زفرات حرى
الطيب مصطفى
تمرد توريت والثورة على الاستعمار العربي (٢ - ٢)
في مقال الأمس استعرضنا احتفال الحركة الشعبية في جوبا وبحضور النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب ورئيس الحركة الشعبية بذكرى تمرد توريت واحتفالها كذلك في مدينة توريت بذكرى ما سمته الحركة »بثورة توريت« وذكرنا بعضاً من فعاليات ذلك الاحتفال الذي غطته الصحافة الجنوبية كما غطته صحيفة »أجراس الحرية« الناطقة باسم الحركة وأوردنا بعض العبارات التي قالها الفريق سلفاكير مما نُشر في »الخرطوم مونتر« عما سماه بيوم قدامى المحاربين ويوم الثورة وتسميته للمتمردين في ذلك اليوم بالأبطال... كما أوردنا خطاب والي شرق الاستوائية الوسيو ايمور الذي وصف العلاقة بين الشمال والجنوب عند قيام التمرد »بالاستعمار الداخلي« وان الجنوبيين قرروا بتمردهم »تحرير أنفسهم من الاستعمار العربي« وبالطبع فإن مما لا يخفى على القارئ ان الاستعمار العربي يعني الاستعمار الشمالي ثم أوردنا بعضاً مما تقيأه رئيس المجلس التشريعي في شرق الاستوائية من أحقاد ضد من سماهم بالعرب بما في ذلك مطالبته »بتذكير الأجيال الجديدة بهذا اليوم التاريخي«!!.
وهكذا تنبش الحركة الشعبية ذلك اليوم وتنفض عنه غبار النسيان بعد أكثر من نصف قرن من الزمان على تلك الواقعة التي تُعتبر من أشد الأحداث قسوة وإيلاماً في ذاكرة شعب السودان الشمالي ولا تكتفي بذلك وإنما تؤكد على أهمية تذكير الأجيال الجديدة حتى تظل تلك الأحداث التي شهدت مقتل المئات من الشماليين مشتعلة في النفوس ومركوزة في المشاعر جيلاً بعد جيل.
أحيلكم اليوم إلى ما كتبه نيال بول رئيس تحرير صحيفة »سيتزن« بتاريخ ١٢/٨/٨٠٠٢ معلقاً على احتفالات الجنوب بتمرد توريت ولا احتاج الى التذكير بأن نيال بول هذا يعبر عن مشاعر معظم النخب الجنوبية تجاه الشمال والشماليين الذين يكثر من استخدام عبارة الجلابة للتعبير عنهم وقد اختار الرجل العنوان التالي لمقاله »يوم ثورة توريت.. الانجاز الأول لرئاسة كير لجنوب السودان«Torit revolution day is achievement No.1 of kirr's presidenecy.
قال نيال بول »إن خطوة رئيس حكومة جنوب السودان الفريق سلفاكير لتعظيم ثورة ٥٥٩١ تعتبر أحدى الإنجازات المهمة لحكومته... إن يوم ثورة توريت يعتبر يوم قدامى محاربينا... إن بعضنا يقدّرون تعظيم هذا اليوم ونأمل من الرئيس كير الإقدام على خطوة أخرى تتمثل في إنشاء متحف حرب جنوب السودان في مدينة توريت وذلك من أجل تذكير أطفالنا بتاريخهم« ثم قال »فليعش يوم ثورة توريت... فليعش يوم قدامى المحاربين«.
ثم قال نيال بول »لقد احتفلنا جميعاً بذكرى الثورة يوم ٨١/٨/٨٠٠٢ لأن ذلك كان هو اليوم الذي رفض فيه آباؤنا الاستعمار الداخلي للجلابة... إن إعلان اليوم ذكّرنا بأن كير لم يتركنا حتى نتبع المفسدين الشماليين.
في العام القادم ينبغي أن نحتفل بيوم قدامى محاربي توريت في مدينة توريت وأن يُدعى جميع المواطنين حتى نقوم وبصورة جماعية بتطهير تراب أرضنا من الاستعمار الداخلي«.
نسيت أن أذكر أن نيال بول هذا لا يتوانى في التعبير عن مشاعره الحاقدة من حين لآخر ويُذكر له أنه قال إنه يكره اللغة العربية لأنها لغة المستعمِر كما أنه والفرد تعبان رئيس تحرير صحيفة »الخرطوم مونتر« ظلا يصفان القوات المسلحة السودانية بقوات الاحتلال occupation armey وذات اللغة التي ظلت قيادات الحركة الشعبية في جنوب السودان تستخدمها ومعلوم أن السياسي الجنوبي البارز بوث ديو كان قد قال ومن داخل الجمعية التأسيسية »لو كنت شمالياً لانتحرت«!!.
مما أثار انتباهي في مقال أحد كتاب صحيفة »أجراس الكنائس« من الجنوبيين اسمه خميس مادسون حول أحداث توريت التي سمّاها بثورة توريت انه طالب بإعادة دفن متمردي توريت في قلب المدينة وسط مراسم عسكرية حاشدة لأن »مثل هؤلاء المناضلين رموز للثوار الجنوبيين البواسل«!! على حد تعبيره.
أما جثث جنودنا وضباطنا فلا بواكي لهم وهم يقيمون في بيئة معادية تحتفل على بعد خطوات من مقابرهم بمقتلهم وتعتبر قاتليهم مناضلين وأبطالاً وبواسل!! بربكم ألا ينبغي أن نكرّم أبطالنا ونخرجهم من ذلك المناخ المعادي حتى نأمن ألا يعبث برفاتهم والمقبرة التي تضمهم والتي نزف قلبي دماً أو كاد حين وقفت أمامها عام ٨٩٩١ ألا يتعين علينا أن نفعل ذلك خاصة وأن القوات المسلحة التي كانت تحرس أولئك الأبطال قد انسحبت وحل محلها جيش حاقد يعتبر شهداء توريت مجرد أعداء لا يستحقون غير الإزدراء والاحتقار؟! وإذا كانت الحركة تحتفل بقتلاها الذين تعتبرهم أبطالاً بواسل على سبيل الوفاء ألا ينبغي أن نفعل ذات الشيء لشهدائنا وفاءً وعرفاناً.
بربكم هل يحق للحركة الشعبية أن تتحدث بعد اليوم أو تبتز الأحزاب والقوى الشمالية وشعب السودان الشمالي بأن عليهم أمراً يجب أن يضطلعوا به في سبيل جعل الوحدة جاذبة في وقت تقوم فيه بنكء الجراح وتعيد فيه كتابة تاريخ السودان من جديد وتسمي التمرد ثورة والقتلة أبطالاً بدلاً من طمر ذلك اليوم وغمره وعدم نبش سيرته من جديد؟!.
بربكم أيهما أحق بإحياء ذكرى تمرد توريت؟! الشمال الذي قُتل المئات من رجاله ونسائه وأطفاله غيلة وغدراً حتى قبل أن يخرج الإنجليز من السودان... الشمال الذي دفع ثمن أطول حرب في افريقيا... حرب أهلكت الحرث والنسل وتسببت في تخلف السودان ومرغت سمعته بين الأمم بعد أن كان عشية الاستقلال موعوداً ببلوغ الثريا تقدماً وعزة ومجداً، أم الجنوب الذي أشعل الحرب وقتل ودمر وضرب وعطّل مسيرة البلاد على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان ولا يزال؟!.
تمرد طواه النسيان إلا من ذكريات عابرة يجترها الناس من حين لآخر لأخذ العبرة والعظة وتصحيح المفاهيم تعيد الحركة له الحياة من جديد وتجعل منه يوماً وطنياً بالرغم من أنه أسوأ الأيام في الذاكرة الشمالية... يوم أُدخل السودان في نفق مظلم مليء بالوحوش والثعابين السامة لا يزال السودان يترنح ويتلوى ويتخبط كالملدوغ بين جدره الكئيبة ولا يرى ضوءاًَ أو شعاعاً يخرجه من متاهاته وبراثن ضواريه الفتّاكة والمتعطشة للدماء!!.
أليس عجيباً أن نرى صورة مطابقة لتمرد توريت البعيدة في الخرطوم بعد خمسين عاماً بالتمام والكمال وفي نفس الشهر - أغسطس ٥٥٩١ - أغسطس ٥٠٠٢ الذي شهد أحداث الإثنين الأسود؟! ألا يحق للخرطوم عملاً بمبدأ المعاملة بالمثل أن تُحيي ذكرى أحداث الإثنين الأسود وتسمي اليوم الذي ثأرت فيه لنفسها من متمردي توريت الجدد في قلب الخرطوم بيوم الأبطال ويوم الثورة ويقف د. المتعافي والي الخرطوم كما وقف والي شرق الاستوائية ويقف الرئيس البشير كما وقف الفريق سلفاكير في جوبا يعلن يوم الثلاثاء المجيد يوماً وطنياً في الشمال؟!.
وبالرغم من ذلك لا يزال البعض يتحدث عن وهم الوحدة الجاذبة في وطن يرى أحد طرفيه الشر خيراً محضاً والخير شراً محضاً... وطن لا يجمع بين بنيه جامع... يرى بعض بنيه التمرد ثورة والخونة أبطالاً وكيف نصوغ منهجاً موحداً للتاريخ يدرسه أبناء الشمال والجنوب حول توريت وحول مشكلة الجنوب؟! بلاد ترفض أن تعتبر بعبر التاريخ وتجارب الدول من حولها... بلاد تعشق الانتحار البطيء... بلاد ترى وتسمع كل يوم عن انفصال بين دولتين من دول العالم لم ترق فيه قطرة دم واحدة لكنها ترفض إلا أن تقدس الأصنام عاكفة في محرابها وهل من صنم أكذب من صنم الوحدة بين »الشمال والجنوب«؟!. |