سلامة الوطن- عبارة في غاية الأهمية ذات مدلولات و معاني عميقة في الانتماء و الوطنية عثرت عليها بطريقة الصدفة عندما كنت أبحر في صفحات من كتاب مذكرات ديغول للزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول, و تكمن أهمية هذه العبارة في كونه احد الدواعي الرئيسية وراء عودته- أي ديغول- للحكم بعد أن تآمرت عليه الأحزاب السياسية فاضطر إلى ترك السلطة عام 1946 عندما شعر بأنه لا يستطيع أن يحكم البلاد كما يري, ثم توالت على الحكم بعده عدة وزارات في ظل النظام عرف وقتذاك بالجمهورية الرابعة، وكان النظام مضطرباً وغير مستقر لان الحكومة تتغير فيه كل سنة وأحياناً كل بضعة أشهر, وبعدئذ اندلعت الأزمة الجزائرية وراحت الحكومات الفرنسية المتعاقبة تتخبط في طريقة حلها أو كيفية مواجهتها وفشل الاشتراكيون بقيادة غي موليه في تهدئة الأوضاع، و من المفارقات وبعد أن فلتت الأمور من أيديهم لم يجدوا بدا من اللجوء إلى الجنرال ديغول، فذهبوا إليه في قريته الصغيرة كولومبي لدو إغليز لإقناعه بالعودة إلى الحكم، وبعد تردد طويل فهم أن البلاد بحاجة إليه مرة أخرى لإنقاذها من خطر محدق, ولذلك لبى نداء الوطن فقبل بالعودة إلى سدة السلطة من اجل سلامة الوطن و خروج به إلى بر الأمان. اخترت هذا العنوان لمقالي حيث انه يتناسب مع وضع وطنا العزيز الذي ظل يشهد سلسلة من الأزمات المتزايدة منذ الاستقلال و حتى اللحظة, حيث أصبح واضحا إننا سائرون مباشرة نحو المجهول, لا ندري هل نتجه إلى التجزئة أم انهيار كيان الدولة كما هو الحال في الصومال؟ و من الذي سيتحمل مسؤولية تاريخية في كلا الحالتين؟
لقد واجه البلاد عدة تحديات و مشاكل كثيرة و ذاق الوطن صنوف العذاب بمذاقاتها المختلفة و أن ملامحه بدت و كأنه مجروحا أو منهكا تعبا في مختلف الأصعدة الاجتماعية و التنموية و الإستراتيجية على اثر الصراعات المحتدمة بين أبناء الوطن الواحد, بدءا بحركتي انيانيا الأولى و الثانية في الجنوب, ثم الحرب التي كانت تقودها الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان مرورا بجبهة شرق السودان, و أخيرا الصراع المسلح في دارفور إضافة إلى التقلبات السياسية في الحكومة المركزية بسبب الاضطرابات التي تشتد اتساعا من حين لأخر و تعاقب الحكم و السلطة بين الساسة و العسكر و هذا التعاقب لا يخلو تماما من المواجهة الدامية.
وفي مثل هذه الأوضاع غير المطمئنة و المتقلبة, لم يكن بوسع الحياة العامة أن تتجرد عنها, فان البلاد تخضع أحيانا لمؤثرات غير التي كان يجب أن تفرضها الحكومة. ففي المجال الاقتصادي, و من وجهة نظر النمو, لم تعد البلاد بلدا يتقدم, فالحروب كما هو معروف لن تجلب الرخاء المنشود بل تؤدي إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، و ارتفاع البطالة، وغموض في المستقبل الاقتصادي للبلاد، بلا شك فإن الحرب قد تركت آثارا سلبية على الأنشطة الاقتصادية في جنوب السودان فالبنية التحتية قد دمرت وخلقت حالة من عدم الأمن الاقتصادي، كما أن الإقليم يعاني الآن من تدهور شديد في البنية الأساسية في كل القطاعات الاقتصادية؛ التجارية, الصناعية، الزراعية.... الخ.
أما في الجانب الاجتماعي فالحرب عادة ما تساهم في تهديد الانتماء والخروج عن القانون والانحراف والأنانية المؤدية إلى شلل اجتماعي يهدد استمرارية جهاز القيم والمثل اللذين يميزان أي مجتمع.
و لحسن الحظ فالسودان لم يقود أي حروب مع جيرانها بعد الاستقلال و لكن الأحداث المتتالية, و الاضطرابات الداخلية المستمرة توحي بوجود أيادي خارجية و أجنبية خبيثة ربما تتربص بالوطن أو تقوم بتحضير الأحداث ثم يساهمون بها, بعد حين, باتجاهات مختلفة, نعم لا احد يستبعد وجود الأطماع الخارجية طالما السودان يمتلك كل الإمكانيات و المقومات التي يؤهلها لكي تكون دولة رائدة و مسئولة يمكن أن تلعب دورا مؤثرا في القضايا الإقليمية و الدولية...و من ينظر نظرة فاحصة للسودان يجده فريد بمعني الكلمة انه يمثل أكبر دولة من حيث المساحة في أفريقيا والوطن العربي، ويحتل المرتبة العاشرة بين بلدان العالم الأكبر مساحة حيث تقدر مساحته بأكثر من مليون ونصف ميل مربع، و يجري فيه نهر النيل العظيم الذي يزودنا بالمياه النقية, و موقعه المميز قلب القارة السمراء, و الثروات الطبيعية الهائلة إضافة إلى أراضى زراعية ضخمة مما جعله يسمي بسلة غذاء العالم.... هذا التفرد و التميز مقارنة مع الإحداث السياسية المتلاحقة و الكوارث الطبيعية المتكررة ( السيول و الفيضانات و حوادث الطيران و غيرها ) يذكرنا بحكمتنا الشعبية" إياكم من العين و الحسد او عين الحسود يقد العود" و كما يقول بعض الحكماء: والعين سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفاً لا وقاية عليه، أثرت فيه ولا بد، وإن صادفته حذراً شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها، وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء، فهذا من النفوس والأرواح، وذلك من الأجسام والأشباح. وأصله من إعجاب العائن بالشئ، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين، وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني....إذن سوف اذكر أمور يستأنس بها ولا يسلم بها لأنها كثيرا ما تفتعلها الشياطين للتفريق بين الناس، ولا مانع من اتهام أحدا من الناس مع حسن الظن به لأن العين تأتي من الحبيب والمعجب والحاسد!! ربما العين و الحسد وراء كوابيسنا رغم عدم إيماني بهذه النظرية إلا أن قرائن الأمور أحيانا تجبر المرء على مراجعة الأشياء و المفاهيم..فهل من دعاء وصلوات ليسلم الوطن الغالي؟
إن الوطن لا يمكن أن يتقدم خطوة للأمام ما لم يهتم أبنائه و بناته بسلامته و أن يلبوا نداءه لينقذ شرفه و روحه من المحن و المصائب.. فلا التقدم في بلادنا طالما قادتنا لا يهبوا حياتهم للوطن و العمل من اجله.. لا احد من قادتنا السياسيين يقدم تنازلا سياسيا من اجل تحقيق سلامة الوطن بل الكل يتمسك بموقفه المعلن حتى نهاية المطاف, ليزداد الحريق اشتعالا فيتآكل جسد الوطن رويدا حتى يظن الكثير من المتشائمين أن انهيار الدولة أصبح وشيكا و لكن في مثل هذه الظروف التي أصبحنا فيها مقتنعين بان حالة البلاد بين أمرين هما نكون أو لا نكون إذ ببعض القادة يخرجون إلى العلن بتصريحاتهم الجارحة و المتعالية و الأنانية بحق الوطن و مواطنيه ليعلن كل منهم انه هو البديل المنتظر!! من دون أن يقدم طرحا جديدا و مقبولا من قبل الشعب السوداني بل يمارسون سياسة اقتباس و تقليد الأفكار السياسية التي سبق أن طرحها القادة الآخرين... انه إفلاس فكري و مرض مؤلم ظل يعاني منه الوطن وواحد من العوامل التي ساهمت في تعقيد مشاكل البلاد, فقادتنا يظنون أن ذاكرة المواطن السوداني ضعيفة لا تميز بين طرح فكري جديد و القديم تم تداوله سابقا و بالا حري أن المواطن السوداني في غاية البساطة لا يقارن بأي حال من الأحوال بين أطروحات القوي السياسية المختلفة..
لعلي أن اسأل متى ينتهي هذا الصراع العنيف بين أبناء الوطن الواحد؟ و كيف؟ و هل الخمسين عاما هذه من الاحتراب و المعاناة و النفاق السياسي غير كافي لننهي ذلك على أن يتحول الأمر برمته إلى حوار هادئ و مصارحة متبادلة بحيث يسيطر فيه قوة المنطق على منطق القوة؟ أم هل الوطن بالفعل لن ينجب بعد القادة الملهمين و الأفذاذ الذين يقودون الأمم إلى بر الأمان و يعيدون الآمال لوجدان شعوبها؟
إذن يحتاج الوطن ألان إلى الأفعال و ليس تنظير المنظرين ولا أمال المتخبطين, كما انه يحتاج إلى الاعتذار المتبادل بين أبنائه في إطار المصالحة الوطنية الشاملة, و دون ذلك فربما سيعطي يوما ليقول الجيل الجديد " كفانا الاحتراب و التشرد و الضياع" فاتركوا أيها السادة إدارة البلد لأناس تشبعوا بحب الوطن و يضعون مصلحة البلاد في مقدمة أولوياتهم و فوق كل الاعتبارات الشخصية, أي قادة ذوي عزيمة وأجندات وطنية طموحة و لديهم قدرة على مخاطبة جذور مشاكلنا المزمنة... و يضيف الزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول أن القائد الحقيقي لأي امة أو شعب هو ذلك الشخص الذي يمهد الطريق لإنشاء جمهورية قادرة على تحمل مسؤولية مصيرها, و يزود الدولة بمؤسسات تتناسب مع مقتضيات العصر الحديث بالإضافة إلى الاستقرار و الاستمرار و غيرها من الأمور التي تقوم عليها حياة الفرد, و حياة المجتمع, و حياة الدولة, و بها تنظم أمورها انه قائد يستطيع أن يلم شمل أركان حزبه ورصف صفوفهم و توحيد كلمتهم قبل الشروع و الانخراط في العمل من اجل وحدة الشعب السوداني.
و خلاصة القول هي أن الوطن بحاجة إلى جهود كل أبنائه دون استثناء و إلى تضحية الجميع حتى يسلم و ينام بالتقدم و الرفاهية .....وتذكروا دائما أن الوطن مثل الأواني و التحف الزجاجية و لو كسرت لا احد يستطيع استرجاعها أو ترميمها.. و يقول الشاعر" إن الأوطان سرا ليس يعرفه احد.. ارايت الناس يهلكون فداءا للأوطان؟.. أو فداءا لملك أو قبيلة؟"