منعت الرقابة الامنية صحيفة أجراس الحرية من نشر هذا المقال يوم الخميس 24 يوليو 2008
محاولة لحفظ الشرف السوداني
دارفور: تردد العدالة والسلام
عبد المنعم الجاك
أتفق مع الموقف النقدي والرافض لمفهوم الشرف الذي طوره الفكر النسوي وحركات حقوق المراة بكل ما يمثله المفهوم من تغذية للتصورات الثقافية والاجتماعية التي تجعل كرامة وسلامة وتطور المراة مرتبطة بجزء من عضوها الجنسي. وهكذا يختزل الامن والسلام والعدل، في لاوعيه، بالشرف ومن ثم بالجنس والفحولة، وما هما سوى حماية لمصالح وعلاقات قوى رجولية تتبناها الثقافة والسياسة والمجتمع، وباسم الشرف.
أتقف كما قلت في رفضي لمدلولات مفهوم الشرف، بيد أني استخدمه هنا لوصف حالاتين محددتين هما موضوع المقال هذا، الأولى اعادة ترتيب المصالح وعلاقات القوى، وفق مفهوم الشرف، من كونها رجولية مرتبطة بالجنس والفحولة الى حالة الفضيحة والاشتباه في الرجولة نفسها ومتعلقاتها من من جنس وفحولة، مثلما يردد الان من انتهاك للشرف والكرامة الوطنية. ثاني استخداماتي ان شرف المراة- وحزني على نساء درفور وفقا للمعني السطحي للمفهوم- يختزل أمنها وسلامتها وحقها في العدل، فقد تشوه حاضرها ومستقبلها بما واجهته من جرائم. هذه أذن دعوتي لحفظ "الشرف السوداني"، اعادة ترتيب لعلاقات القوى وجلب الامن والسلام والعدالة لهذا السودان، بما يعني حماية شرفه حسب مقصدي. يقيني انها فاشلة المحاولات حتي الان في اعادة بناء علاقات القوى وجلب السلام والأمن والعدالة، مع كل اتفاقات السلام الموقعة، حتي مجي زلزال أوكامبو واتهامه المجلجل "للشرف السوداني" في مكمن عرضه، فكيف لنا بحمايته هذا "الشرف"؟
انتابتني حالة من الخوف، القلق، الالتباس، التردد، بل يمكن أن أقول تجمد ذهني لوهلة بعد سماع تقديم طلب وأدلة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في مواجهة السيد الرئيس. انتابتني كل تلك الحالات وأنا المساند والمدافع، سرا وجهرا، ومنذ يناير 2005 لتقرير البعثة الاممية لتقصي الحقائق في دارفور، خاصة في حديثها عن وهن ولا ارادة نظامنا التشريعي والقضائي أو في توصيتها باحالة الأوضاع في دارفور الى المحكمة الجنائية الدولية. أقول ترددت لوهلة من طلب المدعي العام الأخير، وفي قناعتي الراسخة انه ما من خيار تبقى لتصريف شئون العدالة في هذا البلد وذلك الاقليم سوى تلك المحكمة الدولية، ومن ثم يتثني للمجاري الداخلية من تصريف العدالة المُثقلة بالجرائم والجراح. قلت أن ذهني تجمد لوهلة، وما كان له ان يستعيد بعض السيولة في التفاعل الايجابي مع طلب المدعي العام الا بعد ان شاطرني الخوف والقلق والالتباس والتردد العديد من دعاة العدالة وحقوق الانسان والسلام، أفراد ومؤسسات وكيانات، بان كارثة جسيمة تنتظر وتهدد وجود هذا البلد بعد طلب المدعي العام والاحتمال الأقوى بقبوله من قبل المحكمة الأبتدائية للمحكمة الجنائية الدولية. قمنا بتمحيص وتشخيص الكارثة الجسيمة الواقعة تلك، أو المحتملة الوقوع. في ذهننا كان حضور الضحايا بدارفور، عملية السلام الممكنة لدرافور، اتفاق السلام الشامل، القوى الديمقراطية والتحول الديمقراطي، البعثات الدولية، من يوفر الطعام والدواء للنازحين، وغيرها من كوارث منفصلة ومتلاحمة أتية لنتانة الجرم و من ثم سقوط الرأس. لكننا تساءلنا كذلك، هل توقفت كوارثنا منذ صبيحة 30 يونيو 89؟ بيد أن احدنا في تمحيصنا ذلك لم يقوى على تشخيص ذلك الغول... مصدر كل الخوف، القلق، الالتباس والتردد لدي غالبية مناصري والعاملين(ات) من أجل العدالة والسلام في دارفور. ذلك الغول، المؤتمر الوطني، أُعينه وأُسمية، الذي أدخل البلاد والعباد بما فيها السلام والعدالة دخول " الجمل في سم الخياط". حتى القوى المعارضة في معظمها اصطفت خلف الوهم القومي أو الوطني، داخلةً في في جُب الغول.
فاذا ما كان ذلك كذلك، فكيف لنا الاحتفاظ بحالة تجمد ذهنا، الواعية والمشروطة، استجابة لحالة الخوف والقلق على " شرفنا السوداني" من الفض والانتهاك، ليس بواسطة المحكمة الجنائية الدولية وطلب مدعيها العام الاخير، بل من قبل الغول، المؤتمر الوطني، المذنب في ثوب الضحية!
عليه، محاولة الحفاظ على "شرفنا السوداني"، مقرونة بامتدادته الدولية- شئنا ام ابينا- يمكن التعامل معها بما يُمكن لوعي السياسي، والمشروط، من التدخل عبر منفذ المادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والقائلة: يمكن لمجلس الأمن الدولي طلب تجميد عمليات التقصي والاتهام التي تقوم بها المحكمة الجنائية الدولية لمدة محددة بسنة قابلة للتجديد، على أن يكون الطلب بقرار للمجلس وفقا للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. هذه المادة من نظام روما الأساسي، بالطبع، موضوعا لحوار وجدل قانوني وسياسي مطول ومنتج ليس موضوعه هنا، لكنها ايضا- أي المادة 16- لا تقدح في استقلالية المحكمة الجنائية الدولية، كما لا تعني بالضرورة منفذا للافلات من العقاب. نظريا حتي الان، يمكن ان تمثل المادة 16 من نظام روما الأساسي فرصة أخيرة لتعطيل الكارثة الجسيمة من الوقوع، لحماية "الشرف السوداني"، لمدة عام، ولتثبيت الغول ( المؤتمر الوطني)، مصدر الخوف، القلق، الالتباس والتردد عند حده ان رضي، أو الطوفان، بما فيها استخدامات الفصل السابع للامم المتحدة بدءا من العقوبات، التدخل العسكري، سلطة القاء القبض، الخ.
لكن، وهل يأبه هذا الغول مقتنعا بان هذه هي الفرصة الاخيرة لحفظ هذا "الشرف"؟ والذي ما سكن باتفاق والا تنكر له واستمر في هتك ذلكم " الشرف"؟ كم من المرات برقت فُرصا بدت أخيره ( نيفاشا، الشرق، ابوجا، اصلاح القوانين، قوات حفظ السلام لدرافور، التحول الديمقراطي، الخ) وما برح هذا الغول مجددا في جلده، زائدا سُمكا وثقالة ومزيدا من الالعوبانيات؟
رغم ذلك، اسمحوا لذهني من التجمد، الواعي والمشروط، لمدة عام درءا لفتنة الخوف، القلق، الالتباس والتردد ومحاولة لحفظ "الشرف السوداني الدولي". ليس مساومة للعدالة وضحاياها في دارفور ولكن لتحقيقها كاملة في دارفور، وفي غير دارفور في هذا الوطن، مقرونة بالسلام والاستقرار والمساواة والمشاركة والتنمية.
على الغول، المؤتمر الوطني، الأقرار بالطريقة التي تراها قوى السلام والعدالة والديمقراطية، المحلي والدولي منها، بانه من ادخلنا و" شرفنا السوداني" في جُعبة بيت النمل هذه بعد أن ارعدت السماء ماطرة كوارث، مهندسها ومفزعنا بها هو الغول ذاته.
على الغول، المؤتمر الوطني، دعوة العالم، بما فيها الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بكل جبروته من الحضور لمدة عام محدد بوضعية المشارك والمراقب على السواء. أن يكون المجتمع الدولى والأقليمي مشاركا ومراقبا فعليا بقرارات وامكانات واضحة، ليس صُوريا كما يحدث في اتفاق نيفاشا وفي دارفور وما حدث مؤخرا في أبيي. عليه المشاركة والمراقبة في:
· تشكيل حكومة طواري انتقالية لمدة عام تحمي وتدفع بوتيرة أسرع للتنفيذ الحقيقي لمكتسبات نيفاشا، حكومة تشارك فيها كافة القوى المعارضة والمجتمع المدني، وتعمل على أجندة محددة تتفادي في الأساس الانتهاك الكامل "للشرف السوداني"، والتعامل بواقعية مع أسباب ومعالجات ما بعد طلب المدعي العام لمحكمة الجنائية الدولية الحالي،
· حكومة طواري أنتقالية لمدة عام تُضَخ عبرها دماء السلام والعدالة لدارفور بمشاركة سياسية تأتي خصما على وتخفيضا لنسبة الغول ( المؤتمر الوطني) في اتفاق نيفاشا، حفظا لتوازن القوى، خوفا من الانقلاب، ودرءا جماعيا للكارثة... ومن ثم فزعا سودانيا دوليا لحفظ "الشرف"،
· حكومة طواري أنتقالية لمدة عام في صدر أجندتها، خلال أو قبل انتهاء العام، ايجاد حل سياسي عادل يستجيب ويشرع عمليا في تنفيذ كافة مطالب أهل دارفور، وبمشاركة وضمانات دولية واقليمية واضحة،
· حكومة طواري أنتقالية لمدة عام، تعمل في أقل من العام على تعديل كافة القوانين بما يتسق مع الدستور والمواثيق الدولية المصادق عليها، بل والمصادقة على الاتفاقات الدولية لحقوق الأنسان والتعامل معها كقانون محلي لمعالجة خلل غياب تشريعات محلية تستجيب لجرائم مثل الاغتصاب، جرائم الحرب، الجرائم ضد الانسانية والتطهير العرقي،
· حكومة طواري أنتقالية لمدة عام في صدر أجندتها تأمين وجود نظام عدلي معافى، أخلاقيا وتشريعيا على السواء، متعاون اقليميا ودوليا، نشطا وفاعلا في التعاطي مع، ان لم يكن كافة، فمعظم الجرائم الكبرى المقترفة في دارفور، واضعا مبداء عدم الافلات من العقاب قاعدة رئيسية، مستهلا عمله بالاتهامات والشبهات المثارة الان دوليا، منفتحا في التعاون والعمل بمختلف الصيغ العدلية مع المؤسسات الاقليمية والدولية في ذلك،
· حكومة طواري أنتقالية لمدة عام، تبداء الأن، تعمل ليل نهار في جعل الوحدة خيارا جاذبا للسودانين من جنوبه، واضعة قضية التنمية في الجنوب شأنا وأولوية قومية، مع قفل أخر بوابات الحرب جنوبا نهائيا بجعل الاستقرار والسلام حياة يومية بأبيي، ووفقا لما جاء في اتفاق نيفاشا،
· حكومة طواري أنتقالية لمدة عام تضمن عملية انتخابية حرة ونزيه في موعدها وبكافة شروط نجاحها جغرافيا لتشمل كافة أنحاء البلاد، وتشريعيا بالتوافق التام حول مختلف قوانينها واجرائيا بما يحميها من الفساد، وبما يحمي ويضمن تنفيذ الاستحقاقات الرئيسية لاتفاق نيفاشا وما يتولد عنه السلام الممكن في دارفور،
· حكومة طواري أنتقالية لمدة عام تعيد الحياة لمقترح الحركة الشعبية أبان مفاوضات نيفاشا والذي رفضه المؤتمر الوطني حينها بتدشين عملية قومية شاملة للعدالة الانتقالية، مستفيدة من التجارب الدولية، واضعة الاعتبار لاختلاف السياقات السودانية وطبيعة الانتهاكات التي تمت فيها- غربا، جنوبا، شرقا، شمالا ووسطا- على أن لا تتخذ مطية للعفو المجاني، كما تستهدف التعويض ودمل جراح المظالم والاغبان التاريخية المستمرة، خاصة المتعلق منها بالعنصرية،
· حكومة طواري أنتقالية لمدة عام يشارك ويراقب فيها العالم بصورة يومية ودقيقة، ملزما بواجباته بجعل كل ما اعلاه واقعا معاشا خلال عام، ممسكا ببوصلة الزمن وقياس مدى قوة أو هشاشة " شرفنا السوداني" عند انقضاء سنة الطواري الانتقالية هذه.
عندها، نخلق فرصة أخيرة، واعية ومشروطة، مقبولة نتائجها ليقرر مجلس الأمن الدولي في استخدام الفصل السابع كاملا أو منقوصا، وان تباشر أو لا تباشر المحكمة الجنائية الدولية اعمالها. عندها فقط نكون قد درءانا فتنة الخوف، القلق، الالتباس والتردد تجاه طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الحالي، وحاولنا الحفاظ على "شرفنا السوداني" بما لايساوم في قضيتيّ العدالة والسلام في دارفور، وفي السودان عموما.
وح نشوف!
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة