وشعبا إلا إذا فرضنا أن الجنوب لا يتبع للتراب السودانى أو إقتصرت كلمة أمانة على التعامل النزيه مع المال فقط .وقول اللواء حسن بشير ( نحن مذنبون بتهمة الفقر الحرام ) لا يعفيه من التفكير فى حرق كل غابات الجنوب لأن الأمانة تقتضى المحافظة على أرواح البشر هناك أيضا ، كل هذه المقدمة تقودنا للسؤال أعلاه بقطع النظر عن المناسبة التي قيل فيها من أين أتى هؤلاء؟ والمقصود بهؤلاء أولئك الذين استولوا على السلطة منذ عام 1989 ومازالوا بالرغم من أن كل يوم يمر على وجودهم بالسلطة خصما على وحدة هذا الوطن وتماسكه وهم يعلمون ذلك ، لأن أمنهم وأمانهم يعتمدان على قوة حصن هذا الكرسى فإن ذهب هم ذهبوا فلم يعد هناك فى هذا العالم الواسع من مكان ، إن السرد الذى قام به شوقي بدرى فى مقاله الذى ذكر آنفا عن الرعيل الأول من السياسيين وعفة يدهم من الإعتداء على المال العام وغيرها من كريم الخصال مثل التواضع والكرم يجعلنا نتساءل كيف لشعب يحمل كل تلك الصفات ودون حدوث مؤثر خارجي على إستمرارية تواصل أجياله أن يقدم لنا سياسيين مثل الذين يحكمون باسمنا اليوم ، هل هناك مبالغة فى تضخيم القيم التى نحملها كغيرنا من الشعوب ؟ لنأخذ مثلا التسامح تلك المفردة التى يلوكها الإعلام الرسمي لغرض فى نفسه حتى لا يطالب الضحايا من الشعب السوداني الحكومات بحقوقهم ماذا كتب عنها الكاتب والشاعر محمد طه أمفريب قال ( فى نزاع حدودي بين إثنين من المزارعين يموت العشرات من الجانبين مع إنهم من قبيلة واحدة فى الغالب فأين التسامح هنا )...إنتهى كلامه. فى خلاف حول إمرأة مات أكثر من مئتين من قبيلة واحدة ، حروب المركز السياسى ضد شعب الجنوب التى راح ضحيتها أكثر من مليونى شخص حتى وصفت بأطول الحروب فى إفريقيا ، حرب دارفور، الحروب الجهادية بجبال النوبة ، حروب الشرق حروب السدود فى الشمال ، الموت وبأفظع أشكاله عقاب من شرع فى إرتكاب فعل إرتكبه قادة الأنقاذ جريمة كاملة والمقصود إعدام أكثر من ثمانية وعشرين ضابطاً فى ليلة عيد شهر أنزل فيه القران وذلك لمحاولتهم الإنقلاب على الإنقلاب ، هل كل هذه الدماء التى سالت تجعلنا شعب ينفرد بصدارته من بين شعوب العالم حتى نقول عن أنفسنا بأننا شعب أكثر تسامحاً ؟ قد يثار تساؤل من المسئول عن تلك الحروبات ؟ الإجابة تكمن فى بساطة السؤال نفسه إنها الديكتاتوريات والشعب السودانى معاً لأن الشعب قد أتيحت له أكثر من فرصة لإختيار حكومته وفق برامجها والتى كان فى صدارتها الحل السلمى للحرب ضد شعب الجنوب فلم تحل سلمياً ولم يرغم الشعب حكوماته التى أتى بها لتنفيذ برامجها ولو فعل لحقنت دماء كثيرة . لنأخذ الأمانة كقيمة مثالاً ثانياً ، إنه لتعميم مخل أن يوصف مجتمع كامل بأنه أمين لأن المبالغة فى إظهار هذا الوصف من شأنها أن تحمل هذا المجتمع عبء يفوق طاقته كبشر كما يصعب تفسير فساد الذين يحكمونه لأنهم أيضاً ادعوا بأنهم أتوا من صلب هذا الشعب كما قال بذلك " إبن الأغبش " الكبير د. نافع وكأنه يريد أن يقول لنا إن الإنسان إبن بيئته فمن أين أتينا نحن إذن ؟ صحيح لا أحد يستطيع أن ينكر انتماءكم لهذا الوطن بالرغم من إصراركم الدائم بنفى هذا الإنتماء وذلك بتبنيكم الطرح العروبوى فى وطن لا تنتطح عنزتان فى إفريقيته عنصراً وسحنة ولكن الصحيح أيضاً إن المقصود من السؤال من أين أتيتم بكل هذه القسوة من قتل وتشريد وتعذيب وفساد ذمم وأخلاق وحروب ودمار لأبناء شعب إدعيتم إنتماءكم إليه هل كل هذا الذى حدث لا تأثير للبيئة عليه أم إنها أمور ذاتية لا دخل بالموضوعي بها وهل كل هذه الموبقات التى ارتكبتموها بحق هذا الشعب لا جذور لها ؟ أم إننا قبل قدوم الديكتاتوريات كنا نعيش فى مدن فاضلة خالية من القتل والعنف والفساد وهل كان الفرق فرق مقدار وليس فرق نوع ما بين ماضينا وحاضرنا ، لهذا لا أعتقد بأن الإجابة ستكون بالنفى ؟ لأننا كغيرنا من الشعوب التى تشاركنا فى هذا الكوكب نحمل كل المتناقضات التى يحملونها هم كقيم ، أما التضخيم والمبالغة فى تفردنا بهذه القيم دون سائر الخلق فيجعلنا نتساءل لماذا نهدم كل قيمة للأمانة داخل الوطن ونمتاز بها خارجه وبماذا نفسر إنهيار الرقيب الداخلى " الضمير " عندما إنهار الرقيب الخارجى " صاحب المال " ساعة إجتياح صدام حسين الكويت ، والنتيجة مازال دم الأمانة المسفوح أمام بريق المال يطارد بعض السودانيين حتى هذه اللحظة ، وإذا أخذنا الصدق مثال أخير كقيمة ملازمة للأمانة فهل نحن كما يحكى عنا أم إننا كغيرنا من شعوب العالم تعرف خصالنا بأضدادها ، كما كان فى البدء كلمة بدأت الإنقاذ بكذبة " إذهب للقصر رئيساً وأنا للسجن حبيساً " ومنذ ذلك الوقت بدء الكذب الممنهج هو الذى يحكم هذه الدولة إلى يومنا هذا ما أن يعتلى أحد قادة الإنقاذ منبراً حتى يبدأ تحسرنا على قيمة الصدق التى سرعان ما تصبح خارج نطاق البوصلة نحو الحقيقة ، وعندما إنهار ميثاق شرف خيانة الوطن بين البشير والترابي ماذا قال البشير في الرجل الذى أوصله إلى الرئاسة ؟ قال هذا الرجل قاصدا الترابي يتنفس كذبا ، وعندما أصبح الترابى نفسه خارج مدار المهنة وبطريقته المعهودة التى تذكرنا بمصابي مرض " متلازمة لاتوريت " والذين لا يعرفون هذا المرض يعرًف بأنه مرض يصيب الجهاز العصبي فيأتى المصاب بحركات لا إرادية " ما أن يجد فرصة حتى يصيب مصداقية قادة الإنقاذ فى مقتل وحتى البشير نفسه عندما ظهر فى التلفزيون قومي البث فقط ولا يحمل من القومية إلا اسمها ، وعندما كان يقود تجريدات الموت فى جنوب السودان قال( عندما حانت ساعة الصفر لتنفيذ وأد الديمقراطية ولمزيد من التمويه أعطاه الطبيب نتيجة فحص كلها صلايب ) وفى الواقع فهو يفوق البغل صحة هكذا يفهم من كلامه فهل هذا قول يصدر من رئيس دولة تدعى تبنيها مشروعا حضاريا ولو صدر مثل هذا الكلام فى أى دولة تحترم قيم شعبها لتم إسدال الستار على حياته السياسية إلى الأبد . ما أود قوله هنا أن هؤلاء التتار إغتصبوا الحكم من أجل الحكم وليس وسيلة لتحقيق أى غاية وإلا فليقل لنا من ينافح عنهم ماذا كسب الشعب السودانى خلال عقدين من الزمان سوى الموت والحزن المقيم والدماء التى غطت كل أرض الوطن ، فمن ينتمى إلى شيء لابد أن يحبه فهكذا تكون طبائع الأشياء فهل هؤلاء ينتمون فعلاً إلى هذا الوطن حتى يقول الأديب الطيب صالح إن كبيرهم خير من يقود هذا الوطن .
umniaissa@hotmail.com |
© Copyright by SudaneseOnline.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة
الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة
عن رأي الموقع