مصر ومعركة السودان الدولية
جمال عنقرة
يوجد مثل مصري شائع يقول (حرص وما تخونش) ومن أمثال المصريين كذلك (الضايق لسعة الشوربة ينفخ في الزبادي) وهو شبيه للمثل السوداني الذي يقول (الضايق عضة الدبيب يخاف من مجر الحبل) ويبدو أن كثيرين من الأشقاء المصريين الأكاديميين والقانونيين قد تعاملوا مع اتهام المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو للرئيس البشير بارتكاب جرائم تستوجب التوقيف بهذه الخلفية فبدوا متحفزين أكثر مما يجب. ولا أقول قطعاً بما قال به أخ لم يحالفه التوفيق حينما وصفهم بأنهم (ملكيون أكثر من الملك) فالمصريون يمتلكون في كل شئون السودان مثلما يمتلك السودانيين في كل شئون مصر. وهذا الحق المتبادل ليس له علاقة بالحريات الأربع التي ما زال بعضها معلقاً هنا وهناك. فهذا حق تاريخي أصيل. وفي مشكلتنا هذه ملكيتهم أكثر . ولا يمتلكون حق الدفاع عنا فقط ولكنهم في ذات الوقت يدافعون عن أنفسهم. وفي حالتنا هذه يصدق المثل القائل (إياك أعني فاسمعي يا جارة) وما أكثر الجيران المعنيين وفي مقدمتهم مصر.
هذا التخوف المصري من عواقب التصعيد الدولي ضد السودان بدأ أكثر وضوحاً في الندوة الأولي التي نظمها الأستاذ محمود مراد نائب رئيس تحرير صحيفة الأهرام في استهلال مناشط المركز السوداني للخدمات الصحفية SMC في القاهرة والتي استضافت الثلاثي الدكتور حسن عابدين الوكيل الأسبق لوزارة الخارجية والدكتور عبد الرحمن إبراهيم الخليفة المدعي العام السابق والأستاذ غازي سليمان المحامى المعروف والقيادي في الحركة الشعبية. فلو لم يعرف المستمع المتحدثين لاعتبرهم يقفون إلي جانب أوكامبو ضد السودان . ولكن هل يعقل أن يقف رجال مثل الدكتور مصطفي الفقي والمستشار عادل ماجد والدكتور أيمن سلامة هذا الموقف . إنه الحرص المفرط. وما وجهوه للسودان من نصائح تصب في خانة الحرص لا التخوين. وأحسب أنهم عملوا بنصيحة الخبير في علم النفس (ديل كارنيجي) صاحب الكتاب المشهور (دع القلق وابدأ الحياة) فمن نظريات كارنيجي لمواجهة الخطوب أن تفترض أسوأ الاحتمالات ثم تعمل أقصي ما في وسعك لتقليل المخاطر إلي أدناها. وأحسب أن الاخوة المصريين الذين كانوا يميلون لترجيح حق مجلس الأمن في تحويل قضية دار فور للمحكمة الجنائية، وحق المحكمة في طلب توقيف الرئيس البشير. أو يقولون أن الدولة غير الطرف مثل السودان تخضع أيضاً لسلطان المحكمة الجنائية الدولية حتى وإن لم توقع أو تصادق، فأحسب أنهم قالوا ذلك انطلاقاً من هذه القاعدة، أما إذا كان أحدهم ينطلق من غير هذه القاعدة فيكون قد خالف الموقف المصري الرسمي والشعبي. وأرجو ألا يكون أحدهم كذلك.
وعندما أقول هذا استند إلي الموقف المصري البائن، إذ كان الرئيس محمد حسني مبارك أول من أعلن موقفاً واضحاً ضد طلب المدعي العام الدولي لويس أوكامبو، وأعلن مبارك وقوف بلاده مع السودان ورفضها لهذا القرار الذي يعرض وحدة السودان واستقراره لخطر كبير، ويهدد كذلك مسيرة التسوية السلمية لقضية دار فور ويمكن أن يقود مسيرة التراضي الوطني في السودان للفشل وهي قد صارت قاب قوسين أو أدني من الاكتمال. ولقد قادت مصر الجامعة العربية لهذا الموقف الشامخ الذي وقفته مع السودان. وكان الأمين العام السيد عمرو موسى أول من زار الخرطوم بعد الأزمة وقدم مبادرة الجامعة لحل المشكلة سلمياً، وتعتبر مساعي الحل الجارية الآن سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً هي بعض حصاد مبادرة الجامعة العربية .
الموقف الشعبي المصري لم ينفصل عن الموقف المصري واستوى في ذلك الحاكمون والمعارضون . فبعد ساعات من قرار أوكامبو دعا حزب السلام الديمقراطي المعارض إلي مهرجان خطابي لنصرة السودان خاطبه رئيس الحزب المستشار أحمد الفضالي وعدد من قيادات الأحزاب المعارضة واتفق المجتمعون علي السفر فوراً إلي الخرطوم لتأكيد وقفتهم مع الرئيس السوداني وبلده وشعبه، إلا أن بطء الإيقاع حال دون إتمام هذه الخطوة في وقتها، وكان سيكون لها مدلولاً عظيماً، رغم أن دلالة الاجتماع نفسه كانت كبيرة.
أما الموقف القانوني فيكفينا فيه الإشارة إلي ما قال به العالم المصري الجليل والخبير القانوني الذي لا يشق له غبار الدكتور مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية في مصر في حديثه لصحيفة الأخبار المصرية. فحول ما أثاره البعض من جدل حول أحقية المحكمة الجنائية بالتدخل في السودان قال الدكتور شهاب (إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ينعقد أساساً بالنسبة للدول الأطراف في نظامها الأساسي دون غيرهم من الدول التي لم تنضم لهذا النظام، وأنه إذا كان صحيحاً أن من حق مجلس الأمن أن يحيل للمحكمة الجنائية الدولية حالة يري أن فيها جرائم حرب أو تعذيب أو جرائم ضد الإنسانية قد ارتكبت، إلا أن هذا الاختصاص الأخير لا يمكن تفسيره بمنأى عن القاعدة الأصولية الأولي في العلاقات الدولية بأنه لا التزام علي دول بميثاق أو نظام أساسي أو معاهدة "اتفاق" إلا في إطار أن "المعاهدة شريعة المتعاهدين" حيث لا إلزام لأي معاهدة "اتفاق" إلا علي من كان طرفاً بها ، ولا إلزام علي طرف إلا بما تتضمنه المعاهدة من أحكام.) وهذا هو ما قال به المتحدثون في ندوة المركز السوداني للخدمات الصحفية بالتضامن مع صحيفة الأهرام وعاب عليهم بعض خبراء القانون المصريين الذين شاركوا في الندوة هذا القول واعتبروه حديثاً عاطفياً غير مؤسس. فبماذا يصفون ما قال به الخبير أستاذ الأساتذة الدكتور مفيد شهاب؟
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة