مراجعات نقديه لتجربة حزب البعث في السودان : وثائق ومناقشات
تحرير محمد علي جادين
مركز الدراسات السودانيه . الخرطوم
المحتويات
تقديم
مقدمة
الفصل الاول : الخلافات و الازمة و الانقسام
1. حزب البعث الصراع الداخلي و الاصلاح الحزبي، تجربة انقسام 1997 - محمد على جادين
2. الازمة في حزب البعث ... عربياً وسودانياً - عبدالعزيز حسين الصاوي
3. نحو فهم اعمق للازمة الحزبية الراهنة ... الجذور الفكرية و التنظيمية و السياسية
4. حول الخلافات في الخط السياسي
5. حزب البعث و الديمقراطية و التجمع الوطني - يحي محمد الحسين
6. حول الانقسامات في الاحزاب السودانية ... تجربة حزب البعث السوداني ... عدنان محمد احمد
7. حزب البعث السوداني امام تحديات جديدة ... ناصف بشير الامين
8. صدام حسين و الديمقراطية ... شريف ياسين
- الفصل الثاني : مناقشات حول بعض القضايا الاساسية
1. حزب البعث ... الى اين؟ ... احمد محمود
2. التجديدي و السلفي في بعث السودان ... فتحي محمد الحسن
3. من قضايا الحركة القومية : مفهوم القومي و القطري ... عبد العزيز حسين الصاوي
4. برنامجنا السياسي : ملاحظات ومراجعات للوثائق الاساسية
5. حول النظام الداخلي وموجهات البناء الحزبي
6. اشكالية التنوع الثقافي في السودان ... محمد علي جادين
7. سؤال الثلاثينات ومأزق التسعينات في الهوية السودانية ... مجذوب عيدروس
8. حول مستقبل الاشتراكية ... محمد علي جادين
9. حول الديمقراطية و مكانتها في حركة النهضة العربية الحديثة ... سالم محمود
10. الحوار البعثي / البعثي ... ضرورته ومبرراته
- الفصل الثالث : حوارات و تعليقات صحفية
(أ) الجزء الاول – حوارات صحفية
1. لقاء مع د. بكري خليل
2. حول البعث و العراق و الحصار رؤية بعثية مختلفة من السودان حوار مع محمد علي جادين
3. حوار مع محمد وداعة
4. انقسام في حزب البعث
(ب) الجزء الثاني – تعليقات صحفية
1. ماذ يحدث داخل حزب البعث بالسودان ... فيصل محمد صالح
2. بعثيون سودانيون رفعوا و غفروا ... الحاج وراق
3. خلافات البعثيين السودانيين .. لمصلحة من ؟ ... عادل عبده
4. أشراقات من البعث ... رشا عوض
- الفصل الرابع : وثائق وبيانات
تقديم
د. بكري خليل
يتوجه هذا الكتاب إلى قضية رئيسية طالما لازمت التاريخ السياسي و التطور الفكري و التنظيمي للحركات الفكرية السياسية الحية، الا و هى قضية الترابط بين وسائل و أساليب تلك الحركات ومدى اقترابها من اهدافها الرئيسية. وينطبق ما تقدم على التجربة البعثية التي شارفت على إتمام اكثر من اربعين عاماً من الزمان في السودان، وهى فترة طويلة تحثنا جميعاً على أعادة تقييم المرحلة السابقة و تفحص فصولها، بغرض الاعتبار منها اولاً، ومن أجل تعميق أيجابياتها و تخطي أسباب عثراتها ثانياً.
ومن هذا المنطلق فان مايلح على التمعن في مسيرة البعث، اكثر من أي وقت مضى، هو الامتحان الذي تمر به بلادنا ، وتتوقف على نتيجته وحدتها وبقاؤها. وفي مواجهة هذا المنعطف التاريخي، لا ينفع التردد و الخوف و الاختباء وراء حواجز اللامبالاة، و تجاهل الحقائق العنيدة في تفسير مابلغه حزب البعث من ضمور وفرقة، بل و انحسار دوره عملياً في الساحة السودانية و هبوط أدائه النضالي، و خفوت جذوته الفكرية ، و تواضع قوته الحركية ، الامر الذي ارتد على صميم وحدته الداخلية و على ممكنات إسهامه في عملية الانبعاث الوطني و القومي. ان القبول بواقع الحال، وكأن شيئاً لم يكن، جرياً وراء أوهام احتكار الصوابية و الترفع عن ممارسة النقد الذاتي و الاستغراق في السبات الدوغمائي، انما يهدم الاركان الثابتة لحركة البعث، بحسبانها حركة نقدية حداثية ومجددة، كما ان ذلك يعد اساءة لأعرافها و تقاليدها الديمقراطية، و استخفافاً بوعي الأزمة التي أدت الى تآكل اطره التنظيمية و أفقارها.
لذا فان الشواهد التي تسوقها هذه المدونة النقدية، تحمل عنواناً واحداً هو البدء بالاعتراف بوجود قضايا خلافية نبعت عنها الحالة التي نحن بصددها، و المصارحة بالعلل الحقيقية التي حالت دون وحدة حزب البعث و تحوله الى حركة جماهيرية وقوة اجتماعية متنامية وجديرة بآمالها الوطنية و تطلعاتها القومية. فالنتائج السلبية التي حصدها الحزب، وخاصة في العقدين الاخيرين ، لم تأت من فراغ، ولم تكن أحداثاً مفاجئة لمقدمات غير مرئية، وأنما جاءت كثمار مُرّة لتوالي القفز الى الامام ، و التغاضي عن مراجعة الاخطاء ، وسيطرة الذهنية التبريرية التي تفشي خطابها وانتقلت عدواها في مؤسسات الحزب المركزية و الفرعية. وتعرض فصول هذا الكتاب طائفة من الموضوعات و التعليقات و المناقشات ، و التي لا يسع المجال لتقديم خلاصة عنها، فهي تتفق في محاولاتها لتناول الاسئلة التي يطرحها مطاف التجربة البعثية و استشراق مستقبلها.
واياً كان تقدير القارئ لها، فهي تسعى الى التنقيب في ارضية الخلافات و الانقسامات في صفوف البعث بمستوى من الانفتاح و الصراحة كاد يغيب أو يتوارى من ادبيات البعث منذ حوالي الاربعين عام ( وثائق المؤتمر القومي التاسع الذي عقد ببيروت في مارس عام 1968) ، ولا يماثلها من حيث التوثيق غير محاضر الانشقاق في الحزب الشيوعي السوري في اوائل السبعينات من القرن الماضي و التي صدرت في كتاب نشرته احدى دور النشر البيروتية. فخلاصة الجهد الرئيسي في هذا العمل، تنصب على المدلولات العميقة للنكسة التي اصابت البعث ، فيعيدها الى لُبها ، وهو تراجع الفكر وتقدم ما عداه. فالبعث في حقيقته هو حركة نهضوية قوامها الفكر، وبدونه تستحيل الى حركة سياسية تقليدية تجند قواها وراء ملاحقة الاحداث، و تنغمس في مضمار التباري على السلطة و المكاسب الانية ، حتى تنفصل تماما عن شخصيتها و هويتها الفكرية. فكل الأدواء، التي عرضنا الى بعضها، تنبع من هبوط المقاييس الفكرية، و تقلص مساحة الجهد و الاهتمام الثقافي ، و الانهماك المتزايد في المهام التنفيذية و اليومية، مما يصرف طاقات الوعي و الابداع في فعاليات العمل اليومي ، ويستهلكها في حراك سديمي خضوعاً للآمرية و الهيمنة التنظيمية.
وهكذا ينقلب الانضباط الى امتثال ، وتختزل الطوعية إلى طاعة عمياء، اشباعاً لهوى العقلية الفوقية ، ومصادرة القيادات لحقوق القواعد التي تدور بعيداً عن ممارسة مهامها الديموقراطية أو تنفض من حول العمل الحزبي بعد ان يتملكها الاستنكاف و الاستياء و اليأس. ان هذه الملامح ليست سوى علامات مباشرة لاخفاق العملية التنظيمية و تثاقل آليتها ، بل تكلس قنواتها و انسدادها بفعل طغيان البيروقراطية وضعف دنياميكية التفاعل بين الاعلى و الادنى ، فتتشخصن امور التنظيم و تتحلل الثقة النضالية التي هى اهم مقومات الالتحام الداخلي ، فتتواجه المفاهيم و الاجراءات و تتصادم بعيداً عن المعايير المنظمة للواجبات و الحقوق و الالتزامات و تتعارض مع المكونات القيمية و الروح الجماعية .
ولعل ما اصاب الحزب من سلطة الدولة التي يحكمها ضمن هذه الشروط السالبة ، ينبئ بتكاثفه وتراكمه الى حد الاضرار بنضالية تنظيمات الاقطار بعد أن تسربت المظاهر الرسمية و السلطوية الى تلك التنظيمات حتى شعيراتها الدقيقة، وكأن معنى وحدة الحزب لا تجد تعبيراتها الا في الشكليات السالبة لقوة الابداع و استقلالية و خصوصية المنظمات الحزبية وصلابتها العضوية. لقد ادخلت هذه العوامل تمركزاً غير مسبوق في واقع قيادة البعث القومية على الصعيد العربي من خلال تجاوزها للقيادات المسؤولة عن الساحات العربية.اذ رمت بعض القيادات في المؤسسة البعثية القومية بثقلها انتصارا لهذه الجهة او تلك في منظمات الاقطار، مما شكل شروخاً تنظيمية و نفسية ، القت بظلالها على مبدأ الترابط الحزبي بين القومي و القطري، وفاقمت من حدة الاستقطابات الطارئة التي اصبحت عبئاً على مفهوم الشرعية التنظيمية للقيادة القومية و التشكيك في صحة قراراتها و التي ظل البعثيون يحرصون على احترامها و توقيرها زوداً عن قيمتها الرمزية في وحدة الحزب. ففي مسألة حل مشكلات الحزب في السودان لم تتكامل دورة الاجراءات التنظيمية الصحيحة في تعقبها و معالجتها ، بل أتخذت كافة القرارات من وراء ظهر القيادة القطرية . فمارست القيادة القومية انحيازاً واضحاً لطرف دون آخر ،كما وقعت في ما يسمى قانونياً بالتعسف في استخدام الحق، وتصرفت كيفياً في ممارسة صلاحياتها المجردة عن المعطيات و ازاء كل ما سبق فان ما يطرحه هذا الكتاب من نقد علني لهذه الاوضاع لا يعد بدعاً في تاريخ البعث، بل هو امتداد لادارة مفتاح المداخل الممكنة للخروج من دوامة الانقسامات ، و الاحتكام لمنهج ديمقراطي وموضوعي لاستيعاب ما وقع من خلافات في اطار التداول و الحوار بلا مواربة او تسويق أو تقليل أو تغطية ، وصولاً الى وحدة الحزب و تجاوز الانقسامات. و لذلك علينا تهيئة الظروف المناسبة لانجاز هذه الغاية . وأن تحقق ما يرمى اليه نكون قد انتصرنا على ذواتنا و تحملنا مسؤولية الدعوة إلى التوجه الموحد نحو اسئناف البعث لدوره النضالي في اللحظات المصيرية التي يمر بها السودان و الوطن العربي و نأمل وعلى ذلك فليتنافس المتنافسون.
مقدمة
لقد نشأت حركة التيار القومي الاشتراكي وحزب البعث في السودان في بدايات ستينات القرن الماضي، تحت تأثير حركة التحرر القومي العربية في تلك الفترة، وكأستجابة لأحتياج الواقع الوطني لتيارات سياسية جديدة اكثر تقدماً بعد فشل قوى الحركة الوطنية التقليدية و الحديثة، الفاعلة وقتذاك، في استكمال انجاز أهداف مرحلة ما بعد الاستقلال. وبرزت هذه الحركة بعد ثورة 21 اكتوبر 1964، بجانب حركات أخرى عديدة، كانت ترفع شعارات الاشتراكية و الديمقراطية و التغيير الاقتصادي و الاجتماعي. وحركة التيار القومي وحزب البعث هى الوحيدة، من بين تلك الحركات، التي واصلت نشاطها و نموها و تطورها في الفترة اللاحقة حتى الان. ومنذ البداية و اجهت هذه الحركة مشكلة ارتباطها بواقعها الوطني بتخلفه الاقتصادي و الاجتماعي وخصوصية انتمائه ودوره في محيطه العربي و الافريقي، اضافة الى مشكلة العلاقة مع قوى حركة التحرر القومي العربية بتياراتها المختلفة و انعكاس خلافاتها وصراعاتها على وحدتها وتماسكها ... هل تكون صدى لتلك الخلافات و الصراعات على وحدتها وتماسكها؟ ... أم تعمل على المحافظة على وحدتها و ارتباطها بخصوصيات واقعها الوطني ؟ وفي ظروف الحكم العسكري الأول (58 -1964) وما صاحبه من تحديات، و اشتداد صراعات قيادة عبد الناصر وحزب البعث العربي الاشتراكي في منطقة المشرق وبلدان عربية أخرى ، تمسك البعثيون السودانيون الاوائل بوحدة حركة التيار القومي الاشتراكي في أطار ما عرف وقتها بحركة الاشتراكيين العرب القائمة على أساس ( الخط القومي التقدمي العام) المرتبط بالمشروع الوطني و التفاعل و الحوار الأيجابي مع قوى حركة التحرر القومي العربية، وخاصة التجربة الناصرية وتجربة حزب البعث. ووجد هذا التوجه تجاوباً واسعاً في اوساط التنظيمات القومية الناشئة وقتها في الوسط الطلابي. ومع ذلك أدت التطورات العملية الى تفجر الصراعات في داخلها و انقسام مجموعة من الناصريين و تكوين تنظيمهم المستقل في منتصف عام 1963. وبذلك شهدت هذه التنظيمات أول انقسام في اوساطها. ومع أن الاسباب المعلنة للأنقسام ارتبطت بالصراع الناصري/ البعثي في المنطقة حول قضايا عديدة، فقد كانت أسبابه العميقة ترتبط بالتساولات الخاصة بمستقبل حركة التيار القومي الناشئة و علاقتها بواقعها الوطني وقوى حركة التحرر القومي العربية في نفس الوقت. وفي هذا الاطار ساعدت أطروحة ( الخط القومي التقدمي) في المحافظة على وحدة تنظيمات حركة الاشتراكيين العرب، رغم خروج المجموعة الناصرية ، وفي أدارة عملية التفاعل و الحوار في داخلها بروح ديمقراطية، وفي تركيز الاهتمام بالقضايا الوطنية الاساسية و المشاركة النشطة في العمل السياسي مع القوى السياسية الاخرى طوال فترة الديمقراطية الثانية (64 – 1969) ومن خلال التفاعل الفكري و النشاط العملي أدت ظروف العمل ضد ديكتاتورية نميري ( 1969 – 1985) الى تحوّل هذه التنظيمات بكاملها تقريبا الى تنظيم بعثي ، عقد مؤتمره العام في بداية 1975 و أصدر وثيقته الفكرية / السياسية الاساسية ( البعث وقضايا التطور الوطني في السودان) التي لخص فيها نظرته للاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية في البلاد و امكانيات تطورها الديمقراطي المستقل وعلاقة الحركة الوطنية السودانية بحركة التحرر القومي العربية و الافريقية وكان لذلك دور كبير في تمتين وحدته و توسيع قاعدته ونشاطه السياسي العام في أطار قوى المعارضة في تلك الفترة. وبرز ذلك في تحالفاته السياسية مع قوى عديدة، خاصة الاتحادي الديمقراطي بقيادة الشريف حسين الهندي، وفي دوره الفاعل في انتفاضة مارس / ابريل 1985. و نتيجة لذلك تعرض مناضلوه للسجون و المحاكمات ، وأبرزها محاكمة بعضهم بتهمة الردّة في عام 1985 مع محاكمة و اعدام الشهيد محمود محمد طه بنفس التهمة و في فترة الديمقراطية الثالثة (1985 – 1989) تمكن من توسيع نشاطه و العمل المشترك مع القوى السياسية الاخرى في اطار التجمع الوطني لانقاذ الوطن. ولكن انقلاب 30 يونيو 1989 قطع تطوره و نموه في مناخ ديمقراطي وادخل البلاد بكاملها في مجرى تطور جديد أدى الى توسيع و تعميق الأزمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد منذ ثمانينات القرن الماضي على الاقل.
بعد انقلاب يونيو 1989 شارك حزب البعث العربي الاشتراكي السوداني بفعالية في تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي و اعلان ميثاقه في اكتوبر 1989 وظل يعمل في سكرتاريته مع أحزاب الامة و الاتحادي و الشيوعي و النقابات. وشهدت تلك الفترة احداثا هامة شملت محاولة انقلاب 23 ابريل ( رمضان) 1990، و اتهمت الحكومة الحزب بالمشاركة في تدبيرها مع قوى سياسية اخرى، أبرزها التجمع الوطني و الحركة الشعبية لتحرير السودان. وكان لفشل المحاولة تأثير كبير في دفع نظام الانقاذ للكشف عن ارتباطه بالجبهة الاسلامية القومية و عن طبيعته الديكتاورية. و انعكس ذلك في اشتداد قبضته الامنية وقمع و اضطهاد قوى المعارضة عموماً. وشهدت تلك الفترة ايضا دخول القوات العراقية في الكويت (8/1990) وحرب الخليج الثانية (يناير 1991) وانهيار الاتحاد السوفيتي و المعسكر الاشتراكي السابقين (90/1991) وكان لهذه التطورات المتلاحقة و العاصفة دور كبير في نهاية فترة الحرب الباردة ودخول العالم في فترة جديدة يسيطر عليها القطب الأمريكي الأوحد، بكل ما يحمل ذلك من تأثيرات و تحولات درامية في العالم بشكل عام و المنطقة بشكل خاص . وكان لكل ذلك تأثيراته المباشرة في انكشاف الأزمة الحادّة التي ظل يعيشها حزب البعث في السودان و المنطقة بشكل عام منذ بداية الثمانينات ، وذلك بحكم انعكاساتها على تركيبه الفكري وخطه السياسي وعلاقاته مع القوى الاخرى. وتجسد ذلك في خلافات وسط قيادته حول الخط السياسي و العلاقة مع نظام الانقاذ و التجمع الوطني، الذي وقفت بعض اطرافه ضد دخول العراق في الكويت. وتضمن ذلك خلافات حول الديمقراطية و العمل المشترك مع قوى المعارضة الاخرى. ومع تصاعد الصراع الداخلي تحوّلت الأزمة الحزبية الى ازمة مركبة الأبعاد لها جوانبها الفكرية و السياسية و التنظيمية. وبرز الصراع بين تيار يتمسك بالعمل مع التجمع الوطني و يدعو للتجديد الفكري و السياسي وآخر يرفض العمل المشترك مع قوى المعارضة و يعمل على التمسك بالطروحات التي سادت في فترة الستينات رغم تناقضها حتى مع تاريخ الحزب في السودان. ووضح ذلك في الخلافات حول تقديرات الخط السياسي الملائم ، ومعالجة تجاوزات تنظيمية تورطت فيها بعض القيادات الحزبية، وخلافات حول أدارة الصراع الداخلي على اساس المشاركة الواسعة و المؤسسات القائمة. وفي النهاية أدت هذه التطورات الى انقسام 1997 بوقائعه المعروفة. وعلى أي حال ، فقد تعرض حزب البعث في السودان لصراعات و توترات و انقسامات عديدة خلال مسيرته السابقة. ولكن انقسام 1997 كان اكبرها و اخطرها، بحكم حجمه و القضايا التي طرحها حول التجديد الفكري و السياسي. وهو يشبه ، لحدود كبيرة، انقسام 1963 الذي اشرنا اليه في سطور سابقة.
في هذا الكتاب سوف نعرض الخطوط العامة لتطورات تجربة انقسام 1997 ولقضايا الخلاف المرتبطة بها و تحديد اسبابها و جذورها الفكرية و السياسية و التنظيمية، أنطلاقا من أنها تشكل تجربة عامة من حق الرأي العام التعرف عليها و المشاركة في مناقشتها. أذ أن الحزب، أي حزب، هو شأن عام يهمّ الجميع وليس اعضاؤه فقط . ومن خلال ذلك يمكن استخلاص دروس و عبر مفيدة لأصلاح الحزبية السودانية و العربية عموماً. ويضاف الى ذلك أن كافة الاحزاب السودانية تقريباً ظلت تتعرض للتوترات و الصراعات و الانقسامات طوال العقدين الاخيرين، حتى بدت ظاهرة الانقسام كمرض مستوطن في بنياتها. وهذا عامل آخر يدفع لمناقشتها في المنابر العامة دون حساسيات أو خوف و تردد. وذلك بهدف دراستها و تحديد اسبابها وصولا لاجراء اصلاح شامل للحزبية السودانية.
قسم الكتاب الى اربعة فصول. الفصل الاول يحتوي على مناقشات حول تطورات الازمة وجذورها الفكرية و السياسية، بالنسبة لحزب البعث القومي وفي السودان على السواء. و الفصل الثاني يحتوي على مناقشات حول بعض قضايا الخلاف الاساسية وتلك التي تحتاج الى اعادة تأسيس على ضوء المتغيرات الجارية في العالم و المنطقة و السودان. ويشمل ذلك قضايا البرنامج السياسي ، النظام الداخلي، الهوية الوطنية، السلام و الوحدة الوطنية، علاقة الوطني و القومي ، المركز القومي ، الحوار البعثي / البعثي، الديمقراطية ، التجمع الوطني و الاشتراكية وغيرها من القضايا المطروحة بعنف في الساحة الساحة السودانية و العربية. و الفصل الثالث يحتوي حوارات صحفية تتناول تجربة الانقسام و مستقبل حزب البعث بشكل عام، أضافة الى تعليقات كتبها بعض الصحفيين في أوقات مختلفة. و الفصل الرابع يحتوي بعض الوثائق و البيانات التي أصدرتها اطراف الصراع المعنية في فترة الانقسام و الفترة اللاحقة. وركزنا على الوثائق و البيانات التي نعكس تطورات الصراع الداخلي و موقف الأطراف المختلفة. ويؤسفنا أننا لم نتمكن من الحصول على بعض الوثائق و البيانات الهامة، مثل اوراق الحوار مع نظام الانقاذ (1991) و التعميم الذي صاحب قرارات ماسمى الحل الشامل. ولكننا عوضناها بوثائق وبيانات اخرى.
وفي الختام نترك القارى مع الكتاب دون شرح اكثر. ونشكر كل اللذين ساعدوا في أعداده ونشره. ونخص بالشكر الذين ساعدوا في توفير الوثائق و البيانات ، و د. بكري خليل الذي تفضل بتقديمه، ومركز الدراسات السودانية الذي قام بنشره. ونأمل ان يكون الكتاب مدخلاً لمراجعة و تقييم تجربة حزب البعث في السودان و توحيد صفوفه على أسس ملائمة، بشكل خاص، وتجربة البعث القومي وفي الاقطار العربية الأخرى بشكل عام ، بهدف تجاوز سلبياتها و ترسيخ ايجابياتها و تطويرها لاستيعاب المتغيرات العاصفة الجارية في السودان و المنطقة و العالم اجمع.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة