دارفور .. زيارة البشير فارغة المضمون
حامد حجر hajerstone@hotmail.com
في محاولة منه لتسجيل نقاط سياسية وليست قانونية علي إجراءت محكمة العدل الدولية ، زار البشير دارفور تحت ضغط مطرقة مدعي عام المحكمة الدولية )خصباً عنه( ، وبدأ حنيناً علي غير عادته علي مواطني دارفور الذين قتل منهم بالأمس الآلاف في حملات الجنرال العسكرية ، ثم سّوق نفسه علي أنه رجل سلام ، وبدأ أكثر ليونة وإستدرار السلام والتنمية ، وكعادته أسترسل في وعوده المفتقرة إلي ضمانات ، ووعودٍ لا تسندها ثقة السودانيين فيه ، ودعوة متجددة للحوار الذي ظل قائماً حتي أبوجا ، خالية الوفاض ، وتم دفنه مع سيئ الذكر دكتور مجذوب الخليفة .
تلك هي مبادرة البشير الذي ألتف علي حتي المبادرة السرية للجامعة العربية التي تقول في بندها الأول بضرورة تسليم هارون وكوشيب ، لكن اللغة الخشبية للجنرال الذي حول لقاءه مع نفرٌ من سكان دارفور زائداً المئات من حرسه الشخصي وقوات حرس الحدود ( الجنجويد ) والإنتهازيين من أعضاء المؤتمر الوطني في دارفور ، حول القاء إلي خطابة للإستهلاك ووعظ ديني إستعلائي نرجسي ، وكأن أهل دارفور قد إرتدوا عن معتقداتهم الدينية ، ويتطلب ضرورة تقويمهم ، إنها الصورة البشعة لسياسيي المركز ، والتزاكي المستمر علي سكان الهامش ، لكنها بقطع شك جاءت متأخرة هذه المرة ، ولن يلدغ المهمشون من الجحر مرتين .
المحكمة الدولية بكل المقاييس الإنسانية هي إنتصار لإرادة العدل والمساوأة أمام القانون ، وهي العتبة الأولي لمعني المواطنية ، وهو مكسب للبشرية لا يمكن لأهل دارفور والسودان إهدارها هذه المرة تحت إسم ( الحل الداخلي ) لتستمر بعد حين مسلسل القتل الجماعي من جديد .
إن مبادرة الجامعة العربية كانت متاخرة جداً وعديم الفائدة لأن الرئيس البشير قد رفض بندها الأول المذكور أعلاه والتي تتضمن تسليم هارون وكوشيب أولاً ، لمعرفة البشير وأركان حربه بانها ترحيل للمطالبة برأس النظام في مرحلة اخري قادمة ، إنها معركة التنسل من الإستحقاقات القانونية والتساوي إمام القانون لأن قيمة العدالة هي إنسانية وعالمية وبدون هوية ، ومحاولات البشير لدمغها بالسياسة لا مكان له ، لأن البلاد أصلاً تحت الوصاية منذ أن وافق علي نيفاشا وقبل بالقوات الدولية في دارفور وكردفان والنيل الأزرق .
إن حركة العدل والمساوأة السودانية في مبادرتها الأخيرة التي نصّت علي ضرورة تشكيل أو تكوين حكومة قومية لا تزال قائمة بعد زيارة البشير ، للخروج من المأزق الذي وضعنا فيه مفاعيل قرار المدعي العام للمحكمة الدولية في لاهـاي ، بعيداً بالطبع من أجواء التشنج والتهريج الذي يقوم به أعضاء وهتيفة حزب المؤتمر الوطني الحاكم فعلياً اليوم في الخرطوم وبعض حواضر دارفور ، وياتي حرص حركة العدل علي السودان بضرورة عدم وقوع البلاد في أية فراغ دستوري قد ينجم من هجوم مرتقب من قبل ثوار الهامش علي العاصمة مجدداً لإلقاء القبض علي الجنرال عمر البشير وتسليمه إلي محكمة مجرمي الحرب في لاهاي ، وبالتالي هذا الموقف المستحدث بفعل قوة دفع الثورة سيخلق أوضاعاً فوضوية في البلاد أن لم نقل مركز صنع القرار فيها ، لأن الفوضي قد إستحكمت دارفور والكثير من أجزاء السودان منذ خمسة سنوات خلت ، فقد أهابت حركة العدل والمساوأة السودانية بالقوي الوطنية وأحزابها باهمية أن يصار إلي حراكٌ سياسي لإجبار حزب المؤتمر الوطني علي الإستسلام للشعب وتكوين حكومة قومية من كل الفعاليات السياسية السودانية للقيام بواجب ترتيب الأمور والأشراف علي الإنتخابات وإستشراف آفاق مستقبل السودان بدون وجود الرئيس عمر البشير .
الرئيس عمر البشير ليس السودان ، وذهابه لا يعني ذهاب السودان ، والثورة علي عمر البشير حق طبيعي علي شعب بلاده ، لذلك فعلي غير السودانيين أن لا يندفعوا إلي الشأن السوداني الداخلي الذي نجم كردة فعل علي تصرفات رئيس البلاد في دارفور ، وقضية المحكمة هي تحصيل حاصل ، ولطالما كانت الحكومة تفسر أفعالها في دارفور علي إنها بسط للأمن الشامل ، في الوقت الذي كانت فيها هذه العمال ترقي إلي مستوي الإبادة الجماعية جنوسايت ، وأعمال تطهير عرقي مع إستخدام سلاح فتاك ومستحدث إسمه سلاح الإغتصاب ، كل ذلك حدث وأركان النظام والجامعة العربية في سباتٍ عميق ، فعليهم اليوم الآ يتزاعروا ويندبون أوكامبوا ، بل عليهم مواجهة الحقيقة بتسليم المجرمين إلي المحكمة الدولية بدون تباطؤ ، لأن تحقيق مبدأ العدالة لا تسقط بالتقادم .
وعلي القوي السياسية المحسوبة علي النظام من أحزاب فكة والمتراضون والمستفيدون والممسكون بالعصا من منتصفها ، أن يجروا إلي فعل وطني شجاع ، بدلاً من المحاولات العقيمة لإنقاذ نظام حزب المؤتمر الوطني ، فلا مساعدة الجامعة العربية بقادر علي إنقاذ الرئيس البشير ولا حتي محاولات الإلتفاف علي قضية دارفور وضرورة حله داخلياً بقادر أيضاً علي حل القضية ، وقديماً قيل من يبتدر المشكلة غير قادر علي حلها ، ولا بد من طرف ثالث ، وهنا يجب قراءة مبادرة حركة العدل كطريق ثالث لحل قضية السودان في دارفور ، ويجب أن يتيقن البعض في حزب المؤتمر الوطني بأن البشير وحزبه ليسوا معادلاً للسودان ، وذهابهم لا يعني شيئاً بالنسبة للدولة السودانية ذات المؤسسات العتيقة التي يجب أن تستمر بمعزلٍ عن الأشخاص .
الجامعة العربية مجبورة علي القدوم إلي الخرطوم والإدلاء بمبادرتها السرية التي تسربت إلي الصحف اللبنانية المؤيدة لقرار المحكمة الدولية ، فقد قيل بأن حماسة الجمهورية العربية السورية لتخليص السودان الشقيق ، ليس حباً في البشير ونظامه ، بل حتي ليس لكرامة عربية مهدورة هناك علي ضفاف النيل كون سورية رئيسة للدورة الحالية ، بل لسبب تخص الوضع السوري الداخلي لأن الرئيس السوري هو نفسه متهم سياسياً حتي الآن في قضية الرئيس بهاء الدين الحريري في بيروت ، والذي تم تفجير موكبه في العام ألفين وخمسة ، وبموجبه تشكلت محكمة دولية خاصة للإقتصاص من قتلة الحريري ، ومن وجهة نظر تيار المستقبل الذي يتزعمه الحريري الإبن ، فإن أصابع الإتهام تشير إلي بعض أركان النظام الأمنيين المحيطين بالرئيس السوري ، ولذلك فالعرب في قمتهم بالقاهرة كانوا منشقين إلي مجموعتين ، الأولي غير مكترثٍ بالقبض علي الرئيس البشير وإرساله إلي المحكمة الدولية ، بل تري ذلك مبدأً جيداً ، وهؤلاء بالطبع المؤيدون والممولون لمحكمة الحقيقة من أجل الحريري ، أما العرب القومجيون ، الشموليون فقد مثل قلقهم السيد وليد المعلم وزير خارجية سوريا الذي خرج لأربعة مرات خارج قاعة إجتماعات الجامعة العربية لمخاطبة من أعتبره الصحفيون والمراقبون أهم زعيم في بلاده ، فالقومجية العربية كانت ( تبكي علي الهريسة وليس علي الحسين ) في كربلائه في يوم الطف الكبير ، فحق عليهم وحزب المؤتمر الوطني المثل العربي القائل ، أتلم المتعوس علي خائب الرجا .
بالطبع عقلية المركز السوداني دائماً ما يعتبر نفسه ذكياً ، وهي ليست كذلك بدليل أن السيناريوهين الذين تقدمت بهما هي أولاً تحرك إقليمي ودولي لمحاصرة أوكامبو ، وهذه الفرضية الذكية من وجهة نظر جماعة البشير ، هو أن أصل الأشكالية ليست قانونية بل هي سياسية ، وقالوا الكثير في تلفزيون السودان المسكين ، وجندوا بعض الحمساويين من فلسطينيي الأردن والبعثيين الذين تخلوا عن صدام حسين ليشنق من علي شاكلة نقيب المحامين العرب صلاح المختار ، وغيره من أصحاب الدكاكين السياسية العربية التي تعتاش من هكذا ظروف تمر بها بعض الدول العربية الشمولية ، نفس هؤلاء كانوا مع صدام وهتفوا وحللوا في الفضائيات ، لكن النتيجة كانت صفراً .
إذن أعتراف البشير في خطابه في الفاشر ببعض الأخطاء والمظالم تتناقض مع دمغ إدعاءات المحكمة الدولية بوجود مظالم ، الأمر الذي يجعل من أداء حكومة البشير أذاء القضية مرتبكاً وغير متجانس ، والذي بالطبع يعكس هشاشة لعبة الإلتفاف علي حقوق الضحايا في دارفور ، وتنسل الجنرال البشير من المثول أمام المحكمة لمواجهة تأريخه البربري في دارفور.
النقطة الثانية هي سيناريوا حل مشكلة دارفور داخلياً ، وهذا مضحك بالطبع ، فبعد خمسة سنوات من التطهير العرقي ، كيف للنظام حل قضية دارفور بهذه الإستعجال من أجل السباق مع المحكمة الدولية ، وبالتالي الحؤول دون القبض علي المجرم البشير ، لمواجهة تأريخه أما عوائل من يتمهم وأثكلهم وشردهم في دارفور وكردفان ، بل وحتي السودان أجمع ، حينما أحال الألاف للصالح العام ونكد عليهم حياتهم حتي شردوا إلي أصقاع المعمورة مشتتين ، مثلاً يستطيع عوائل الشهداء رمضان التقدم بالشكوي حول مقتل أبنائهم ودفنهم في مقابر جماعية في صحراء المرخيات ، فالقتلة بعضهم أحياء اليوم بعد أن سلبوا الشهداء حقهم في الحياة وعلي رأسهم عمر البشير.
أين حصافة وذكاء من يريد حل قضية دارفور وبالسرعة هذه حتي لا يذهب البشير إلي المحكمة الدولية ، ما رأي أولياء الدم في دارفور وخاصة حركتي العدل والمساوأة السودانية وتحرير السودان ، بل وحتي أؤلائك السودانيون المتعاطفون مع قضية شعبهم في دارفور وهم كثر من بقية ولايات السودان ، بخاصة الشمالية ، أين الموقف الأخلاقي لهؤلاء الأذكياء حينما يمارسون هذا السقوط الأخلاقي لتبرئة مجرم حرب؟ إذا كان البعض يصف مذكرة جلب البشير للمحكمة (حقارة) ، فماذا نسمي من يحاول الإلتفاف علي قرار أممي يتوجب جلب شخص متهم إلي العدالة الكونية ، في أية قبور من مقابر الظلم التأريخي يعيش هؤلاء الذين نسميهم حكاماً اليوم في الخرطوم؟ ما معني المواطنة في قاموسهم؟.
من قال لكم بان هنالك ( مشكلة ) في دارفور ويجب حلها ، الآن فقط وبعد مرور خمسة سنوات من القتل والسحل والإبادة الجماعية تعترف حزب المؤتمر الوطني تحت ضغط مذكرة التوقيف ، لحل القضية في خلال بضع أشهر ، تباً لهذا الإستعلاء من أناس عديمي الضمير .
أولاً : نحن نقول بأن في دارفور ( قضية ) وليست مشكلة ، وحل هذه القضية بعد الآن تكون بتسليم القتلة إلي المحكمة الدولية في لاهاي ، وسوف لن يكون دارفور ضحية للمرة الثانية ، بمعني في السابق قتل الناس بدم باردِ ولم تعترف حكومة البشير بقضيتهم العادلة ، وتواطئت معهم بعض الإنتهازيين من أبناء الهامش وأحزاب الفكة والتقليدية المتراضية ، في دراما تبرير القتل للبشير وأركان نظامه ، الضحايا في دارفور ليسوا في عجلة من أمرهم ، ومن يصوم اليوم كله يجب أن لا يصوم علي بصلة .
ثانياً : تريد ذات المؤسسة الفاشلة ترحيل مأذق الرئيس البشير وحزبه إلي دارفور ليقوم الضحية بإنقاذ قاتله من براثن العدالة الدولية ، ربما لا يصدق الكثيرون لو قلنا بإن هذه الجزئية هي السيناريو الثاني للجامعة العربية برسم أمينها العام عمرو موسي في الخرطوم ، أي بعد أن يقوم البشير بتسليم هارون وكوشيب لفرملة المجتمع الدولي ودعمها للمحكمة ، ولا يهم بالطبع رأي المواطنون الذين قتل أفرادهم عائلاتهم الذين بلغ عددهم المائتين وخمسون ألفاً ، بل الذين سلبت حواكيرهم وتشردوا أيدي سبأ ، منذ خمسة سنوات .
أن مكونات الثورة في الهامش ومنذ البداية لم يعتبروا قضية دارفور معزولة عن قضية الدمقراطية والعدالة والمساوأة في السودان ، وبالتالي حل المشكلة تكمن في حل كل قضية دارفور ، وتبدأ بتبني مبادرة حركة العدل والمساوأة أعلاه في ضرورة تنحي الرئيس البشير وتكوين حكومة قومية تقوم هي بترتيب مستقبل السودان ، وعندها تكون قضية دارفور قد حُلت ضمن الوضع الجديد لدولة المواطنة ، وفي تشحيذ للذاكرة إن مقولات الكتاب الأسود الذي أصدرته حركة العدل والمساوأة السودان ، كانت سابقة للثورة المسلحة نفسها ، وحتي في حالة تنحي البشير تظل مطالب بناء سودان خالٍ من التهميش السياسي والثقافي والإقتصادي مطالب دائمة برسم تحقيقها من أي مجموعة تحكم البلاد مستقبلاً ، ليست هنالك موقف شخصي من البشير ، وإنما في طريقة من يحكمون السودان بواسطة آليات الإستهبال السياسي ، ونخلص إلي أن الأمور ليست بالبساطة التي حاول البشير كلفتتها يوم أمس ، والسلام ما زال بعيد المنال ، وعلي قوي الثورة الإستعداد لجولة جديدة من النضال المستمر وبوتائر متعاظمة لأسترداد الكرامة ونيل الحقوق الغير قابلة للتصرف من أي أحد كان ، ونستعير من صقور حزب المؤتمر الحاكم ، بعد ما لبنت ما بنديه للطير ، ونحن نقول لن نرضي بمسرحية محاكمة أركان النظام في داخل السودان .
والسيد عمرو موسي الأمين العام للجامعة العربية ، غير متأكد من أن قيام محاكم لحل المشكلة سوف تفضي إلي العدالة أم لا ، وذلك بدليل تصريحه في البي بي سي صبيحة 24/7/2008 حين قال بالحرف ( طالما في محاكمات حتجري وقانون حتطبق راح يكون في تقدم ) ، هذه المحكم لا ضمانات إجرائيه لها لجهة أن حكومة البشير سوف يرد الحقوق ، ثم أننا نعرف البشير أكثر من عمرو موسي ، هذا شان سوداني داخلي ، نحن لا نثق في هذا الرجل الذي أسمه البشير ، وبالتالي زيارة البشير لدارفور ، ومبادرته خالية من أية مضمون ومحتوي لحل القضية.
24/7/2008
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة