|
دارفور االفلتان السياسى الى اين ؟
الهادى عجب الدور
دارفور هذا الاقليم المبرقع دوما برائحة البارود و المتهم بالانعزالية الجهوية و الاحتقان القبلى ونظرية المؤامرة و المسكون بالغبن الاثنى و الانزلاقات العشائرية و المكبل بالعرف الاهلى المتجذر و التخلف السياسى و الاجتماعى و الفقر الانمائى المدقع و الامن المفقود على حنايا الاقليم الخ ..... من مثبطات و محبطات التطور , هذه معطيات جزئية من حالة مشهدية تكرر نفسها برتابة تكاد تكون سجل تاريخى واخلاقى متتابع يلاحق الخارطة البنيوية الدارفورية بحلوها ومرها المعهود , اذ يتبادر لنا سؤال جدى وهو كيف يمكن الخروج من هذا الوضع التراكمى السيئ الى حالة صحية بلونياتها السياسية و الاجتماعية و اطرها التنموية و ارهاصاتها الحياتية المعاشة , و الاحساس بان اهل دارفور ناضجون و قادرون على صناعة المستقبل لانفسهم و للسودان بل حتى للانسانية , هذا السؤال له جوانبه الملحة و التى لابد لها ان تتعاطى مع الواقع و الوقائع كمركبات متناقضة , و الاعتراف بالاخر فى اطار الموزايك الدارفورى بفسيفسائياته و التحرر اولا من عقد التطاحن البينى و ثقافة رفض الاخر و الاقصاء ومحاولة تسيد الاخرين و التفكير لهم والاتفاق اولا على منهج واضح وشفاف و ابعاد السياسة المؤدلجة او المقبلنة من اضابير المرحلة لخلق جو معافى من التزمتيات تتناسق فيه المجهودات و تتضافر فيه المساهمات ويتاغم فيها الاداء الشفاف لتخطى المرحلة الاستثنائية الدقيقة .
هذه اولى الخطوات الرابحة للولوج للحقل السياسى و الاجتماعى بشكل مقبول للكل وهو المعترك الرئيسى الآنى و الذى يعتبر عنصر نشط من ميكنيزميات المرحلة واولوياتها التسابقية او المؤجلة .
لذا لابد من وجود وحدة عضوية ولو مفهمومية تتلاقح فيها كل الاطياف اى بمعنى اخر انه من الضرورى ان يكون هنالك تنظيم سياسى موحد او حتى هم جماعى كلى او تيار سياسى منسجم لقيادة و تسير المرحلة بافق واعى ببرامجه و اهدافه المصيرية ورؤاه الطلايعية للقفز بدارفور من موسم التخندقات و التجاذب الاثنى و الاهلى و الاستقطاب المحلى و الخروج بالاقليم من دائرة الكنتونات العشائرية و المربعات الامنية و الحواكير المليشيوية و تزمتيات الايدلوجيا التبعية و الغثيان الجهوى الضيق وغيره من مركبات الامور الهشة وكوابح التطور الحضارى. اذ انه من الملاحظ آنيا وببؤس ان هذا الاقليم يفتقد بشكل صريح و جدى وحقيقى لمرجعيات فكرية تنظيرية وساسة ناضجون او حتى للانتلجنسيا المهمومون بدارفور اولا فى اطار وحدة الهدف و المشروع الجماعى لحياة افضل لاهل الاقليم , اذا ان كل الموجودون حاليا اما انهم ساسة مسخرون لحساب مؤسسات و تنظيمات المركز الاستغلالية النهمة او انهم مدجنون وفقا لرؤى مؤدلجة تخدم مصالح قد تكون ذاتية شخصية او نفوذ عشائرى و اثنى ضيق او انهم امتداد لتنظيرات وتجارب فاشلة يتم تطبيقها على الهامش الدارفورى كحقل للتجريب و الاختبار المستديم . او انهم شتات بين مكعبات تنظيمية محلية ذات صبغة سياسية مشبعة بالفكر المليشيوى اكثر من كونها مهتمة بالعمل و الممارسة السياسية الناضجة و الشفافية و الحيادية الجادة , اذا ان الفلتان السياسى الذى تعانى منه دارفور هو من اكثر المؤثرات الفجة التى ستؤخر عقارب التلاقح و التواصل لكل الخارطة , لذا لابد لكل ابناء دارفور وفى طليعتهم الشباب و المستنيرين ان يفكروا بعقل راجح لبناء فكر او رؤية منهجية سياسية منسجمة و متسامحة ومتصالحة مع نفسها تسمح بأستيعاب كل الاطياف و المكونات على الواقع , اما محاولات الفرز والاحتواء التكتيكى الذى تمارسه بعض الواجهات او التنظيمات السياسية المحلية كى تتمدد على حساب الاخر او تتنفذ بروح السيطرة و البروبقندا ما هى مراهقات سياسية رخيصة وكبوات قادمة لن تؤدى لنتائج منطقية معقولة وموضوعية وهى بمثابة تأسيس للفلتان السياسى المشرعن , ودعوة لتفقيس اوضاع سيئة تكون بمثابة حاضن رئيسى للتزمتيات بلونياتها و القهر السياسى و الفكر المليشيوى و الذى لا يرقى الى مستوى الممارسة السياسية و الاجتماعية الواعية بقدر ما انه تمهيد حقيقى لنزاع تصادمى دامى مؤجل.
و هذا سيقود لرفض القراءات القديمة المتاحة لأنها اثبتت فشلها وعدم كفاءتها و انحسارها تحت عباءة وثوب تسخير الاخرين وتحميلهم باجندة سرية او تكتيكية معلومة المسار و الاهداف و الاتجاهات و المعالم .
فدارفور لا تحتاج لانبياء و قديسين بقدر انها محتاجة لابنائها بشكلها الحالى و هى مرشحة للمعاناة اكثر مالم توجد ارادة قوية وقيادة حكيمة تستوعب كل المكون و الا فأنها غير مؤهلة ان تقود نفسها بكل مسئولية وايضا غير مؤهلة كى تكون تابع مطيع للاخرين بشكل رضائى.
وخلاصة القول انه لا يمكن باى حال من الاحوال الاصرار عنادا على الاخطاء و الاستمرار على هذه الحالة المؤلمة فلابد الخروج من هذا الغثيان و هذه الغيبوبة السياسية المزمنة مهما كان فلابد من البحث مليا عن صيغة مشتركة او مشروع موحد يليق باهل دارفور ويلتقى حوله الجميع ويكون بمثابة طوق للنجاة و البلسم الشافى و الدواء الناجع لتشرزمات الاقليم و التراجيديا المريرة و الوحل الآسن الذى تغوص فيه المرحلة , ومهما كانت المبررات التى يصوغها المغالون فى شطحاتهم او تنكرهم او ترهلياتهم الطائشة, فالواقع هو الذى تعيشه دارفور وليس ما يفترضه المغامرون او المتهورون و مالم يعى شباب دارفور مسئولياتهم التاريخية يفكروا لانفسهم لتتحقق العدالة و الحرية و الامن و الامان و العيش الرغد و الكرامة الانسانية و الوئام الاجتماعى ويتحقق الهم الواحد ما دام المصير واحد
|