صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اغانى مختارة
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
Click Here
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: May 8th, 2008 - 14:47:59


مقالات الاستخباريين! مصطفي عبد العزيز البطل
May 8, 2008, 14:47

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

غربا باتجاه الشرق

 

 

مقالات الاستخباريين!

 

 

مصطفي عبد العزيز البطل

mustafabatal@msn.com

 

 

كتبت عنوانا لهذا المقال في مقتبل الامر: (تأملات في تقارير استخبارية) ثم وضعت في نهايته علامة تعجب وارتاحت نفسي الي ذلك التدبير. و ما  لبثت حتي دهمتني كالمعتاد فكرة التغيير، ثم  ركبني عفريت مجاراة عنوان ذلك الكتاب المشهور عند المتخصصين في علوم التوحيد والعقيدة باسم (مقالات الاسلاميين) لابي الحسن الاشعري إمام اهل السنة و الجماعة و رائد مدرسة التوفيق بين العقل و النقل. و اصارحك بانها فكرة ركيكة  فما احب ان ادلس او املس عليك شيئا، و برهان ركاكتها انه ليس هناك اصلا في مقام الموضوع الذي ازمع ان اتباحثه معك مقالات من اي نوع،  بل مذكرات مكتبية و تقارير ديوانية اعدتها دوائر دبلوماسية استخبارية  عن الاوضاع السياسية في مرحلة معينة من مراحل تطور السودان الدستوري. و لعلك تحسن صنعا – اعزك الله –  لو انك تجاوزت عن تمحّكات العفريت و تحكماته و غضضت الطرف عن زلات العنوان وعلاته  ثم تبعتني بعد ذلك صابرا محتسبا الي الفقرات التاليات. اذن لرضيت عنك كل الرضا و دعوت الله لك بطول العمر و هدأة البال.

 

دأب الصحافي السوداني الضخم الاستاذ محمد علي صالح، كبير مراسلي صحيفة (الشرق الاوسط) في الولايات المتحدة علي ترجمة واستعراض و نشر بعض وثائق حول الاوضاع السياسية في السودان دبجتها و بعثت بها الي واشنطن السفارة الامريكيه في الخرطوم في خمسينات القرن المنصرم. و لم تكن السفارة الامريكية و غيرها من السفارات في واقع الامر تعرف بذلك الاسم و انما كان يطلق عليها: مكاتب الاتصال، اذ لم يكن السودان عهدذاك دولة كاملة الاستقلال مطلقة السيادة، و إن كانت مسيرة شعبه القاصدة تقف قاب قوسين او ادني من غاية الاستقلال و عزوة السيادة.  وما زالت هذه الحلقات تنشر متوالية في موقع الجالية السودانية الامريكية بواشنطن و تنقلها عنها بعض المواقع الالكترونية الاخري وقد علمت مؤخرا ان صحيفة سودانية واحدة قامت بنشر اجزاء من تلك الحلقات.  و المعروف ان في الولايات المتحدة، كما هو الحال في غيرها من الدول المتقدمة، تشريعات عريقة تلزم السلطة التنفيذية برفع ستار السرية عن ملفاتها و مستنداتها الرسمية و اتاحة حق الاطلاع عليها للباحثين و لعامة الجمهور خلال فترات زمنية محددة.  والقانون الذي يكفل هذا الحق، المسنود بالدستور، في الولايات المتحدة هو قانون حرية المعلومات لسنة ١٩٦٦.  و يلزم القانون جميع وكالات الحكومة الفدرالية بفتح ملفاتها للراغبين في الاطلاع عليها، مع استثناءات محددة تتصل بمقتضيات الامن القومي الامريكي، و لم يترك القانون هذه الاستثناءات بكليتها للوكالات الفدرالية وانما نص بوضوح تام علي ان من يقطع بشأنها هو وزارة العدل والسلطة القضائية. و خلال السنوات الاخيرة، و استنادا علي هذا القانون، صارعت احدي الجمعيات الاهلية المغربية الصغيرة وكالة المخابرات الامريكية - بهيلها و هيلمانها - و قارعتها امام لجان وزارة العدل و هي تطالب الوكالة بكشف الملفات و المستندات الدالة علي دورها في جريمة اغتيال المناضل المغربي المهدي بن بركة في العاصمة الفرنسية باريس في اكتوبر ١٩٦٥، و قد ارغمت الجمعية وكالة المخابرات علي الاعتراف امام اللجنة العدلية التي نظرت في الامر بانها تحتفظ ب ١٨٤ملفا يتعلق بالمهدي بن بركة!

و قد وجدت في الحلقات التي ترجمها الي العربية الاستاذ محمد علي صالح مادة للتأمل في جوانب متعددة اولها - علي صعيد شخصي - المفارقة التي جعلت من كتابات و اسهامات الرجل الصحفية مصدرا و مدخلا للالاف من السودانيين، و صاحبكم من بينهم، في فترة باكرة من العمر للتعرف علي الولايات المتحدة و ثقافاتها وانظمتها و انماط الحياة في حضرها و مدرها. و كانت جريدة ( الصحافة ) تنشر خلال السبعينات، و کاتب هذه الكلمات لما يزل في مدارج الطلب عند المرحلة المتوسطة  سلسلة مقالات طويلة شيقة شديدة الامتاع  بعنوان: ( هذه هي امريكا ) بقلم: محمد علي محمد صالح (هكذا كان اسمه يُكتب كاملا قبل ان يقررالاقامة في الولايات المتحدة  حيث  الايجاز والاختصار سنة الحياة  فاختزل اسمه ليصير: محمد علي صالح)، و كان في زمان كتابته للحلقات محررا صحفيا و مبعوثا للدراسات العليا بالولايات المتحدة. و اذكر جيدا انني رأيت في احدي تلك الحلقات صورة فوتوغرافية له و هو يعمل في مطبخ كبير مرتديا طاقية الطباخين الطويلة المميزة، و قد ذكرته بتلك الصورة و سألته عنها بعد خمس و ثلاثين عاما  وانا اكتب هذا المقال فاستذكرها و قال لي بأنها اخذت له اثناء عمله في وظيفة مساعد طباخ بكافيتيريا داخلية ايغينمان لطلاب الدراسات العليا بجامعة انديانا في العام ١٩٧٣.  ثم تدورالاقدار دورتها عبر الاجيال فاذا نحن وقوف علي مدارج الكهولة  ثم اذا بمصدرنا و مدخلنا للتعرف علي رؤي الامريكيين و تقويمهم للشخصيات و الحياة العامة في السودان خلال حقبة الاستقلال هو نفس الرجل، و لكنه هذه المرة عوضا عن ان يكتب لاهل السودان عن امريكا و جمالها و دلالها وعظمة شعبها، فانه اخذ علي عاتقه ان يظهرهم علي ما استبان له  من  اسرار الاستخباريين الامريكيين  وما تداولوه  من وراء الابواب المغلقة عن السودان و سياساته و قياداته.  و يزمع الاستاذ محمد علي صالح  ان ينشر علي الشبكة العنكبوتية، في اطار مشروع متكامل يعكف عليه حاليا، النصوص الكاملة لكل الوثائق الامريكية ذات الصلة بالسياسة السودانية خلال الفترة الممتدة من ١٩٥٣ الي ١٩٧٥ كما اماطت عنها اللثام وزارة الخارجية الامريكية ووفرها الارشيف القومي الامريكي. و ينسب محمد الكثير من الفضل في  افتراع هذا المشروع لصديقيه الخبير في البنك الدولي الدكتور سلمان محمد احمد سلمان و الصحافي المعروف الاستاذ السر سيد احمد.

وهناك الكثير مما يبعث علي التفكر والاعتبار عند النظر المستبصر الي متن الوثائق الامريكية كما استعرضها محمد في حلقاته المتسلسلة.  و اول ما خطر ببالي هنا هو العنصر البشري – من كادرات الحكومة الامريكية – التي وقعت عليها مهمة مراقبة الامور و الناس و كتابة التقارير عنها و عنهم. و احسب ان العنصر الغالب من هؤلاء الذين قاموا بصياغة التقارير هم من كادرات السلك الدبلوماسي وليسوا من عناصر وكالة المخابرات الامريكية. و هذا ترجيح ظني يستند الي حقيقة ان الوثائق تخص وزارة الخارجية وهي التي تداولتها و حفظتها ثم افرجت عنها ولا يغير من الحقيقة في شئ ان التقارير صيغت في قالب استخباري ذلك ان كثيرا من منسوبي السلك الدبلوماسي بعامة – في الغرب وفي غيره - يتبعون في صياغة تقاريرهم اسلوبا يشابه و يطابق في كثير من الاحيان الاساليب المتبعة من قبل الاجهزة الاستخبارية. و التشابه في اسلوب و منهج الكتابة عند التصدي لقضايا العالم الثالث عموما تلمحه بوضوح في كثير من كتب و مذكرات الدبلوماسيين الامريكيين المتقاعدين عند مقارنتها  بكتب و مذكرات منسوبي وكالة المخابرات.

 

اول ما لفت انتباهي في التقارير التي رفعها الدبلوماسيون الامريكيون في الخرطوم اجمالا هو الاهتمام الشديد والواضح بالسودان من قبل وزارة الخارجية الامريكية و المؤشر الي ذلك هو الكثافة والدقة و الاهتمام بالتفاصيل عند تصوير و تحليل الاحداث و الشخصيات.  ولم يكن ليخطر لي ببال – من حيث المبدأ - ان الولايات المتحدة تولي السودان و تطوره الدستوري كل ذلك الاهتمام في ذلك الزمان من القرن الماضي و الدنيا في معمعان الحرب الباردة و العالم ما يزال يعاظل عقابيل حرب عالمية لم تبق و لم تذر. و لا مناص لكل من يقرأ ايا من تلك الوثائق من الخلوص الي ان من صاغوا تلك التقارير عن الاوضاع والشخصيات القيادية في السودان كانت لهم صلات وثيقة بعدد كبير من السودانيين في خرطوم الخمسينات و ما بعدها  و ان نفرا مقدرا من هؤلاء ما كانوا يستنكفون عن الجود بموجود المعلومات والادلاء بها لتلك الدوائر الاجنبية في سخاء راكز. غير ان للحقيقة في جزئية مصادر المعلومات وجه آخر و هي ان كتبة التقارير من الدبلوماسيين و الاستخباريين الامريكيين كانوا في ذات الوقت علي علاقة اوثق بقادة وكادرات الادارة البريطانية وانهم لا بد ان يكونوا قد استنبطوا قسطا مقدرا من معلوماتهم من ذلك الطريق.

 

كطالب للعلوم السياسية و التاريخ لفتت انتباهي معلومات كثيرة وردت في الوثائق و سأعرج بك الي بعضها من فوري، و اغرب ما وقعت عليه فقرة اشتملت علي اخطاء محيرة ما كنت احسب ان من عاش في السودان من الدبلوماسيين الاجانب في زمان كتابة ذلك التقرير يقع فيها خاصة في بلد مفتوح علي مصراعيه  كخرطوم الخمسينات. و تؤشر تلك الفقرة الي المصاعب والمحاذير الشديدة التعقيد التي تحيط بمهمة جمع المعلومات و تقويمها و اعتمادها مادة للتخابر بواسطة الاجهزه الدبلوماسية  و التخابرية.  ففي التقرير المؤرخ ١٢ يناير ١٩٥٤ الذي اعده جوزيف سويني، ووظيفته ضابط ارتباط بمكتب الاتصال الامريكي بالخرطوم، و أصل التقرير مرسل الي واشنطن مع صورتين الي لندن و القاهرة وعليه خاتم سري للغاية، ينقل كاتب التقرير نبأ ترشيح حزب الامة لمحمد احمد محجوب لتولي زعامة المعارضة البرلمانية، و يصف الترشيح  بالغرابة و يقول ان محجوب  ليس عضوا في حزب الامة وان اختياره لزعامة المعارضة جاء لتعويض النقص في القدرات الخطابية لرئيس الحزب الصديق المهدي، وان ذلك الاختيار لزعامة المعارضة لا يعني ضمنيا ان الحزب كان سيختار الرجل لرئاسة الوزارة في حالة حصول الحزب علي الاغلبية البرلمانية. و يشتمل التقرير علي مائتي كلمة تقريبا في توصيف و تحليل شخصية المحجوب لكأن كاتب التقرير طبيب نفساني، و الي ذلك يشير الكاتب لبعض ( العقد التي تكتنف شخصية المحجوب)  فيقول في صددها ان (هناك انطباعا عاما بان عقده الشخصية ترجع الي حقيقة ان والدته " عبدة "). و فساد هذا الزعم الاخرق مما لا يحتاج الي تبيان. و يعيد هذا المنحي في تحليل الشخصيات العامة الي الاذهان محاولة مماثلة  لمحمد حسنين هيكل في كتابه (خريف الغضب ) الذي صدر في بداية التسعينات لتحليل شخصية الرئيس المصري الراحل انور السادات انطلاقا من واقع اللون الاسود لوالدته التي قال هيكل ان اسمها " ست البرّين ". وقد جرّت  تلك المحاولة، في زمانها، علي هيكل ردات فعل تند عن الوصف.  و يمضي التقرير قدما في الحديث عن خلفية المحجوب الاسرية  فيقول ان اسرته انجبت عددا من اميز السودانيين ويسمي التقرير اشقاء المحجوب و يقدم نبذة موجزة عن كل منهم  فيقول: ( ان شقيقه احمد يوسف هاشم يعتبر من القيادات الصحفية في البلاد وان شقيقة الاخر عبدالقادر يوسف تم اختياره لتولي وظيفة مدير مصلحة العمل وان شقيقه الثالث الدكتور عبد الحليم محمد هو مدير مستشفي الخرطوم). والترجمة و التلخيص من عندي، ففي الترجمة التي اعدها ونشرها الاستاذ محمد علي صالح نجد انه اغفل الجملة التي وردت فيها الاشارة الي والدة المحجوب. و كنت قد حادثت محمدا في امر ما جاء في التقرير عن اشقاء المحجوب فبعث اليّ بأصل التقرير في لغته الانجليزية.  و الملاحظة الرئيسية في هذا الجانب هي التخليط الفاحش الذي وقع  فيه التقرير بتسمية ثلاث شخصيات سودانية بارزة علي انها تمت للمحجوب بصلة الدم المباشرة كأشقاء من اب و ام  او علي الاقل من اب او ام واحدة، ففي علم الكافة ان الثلاثة الذين سماهم التقرير ليسوا في الحقيقة من افراد اسرة المحجوب المباشرة ناهيك عن ان يكونوا اشقائه، و يحار المرء في وقوع المخبر الامريكي في اخطاء مثل هذه و اخفاقه في تبيّن الاختلاف في الاسماء، اذ كيف يعقل في بلد كالسودان ان يكون هناك اشقاء تتباين اسماء والديهم كل ذلك التباين!

 

و هناك سلسلة من الوثائق تقدم نبذات موجزة عن الشخصيات التي وقع عليها الاختيار لتولي مناصب وزارية في حكومة الازهري الاولي، لا يستثني من ذلك الازهري نفسه الذي سلقه التقرير بالسنة حداد بناء علي معلومات منسوبة الي عناصر من الادارة البريطانية نعتته بأنه شخصية غوغائية تهييجية.  و قد شد انتباهي ما ورد في احدي التقارير عن شخصية السياسي يحي الفضلي فقد قال التقرير انه ( يتمتع بشعبية عالية وان عنده مؤيدون كثيرون ) الا انه ( لا يتمتع باحترام قادة الحزب لانهم يرونه فاسدا )، و يضيف كاتب التقرير بان البريطانيون قالوا له: ( ان الفضلي يشكل خطرا اكبر علي منافسيه داخل الحزب الاتحادي وهو خارج الوزارة بسبب شعبيته، لذلك ربما كان من الافضل لهم ان يدخلوه الوزارة ليشغلوه بها )، ولكنه يعود في فقرة اخري ليقول: ( ان كل الاطراف عارضت ترشيح يحي لمنصب وزير الداخلية لانه غير أمين ). و بديهي ان ورود مثل هذه المعلومات و التحليلات علي السنة و تقارير الامريكيين لا يجعل منها اكثر من مادة  مبذولة  للتقويم الموضوعي بوساطة المؤرخين والمختصين.  و قد تبادرت الي ذهني و انا اقرأ تلك الاجزاء عن يحي الفضلي  بعض معالم من شخصية احمد سليمان القيادي الشيوعي الذي تحول الي المعسكر الاسلامي.  فقد لمحت تشابها بين تقويم التقرير الامريكي المبني علي مدخلات بريطانية لشخصية يحي الفضلي و بين تحليل لشخصية احمد سليمان نشرته  عام ١٩٩٣ صحيفة (ظلال) منسوبا الي الاستاذة سعاد ابراهيم احمد، احدي القيادات التاريخية اللحزب الشيوعي السوداني، فقد استفدت من تحليل سعاد ان احمد كان يتمتع بدوره بشعبية واسعة غير ان القائد الاسطوري عبدالخالق محجوب و بعض زملاء احمد من ذوي الوزن المقدر في قيادة الحزب ما كانوا يكنون له احتراما كبيرا. ولعل في ذلك ما يفسر ما ذكرته سعاد ان احمد لم يغفر لعبد الخالق قط انه حال بينه و بين اكتساب عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي طيلة حياته مما أذل كبرياءه و كسر شوكته.

 

و من الوثائق التي فتحت امامي مجالا للتفكير ذلك التقرير الذي كتبه احد ضباط الارتباط  عن شخصية حماد توفيق الذي تولي وزارة المالية  فقد ورد عنه انه ( يؤيد وحدة مصر والسودان علي ان يتمتع السودان بحق الحكم الذاتي ). وكان قد استقر في ذهني ان لفظتي ( الاتحاد ) و ( الوحدة ) رغم اختلافهما من حيث المحتوي القانوني في الفقه الدستوري المعاصر الا انهما علي عهد سودان الخمسينات كانتا تشيران الي معني واحد وهو الانخراط مع مصر في دولة واحدة موحدة تحت ظل التاج المصري. و لم اكن علي علم بأن فكرة الاتحاد مع مصر مع منح السودان حكما ذاتيا اقليميا كانت من ضمن البدائل المطروحة علي بساط البحث.  وذلك بلا ريب نقص معيب يقدح في قدرات مثلي ممن يطمح الي صفة الطالب النجيب في مضمار التاريخ والعلوم السياسية.  و ها أنت ايها القارئ الكريم  تكتشف اخيرا انني، برغم تصديعي اياك بكثرة الكلام، لست من الخبراء والمتخصصين، و لا  أعْدُ ان اكون مسكينا علي باب الله  ربما كان هو من عناه صلاح عبد الصبور القائل: و لكني انسان فقير الجيب و الفطنة /  و مثل الناس ابحث عن طعامي في فجاج الارض!  و لكن دعني اعود بك الي حماد توفيق و تقارير الاستخباريين عنه فقد استغربت من عبارة وردت يقول فيها الكاتب: ( ان حماد يعاني من ضعف في النظر و يرتدي نظارة طبية ) اذ عجزت تماما عن ادراك وجه الاهمية في مسألة ضعف نظر حماد و ارتدائه نظارة طبية و جدوي تضمين ذلك في تقرير رسمي و ارساله عبر بحر الظلمات الي النصف الاخر من الكرة الارضية.  و لكن التقرير يظهر الرجل في ضوء حسن  مقارنة بغيره فهو قيادي ذو جد و عزم و رغبة اصيلة في المعرفة، فبالرغم من ان الوثيقة تقول عنه انه ( ملم تماما بالشئون المالية المحلية مع  انه لا يفهم الكثير عن مجريات الاقتصاد العالمي)، الا انها تشير الي ان حماد طلب من مكتب الاتصال الامريكي تقديم معلومات و مطبوعات عن الوزارات في امريكا له و للوزراء الاخرين وان المكتب قام بتلبية ذلك الطلب، ثم يضيف انه تحدث الي حماد لاحقا و تحقق من خلال الحديث ان حماد قرأ تلك المطبوعات فعلا و استوعبها تماما!

 

و قد ورد في الوثائق عن ميرغني حمزة انه تولي ثلاثة وزارات في آن واحد هي: وزارة المعارف ( التربية) ووزارة الزراعة  ووزارة الري. وقد ورد في التقرير عن الرجل انه ( عنيد و متطرف و متشدد و متصلب و يطلق عليه البريطانيون اسم: " مهوقني حمزة " اشارة الي خشب المهوقني الشديد الصلابة ). و لم اجد حافزا لمحاولة استقصاء العوامل التي كمنت وراء عناد هذا السياسي بقدر ما تاقت نفسي الي معرفة اسباب توليته ثلاثة وزارات في وقت واحد وهو ما لم تتطرق اليه الوثيقة!  و تلاحظ  ايها القارئ الكريم ان بعض التقارير عن وزراء حكومة الاستقلال قد كتبت بلغة مدرسية  فتري في احدي الوثائق تقييما امريكيا لشخصية  وزير الصحة امين السيد تقول عنه انه ( يتمتع بسمعة اعلي من متوسطة )، و اراك متحيرا مثلي في المعايير التي اتبعها هؤلاء الامريكيون في ترتيب " السُمعات " و تصنيفها بين وسط وما تحته و ما فوقه. و لكنني بحكم اقامتي الطويلة في الولايات المتحدة استطيع ان افيدك بأن تقدير ( سمعة فوق الوسط ) الذي حصل عليه وزير صحتنا عند الاستقلال تقدير لا بأس به ابدا.  و لكن ذلك لم يمنع الزبير حمد الملك رئيس الادارة الاهلية و مرشح حزب الامة  من التعبير عن ضيقه بالدكتور امين السيد الذي فاز عليه في دائرة دنقلا، فقد اشتكي الملك لاحد ضباط الارتباط الامريكيين عند زيارته للشمالية من تزوير الانتخابات لصالح  الدكتور امين، و نقل الضابط الامريكي في تقريره لواشنطن علي لسان الزبير حمد الملك قوله: ( انه سليل ملوك الدناقلة و ان من اسماهم " اولاد الريف " الذين هاجر اجدادهم من مصر و الذين يتمركزون في دنقلا وارقو و ينتمي اليهم الدكتور امين هم الذين زورا الانتخابات).

 

و قد نظرت بشئ من اهتمام خاص الي الاجزاء التي ورد فيها ذكر السياسي محمد نورالدين الذي تولي وزارة الاشغال في الحكومة موضع التقييم الامريكي، كونه ينتمي الي بني جلدتي من النوبيين،  و رجوت الله ان يكون حظه في الوثائق الامريكية افضل من سواه ولكن الله لم يستجب لدعائي. و قد جاء وصف نورالدين في احدي الوثائق هكذا ( قصير. يلبس طربوش)، ثم تمضي الوثيقة ( أثري نورالدين من وراثة ورثها و من استثمارات ذكية في بلدته وادي حلفا ).  و بعد ان اطنبت الوثائق في الحديث عن ميول نورالدين الوحدوية انقلبت عليه فقالت انه ( فاسد ماليا و يتسلم رشاوي من مصر). و جاء في احدي التقارير: ( قال لي صحافي سوداني ان نورالدين سينهب وزارة الاشغال عن طريق عقودات التشييد و البناء ).  و من الوثائق عن السياسيين الجنوبيين هناك وثيقة عن وزير الدولة داك داي من دائرة النوير بأعالي النيل، و يقول كاتب التقرير: ( ان داك يعارض بوث ديو معارضة شديدة لان بوث من دعاة الاستقلال بينما يميل داك نحو الاتحاد مع مصر ).  ووقوف قيادات جنوبية مع الاتحاد مع مصر قد تبدو  مثيرة للعجب الي حد ما، و لكن الوثائق الامريكية  تبدد ذلك العجب اذ تكتظ بتقارير مستفيضة عن رشاوي اتحادية للقيادات السياسية الجنوبية!

 

و الوثائق التي كشفت غطاءها وزارة الخارجية الامريكية تغطي الفترة من ١٩٥٣ و حتي ١٩٧٥، و هي فترة طويلة جرت خلالها مياه كثيرة تحت جسور النيل. و قد نهض استاذنا محمد علي صالح، كما سبقت الاشارة، الي  امر معالجتها و استعراضها في اطار مشروع صحافي  متكامل يهدف الي رفع جبل الجليد  بقضه و قضيضه من الارشيف الوطني الامريكي و نقله الي ملاكه الحقيقيين في السودان. و الوثائق التي وضعها محمد حتي الآن بين ايدينا في الوطن و المهاجر لا تتجاوز نسبة ضئيلة تغطي مرحلة بدايات الخمسينات.  في الطريق اذن الاف الوثائق و التقارير، و بعض هذه  قد تصيب اوتارا حساسة و تعكر صفاء غدران عذبة،  و قد نري في متونها و حواشيها ما لا يسر.  و لكن ما لا يسر لزوما لا يضر عموما، و قديما قالت العُربان: ما لا يقتلني يقويني. و من الخير لنا ولاجيالنا القادمة ان نأخذ تاريخنا بأيدينا وان نقف امام المرآه بتجرد و إباء  لنري صورنا  كما رسمها غيرنا في حقبات متوالية  من تاريخنا المعاصر.  فان لم تقع الصور من انفسنا الموقع الحسن فلا تثريب و لا بأس.  و تاريخ السودان في نهاية المطاف يصنعه و يصوغه السودانيون .. لا  الاستخباريون الامريكيون!

  

 نقلا عن صحيفة ( الاحداث )

 

مقالات سابقة:

 

ل (سعاد) قصة تروي !


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Latest News
  • 14 Killed in Sudanese Government Bombing of Darfur Village
  • Sudanese army accuses Darfur rebel group of plotting attacks
  • Chadian Forces Attack Keshkesh Border Area to Support Rebel Subversive Plot
  • Sudan steps up security, says Darfur rebels advance
  • Khartoum accuses Chad`s army of attacking Sudan`s border area
  • North Kordofan Government Adopts Security Measures
  • Successful donor conference for Sudan
  • Darfur - UN, AU Envoys Alarmed By Violence Between Government And Rebels
  • Police Forces Adopt Arrangements for Security of Citizens and Public Establishments
  • Implementation of Security Arrangement Protocol of Darfur Peace Agreement Begins
  • Al-Khateeb Meets with Undersecretary of UN Secretary General for Information in New York
  • German court convicts Sudanese man of espionage
  • Sudan protests to France its hosting of Darfur rebel chief
  • Office of spokesman of the Armed Forces issues statement on movements by the group of rebel Khalil Ibrahim
  • Minister of Science and Technology lauds cooperation between Sudan and India
  • Court order filed to bring Montrealer home from Sudan
  • Document on rolling back malaria issued
  • Acting Secretary-General of Red Crescent says the Society ready for coming rainy season
  • Dr Mustafa Osman criticizes the silence of the United Nations and the superpowers towards the operations carried by Khalil Ibrahim in North Darfur
  • Donors pledge USD 4.8 billion in aid for Sudan
  • Sudan Tabulates Census
  • مقالات و تحليلات
  • سامي الحاج مذهولاً بين أذرع الجزيرة وأحضان الإنقاذ عبدالماجد موسى / بريطانيا
  • إلي أين يتجه السودان عبد الغفار محمد أحمد كندا- أتاوا
  • نتائج التعداد السكاني الخامس في السودان.. هل أعدت سلفاً؟ عرمان محمد احمد
  • السفارة فى جنيف ...مكمن الداء /سامى جلال الدين الفحل
  • ازمة مياة حادة تهدد بورتسودان بورتسودان محمدعثمان بابكر ادريس
  • تعليم أبناء العاملين بالخارج.. لقد أسمعت لو ناديت حيّاً هاشم بانقا الريح*
  • بيروت لا ..... بقلم الشاعر السوداني/ حسن إبراهيم حسن الأفندي
  • يا أبناء دارفور هل نخشى الفيل .. أم نخاف من ظله ؟؟؟! حسن كوبر
  • السعودية أمة الأمجاد والماضي العريق !!/آدم الهلباوى
  • عن سامى الحاج و محاكم الكانجارو الامريكية . . . احكى! د.على حمد ابراهيم
  • وثائق اميركية عن الازهري (4): واشنطن: محمد علي صالح
  • ديم أرب أمدرمان البجا – آدم أركاب
  • الجوع والفقر والاستبداد – متي يتحرك الناس ؟ هلال زاهر الساداتي
  • .... ( انتماءات ) .. إيقاعات من الحب والحياة والموت د. أمل فايز الكردفاني
  • و ماذا عن حلايب؟! Elfadil Abbas Moh. Ali
  • إخفاقات المعارضة واستغلال النظام توجبنا علينا الوئام عثمان حسن
  • بين يدي المؤتمر العام للحركة الشعبية السيناريوهات المحتملة .. هل تاتى النتائج كما ما تم لها !! /عبد الله عقيد : الوفاق
  • مسرحيون في حدقات العيون يوسف العاني رائد المسرح العراقي والعربي /تورنتو – بدرالدين حسن علي
  • بين الفينة والأخرى الطيب مصطفى والقرون الوسطى ..(2) خالد عبدالله- أبوأحمد
  • ستين عاماً على نكبة فلسطين وخمسة سنوات على نكبة أهل دارفور sara issa
  • لفضح الإدعاءات الواهية والنصب السياسي المستشري سامي الحاج.. زخم إعلامي مطلوب وقصة تحتاج لتسجيل د.ياسر محجوب الحسين
  • السفارة السودانية في جنيف.. (1) عادل مامون جمرة
  • مؤتمر أوسلو (مجرد تعهدات ووعود) مصعب المشــرّف
  • مقالات الاستخباريين! مصطفي عبد العزيز البطل
  • محن سودانيه ( 8 ) شوقي بدري