أحداث العاشر من مايو.. لا عزاء للوطن
هاشم بانقا الريح*
hbrayah@yahoo.com
لا أري أن ثمة إيجابية يمكن أن تكون في أحداث العاشر من مايو الدامية. فأي إيجابية في القتل والتدمير و ترويع الآمنين.؟ و أي إيجابية هذه التي نبحث عنها و قد كان الوطن في آخر سلم أولوياتنا و نحن ندين أو نؤيد ما حدث؟
كشفت الأحداث بما لا يدع مجالاً للشك شرخاً كبيراً وبوناً شاسعاً بين أبناء الوطن الواحد تجاه وطنهم، و طغت الانتماءات السياسية و الحزبية و الجهوية على ما عداها. فهل هذا توجه إيجابي؟ عادت الدعاوى المنتنة "جلاّبي" ، "غرّابي" بصورة ملحوظة في فضاء الإنترنت الواسع الذي يفتقد للكثير من مقومات العمل الجاد الهادف. فكل من "فكّ" أميته التقنية تحوّل فجأة إلى كاتب رأي، بل و غدا يوسع الآخرين تجريحاً و شتماً وزجراً و يوقظ فتناً نائمة حسبنا، و نحن نقترب من نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، أنها قد أودعت التاريخ و أصبحت نسياً منسياً!
الوطن؟ عن أي وطن نتحدث؟ لقد كشفت الأحداث و ما أعقبها من كتابات هنا و هناك تباين الهوى و الأهواء بين أبناء السودان على اختلاف انتماءاتهم السياسية و على اختلاف مستوياتهم التعليمية. فما معنى أن يكون التنابذ بالألقاب و بألوان السحنات ماثلاً و طاغياً على الكثير من أقلام الذين "سوّدوا" لنا صفحات الشبكة العنكبوتية؟ ما معنى أن تتحول المواجهة من الأسلحة النارية إلى الحروف الطائشة و الألسن الحائرة التي تقذف يميناً و يساراً و تقدح في كل شيء و لا يصدها شرف و معيار الكلمة و أدب الخلاف الذي أصبح يفسد للود كل القضايا؟
في خضم حالة التشنّج و التعصب الأعمى ربما فات على الكثيرين ما يلحق بالوطن و ما يمكن أن يصيب جميع ساكنيه بغض النظر عن مواقفهم و انتماءاتهم و خلفياتهم العرقية و الجهوية و السياسية . الكارثة إذا حدثت – أيها السادة – لا تُفرّق بين البَر و الفاجر بل ستلتهم كل الوطن .. و ما الوضع في الصومال و العراق و لبنان منُا ببعيد.
الوطن يعاني من مشاكل .. نعم لا خلاف على ذلك و بالمعايير الدولية فكل شبر من الوطن يفتقر لأدنى مقومات التنمية و أساليب الحياة العصرية.. و الأمر يتفاوت حتى عند هذا الحد الأدنى .. و هذا صحيح أيضاً . لكن أن نظل جميعنا "نحفر" في تلك الحفرة فسنجد أنفسنا في هاوية تبتلعنا جميعاً.
من أي قبيلة أنا بل و حتى من أي جهة في السودان ، أسئلة تثير اشمئزازي لا أدري لربما الإحساس بأنها مؤثرات سلبية .. تفرّق و لا تجمع.. ماذا لو كنت أنا سوداني و كفى ، و أسكن في المنطقة الفلانية، و الأخيرة ليست صفة ثابتة ، فما دمت سودانياً و هذا الوطن الشاسع وطني فلا غرابة أن أسكن "رهيد البردي" أو "مريدي" ، و أتزوج من "سودري" أو "مروي" و أعمل في "بورتسودان " أو "مدني" و أقضي إجازتي مستمتعاً بمقرن النيلين.. فكلها وطني .. ليس كذلك؟
أستدعي كل الأناشيد الوطنية التي ظللنا نرددها و نحفظها عن ظهر قلب و لا أجد لها ترجمة على أرض الواقع.. و هذه تحتاج إلى وقفات و دراسات. لقد كشفت أحداث العاشر من رمضان هوة عميقة بين ما ظنناه نسيجاً اجتماعياً يُبشّر بمستقبل أفضل لأجيال قادمة ربما لن يترددوا في اتهامنا بالكذب و هو يقرأون أو يسمعون أننا كنا نردد "وطنا البإسمك كتبنا و رطنا" ، و بين واقع ماثل أمامنا جميعاً.
لقد كشفت هذه الأحداث و أخرجت ما في النفوس و القلوب و أثبتت أن هم الوطن يأتي في آخر سلم أولوياتنا. في تداعيات هذه الأحداث، و إذا ما استبعدنا الغث الذي كُتب و طرح عنها - و هو كثير - ، و التفتنا إلى ما كتب عن الديمقراطية و حقوق الإنسان و التوزيع العادل للسلطة و الثروة و تنمية الهامش، و ربط ذلك بما حدث، سنجد أن جميع الذين كتبوا في هذا الإطار لم يقولوا لنا أين يريدون تطبيق هذه النظريات الرنانة ما دمنا جميعنا نحمل معاول هدم تستهدف الوطن .. كل الوطن!! و من أراد المزيد فعليه بالشبكة العنكبوتية فسيرى بكل وضوح تلك المعاول و تلك الأسلحة الفتُاكة المستخدمة في الإجهاز على ما تبقي من الوطن.
* مترجم و كاتب صحفي يعمل بالمملكة العربية السعودية
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة