طلقة فى الظلام
سير .. سير.. يا البشير ... ولكن الى أين؟
د. الواثق كمير
kameir@yahoo.com
كيف سيرضى الرئيس المناصرين ... ويرد على الناقمين؟
ظللت أتابع باهتمام شديد وقلق بالغ مذكرة إدعاء المحكمة الجنائية الدولية وردود الفعل المتباينة التى صاحبت صدورها، نسبة لخطورة تداعياتها على حاضر ومستقبل وطننا. لقد أفنينا شبابنا وانقلبت حياتنا وحياة فلذات أكبادنا رأسا على عقب خلال العقدين الماضيين، فهجرناه لسنوات طوال ولم نعد للقاء أهلنا وأحبابنا إلا فى عام 2005 مستبشرين ومتعشمين خيرا باتفاقية السلام الشامل كفرصة، ربما أخيرة، لبناء الدولة العصرية المنفتحة التى تسعنا جميعا كمواطنين من الدرجة الأولى، محكومين وحاكمين، لنا حقوق وعلينا واجبات، وننعم فيها باستقرار ورفاهية طالما افتقدناها منذ حصول بلادنا على استقلالها من المستعمر فى 1956. ورغما عن الصعوبات والعقبات الجسيمة التي ما فتأت تعترض تجربة التحول والانتقال الجديدة إلا أننا كنا نبصر بصيص ضوء فى نهاية النفق. ومع أن خطوة المحكمة الجنائية لم تكن بالمفاجئة، فالكتابة كانت واضحة على الجدران منذ صدور الاتهام الأول ضد اثنين من المسؤولين السودانيين، إلا أن ما خلفته مذكرة الادعاء فى حق رئيس الجمهورية من مشهد درامى متعدد المظاهر جعل هذا النور الخافت يتبدد فى ظلام دامس! فقد أضحى السودان "صيوانا" كبيرا منصوبا فى فضاء البلاد يؤمه المتضامنون والمناصرون من السودانيين وضيوفهم من الأجانب وتختلط فيه مشاعر الحزن والغضب والذهول، ويتوارى عنه كل من أغبطه وأسره القرار! ولعله قدرنا أنه كلما "خرجنا من نقرة وقعنا في دحديرة!"، كما يقول المصريون.
ومن فرط متابعتى للأخبار ومراقبتى للتحليلات والتعليقات على شاشات التلفزيون والقنوات الفضائية والصحف والمجلات وشبكة الإنترنت، أصبحت (أو هكذا خيل لى) خبيرا فى تداعيات الادعاء بمساراته القانونية والدبلوماسية والسياسية، والتى تباينت الآراء بشأنها، وحسبت نفسى (أو سرحت فى الخيال) مقدم برنامج تلفزيونى ناجح أذيق خلاله ضيوفى "عذاب قبورة!". ولذلك لن أخوض فى هذا الجدال المحتدم بالمساجلات حول الأدلة التى قام عليها الادعاء، من ناحية ضعفها أو رجاحتها، أو ولاية المحكمة الجنائية الدولية على السودان، أو إن كانت الأولوية لتحيق العدالة أم لبسط السلام والأمن فى دارفور والسودان ككل. فلم يعد متاحا لأحد أن يأتى "بقيمة مضافة" بعد كل ما قيل وكتب، وبعد أن أدلى كل المهتمين والمهمومين بدلوهم ومن منطلق تخصصاتهم المختلفة.
بل سأكتفى فى هذه المساهمة بطرح سؤال لم تتطرق اليه هذه المداخلات: كيف سيرضى السيد الرئيس مناصريه والمتضامنين معه، فى الوقت الذى يرد فيه على الناقمين و"الشامتين" عليه؟ وبمعنى آخر، كيف سيحافظ الرئيس على هذا الاصطفاف السياسي الوطني خلفه حتى نهاية المعركة، مما يخيب ظن الناقمين ويستميلهم اليه؟ وفى تقديري أن الإجابة عل هذا السؤال هي التي ستحدد مصير البلاد والعباد فالرئيس، في هذا الظرف بالذات، ليس برئيس للجمهورية أو للحزب الحاكم فحسب، فقد كان رئيسا للبلاد حتى قبل تكوين وإعلان الحزب نفسه، كما أنه ليس برئيس لنظام "الإنقاذ"، بل أنه المسؤول الأول عن أهم عملية انتقال سياسى وتحول دستورى بعد استقلال البلاد فى 1956، كما شدد على ذلك السيد الرئيس نفسه عند التوقيع على اتفاقية السلام الشامل فى يناير 2005، وهو المسؤول الأول عن إبعاد شبح تقسيم وتشظى البلاد وتحقيق وحدة السودان الطوعية التى أعطتها ذات الاتفاقية الأفضلية. وجوهر عملية التحول هذه هو الانتقال السلمى للسلطة عن طريق انتخابات حرة ونزيهة وشفافة. فبمقدار ما يرضى الرئيس مناصريه ويتجنب شر الناقمين عليه يكون قد قطع شوطا بعيدا نحو تحقيق متطلبات المرحلة الحرجة والدقيقة التى يقودها، وحينها يتم تجاوز الأزمة وتنقشع تداعياتها نهائيا، ويضمن الرئيس ولاية انتخابية جديدة (رغم أنف الجميع!) ليكمل انجاز مهمة الانتقال! وفى محاولة للإجابة على هذا السؤال، سأتبع منهج التفكير بصوت مسموع لكى أشرك كل المهتمين والمهمومين فى مناقشة الخيارات المتاحة، وبصورة أدق هما خياران اثنان أراهما أمام الرئيس للتعامل مع المناصرين والناقمين، على حد سواء.
من هم المناصرون والناقمون!
لا يتشكك أو يطعن إلا مكابر فى المؤازرة الهائلة والمساندة غير المسبوقة التى حظى بها السودان، داخليا وإقليميا وعالميا، فى مواجهة إدعاء المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس الجمهورية. وبنفس القدر، فانه ليس من الواقعية فى شئ أن نفترض، كما جنح البعض، أن هذا الدعم والتعضيد يعبر عن كتلة صماء من المناصرين لهم نفس الادراك وتتطابق دوافعهم وأهدافهم، أو هكذا تتماثل توقعاتهم فى نهاية المطاف. ومن جهة أخرى، فان الناقمين و"الشامتين" أيضا ليسوا على نفس الشاكلة أو "طول الموجة"، فلكل مرافعاته ومبرراته (كما سأتعرض لذلك لاحقا). فحتى مجلس أمن الأمم المتحدة، الطرف الأصيل فى الأزمة، انقسم على نفسه عند مناقشة طلب تمديد القوات الهجين فى دارفور فأجبر "الناقمين" على تضمين قرار التمديد فقرة تعبر عن قلق بعض أعضائه من تداعيات الإدعاء على السلام والأمن فى دارفور والسودان ككل.
طليعة المناصرين
يقف المؤتمر الوطني وجماهيره في طليعة المناصرين لرئيس الحزب الحاكم ورئيس البلاد، بالرغم من أن قيادات الحزب قد عبرت عن، وروجت لموقفها من الأزمة بأساليب متباينة ولغة مختلفة تفاوتت فى درجة الحدة والغلظة، تجاوزت حدود اللياقة والأعراف الدبلوماسية فى بعض الأحيان، ولم يسلم من اللجوء لاستخدامها حتى الدبلوماسيين أنفسهم! فأنظر إلى كيف ينفث مندوب السودان للأمم المتحدة الهواء الساخن!
ولكن بنفس بارد، انتقد نائب رئيس المؤتمر الوطنى، ونائب رئيس الجمهورية، الأستاذ على عثمان، ادعاءات المحكمة لافتقادها السند القانوني وفقا لمقتضيات القانون الدولي، وعليه فان "الحكومة السودانية ستقوم بمناهضة هذا الإجراء بكل الوسائل المتاحة والمتعارف عليها دوليا في الاطار الدبلوماسي والإطار السياسي وفي كل الاطر المتاحة ولن نعترف بإجراء المدعي العام ولا بالادعاءات الباطلة التى ساقها". فهذا الاجراء يعقد القضايا ولا يساعد علي حلها، ويوثر تأثيرا مباشرا علي استقرار الاوضاع في السودان وبصفة خاصة علي مستقبل اتفاقية السلام الشامل وعلي قدرة الحكومة السودانية في انفاذ اتفاقية ابوجا التي تتعلق بترتيب الاوضاع في دارفور، و على انفاذ اتفاق الشرق، وسائر الاتفاقيات الأخرى. كما أن هذا الاجراء يتعدي اثره السودان للمحيط الاقليمي وستطال مضاعفاته وتؤثر علي الامن الاقليمي في المنطقة حول السودان وعلي الاستقرار فى أفريقيا ككل. ودعا الأستاذ على عثمان الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي والجامعة العربية ومنظمات حقوق الانسان ومنظمات عدم الانحياز الي التعاضد والتضامن مع السودان في رفضه ومناهضته لهذا الإدعاء. كما أن الحكومة تعمل "من خلال الجهد الوطني الداخلي لبلورة رؤية وطنية لحل قضية دارفور واستكمال الحلقات التي أفرزتها اتفاقية أبوجا حلاً يسع ويشمل بقية المجموعات الأخرى". كما لم يقلل من أهمية تحقيق العدالة وملاحقة المجرمين، ولو عن طريق القضاء الوطنى ووفقا للقوانين الوطنية.
وعلى نفس النهج، عقد رئيس الجمهورية فى اليوم التالى اجتماعا تشاوريا، ببيت الضيافة، مع كل القوى السياسية، المشاركة منها وغير المشاركة فى حكومة الوحدة الوطنية، شدد فيه على أن "كل الأحزاب القومية فى الحقيقة رافضة للعنف ونريدها أن تكون مشاركة أصيلة فى مبادرة لحل قضية دارفور من مرحلة التبشير الى مرحلة اسداء النصح وإبداء الرأى ومحاولة اجماع الرأى حول هذه المبادرة للوصول الى حل نهائى". وأضاف السيد الرئيس أنه يريد "أن يقوم الحل على العدل والإحسان وإعطاء كل ذى حق حقه، مع معالجة الأسباب الجوهرية للنزاع"، وعلى حد قول سيادته، أنه "كما تتعاظم التحديات الآن أيضا تتعاظم أمامنا فرص الحل لقضايا السودان المختلفة، وليس قضية دارفور وحدها. نريد أن نشرك كل أهل دارفور فى هذه المبادرة بمختلف قبائلها وطوائفها وبقياداتها ومثقفيها بمختلف توجهاتهم، بمن فيهم حملة السلاح".
وقد شكلت هذه النقاط الموجهات العامة لإدارة الأزمة وتداعاياتها المختلفة. فبهذا الفهم المتكامل للأزمة بأبعادها المتعددة، شكل رئيس الجمهورية لجنة تنفيذية عليا لإدارة الأزمة مع المحكمة الجنائية الدولية برئاسة النائب الأول للرئيس، وضمت فى عضويتها كبير مساعدى رئيس الجمهورية (جبهة الشرق) وكبير مساعدى الرئيس (حركة تحرير السودان)، وذلك فى خطوة نحو توسيع المشاركة فى مواجهة الأزمة فى تجلياتها المختلفة. كما أطلق السيد الرئيس "مبادرة أهل السودان" التى تدعو لإشراك كل القوى السياسية السودانية وتشمل جميع الأحزاب المعارضة وكل الفصائل فى دارفور، بما فى ذلك الحركات المسلحة التى لم توقع على اتفاقية أبوجا لسلام دارفور. ومن جهة أخرى، تم توقيع الرئيس على قانون الانتخابات، بحضور نائبه الأول وكل القوى السياسية، تدشينا للتحول الديمقراطى والولوج الى مرحلة التعددية السياسية، رغما عن عدم الايفاء بمستحقات هذا التحول المتصلة بتهيئة المناخ لقيام انتخابات حرة ونزيهة وشفافة.
"أقوياء" المؤتمر الوطنى
ولكن قيادات أخرى في المؤتمر الوطني خرجت عن النص وتبنت خطابا متشددا، يرجع لعهد ما قبل اتفاقية السلام الشامل، ينضح بعبارات الشجب والإدانة والاستنكار ولا يقر بمحكمة جنائية دولية أو مجلس أمن، كما لا يؤمن حتى "بالآخرين" الذين يشاركونهم فى المواطنة والوطن لمجرد الاختلاف فى الرأى ومنهج إدارة الأزمة. ولا يعيب فى شىء التعبير عن الغضب والشعور بالمهانة شريطة أن لا يتحول الى منهج ثابت لا يرى حلا للأزمة إلا بتسيير المظاهرات وتعبئة الحشود وقهر الخصوم. وليت الوصم "بالعمالة" و"الارتزاق" و"الطابور الخامس" يقتصر على المعارضين السياسيين بل يمتد لكل المخالفين لتوجه هذه القيادات من الزملاء فى المؤتمر الوطنى، وكأن الزمالة في الحزب لا تشفع لهم أو تدفع عنهم ضررا. فهؤلاء المخالفين، فى نظر أحد الكتاب، هم "ضعفاء" المؤتمر الوطنى الذين تحمسوا للتجاوب مع طلب المجتمع الدولى. (الهندى عز الدين، آخر لحظة، 19 يوليو 2008) ولكن كما يقول اهلنا "اليتيم ما بعلمو البكا"، فقد اعتدنا على هذا النهج فى التفكير والممارسة لعقدين من الزمان وكنا، والسودان ككل، ضحية له. ولعلى أطرح سؤالا على أصحابه: صحيح هو منهج صلح لبعض الزمان، فهل يصلح لكل الوقت؟ وهل من تجربة معاصرة يمكن تقديمها كنموذج يحتذى به ويستفاد من دروسه؟ فالشروط الموضوعية المحيطة وقوانين اللعبة، بل واللاعبون أنفسهم قد تغيروا، بعد اتفاقيات السلام الموقعة بين المؤتمر الوطنى فى الجنوب والشرق ودارفور والقاهرة، بغض النظر عن مدى تنفيذها. ولكل من هذه القوى التزامات سياسية وأخلاقية أمام شعبها وواجبات وطنية، مشهود عليها إقليميا ودوليا، تملى عليهم ترجمة هذه الاتفاقيات الى سلام واستقرار دائمين.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة