حتى لا يصبح بعضنا شعبا من الخراف
د/ أوشيك آدم علي osheikali@hotmail.com
مرت الزيارة الأخيرة للدكتور سيما سمرمقررة حقوق الإنسان إلي السودان من غير ضجة ولاضوضاء ولكنها أنجزت مهمتها التي أتت من أجلها وهي زيارة بعض المناطق التي يعتقد أنها بؤر انتهكت فيها حقوق الإنسان. من ضمن هذه المناطق مدينة بورتسودان التي شهدت أحداثا دامية في صبيحة السبت 29/1/2005 علي يد قوات حكومية خاصة استجلبت من الخرطوم لقمع مظاهرة سلمية. حصيلة الأحداث في يوم واحد 23 قتيلا وأكثر من 30 جريحا كلهم من المدنيين العزل. وعند استفسارها عن ملف تلك الأحداث ذكر لها المسؤولون أن التحقيقات فيه لم تكتمل بعد, وتلقت أيضا إجابة مماثلة عن الأحداث المشابهة لها في كجبار التي راح ضحيتها أربعة مواطنين مدنيين ايضا.
تصريح السيدة سمر يثير أسئلة ملحة لا ندري إلي من توجه. أليس ثلاثة سنوات بالتمام والكمال كافية لإكمال أكبر قضية جنائية وسياسية في تاريخ السودان الحديث. تجاهل الحكومة لهذا الملف يثير كيثرا من التساؤلات لعل أهما عدم جديتها في التعاطي مع هذا الملف أو أنها تخفي مستورا قد يطال رؤوسا متنفذه. يوضح هذا أن هذه القضية التي شغلت الرأي العام في شرق السودان كما لم تشغله قضية من قبل ولا من بعد, لم تشغل بنفس القدر بال الحكومة ولم تؤرق مضجعها. بصرف النظر عن أهمية القضية وعدالتها أليس من الإنصاف أن تطوي هذه الصفحة السوداء في تاريخ السودان وفي جبين الحكومة القائمة وأن يقدم الجناة إلي عدالة الأرض قبل عدالة السماء في بلد يدين بالإسلام ويتخذه شرعة ومنهاجا. توسلات وصرخات الأمهات الثكلي والأبناء اليتم ذهبت أدراج الرياح حيث لا حياة لمن تنادي.
الأمل كان معقودا علي منظمات المجتمع المدني في أن تتبني هذا الملف نيابة عنهم عسي أن يشفع لهم ذلك. بل الأمل كان معقودا أكثر علي حقوقيي السودان من محامين وقضاة لدرايتهم بأبعاد الأحداث أكثر من غيرهم ولتاريخهم الناصع والمستميت في الدفاع عن الحقوق المدنية والدستورية للمواطن السوداني أمام الطغاة والمتسلطين مدنيين كانوا أم عسكريين. ولكن ولحسرتهم وجدوا أنفسهم وحيدين يتجرعون جراحهم " كالأغراب " كما قال السيد عثمان ميرغني في عموده الشهير- حديث المدينة- ( السوداني 31/1/2008 ), لا يشاركهم أحد البكاء ولا الأحزان وكأن ما حدث لهم هو شأن " بجاوي " خاص بهم , أو كأن انتهاك حقوق البعض في السودان ليس انتهاكا لحقوق للجميع , لعلهم لا يذكرون ما مني به سيدنا علي بن أبي طالب من خذلان وظلم من مناصريه حتي قال قولته الشهيرة التي أصبحت مثلا سائرا : أكلت يوم أكل الثور الأبيض. وهذا ما رأيناه يتوالي في كجبار ودارفور وغيرها من مناطق السودان.
أكثر ما آلم الموطنين ببورتسودان أن أحداث مماثلة في كجبار ( القتلي 4 مواطن ) أقل دموية من أحداث بورتسودان ( القتلي 23 مواطن ) استنفرت لفيفا من المحامين المرموقين يتصدرهم السياسي الكبير والقطب الإتحادي البارز علي محمود حسنين في أن يتصدوا لهذه القضية ويرفعوا مذكرة للسيد وزير العدل يطالبونه فيها استعجال التحقيق في ذلك الملف. دفع هذا السيد وزير الداخلية بطلب لجهات الاختصاص بكشف أسماء القوة التي شاركت في قمع مسيرة كجبار السلمية. هذا هو عين ما طالب به مواطنو بورتسودان ولكنهم لم يجدوا وليا ولا نصيرا.
أمام هذا الصمت المطبق من جانب منظمات المجتمع المدني والتكتم الشديد واللامبالاة من الحكومة لم يتبق لمواطني الشرق غير التطلع لعدالة من خارج الحدود... وكانت القبلة في هذه المرة المحكمة الجنائية بلاهاي .... ثم كانت زيارة السيدة سمر لبورتسودان للوقوف بنفسها علي مسرح الأحداث ومقابلة أسر الشهداء والمصابين. رغم هذه الخطوة غير المرغوبة التي ترفع فيه دعوة من مواطن مسلم ضد أخيه المواطن المسلم في محكمة تقام بأرض غير إسلامية إلا أن أهل الشرق لم ينفضوا أيديهم من عدالة سودانية ناجزة , وكما قال السيد عبد الله موسي الأمين العام لمؤتمر البجا أن أياديهم لا زالت ممدودة بيضاءة من غير سوء إلي الحكومة وأنهم لا يمانعون في سحب الملف في أي لحظة من لاهاي شريطة أن تقوم الحكومة بخطوة جدية نحو نشر نتائج التحقيق وتقديم المتورطين لمحاكمات عادلة.
التباطؤ من جانب الحكومة في حسم هذا الأمر جعل اليأس يدب في نفوس المواطنين المكلومين يوما بعد يوم وأصبحوا يعتقدون أن يوم الحسم ليس بقريب. السيد الترابي في زيارته الأخيرة لبورتسودان شاطرهم هذ ا الشعور إذ قال لهم في لقائه الجماهيري هناك : لا تتوقعوا أن تتم محاكمة مرتكبي مجزرة بورتسودان – (الصحافة : 4/2/2008 ). إذا وضعنا جانبا المكايدات السياسية بين شطري التنظيم الحاكم قديمه وحديثه فإن رأي الترابي ربما ينم عن رؤية ثاقبة لما تجري عليه الأمور في السودان , كيف لا وهو الذي يرصد كل وصغيرة وكبيرة عن الحكومة ويستقي معلوماته من مصادر قد تكون أكثر دقة مما هو متاح لنا ولعامة الشعب. ما عزز هذا الشعور في نفوس المواطنين أن الحكومة في مباحثاتها الأخيرة مع جبهة الشرق في أسمرا حاولت أن تستبعد هذا الملف عن طاولة المفاوضات. لذلك مارست , مع الاريتريين , ضغوطا بلا هوادة لمفاوضي جبهة الشرق لصرف النظر عن هذا الملف . وكان لهم ما أرادوا , واستطاعوا بذلك ان يصيبوا عصفورين بحجر واحد : استبعاد هذه القضية التي ربما " تجرجها " لمتاهات لا يحمد عقباها وفي نفس الوقت انتزعت من جبهة الشرق أهم أوراقها التفاوضية فيما زعزع الثقة فيها وشكك في مقدرتها ومصداقيتها في تبني شعارات كانت بمثابة خطوط حمراء لها.
إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه وإذ ألقيت الكرة, رغم أنف الجميع , في مرمي أيدي خارجية .يجب أن لا يتباكي أحد بعد ذلك إن " حشر الأغيار" أنوفهم , بل عتادهم وسلاحهم في شؤوننا الداخلية ونحن الذين أعطيناهم الذرائع الموثقة واحدة تلو الأخري حتي يتسللوا إلي مدنا وبوادينا , وربما قريبا إلي غرف نومنا وهم مدعومين كل مرة بقرارات أممية ليس لنا الحق ولا المقدرة في تجاوزها.
في ذات اللقاء الجماهيري الأخير ببورتسودان أضاف السيد الترابي " إن الله سيقتص لكم حقوقكم يوم القيامة وإن دم الأبرياء لن يذهب هدرا". ما يشير إليه الترابي هو حتمية إلاهية لا مناص منها يوم يقف الجميع أمام قضاء رباني نافذ لا يقبل منهم فيه شفاعة ولا عدل . ولكن الأسر المكلومة تريد أن تطرق كل الأبواب في هذه الفانية لتنال حقوقها, إن هي فشلت أن تنال الإنصاف علي أيدي سودانية فهي لا تبالي ولا تزرف دمعا سخينا إن حول الملف إلي أي جهة في هذه المعمورة طالما الهدف هو نيل الحقوق كاملة غير منقوصة حتى توضع موازين القسط والإنصاف في مواضعها لردع الطغاة والمستهترين بكرامة هذا المواطن المغلوب علي أمره وحتى لا يضرب بعضنا أعناق البعض ظلما وبغيا وحتى لا يكون بعضا قطيعا من الخراف يساقون إلي حتفهم من غير شفقة ولا رحمة.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة