دروس في وطنية الصادق المهدي
تحدثت وسائل الأعلام مرة عن زيارة السيد الصادق المهدي إلى أحدى معسكرات
النازحين بدارفور , وكيف أن النازحين رجموا موكب الصادق المهدي بالحجارة , وعبر
النازحون عن استيائهم وغضبهم من دور زعيم حزب الأمة الغامض في أحدات دارفور
وصمته المريب في الكارثة التي ألمت بأهل دارفور , من تشريد وقتل
جماعي , وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان من جراء القصف العشوائي من طيران السوداني
وغارات مليشيا الجنجاويد المدعومة من النظام في الخرطوم , .
الصادق المهدي , هو حفيد الأمام محمد أحمد المهدي , خرج المهدي من جزيرة "أبا " في
وسط السودان إلي الضاحية الغربية من البلاد حيث يقطن "الغرابه " سكان غرب السودان
هناك التف حوله جموع من الفرسان من أهل الغرب وشكلوا ملحمة بطولية بقيادة عبدا لله
التعايشي وحرروا السودان من حقبة استعمار التركي المصري الذي يعتبر من أسوا عهود
التي عاشها السودان في تاريخه .
الصادق المهدي هو أيضا حفيد , الأميرة مقبولة بنت نورين محمد الفضل , ,والدة الأمام عبد الرحمن
المهدي- جد الصادق- , وبنت عم السلطان على دينار آخر سلاطين دارفور , رغم أن الصادق وجميع
أفراد آل المهدي لا يذكرون هذا النسب كثيراً , .
كان الصادق المهدي لا يزال في الثامنة والعشرين من عمره , يتحرق شوقاً إلى السلطة ويترقب
فرصة مواتية لاستعادة زعامة السودان إلى بيت المهدي في شخصه دون سواه , ترأس حزب
الأمة ولم يتجاوز الثلاثين بعد , ثم تعجل رئاسة الحكومة وهو في الثلاثين من عمره , وربما
أدرك أن السلطة السياسية والتنفيذية انتقلت إليه من السيد محمد أحمد المحجوب .
يقول الصادق المهدي عن مواصفات الزعامة المسلمة المقتدرة التي ينتظرها أهل السودان
وأنه لا مفر في مجتمع قبلي وطائفي متنوع القوميات والأعراق وغياب آليات السلطة
القادرة على بسط نفوذها وهيبتها على مختلف ربوع البلاد من أن يكون هذا الزعيم منتسبا
لبيت كبير له وزن سياسي واقتصادي وتاريخ وطني ونضالي وروحي وكوم كبير من
الأنصار والأتباع والمريدين . من يتأمل كلماته يعرف أنه يعني نفسه .
كان وما زال لصادق المهدي اعتقاد جازم وصل إلى حد اليقين بأنه المؤهل الوحيد دون سواه
لحكم السودان , ثم إخفاقه في تحقيق مآربه وآماله العريضة التي نذر لها حياته كانت السبب
المباشر وراء ولوجه عتبة الغيبيات , الصادق المهدي وجعفر نميري يتشبهان بدرجات
متفاوتة في الإيمان والاعتقاد بالغيبيات .
تراجع الصادق المهدي عن السندكالية اثر سقوطه المدوي في انتخابات النيابية عام 1968م
أمام داود الخليفة مرشح الإمام في دائرة جزيرة" أبا "كما سقط معظم الذين التفوا حوله من شباب
حزب الأمة , بل إن الصادق نفسه صار من اشد الدعاة المتطرفين إلى استبقاء الطائفية وتبريرها
والدفاع عنها في الديمقراطية الثالثة , حيث تملكه شعور عميق بأخطائه الفادحة التي قسمت
وحدة طائفة الأنصار وبيت المهدي, أصبح كما لو انه يعاني من عقدة ذنب , إلى حد مطالبة برد الأموال
والممتلكات التي خضعت للتأميم إبان حكم جعفر نميري إلى ذويه من آل المهدي .
انضم الصادق المهدي إلى الجبهة الوطنية التي أسسها الزعيم الاتحادي الشريف حسين الهندي
وتزعم انقلاباَ عسكرياَ في مواجه حكم نميري بقيادة حسن حسين ولكنه فشل , ثم عاد يتزعم غزواَ
عسكرياً ضم جموع الأنصار من أبناء الغرب "غرابة " الذين تحشدوا في ليبيا , بقيادة العميد
محمد نور سعد وفشل كذلك في الاستيلاء على السلطة , حتى رضخ لتصاريف القدر وقبل
بالمصالحة الوطنية, مع نميري عام 1976م ولكن طموحه إلى السلطة ظل متأججاَ في دخيلة
نفسه حاول مزاحمة نميري في السلطة ولكنه رفض حتى توجس منه خيفة .
يقول علماء النفس , إن مستقبلك لا يتحدد من خلال شخصيتك , بل أن شخصيتك لا تتحدد
من خلال شخصيتك , فليس هناك شفرة جينية داخلك تحدد من ستكون , وإنما أنت المفكر
والمجتهد الذي تحدد من ستكون , فأسلوب تصرفك هو من ستصبح .
أعتقد الصادق المهدي أن تكوينه الشخصي ومؤهلاته السياسية والثقافية ومواهبه الخطابية
وانتمائه لبيت كبير مثل بيت المهدي كفيل بزعامة السودان وأهله بغض النظر عن مزاجه الشخصي
حاول الصادق المهدي أن يسترد مكانته ومصداقيته وسط الأنصار , كأنه يعاني من عقدة الذنب
من تكرار تجاربه الفاشلة , حاول أن يكسب أولاد عمه ولم ينجح سوى استقطاب واحد منهم
حاول أن يتزوج للمرة الثالثة بإحدى بنات عمه وقوبل طلبه بالرفض , أعلن احتجاجه على
الطائفية والإمام وتراجع عنه , أعلن احتجاجه على جعفر نميري ونظامه وتصالح معه
تراجع عن السندكالية والعلمانية إلى الطائفية الأمامية , خرج إلى إثيوبيا في عملية تهتدون
ثم عاد إلى السودان في عملية أشبه "بتتوبون" عندما فشل حشد الغرابة هذه المرة في تجارب
أخرى فاشلة , ثم بدأ في سيناريو تغيير النظام من الداخل, وبضرورة عزل النظام وتفعيل
الديمقراطية والتعددية السياسية ..وفي كل صلاة الجمعة وصلاة العيدين ينتقد من فوق المنبر
مسجد "قبة المهدي " سياسات ومواقف حكم الإنقاذ ويتهمه بالفشل في كل ما تعهد بإنجازه
ويستحث الجماهير على الصبر والتعبئة ليوم الخلاص .
بعد اقتحام ثوار دارفور في حركة العدل والمساواة مدينة أم درمان في عشر مايو الجاري خرج علينا الصادق المهدي
مطالباً النظام بإنزال أقصى عقوبة بالخونة والمارقين , والمرتزقة التشاديين , ويقول المهدي
: نحن عندما خرجنا في عهد جعفر نميرى قفل أمامنا أبواب الحوار وليس هناك بديل غير القوة
العسكرية , وكان أهدافنا عسكرية وليست مدنية , أما الآن هناك مساحة من الحرية والحوار الخ...
للرد على هذا الهراء :
أولا: عندما حاول الصادق المهدي الإتاحة بنظام جعفر نميري في عام 1976م , كان من أجل أمجاد
بيت المهدي وإعادة زعامة السودان إليه على أكتاف "الغرابة" كما فعل أسلافه , وليس من أجل الشعب
بينما ثوار دارفور يبحثون عن تقسيم عادل للسلطة والثروة بين أبناء شعب السودان كافة , ولرد الظلم
والعدوان ولتجنيب شعبنا الاٍبادة الجماعية التي ارتكبتها النظام في الخرطوم بحق أهل دارفور الأبرياء
ثانياَ : جعفر نميرى لم يقفل باب الحوار والمصالحة , أنما كان سقف الصادق المهدي يتجاوز منصب
الرئيس النميري نفسه , كان يريد الزعامة السياسية والدينية والطائفية في السودان , .
ثالثا : كان هجوم الصادق وأعوانه عشوائياَ أدى إلى قتل المدنيين والأبرياء , وكثير من ثوار
أبناء الغرب الذين زج بهم الصادق في العاصمة , وهرب هو من معه في ساعة السفر .
وتركهم بلا قيادة ولا معين.. وأبادهم النظام في مقابر جماعية في حزام الأخضر , أما ثوار في
حركة العدل والمساواة , كانت عملية" الذراع الطويل" التي نفذوها , في منتهى الدقة أذهلت المحللين العسكريين
ولم تكن عملية انتحارية كما تروجها النظام في الخرطوم , ولم يتكبدوا خسائر , ولم يتركوا إخوانهم الثوار
في امدرمان إلا من ضل الطريق ووقع في أسر .
رابعاَ : ثوار دارفور استهدفوا , مواقع عسكرية وأمنية في العاصمة .., القيادة العامة , قاعدة وادي سيدنا الجوية
سلاح المهندسين , قوات صلاح قوش الخاصة في مناطق متعددة في العاصمة والخ.. جميع حركات دارفور لا
ولم ولن تستهدف المدنيين كما الحكومة والجنجاويد بشهادة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية ,
اقتحم ثوار دارفور مدن كثيرة في السودان دون المساس بأرواح وكرامة شعبنا , في الفاشر , غبيش
عديلة , حمرة الشيخ , كتم . الطينة, الخ..بل كان المواطنون يهللون ويهتفون باسم الثورة والثوار .
خامساَ : هامش الحريات التي تحدث عنها الصادق المهدي , ما هي إلا صفقة خاصة تمت بينه وبين
المؤتمر الوطني , ليس متاحاً لأهل دارفور , ثم أن أهل دارفور لم يحملوا السلاح من اجل هامش الحرية
بل من أجل مظالم تاريخية , وحقوق مشروعة لأهل دارفور ,الذين عانوا الظلم والتهميش, من المركز
المهيمن على آليات السلطة ومصادر الثروة , ومكامن الثقافة . أقول للصادق المهدي : أن شعبنا
في دارفور وعى درس تماماَ يوم رجم موكبك بالحجارة .
حامد جربو/ السعودية
مزيد من المقالات , في موقعنا
Jarbo.110mb.com
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة