خطر التضخم
يشكل الارتفاع المستمر في الأسعار خطرا كبيرا يهدد الاستقرار الاقتصادي و يسلب الحقوق المكتسبة عن طريق عوامل الإنتاج مثل العمل و رأس المال و عائدات الزراعة و التنظيم. و لكن الظلم الأكبر يلحق بأصحاب الدخل المحدود أي كان مصدر ذلك الدخل كما ان التضخم يلحق ضررا كبيرا بالفئات ذات الدخول الدنيا من الفقراء و الفئات الوسطي و محدودي الدخل من المهنيين و المزارعين و التجار و يحدث تدني في القدرة الشرائية لاصحاب المعاشات و الحقوق الثابتة الذين يعتمدون علي الاجور و المرتبات و عائدات العمل اليومي. يشكل كل ذلك مجموعة من الاثار السلبية منها انخفاض القوة الشرائية و زيادة الطلب علي النقود السائلة مما يقلل من الميل الحدي للادخار و يجبر حتي اصحاب الفائض الي التوجه نحو الادخار في اصول غير منتجة مثل الاراضي و العقارات و الذهب و السلع المعمرة. كما يزيد التضخم الطلب نحو العملات الاجنبية و يؤدي الي تدهور قيمة العملة المحلية و يضر ذلك بالقدرة علي مراكمة الاموال و يمتص الموارد التمويلية. يؤدي التضخم ايضا الي ما يسمي بالضريبة التضخمية ( Inflation Tax ) و ذلك نسبة لان الدول لا تستخدم ما يسمي بنظام التثبيت القياسي ( Indexation ) بمنح علاوات في الاجور و المرتبات و الحقوق الاخري بنسب تساوي نسب الارتفاع في الاسعار. و النتيجة نقص حاد في الموارد المنتجة في الاقتصاد مما يؤدي الي تقليل معدل النمو الاقتصادي الحقيقي من جهة و زيادة تكلفة الانتاج و غلاء المعيشة من الجانب الاخر و يصبح بعد ذلك الانفجار الاجتماعي امرا محتوما . هذا بالطبع اذا لم يؤدي الفقر الي الموات الاجتماعي الذي يحول الشعوب الي جنائز لا تقوي علي الحراك و يذهب بالامة مجتمعة الي التدهور و الحضيض و الاندثار.
تستهدف سياسات الحد من التضخم بالأدوات المالية و النقدية لإحداث الاستقرار الاقتصادي اللازم و غالبا ما يتم الاعتماد بشكل كبير علي ادوات السياسة المالية لتخفيف حدة الآثار السالبة للتضخم في الدول النامية. و يتم هنا زيادة الانفاق الحكومي علي السلع و الخدمات الاجتماعية و سياسات الدعم و زيادة الاجور و المر تبات و قل ان تؤدي تلك السياسات الي نتائج حاسمة بدون اصلاح حقيقي للسياسات المالية و توجيه الانفاق العام نحو التنمية الاقتصادية و الاجتماعية. اما الدول المتقدمة اقتصاديا فتتبع الادوات النقدية للتأثير علي التضخم التي يتم بواسطتها انتهاج سياسات تهدف الي استقرار الاسعار علي المدي الطويل . و قد نشطت الدول الغنية في التأثير علي التضخم بشكل غير مباشر من خلال اساليب تقليدية قائمة علي التحكم عبر ما يسمي بالمتغيرات الوسيطة مثل المجاميع النقدية و القاعدة النقدية و سعر الصرف منذ نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي و لكن اتضح ان تلك الأساليب محدودة الفاعلية مما دفع لاستخدام ما يسمي بسياسات استهداف التضخم. و بالفعل فإن التضخم في عالم اليوم يحتاج لسياسة استهداف.
تتطلب سياسة استهداف التضخم التي اشرنا اليها إعلان السلطات النقدية بشكل صريح الي حد معين للتضخم يتم استهدافه بحيث لا يتعدي ارتفاع الأسعار المستوي المعلن . يتطلب ذلك الهدف إعطاء استقلالية للبنوك في تنفيذ السياسات و الإجراءات اللازمة لتحقيق متطلبات السياسة المعلنة مع كامل الالتزام بالشفافية في وضع السياسات و توجيهها بشكل يعزز من مصداقية البنوك المركزية و يرسخ ثقة الاسواق في متانة تلك السياسات.
رغم النجاح النسبي لتلك السياسات، التي انتقلت الي الدول النامية في تحقيق معدلات مناسبة للتضخم خلال العقد الماضي الا ان الشكوك أصبحت تقوي حول امكانية الحفاظ علي مستويات مستقرة من التضخم علي المدي الطويل في ظل تطورات غير مواتية في الاقتصاد العالمي. تتلخص الصعوبات التي تواجه سياسة استهداف التضخم في ضرورة تحقيق هدفين متناقضبن هما : زيادة النمو الاقتصادي من جهة و تخفيض معدلات التضخم من ناحية اخري. و قد تم الاستناد في تلك السياسات الي القدرة علي التحكم في المتغيرات الوسيطة ( المجاميع النقدية، القاعدة النقدية و سعر الصرف) و الي العلاقة القوية بين تلك المتغيرات. و قد تعثرت تلك السياسات لعدد من الاسباب منها ان التناقض بين الاهداف المعلنة ادي الي حالة من عدم اليقين في الاسواق لدي الجمهور و العملاء مما ادي الي عدم الثقة في السياسات المتبعة من قبل السلطات النقدية في كبري الدول الغربية ذات الاقتصاديات المهيمنة. و اتضح ان تلك السياسات غير قادرة علي التحكم في معدلات التضخم في الاوقات الصعبة و قد اثبتت ازمة الائتمان العقاري هشاشة تلك السياسات .
لضمان نجاح سياسة استهداف التضخم لابد من اتباع حزم من السياسات المالية و النقدية المتكاملة و من اهم ما يجب اتباعه القياس المناسب لمعدلات التضخم و سلامة تحديد الارقام القياسية للاسعار خاصة قياس سعر المستهلك و الاختيار بين اخذ كافة المتغيرات في الحسبان او الاكتفاء بالتقلبات علي المدي القصير التي يمكن اعتبارها طارئة مثل الارتفاع في اسعار البترول و المواد الغذائية . كما يعتبر من المهم تحديد الهدف الكمي للتضخم علي ان يكون معتدلا من ناحيتي العرض و الطلب الكليين. ان المشكلة الاساسية في سياسة استهداف التضخم هي تحديد مدي الفجوة بين الحد الادني و الحد الاقصي للفترة الزمنية المستهدفة بتحديد ارتفاع مستوي الاسعار . و اخير لابد ان يتوفر الحافز القوي في السياستين المالية و النقدية لاحداث تغيير مؤسسي و تنظيمي مستقر لتلك السياسات و التنسيق بين السياستين المالية و النقدية و عدم تعارض التنفيذ مع الاهداف الكلية و فقا لخطط و برامج التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الالتزام باولويات الانفاق و قنواته .
ان المحك الأساسي لسياسة استهداف التضخم المتبعة في السودان و التي ظلت الحكومة تعلن عنها عبر الموازنة العامة لا تكمن فقط في السيطرة علي معدلات التضخم التي توالي الارتفاع فوق الحد المستهدف و انما ايضا من خلال انعكاس اثار السياستين المالية و النقدية المتبعة علي النشاط الاقتصادي و اداء الاسواق و استقرارها و توفير فرص جديدة للعمالة في الاقتصاد باعتبار تلك المؤشرات حاسمة لنجاح السياسة الاقتصادية الكلية و إحداث تنمية و نمو حقيقيين في الاقتصاد السوداني.