صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


"الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م)" للدكتور حسن مكي: الفرق بين الزائف والواقع (2 من 6)/الدكتور عمر مصطفى شركيان
May 8, 2007, 22:18

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

 

"الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م)" للدكتور حسن مكي: الفرق بين الزائف والواقع (2 من 6)

 

                                                              الدكتور عمر مصطفى شركيان

[email protected]

 

 

 

الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م): تأريخها وخطابها السياسي

 

والكتاب الذي نحن بصدد نقده نكتب هذه السطور هو واحد من مجموعة الأسفار التي حملتها من السُّودان إلى المملكة المتَّحدة، وإنَّه لكتاب أهداه لي صديقان رفيقان، وإنَّه لشيء عظيم، وتعود عظمة الشيء هنا للهديَّة ذاتها معنى وقيمة، وتتعدَّاها إلى غيرها.  فليس هناك أعظم ما يثلج صدري ويريح فؤادي ويطفئ ظمأي مثل هدية كتاب، وبخاصة حينما تأتي من رفيق صديق.  ثمَّ إنَّه – أي الكتاب - "الحركة الإسلاميَّة في السُّودان (1969-1985م): تأريخها وخطابها السياسي"، ثمَّ إنَّه للدكتور حسن مكي محمد أحمد؛ والكتاب هو الطبعة الثانية من طباعة ونشر وتوزيع الدار السُّودانيَّة للكتب بالخرطوم العام 1999م.  ويقع الكتاب في 350 صفحة – أي من تلك الكتب التي يمكن وصفها بالحجم المتوسط – ويحتوي الكتاب بين دفتيه على الفهرس ( أو الفهرست لو أردتها فارسية لا عربيَّة)، ومقدِّمة الطبعة الثانية بقلم حسن مكي ذاته في 3 أيار (مايو) 1989م لدي المؤسسة الإسلاميَّة بمدينة ليستر الإنكليزيَّة، وكلمة الناشر، وفاتحة وتقديم بقلم المؤلِّف، ومبحث أول عن التطور السياسي "منظور تأريخي"، ومبحث ثان عن تطور التنظيم وكسب الحركة، وخمس عشرة وثيقة في باب ملاحق ووثائق.  فبرغم من أنَّ الكاتب لم يُحططنا علماً بمنهج بحثه، لكن من خلال قراءتنا للكتاب استنتجنا أنَّه استخدم منهج التحليل الوصفي (Descriptive analysis method).  فالكتاب هو "تكملة للدراسة السابقة التي أعدَّها حسن مكي عن "تأريخ حركة الإخوان المسلمين في السُّودان (1946-1969م)، ومواصلة لجهود توثيق تأريخ الحركة الإسلاميَّة في السُّودان" كما استحثَّ نفر كريم همته للقيام بهذه الدراسة.  والدراسة – كما نظن – هو امتداد لتأريخ الحركة الإسلاميَّة في السُّودان الذي لم ينته، ولذلك لم تكن تمثِّل الدراسة لذلك كذلك الإكمال في شيء.  وقد سألنا أنفسنا مراراً لِمَ لم تمتد الدراسة حتى العام 1989م – أو قل العام 1999م وهو تأريخ طباعة هذا الكتاب؟  ولعلنا لا نكون بعيدين عن الحقيقة إن قلنا إنَّ حسن مكي لم يرد أن يتفوَّه بأسرار مؤامرات الحركة الإسلاميَّة في الاستيلاء على السُّلطة عن طريق انقلابها العسكري العام 1989م.  على أيَّة حال، فقد صاغ حسن مكي دراسته بأسلوب سردي يغلب عليه في أكثر الأحايين الطابع السطحي في العرض، وعدم التعمُّق في الأحداث، وخلوها من القراءة التحليليَّة لما يكمن وراء الأحداث.  لذلك لتجدنَّ ما جاء في المبحث الأول لا يعطيك انطباعاً أبداً أنَّه كتاب كتبه أحد أقطاب ومنظِّري الحركة الإسلاميَّة؛ إذ كان ينبغي للمؤلف الكاتب أن يغوص في أعماق الحركة، ويدوِّن الكثير والمثير في تأريخها من غير أن يكتفي بهذا السرد القصصي الذي يمكن أن يأتي به صحافي – أي صحافي – أو من عاصر وعاش فترة النظام المايوي المباد.  إلا – بالطبع - إذا اعتبرنا أنَّ الخبر هو جزء تفصيلي من التأريخ كما جاء في مقدِّمة جليل العطيَّة في تحقيق مخطوطة "أخبار البرامكة"؛ إذ أنَّ كلمة "أخبار" تطلق على القصص التي تتناول أحوال النَّاس.

وفي سبيل انتقادنا لكتاب "الحركة الإسلاميَّة في السُّودان" سوف لا نحصر نقدنا للكتاب المذكور وحده فحسب، بل سوف نتعدَّى ذلك إلى جميع أعمال حسن مكي التي استطعنا الحصول عليها سبيلاً لنميط اللثام عما يقبع في أعماق الرجل من أفكار، وكذلك سوف نصوِّب سهامنا بدقة متناهية إلى مؤسسة الحكم في الخرطوم.  فلا يمكن أخذ أي عنصر من عناصر ومكونات المشكل السُّوداني على انفراد.  وفي الحق، لا يمكن النَّظر إلى الأحزاب السياسيَّة دون التطرُّق إلى مسألة الدين والسياسة، ولا البحث في أسلوب عملها بمعزل عن المؤسسة العسكريَّة والمسألة الإثنيَّة، وبخاصة أنَّ المسألة العرقيَّة هي أم المشكلات التي عرفتها الأمم عبر القرون.  فالانقلابات العسكريَّة في السُّودان – الناجحة منها أو الفاشلة – هي مشاريع مشتركة بين الأحزاب السياسيَّة والمؤسسة العسكريَّة، أو بصورة أخرى الضباط المسيَّسون في القوات المسلحة، إذ يحتفظ كل حزب بكوادر سياسيَّة أيديولوجيَّة في الجَّيش لمثل هذه المناسبات.

فقد قدَّم حسن مكي تحليلاً عاماً عن الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد يومذاك جعفر محمد نميري في 25 أيار (مايو) 1969م، وعن البعد الإقليمي (الدور المصري) لحركة الضباط الأحرار، ومقاومة الإخوان المسلمين وحزب الأمة والأنصار والحزب الاتحادي الديمقراطي لهذا النظام العسكري الجديد من منطلق أنَّه نظام شيوعي، وإنَّه لبعيد عن الإسلام.  إنَّ اختزال أسباب قيام انقلاب مايو في البعد الإقليمي بهذا الشكل والمحتوى ليعد تقصيراً في البحث الذي ينبغي أن يكون متكاملاً شاملاً عن الظروف التي تداعت وأدَّت إلى انقضاض العسكر على السُّلطة، وبخاصة الأحوال السياسيَّة الداخليَّة.  فقد كانت الديمقراطيَّة في أسوأ تجلِّياتها، أو – قل إن شئت – كانت في أسوأ ما أراد لها رجال الأحزاب أن تظهر إلى الناس.  وكان أحد هذه التداعيات الفوضى الحزبيَّة أو الأداء السياسي الذي بدأ وبدا مشوَّهاً ولم يكد يأبه بقواعد اللعبة السياسيَّة، ولم يكن يعير القانون انتباهاً؛ وهنا تجدر الإشارة إلى ملهاة طرد نواب الحزب الشيوعي السُّوداني من الجمعيَّة التأسيسيَّة (البرلمان) وحظر الحزب من ممارسة نشاطه السياسي في الشارع السُّوداني.  ولعلَّ هذا الإجراء التعسُّفي يدفع بالمقهورين دوماً إلى البحث عن – واستخدام – الوسائل غير الشرعيَّة لاسترداد حقوقهم.  وحسن مكي حينما يتحدَّث عن علاقة المؤسسة العسكريَّة مع الانقلاب العسكري لنظام مايو كان ينبغي عليه أن يتجاوز ما حدث - وما زال يحدث – داخل المؤسسة العسكريَّة نفسها، ويبحث عن الأسباب الجذريَّة التي تجعل القوى السياسيَّة في بلد ما كالسُّودان تستخدم المؤسسة العسكريَّة كأداة للاستيلاء على السلطة، وفي بلد آخر كالهند أو لبنان مثلاً، حيث يغليان بالمشكلات السياسيَّة والتناقضات الحادة والعنيفة ذات البعد الديني والطائفي والإثني وغير ذلك، لا تستخدم الجَّيش كأداة للاستيلاء على السُّلطة.  ثمَّ ما هو دور رجال الأحزاب والقيادات الدينيَّة-السياسيَّة في معارضة الانقلاب المايوي على وجه الخصوص وأي انقلاب عسكري على وجه العموم؟  فحديث حسن مكي عن مقاومة الأحزاب السياسيَّة التقليديَّة لانقلاب مايو لهو اللغط المبين، والتغطية الجائرة على الحقائق، أو تحريفاً لما يجب أن يُقال أو يُؤرخ؛ إذ نقول هذا ونحن متيقنين بالخلفية المجافيَّة لكلام حسن مكي حينما نكشف الستار عن الدور أو الأدوار التي قام بها رجال الأحزاب والقيادات الدينيَّة-السياسيَّة في معارضة الانقلاب المايوي على وجه الخصوص بُعيد حدوثه، وأي انقلاب عسكري على وجه العموم. ولنأخذ موقف حزب الأمة متمثلاً في قائده السيِّد الصادق المهدي.

فقد ورد في محضر الاجتماع الذي تمَّ بين السيد الصَّادق المهدي وقائد الانقلاب المايوي العقيد جعفر محمد نميري أنَّ الصَّادق قد قدَّم لنميري عدة مآخذ على حكومة الانقلاب كان أولها هو "غلبة الطابع الشيوعي على الحكومة الجديدة"، وأضاف الصَّادق: "هذه هي مآخذنا على التكوين الحكومي الجديد وبناءاً عليها حدَّدنا رأينا الذي أعلناه وهو إدانتنا للعهد البائد ولفساده، وترحيبنا بالإصلاح الثوري للمفاسد واعتراضنا على طغيان العنصر الشيوعي على الحكومة الجديدة ومعارضتنا لذلك."  ويمضي الصَّادق قولاً في ذلك الاجتماع: "إنَّنا لسعداء جداً بزوال العهد المباد فهو عهد أفسد فيه السَّادة، وأفسدت فيه أحزابهم التطبيق الصحيح للديمقراطيَّة."  ويضيف الصَّادق في جزء آخر من المحضر: "ربما كنا الجزء الوحيد في الحركة السياسيَّة الذي علم بحركتكم قبل وقوعها بحوالي الساعة، ولكننا لم نشأ أن نقوم بعمل مضاد لأنَّنا في حالة اقتناع تام بأنَّ الوضع البائد لا يستاهل الإنقاذ."  ويواصل الصَّادق حديثه: "وكنا نحس بالمشاكل (المشكلات) التي تجول وتدور في الجَّيش وبمشاعر كثيرين من عناصره التي تريد مخرجاً.  وغريب أن لم نعثر عليكم وتفهموا خطنا وهو إيجاد مخرج ثوري عن طريق دستوري انطلاقاً من قرار المحكمة، وعندما تباطأ القضاء وساءت أحوال البلاد، كان همَّنا تغيير موازين القوى السياسيَّة، وإنهاء الوضع القائم بأسرع ما يمكن."  مما سبق يتَّضح أنَّ السيد الصَّادق المهدي لم ينف أنَّ حزب الأمة قد قبل الانقلابات العسكريَّة كأحد أساليب الاستيلاء على السُّلطة؛ فلم يرفض السيد الصَّادق المهدي الانقلاب العسكري الذي حدث في 25 أيار (مايو) 1969م لأنَّه انقلاب عسكري، ولكن لأنَّ توجهه شيوعي، وهذا يعني قبول أسلوب الانقلاب العسكري ورفض التوجه السياسي والفكري لمنفِّذي الانقلاب العسكري.  إذ لم يكن يستبعد السيِّد الصَّادق المهدي الانقلاب العسكري كأحد أساليب التغيير السياسي للواقع الذي كان يرفضه في ذلك الوقت، وتعشَّم الصَّادق في أن ينجز انقلاب مايو التحوُّل الديمقراطي هو عشم ذو بعد شمولي واضح يعكس القناعة بأنَّ نظاماً عسكريَّاً يمكن أن يزيل الضعف الذي أصاب نظاماً ديمقراطيَّاً.  إنَّ القراءة المتأنية لمحضر الاجتماع بين قائد انقلاب مايو 1969م والسيِّد الصَّادق المهدي في 3 حزيران (يونيو) 1969م لتوضح بأنَّ الصَّادق قد أراد في ذلك الاجتماع تقديم حزب الأمة كبديل للحزب الشيوعي في تبني انقلاب مايو؛ فما قدَّمه الصَّادق لقائد الانقلاب في ذلك الاجتماع لم يكن فيه رفض للانقلاب العسكري وقبول للتعاون المحدود، وإنَّما كان برنامجاً متكاملاً ورؤية محددة لكيفيَّة تكوين حكومة الانقلاب، وبرنامج عملها، وكيفيَّة معالجتها للعديد من القضايا، ويمكن استخلاص ذلك في حديث الصَّادق عن "خطر السيطرة الشيوعيَّة لا يأتي من تقدميتها، بل نحن لا نعرف لها برنامجاً محدداً، ولا حتى لغيرها من أحزاب السُّودان، ونحن لنا برنامج محدد يوضح كيفيَّة تطور السُّودان في هذه المرحلة التأريخيَّة، ونعتقد أنَّه جاد وتقدُّمي وهنا سلمته نسخة من إصلاح وتجديد للمعلوميَّة."(15)  بيد أنَّ الغريب في الأمر هو أنَّ العهد البائد الذي يتحدَّث عنه الصَّادق بهذه الكيفيَّة هو كان أحد أركانه، وهؤلاء الأسياد الذين أفسدوا الحياة الحزبيَّة والسياسيَّة كان هو أيضاً أحد هؤلاء الأسياد المرموقين.  وما حديث الصَّادق بأنَّه "عندما تباطأ القضاء وساءت أحوال البلاد كان همَّنا تغيير موازين القوى السياسيَّة، وإنهاء الوضع القائم بأسرع ما يمكن"، إلا اعترافاً ضمنيَّاً بأنَّهم كانوا يخطِّطون للتغيير، والطريقة الوحيدة القادرة على إنهاء الوضع القائم حينئذٍ بأسرع ما يمكن هي استخدام الجَّيش في عمليَّة انقلابيَّة.  وقد دفعت تصريحات الصَّادق المهدي هذا بأمن النظام الجديد أن يبحث عن عناصر حزب الأمة في القوات المسلَّحة لتحييدها.(16) 

علاوة على البعدين المحلي والإقليمي، هناك بعد ثالث ألا وهو البعد الدَّولي، والذي لم يتطرَّق حسن مكي عنه بتاتاً في الكتاب حتى تكتمل الأبعاد الثلاثة.  إذ أنَّ السياسات المحليَّة (الداخليَّة) تتجاذبها الصراعات الإقليميَّة، والتي بدورها تتأثَّر سلباً وإيجاباً، أو تنافراً وتجاذباً مع التوجه العالمي والمصالح الدوليَّة من قبل الأطراف الفاعلة في النظام العالمي القديم والجديد.  فقد جاء انقلاب مايو في عصر الصراع الحاد بين المعسكر الشرقي (الاشتراكي) والغربي (الرأسمالي) فيما عُرِف ب"الحرب الباردة".  فهل كان لأحد قطبي النزاع الدَّولي دوراً رائساً في هذا الانقلاب المايوي في التخطيط أو التنفيذ أو تسليح الجيش السُّوداني فيما بعد الانقلاب لمواصلة الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان؟  هذه التساؤلات لم يجاوب عليها حسن مكي في الكتاب.  فقد كان الدَّور المصري والسوفيتي بارزاً في استمراريَّة الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان لصالح النظام المايوي، وذلك قبل التَّوقيع على اتفاقيَّة أديس أبابا لإنهاء هذه الحرب العام 1972م.  هذا الإسناد الخارجي والتموضع في محور سياسي عالمي، والذي أتي أوكله في شكل إمداد عسكري وتخطيط حربي، هما اللذين تنكرهما حكومات السُّودان دوماً وعلى مختلف مللها ومشاربها.  لم يضع حسن مكي الأبعاد الثلاثة كحدٍ أدنى لسرده غير المؤسس تأسيساً موضوعياً بل ذهب مهب الريح ليطرق أبواباً غير ذي جدوى.

ثمَّ ندلف إلى مشروع الاندماج العربي بين السُّودان وليبيا ومصر.  إذ أنَّ فكرة الاندماج هذه لم ترق لبعض أحزاب السُّودان وأهله، ولكن كان لكل واحد منهم أسباب اعتراضه على ذلك الاندماج.  إذ "كانت قيادة الحزب الشيوعي السُّوداني ضد فكرة الوحدة الاندماجيَّة مع مصر وسوريا وليبيا لأنَّها ستضعف مركز الحزب، وتهدِّد بتذويبه، وقد ازداد هذه الصراع الخفي حينما وقَّع نميري على ميثاق طرابلس (في) 27 كانون الأول (ديسمبر) 1969م، (وكانت قد) استلمت حكومته مبلغ 7,5 مليون دولاراً في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1969م من الإدارة الليبيَّة الجديدة اشتهر فيما بعد بقرض الكرامة."(17)  وكما أسلفنا ذكراً، فقد توجَّس الشيوعيُّون من قيام أي شكل من أشكال "الوحدة العربيَّة" معتبرين الظروف الراهنة غير ناضجة، لذلك رفعوا شعاراً بديلاً هو "التضامن العربي ضد الرجعيَّة والإمبرياليَّة"؛ والواضح أنَّ دافعهم إلى ذلك هو أنَّ قيام أي نمط من أنماط الوحدة بين الأنظمة الثلاثة سيتبع تعميم تجربة الجمهوريَّة العربيَّة المتحدة على السُّودان لجهة حل الحزب الشيوعي السُّوداني، وانضوائه في إطار تنظيمي مشابه للإتحاد الاشتراكي في مصر، وهم يذكرون في ذلك تجربة الوحدة المصريَّة-السوريَّة العام 1958م مع الحزب الشيوعي السُّوري.  فلقد كان اتجاه الحكم السُّوداني نحو الدخول في الاتحاد الثلاثي يفترض بالضرورة إتباع سياسة داخليَّة تجاه القوى الحزبيَّة، ولا سيما الحزب الشيوعي، متجانسة مع سياسة النظامين الآخرين، وبخاصة لجهة ضرب قوة الحزب الشيوعي.  ولقد لقيت توجهات الرئيس نميري نحو التكامل بين مصر والسُّودان في الشأنين السياسي والاقتصادي ليست المعارضة المدنيَّة فحسب، بل أزعجت هذه التحركات المشبوهة القوات المسلَّحة السُّودانيَّة، مما أدَّى إلى طرد 17 ضابطاً من الخدمة العسكريَّة لاعتراضاتهم على سياسات نميري الخارجيَّة والداخليَّة، وكانت أغلب اعتراضاتهم منصبة على التقارب الخرطومي-القاهري، وبخاصة معاهدة الدفاع المشترك بين السُّودان ومصر العام 1976م.  وقد شملت قائمة الإعفاء من الخدمة العسكريَّة كل من اللواء عبد الله محمد عثمان (قائد حرس الحدود وسكرتير تنظيم الضباط الأحرار)، واللواء خالد الأمين الحاج (المفتش-العام للقوات المسلحة).  أما اللواء خالد حسن عباس - العضو السابق لمجلس قيادة انقلاب "مايو"، ومولانا بابكر عوض الله – نائب الرئيس، والرائد مأمون عوض أبو زيد – الأمين العام للاتحاد الاشتراكي السُّوداني، والدكتور محي الدين صابر – وزير التَّربية والتَّعليم السابق، فهؤلاء هم من القوميين العرب الذين أغضبتهم اتفاقيَّة أديس أبابا العام 1972م وفضَّلوا المنفى الاختياري في مصر.  وفي كانون الثاني (يناير) 1979م احتج ثمانية من الأعضاء الجنوبيين في الاتحاد الاشتراكي السُّوداني لدي رئيس مؤتمر برلمان وادي النيل (مصر والسُّودان)، وطالبوا بإخضاع الاتحاد المصري-السُّوداني المقترح للاستفتاء الشَّعبي.  وكان موقعو خطاب الاحتجاج يزعمون أنَّهم يتحدَّثون باسم 60 نائباً آخرين، واستهجنوا رغبة مصر في الاتحاد مع السُّودان بأنَّها استعماريَّة الغرض، وكانت حجَّتهم في ذلك بأنَّ هذا الاتحاد سوف يسمح لمصر – التي هي دولة أكثر تقدُّماً من السُّودان – أن تقذف ببضاعتها في السُّودان، وبذلك تقل أهميَّة المصنوعات المحليَّة.  ثمَّ استدركوا الإخفاق الفاضح في تجربة الاندماج المصري-السوري السالفة الذكر، التي أفضت إلى الجمهوريَّة العربيَّة المتحدة، وانتهت بحلها بعد ثلاث سنوات وفي أعقاب صراع سلطوي مرير بين الرئيس المصري جمال عبد النَّاصر والحزب الاشتراكي السُّوري.  ثم أشار الأعضاء المحتجون – لذلك كذلك – إلى تجربة السُّودان الفاشلة مع ليبيا العام 1973م، ورفضوا الانصهار الثقافي بين القطرين - المصري والسُّوداني – لأنَّه تعالي مصري، وإنَّه لسوف يسيء إلى الدستور، وإنَّه سيتبنَّى ازدواجيَّة الجنسيَّة، بحيث يصبح السُّودان منطقة لتفريغ سكان مصر المتزايد.  كما رفض الأعضاء الجنوبيُّون التكامل التَّعليمي؛ إذ إن كان هناك ثمة شيء على هذا النحو فينبغي أن يسود بعد تكامل التعليم بين الشمال والجنوب في السُّودان أولاً، وليس قبل ذلك.(18)  هذا التدافع العربي الذي كان قادة مصر وليبيا يلحون عليه كان واحداً من مشكلات السُّودان الجوهريَّة، ويمثِّل العنصر الرئيس في صراع الهُويَّة الذي ظهر جليَّاً فيما بعد.  وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1970م حين أُعلِن عن الاندماج بين الدول الثلاثة تسبب هذا الإعلان في طرق ناقوس الخطر في الجنوب لأنَّ هذا الإعلان قد يفتح الأبواب واسعاً على مصاريعها للتدخل المصري والليبي عسكريَّاً في جنوب السُّودان أولاً، وإنَّ ارتباط نميري بالعرب من غير الأفارقة ليفاقم صراع الهُويَّة في السُّودان ثانياً.

إزاء هذا الاندماج العربي ظهرت مدرستين:  الأولى التي تروق لها الفكرة، ودعاتها يزعمون ضرورة هذا الاتجاه لتعضيد الانتماء العربي للسُّودان وما يجنيه من هذا الانتماء من الفوائد المتبادلة.  أما دعاة المدرسة الرافضة فيمكن تلخيص أسباب رفضهم في الآتي:

(1)   التباين الاقتصادي بين السُّودان وليبيا.

(2)   التوجس من سيطرة المصريين على السَّودانيين.

(3)   الضرر الذي يمكن أن يسبِّبه هذا الاندماج على صعيد العلاقة بين الشمال والجنوب,

ولا شك في أنَّ هذا الاندماج العربي يهدِّد الأعراف والتقاليد التي تؤسس الهُويَّة السُّودانيَّة وثقافات المجتمع السُّوداني، وإن لم يتم طرح مسألة الهُويَّة هذه بصورة صارخة كما حدث في بداية الثمانينيَّات.  وإن سمح لهذا الاندماج أن يأخذ مجراه غير الطبيعي فسيجد الشَّعب السُّوداني في نهاية الأمر تائهين بين الفكر والواقع.  فسوف لن يكون الفكر انعكاساً للواقع ولا الواقع انعكاساً للفكر (جدليَّة الفكر والواقع)، حيث يجد الفرد السُّوداني نفسه في نهاية المطاف عائماً هائماً بين وعي فردي وجمعي يشكل تكويه الثقافي عبر الأزمنة التأريخيَّة والأماكن الجغرافيَّة وبين منظومة فكريَّة حداثيَّة تأتيه من سياق المجال التداولي الثقافي المتعارف عليه أو الذي ينتمي إليه، الأمر الذي سوف يؤدِّي إلى تمزيق الهُويَّة بين الأصل الاجتماعي-الثقافي للذات من جهة، وبين مفاهيم جديدة لا تجد معيناً مدادياً أو تأريخيَّاً داعما لها من جهة أخرى، وهي الادعاء الصَّارخ للثقافة العربيَّة والدم العربي النقي والكرم العربي وغيرها من الادعاءات التي تنفي الآخر من الوجود نظريَّاً وعمليَّاً وكأنَّه لم يكن.  فقد تناول كتاب حسن مكي مسألة الهُويَّة الدينيَّة والثقافيَّة لشعب السُّودان، إذ اختزله الكاتب في الدين الإسلامي واللغة العربيَّة مع نفي الآخر تماماً وكأنَّما لم يكن موجوداً.  وقد بلغ بحسن مكي الشطط حتى اعتبر "اللغة الإنكليزيَّة ذاتها لغة إسلاميَّة، لأنَّ المتكلمين بها من المسلمين أكثر من المتكلمين بها من أهلها، حيث يتكلَّم بها قرابة المائتي مليون مسلم، بينما لا يتجاوز الأنجلو-ساكسون في إنكلترا أو أمريكا وغيرها 150 مليون نسمة."(19)  فاللغة أداة مجرَّدة، ويمكن تعريفها بأنَّها أصوات يُراد بها أغراض، فكيف يمكن نعت هذه الأداة بالإسلام!  مهما يكن من الأمر فيقر حسن مكي "أنَّ الجغرافيا والتأريخ تحدِّدان الهُويَّة، مثل الظلم والتَّهميش والفقر، مما يؤدِّي إلى تشكيل الهويَّة المعاكسة أو المضادة أو حتى المصادمة، وفي الغالب تكون محدداتها ودوافعها سياسيَّة-اجتماعيَّة، وتنمو فيروسات هذه الهُويَّة في البيئة الهشة، والظروف الهشة، والثقافة الهشة، وقد حدث شيء مثل هذا في السُّودان (...)."(20) 

تلك هي الظروف المحليَّة والإقليميَّة والدَّوليَّة التي وُلِدت فيها المعارضة السياسيَّة والعسكريَّة باسم الجبهة الوطنيَّة ضد نظام نميري بدءاً بأحداث الجزيرة أبا وأم درمان (ود نوباوي) العام 1970م، وحركة 19 تموز (يوليو) 1971م.  والسؤال الذي له رابطة وثقى بجدل المقاومة الحزبيَّة لانقلاب مايو، والذي ما زلنا نطرحه بإلحاح هو لِمَ لم تشرك الجبهة الوطنيَّة الأنصار الذين كانوا يعسكرون في أثيوبيا في حركة 2 تموز (يوليو) 1976م وكان تعدادهم أربعة آلاف شخصاً؟  إذ كان هؤلاء – في جانبهم الأعم – أنصاراً بايعوا الإمام الهادي، وكانوا يعتقدون أنَّ الإمام لم يمت بعد، وهم في انتظار الإمام الغائب، أو يأتيهم أحد من الجزيرة أبا بنبأ يقين.  وهل رأى السيِّد الصَّادق المهدي – والذين كانوا معه – أنَّ هؤلاء قد أدَّوا دورهم الجهادي في أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي بأم درمان، وجاء دور أتباع حزب الأمة بغرب السُّودان (دارفور تحديداً وكردفان إلى حد ما) لكي يكتووا بنيران المؤسسة العسكريَّة؟  فلو تمَّ الهجوم على النظام المايوي من الشرق (أثيوبيا) والشمال الغربي (ليبيا) لأصبح الأمر مختلفاً تماماً.  غير أنَّ الأدهى والأمر هو أنَّه بعد اقتلاع نظام نميري في الانتفاضة الشَّعبيَّة في نيسان (أبريل) 1985م وعودة أحزاب الجبهة الوطنيَّة من الخارج لم يحظ أفرادها العسكريُّون – وهم من أبناء المناطق المهمَّشة – بالقدر اليسير من التَّعويضات التي بها استمتع مقربو حزب الأمة فيما عرف بتعويضات أراضي أم دوم الشهيرة وغيرها، ولم يتم حتى وضع نصب تذكاري لشهداء عمليَّة 2 تموز (يوليو) 1976م التي عُرفت أمنياً وإعلاميَّاً من قبل نظام مايو ب"المرتزقة".  فربما كان هذا التجاهل والتناسي – وأسباب أخر – هما اللذان أحبطا أبناء هذه المناطق في المشاركة في أيَّة معارضة عسكريَّة تحت لواء رجال الطوائف الدينيَّة-السياسيَّة في السُّودان وأحزابهم – الأمة والاتحادي الديمقراطي – كما ظهر هذا جليَّاً في مستهل التسعينيَّات، أو فيما عُرِف ب"التجمع الوطني الديمقراطي" وفشله في تجنيد قوة عسكريَّة ضاربة بها يستطيع هدَّ النظام "الإنقاذي" من جذوره.

ثمَّ نقفز إلى مسألة الدين المسيحي.  فبرغم من أن تعداد معتنقي هذه الديانة قليلون إلا أنَّ الحركة الإسلاميَّة جعلت منها عدواً شريراً تارة، وباتت تصفها بأقذع العبارات تارة أخرى، وتضعها في خانة الديانات غير السماويَّة بالقياس تارة ثالثة.  فلا ريب في أنَّ المسيحيَّة سبقت دخول الإسلام في السُّودان بنحو قرن، وإنَّ احترام الأديان السماويَّة وغير السماويَّة ليقتضي إيلاء هذه العقيدة اعتباراً خاصاً.  تلك هي الأثناء التي فيها "أعلن جهاز الأمن إلقاء القبض على خليَّة مسيحيَّة سريَّة تعمل على تنصير المسلمين، وقد استطاعت تنصير أربعين عائلة من العرب الرحل في أم روابة".(21)  ويضيف حسن مكي أنَّ الأب أغسطونيوس باروني رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكيَّة بالخرطوم قد صرَّح "للصحافة الأجنبيَّة أنَّ هذا أول نجاح للكاثوليك في تنصير جماعي للمسلمين، وقد نتج جزئياً عن استغلال المبشرين لظروف الضغوط الاقتصاديَّة والتحولات الاجتماعيَّة التي بدأت تنتاب السُّودان ابتداءاً من العام 1980م."(22)  كباحث تأريخي، كان على حسن مكي ألا يأخذ البيانات الأمنيَّة التي تبثها أجهزة النظام الشمولي كحقيقة ثابتة، لأنَّها تُعد دائماً لخدمة النظام سياسيَّاً وتبييض وجهه وصرف أنظار الناس عن الأمر الجلل.  فلا نحسب – وليس هذا برجم الظنون، أي التكلم بالظن – أنَّ من يبغون نشر المسيحيَّة في السُّودان ينشئون خلايا سريَّة لتعميم الدعوة إلى الله، وإذا كان الأمر كذلك لما صرَّح الأب أغسطونيوس علانيَّة إلى وسائل الإعلام.  وكيف يستنكر حسن مكي ما سماه "استغلال المبشرين لظروف الضغوط الاقتصاديَّة والتحولات الاجتماعيَّة" لتنصير الناس!  أفلم تقم الحركة الإسلاميَّة بمثل هذه الأفاعيل، مستغلَّة – في تلك المعاملات – كافة واجهات العمل الإسلامي، وهي كثر نذكر منها: "منظمة الدعوة الإسلاميَّة"، "المركز الإسلامي الأفريقي (جامعة أفريقيا العالميَّة حاليَّاً)"، "جماعة الفكر والثقافة الإسلاميَّة"، "بنك فيصل الإسلامي"، "جمعيَّة الإصلاح والمواساة"، "الوكالة الإسلاميَّة الأفريقيَّة للإغاثة"، "الهيئة الإسلاميَّة لجنوب السُّودان"، "جمعيَّة رائدات النَّهضة"، "منظمة شباب البناء"، "روابط الفتاة المسلمة ودور المؤمنات"، "هيئة إحياء النشاط الإسلامي"، "الندوة العالميَّة للشباب الإسلامي"، "الجمعيَّة الطبيَّة الإسلاميَّة"، و"الجمعيَّات الخيريَّة والاجتماعيَّة الأخرى".  كما ظهرت للحركة الإسلاميَّة عدة روابط ثقافيَّة على المستوى الإقليمي ك"جمعيَّة الفاشر المسرحيَّة"، "رابطة الرسامين والخطاطين بدارفور"، "رابطة الآداب والفنون"، و"رابطة الخنساء الأدبيَّة بسنار".  وقد اعترف حسن مكي أنَّه قد تمَّ "إعداد دستور ومشروع قيام منظمة الدعوة إسلاميَّة ليس فقط في جنوب السُّودان، ولكن في كل أفريقيا وشعوبها".(23)  مهما يكن من الأمر، فإن جميع هذه المنظَّمات والجمعيات والوكالات والهيئات والروابط قد أُنشئت وهم لا يرجون منها إلى الله وقاراً، بل ترجع أسباب النشأة إلى الحِكَم المصلحيَّة المتعلِّقة بالأمور الدنيويَّة والإيالة السلطانيَّة.  فأين هم من الدكتور محمد يونس الفائز بجائزة نوبل لعام 2006م عن دوره في تأسيس "مؤسسة غرامين" التي تعني بتمويل الفقراء في بنغلاديش، وامتدَّ نشاطها لتشمل خدماتها التمويليَّة أو ما يطلق عليه (Microfinance) أكثر من ثلاثة ملايين في بلدان فقيرة عدة.  والجدير بالذكر أنَّ الدكتور محمد يونس أسس "مؤسسة غرامين" العام 1997م بعد نيل الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة متميِّزة في الولايات المتحدة، وعودته إلى بلده بنغلاديش برأس مال يقل عن 10 آلاف دولار من دون أن يعطي خدماته التمويليَّة للفقراء صفة إسلاميَّة أو دينيَّة أخرى.

فقد سيطرت فكرة هُويَّة الأمة "الإسلاميَّة" ووسواسها الخناس على ذهنيَّة الحركة الإسلاميَّة باكراً، نتيجة الصراع الإيديولوجي المرير مع الحزب الشيوعي السُّوداني الذي حققَّ نجاحاً ملحوظاً في الحياة الثقافيَّة والتعليميَّة والنقابيَّة في بادئ الأمر.  إذ استطاع الحزب الشيوعي في ذلك الرَّدح من الزمان أن يسيطر على منبر جامعة الخرطوم المتمثِّل في اتحاد طلابها، واتحاد مزارعي الجزيرة ونقابات العمال والسكة حديد وغيرها.  كان ذلك في العهد الذي سادت فيه الأيديولوجيات الاشتراكيَّة والشيوعيَّة والليبراليَّة وغيرها.  وفي هذا الشأن كتب الأستاذ محمود محمد طه: "إنَّ الماركسيَّة لمدرسة من مدارس الاشتراكيَّة، لها حسناتها، وعليها سيئاتها، وما ينبغي أن نحسب أخطاء الماركسيَّة على الاشتراكيَّة بحال من الأحوال."(24)  وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ الحزب الشيوعي السُّوداني هو التنظيم السياسي الذي كان له ارتباط حقيقي بالشعب، وهو كان يدرك ماذا يفكر الناس، وبماذا يحسون، وماذا يريدون.  أما بقيَّة الأحزاب السياسيَّة الفاعلة فهي بعيدة كل البعد عن هموم الشعب، ولها ارتباط محدود فقط بقلة من الطبقة المتوسطة من المجتمع وبنسبة أقل كثيراً بالطبقة العليا، وتفتقد "الملامسة" مع الإنسان العادي في الشارع الذي يكدح كدحاً غير ملاقيه من أجل كسب العيش، في الأحايين التي ينفق فيها قادة هؤلاء الأحزاب جل وقتهم في الجدال السفسطائي.  ولكي تجاري الحركة الإسلاميَّة عدوها اللدود وغيره من الأحزاب السياسيَّة الأخرى، بدأت في تجنيد الطلاب بأن تتوسَّم في بعضهم خيراً، وتغري البعض الآخر بالمال، ثم سرعان ما اشتهرت بتزوير الانتخابات لتسلُّق مقاعد الاتحادات الطلابيَّة حين يلوح لها الفشل في الآفاق.  أمَّا الذين وقفوا ضد هذه الظاهرة الدينيًَّة المسيَّسة وبزوا أعضاء الحركة الإسلاميَّة انتخابَّاً فضربوهم بالحديد والهراوات ضرب غرائب الإبل، أي ضرباً مجرحاً أحياناً ومميتاً في أحايين أخرى.  هذه هي الطرائق التي سلكوها للسيطرة على الاتحادات الطلابيَّة، ولم يرضوا بغيرها بديلاً.  هل ترى أنَّ مثل من شب وشاب على هذه السبل يمكنه أن يعير معايير الديمقراطيَّة والتداول السلمي للسلطة أي اهتمام!  وحين استلبوا السُّلطة السياسيَّة في البلاد ابتدروا وابتكروا مفاهيماً غرائبيَّة ك"الإجماع السكوتي" مثلما تمسَّك الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا كثيراً بمقولة "الشَّعب معي" التي تطيح كل الصيغ التمثيليَّة الديمقراطيَّة، وتحيل الأمر إلى نوع "من الشَّعبويَّة" التي عرفها أكثر من نظام ديكتاتوري.  على أيَّة حال، فقد حشر الإخوان المسلمون عبر سنواتهم الطويلة الفكر الإسلامي في خانة الهجوم والدفاع عن كل شيء وأسلمته، وقد بلغت ذروة هذا الإرهاب الفكري والديني في عهد "الإنقاذ" الذي جثم على البلاد والعباد منذ العام 1989م، حتى بات من الصعب حقاً أن تفارق الذهن بسهولة الترابصات الإرهابيَّة لميراث هذه الجماعة الإسلامويَّة في تأريخنا القريب، مما جعلنا نقول في أنفسنا ولأنفسنا ولغيرنا: رباه ما لهؤلاء الناس يشبهون هتلر وجماعته!  وإنَّ الدستور الإسلامي الذي طالما استخدمه الإخوان المسلمون كأداة لابتزاز الأحزاب السياسيَّة اليمينيَّة (الطائفيَّة) من جهة، واليساريَّة من جهة أخرى، والوسيطة والتجمعات الإقليميَّة من جهة ثالثة منذ الاستقلال حتى قبيل انقلابها العسكري العام 1989م، عادوا يعدون مناقب هذه الحملة وعواقب التطبيق.  فقد كتب حسن مكي أنَّ "الحركة الإسلاميَّة السُّودانيَّة (قد) فشلت نسبيَّاً في تفجير طاقات التدين في اتجاه التنمية والنهضة".  وأقرَّ أنَّها "ارتبط خطابها تأريخيَّاً بفكرة الإصلاح القانوني كأساس للتحول الحضاري؛ ولذلك تمحور خطابها حول فكرة الدستور الإسلامي، التي أدَّت إلى استقطاب ما بين النخب الحاكمة والجماهير، كما زادت من توتر العلاقات ما بين الخارج والداخل (...)."(25)  هكذا ركَّزوا جهدهم على الغوغائيَّة السياسيَّة والخطاب التحريضي أكثر من إيجاد سبل عمليَّة وعلميَّة لمواجهة قضايا البلاد المحوريَّة.  ويظهر هذا العجز الخبراتي في أيامهم الأولى في عهد مايو حين كلَّفت الحركة فصيلاً من خبرائها الاقتصاديين لإعداد ورقة اقتصاديَّة لتقديمها للاتحاد الاشتراكي السُّوداني.  إذ اضطرَّ نميري - الذي لم يدرس الاقتصاد - أن يثنى على كل الأوراق التي قُدِّمت إليه في فترة الولاية الثانية فيما عدا الورقة الاقتصاديَّة التي أعدَّها اقتصاديو الحركة الإسلاميَّة.  فقد علَّق الرئيس نميري "بأنَّ البرامج الاجتماعيَّة والثقافيَّة والسياسيَّة لا بأس بها، ولكن لا جديد في المقترحات الاقتصاديَّة،" وهنا يعترف حسن مكي أنَّ ملاحظات نميري كانت في محلها، ولم تخطيء سهامه.

ولعل أم المشكلات في السُّودان هي المسألة الاقتصاديَّة، وفي هذا الصدد يقول حسن مكي معترفاً بقصور الحركة الإسلاميَّة في هذا الجانب: "ولكن الخطاب الاقتصادي أضعف حلقات خطاب الإسلاميين وعلى الأخص الخطاب الذي يتنزل على واقع السُّودان وواقع أهله، ومع ازدهار مؤسسات المال الإسلامي من مصارف وشركات وبيوت مضاربة وتأمين، إلا أنَّ ذلك لم يصحبه خطاب اقتصادي ودراسات اقتصاديَّة تبيِّن خصائص الاقتصاد السُّوداني، كما لم تظهر دراسات عن كيفيَّة زيادة الإنتاج ورفع مستوى العيشة، ومشكلة المشاكل توفير الطعام الرخيص، والمواصلات الرخيصة، والسكن الشَّعبي، وقضايا الأمن الاجتماعي، وتدخل الدولة في الحركة الاقتصاديَّة، ومجابهة قانون السوق – العرض والطلب – وتحقيق الاندماج الاجتماعي، ومحاربة الحاجة والفقر، واكتفى الخطاب الإسلامي بترديد مقولة إنَّ النهضة لا بد لها من محفِّز، ومحفِّزها إما أن يكون الإسلام أو غيره، وقد أبانوا استحالة غير ذلك، ولكنهم لم يؤصِّلوا دور المحفِّز الإسلامي في قضايا العمل الاقتصادي والإنتاجي."(26) ثم يمضي حسن مكي معدِّداً إخفاقات الحركة الإسلاميَّة في مجال الدستور قائلاً: "(فقد) درج الإسلاميُّون على تأصيل – تلفيق – عناصر منتزعة من الفكر السياسي الغربي والإسلامي في أطروحاتهم ودساتيرهم، وسجَّلوا نجاحاً في التأصيل لفكرة الدستور الإسلامي، ولكنهم انتبهوا إلى المسافة الواقعة بين إقرار الشكل الدستوري والترجمة الحقيقيَّة لهذا الدستور، أو قل سريان روح الإسلام داخل أجهزة الدولة ومعاملاتها، لأنَّ الدولة العلمانيَّة لا تتعبَّد وصُمِّمت على هذه الوتيرة، ولا يكفي الإعلان الدستوري لجعلها دولة عابدة، مما أثار قضيَّة شوكة الدولة العلمانيَّة "المؤسسة العسكريَّة"، وكيفيَّة أسلمة هذه المؤسسة كمدخل لإسلام بقيَّة أجهزة الدولة."(27)  إذ بدا هذا التلفيق جليَّاً في خطابها السياسي، وذهبوا إلى مزاوجة غير توفيقيَّة لمفاهيم تنتمي للدَّولة الحديثة مع مفاهيم منظومة الخلافة الإسلاميَّة، مثل "الشورى الدستوريَّة"، كما لو أنَّهم يريدون القول تماماً ب"الديمقراطيَّة الدستوريَّة".

ويعترف حسن مكي أنَّما "أدَّت ظاهرة الاغتراب إلى دول الخليج ودخول عدد من العناصر الإسلاميَّة إلى دنيا التجارة والمال والأعمال إلى ظهور فئة الإسلاميين الأثرياء، كما أصبح غالبيَّة متعلِّمي الأخوان في عداد الطبقة الوسطى بمستواها المعيشي المميَّز وإمكانياتها الماديَّة، مما أضعف الاتصال النفسي والفكري بالجماهير (...)."(28)  هكذا "صار الخطاب الإسلامي "تطبيق الشريعة" لا يرد أحياناً في إطاره "محاربة الفقر والحاجة، محاربة العطالة، رفع مستوى المعيشة، الاهتمام بأوضاع العاملين، وإصلاح المناهج والمرافق."(29)  ولم تخل برامج الحركة الإسلاميَّة من مفارقات ونفاق سياسي، "ففي العام 1978م اقترحت ورقة اقتصاديَّة أجازتها أجهزة التنظيم أن تتبنى الحركة الإسلاميَّة ألا تتجاوز نسبة أعلى راتب إلى أدنى راتب في الدولة ومؤسساتها نسبة 8 : 1، ولكن حينا قيَّض الله سبحانه وتعالى لرئيس هذه اللجنة أن يصبح مديراً لأحد المؤسسات الإسلاميَّة التي كانت في طور التشكل والتنظيم، فإذا بمقترحات مؤسسته لنظام أجورها تقفز كثيراً عن تصور لجنته مما استدعى تعديل ذلك التصور."(30) 

حينما انخرطت الحركة الإسلاميَّة في المصالحة الوطنيَّة مع النظام المايوي العام 1977م كانت لهم خطة طموحة في كيفيَّة التغلغل في مؤسسات الدَّولة وأجهزة الحكم، مثل القوات النظاميَّة (الجَّيش والشرطة والسُّجون والمطافئ وقوات حرس الصيد) والنظام الاقتصادي والقضائي والقطاع الطلابي، وشرعوا في تكوين جهاز أمنهم الخاص أسوة ب"النظام الخاص" – أي جهاز أمن الإخوان المسلمين في مصر.  وكان من مهام هذا الجهاز جمع المعلومات عن معارضي الحركة الإسلاميَّة في الأحزاب السياسيَّة الأخرى وتحليلها وتخزينها، ثمَّ استخدامها وقتما اقتضت الضرورة، وكذلك أُنيط بهذا الجهاز مسؤوليَّة حماية قيادات الحركة الإسلاميَّة، والقيام ببعض الأعمال التخريبيَّة، كحرق مكاتب توتو كورة في الخرطوم وغيرها.  هذا على النطاق المحلي، أما على النطاق الإقليمي فقد تناصر أعضاء الحركة الإسلاميَّة في المملكة العربيَّة السَّعوديَّة ودول الخليج فيما بينهم، وتقلَّدوا وظائف رفيعة أصبحت تدر لهم أموالاً طائلة لأسرهم وللحركة الإسلاميَّة، وأمسى هؤلاء فيما بعد رجال المال والأعمال في الحركة الإسلاميَّة.  أما على النطاق الدَّولي، فقد ابتعثت الحركة الإسلاميَّة أعضاءها للدراسات العليا في دول أوربا وكندا والولايات المتحدة الأمريكيَّة، حيث أوفدت حوالي 300 عضواً من خريجيها لدراسة الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وقد ظهر هذا المجهود التأهيلي في الصحف الموالية للحركة الإسلاميَّة – وهي كانت كثر – إبَّان الديمقراطيَّة الثالثة (1985-1989م).  وهنا ندرك أنَّ الحركة الإسلاميَّة قد بزع وعيها السياسي بقوة بعد المصالحة الوطنيَّة، مما تعتبر هذه المصالحة حقبة واضحة المعالم في حد ذاتها.  لكن يظل السؤال المطروح هو إلى أي مدى كان يعلم النظام المايوي حجم هذا النشط الإسلاموي؟  وهل كان أمن النظام يقلِّل من دور "الإخوان" في رسم سياسة البلد عاجلاً أو آجلاً؟  ثم ماذا كانت الأحزاب السياسيَّة الأخرى – يمينيَّة أم يساريَّة، جهويَّة أم جماعة ضغط – فاعلة لتحييد هذا النمو الإسلاموي في الحياة العامة في السُّودان؟  لم يكن قادة السُّودان – في الحكم أو المعارضة – في عجلة من أمرهم لتشخيص الداء قبل استفحاله ويمسي عصي الاستئصال.  وحين بدأ الناس وأعضاء الاتحاد الاشتراكي السُّوداني غير الإسلامويين يتململون، وشرعوا ينحنون همزاً ولمزاً من تغلغل الحركة الإسلاميَّة في جسد الدولة، وأمست تنخر في عظامه، اضطرَّ نميري أن يطلق تصريحاته المثيرة للجدل وهي: "لا قدامى ولا قادمون، هناك وطن ومواطنون"، و"الذئاب لبسوا جلود الحملان" في إشارة مستورة إلى تمسكن "فقهاء السلطان" من الإخوان المسلمين قبيل التمكين، وممارستهم للنفاق لمصالح شخصيَّة، والتدجين من قبل السلطان لمصالح سياسيَّة.

ويكتب حسن مكي عن دور المرأة "في أطار إحكام حركة التوجه الحضاري للسُّودان" قائلاً: "تُعرف توجهات المجتمع بمركز المرأة فيها، (لأنَّ) وضعيَّة المرأة في أي مجتمع تشير إلى توجه هذا المجتمع ونوعيَّة عقليته علمانيَّة أم إسلاميَّة، وحيث تتجه حركة تقدم المرأة في اتجاه المجتمع المفتوح الذي تتفشى فيه العقليَّة التجاريَّة وقانون السوق تصبح المرأة أداة للمتعة والترويج التجاري والإعلاني."(31)  هذا والله استباق الحديث للأحداث وإسقاطات، بل انحراف فكري برمي "المرأة" بأنَّها أصبحت أداة "للمتعة" في المجتمع المفتوح "أو المقفول" كما هو الحال في المجتمعات الدينيَّة.  أليس ﻟحسن مكي هموم تخص أمور العباد غير التفكير في محاسن المرأة التي تظهر على الإعلانات التجاريَّة والتي تُثير اللعاب الجنسي؟ ثم ماذا هو قائل لنتائج المسح الذي طال قطاع الطلاب في الخرطوم من حالات المعاناة الحقيقيَّة، حيث أوردت نتائج هذا المسح الذي أُجري على "الطالبات الجامعيات (فوُجِد) أنَّ 12% تركن الدراسة لأسباب اقتصاديَّة، وتعتمد بعض الطالبات على بيع ملابسهن والهدايا لتأمين مصروفات الإعاشة، وتعاني 10% (منهن) من سوء التَّغذية، كما اندفع البعض نحو الانحراف الخلقي."(32)  هذا بالضبط والربط ما جرى ويجري في عاصمة حسن مكي الإسلاميَّة، ولكنه يغض الطرف عما يدور بمحيطه ويطاول النظر إلى عالم آخر.  وهنا تستحضرني الذاكرة في حديث رواه لنا أخ صادق قدم من السُّودان، حيث روي لنا الصديق الصدوق أنَّه سمع أنَّ رجلاً كان في بطن المدينة لقضاء بعض حوائجه.  وإنَّه لفي تجواله هذا شاهد ابنة أحد أعلام الحي ممن كان يُشار إليه بالبنان وهي تمارس البغاء.  فجاء الرجل مهللاً مكبِّراً مخبراً أباها عما رأت عيناه.  تُرى ماذا كان رد الأب؟  قال: من الأفضل لها وللأسرة أن تمارس هذه المهنة حتى تعول الأسرة وتصرف على إخوتها لمواصلة تعليمهن؛ وإنَّ في التفريط في إحداهن أو التضحية بها لكي تقوم بما تقوم به لخير من التضحية بهن كلهن.  قال الوالد – أبو البنات – هذا وهو حيران كاسف البال، حيث حدث هذا – وحق السماء – في "دولة الشريعة السمحاء"!  ولنا في هذا الجلل الذي أصاب السُّودان شهادة مؤمنة شابة - سامية سيف الدين عبد الرحمن، وهل يمكن حجب اسمها - استصرخت بلغة مؤلمة ولاة أمر المسلمين في سودان الإسلام بالقيام والوقوف لدرء ظاهرة الفتيات المراهقات اللاتي طال تسكعهن في شوارع الخرطوم؛ وبصفة خاصة شوارع الأحياء "الراقية"، مثل الطائف والرياض والمنشيَّة والمعمورة - ونزيد في قولها: معاقل سحرة القوم المُضلِلين - ولدراسة المسائل الأخلاقيَّة والاجتماعية، وزيادة معدلات انتشار مرض الايدز.  ولا نُخطئ الهدف إن قلنا إنَّ الطالبات هجرنَ جلابيبهن لأنَّ الحركة الإسلاميَّة في شكل نظام "الإنقاذ" قد فشلت في توفير سبل كسب العيش الكريم لغالبيَّة أهل السُّودان، فانتشرت الفاحشة، واتسعت الفاقة، وتفشَّت الأوبئة، واتَّبع بعض الناس أسلوب الحياة غير الشريفة، في حين ينفق النظام المال العام في الفساد السياسي، وشراء الذمم، والثراء الحرام، والحروب الأهليَّة، فضلاً عن الاختلاسات وغيرها.  بيد أنَّ "المأساة في كل هذا هي ربط الفساد بالأجندة الإسلاميَّة لدي الرأي العام، وهي قناعة يعزِّزها سكوت الإسلاميين عن الفساد وغيابهم عن ساحة المواجهة معه، مع ولوغ الكثيرين من المحسوبين على التيار الإسلامي في أوحاله، بحيث لم يتنزَّه عن ذلك إلا من عصم ربك أو من حُرِم وهو راغب (...) (وثمة مشكل جارف) من تحالف مريب بين قيادات الإسلاميين ورجال المال والأعمال (...)".(33)  

 

 

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج