|
د. أسامة عثمان: نيورك
Ussama1999@yahoo.com
تعرضنا في المقال السابق لهامش الحركة للدبلوماسية السودانية داخل الدائرة الإسلامية ومجموعة عدم الانحياز وداخل الدائرة العربية وأبنا محدودية ذلك الهامش لتباين الدول المكونة وتضارب مصالحها مستشهدين بمواقفها في عدم مساندة إيران عند إحالة ملفها النووي إلى مجلس الأمن. كما بينا محدودية، بل الخطر الذي ينطوي عليه التحرك في الدائرة العربية، لحالة الضعف العام في الموقف العربي عموما ونظرة البلدان العربية لموقع السودان ودوره الهامشي وغياب اهتمامها بقضية دارفور وقبلها قضية جنوب السودان إلى جانب خاصية عربية هي التناقض بين الموقف التضامني المعلن وما يجري وراء الكواليس. هذا إلى جانب تناقض خطة الجامعة العربية مع الموقف الرسمي المعلن الرافض لأي تعامل مع المحكمة باعتبار أن لا ولاية لها إطلاقا على السودان لعدم مصادقته على نظامها الأساسي وأي شكل من التعاون سيعني نوعا من الاعتراف قد يقود إلى ورطة أكبر. وكنا قد بينا في مقال أسبق محدودية الحركة في الدائرة الأفريقية وبقي لنا أن نرى مواقف الدول الكبرى داخل المجلس وهل من تنقاضات يمكن للسودان أن يستفيد منها.
ولنبدأ بموقف أمريكا، يبدو لنا أن حكومة السودان قد التقطت الرسالة الخطأ من امتناع أمريكا عن التصويت لصالح قرار تمديد فترة اليوناميد لعام قادم لأنه أشار إشارة طفيفة إلى قرار المحكمة الجنائية الدولية، وحسبت الحكومة أن تلك نقطة لصالحها ودليل على عزلة الموقف الأمريكي ولقد بينا في مقال سابق من خلال متابعتنا لما كان يجري في الكواليس عند مناقشة مسودة القرار وليلة التصويت عليه أن ما كان يعني أمريكا هو عدم ذكر المحكمة من قريب أو بعيد انسجاما مع موقفها الثابت في الحيلولة دون تضمين ذكر للمحكمة في أي قرار يصدر من المجلس وليس للوقوف في وجه قرار في مصلحة السودان كما توهم البعض.
وموقف الولايات المتحدة من المحكمة قد تقلب في مساره ولا يزال. فالولايات المتحدة سعت عند مناقشة النظام الأساسي في روما في عام 1997 لأن تنظر المحكمة فقط في المسائل التي يحيلها لها مجلس الأمن ولم تنجح في أقناع الآخرين بهذا الطرح وأبدت الكثير من التحفظات ولكنها وقعت على النظام الأساسي في ديسمبر 2000 في نهاية ولاية كلينتون الذي قال عند التوقيع " على الرغم من النواقص فإن توقيع امريكا على وثيقة إنشاء المحكمة يدل على التزام أمريكا بأن يخضع مجرمو الحرب للعدالة ودخولنا في المحكمة يتيح لنا فرصة التأثير في مسارها المستقبلي".
ثم سحبت إدارة الرئيس بوش توقيع الولايات المتحدة فور انتخابها بحجة أنها قد تستخدم استخداما سياسيا كيديا ضد عسكريين أو مدنيين أمريكان لأن معظم أفراد قوات حفظ السلام من أمريكا وأن معظم هذه البعثات تكون في بلدان لا تقوم فيها دولة سيادة القانون. وأصدر الكونغرس تشريعا يبيح للرئيس استخدام القوة لتحرير عسكريين أمريكيين يتم إيقافهم في بلد آخر بقصد محاكمتهم أمام المحكمة. ثم مضت لإبرام اتفاقات ثنائية مع الكثير من البلدان التي انضمت للمحكمة بعدم تقديم أي مواطن أمريكي في أراضيها لسلطة المحكمة وذلك مقابل حوافز مالية وعسكرية. وقطعت المساعدات العسكرية من البلدان التي رفضت التوقيع على اتفاقيات الابتزاز ومعظم دول أمريكا اللاتينية من بينها. ولكن هذا الموقف المتشدد تراخى عندما طرحت مسألة إحالة قضية دارفور للمحكمة من مجلس الأمن للنقاش العام في نهاية عام 2004، وقد ألانت الولايات المتحدة موقفها تحت ضغط الرأي العام والصحافة التي اتهمت إدارة بوش بعدم الالتزام بالقانون الدولي مما أثر على الدور القيادي لأمريكا. فعند نقاش مسألة الإحالة اقترحت الولايات المتحدة إقامة محكمة خاصة في أفريقيا على غرار محكمة أروشا للإبادة الجماعية في رواندا ووعدت بتحمل الجزء الأكبر من نفقاتها ولكن الاقتراح لم يلق قبولا من الدول الأوربية التي تسعى لتعضيد المحكمة الجنائية الدولية التي اقيمت لتكون بديلا لهذه المحاكم الخاصة. ولقد صرح جنداي فريزر، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس في جلسته عن السودان بأن السفير زوليك، مندوب أمريكا لدى الأمم المتحدة في ذلك الوقت، قد ذكر أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم المساعدة إذا احتاجت المحكمة الجنائية الدولية لذلك. كما أنه يرى أنها قد تفيد في تقليل فظائع الحرب في أفريقيا على الأقل. واكتفت الولايات المتحدة بالامتناع عن التصويب لتمرير قرار الإحالة. وهنالك تيار تقوده كونداليسا رايس يدعو إلى الإقرار بأن المحكمة قد صارت واقعا لا يمكن تجاوزه بعد أن صادق أكثر من مئة من البلدان على نظامها الأساسي من بينهم حلفاء كبار للولايات المتحدة مثل كندا وبريطانيا وأستراليا. ومن أنصار هذا التحول زلماي خليل زاد مندوب أمريكا لدي الأمم المتحدة الذي كان سعيدا بقرار أوكامبو الأخير عند بداية مناقشة تجديد فترة اليوناميد، ومن بينهم أيضا المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية، جون بلينغار الذي صرح في مقابلة مع جريدة نيويورك تايمز بأن أمريكا لن تسمح بأن يمثل أمريكي واحد أمام المحكمة ولكن "علينا الاعتراف بأن لها دورا تعلبه في النظام الدولي لإقامة العدالة" ثم شرح الموقف البراغماتي الذي يتبناه وكوندي رايس وآخرون " إنها الجهاز الوحيد القائم الذي يمكن أن يحاسب المسؤولين عن الفظائع في دارفور" هل ستستمر هذه الواقعية وتقود إلى عودة أمريكا للتوقيع والمصادقة على نظام المحكمة هذا ماستسفر عنه الأيام قريبا بعد نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة واحتمال فوز المرشح الديمقراطي باراك أوباما والحراك الذي ستقوم به جماعات الضغط بعد انحسار موجة المحافظين الجدد. وحتى ذلك الحين فإن الولايات المتحدة ستحول دون أي عودة لمناقشة الأمر في المجلس فيما صرح به مساعد المندوب الأمريكي مؤخرا.
والآن فندلف إلى موقف الصين وروسيا في المجلس. تعتبر حكومة السودان الصين حليفا طبيعيا لها لأن لها مصالح اقتصادية كبيرة في السودان وفي القارة الأفريقية. ويعتبر السودان أنه قد فتح أبواب أفريقية للصين للاستثمار. فمن المعروف أن الصين تستورد 6 في المائة من وارداتها البترولية من السودان مما يساوي 40 في المائة من صادرات السودان البترولية، والصين هي المورد الأول للسلاح للسودان، ولقد ظل السودان يأمل في أن تستخدم الصين الفيتو ولو مرة واحدة لصالحه ولكنه أمله يخيب في كل مرة ولا نحسب أن الخيبة ستفارقه في المرة القادمة. إن الصين، أكثر من أي عضو آخر في المجلس، تحسب مصالحها حسابا براغماتيا دون أن تشغلها اعتبارات دور تاريخي إنساني كان لها كفرنسا مثلا أو مسؤولية اخلاقية في قيادة العالم كما تدعي الولايات المتحدة، أو رغبة في أن تكون الند لأمريكا كما تأمل روسيا. وليست لها جماعات ضغط من المجتمع المدني أو الصحافة الحرة تؤثر على قرارها أو إرادة الناخبين فيها. من الملفت للنظر أن الحديث يكثر عن عدم انضمام الولايات المتحدة للمحكمة ولأ أحد يتسآل عن عدم انضمام الصين أو روسيا مثلا فهي وروسيا ليستا حريصتين على توطيد المحكمة أو على محاربتها. ولقد تجاوزت الصين كل الضغوط الغربية وأقامت دورة للألعاب الأولمبية ستظل في ذاكرة العالم أجمع إلى حين. وبحساب المصالح فإن مصالح الصين في القارة الأفريقية بأجمعها لا تمثل شيئا مقارنة بحجم تجارتها مع الولايات المتحدة وحدها. ولقد التقطت الكثير من الحكومات الأفريقية والسودان من بينها الرسالة الخطأ عندما استخدمت الصين الفيتو الغالي الذي لا تستخدمه إلا بمقدار لأسقاط القرار الذي تبناه الغربيون لمحاسبة موغابي وحكومته واخضاع زيمبابوي للفصل السابع وفرض عقوبات عليه وعلى عشرة آخرين من الحكومة والأجهزة الأمنية. فالصين لم تتحرك دفاعا عن مصالحها في زيمبابوي، وهي جد ضئيلة، أو في القارة عموما، وكانت تستعد للامتناع عن التصويت في أسوأ الحالات. ولكنها تشجعت بعد أن أعلنت لها روسيا بأنها ستستخدم الفيتو. والدافع الحقيقي للدولتين من خلال المشاورات التي جرت والمواقف غير المعلنة هو أنهما، خصوصا، روسيا لا ترغبان في أن يتدخل مجلس الأمن في مسائل الانتخابات إطلاقا والسبب معروف. فالانتخابات الروسية دائما عرضة لنقد الغربيين وتجريحهم فهي لا تلبي المعايير الدولية أو قل الغربية للديقمراطية، كما أن الكثير من حلفاء روسيا لا يزالون يقيمون انتخابات لا تلبي المعايير المطلوبة ولقد رأت الصين أن هناك تعسفا في استخدام الفصل السابع لأن الحالة في زيمبابوي لا تهدد السلم والأمن الدوليين باية حال. ولقد امتنعت الصين عن التصويت في قرار إحالة الحالة في دارفور إلى المحكمة لأنها كانت عندها تساوم الولايات المتحدة على الموافقة على طرد تايوان من منظمة التجارة العالمية. وروسيا حريصة على عدم الافراط في استخدام الفيتو لأن تعلم أنها ليست الاتحاد السوفيتي العظيم وإنما هي دولة متوسطة القوة استفادت من وضع تاريخي سابق أبقى لها حق الفيتو ضمن الآخرين. وذلك يجعلها تفعل الكثير حتى يقبلها الكبار في ناديهم. ولقد كانت فجيعة الغربيين كبيرة في تصويت روسيا ضد القرار الخاص بزيمبابوي بعد يوم واحد من توقيعها على بيان قمة الدول الثمانية الذي أدان بأشد العبارات موغابي ونظامه وتسآل ممثل بريطانيا في المجلس عند المسؤولية التي تقع على الدول عندما تكون عضوا في مجموعة الثمانية. وهو تسآل أشبه بالتهديد. كل ذلك يجعل احتمال ترجيح روسيا لكفة الغربيين أكثر احتمالا من مساعدة رئيس السودان في الافلات من العدالة كما تصور الدول الكبرى الأخرى الأمر.
أما فرنسا وبريطانيا فموقفهما معروف وأكثر وضوحا وإن كان غير متطابق. فبريطانيا حريصة كفرنسا على توطيد المحكمة والعدالة الدولية ودعمت المحكمة والمحاكم الخاصة لمجرمي الحرب في رواندا ويوغسلافيا السابقة وسيراليون وتسعى لإقامة نظام للعدالة الدولية بقدر الإمكان. أما فرنسا فإن سياستها الخارجية متأثرة في الوقت الحال إلى حد كبير بوزير خارجيتها بيرنار كوشنير الطبيب المؤسس لمنظمة " أطباء بلا حدود" في أيام حرب بيافرا قبل أن ينشق منها لينشئ منظمة أخرى هي " أطباء العالم" وتفكيره لا يزال أشبه بتفكير المنظمات غير الحكومية خليط من المثالية والنضال واستعجال النتائج ويتفق ذلك مع طريقة الرئيس ساركوزي الذي ينزع للاستعراض حتى في مسائل السياسة الخارجية. ولكن فرنسا على استعداد لتسوية سياسية على حساب المسائل القانونية إن كان ذلك سيقود إلى السلام في مقابل موقف بريطانيا الذي هو أكثر مبدئية. وعليه فإن التعويل على مواقف بعض الدول الكبرى ليس له ما يدعمه من الواقع.
ولقد بينا في مقال سابق موقف الدول الأفريقية في المجلس ودولة إندونيسيا والآن وقبل أن نختم فلنذكر سريعا مواقف بقية أعضاء المجلس وهم كرواتيا التي تساند الموقف الأوروبي عموما. وإيطاليا وبلجيكا ومواقفهما تنسجمان مع موقف فرنسا وبريطانيا باستمرار باسم التضامن الأوروبي. وبنما ليست لها مواقف قطعية ثابتة وإنما يكون تصويتها على حسب الحالة كذلك الحال لفيتنام أما كوستاريكا فإن مواقفها تنزع للتمسك بالمبادئ الكبرى وتتمتع بقدر من الاستقلالية ومندوبها في المجلس من أكثر الأعضاء حنكة وتجربة وقد كان وزيرا لخارجية بلاده ولقد دخل مندوب السودان معه في مناوشات كلامية أمام الصحافة عندما وصف كوستاريكا بأنها من جمهوريات الموز فرد عليه مندوبها، بهدوء، بأن عليه أن يرجع إلى مؤشر التنمية البشرية للعام 2007/2008 الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لقياس تقدم وتأخر الدول وفقا لمنهجية محكمة ومعايير محددة حيث سيجد أن تصنيف كوستاريكا رقم 47 بينما السودان يحتل الرقم 144 في اتجاه أسفل القائمة التي تضم 178 بلدا.
سنعرض في المقال الأخير من هذه السلسلة بعد أن استعرضنا فرص العمل الخارجي المتاحة أمام الدبلوماسية السودانية ما نراه قد يمثل مخرجا من هذا المأزق الكبير والله الموفق. |