صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


أبوبكر عثمان في بلاط الدبلوماسية و السلطة (3-3 (/مصطفي عبد العزيز البطل
Aug 8, 2008, 10:12

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

غربا باتجاه الشرق

أبوبكر عثمان في بلاط الدبلوماسية و السلطة (3-3  (

 

مصطفي عبد العزيز البطل

mustafabatal@msn.com

 

 

يعرف القارئ  من  مذكرات الاستاذ أبوبكر عثمان محمدصالح، السفير و الأمين العام لرئاسة الجمهورية ووزير رئاسة مجلس الوزراء السابق، الواردة في كتابه ( في بلاط السلطة و الدبلوماسية) بعضا من خفايا و أسرار الحقبة المايوية. من المعلومات التي تناهت اليّ للمرة الاولي عند قراءة الكتاب أن الرئيس السابق جعفر نميري عرض منصب رئاسة البرلمان، الذي إضطلع بمهمة وضع أول دستور دائم للسودان، أولا علي القاضي المرموق محمد يوسف مضوي، ولكن الاخير أعتذر عن قبول المنصب الذي آل بعد ذلك الي أستاذ البيطرة و مدير جامعة الخرطوم السابق الدكتور النذير دفع الله. وقد نقل أبوبكر عن الرئيس السابق قوله ان تلك كانت المرة الاولي علي الاطلاق التي يعرض فيها منصبا رفيعا في الدولة علي شخص فيرده و يعتذر عن قبوله!  و قد لفت نظري أعتذار القاضي محمد يوسف مضوي عن رئاسة البرلمان، و أذكر أنني التقيت بالرجل وجها لوجه بعد انتفاضة ابريل، و كانت الحكومة الانتقالية بعد تشاور مكثف مع القوي السياسية المختلفة قد إستقر قرارها علي إختيار مضوي لرئاسة اللجنة القومية المكلفة بتنظيم انتخابات ١٩٨٥. جلست اليه  لوهلة قصيرة حيث تجاذبنا أطراف الحديث، و ذلك عند إستدعائه و إنتظاره بالصالون الملحق بمكتب رئيس الوزراء لمقابلة الدكتور الجزولي دفع الله  حيث سيتم إبلاغه رسميا بنبأ الاختيار و التكليف، فسألني إن كنت علي علم بسبب إستدعائه لمقابلة رئيس الوزراء فأجبته بالايجاب وأنبأته أن الاجماع قد انعقد حول شخصه لرئاسة اللجنة القومية للانتخابات، و في التو وبلا تردد أجابني الرجل بأنه سيعتذر عن التكليف، وهو ما كان بالفعل.  و يبدو في ضؤ ما تقدم، ثم في ضوء المعلومة التي أوردتها المذكرات عن القاضي مضوي، أنه مُعتذر (محترف) عن المناصب الرفيعة و التكليفات القومية في كل العهود!

 

و من سلسلة روايات و تحليلات مثيرة للانتباه حول شخصية الرئيس السابق جعفر نميري و طرائق تفكيره و ممارساته وقفت مليا عند رواية أبي بكر عن التوجيه الغامض الغريب الذي فوجئ به في يوليو ١٩٧٦ أبان توليه سفارة السودان في باريس عندما طلب منه الرئيس تقديم موعد سفره للخرطوم ساعة كاملة، ولم يكن للتوجيه والاصرار عليه من قبل الرئيس ما يبرره بالنظر الي المصاعب المتعددة المحيطة بالامر و من ضمنها الحرج الكبير الناتج عن إرباك رئيس الوزراء الفرنسي (آنذاك) ريمون بار وبعض وزراء حكومته  و تغيير مواعيد وصولهم للمطار لوداع الضيف مما هو غير مألوف. وقد إستعان ابو بكر بوزير الخارجية  د. منصور خالد الذي بذل بدوره جهدا جهيدا لحمل الرئيس علي تغيير رأيه أو كشف دافعه لتقديم الموعد دون طائل. و بقية القصة محفوظة في أضابير التاريخ فقد كانت ساعة التقديم الواحدة هي الفيصل بين الموت و الحياة للرئيس السابق، إذ كانت قوات الجبهة الوطنية قد أعدت مدافع جبارة يحملها رجال ذوي بأس لترقبه في مطار الخرطوم في الموعد الاصلي – قبل تغييره المفاجئ –  لتنسف طائرته عند هبوطها نسفا. يقول أبوبكر أنه إلتمس كل السبل لمعرفة السر وراء أصرار الرئيس علي تقديم موعد قيامه دون جدوي فقد رفض الرئيس البوح بذلك حتي يومنا هذا! غير أن هناك سرا آخر يرتبط بعملية الغزو العسكري في يوليو ١٩٧٦ أوثق رباط، و إن كان صاحبنا لا يصرح بذلك بل يلمح اليه تلميحا. و يبدو أنه تلقي إشارات من جهة جماعات المافيا الاوربية اثناء سفارته في باريس حول استعدادات المعارضة للقيام بعمل عسكري، وذلك حين طلب لقاءه في باريس بعض عتاة عناصر المافيا ليتحدثوا اليه حول صفقة سلاح يعرضونها علي حكومة السودان، بعد أن أماطوا له اللثام عن أنهم  قد زودوا الجبهة الوطنية  المعارضة بأسلحة بعينها، وهي ذات الاسلحة التي دخلوا بها الخرطوم غازين فاتحين بعد فترة قصيرة من ذلك التاريخ. و لطبيعة المعلومات الشديدة الحساسية قرر ابوبكر عدم توصيلها للخرطوم بالرسائل المشفرة أو القنوات الاخري المتعارف عليها، ثم أهتدي بعد التفكير الطويل الي نقلها لوزير الخارجية جمال محمد احمد بوسيلة لم يسبقه اليها سابق في تاريخ الدبلوماسية السودانية، فقد فتح خطا تلفونيا بين وزير الخارجية  في الخرطوم وبين زوجته ( زوجة ابوبكر) في باريس، ثم أخذ يُملي تقريره فقرة فقرة علي زوجته، و كانت زوجته تقوم بترجمتها الي اللغة النوبية ( الرطانة) و نقلها الي الوزير حتي أكتملت عملية ترجمة و نقل التقرير. و يكشف هذا الجزء من مذكرات أبوبكر أنه لا يعرف اللغة النوبية، أو لعله يعرفها و لكن لا يجيدها كما تجيدها السيدة حرمه و الوزير الراحل جمال محمد أحمد.  زعمت أن أبي بكر لم يسبقه سابق في نهجه ذاك، و لكنني أستدرك أنه زعم متزيّد، فالحق أنني أعرف يقينا أن سفراء آخرين فعلوا فعله حين حار بهم الدليل،  منهم الفريق (م) عبد اللطيف دهب سفير السودان الاسبق لدي المملكة العربية السعودية، الذي كان أول سفير في أرض الحرمين يعرف بنبأ وفاة الملك خالد، الذي سبق الملك فهد علي العرش، و ذلك عن طريق طباخ نوبي يعمل في القصر الملكي هاتفه و أبلغه النبأ باللغة النوبية. و لم يشأ الفريق عبد اللطيف نقل الخبر الي الخرطوم بوسائل الاتصال العادية خشية تسربه  و ما عسي أن يتسبب فيه ذلك من حرج مع السلطات السعودية التي كانت تتكتم علي الخبر حتي ترتب بعض أمورها، فأجري السفير إتصالا هاتفيا بوكالة السودان للأنباء و طلب الحديث الي نائب مديرها آنذاك محمد الفاتح سيد أحمد حيث نقل اليه الخبر باللغة النوبية، فكلاهما نوبيين، ثم نقل محمد الفاتح الخبر بدوره الي رئاسة الجمهورية! و لعل الحكومة الحالية تنظر في قضية الاتصالات و ملابساتها هذه و تتدبرها فيهديها الله الي قرار بإعلان اللغة النوبية لغة رسمية للبلاد، الي جانب اللغة العربية، طالما ثبت أن في طياتها كل هذا النفع للدولة و أشغالها!

 

و بنفس الدرجة من الشفافية يتناول أبوبكر الاسلوب الذي عرف عن الرئيس السابق في تعيين و عزل المسئولين و يشير الي عدد من الشواهد منها واقعة عزله هو شخصيا من منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية الذي كان قد تلقي نبأه الاول من بعض كوادر الحزب الشيوعي. و بقدر ما يعبّر، في مواقع عدة، عن إعجابه و تقديره للرئيس السابق و قدراته و مهاراته و صفاته الخلقية، فأن صاحبنا لا يخفي إمتعاضه من أسلوب الرئيس في عزل معاونيه.  يقول أنه كان في صحبة الدكتور يوسف بشارة في زيارة إجتماعية لوكيل وزارة الاسكان صلاح مازري، الذي كان قد اطلق سراحه للتو بعد فترة اعتقال للاشتباه في علاقته بنشاط شيوعي معاد للنظام. و هناك -  في دار مازري - أسر احدهم الي الدكتور يوسف بشارة بنبأ تعديل وزاري سيعلن مساء ذات اليوم، و بأن ابوبكر و مهدي مصطفي الهادي قد فقدا منصبيهما، ثم يتحدث أبوبكر عن تغلغل الشيوعيين في جهاز الدولة فيقول: ( و بالفعل علمت أن إحدي الطابعات نقلت ورقة الكربون التي طبع عليها التشكيل الجديد قبل صدوره بقرار جمهوري الي قيادة الحزب الشيوعي). و مهما يكن من أمر فإن الرئيس السابق أعاد تعيين أبوبكر عام ١٩٧٨في منصب جديد و هو وزير رئاسة مجلس الوزراء. و لا ادري إن كان وعي صاحبنا بتغلغل الشيوعيين قد قاده الي اتخاذ خطوات وإجراءات معينة في تلك المرحله لحماية الجهاز التنفيذي بعد أن وقف  بحكم منصبه الجديد علي ثغرة من أكثر ثغوره حساسية.  غير أن الذي لم يعرفه أبوبكر طوال سنواته في الوزارة ثم  سنواته بعدها – و سيعرفه مني للتو و لأول مرة، و سيدهش له أعظم الدهشة – أن الحزب الشيوعي السوداني لم يكن المتغلغل الوحيد في جهاز الدولة، بل أن قوي سياسية أخري كانت في واقع الأمر أكثر تغلغلا وتمكنا في أعماق الاجهزة الرئاسية.  فخلال فترة تولي أبوبكر ثم الوزير الذي تلاه في منصب وزير رئاسة مجلس الوزراء، كان الدكتور منصور خالد يتصل هاتفيا من خارج البلاد بأحد  كبار موظفي رئاسة مجلس الوزراء ويطلب منه معلومات ووثائق بعينها، وكانت هذه المعلومات و الوثائق يجري نسخها بالناسخات الالكترونية و ترسل من فورها الي طالبها!  و كانت محاضر جلسات مجلس الوزراء تطبع من ثلاث نسخ، يحفظ الأصل في ملف خاص بمكتب الامين العام، وتحفظ صورة واحدة في ملف آخر بإدارة السكرتارية و المتابعة، أما الصورة الثالثة فكانت تذهب رأسا الي السيد الصادق المهدي! و لسنوات طويلة من عمر النظام المايوي كانت غالبية أسرار ووثائق مجلس الوزراء و الوزارات الاخري تجد طريقها بإنتظام، منسوخة و مصورة، الي المغفور لها السيدة سارة الفاضل محمود، عقيلة السيد الصادق المهدي، التي كانت تدير من منزلها في حي الملازمين جهازا إستخباريا خاصا يعاونها بعض العاملين في أجهزة الدولة. وكان الجهاز الاستخباري الذي تديره الراحلة هو جهاز المعلومات الحقيقي لحزب الامة.  وقد  كانت بعض مضيفات الخطوط الجوية السودانية –  قبل ظهور و إنتشار أجهزة الفاكسيميلي - يحملن هذه الوثائق و المعلومات المتوفرة من مجلس الوزراء و أجهزة الدولة الاخري الي المدن الاوربية عند وجود السيد الصادق المهدي خارج البلاد. وقد أدهشني خلال سني عملي في الرئاسة أن بعض كبار المسئولين التنفيذيين الذين كانوا إما علي معرفة يقينية  او علي درجة من الاشتباه المعقول في حدوث تلك التجاوزات ما كانوا يحركون ساكنا أو يبدون اكتراثا بما يدور حولهم.  و كان أكثر كوادر حزب الامة جرأة في نقل وتسريب الوثائق و المعلومات من رئاسة مجلس الوزراء يشغل وظيفة رئيس كتبة في أدارة السكرتارية، وقد ورد اسمه الاول بخط السيد الصادق المهدي في إحدي الوثائق التي وقعت في أيدي عناصر الأمن عقب إندحار حركة الغزو المسلح عام ١٩٧٦، و قد جاء في تلك الوثيقة عبارة: ( فلان... للتعرف علي الوزراء ). و كان المقصود أنه اثناء تنفيذ الحركة و أعتقال الوزراء و كبار المسئولين أن فلانا هذا، و الذي كان من ضمن المشاركين في تنظيم و أدارة عملية الغزو، سيكون المسئول عن التعرف علي الشخصيات الهامة و تحديدها حتي يكتمل اعتقال القيادات المقصودة. وقد صُورت هذ الوثيقة و عُرضت في الصحف اليومية و في بعض مناسبات التعبئة العامة، و من بينها معرض خاص أقيم في قصر الشباب و الاطفال. و مع ذلك فأن أحدا لم يخطر بباله قط  أن هذا ( الفلان ) هو نفسه رئيس الكتبة الذي كان يطبع وقائع  جلسات مجلس الوزراء و غيرها من وثائق الرئاسة البالغة الحساسية. و قد توجهت بالسؤال ذات يوم الي ذلك الشخص - الذي كان مرؤوسا لي لسنوات عديدة بعد ذلك - عما إذا كان يستشعر حرجا من الوجهة الدينية، و هو الأنصاري الشديد التدين، نتيجة للقسم الذي قام بأدائه ويده اليمني علي المصحف الشريف.  و كان جميع العاملين بمجلس الوزراء يلزمون بأداء قسم بالمحافظه علي الاسرار التي يطلعون عليها بحكم العمل، فرد الرجل بيقين و ثقة أنه لا يحس بأي حرج من تلقاء ذلك القسم،  و سألني إن كنت اذكر صيغة القسم بدقة فرددت بالنفي فذكّرني بأن القسم في صيغته التي يؤديها العاملون يُقرأ: ( أقسم بالله العظيم ألا أفشي أية معلومات أطلع عليها بحكم عملي  بغرض المباهاة أو إدعاء العلم )، ثم أضاف أنه ملتزم ٌ فعليا بنص و روح القسم الذي أداه إذ أنه لا يدلي بالمعلومات ولا يسرب الوثائق لقيادة حزب الامة ( بغرض المباهاة أو إدعاء العلم ) و إنما بغرض إسقاط الحكم القائم و أستعادة النظام الشرعي!!

 

و حول ذات المسلك الغريب للرئيس السابق في عزل معاونيه هناك واقعة أخري مثيرة للانتباه يرويها أبوبكر. فعندما كان سفيرا في باريس يستضيف علي مائدة العشاء بداره في جادة هنري مارتان وزير الخارجية جمال محمد أحمد، الذي كان في مهمة عمل في أوربا، وقلة من الضيوف، رنّ جرس الهاتف و كان المتحدث سوداني من أصل أرمني، و بعد السلام قال الرجل لإبي بكر: هل تعلم أن الشخص الذي يتعشي معك الآن لم يعد وزيرا للخارجية و أن قرار عزله أذيع في السودان قبل ساعات! ولك – يا هذا – أن تتصور وقع الخبر علي صاحبنا المضيف، و لكنه مع ذلك تكتم علي الأمر و أمضي ليلته في نقاش خلب خلاله جمال محمد احمد ألباب الحاضرين بعلمه الغزير و رؤاه الثاقبة و تحليلاته الصائبة. وعندما أنهي ابوبكر- بعد ذلك - خبر الاقالة للوزير الذي اصبح – بين غمضة عين و انتباهتها – وزيرا سابقا، تلقي الرجل النبأ بهدوء غريب و كأنه لا يعنيه، فقال أبوبكر مواسيا و مشيرا الي عزله هو نفسه من المنصب الدستوري في وقت سابق: ( هذا شجر بلونا المر من ثمره )، فرد جمال: ( بل قل بلونا الحلو من ثمره )، ثم أضاف متسائلا: ( أما رأيت أن التحرر من المسئولية تجعل الانسان حرا يذوق حلاوة الحياة؟ )، ثم طلب من أبوبكر أن يصطحبه الي مكتبة يمتلكها جزائري في سانت جيرمان ليبتاع كتاب " عيون البصائر " للشيخ الابراهيمي!

 

من الأشياء التي فوجئت بها، و لم أكن قد تنبهت اليها أثناء عملي بجوار ابوبكر في رئاسة مجلس الوزراء خلال الثمانينات، ما كشفته المذكرات من أن عددا من شاغلي المناصب الدستورية في العهد المايوي، بخلاف المستشار الصحفي للرئيس المرحوم محمد محجوب سليمان، الذي كان يكتب في  الصحف الرسمية تحت توقيع ( المحرر السياسي )،  كانوا أيضا يكتبون وينشرون المقالات في الصحيفتين الرسميتين ( الصحافة و الايام ) تحت إسماء مستعارة بغرض التأثير علي إتجاهات الرأي العام، و أن ابوبكر نفسه كتب – في ذات السياق و الغرض -  تحت أسماء مستعارة مقالات نشرتها صحيفة ( الايام )، و أنه و عدد من الوزراء كانوا يسهرون ليلا مع رؤساء تحرير الصحف الرسمية لمناقشة كيفية إخراج الموضوعات السياسية الهامة و إبراز المعاني الاساسية المطلوبة في شكل مانشيتات و خطوط صحفية.

 

و المذكرات تشتمل علي عدد كبير من  طرائف ما صادف أبوبكر خلال رحلاته خارج السودان، و قد شدتني روايته عن زيارته في صحبة الرئيس نميري للعراق إثناء  رئاسة أحمد حسن البكر لها. و كان نميري وقتها رئيسا للجنة التضامن العربي التي تشكلت في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد الساداتية التي فرقت العرب و مزقتهم شر ممزق. وأثناء جلسة مباحثات في قصر الخلد ببغداد  بين الرئيسين نميري و البكر، و بمجرد بدء الرئيس نميري في شرح مهمته إستغرق الرئيس البكر – الذي كان مريضا – في نوم عميق. و ما أن فرغ النميري من الحديث حتي إستيقظ البكر من النوم ثم تمتم بجملة واحدة: (  والله محمد سليمان كان خوش راجل )، و معناها في العامية العراقية أن محمد سليمان كان رجلا فحلا. والاسم الذي ذكره وعناه البكر هو محمد سليمان الخليفة ممثل السودان في القيادة القومية لحزب البعث، والذي قتل في حادثة إسقاط الطائرة المتجهة للسودان في أعقاب انقلاب الرائد هاشم العطا في سماوات المملكة السعودية. و قد وقعت مني الكلمة التي استخدمها ابوبكر وهي: ( إسقاط ) عند الحديث عن طائرة القيادي البعثي الراحل موقعا معينا، اذ لم يستخدم كلمة ( سقوط )، و لست ادري إن كان في ذلك مؤشر علي أن صاحبنا يرقد علي معلومات ربما أماطت اللثام عن أن الطائرة قد تم اسقاطها فعلا بواسطة جهة ما. والمعروف أن الغموض الذي اكتنف حادثة الطائرة لم يتم أجلاؤه قط رغم مرور سبع و ثلاثين عاما عليها.  و من طريف ما قرأت في المذكرات ما حدث عند زيارة وفد سياسي رفيع المستوي ترأسته عضو المكتب السياسي نفيسة أحمد الأمين الي يوغسلافيا السابقة.  فقد سلمت وزارة الخارجية اليوغسلافية السيدة نفيسة برنامج الزيارة متضمنا رحلة بحرية الي جزيرة من جزر العراة في البحر الادرياتيكي حيث ينزل السياح ويتجولون في الجزيرة و ( يستمعتون ) بمشاهدة العراة من الجنسين وهم يمارسون حياتهم الطبيعية، ولك أن تتصور ردة فعل السيدة الفضلي رئيسة الوفد!

 

بذات الدرجة العالية الرفيعة من الشفافية والوضوح التي طبعت المذكرات في مجملها،  يتناول صاحبنا عددا من القضايا و الموضوعات السياسية الشديدة التعقيد.  نغوص في المذكرات فنعرف الكثير مما لم نكن نعرف عن خفايا و أسرار المصالحة الوطنية  التي انعقدت بين النظام المايوي و قادة المعارضة عام ١٩٨٧،  و عن موقف القيادات السودانية من مبادرة السادات السلامية و اتفاقية كامب ديفيد و تشدد الرئيس السابق و إصراره علي مؤازرة السادات في مواجهة كل الاعتراضات الداخلية و العواصف الخارجية، و عن الصراعات داخل الجهاز التنفيذي، ثم بين الجهاز التنفيذي والتنظيم السياسي، و عن تداعي نظام مايو و أنهياره و تحليل أبوبكر للعوامل المتضافرة التي عجلت بالنهاية، و تفصيلات ما حدث في مطار القاهرة عندما تم اخطار الرئيس السابق بإستيلاء الجيش عن السلطة وقد كان صاحبنا ضمن الوفد الرئاسي الي جانب الرئيس، و عن أعتقال ابوبكر بُعيد إنتفاضة ١٩٨٥ و أيداعه سجن كوبر في رفقة عدد كبير من كبار السياسيين و الوزراء السابقين.

 

و بالرغم من أن أبي بكر يجاهر بأنه سيظل فخورا بالعمل تحت رايات مايو مؤمنا بأنها تعد في بعض جوانبها من أكثر فصول تاريخنا المعاصر إشراقا، فإنه في ذات الحين لا يبرئ نفسه، فيقول عن نفسه ثم عن مايو و نظامها: ( لقد كنا جزءاً من كتائبها و نتحمل جزءا من مسئولية الاخفاق ).  و شتان ما بين أبي بكر وهو يجاهر بالانتماء الي مايو و يعالن بتحمل المسئولية عن أخطائها في سبعينات عمره، و أبوبكر قبل نصف قرن، و هو في عشريناتها، يجيب علي سؤال لأحد أعضاء لجنة المعاينة للالتحاق بالسلك الدبلوماسي عما إذا كان قد مارس أو لا زال يمارس النشاط الشيوعي، فينكر أنه كان منتظما تحت لواء أي تنظيم شيوعي في يوم من الأيام. و يرد السائل من لجنة المعاينة بحزم: ( أن من يتبني فكرا أو مبدأ لا ينبغي له أن ينكره أو يتنكر له )، ثم يقرأ عليه نصا أوردته صحيفة ( الصراحة) في صدر صفحتها الأولي حول إكتساح الشيوعيين لإنتخابات لجنة إتحاد طلاب جامعة الخرطوم و في قلب القائمة إسم : أبوبكر عثمان!

 

لا ينقص من متعة قراءة هذا الكتاب المتميز في كثير أو قليل الهنات الهينات التي يلحظها القارئ عند بعض صفحاته كإغفال المؤلف ذكر التواريخ والمراحل الزمنية لكثير من الاحداث التي إستعرضها، ثم إقتصاره علي الاسماء الاولي لبعض الشخصيات التي وردت سيرتها، مثل قوله: ( كنا مع الراحل حمد )، و تركه القارئ وحيدا بعد ذلك يضرب أخماسا في أسداس لمعرفة  أي الحمدات هذا!  ولكننا إنما نأتي علي هذا الملاحظات لمجرد التنبيه الي ضرورة تلافيها في الطبعات القادمة. وكنا قد أوردنا  سابقا أن الكتاب من أصدارات المكتب المصري الحديث بالقاهرة، و لا بد و الحال كذلك أن من قاموا بنسخ صفحاته علي ألات الطباعة كانوا من إخوتنا و أحبتنا من بني بمبة.  و إخوتنا هؤلاء تستغرقهم في الغالب حالة ذهنية خاصة عندما يتعاملون مع الأسماء السودانية. و تري ملمحا من تلك الحالة حين تقرأ بعض الاسماء فتنكرها لبرهة ريثما يُدركك  معناها، فأبي بكر يكتب ( ميدان أبوجنزير ) و بنو بمبة يطبعون ( ميدان أبوجرجير). ثم أنك تقرأ إسم ( شيرين ) و تقفز الي ذهنك الفنانة المصرية البارعة الحُسن، ثم تنظر مليا فإذا المقصود الرسام التشكيلي السوداني شبرين. و تقرأ: ( جليل) فرح إسما لشاعرنا،  و ( إدريس) أبابا عاصمة لاثيوبيا.  وتقرأ سيدأحمد الجردل، و تتأمل الإسم الجرئ ريثما يتضح لك أن المعني في حقيقة الامر هو الاديب السفير سيدأحمد الحردلو! و لا تثريب علي بني بمبة بعد ذلك أن إستبدلوا العين من داخلية أبوعنجة بثانوية حنتوب فجعلوها ( أبوغنجة )!

 

و بعد، فهذا كتاب من أهدي و أصفي ما استقبلت الساحة الثقافية السودانية في عهدها الأخير، يتخذ ما هو جدير به من لائق المكان في باب المذكرات و توثيق التاريخ. و الإمل معقود أن يقتدي الآخرون، ممن قسمت لهم إرادة العزيز الجبار حظا و نصيبا في صياغة و تشكيل الحقبات و المراحل المختلفة من تاريخ السودان السياسي، بنجم  أبي بكر و قد تصدي لواجب الشهادة علي النفس و توطين الحقائق والوقائع  كما شاهدها و أسهم في صنعها و تشكيلها عزيزا مقتدرا، بذات القدر من الشفافية والكفاءة الخلقية  فيؤدون أمانتهم الي معاصريهم ثم الي الأجيال القادمة، كأفضل ما تؤدي الأمانات و أكملها.


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج