تأملات في الشأن السوداني
جمال عنقرة
مصر والسودان في الميدان
ليس صحيحاً أن المصريين يوجد بينهم من يقف مع المحكمة الجنائية الدولية ضد السودان. فالذين قالوا من الأكاديميين المصريين بأحقية مجلس الأمن في إحالة ملف دارفور السودانية للمحكمة الجنائية لا أحسب أنهم فعلوا ذلك تواطئاً مع المتآمرين ضد السودان. فمصر كلها تعلم أن معركة السودان هي معركتها هي في المقام الأول. فهي معركة مصر لأن السودان بالنسبة لها أخ شقيق إن أصابه ضر تداعت له بالسهر والحمي، ثم أن ما يصيب السودان لن تلسم مصر من شروره. ودائماً ما أقول أن رسالة أوكامبو بطلب توقيف الرئيس السوداني عمر البشير تدخل في دائرة(إياك أعني فاسمعي يا جارة) وما أكثر الجيران المعنيين وفي مقدمتهم مصر. ولذلك فإنني أرجح أن هؤلاء ذهبوا هذا المذهب لسد كل الذرائع، ولمزيد من التحوط. وأحسب أنهم عملوا بنصيحة العالم النفسي (دييل كارنيجى) في كتابه (دع القلق وأبدأ الحياة) فهو يدعو إلي افتراض أسوأ الاحتمالات والعمل علي تقليل الخسائر إلي أدناها. ولكن الحقيقة التي لا جدال حولها أن مصر كلها مع السودان في ميدان المعركة الدولية
وعندما أقول هذا استند إلي الموقف المصري البائن، إذ كان الرئيس محمد حسني مبارك أول من أعلن موقفاً واضحاً ضد طلب المدعي العام الدولي لويس أوكامبو، وأعلن مبارك وقوف بلاده مع السودان ورفضها لهذا القرار الذي يعرض وحدة السودان واستقراره لخطر كبير، ويهدد كذلك مسيرة التسوية السلمية لقضية دار فور ويمكن أن يقود مسيرة التراضي الوطني في السودان للفشل وهي قد صارت قاب قوسين أو أدني من الاكتمال. ولقد قادت مصر الجامعة العربية لهذا الموقف الشامخ الذي وقفته مع السودان. وكان الأمين العام السيد عمرو موسى أول من زار الخرطوم بعد الأزمة وقدم مبادرة الجامعة لحل المشكلة سلمياً، وتعتبر مساعي الحل الجارية الآن سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً هي بعض حصاد مبادرة الجامعة العربية .
الموقف الشعبي المصري لم ينفصل عن الموقف المصري واستوى في ذلك الحاكمون والمعارضون . فبعد ساعات من قرار أوكامبو دعا حزب السلام الديمقراطي المعارض إلي مهرجان خطابي لنصرة السودان خاطبه رئيس الحزب المستشار أحمد الفضالي وعدد من قيادات الأحزاب المعارضة واتفق المجتمعون علي السفر فوراً إلي الخرطوم لتأكيد وقفتهم مع الرئيس السوداني وبلده وشعبه، إلا أن بطء الإيقاع حال دون إتمام هذه الخطوة في وقتها، وكان سيكون لها مدلولاً عظيماً، رغم أن دلالة الاجتماع نفسه كانت كبيرة.
أما الموقف القانوني فيكفينا فيه الإشارة إلي ما قال به العالم المصري الجليل والخبير القانوني الذي لا يشق له غبار الدكتور مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية في مصر في حديثه لصحيفة الأخبار المصرية. فحول ما أثاره البعض من جدل حول أحقية المحكمة الجنائية بالتدخل في السودان قال الدكتور شهاب (إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ينعقد أساساً بالنسبة للدول الأطراف في نظامها الأساسي دون غيرهم من الدول التي لم تنضم لهذا النظام، وأنه إذا كان صحيحاً أن من حق مجلس الأمن أن يحيل للمحكمة الجنائية الدولية حالة يري أن فيها جرائم حرب أو تعذيب أو جرائم ضد الإنسانية قد ارتكبت، إلا أن هذا الاختصاص الأخير لا يمكن تفسيره بمنأى عن القاعدة الأصولية الأولي في العلاقات الدولية بأنه لا التزام علي دول بميثاق أو نظام أساسي أو معاهدة 'اتفاق' إلا في إطار أن 'المعاهدة شريعة المتعاهدين' حيث لا إلزام لأي معاهدة 'اتفاق' إلا علي من كان طرفاً بها ، ولا إلزام علي طرف إلا بما تتضمنه المعاهدة من أحكام.) فهذا هو الموقف القانوني الذي تستند عليه مصر في وقوفها مع السودان. والذين يقولون بغير ذلك من المصريين ، نحسن بهم الظن ونقول أنهم يعملون بالمثل الشعبي المصري (حرص وما تخونش). ولو كان منطلقهم غير ذلك ــ وأرجو ألا يكون كذلك ــ فيكونون قد خرجوا عن الاجماع . والشاذ لا حكم له ولا به .
جريدة الأخبار المصرية الثلاثاء 19/8/2008م
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة