إلى متى ........
يظل السودان بقرة مصر الحلوب ؟
مصعب المشـرّف
يأتي إعلان أمين الإعلام بالحزب الوطني الحاكم في مصر عن زراعة مصر لمساحات شاسعة في أرض الجزيرة بالقمح .. يأتي من جهة صدوره على لسان أمين الإعلام دلالة واضحة على مدى المزنق في الطعام ورغيف الخبز الذي تعيشه مصر منذ أكثر من عام ....
ويجئ من ناحية أخرى دليلا على أن الركوع لأمريكا والتنازل لها والسلام مع إسرائيل لا يفيد ولا يغني ولا يسمن من جوع ...
وكان السادات قد وعد شعبه (تخديراً له) أثناء كامب ديفيد بأنه على موعد أو بات قاب قوسين أو أدنى مع العسل والحليب والبلوبيف واللانشون والهامبرغر الأمريكي ... فذهب السادات من زمان . ولم يأتي الحليب والعسل حتى تاريخه... وظل الجوع والفقر والفول والحرمان في مصر يراوح مكانه.
ومن ناحية أخرى يجئ هذا الإعلان من أمين الإعلام في الحزب الحاكم دليلا على أن مصر تعرف دائما من أين تؤكل كتف السودان....
جميعنا يعلم أن مصر لم تقدم للسودان طوال تاريخها وتاريخه سوى المصائب والمؤامرت السياسية ، والانقلابات العسكرية بهدف السيطرة وتكريسه حديقة خلفية لها ، والمزايدة عليه في الأسواق الخارجية ..
وأنها كانت ولا تزال تنظر للسودان نظرة إستغلالية بحتة وبإصرار عجيب من صغارها إلى كبارها بأنه من أملاكها الخاصة على الرغم من أنها وحين تثور ثائرة حرب أهلية ونزاع مسلح هنا وهناك تكون أول الهاربين نافضة يدها لائذة بالصمت الرهيب كأن الأمر لا يعنيها .. فهي إذن تريد السودان لقمة باردة وبقرة حلوب تدر عليها الحليب والزبادي والسمن والقشطة واللحم والمرق وحتى السماد الطبيعي دون أن تدفع هي في مقابله شيئا .... والوسيلة بالطبع معروفة منذ إتفاقية البقط الإستعبادية الشهيرة التي ألزمت السودان بدفع ( 415) من شبابه كعبيد سنويا ولمدة امتدت أكثر من 669 سنة كاملة (277,535 ألف راس سوداني) بين عامي 650م و 1319م .... وكانت عمولة حكام مصر من هؤلاء العبيد خلال تلك الفترة 63,795 (ثلاثة وستين ألف و سبعمائة خمسة وتسعون عبدا سودانيا) بمعدل (55 عبد سنويا).
وكانت طريقة السيطرة على السودان وإستغلاله تتم دائما ولا تزال عبر الحكام وكبار المسئولين وتتجاوز الشعب برمته ... فإذا كان من عشاق النساء .. أركبوه حتى يقول وُوُبْ وأحّيْ والروب ... وإن كان من مدمني المشروب .. سقوه حتى الثمالة ... وإن كان يبحث عن المأوى .. منحوا له الشقق والفلل الفاخرة .. وإن كان من المغرمين بتكديس النقد .. ملأوا له جيوبه وحشوا له فمه ....... فلكل رجل ثمن كما يقال ..
..........
وقد شهد تاريخ الخديوية المصرية أبشع أنواع الاستغلال والاسعباد وحيث لم يخجل محمد علي باشا من الإعلان صراحة أنه جاء السودان من أجل الذهب والعبيد .....
فهكذا نحن إذن ولا نزال في عيونهم مجرد عبيد وبرابرة وبوابين ... وحتى من لجأ إليهم الآن من أبناء دارفور يجري اصطيادهم بالرصاص كالكلاب الضالة في صحراء سيناء على الحدود مع إسرائيل ، عوضا عن تكبد مشاق وتكاليف القبض عليهم ومحاكمتهم ، وسجنهم وتحمل مسئولية أكلهم وشربهم وإعاشتهم داخل السجون إلى حين إبعادهم بالطرق الإنسانية المتعارف عليها دوليا بين النصارى والبوذيين والهندوس ناهيك عن المسلمين فيما بينهم . وقد قيل أن دم المسلم على المسلم حرام (إبتسم من فضلك) . ... ولا نقول عربا فالعروبة لا يعترفون بها لأهل السودان إلا بالقدر الذي يستفيدون من ورائها فيه.
...
وإزاء هذا الإعلان والانتصار على الجوع الذي تسبب فيه القرب من الأمريكان والدوران في فلكهم .. فإننا نسأل الأذكياء في حكومة السودان عن الفوائد المرجوة من مثل هكذا اتفاق ؟؟.... بل ونتحدى أن يجري الإفصاح عن تفاصيل هذا الاتفاق .. وعلى أية أسس استثمارية جرى التصريح لدولة أجنبية باستغلال حصة السودان من الماء وجزء من أراضيه وتشغيل عمالتها فيه والاستفادة من خيراته من كهرباء وماء وطرق وشبكات ري .. إلخ ؟؟؟
‘نه بالفعل جنون مطبق .....
ثم كيف سيجري المحاسبة على قيمة المحصول ؟؟؟
هل سيكون وكالعادة وفق الدولار الحسابي . وألاعيب واستعباط نظام المقايضة الذي يجري من خلاله تخلص مصر من منتجاتها الصناعية الكاسدة في مقابل الحصول من السودان على سلع ومحاصيل استراتيجية مثل القمح وبذرة القطن وبذرة عباد الشمس ولحوم الأبقار والخراف ، التي يمكن للسودان بيعها بالعملات الصعبة إلى دول العالم الأخرى ؟؟.
ثم لو فرضنا وكما يشاع ويتندر به داخل السودان . بأن مصر لا تدعو السودان لتوقيع اتفاق شراكة معها إلا وحكومة السودان محشورة في دُبْــر إوَزّة .. وحيث سارعت مصر بعد قرار أوكامبو إلى استعجال التوقيع على العديد من الاتفاقيات المجحفة مع الحكومة الحالية .. .
فما هو الثمن الذي تستطيع الحكومة المكصرية تقديمه لحكومة الإنقاذ وعلى نحو تنجو فيه بجلدها من أوكامبو ؟؟
هل مصر دولة عظمى تستطيع استخدام حق الفيتو مثلا في مجلس الأمن لتعطيل قراراته ؟؟؟
هل مصر ستكون هي شرطي العالم المكلف بإحضار المطلوبين للمثول أمام محكمة الجنايات ؟؟
هل مصر لديها هذا النفوذ مع أمريكا حتى يقال أنها ستقنعها بالعدول عن دعمها لأوكامبو ؟؟؟؟
كل الإجابات هي بالطبع لا ....
ولو كان لدى حكومة السودان 1% من القدرة على التفكير المنطقي دون ضغوط لسألت نفسها أولا وقبل كل شئ :
.. إنه وإذا كانت مصر في علاقاتها مع الولايات المتحدة قادرة على أن تنفعنا .. فلماذا لم تنفع نفسها هي في المقام الأول ؟؟ ولماذا تتخلى عنها الولايات المتحدة حتى في مجرد دعمها بعدة أطنان إضافية من القمح تسد به رمق شعبها ؟؟؟
............
ثم وعلى الحكومة أن تراجع تاريخها هي قبل غيرها فتتساءل بينها وبين نفسها أو بصوت عال ... لقد كنا منذ عام 1989م بعيدين عن مصر وكانت مصر بعيدة عنا وعلاقاتنا شبه مقطوعة .. فماذا كانت النتيجة ؟؟
كانت النتيجة وبكل ثقة العديد من المكتسبات التي حققها السودان . وعلى نحو يكاد يشبه الطفرة وهو بعيد عن مصر . وكان أقل تلك المكتسبات هو النفط وتحقيق السلام في الجنوب ........
ولماذا لا يسأل نظام الإنقاذ نفسه عما فعلته مصر من أجل نظام مايو الذي ظل يسبح بحمدها وآلائها ليل نهار ؟؟ ألم يسقط النظام ؟؟
وقبل مايو ماذا فعلت مصر لإبراهيم عبود الذي منحها أرض حلفا. وتنازل لها عن كل ما طلبت نظير أن تقف إلى جانبه في حرب الجنوب .. فلا هي وقفت إلى جانبه بعد أن لهفت حلفا .. ولا هي سألت في صحته والشعب الهادر يدق أركان حكمه في أكتوبر الأكبر ... بل وما كانت لتستطيع أن تفعل شيئا لو أرادت أن تنقذ رقية نظامه ... فالسوبر المصري لا وجود له إلا في عقلية الأهطل وهَـبَـنّـقَةَ السوداني.
ثم ها هي الجامعة العربية وعلى رأسها عمرو موسى يأتي إلى عمر البشير في بداية أزمة أوكامبو ، ليقنعه قبل كل شئ بتقديم تنازل ولو من قبيل منع مظاهرات الشجب للمحكمة الجنائية وأوكامبو وأمريكا وإسرائيل .. وكأن هذه التظاهرات ((حتعمل دوشة)) لمقر الجامعة العربية القريب في القاهرة.
وكانت هذه النصيحة مقلب كبير شربه الإنقاذ ، ذلك أن توقف المظاهرات أعطى الإنطباع لدى العالم الخارجي بأن الشعب السوداني يؤيد إرسال رئيسه إلى محكمة الجنايات.
أم هل يرى السودان في مصر سيطرة على الجامعة العربية وقدرة على فرض مبادرات لصالحه فيما يتعلق بمذكرة الجلب ...؟؟
الواقع أن تساؤلنا لم يأخذ الرد عليه وقتا طويلا فها هو مصطفى عثمان إسماعيل يخرج علينا عقب اجتماعه بعمرو موسى ، دون أن يبتسم كالعادة أو كما اعتدنا على مشاهدته دائما ومنذ 17 سنة وهو الذي يحمل في الميديا العربية لقب (الباسم) .. خرج الباسم غضبان أسفا من اجتماعه بعمرو موسى المصري وقد خاب أمله من حيثيات ما سمي بمبادرة الجامعة العربية التي لاشك أنها ستغرق السودان كالعادة مثلما أغرقت العراق من قبل.
...........
على أية حال لا أعتقد أن أهل الانقاذ بهذه السذاجة والغباء وعدم القدرة على التحليل لسوابق التاريخ أو الفهم الصحيح لما يجري حولهم .. ولكن الثقة بالنفس عامل مهم أيضا عند التفاوض مع الغير .. ومن ثم فلابد من التذكير لأهل الإنقاذ بأنه إذا كان الإنقاذ في دُبْرِ إوَزّة بسبب أو كامبو .... فإن الحزب الوطني الحاكم في مصر على نفس النسق .. بل ومجشور بعدة مليمترات أكثر وقد بلغ صبر شعبه الجائع الحلقوم .
ربما لم يكن للإنقاذ كنظام يــد في هذا التراخي لمصر ، وعلى هذا النحو المريب ..
ومن ثم فلا بــد من أن هناك منافع شخصية ومكاسب ضيقة لمجموعة صغيرة داخل نظام الإنقاذ من ((القِطَطِ السِمَانْ)) هي التي دفعت وتدفع لمنح مصر المزيد من الأرض والماء وحتى الكهرباء في مستعمرات مخصصة لها وحدها داخل السودان .... فقد اعتادت الأنظمة المصرية كما نوهنا سابقا إحكام السيطرة على ما ينفعها في السودان دائما عبر اشخاص محدودين في السلطة وعلى طريقة هات وخد ..
ولو لم يكن الأمر كذلك . فلماذا خصصت لمصر منطقة الجزيرة الخضراء الآمنة المطمئنة المستصلحة . ولم تعطى أراضي في مناطق أخرى في النيل الأزرق والجنوب وجبال النوبة ودارفور إذا كانت بالفعل تبحث عن مساعدة السودان وتنمية اقتصاده واستثمار خيراته ؟؟؟؟
إنه لأمر مضحك حتى الاستلقاء على القفا أن يصرح أمين الإعلام بالحزب الوطني الحاكم في مصر أن استشمارات مصر ارتفعت العام الجاري 2008م في السودان لتبلغ 200 مليون دولار ... على الرغم من أن استثمارات المملكة الأردنية الهاشمية وحدها في السودان وبالمقارنة ؛ قد بلغت العام الجاري أكثر من مليار دولار ... مع العلم بأن استثمارات الأردن جميعها في مشاريع إنتاجية يحتاج لها السودان قبل غيره . وتستوعب أيدي عاملة سودانية وتدربها . وعلى رأسها صناعة الأدوية والاستثمار في مجال العلاج الذي كان يدفع فيه أهل السودان المليارات سنويا وهم يذهبون للعلاج في الخارج ... وليتهم كانوا يعودون أصحاء .. بل عادة ما يعودون بكلية واحدة بعد أن تكون الأخرى قد سرقت في مستشفيات الجوار السياحية.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة