|
|
Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55 |
مشاهدات في معسكرات النزوح (3)
عمار عباس
أول مرة استمع فيها إلي شيوخ المعسكر الذي قيل لنا أنهم يمثلون سكانه كانوا يتحدثون عن "المؤامرة" التي يمكن أن تدبرها "حكومتنا" وهي توعز إلي بعض شركات الهاتف السيار بتسجيل البيانات الشخصية للمشتركين فإذا هي محاولة مكشوفة للتجسس لا غير.كان هذا علي هامش بعض اللقاءات التي تلتقيها المنظمات بشيوخ المعسكر وقادة النساء فيه.سبعة من الرجال وثلاث من النساء لا يتكلمن أبدا كما هي التقاليد ربما. أما لم لا يتكلم معظم الرجال إلا للتأكيد علي موقف أو لإعادة كلام قيل سابقا فلا تدري سببه . الواضح أن لديهم من يمثلهم فلا يتكلم جميعهم. ممثلو النازحين -وليس كل النازحين – هم من أعترض علي التعداد.والممثلون ليسوا جميعهم بالطبع.ليس السبعة كلهم ولا الثلاث الصامتات.الكل يعلم أنه نوع من النكاية في الدولة التي لم تهتم بهم قبلا.والكل سمع بهذا الرأي يأتي من الخارج عبر القادة الذين يطلون من علي شاشات الفضائيات من باريس أو برلين.وهذا نوع آخر من التمثيل للاثنين الذين يمثلون السبعة والثلاث الممثلين لسكان المعسكر.ولو أنك رأيت تجمهرا في المدينة في متجر أو عيادة أو مكان عام لكان أصح تخمين لك يصدق : انه عبد الواحد علي التلفاز يتكلم في الجزيرة!..يجتمع الناس وهم متعجبون من هذه الفصاحة والطلاقة التي يجابه بها رجالا من "ناس الخرطوم" الذين يفترض بأنهم سادة البلاغة والفصاحة.لا أظن سبب "شعبيته" هنا بسبب صواب رأيه أو طول جهاده أو قوته في "الميدان" بقدر ما هو الأكثر إطلالا لهم من الشاشات.وفي ذلك الجمع لا تدري من معه ومن ضده.فالخليط من الجمهور لا ينبت واحد منهم بكلمة حتى لا يدل علي نفسه ك"مريخابي" ضل إلي مدرجات مشجعي الهلال.فليشاهد وقد تفوت عليه لذة التعليق والمناقشة والصراخ . ربما كان دكتور خليل كما يسمونه هنا أكثر شعبية ولذلك "لضرباته" الموجعة التي يحكون أنه وجهها للحكومة و آخرها "غزوة أمد رمان". هنا تعلمت أن ممثلك ليس بالضرورة أن يمثلك.هنا ممثلك قد يكون عدوك أحيانا.أتت فتاة في عمر الزهور إلينا في عيادة المعسكر.حكت أنهن سبعة تعرضن للاغتصاب وخمسة منهن أنجبن.هي من بينهن ولدت طفلا ميتا وجاءت تشتكي أن كل "الفضلات" تخرج منها بلا استئذان ومن مخرج واحد لم يخصص لها وإنما لخروج الإنسان الذي كرمه الله!! من المستحيل أن يقربها رجل مرة أخري إذ أن أمها لا تستطيع مجاورتها في عشتهم الضيقة.هي لا تتكلم العربية فاضطررنا للاستعانة بمترجم من طاقم العيادة.كانت الكلمات تصلني كالصاعقة من المترجم بينما تخرج منها هادئة كأنها تحكي قصة ما قبل النوم لصغيرها الذي يبدو أنه لن يري الدنيا أبدا مع "الفوضى" التي رأيتها هنالك بين فخذيها!! لا أزال مندهشا من قدرة هؤلاء علي التحمل.ربما اضطررت إلي إيقاف المترجم مرة أو مرتين ولفت نظره أن يوضح سؤاله ما أمكن كلما رأيتها حائرة أو ألا يسألها سؤالا إجابته نعم أو لا..الخ.أما عندما قسا عليها و صرخ في وجهها فقد قمت بتغييره علي الفور.البائسة ليس لديها ما تخسره فقد أخبرته-ولم تتراجع- أن العرب لم يفعلوا بها هذا وإنما فعله غيرهم وذكرت له اسما لفصيل محارب.بعض النازحين يقر بصحة كلامها لاسيما وهو يري الفتاة وأمها الواجمة أمامها.لقد قطعن الرحلة سيرا علي الأقدام إلي حيث يمكنهما أن يجدا طبيبا لعله يعيدها للحياة مرة أخري.مترجمنا الأول أصر أنهم الجنجويد لا محالة وهي لا تدري! كان واضحا أنها تدري وتعرف جيدا ما تقول.وواضح أيضا أن رجلنا لم يطق صبرا علي كلامها فمضي يقول لي :هم الجنجويد.هم الجنجويد! لم يك يهمني من فعل ذلك بها فنحن هنا لعلاجها بغض النظر عمن هي و من هاجمها.إنما أزعجني هذا الذي ظن أنه يمثلها دون اختيارها.كثير هم من اختاروا لها الحرب و "التحرير" لمصلحتها وخيرها . اختاروا لها أيضا أعداءها وكيف تحكي قصتها ولمن؟..إنها الحرب إذن التي لم يحسب حسابها المناضلون عندما قرروا اتخاذ قرار التحرير نيابة عن كل السكان.عندما تعم الفوضى يصعب تحميل طرف واحد كل العبء مهما ظلموا.تكفلت احدي المنظمات بسفر الفتاة للخرطوم بعد أن عجز أطباؤنا هنا عن إصلاح هذا الشئ الذي رأيناه وحسبهم مهارة و"شطارة" أن استطاعوا وصفه في "استمارة التحويل"!!. رحبت بعض المعسكرات بالتعداد ورفض بعضهم.أخبرونا منذ البداية أن معسكرنا لن يشمله العد.نري سيارات الشرطة والأمن أحيانا هنا تطارد متمردا أو تبحث عن سلاح مسروق علي ما يقال لنا هنا عن سبب هذه الغارة أو تلك.وكم تنتابنا فرحة عندما نراها إذ نتمنى ألا يكون هنالك شبرا خارج سلطة هذه الدولة المنكوبة.صحيح أنهم عاجزون عن مطاردة كل من يدخل المعسكر من صغار المجرمين وصانعي الخمور ولا يأتون إلا بسبب شديد الأهمية يتبعه الاعتذار الشديد في اجتماع المنظمات ودائما "تتعهد قوي الأمن السودانية بعدم الدخول مجددا".تعلمت حب هذه القوات قديما عندما افتقدتها مرة ونحن ندخل منطقة في أحراش "كرد فان" علا فيها علم الحركة الشعبية إشارة لانتهاء سلطة الحكومة التي كنا نشتمها في الشمال.كان الحنين لقطعة القماش التي تحمل ألوان "العلم السوداني" أكبر من حنيننا لأهلنا وأحبائنا. والدولة التي لا يعجزها اجتياح المعسكر والاعتذار لاحقا تفاوض هنا قادة المعسكر علي التعداد كما تفاوض "الجالية السودانية بالبرازيل عبر سفارتنا في فنزويلا".كان واضحا لدي أكثرهم أنه يتمني أن يشمله التعداد وأن يجمعه شئ مع هذا الشعب الذي ينتمي إليه.وواضح كذلك أن قليلين ممن لهم قيادة و تمثيل- كمترجمنا- هم الذين يقفون حجر عثرة.أناس نصبوا أنفسهم يخبرون قومهم عن الصواب والخطأ.وعما ينبغي وعما لا.وأسوا من ذلك..يخبرونهم أن كل ما تشاهده أعينهم ليس صحيحا والأمور ليست دائما كما تبدو عليه.أخيرا انقسم معسكرنا.شمل التعداد نصفه واعتصم النصف الثاني بالرفض وسط اتهامات التخوين وتلقي الرشا من "حكومة الجنجويد".ما أشهد به أن نصف النصف المعتصم كان يتوق للتعداد ليس لمعرفة نصيبه في الثروة و إنما ليكون "سودانيا" مع السودانيين لو فرحوا ولو حزنوا.في مقالي المقبل سأخبركم عن صدي الهجوم علي أمد رمان.ربما ريثما تهدأ النفوس قليلا.
© Copyright by SudaneseOnline.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة
الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة
عن رأي الموقع