علاقة السودان بتشاد وجيرته في ضوء غزوة أمدرمان
في أوئل فبراير من عام ثمانية وألفين اقتحمت قوات انطلقت من حدود تشاد الشرقية إلى حاضرة البلاد أنجمينا في أقاصى غرب البلاد وحاصرت الرئيس دبي في قصره الرئاسي أياماً بغرض الإطاحة به ثم انقلبت عليها قوات الحكومة بعون فنيّ فرنسي فانهزمت و تشتت ومات من جراء ذلك خلق كثير . اتهمت حكومة تشاد حكومة السودان بالضلوع في غزو بلادها ووصفت المعتدين بأنهم مرتزقة سودانيون جاءوا من السودان للأطاحة بحكومة الرئيس دبي . وأبعدت الحكومة سفير السودان من أنجمينا إلى الخرطوم دون قطع العلاقات الدبلوماسية . وتوترت العلاقات بين الحكومتين واستعرت حرب كلامية واتهامات متبادلة بين القيادات في البلدين وكادت تنشب حرب طاحنة بين الجارين . وفي العاشر من شهر مايو 2008 ، غزت قوات تحركت من شمال دارفور قريباً من الحدود مع تشاد غزت حاضرة البلاد كأنها تستهدف السلطة ولكنها صُدت وقُتل بعضها وأُسر البعض وارتد أخرون . وقُبضت كميات من السيارات والأسلحة . وأحدثت الهجمة على العاصمة موتاً وهلعاً . ثم أوذي من بعد خلق كثير، اعتقالاً واستجواباً وتعذيباً ومساءلة . ومن هؤلاء بعض قيادات وعضوية المؤتمر الشعبي . ألقت حكومة السودان باللائمة على حكومة تشاد وأدعت أن الغزاة عملاء ومرتزقة تشاديون ، تماماً كما وصفت حكومة تشاد غزاة أنجمينا في أوائل فبراير . وقطعت حكومة السودان علاقتها الدبلوماسية مع تشاد . وهكذا لم يجد اتفاق داكار بين رئيسى البلدين كما لم يجد من قبله اتفاق مكة الذي وقع في الكعبة المشرفة كما قال رئيس السودان ، ولم يجد فتيلاً أيضاً اتفاق القاهرة الذي سبق اتفاق مكة لإصلاح ذات بين الخرطوم وأنجمينا .
وهذا "المثال" لسوء علاقة الجيرة بين السودان وتشاد حول أزمة دارفور هو السمة الغالبة لعلاقات السودان مع بقية جيرته . فالتوتر بين الخرطوم وكمبالا بسبب توجهات السودان الإسلامية لأول عهد الإنقاذ ثم من جراء حركة جيش الرب على أرض السودان مقابلة الحركة الشعبية لتحرير السودان ومدها من يوغندا .
ودام ذلك دهراً طويلاً ولم تشفع الإتفاقيات العديدة التي أبرمت مع كمبالا في حل الإشكال أو إزالة التأزّم بين السودان ويوغندا حتى استقر السلام في الجنوب . وتأزمت العلاقة مع دول القرن الافريقي لاسيما أرتريا وإثيوبيا والصومال : مع أرتريا بسبب حضور المعارضة المسلحة لحكومة الخرطوم التى كانت تنطلق منها وحضور معارضة تنطلق من السودان .
ومع أثيوبيا بسبب تاييد الثورة الأثيوبية من السودان ودفع الحركة الشعبية لتحرير السودان من أثيوبيا ثم توغل أثيوبيا في الحدود والإستيلاء على الفشقة .
وتأزم دورنا في الصومال الذي لم تعد فيه دولة مركزية بسبب خذلاننا الإسلاميين وكشف أسرارهم للحكومة الأمريكية والأثيوبية . والعلاقة مع كينيا فاترة رغم أنها كانت هي المضيفة لمحادثات نيفاشا التي جاءت باتفاقية السلام الشامل ومن قبلها محادثات إيقاد . ومن أسباب فتور العلاقة مع كينيا إثارة الصحافة السودانية مؤخراً مسألة مثلث "اليمي" السوداني الخاضع واقعاً لكينيا.
والعلاقة بمصر يغشاها حضور المعارضة السودانية بمصر فضلاً عن أزمة مثلث حلايب . أما ليبيا فالعلاقة معها لا تستقر على حال . فحكومة السودان لّم تتهم ليبيا صراحة بالتواطؤ في غزوة أم درمان ولكنها ترى أن القيادة الليبية لها مساهمة في أحداث العاشر من مايو وكذلك فرنسا . وحتي جمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية النيجر تأثرت علاقة الخرطوم بهما سلباً من جراء أزمة دارفور بدخول عناصر مسلحة من تلك البلاد إلى دارفور أو العكس .
هكذا نرى أن علاقة حكومة السودان اليوم مع تشاد بصفة خاصة ومع كل جيرانها تقريباً هي علاقة أزمة واحتقان ، أقرب إلى علاقة الحرب منها إلى علاقة السلم والود والتعاون المفيد للأطراف كافة التي ينبغي أن تسود بين الجيران وبين دول الإقليم كافة .
ولعل الأوفق – من توفير الطاقات المهدرة في أسباب التأزم بين السودان وتشاد وبقية جيرانه – أن توجه هذه الطاقة لبناء علاقات ودية للتعاون والبناء لجلب الاستقرار والفائدة المادية المحسوسة لشعوب وحكومات المنطقة . ولنضرب مثلاً لنوع العلاقة الجديده المرجوة بين السودان وتشاد من جهة وبين السودان وأثيوبيا وأرتريا من جهة ومصر وليبيا من جهة أخرى .
أن ثمة تشابه اجتماعي شديد بين السودان وتشاد شمالها وجنوبها في أوجه كثيرة لاسيما في المناطق الحدودية ولا يستطيع المرء أن يفرق في تلك المناطق بين من هو تشادي ومن هو سوداني سحنة ولغة وديناً لأن القبائل على طرفي الحدود هي ذات القبائل التي فرقها المستعمر ، فالأوفق لهذه العلاقة أن تعود لما طرحته الإنقاذ لأول عهدها على القيادة التشادية التي رحبت بالفكرة . والفكرة هي انتهاج سياسة جوار ودي يثمر مصالح مادية مشتركة أولها إقامة منطقة حرة في نيالا يوفر فيها السودان كل ماتحتاجه تشاد من الخارج من بضاعة نظراًً لأنها دولة مغلقة ليس لها منفذ الى البحر . واقترح السودان على تشاد عندئذ أن يمد السودان خط السكة الحديد من نيالا الى الجنينة وحتى حدود تشاد في "ادري" التي تبعد سبعة عشر ميلاً من الجنينة على أن تتولى تشاد من بعد ذلك تكملة الخط الى داخل الأراضي التشادية حتى أنجمينا .
وبذلك يسهل على تشاد نقل حاجاتها من المنطقة الحرة في نيالا بالسكة الحديد الرخيصة الكلفة الى داخل البلاد هذا مثال لما يمكن أن تكون عليه علاقة السودان بجيرانه . فنستغني عندئذ عن قوات يوفور والهجين أو أي قوات مشتركة من البلدين لمراقبة الحدود .
أما بشأن مصر وكينيا فأن المثلثين : مثلث حلايب الذي استولت عليه مصر إدارياً وتسعى لتغيير هوية أهله . ومثلث "ألمي" الواقع تحت سيطرة كينيا فيمكن للسودان أن يبادر بالاقتراح أو يتقبل مشروعاً يحترم الأصول القانونية لقضايا الجوار الجغرافي وما قد يجعل من مناطق النزاع شركة البلاد المجاورة ومناطق حرة لفائدة الحركة والتجارة بين الشعوب مماقد ينزع فتيل التأزم الذي ظل يشتعل من حين إلى حين . إن مبدأ حسن الجوار والمصلحة المشتركة هو ما ينبغي أن يوجه علاقات الدول , وأن استفادة السودان بما حباه الله من إمكانات من شأنه أن يحيل التوتر مع الجيران والإقليم إلى تعاون مفيد للجميع . ومما يفيد السودان وتشاد وبقية الجيران السعي لإنشاء منظومات صغرى أو كبرى للتعاون الإقليمي ، إن منظومات اقتصادية مثل "ايكواس" لبعض دول غرب أفريقيا أو "سادك" لدول الجنوب الافريقي أو "كوميسا" لبعض دول وسط وشرق أفريقيا مثل سائر المنظمات الأقليمية في العالم كلها نظم حسنة شريطة ألا تظل هذه المنظومات هياكل فوقية رسمية بل تكون شعبية شوروية يشارك فيها غمار الناس وأعلامهم فتنداح الفائدة إلى الجميع .
والأنظمة في تشاد والسودان أنظمة انتقالية متقلبة الانتقال الى علاقات منذ استقلال البلدين ولذلك لابد من السعي لاستراتيجية للتكامل بين البلدين الجارين لتجاوز علاقات الانتقال الى علاقة تعاون شعبية حكومية دائمة .
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة