التسلل الي اسرائيل
رغم الرصاص و الموت الاسباب و الدوافع .. ؟
بقلم / ايليــا أرومــي كــوكــو
Kuku30@hotmail.com
لا يكاد اسبوع ان يمر دون ان تورد وكالات الانباء خبر موت واحد من الافارقة اوالسودانين في صحراء سيناء برصاص الشرطة المصرية .. فقد صار حلم الوصول الي اسرائيل بالنسبة للسودانيين في مصر حلماً تطارده رصاص الشرطة المصرية .. فما هي الاسباب و الدوافع التي دعت السودانيين الي التطلع الي تل أبيب و الاندفاع نحوها كما لو كانت مدينتهم الفاضلة ... فالبرغم من المواقف الايدلوجية و العدائية الدينية و القومية التي تقاطع بها الخرطوم تل أبيب . و بالرغم من المخاطرة و المغامرة بالروح و الحياة التي تهدد حياة المتسللين الي اسرائيل الا ان بعض السودانيين بمصر يفضلون مواجهة الرصاص و الموت من البقاء في مصر او العودة الي بلدانهم او بالاحري الي السودان . فالي متي سيستمر هذا الواقع المزري بعيداً عن اهتمام السلطات من المسئولين في مصر و السودان .. فالذين يموتون في النهاية هم بشر و اصحاب مشكلة ما مهما اختلفت معهم الحكومة المصرية او حكومات بلدانهم الاصلية ..
نأمل ان تلجأ الحكومة المصرية الي وسائل اخري غير الرصاص لمنع التسلل الي اسرائيل .. بدلا عن استخدام الرصاص و القتل يمكنها عمل شي لاثنائهم عن الذهاب الي اسرائيل .. فللحكومة المصرية علاقات مع الدولة العبرية التي يهرب اليها هؤلاء الناس من الذين لا حول لهم ولا قوه .. فما الذي يمنع الحكومة المصرية من ان تطلب من الحكومة العبرية اعادة وتسليم المتسللين لمصر فور دخولهم الي اسرائيل .. ففي الجانبين المصري و الاسرائيلي و علي طول الحدود يوجد جنود لكلا الطرفين .. في الجانب المصري يطارد الجنود المصريين المتسللين و عندما يفشلون من ارجاعهم او ييأسون القبضهم عليهم يطلقون عليهم الرصاص و يردونهم قتلي ..اما في الجانب الاسرائيلي فالمتسللين يستقبلهم الجندي الاسرائيلي و يجدون الرعاية و العناية و لو علي سبيل الدعاية السياسية .. قد يستخدم الاسرائيليون اللاجئين اليها من الافارقة او بالاحري من السودانين لتحقيق بعض مأربها او اهدافها .. قد ترسلهم الي السجون و لكنها بأي حال من الاحوال لاتطلق عليهم الرصاص و تقتلهم كالكلاب او القطط المسعورة ..
و قد تكون لمصر اسبابها المنطقية او السياسية تلزمها فعل ما بوسعها لمنع المتسللين .. و لكنني لا اجد لها مبرراً في استخدم الرصاص العنيف و الكثيف و القتل العمد للاجئين يأسوا من كل شي في الوجود حتي من الحياة ذاتها .. فلماذا لا تتعامل مصر وتتفاهم مع اسرائيل في الكيفية التي تمكنها من استعادة المتسللين اليها .. فقد فعلتها اسرائيل في الايام القليلة الفائته مع الفلسطينين من انصار فتح الذين لجأوا اليها فارين من مدينة غزه أثر خلافهم مع قيادة حماس ..
أن سيناريو القتل بالدم البارد المتكرر الذي يمارسه الجنود المصرين يعيد الي الاذهان ما فعلته الشرطة المصرية قبيل نحو عامين و نصف مع السودانيين المعتصمين بوسط القاهرة في ميدان رمسيس بالمهندسين .. والا مرالذي لا شك جعل اللاجئيين يفكرون في ملاذ جديد .. الممارسة العنيفة للسلطة المصرية مع السودانيين العزل المعتصمين بميدان مصطفي محمود ... تلك المعاملة القاسية التي مارستها القاهرة بحق المعتصمين هي التي فتحت الابواب علي مصرعيها للاجئين الي اسرائيل طلب لمأوي اخر ..
و كلما سمعت نباء عن مقتل متسلل الي اسرائيل اتذكر احداث ميدان مصطفي محمود الاليمة .. و القصة ادناه كتبتها في الذكري الثانية لاحداث ميدان المهندسين الغير انسانيه ..
ميدان مصطفي محمود
( ميدان المهندسين )
وســط القاهرة
قصة قصيرة
بقلم / ايليــا أرومــي كوكــو
Kuku30@hotmail.com
قبل عامين و في ليلة من الليلة من الليالي الشتائية القارصة البرودة .. و قتها لم يكن عالمنا قد شهد التغير المناخي بصورته الحالية .. هذا التغير في المناخ الذي جعل شتاءهذا العام حاراً نسبياً .. التاريخ هو الاسبوع الاخير من ديسمبر 2005م .. و المكان هو حديقة مصطفي محمود او بالاحري ميدان المهندسين بقلب القاهرة كما يحلو لبعض الاخوة المصريين تسميته .. ففي هذا الميدان الاغر اعتصم الاف عدة من اللاجئيين السودانيين .. و هؤلاء اللاجئيين هم من الذين هاجروا السودان هرباً من اتون الحرب الاهلية التي دارت رحاها بجنوب السودان و النيل الازرق و جبال النوبة اولاً .. و قد لحقت بهم ولايات دارفور فيما بعد عندما زحفت نيران الحرب التي أغمضت للتو في الجنوب لتشتعل في دارفور الكبري .. و لسنا هنا بصدد حروب السودان الاهلية منها او القبلية فلحروب السودان الكثيرة و الممتدة لاكثر من نصف قرن قصصها و حكاياتها المريعة و الرهيبة التي تقشعر لسماعها الابدان ..
اما قصة فض اعتصام اللاجئين السودانيين بميدان المهندسين بالقاهرة .. فهي قصة الانسان الذي تطارده التعاسة و تلاحقه بطش الانسان في كل مكان .. انها حكاية الشقاوة و بئس المصير التي تتربص بالمرء عندما يظن و غالف بأنه قد أضحي قاب قوسين او ادني من بر الامان و الطمأنينة .. لقد فر السودانيين من بلدهم عندما ضاق بهم سبل العيش و الحياة او البقاء علي قيدها .. فر السودانيين من وطنهم عندما احسوا بأن هذاالوطن الكبيرالقاره قد بات لا يسعهم .. عندما ادرك السودانيين بأن هذا السودان مسقط رأسهم أرض الاجداد و الاباء الذي يقدر مساحته بالمليون ميل مربع قد صار سجناً صغيراً ضيقاً يحرس جلاد شديد ذوبأس جبار ..
نزح السودانيين اولاً من كل اطراف السودان التي استعرت اركانها الاربعة بالحروب .. فروا و هربوا الي الخرطوم و بعض مدن الشمال الكبيرة و الصغيرة معاً .. و لكن الخرطوم هي الاخري و معها سائر المدن السودانية التي تتوفر بها بعض من سبل الحياة لفظتهم الي اطرافها البعيدة .. قذفتهم المدن الأمنة الي معسكرات البؤس و الشقاء و التشرد فكان حالهم كمن استجار من الرمضاء بالنار ىوق يكوزن العكس صحيحاً احياناً.. كانت المعسكرات تضيق الخناق علي قاطنيها في معاشهم اليومي فلا هم احياء بكرامة و لاهم اموات بعزة .. و كانت نظرات الاستعلاء و الاذدراء بصورها الكثيرة تقطع أوصال نازحي تلك الخيام من المعذبين في الارض .. و الذين لم تدوس بطون اقدامهم معسكرات النزوح سيصعب عليهم فهم و ادراك قدر و كم و حجم المعاناة النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية التي يجابهها ويحياها هؤلاء في كل لحظة و ساعه و يوم ...
فروا من قراهم و بلدانهم الصغيرة و من كل بقعة من بقاع او طرف من الاطراف المسحوقة بالحروب في السودان المترامي .. هربوا من اصوات الرصاص و الدانات و انفجارات الالغام الي معسكرات النزوح في المدن لم التي ترحب بهم .. تلك المدن التي ضخت و اشتكت و كشرت في وجوههم بل و احتقرتهم .. فأختاروا طلب حق اللجوء و الهجرة الي كل دول العالم التي ظنوا و أن بعد الظن أثم .. ظن التعساء الاشقياء بأن المهاجر و الملاجيء ستكون أكثر لطفاً و رحمة و بركة و غناً من أرض الوطن ... طلبوا المستحيل الذي لم يدركوه في وطنهم سعوا وراء السراب في المنافي القريبة و البعيدة فوصلوا الي أقاصي الكرة الارضية ليزاحموا الاسكيمو في مأويهم الجليدة ..
و كانت لمصر المأمنة القدح المعلي في ايواء السودانيين و اسقبالهم و احتضانهم .. اذ و فرت مصر بعض سبل العيش لكل السودانين علي حد سواء .. وجاحد كل من ينكر فضل مصر علي السودانيين في أي وقت من الاوقات .. الا أن مصر كانت في حسبان الكثيرين الذين قصدوها هي المحطة الاولي فقط لرحلتهم الطويلة .. تلك الرحلة التي تمنوا في احلام يقظتهم ان تكون علي بساط ريح تحط بهم الي ما وراء البحار .. و كانت الطموحات كبيرة كانت الاماني جميلة .. تلك الاحلام الوردية لم يفكر اصحابها في أي لحظة بأن تكون مستحيلة ابداً .. لسعداء الحظ فقط كانت قاهرة المعز نقطة عبور سريع الي لندن و باريس و انتاريو او الي سيدني و نيويورك و أسلو ... او الي اخر تلك المدائن العالمية الكبيرة البهيجة المترفة حيث الحرية و الديمقراطية و العيش الكريم كما الحياة فيها عزيزة .. ولبعضهم من اصحاب الحظوظ التعيسة فقد كانت أم الدنيا هي الحضن الدافيء الحنون و ان أبوا .. فليس كل ما يتمناه المرء سيدركه هكذا سريعاً او في لمحة البصر كما قد تخيل البعض منهم ..
وفرت مصر الملجأ الأمن كما كانت المفوضيات و المنظمات الانسانية الاوربية سخية كريمة تعطي باليمين و بالشمال ايضاً .. و بتوقيع سلام السودان بكينيا الشهير بأتفاقية نيفاشا للسلام .. أعتقد الاوربيين و الامريكان بأنهم قد تمكنوا بمعجزة من السماء أن يحققوا حلم كل السودانيين في الداخل و الخارج .. اعتقدوا بأن ما تحقق من توقيع لاتفاقية السلام كفيل بجعل السودانين الفارين من وطنهم يهرولون صوب السودان ..كفء المانحين ايديهم عن ارسال العون الي السودانيين المرابطين في مصر انتظاراً لاادوارهم في طابور الرحيل الطويل الي حيث النهايات السعيدة دائماً .. توقفت التأشيرات الي كل من أروبا و استراليا و الي كندا وأمريكا ..و ضاقت الحكومة المصريةى بالسودانيين صاروا بلا راجع منهم تنتظرها .. كما ضاق نفوس السودانين بمصر التي طالبتهم بالعودة الي السودان .. و بين شد الحكومة المصرية وجذب اللاجئيين السودانين من الذين قلت خياراتهم و تلاشت أمالهم او تبخرت احلامهم .. لم تبق المنظمات الانسانية و مفوضية اللاجئين و الحكومة المصرية للسودانين ولو خياراً واحداً يتكئون عليه .. و كان الكرت الوحيد بيدهم و خيار العودة الي السودان الذي صار ينعم بالسلام و الاستقرار .. السودان الموعود بالتنمية و الازدهار و الرفاهية .. كان علي السودانيين بالقاهرة العودة الي وطنهم الذي صار دولة منتجة للنفط و البترول .. هذ السائل الاسود الذي تسيل له لعاب كل الدول الكبري مثل ماليزيا و سنغافورا و الصين و امريكا و هلمجرا ..
و كان العودة الي السودان بالنسبة الي اللاجئيين بمصر هو بمثابة العودة الي العذاب و الشقاء او القفز الي المجهول .. كان السودان و لا يزال حتي الان في نظر بعض من ابنائه الذين اكتوا بنيران بعض اخوتهم في الوطن .. او الذين تعذبوا بسياط الجلادين و ذاقوا و شربوا الحنظل المر بكؤوس الظلم و بأيدي الظالمين .. فالعود الي هذا السودان و الدواخل مملؤة بهذه الكم الهائل من المرارت هو بمثابة العودة الطوعية الي القهر و الذل او العودة الي الموت الهلاك و الفناء.. و بهذا فلا استغراب في ان يعتصم اللاجئين السودانيين بفناء مصطفي لمدة تقارب السته اشهر .. هذه المدة كانت كافية جداً لكل الاطراف بغية الوصول الي الحلول المرضية التي تقنع المعتصمين بفض اعتصامهم .. و لكن هيهات فالمنظمات الانسانية و مفوضية اللاجئين لم تجهد نفسها و لو بالنذر القليل لتلافي المشكلة .. و كانت الحكومة المصرية تحاول بكل جهدها الدفع الي الامام و فض الاعتصام و اخلاء المكان من المعتصمين مهما كلفها الامر.. اما لحكومة السودانين فقد تعاملت مع الحدث بترفع واذدراء كبر النفس .. تعاملت الحكومة السودانية مع الحدث الجلل كما لو ان هؤلاء السودانيين هم سودانيو جزر الواق واق .. فأعتبرتهم من منتسبي الحركة الشعبية طلما هم من الجنوب و جبال النوبة او من دارفور .. مع العلم بأن الحركة الشعبية هي شريكة في حكومة الوحدة الوطنية التي يفترض منها العمل لجعل وحدة السودان وحدة جاذبة لكل السودانيين .. او يفترض منها العمل لجعل السودان وطناً جاذاباً لكل الفارين الهاربين منه .. ..
تشبث اللاجئين بحديقة المهندسين حتي النهاية .. و اختارت الحكومة المصرية اسواء الخيارات لفض الاعتصام .. وكانت المأسأة الانسانية بوسط القاهرة في تلك ليلة التي تضامن فيها البرد مع الحكومة المصرية ضد اللاجئين السودانيين .. و بحسب أهل الارصاد الجوي فقد كانت تلك الليلة واحدة من ابرد ليالي الشتاء التي مرت علي مصر و السودان في العقدين الاخيرين .. اختارت مصر وسيلتها القاسية جداً لضرب المعتصمين .. و كانت خراطيم المياة البارده هي السياط التي أتت علي رؤوس و ظهور الاطفال و النساء و الكهول من اللاجئين السودانيين الجوعي ..قتلت مصر الشقيقة بنيها بقسوة لم تكن تخطر علي بال انسان .. ووقفت الخرطوم متفرجة شامته كما لو ان المعتصمين شجر و حجر دعك عن كونهم بشر ينتمون لوطن يحمل اسم السودان ..
أما قصة اختيار اللاجئين السودانيين فيما بعد طريقاً ثالثاً للهروب الي اسرائيل و تفضيلهم الموت علي الاسلاكها الشائكة المكهربة علي العودة الي وطنهم السودان .. أن يختار السوداني الذي يحمل جواز وطنه عبارة كل دول العالم ما عدا اسرائيل .. فتلك حكاية نفضل ان يقصها لنا عجوزاً سودانياً نجا من الموت المحقق في تلك الليلة السوداء .. ذلك لان تجربة صب ماء بارد علي رأس انسان و الدوس عليه بعشرات من اقدام المفزوعين الراكضين.. هي في الواقع و الخيال تجربة قاسية جداً يصعب روايتها او تخيلها ...
ايليـــــا أرومــــي كوكـــو
الابيض
31 / 12/ 2007م
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة