( الغزو ) المفترى عليه و صفعة الانتباه
دون الغوص في تفاصيل الحدث – الصاعقة الذي ضرب أم درمان في 10 – 11 – 12 مايو ؛ و الذي عصف بالهيبة الزائفة للسلطة ؛ يجب أن يقف أبناء الشعب السوداني أمام الحدث وقفة تأن و مسئولية - لكبره و لجرأته – دون الاكتراث لمحاولات التغبيش التي انتظمت وسائل الاعلام بعد أن سخرت الحكومة آلياتها المتعددة و واجهاتها لتسطيح الوعي الشعبي و جره لتيار الحزب الحاكم ؛ المحمول على أكتاف بعض الأحزاب و التنظيمات ( الموالية ) .
و لأن الكثير مما تناقله الإعلام كان ناقصاً – إن لم يكن زائفا تماماً - خاصة و أن المصدر ( الخبري و التحليلي ) طيلة الأيام الفائتة ينقل عن ألسن حكومية صرفة أو موالية ؛ أو وكالات و فضائيات – أغلبها عربي - ينتقي الرأي المستنسخ حكومياً ؛ مما فسح لها مجال التغطية التي بدا فيها الانحياز واضحاً بصور متفاوتة حسب ( منطقة البث ) . و بالتالي تلبدت الكثير من الوقائع و الأحداث و قصد عدم نقل ما كان يجري بدقة و بوعي إلا صور الناقلات المحترقة و بعض جثث الشهداء ؛ كأنما هذه المواجهة هي الأولى في التاريخ التي تخلف جثثا و حرائق ؛ و التي شذ في نقلها التلفزيون الرسمي جائلاً بالكاميرا على الأتباع وهواة الفوضى و ذوي الهوس في إيحاء مفضوح : أن الموت يأتينا من غرب السودان .
في حدث بحجم ( غزوة أم درمان ) – هذا هو النعت الاعلامي حتى الآن – نسأل السؤال الكبير : أين كانت ( الأجهزة الأمنية ) من قافلة ليست عادية و أسطول بري عسكري مدجج بهذا الحجم و بهذا العدد الآلي و البشري ؛ و قد عبر آلاف الأميال ليصل لقلب أم درمان دون تكتشفه إلا بعد الطلقة الأولى ؟؟ يا لها من ملهاة ..
تلك ( الثغرة ) جد هي ملهاة حد الضحك على لحى ( ساهرون ) و ( جهاد – نصر- شهادة ) . فـ ( الجماعة ) أقعدتهم التخمة الحرام عن الحركة و ( القيام بالواجب ) و ( ضربوا الضل ) بعد سحت دسم حتى فاجأهم الثوار - تضربهم شمس الصحراء - على أعتاب غرف نومهم الباردة الوثيرة .. و كانت دهشة الفجأة التي لن يفيق منها أحدا منهم ؛ تجلت في تصريحاتهم حتى قال أحدهم – مسئول رفيع - معللاً دخول طوابير الثوار العاصمة دون علمهم : أن في السودان حرية تسمح للمواطنين بالتحرك و التنقل ؛ و قال قائلهم : أنهم - أي الثوار – إستغلوا ( الوديان ) في التخفي عن أنظارنا و دخلوا بين المواطنين .
بالله أي وديان هذه التي خلقها الله في تخوم الصحراء و نحن لا نعرف عنها شيئا لا في التاريخ و لا في الجغرافيا ؟؟ و أي وديان هذه التي تحجب أكثر من مأتي سيارة محملة بالمدافع و تحمل أكثر من خمسمائة مقاتل ؟؟ و أي مواطنين هؤلاء الذين تخفى بينهم الثوار مدججين بسلاحهم و ذخائرهم الثقيلة و الخفيفة دون أن يسألهم سائل ؟ و أي حلة و أي قرية هذه التي إصطفاها الله دون أن تزرع فيها الحكومة عينا تتربص الناس ؟ فليخجل هؤلاء من سخف تصريحاتهم و لـ ( يرجلوا شوية ) كي يفيقوا من هول المفاجأة ليزنوا لسانهم و عقلهم - ان وجد – . أليس هذا دليلا أن التخمة السحت و الدسم الحرام أقعدهم بعد أن دب النعاس و الخمول حتى في تفكيرهم ؟
هل نعرف من ذلك صدق الاعتقاد السائد أن ( الأمن و الاستخبارات ) لا تحوم الا حول ( السادة الحكام ) تدفع عنهم مهددات الغضب الشعبي ؛ و تحمي مصالحهم و تأمن طرقاتهم و بيوتهم و كراسيهم و ثروتهم ؟ و ان عملهم ان خرج عن هذه الدائرة فإلى مطابع الصحف و تظاهرات الطلاب ؟ بعد أن اصبحت الأجهزة الأمنية و بتعددها مكاتبا ضمن سلسلة مكاتب الحزب الحاكم .
لكن ( الثغلغل ) حتى قلب أم درمان ما كان ذكاءاً من الثوار و لا تعبيراً وحيدا عن شجاعتهم ؛ و لا كان ( الثبات الأمني ) الذي قطع فيه شكّاً بيقين ؛ دافعهم للدخول و المواجهة ؛ حيث لم يستخدموا أي من وسائل التضليل المتبعة في مثل هذه الحالات ؛ بل كان قرار المواجهة مع الظلم في وكره المسمي بـ ( العاصمة القومية ) هو الهدف ؛ لنقل صوت الهامش للأذن الصماء للفئة الحاكمة ؛ فان كانت لا تسمع أنات المهمشين فعليها أن ترى ؛ بل يجب أن ترى و بالسبيل الذى تعرفه ؛ لأن الطلقة التي سمع صوتها في شوارع أم درمان ليومين يسمع انسان دارفور صوتها مليون مرة في الساعة و لسنين طويلة ؛ و أن الموت الذي توزع في بعض الأزقة ليومين فقط قد انما هو نقلة ( خفيفة ) لصورة موت يومي و قتل جماعي يجتاح الناس في القرى و المعسكرات و بشكل منظم و مقصود .
إن الحدث ( النقلة – الكارثة ) الذي هز عرش السلطة ما كان بزخاً سياسياً و لا إنتحاراً ؛ و لا مغامرة و لا ثأرا من أحد ؛ إنما هو إيذاناً بأن السكوت على تراكمات الظلم و القهر و القتل و التشريد و التهميش ما عاد بممكن ؛ و ليعرف السادة الممسكين بزمام الدولة أن القصر الجمهوري لن يكون ببعيد عن أيادي الغبش و لن يظل محصناً عن مرمى ذات الدانة التي تسقط يوميا على رؤوس البسطاء في غرب السودان .
من الناحية الثانية للرؤية في الحدث ؛ فان التعدد السياسي البائن على الساحة ؛ إتضح أن النضوج ينقصه و يعريه و يفضحه و يفتقد مقوماته و ينعدم فيه الوعي لأن ( مخالب القط الحاكم ) تسيطر عليه و توجهه و تستمسك بادارة دفته ؛ ان لم يكن هذا هو الحال فبماذا نفسر موقف الحركة الشعبية المنجر خلف الموقف الأخواني و كأنها هي التي جاءت للخرطوم باقتراع أهل الجنوب و لم تحمل سلاحا حينما حل الظلم بأهله ؛ و كيف نفسر رأي حزب الأمة المطابق تماماً لرأي الحزب الحاكم و كان ( صورة طبق الأصل ) حتي في مفردات التصريحات الاعلامية المتضمنة للشجب و الادانة و الاستنكار كأنما يوليو 1976 كانت من فعل آخرين دونهم . اضافة لطامة الحزب الاتحادي و موقف جلالة السيد الميرغني الذي ركب السرج الكيزاني و ما توانى في الشجب ؛ و لم يخف الحزب الشيوعي رأيه الأعمش . و المؤسف انه لم يخرج من بين أولئك شجاعاً واحداً ينصف الحق المشروع و يقول أنصفوا الناس بالعدل و المساواة ؛ و هم اليوم جميعا في صف السلطة عراة تنقصهم الجرأة كما الشجاعة ؛ بعدما أغمضوا أعينهم عن الأسباب التي دفعت شبابا في عمر أبناء أبنائهم يحملون السلاح و يقطعون الفيافي من أقصى الغرب عبر الصحراء حتى أم درمان ..
هل سأل اولئك السادة أنفسهم عن دافع هؤلاء الشباب : لماذا حملوا السلاح من الغرب حتى وكر الظلم ؟ و لماذا استرخصوا حياتهم و هم يعرفون سلفا ان الدرب درب موت لا عودة فيه ؟
سألوا أم لم يسألوا ؛ فان 10/05 هو شرارة الثورة .. و إلى الأمام ..
عزين أحمد ..
رابغ - السعودية
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة