MY FATHER’S MADRASA
“The Birmingham (Alabama) Post”, 9 July, 2008
Are the Madrasas a breeding ground for Islamic extremists, or schools that provide religious and moral teaching? MOHAMMAD ALI SALIH explains his father’s madrasa, and how it gave him conviction without fanaticism.
كتاباتي في صحف امريكية (19): خلوة والدي
"المدراسا" (الخلوة):
مستنقع للارهاب والتطرف؟ او مركز للتعليم والاخلاق؟
واشنطن: محمد علي صالح
----------------------------
1. لم تنشر صحيفة رئيسية هذا، ولكن نشرته صحف محلية كثيرة، مثل هذه: "بيرمنقهام بوست" (ولاية الاباما)
2. تستعمل الصحف الامريكية كلمة "مدراسا" الباكستانية لوصف ما نسمية "خلوة" او "مسيد". وايضا تستعمل "قورانيك سكول" (مدرسة قرآنية).
---------------------------
" لم يتعلم والدي تعليما حديثا. وذلك لأن البريطانيين الذين حكموا السودان ما كانوا بنوا، في ذلك الوقت، مدرسة في ارقو، على نهر النيل في شمال السودان، جنوب الحدود مع مصر. لكنهم بنوها عندما جاء دوري. وصرت اول واحد من قبيلة والدي البدوية (فرع الكبابيش، عرب دنقلا) تعلم تعليما حديثا، وتقدم حتى جاء الى امريكا للدراسات العليا.
في نفس الوقت، صار والدي اول واحد من قبيلته البدوية تعلم مبادئ القرأءة والكتابة، وذلك بفضل خلوة (مدراسا) في قرية وادي حاج، بالقرب من ارقو.
بالرغم من اعتراض قبيلته البدوية، دفعته رغبة قوية ليتعلم في الخلوة. وذك لأنه كان يأمل في الهروب من حياة رعي الابل، وتأجيرها للنقل المحلي. كان، في نهاية كل يوم، يركب حماره لمسافة ثلاثة اميال من مضاجع القبيلة الى خلوة القرية (خلوة محمد شيخ منور). وبعد ان يدرس ساعات قليلة على ضوء نار الخشب، كان يعود قبل منتصف الليل تقريبا.
عائلة كريمة:
لاحظت عائلة كريمة تسكن بالقرب من الخلوة اجتهاده، وعطفت عليه، وسمحت له بأن يقضي الليل معها اذا استمرت الدراسة الى وقت متأخر من الليل.
وقليلا قليلا، "تطور" والدي، وتحول من بيوت الشعر والقش في مضاجع القبيلة الى بيوت الطين في القرية. ومن ماء البئر الى ماء النيل.
ومرة اخرى اختلف مع قبيلته عندما تزوج واحدة من بنات العائلة التي أوته في القرية (وهي والدتي). وقاطعت القبيلة الزواج، وقالت ان السبب الرئيسي هو الخلوة. وان القبيلة، منذ البداية، ما كان يجب ان تسمح له بالدراسة فيها.
مثلما يشاهد الاميركيون في التلفزيون صور "المدراسا" في باكستان وافغانستان، وصور التلاميذ يرتدون ملابس بيضاء، ويجلسون على الارض، ويقرأون القرآن بصوت عال، وهم يحركون رؤوسهم الى اعلا والى اسفل، فعل والدي ذلك. ومثما تدور حياة هؤلاء حول القرآن، دارت حياة والدي حول القرآن.
القرآن الكريم:
بالنسبة لوالدي، كان القرآن مرجع القراءة، والكتابة، وقصص الانبياء، وقواعد اللغة العربية، وتاريخ الاسلام. واهم من ذلك كله، كان كتاب الاخلاق الذي درسه النزاهة والمسئولية والاخلاص في العمل.
ومثل "المدراسا" في باكستان وافغانستان، كانت الخلوة مركز النشاط الاجتماعي للقرية. يعقدون فيها عقود الزواج، ويحتفلون فيها بميلاد الاطفال، ويفرشون فيها حزنا على الموتى.
وتعلم والدي من الخلوة شيئا آخرا: قليلا من الطب النبوي، وعلاج المرضى باعشاب محلية وآيات قرأنية:
لا زلت اتذكر القرويين والقرويات يأتون الى منزلنا، يطلبون الفتوى في موضوع شرعي، او الخيرة في زواج او سفر، او العلاج من مرض. ولا زلت اتذكر والدي وهو يعالج الذين يشتكون من صداع بوضع يده اليمنى على رأس الشخص مع قراءة آيات قرآنية. او يعالج الذين يشتكون من آلام في البطن بكتابة آيات قرآنية ورموز بحبر الخلوة الاسود (المداد) على صحن من الصيني الابيض. وينصح المريض بأن يغسل الصحن بقليل من ماء، ويشرب السائل الاسود.
مسلم محافظ:
وانا اكتب لقراء في امريكا المتحضرة عن قرية فقيرة على نهر النيل البعيد، اريد ان اكون واضحا بأن الخلوة لم تعلم والدي ليكون "مسلما معتدلا" او "مسلما علمانيا"، او كما يريد الاميركيون ان يكون ذلك. علمته ان يكون "مسلما":
يؤمن بأن الدين عند الله هو الاسلام. وان الناس اما مسلمين او كفار. وان موسى وعيسى وبقية الانبياء معترف بهم، لكن محمدا هو خاتمهم. وان رسالته هى الاعلى.
ايضا، علمت الخلوة والدي ان الايمان درجات، وان اعلى درجات الايمان هي الجهاد بالمال والروح، لرفع الظلم، واحقاق الحق. وان الاسلام، نعم، دين سلام، لكنه، ايضا، دين عدل. وان لا سلام بدون عدل.
على اي حال، جعلت الخلوة والدي متدينا، لكنها لم تجعله مصابا بالهوس الديني.
وجعلته، والبلاد يحكمها بريطانيون مسيحيون، قادرا على ان يفرق بين مسيحيتهم وانجازاتهم.
وحمد الله على المدرسة التي بنوها، وادخلني واخواني واخواتي الاثني عشرة فيها. وعلى المركز الصحي، وعلى مركز البريد، وعلى السفن التي تبحر نهر النيل شمالا وجنوبا، تحمل الناس والبضائع.
رغم كل شئ، قدر والدي انجازات البريطانيين المسيحيين. واتذكر انه كان يسميني "قرينفيلد" على اسم مفتش بريطاني يبدو انه كان معجبا به.
لكن، في نفس الوقت، كان والدي يعرف ان البريطانيين اجانب يحتلون وطنه، وانهم يجب ان يعودوا الى وطنهم. وان بناء مدارس ومستشفيات لا يبرر الاحتلال (لأنهم كانوا يقدرون على ان يبنوها بدون احتلال).
بريطانيا وامريكا:
الآن، بعد خمسين سنة تقريبا، يفتخر والدي بأني اعيش في اميركا. ويعرف جيدا ان اميركا هي بلد الحرية والحضارة. لكنه غاضب جدا على السياسة الخارجية الاميركية نحو المسلمين. ويراها اعلان حرب عليهم.
ومثلما كان يرى ان بناء المدارس والمستشفيات لم يكن مبررا لاحتلال البريطانيين لبلده المسلم، يرى انها ليست مبررا لاحتلال امريكا لدول اسلامية مثل العراق وافغانستان.
ومثلما كان يرى ان معارضة الاحتلال البريطاني واجب وطني وديني، يرى نفس الشئ بالنسبة للاحتلال الامريكي.
انني احسد والدي على قوة ايمانه وعلى طمأنينة نفسه.
الأن، ومن وقت لأخر، اتحدث معه بالتلفون. وفي نهاية كل حديث، اطلب منه ان يدعو لى. واسمع صوته الخافت، صوت رجل في الثمانينات، من مسافة ستة آلاف ميل ، يردد: "ليحفظك الله. وليوفقك الله. وليهزم الله اعداءك."
Mohammad Ali Salih is the Washington correspondent for the London-based “Asharq Alawsat.” This article was written for “The Common Grounds News Service.”
.
مممممممممممممممممممممممممم
mohammadalisalih@yahoo.com