الاشتراكيه والوحده العربيه : تجربة سودانية تتحدث
عبد العزيز حسين الصاوي alsawi99@hotmail.com
في سياق عملية اعادة النظر الشاملة والجذريه التي يخوضها قسم من قومييي السودان ( العرب ) ، وهي عملية مستمره كما يشهد صدور كتاب " مراجعات نقديه لتجربة البعث " في يونيو الماضي، جاء حديث عن مخرجات هذه العمليه( الاحداث 29 يوليو 2008 ) فيما يتعلق ببُعد الانتماء القومي العربي الثقافي ضمن الكيان السوداني علي النحو التالي : علي الصعيدين النظري والتطبيقي أًُعيدت صياغة هذا البُعد بشكل ينسجم مع معطيات التاريخ والحاضر الموضوعيه ويغدو بذلك ايجابي الحصيلة وطنيا فجري ابتكار مصطلح " العروبة السودانيه" جامعاً بين العمومية العربية والخصوصية السودانيه. كذلك أُسقطت الصفة العربية من اسم الحركة السياسيه ( من حزب البعث العربي الاشتراكي الي حزب البعث السوداني ) انسجاما مع تطور المضمون، ومع إنهاء الصله مع المنظومة البعثية العربية بقيادتها القوميه والتزاما بمقتضيات الديموقراطيه في اعتبار المواطنيه اساس العضوية الحزبيه." المقال الذي وردت فيه هذه الفقره أعتبر ان هذا التطور كان دليلا علي انتقال الحركة القومية في السودان من مرحلة التأثر بالحركة القومية خارجه الي مرحلة التأثير فيها او، حسب تعبيره، من علاقة البنوه الي علاقة الابوه واعدا بشرح التطورات التي قادت اليها هذه العمليه فيما يتعلق بالاشتراكيه في الثلاثية البعثية المعروفه ( وحده، حريه، اشتراكيه ).
تاريخ تطور حزب البعث العربي الاشتراكي ( الاب ) علي الجبهة الفكريه كان في أعلي مراقيه اواخر السبعينيات قد توصل الي ان هناك علاقة جدلية ضروريه بين هذه الاهداف مستخدما منهج /وحدة تحليل جامعة بين عنصري الصراع الطبقي والقومي. بما ان الاشتراكيه معّرفة بكونها التنمية المستقلة عن الهيمنة الرأسماليه، مرتبطة بالعدل الاجتماعي للطبقات الشعبيه ( انهاء الاستغلال الداخلي ) فأن اقتصاد الابعاد الكبيره الذي تتيحه الوحدة العربيه بحكم اتساع السوق وضخامة الموارد البشرية والطبيعيه تجعل مصالح هذه الطبقات هي المنسجمة كلية مع هدفي الاشتراكية والوحده العربيه بعكس الطبقات الاخري الاقطاعية والبورجوازيه التي تقولبت مصالحها الطبقيه تاريخيا علي اساس قطري ( اقليمي، ضد- وحدوي ). وسيلاحظ جيل الناشطين الفكريين والسياسيين السودانيين وغير السودانيين الذين عايشوا فترة مابعد هزيمة 67 ان هذا الطور في الفكر البعثي عكَس شبه الاجماع وسط النخب العربية انذاك علي ان الافتقار الي ماسمي بالوضوح النظري هو مصدر الهزيمه. لاحركة ثورية بدون نظرية ثوريه. وعليه فأن الضرورة تقتضي صياغة تصور نظري شامل. كما يعكس هذا الطور تأثير الماركسيه علي المدارس الفكرية الاخري لتوفر هذه الخاصية فيها ومن باب اولي علي المدرسة القوميه العربيه لكونها الاقرب في ذلك الحين الي الحركة الشيوعيه انظمة وايدولوجيات لاسيما بعد ظهور تيارات ماركسيه غير شيوعيه قامت علي استيعاب خصوصيات العالم غير الاوروبي مثل تيار ( المركز والاطراف / سمير امين ) وتيار تعريب الماركسيه ( الياس مرقص وياسين الحافظ ).
ورغم مشاركة بعثيي السودان في هذا التوجه أخذاً، وعطاء الي حد ما، الا ان عوامل اساسية ثلاث تفسر، في تقدير هذا المقال، دورهم المبادر لاحقا في اعادة النظر به ضمن حراك فكري بدأ يأتي اكله خلال التسعينات شاملا كافة جوانب التجربة البعثيه واليسارية عموما. العامل الاول هو وجود تقاليد استقلال نسبي في التنظيم البعثي السوداني عن النموذج التطبيقي البعثي العراقي علي متانة ارتباطه به تعود الي ان نشوء البعث في السودان تزامن مع تصاعد المعركة بين حزب البعث العربي الاشتراكي والناصريه اوائل الستينيات ثم المعركة الداخلية فيه بعد عام 63 مع " اللجنة العسكريه " اثر الانقلاب الذي اتي بالبعث الي السلطة في سوريا. الترسبات المتصلة بضرورة الاستقلاليه عن الدوله والحكومه في هاتين المعركتين بقيت كامنة في عقلية وذاكرة البعثيين السودانيين بعد استلام حزبهم السلطة العراقيه عام 68 اكثر من غيرهم من بعثيي الاقطارالاخري الذين نشأت تنظيماتهم في ظروف مختلفه. ومما ساعد علي اغناء هذه الترسبات وتنشيطها لاحقا في شكل مراجعة للمسلمات ونقد ذاتي للتجربه يتمحور حول مسألة الديموقراطيه، عاملان اخران . الاول هو النمو السريع للتنظيم البعثي في السودان خلال السبعينيات وهي فترة انحسار للنمو البعثي في الاقطار الاخري مما أكسبه احتراما لدي البعث العراقي وغيره وثقة بالنفس وتاليا قدرا معينا من الاستقلاليه والثاني هو انخراط البعثيين السودانيين الكامل منذ نعومة اظفارهم السياسيه في العمل المعارض للانظمة الدكتاتورية في السودان.
بشكل يتماسك تدريجيا بوتيرة متزايده في صيغ فكرية تستجيب لمتغيرات عالم اليوم وتتفاعل مع تياراته الفكرية والفلسفية، تتجه عملية النقد التطويري التي يتصدي لها منتسبو " حزب البعث السوداني " فيما يتعلق بمفهوم الاشتراكيه الي التخلي عن اطروحة الترابط الضروري بينها والوحده العربيه. هذا الترابط كان انعكاسا لتيار الحتميات الذي زحم الافاق عهد ذاك تحت تأثير نظريات تطور المجتمعات البشريه وفق انساق مقررة سلفا نحو الاشتراكيه ( العربيه لدي القوميين العرب والعلميه لدي الماركسيين ) فيما يشبه نظريات نهاية التاريخ في الليبراليه التي زحمت الافاق لفتره اواخر القرن الماضي.
إن اطروحة الاشتراكية التي وضعت المنتجين المباشرين للثروة القوميه واغلبية المجتمع الساحقه في بؤرة الفكر والعمل السياسيين تعتبر انجازا مفصليا في تاريخ البشريه ينبغي المحافظة عليه بالاستفادة من عيوب تجارب التطبيق في الانظمة الاشتراكية الشيوعيه وغير الشيوعيه وذلك بالحرص علي الوصول الي مكوناتها الاساسيه من خلال حركات وانظمه سياسيه مفتوحه. فمن المفارقات ان الحركة الاشتراكيه كتشريح نقدي جذري للرأسماليه وافكار وخطط لحماية قطاعات الدخول الضعيفة في مجالات التعليم والصحه والعطاله حققت نجاحاتها الكبري في انظمة المعسكر الغربي وليس الشرقي تحت ضغط الحراك المتعدد الوجوه الذي تسني للاشتراكيه كأفكار وحركة مجتمع مدني نقابي وسياسي اطلاقه في رحاب الديموقراطيه السياسيه. وسيؤدي الربط بين الاشتراكيه والديموقراطيه علي المدي التاريخي الي تغيير قسمات اساسيه في الرأسماليه وميلاد نموذج نظري وعملي هجين يجمع مدخلات الطرفين متخذاً إسماً مختلفا عنهما معا.
كذلك تتجه عملية تطوير ومراجعة فكر البعث الي إعادة صياغة فكرة الوحده العربيه علي ضوء حقيقتين بارزتين . الاولي هي ان وحدة الكيان الحضاري العربي او العربي الاسلامي الواحد في ملامحه الرئيسيه لاتستتبع ضرورة الغاء كيان الدولة الوطنيه التي يتعايش فيها العرب مع غير العرب بنسب متفاوته في كل بلد. فكما ان التجربة العمليه اثبتت ان ازدهار الكيان الوطني ورسوخ الولاء له رهين بأزدهار الديموقراطيه كثقافة عامه ونظام سياسي كذلك ثبت ان إقامة علاقات دستوريه وغير دستوريه فوق- وطنيه مع دول اخري، كما هو الحال في الاتحاد الاوروبي، رهين بنفس الشرط. الحقيقة الثانية انه ليست هناك علاقة ضروريه بين التنميه الاقتصاديه الناجحه والمساحة الجغرافية للدوله المعنيه او توفر الموارد الطبيعية والبشريه فيها. هذا ماتقوله بوضوح بليغ تجارب دول مثل سنغافوره واليابان وغيرهما حيث المعول هو علي كيفية ادارة العلاقات الخارجيه وتوجيه التأهيل التعليمي والتدريبي للقوة البشريه بما يخدم الاهداف التنمويه. من هنا فأن المحتوي العملي لفكرة الوحده العربيه لايختلف كثيرا عن محتوي فكرة الوحده الافريقيه وينتفي بذلك معيار القرابة القومية العربية او الافريقية بين المجموعات السودانيه والمجموعات البشريه في الدول الاخري كأساس لاقامة علاقة فوق- وطنيه سودانيه مع اي دولة. كما ان ماينطوي عليه فكر البعث السوداني من أن ظروفا تاريخية، وليس مؤامرة تاريخيه ضد- افريقيه كما تقول بعض التحليلات والمواقف الرائجة عندنا، أتاحت للثقافة العربيه او العربية الاسلامية وزنا سودانيا خاصا يمكن لاستثماره عقلانيا ان يكون ذا اثر ايجابي كبير، لايترتب عليه تفضيل مسبق للعلاقات مع الدول العربيه علي العلاقات مع الدول الافريقيه في مواقفه وخطوط عمله.
( عن جريدة الاحداث 19 اغسطس 2008 )
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة