السلطة في قارعة الطريق بالعاصمة السودانية
Elfadil Abbas Moh. Ali
يتساءل المراقبون و أصدقاء السودان من العرب و العجم كيف يتسنى لمفرزة تحملها ثلاثمائة سيارة لاند كروزر تويوتا أن تتحرك من أبّشى في أواسط تشاد و تقطع ثلاثة آلاف كيلو و تصل لأم درمان على الضفة الغربية من الخرطوم في منتصف نهار السبت العاشر من هذا الشهر، و لا يتصدى لها الجيش السوداني مطلقا رغم علمه بدخولها، اذ أعلنت الحكومة قبل ذلك بثلاثة أيام أن قوة عسكرية من متمردي دارفور عبرت الحدود متجهة نحو العاصمة المثلثة (أي التي تتكون من الخرطوم-أم درمان- الخرطوم بحري)! أين الطيران؟ أين الطائرات العمودية التي كثيرا ما نشطت في ضرب القرى بجنوب دارفور و ملاحقة النساء و الأطفال و الطاعنين في السن المهرولين نحو معسكرات اللاجئين بتشاد؟ أين الرادار؟ أين مراكز جمع الأتاوات و نقاط التفتيش التي نغّصت حياة سائقي الشاحنات و رجال الأعمال و الركاب المتنقّلين بفيافي دارفور و كردفان على الطرق الخارجة من الفاشر و نيالا و سودري و بارا و حمرة الوز و غيرها؟ أين متسقطي الزكاة و الدقنية الذين لا تعبر خمس كيلومترا بطول السودان و عرضه الا و يعترضون سبيلك بمتاريس كسم الخياط لا تنفذ منها الا بعد أن يتفحصوك و يفتشوك و يصادروا ما بدا لهم و يبتزّوك بضرائب ما أنزل الله بها من سلطان؟ أين الجيش و الأمن و مليشيات الجنجويد و جندرما القتل و البطش بأهل السودان؟ أين الاستخبارات العسكرية التي تجلس على امكانيات تضاهي امكانيات الدول الغنية؟ هل أنتم أسد عليّ... و في الحروب نعامة؟
جاءت الاجابة على لسان الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل أحد أهم أركان النظام من حيث القرب من أذن رئيسه حينما صرح للاعلام الداخلي و الخارجي مساء السبت المنصرم بأنهم كانوا على علم تام بتحرك قوات العدل و المساواة و بحجمها و تكوينها و خط سيرها حتى دخلت، و تصدّوا لها بشارع الأربعين و شارع العرضة و مشارف محطة الاذاعة و التلفزيون بأم درمان و بفتحات جسر النيل الأزرق و جسر الانقاذ بالفتيحاب، ضاحية أم درمان الجنوبية، و فتحة جسر شمبات الذي يربط شمال أم درمان بالخرطوم بحرى. أي أن حكومة الدكتور مصطفى آثرت أن تلتحم بالقوة العسكرية JEM في عمق الكثافة السكانية المدنية، و كما هو واضح، بغرض استخدام أولئك المدنيين الآمنين كدروع بشريّة، و اذا دعا الحال جدا فعليّ و على أعدائي ينهار المسرح برمته ليموت المخرج و المنتج و الممثلون و الجمهور كما قال عادل امام.
و نفس اجابة الدكتور مصطفى أكّدها سير الأحداث؛ فقد كان واضحا أن الجيش ملجم و محجّم و مخصيّ تماما كالجيش العراقي عندما بدأ الأمريكان غزوهم من الحدود الكويتية بجنوب العراق، مرورا بالبصرة و حتى بغداد، مرورا سلسا بلا أدنى مقاومة كسكين حادة ساخنة تقطع كتلة من الزبد، على حد وصف أحد قواة المشاة الأمريكيين. ماذا كان الجيش العراقي و الطيران و الحرس الوطني ينتظرون؟ لعلهم كانوا ينتظرون يوما أكثر سوادا من دخول القوات الأمريكية لعاصمة بلاد الرافدين، بغداد بلد الرشيد و منارة المجد التليدّ! انه نفس موقف القوات السودانية و أمنها و استخباراتها العسكرية، فجميع هذه المؤسسات في حقيقة الأمر مجرد نمور من ورق، لا تستأسد الا في البطش بالمعارضين السياسيين و في تعذيبهم و اغتصاب نسائهم، و لكنها في حومة الوغى، و حينما يحتاجها الوطن، يصبح عودها عود امرأة و كسبها صفرا و أمرها بددا، كأنها حمر مستنفرة فرت من قسورة.
كما أشارت أحداث السبت الى بداية الصوملة بالسودان و سقوطه في أيدي المليشيات، لأنها أثبتت أن ولوج العاصمة من السهولة بمكان، ما هي الا بضع بك أبّات معدّلة و مليشيا تحمل فقط الآر بي جي و المدفع 106 و الكلاشنكوف، يقودها سائقو الشاحنات التي كانت تمخرالصحراء و الذين يعرفون مكامنها و مساربها و مطباتها و وديانها و طرق التهريب و التمويه فيها. و لو كانت جم مزودة كذلك ببعض من سائقي ركشات الخرطوم لاستدلت لمكامن السلطة الحقيقية و هي خمسة فيلات لا غير بالخرطوم و الخرطوم بحري، منازل كل من د. نافع و د. عوض الجاز و عبد الرحيم حسين و علي عثمان و صلاح غوش، أما رئيسهم فمكمن قوته هو كتيبة المظلات بالضاحية الشمالية للخرطوم بحري، خط الدفاع الأخير للنظام المعدّ للتصدى للجيش نفسه اذا تحرك في أي يوم من الأيام. و اذا أتتنا حركة أخرى بعد العدل و المساواة لربما تستفيد من أخطائها البسيطة في لحظاتها الحرجة و ربما تتفادى الفنشينق الرديء الذي اتسمت به و تنفذ فورا لمكامن السلطة و تضعها في حرز أمين؛ و ان الجيش العرمرم من المؤسسات الصورية الفضفاضة ستبدّل ولاءاتها، فالمؤتمر الوطني و عياله كالمجلس الوطني و مليشيا الدبابين و الشرطة الشعبية و غيرها من الهياكل التي كانت غائبة طوال الساعات الست من نهار السبت المنصرم عندما صالت و جالت العدل و المساواة بأم درمان، هي أصلا من بنات أفكار الدكتور حسن الترابي، و عندما زالت عنه السلطة بانقلاب قصر نفذّه عشرة من تلاميذه بقيادة علي عثمان، قلبت له تلك الهياكل ظهر المجنّ و زايدت في معارضته و مكايدته و مضايقته و حشره في غياهب السجون، و هي الآن جاهزة لاعلان البيعة لأي شخص أو كتيبة أو مليشيا تجد طريقها لدار الأذاعة بام درمان و تعلن انبلاج فجر جديد و تبديل السلطة بأخرى، أيا كانت.
و من الدروس المستفادة من غزوة السبت المنصرم أن عبقرية د. خليل في اقتحام الصحراء و كتمان السر و الانسياب نحو أم درمان في وضح النهار قابلها جهل مفرط بحقيقة الحياة في العاصمة القومية و غياب كامل لخريطة طريق و للرؤيا و الأهداف المحددة القابلة للتطبيق، فاذا نحن أمام قوة جبارة وصلت لأم درمان سالمة ظافرة متخمة بعد غداء جماعي دسم على مشارفها، و صلاة الظهر و العصر قصرا و جماعة خلف القائد الدكتور خليل ابراهيم، و لكن ذلك الجيش الفاتح نسي فجأة ما جاء به لأم درمان، و أخذ يسأل المارة و السابلة : أين الطريق للاذاعة؟ و في أي اتجاه يقع مطار وادي سيدنا؟ و بسرعة اكتشف أهل
أم درمان أن المنقذ المرتجي من نظام الانقاذ ما هو الا ثور آخر في مستودع الخذف، قروي ساذج آخر يتلمس طريقه للمدينة، و يريد كذلك أن يتعلم الحلاقة في رؤوس الأيتام، و ما أظرط من سيدي الا ستّي.
دروس كثيرة قد يستفيد منها المغامر الآتي للخرطوم؛ و لا ننسى أن حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور التي فتحت مكتب اتصال باسرائيل أكثر عددا و عتادا و أفضل تدريبا و تسليحا و أقوى شكيمة و شوكة من حركة العدل و المساواة، و هي حليف و رديف لحركة تحرير السودان الأم بقيادة سلفاكير، و على صلة و اتصال بكافة قوى المعارضة، خاصة التجمع الوطني الديمقراطي، فالمسألة في النهاية تكمن في وجود مجموعة عالية التحفيز و دقيقة التنظيم و سريعة التحرك تجيد المباغتة و توفق في اختيار ساعة الصفر؛ و حتى عندما جاء النظام الحالي للسلطة في ليل الجمعة 30 يونيو 1989م فقد حاء عن طريق مليشيا تتألفّ ّ من مائة مجند و أربع ضباط من الرتب الوسيطة أعلاها المقدم عمر حسن، تصاحبهم أربع دبابات صلاح الدين فقط.
و لكن الدرس الأهم هو الذي نتمى أن النظام الحاكم قد أدركه تماما، و ما رأينا بعض الاشارات اليه في تصريحات الرئيس و فيما قاله د. حسن الترابي بعد خروجه من المعتقل يوم الأحد: ( هنالك خير يكمن فيما حدث، و الفرصة الآن مواتية أكثر من ذي قبل للحوار السلمي و لادخال كافة العناصر المنشقة في العملية السلمية.) فلا بدّ انّ الاتجاه الاسلامي بشقية الحاكم و المعارض الممثّل في المؤتمر الشعبي و حركة العدل و المساواة قد توصّل للمعادلة الصفرية التي يتجاذبان طرفيها. فلا النظام قادر على البقاء في السلطة بأمن و أمان و استقرار، و لا المعارضة قادرة على استخلاصها من أظافر النظام الحاكم: فلا بد من ثمة معادلة للمعايشة قبل أن يأتيهم طوفان آخر لا يبقى و لا يذر، من نوع ثورة أكتوبر 1964 أو انتفاضة مارس / أبريل 1985.
و الدرس الأخير هو الذي خرجت به الحركة الوطنية من غير المعسكر الاسلاموي، خاصة التجمع الوطني الديمقراطي و الحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب الوسط المعتدل و أمل المستقبل السوداني، ان كان هنالك أي مستقبل، و اذا لم تسقط البلاد في الفخ الصومالي أو التشادي أو الكنقولي أو الزمبابوي أو السيراليوني!
و المنقذ الحقيقي للسودان هي المبادرة التي يسعى في سبيلها الآن محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع و رئيس الحزب الاتحادي لتجميع كل الفصائل و الأحزاب و الكيانات السودانية على صعيد واحد من أجل حل سوداني سوداني، يبدأ بحوار دارفوري دارفوري يحمل الفصائل الحاملة للسلاح بذلك الأقليم على توحيد رؤاها و برامجها و آلياتها و على أن تأتي لمائدة الحوار الوطني بموقف دارفوري متناسق. و فيما رشح من أنباء الجمعة 16 مايو فأن الميرغني بدأ مسعاه برحلة للخليج العربي بدأت بدولة قطر حيث اجتمع بأميرها لساعات مطولة، و قد يتوجه لاحقا الى ليبيا و تشاد ليجتمع بالمتمردين في مكامنهم و بممثلي اللاجئين و ضحايا الأزمة المتناثرين في المعسكرات، كما فعل في نوفمبر 1988 عندما توجه الى أديس أبابا و أبرم اتفاقية السلام مع د. جون قرنق يوم كان مجرد الحديث معه يعتبر تابو، و كانت تلك الاتفاقية هي الخريطة المبدئية التي انبنى عليها ميثاق أسمرا الذي صدر عن مؤتمر القضايا المصيرية المنعقد بتلك الحاضرة في يونيو 1995، و التي انبنى عليها لاحقا اتفاق نيفاشا للسلام الشامل بين الحكومة و الحركة الشعبية برئاسة الراحل جون قرنق في يناير 2005؛ لعل شيئا من هذا القبيل توضع لبناته بانجمينا بين التجمع الوطني الديمقراطي و الحركات الدارفورية الحاملة للسلاح، يأتي بعده مؤتمر جامع لكل القوى السياسية السودانية بالقاهرة_ أو اسمرا، بشهادة القوى الأقليمية ة مجموعة الأيقاد + تشاد و فرنسا. هذا أو الطوفان. و نسأل الله أن يهدي أقوام السودان للتي هي أحسن و أن تضع الحرب أوزارها و يبدأ مشوار التقدم الاقتصادي و الحلول الاجتماعية في سلام. و السلام.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة