بابكر محمد عبدالله المحامى-كمبالا
e-mail:basuro95@yahoo.com
الهجوم على معسكر "كلمة" تأكيد بأن
ما يجري في دارفور إبادة جماعية
ان أزمة دارفور هى النموزج الحى للأزمة التى تمر بها الدولة السودانية, بل هى التى اوضحت بجلاء ان واقعنا السودانى هو برميل بارود قابل للأنفجار فى اى وقت من الأوقات،فقد تمت تعرية عيوب الواقع السياسى فى السودان من خلال هذه الأزمة بشكل لم يسبق له مثيل. ليس كما يحاول البعض تفسير الأحداث، من منطلق التهرب من المسئولية, بأنها صراعات قبلية أو أن السودان مستهدف من جهات أجنبية, او غير ذلك من الأسباب التى تتجنب الحديث عن ان هنالك اشكالية التنمية غير المتوازنة فى البلاد وان الطريقة التى تدار بها البلاد لا تختلف كثيراً عن النظرة الإستغلالية للشعوب من قبل الساسة الذين ورثوا السلطة من المستعمر, بل ورثوا اسوأ من ذلك سياسة الإستغلال واعطوا لأنفسهم الحق فى إعادة هندسة المجتمع السودانى المتنوع بحيث يتم إستيعابه فى الإطار الوطنى الذى اخذوا يبلورونه فى المركز ومن ثم فرضه على الكل بغض النظر عما اذا كان يعبر عن هذا الكل المتنوع ام لا.
كذلك فأن أزمة دارفور يعتبر مثال حى لمدى إستفادة السودانيين من العبر والدروس من خلال الأزمات التى تمر بالبلاد، وذلك بحيث يعملون بشكل جاد للحيلولة دون دخول البلاد فى تكرار ممل من الأزمات,( الجنوب, جبال النوبة, النيل الأزرق, شرق السودان, كجبار.. الخ.) او الوقوف بصلابة لوقف ما يتم فى دارفور والحيلولة دون تفاقم الأمور للمستوى الذى آلت اليه الأمور. ولكن وكأنهم فى سبات عميق او فى كهف قصى مظلم بعيدا عن مجريات الحياة وما يدور فيها, استيقظوا فجأة مع قرار المدعى الجنائى الدولى الذى تقدم بطلب للمحكمة الجنائية الدولية للقبض على عمر البشير لمسئوليته عن الجرائم التى أرتكبت فى حق شعب دارفور. إذ تبارى العديد من( القيادات) فى إبداء وجهة نظر كل منهم فى ذلك الإجراء القانونى بكونه يهدد كيان الدولة ووجودها, او ان هنالك مؤامرة دولية ضد السودان او ان الأمر لا يعدو كونه كيدا سياسيا من دول لها أطماع فى السودان او تهدد مشروعه الحضارى او تستهدف هويته العربية الإسلامية!! لم يدرك هؤلاء الأشخاص ان الإنغماس فى الجرائم الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية كفيل بتعريض البلاد للتدخل الدولى، وإن أدركوا ذلك، فإن موقفهم لوقف تلك الجرائم لم يتجاوز إبداء ارائهم على إستحياء ، بينما نرى التزامهم التام بتحذيرات النظام وتهديدات أجهزته الأمنية لكل من يتحدث عما يجرى فى دارفور من إنتهاكات.فقد سمعنا ان البعض منهم قد تم إعتقاله بسبب مشاركته في مظاهرات لأرتفاع أسعار الوقود فى الخرطوم , بينما لم يحرك احد من تلكم القيادات قواعده او الجماهير إحتجاجا على ما يجرى من تقتيل فى وسط المدنيين فى دارفور, ولو ادى ذلك الى دخولهم المعتقلات. لم يتبين هؤلاء ان بلوغ قضية دارفور الى مجلس الأمن ,وصدور قرار منه تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة, الذى يفرض التدخل واجراءات بما فى ذلك التدخل العسكرى, ان السودان قد بلغ مستوى الدولة الفاشلة بحيث يستدعى الأمر من القائمين على أمر التنظيمات السياسية فى البلاد إتخاذ ما يلزم لأيقاف المؤتمر( الوطنى) من مواصلة إرتكاب جرائمه, بل الغريب والمدهش أن نرى تدافع العديد منهم للوصول الى صيغة من صيغ التحالفات مع المؤتمر الوطنى.
ان الغرض من تضمين قانون روماً نصوصاً تبيح تأجيل الأجراءات فى المحكمة الجنائية الدولية هو إيتاء الفرصة للقائمين على الأمر لمعالجة المشكلة بحيث يقتنع المجتمع الدولى بأن الدولة المعنية لديها الأرادة والقدرة للمعالجة بحيث لا يستدعى التدخل الدولى. ومفهوم القائمين على الأمر لا يقتصر على قادة المؤتمر الوطنى وحدهم وانما يشمل بقية القيادات السياسية لما لهم من دور ومسئوليات قيادية تحتم عليهم الوقوف بصلابة مع الحق الذى هو فى جانب الشعب, لا الخروج فى مسيرات هتافية او الحديث فى مؤتمر صحفى يتم إستغلالهم فيه من قبل المؤتمر الوطنى لإظهار ان الشعب السودانى يقف مؤازراً للبشير ضد وقوفه امام العدالة بسبب الجرائم التى ارتكبها فى دارفور.!
نعم نحن محتاجون لمشروع وطنى يضع حداً للتداعى المتسارع للدولة السودانية بحيث نتجنب الحروب الأهلية ,التى تطرأ من وقت لآخرفى السودان، وهذا ما طرحته حركة تحرير السودان في ميثاقها لحل المشكلة السودانية برمتها وحل مشكلة دارفور فى ذات الوقت. التدافع لأيجاد مخرج للبشير من إجراءات المحكمة الجنائية الدولية لا يمكن ان يسمى بالمشروع الوطنى او أهل السودان!!!.
ان أزمة دارفور لا يمكن ان تعالج اذا كان ينظر اليها بخلاف المعالجة الكلية التى تحوى المشروع الوطنى للدولة السودانية. فعلينا ان لا ندفن رؤوسنا فى الرمال والبدء بكل شجاعة فى خلق الشروط التى تساعدنا على الخروج بوطن يحتمل فيه كل ابناءه بعضهم البعض ونتجاوز مفهوم الدولة العنصرية التى ترى ان على السودانيين ان يتقبلوا هذا الواقع غير العادل حتى نحافظ على وجودنا موحدين، اما ان نرى بعضا من القيادات لا تحركه قتل الكثيرين من المدنيين بواسطة الدولة, بالقدر الذى تحركه محاولة جلب المسئول عن تلك الجرائم امام العدالة, فأن ذلك لا يمنعنا من القول بأن على الشعب ان يعيد النظر فى اى نوع من القيادات يتكلم بأسمه.
وانا اكتب هذا المقال بلغنى نبأ هجوم الحكومة أمس الأول على معسكر كلمة للنازحين(اكبر معسكرات النازحين فى دارفور), حيث قتل ما يزيد عن الخمسين أكثرهم من الأطفال والنساء, وجرح ما يزيد على المائة. لم اسمع اى رد فعل حازم من قبل القائمين على أمر التنظيمات السياسية في البلاد خاصة الذين هرعوا للدفاع عن البشير فى موضوع المحكمة الجنائية الدولية, والذين أصبحوا يلوكون ما ابداه البشير فيما سمى بمبادرة أهل السودان!!! اليس هذا إستهتارً بالعقول, الا يدعو الأمرالتصدى لهذا الطغيان وتأليب القواعد ضد سلوك هذا النظام ام ان ما يجرى فى دارفور لا يستحق تحريك الشارع. اقول ذلك لأنه لو توافر شعور مشترك بالأنتماء لدى الجميع لما توانى كل القيادات عن تحريك الشعب للوقوف ضد هذا السلوك, فلا أحد يرى اسرته تقتل ويقف موقفا سلبياً. وهذا من الدروس التى يجب ان نعيها من أزمة دارفور وهو ضرورة التفكير فى خلق الشروط التى توفر الأحساس المشترك بالإنتماء الذى هو فى غياب تماما عن سودان اليوم , فعامة الشعب يتابع ما يجرى فى دارفور كما يتابع اية اخبار فى القنوات الفضائية, بخلاف أهل الضحايا الذين ان عبروا عن إنزعاجهم لما يجرى لأهليهم يتم أيداعهم السجون والمعتقلات بإعتبار ان لهم صلة بالتمرد فى دارفور, واذكر فى هذا المقام ان التجمع الوطنى عندما أخذ يقاوم هذا النظام بقوة السلاح لم نسمع بأن النظام قد أستعدى أهل قادة التجمع ( والعديد منهم من الشمال) بالقدر الذى يحدث للأهل من دارفور الآن, الم اقل ان لدينا أزمة إحساس مشترك بالإنتماء. وهل يتصور احد ان بلاداً يميز فيها بين المواطنين بهذه الطريقة ان يكون فيها إستقرار او انسجام؟
الواقع ان هذا الشعب العظيم هو بعيد تماما عما يتم بإسمه من قبل قادته السياسيين, وان هنالك غياب كامل للشعب فيما يتعلق بإتخاذ القرارت ذات الشأن العام, القرارت التى تعود على الشعب نفسه بالكوارث , فلكم ان تتخيلوا رئيس دولة يتورط فى جرائم مثل الذى تحدث فى دارفور حتى يصل الأمر الى مجلس الأمن وتصدر قرارات تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ويصل الأمر المحكمة الجنائية الدولية, ليأتى الرئيس ويقول (الزارعنا غير الله اللى يقلعنا). ليس هذا فحسب بل يرسل قواته لضرب النازحين فى معسكراتهم, فى الوقت الذى يتداول فيه الجميع مسألة الأجراءات فى المحكمة الجنائية وكيف يمكن تأخيرها لأتاحة الفرصة للحل السياسى. اقول اليس الهجوم على معسكر النازحين فى مثل هذه الظروف دليل على ان القائمين على أمرالمؤتمر الوطنى غير جادون فيما يسمونه بمبادرة أهل السودان او حتى الحرص على تحقيق اى سلام؟ بإعتبار ان تحقيق السلام سوف تتبعه أجراءات العدالة ،على اية حال، بمثل ما حدث لرادوفان كراديتش!, ام ان ما يخطط له قادة المؤتمر الوطنى هو شغل العالم بما يسمى بمبادرة أهل السودان فى الوقت الذى يستعجل فيه النظام حسم الأمور أمنيا وعسكريا ليأتى البشير ويزور دارفور قائلاً انه ليست هنالك مشكلة أصلاً وان الأمر لا يعدو كونه افتراءات من الدوائر الصهيونية، انكون مخطئين لو قلنا أن المؤتمر الوطنى بالهجوم على معسكر (كلمة) للنازحين يريد ارسال رسالة للجميع وخصوصا للمدعى الجنائى الدولى بأنهم لا يبالون بل مستعدون لقتل من تبقى من محرقة الموت حتى فى المعسكرات التى هربوا اليها طلباًً للنجاة. وبعد , ماذا ينتظر السودانيون من المجتمع الدولى والعالم ينظر اليهم من زاوية ان ليس هنالك مجتمع سياسى بالنضج الذى يضع حداً لأساءة إستعمال السلطة بالقدر الذى ينتج آلآف الموتى من المدنيين وبدون تورع فى زمن القنوات الفضائية.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة