غربا باتجاه الشرق
وطنية .. أم إستبداد بالرأي؟
مصطفي عبد العزيز البطل
mustafabatal@msn.com
طلب مني المشرف علي صفحة الرأي في صحيفة ( البديل ) المصرية، قبل فترة، أن أكتب للصحيفة مقالا أسبوعيا قصيرا في حدود سبعمائة كلمة. و رئيس تحرير ( البديل) صديق لصديقتنا الاكاديمية والباحثة المصرية المعروفة و الخبيرة في برنامج الامم المتحدة الإنمائي الدكتورة أماني الطويل، و أعتقد أنه كان واحدا من أفراد الدائرة المصرية الالكترونية المحدودة الذين دأبت الدكتورة أماني علي ان ترفدهم بمقالاتي الاسبوعية، تماما كما أفعل أنا و عدد من الاصدقاء، في دوائرنا الالكترونية، بمقالاتها و أعمالها البحثية. و في ظني أن دعوة الصحيفة المصرية ولدت و تخلّقت عند ذلك المدخل. و كنتيجة لتطور المراسلات بيني و بين محرر صفحة الرأي المار ذكره – و هو صحافي مثقف و مقتدر – نشأت صلة متميزة بين طرفينا. و بعد أن أصبح البساط ( أحمديا ) بيني و بين صديقي الجديد هذا أنهيت اليه أن أول مقالاتي ستكون تعليقا ناقدا – بل و رافضا في المبدأ و الممارسة - للموقف العنيد والمتصل الذي إتخذته نقابات الفنانين والمسرحيين المصريين ضد الكاتب المسرحي الكبير علي سالم، عقابا له علي الزيارة التي قام بها لدولة إسرائيل، قبل أكثر من عشر سنوات، في إطار برنامج أهلي، بغرض التعرف علي أوجه النشاط الثقافي في الدولة العبرية. وهو موقف بلغ من تطرفه و شططه حدا قامت معه تلك النقابات بحرمان المبدع المسرحي المصري من معاشه التقاعدي المستحق، و هو مسلك جبروتي بالغ الشذوذ يأباه الخلق المهني المتعارف و تمجه الفطرة السليمة، سيّما في حق شيخٍ فانٍ ناف علي السبعين من حياة قضاها متبتلا في محراب الفن والثقافة. و لم تكتف تلك الجماعات بهذا العسف بل مضت قدما، في إطار حملة متشنجة منظمة، لتفرض حصارا محكما علي ذلك المبدع وعلي أعماله فلم يتمكن من عرض مسرحية أو عمل إبداعي واحد خلال عقد كامل من الزمان. و قد هالني – بعد ذلك – أن كلماتي و نواياي التي أطلعت عليها محرر الرأي وقعت عليه وعلي رئيس تحرير الصحيفة المصرية وقع الصاعقة، لكأنهما رأيا بأم العين السوداني الذي حسِبوه موسي يستحيل في لمح البصر الي فرعون! و ما كان من أمر رد الفعل العصبي الذي خَبِرْته و دهشت له و إنقطاع صلتي بالصحيفة ليس مما نحفل به أو يدخل في أغراض يومنا هذا.
و لعل بعضا منا، في سودان الداخل و المهجر، تابع مؤخرا تداعيات الموقف الهستيري المستجد، المشابه للموقف الأول المعلن من المسرحي علي سالم، الذي تبنته مؤخرا فصائل المثقفين و الفنانين المصريين تجاه الأنباء التي رشحت عن قبول الكاريكاتيرست المصري الأشهر جورج بهجوري المشاركة في برنامج ثقافي رعته و نظمته هيئة الأمم المتحدة، و زيارته في إطار ذلك البرنامج الدولي في صحبه فنانين من أنحاء العالم المختلفة مدن رام الله و بيت لحم و القدس. و ذلك علي الرغم من أن للبهجوري، المسيحي الديانة، مواقف ثابتة و معلنة، معبّر عنها تعبيرا ساطعا قولا و كتابة و رسوما كاريكاتورية، ترفض الاحتلال و تندد بالتجاوزات الاسرائيلية. و كان الرجل قد إشترط علي الجهة الدولية المنظمة أن تُعرض لوحاته التي تعري و تدين إسرائيل ضمن فعاليات الرحلة الفنية و الثقافية وهو ما كان بالفعل. ومع ذلك فإن البهجوري، و كما هو متوقع، لم ينج من سياط العذاب و التنكيل و التشنيع و لم يعد بمفازة من تهم الخيانة و العمالة فلاذ – و هو علي عتبة الثمانين من عمره - بمنفي إختياري في فرنسا حيث قبع صامتا مبهوتا.
لم يعد خافيا أو عصيا علي الفهم أن عددا كبيرا من المشتغلين بالثقافة والفنون والدائرين في مداراتها في مصر يدمنون و يستمتعون في ذات الوقت، أيما إستمتاع، بإظهار المواقف العصبية المتشددة من قضية زيارة المصريين لأسرائيل، و ذلك بحسبان الأخيرة جزءاً من الممارسة الداخلة في حرم المصطلح الأكثر تداولا و هو: " التطبيع ". و التطبيع في مصر اليوم هو المرادف الطبيعي لخيانة القضية ( القضية التي لا يستطيع أحد من هؤلاء تعريفها و تحديد معالمها تحديدا واقعيا)، بينما نجد أن مقاومة التطبيع هي المرادف المقابل للبطولة و الوطنية و الفداء. ولكن علي سالم و جورج البهجوري و غيرهم، من الذين يتخذون بإزاء المسألة المطروحة موقفا مغايرا، لهم رأي آخر فهم لا يرون بأسا في أن يقوم المصريون بزيارة إسرائيل في أطار توجه إنساني حضاري يعزز فرص التعايش المشترك بين شعوب المنطقة، و يتيح التعرف علي أوجه حياتها السياسية و الاقتصادية و الثقافية، علي الاقل من باب: أعرف عدوك، إذا كنا نصر علي إعتبار إسرائيل –الشعب و الدولة - عدوا و عدوة، أو من باب دعم و توطيد مسيرة السلام اذا كنا قد أخلصنا النوايا المعلنة من أننا نرغب فعلا في حل القضية الفلسطينية و طيها طيا سلميا، وفقا لإراده الشعب الفلسطيني صاحب الحق الأول و الأخير في " إلياذة " الصراع العربي الإسرائيلي التي ولدنا و عشنا و نكاد نموت بين حلقات فصولها! و السؤال الإساس هنا هو: ما هي الأرضية الفكرية والمرجعية السياسية التي يستند إليها الرافضة المتشنجون في الإصرار علي وصم مخالفيهم من ذوي الرأي المغاير بأنهم خارجين عن الملة الوطنية يسري في حقهم حكم الإعدام المعنوي؟ إن هؤلاء المثقفين المصريين يخفقون إخفاقا مريعا في إدراك أن القضية في عمودها الفقري إنما هي قضية رأي، فبينما ليس ثمة ما يحول دون المرء وتبني موقف معاد للتطبيع مع إسرائيل تأسيسا علي ما يَعِنُّ و يبدو له من تقديرات و إعتبارات و رؤي، فإنه ليس هناك ما يلزم الآخرين بإعتماد ذات الخط و التماهي معه تماهيا كاملا، إذ ان هؤلاء الآخرين لهم، تماما مثل غيرهم، من الحقوق والواجبات التي أناطها بهم خالقهم ما يجيز لهم الاستقراء و التفكر و إلتماس المواقف التي يرون أنها أقرب الي الحق و أدني الي المصلحة الوطنية أو القومية دون وصاية أو إرهاب من أحد. و المعروف أن عددا من نقابات المهن الفنية في مصر تنص لوائحها الاساسية علي الفصل الفوري و الحرمان من الحقوق المعاشية لأي عضو يوافق علي المشاركة في أي نشاط ثقافي أو فني تكون أي جهة أسرائيلية طرفا فيه، حتي و لو كانت هذه الجهة معادية لتوجهات و ممارسات الحكومة الاسرائيلية! و لا أعرف في الحياة العامة الثقافية في أي بلد من البلدان نزعة جبروتية تضاهي مثل هذه النزعة التي إستطردت و أوغلت في العدوان علي حقوق الغير في التفكير الحر ثم أغلقت باب الإجتهاد ووضعت عليه أقفالها ثم قامت بتشمعيه بالشمع الأحمر!
و القضية في مجملها تعكس حالة عقلية عربية خالصة و متفردة، كما تجسد تجسيدا مباشرا حزمة من التناقضات و التعقيدات المتضافرة في تلافيف الثقافة السائدة في المنطقة. و لأمر ما، لا ندري كنهه لعله يرقد في باطن هذه الثقافة السائدة، فإن السواد الأعظم من الذين يدمنون إظهار المزاج العصبي، كلما ورد ذكر إسرائيل لا يريدون أن يفتحوا عيونهم علي واقع أن الممثلين الشرعيين للشعب الفلسطيني، الذين بإسمهم و بإسم قضيتهم، تُنتج و تُوزع مجانا هذه المشاعر الهستيرية، قد قاموا منذ توقيع إتفاق أوسلو الشهير في ١٣ سبتمبر ١٩٩٣، في أعقاب محادثات النرويج السرية في العام ١٩٩٢ و مفاوضات مدريد العلنية في العام ١٩٩١ بتطبيع شامل لعلاقاتهم مع دولة إسرائيل. صحيح أن هناك عقبات شتي تقف في طريق التنفيذ الكامل للاتفاق، نتيجة للتسابق والتنافس المشترك بين المتطرفين من الجانبين الفلسطيني والأسرائيلي لوضع العصي في دواليب ماكينة تطور المسيرة السلمية. و لكن شمس الحقيقة تجهر العيون وهي أن أعدادا لا تقع تحت حصر من الممثلين الشرعيين للشعب الفلسطيني علي مستوي القيادة السياسية و الثقافية وعلي مستوي الشارع الفلسطيني العام تمارس التطبيع بكافة أشكاله – عيانا بيانا - مع الدولة و الشعب الاسرائيليين في كل يوم و كل ليلة. بل أن كلمة " تطبيع " نفسها لا وجود لها في القاموس الفلسطيني أساسا، إذ لم تعد – في ظل الواقع الماثل - ثمة حاجة لها في معناها الاصطلاحي المتداول بين أولئك ( المثقفين ) المصريين الذين أرادوا – من قبيل المزايدة و الوصاية علي قضية تجاوزها أصحابها الأصليون – أن يجعلوا منها قميص عثمان يرفعونه ملطخا بالدم، و يلطمون من حوله و يشقون الجيوب مثلما شيعة كربلاء في أيام عاشوراء، في وقت ثاب فيه ورثة عثمان الشرعيون الي واقع جديد وجدوا في ملامحه و قسَماته موعدا مع التاريخ. و لست أدري أن كان هؤلاء المثقفون يرون التناقض الكامن بين غضبتهم المضرية علي فنان مسرحي يلقي محاضرة من منبر أسرائيلي ثقافي يحث فيها الإسرائيليين علي الالتفات الي المظالم الواقعة علي الشعب الفلسطيني، كما في حالة علي سالم، و موقفهم المتزيّد من رسام كاريكاتير يعرض رسوما تعكس معاناة فلسطينيي المخيمات، كما في حالة جورج البهجوري، من ناحية، و بين واقع الحياة اليومية للشخصيات الفلسطينية التي تتداخل مع الاسرائيليين تداخلا يوميا – في غير تأثم أو حرج - و تشارك في مختلف الفعاليات السياسية و الثقافية و الفنية الاسرائيلية و تتفاعل معها تفاعلا عضويا، و تحرص علي التواصل الاجتماعي مع الاسرائيليين بما في ذلك حضور مناسبات العزاء، بل و لا يحلو لبعضهم السهر ألا في مرابع تل أبيب و منتجعاتها!
لكن الذي يثير الأسي و العجب مجتمعين، عند تأمل مثل هذه المواقف الممعنة في الفقر العقلي و الوجداني، هو الحقيقة المثيرة للسخرية التي تفرزها المقارنة بين أرقام التعداد السكاني للدولتين الجارتين، فعدد سكان مصر يصل الي ثمانين مليون نسمة بينما سكان إسرائيل لا يتعدون أربعة ملايين و نصف المليون إنسان! و الفارق من الاتساع و الجسامة بحيث يخيل للمرء إن مصر لو شجعت سكانها علي الحركة و التنقل الإنسيابي المفتوح بين البلدين، فدخل المصريون الي مدن إسرائيل زرافات ووحدانا بغير عدد ولا حساب و فعلت الدولة العبرية ذات الشئ، لتلاشت إسرائيل و ذابت من الوجود جملة واحدة و ضاع أثرها في البحر الديمغرافي المصري! و لا يعرف المتأمل للواقع البئيس هذا تفسيرا لظاهرة الخوف المرضي من الخطر الاسرائيلي الذي يعشعش في الأدمغة المصرية – في ظل التفوق السكاني المطلق - إلا أن يكون بعضا من أهل الكنانة يؤمنون في أغوار دواخلهم بأن النسيج البشري الاسرائيلي - علي ضموره الكمي الشديد - ينطوي علي قيمة نوعية عالية الجودة و الفاعلية و التأثير بما لا يقاس، في مواجهة طوفان بشري مصري كمي هلامي يصدق عليه الوصف النبوي لمسلمي الزمان المتأخر: غثاءٌ كغثاء السيل!
و مهما يكن من أمر فأن مثقفي مصر و فنانيها الذين يصرخون كل ذلك الصراخ و يفتعلون كل ذلك الضجيج عند كل مناسبة تعلن فيها شخصية مصرية بارزة من صفوف المجتمع المدني عن رغبتها في زيارة إسرائيل، فيطلقون عليها الاحكام القيمية القطعية، و يصمونها بالخيانة، و يطففون من تاريخها الوطني و يبخسون رصيدها الابداعي، كما يفعلون مع علي سالم و جورج البهجوري، لا يكذبون علي أحد بقدر ما يكذبون علي أنفسهم و هم يتدثرون بدثارات الوطنية و القومية زيفا و إدعاءً، و يتصنعون الحرص علي الاسلام و العروبة و علي الشعب الفلسطيني و قضيته. و ما قولك - يا رعاك الله - في البراهين الشاخصة علي رسوخ خصلة النفاق عند هؤلاء المتكذبين؟ و أول المؤشرات التي تستدعي التأمل هو أن جمهرة الفنانين الذين ينابذون مخالفيهم في الرأي تحت دعاوي مقاطعة إسرائيل يعلمون تمام العلم أن غرفة صناعة السينما في مصر و بعض الغرف التجارية الفنية الأخري التي تنهض بمهمة التسويق التجاري للأعمال الفنية لألاف الفنانين و المشتغلين بالمهن السينمائية و التلفزيونية تقوم بصورة راتبة و منذ عهد بعيد ببيع الافلام السينمائية و التلفزيونية و الأغاني المصرية في السوق الاسرائيلي وفقا لعقود تجارية يتم تجديدها كل عام بين هذه الغرف و بين تلفزيون أسرائيل و عدد من مؤسساتها الثقافية التجارية. و علي إمتداد هذا العهد الطويل من التعامل الثقافي والفني التجاري مع تل أبيب، و في ظل التدفق الموصول غير المنقطع للعملات الصعبة من الصنبور الإسرائيلي، لم يفتح الله علي أي من فناني مصر و مثقفيها الأشاوش بكلمة هامسة واحدة تصف هذا النوع من التبادل بالتطبيع و الخيانة، ناهيك عن الزعيق و الصراخ و شق الجيوب. و الواضح أنه عندما يتعلق الأمر بأكل العيش و " المصاري " فإن كل الأوصاف و المواقف تصبح قابلة للنظر!
و لكن البرهان، الذي يكاد ينطق عن نفسه، علي أن فلاح هؤلاء المثقفين المدعين في التطفل علي القضايا و التربّص بالشخصيات العامة و تشويه صورها و محاربتها في أرزاقها المستحقة يقوم علي نهج من الإنتقائية العبثية و لا ينتظم علي صراط مبدئي، هو إن هناك من الشخصيات المصرية البارزة في مجالات العلوم و الثقافة من ذوي الوزن الثقيل، الذين لا يكترثون لهؤلاء المدعين و لا يعيرونهم ذرة إهتمام، تغشي إسرائيل في رائعة النهار أمام أنظار العالم دون أن يجروء أحد من هؤلاء علي ينبس ببنت شفه أو يكتب سطرا واحدا من قبيل الشجب و الاستنكار. و من أبرز الأمثلة العالم المصري، الحاصل علي جائزة نوبل في العلوم، أحمد زويل الذي زار أسرائيل و طاف مدنها و مؤسساتها، و تسلم من جامعاتها و مراكزها الأوسمة الشرفية و الجوائز التقديرية. و مع ذلك فأن جوقات محاربة التطبيع في الصحافة و كل المؤسسات الثقافية المصرية لا تذكر إسمه – و إسمه يكاد يكون وجبة ثابتة في كل المطبوعات المصرية و يبدو أنه سيظل كذلك حتي نهاية الالفية - إلا مسبوقا أو متبوعا بأوصاف التبجيل و التباهي والعزة الوطنية، من نوع " فخر مصر كلها " و أبن مصر البار "، دون أي إشارة – لا من قريب أو من بعيد – الي أنه يزور إسرائيل و مؤسساتها و يتباحث مع علمائها و مثقفيها. و لكن في مصر يبدو أن للوطنية، كما للخيانة، وجوه عديدة!
عن صحيفة ( الاحداث
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة