SudaneseOnline App for iPhone and iPad

المنبر العام ابحث

اغانى مختارة

English Forum

تحديث المنتدى

الحضور

تحميل الصور تحميل الفيديو والأغاني أغاني مختارة الصور المختارة التبرع للموقع
كيبورد عربي دليل الأصدقاء أغاني سودانية

دليل الخريجين

اجتماعيات

آخر الأخبار

دراسات ومقالات الأرشيف والمكتبات أرشيف النصف الثاني للعام6 مواضيع توثيقية قوانين ولوائح المنبر
مرحبا Guest []
أخر زيارة لك: 23-05-2013, 12:15 PM الرئيسية

مدخل أرشيف النصف الثاني للعام 2005مفصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)"
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « الموضوع السابق | الموضوع التالى »
أقرا احدث/اخر مداخلة فى هذا الموضوع »
31-08-2005, 06:06 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)"

    الصديق الأستاذ حامد بدوي عضو بمنتدى سودانيزآونلاين، ما لا يعرفه كثيرون هو روائي تشكل إطلالته "مدينة النهر الميتة" إضافة نوعية إلى الرواية السودانية، الرواية سبق ان تم تصنيفها كواحدة من افضل روايات قدمت لجائزة "الطيب صالح للإبداع الروائي" عام 2003 بمركز عبد الكريم ميرغني بأم درمان، حالت ظروف كثيرة بين الرواية و القراء حيث لم تنشر رغم مرور ثلاثة أعوام على إكتمالها، قيض لنا الزمان فرصة ثمينة بقراءتها و أحببت أن أودعها هنا و هي مودعة للطباعة بغرض النقد و التقييم ثقة في قدرات قراء الموقع و تمردا على موانع النشر الطبيعية و غير الطبيعية


    هلا رحبنا بالكاتب حامد بدوي بعد طول إقامة في المنبر


    مرتضى جعفر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

31-08-2005, 06:16 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    (1)

    وقال: (هو ذا شعبٌ واحد، ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل و نبلبل هناك لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فكفوا عن بنيان المدينة، وبددهم الرب على وجه الأرض.)
    سفر التكوين 1:11 – 9



    وظل الناس، كبارهم وصغارهم، يتحاشون الإقتراب من البلدة المهجورة. وظل سياج خفي من الحكايات الغامضة يمنع الجميع من الإقتراب. حكايات لايدري الإنسان متى سمعها ولا أين.

    ومع مرور الوقت، تصير هذه الحكايات قناعات راكزة وسياجاً من الخوف الغامض يبعد الإنسان عن شبح المدينة.

    واعتاد الرعاة وكل من يرد النهر من أهل المنطقة رؤية ذلك الشبح الطويل، شديد سواد البشرة، شديد بياض شعر الرأس، صاعداً هابطاً أزقة البلدة المهجورة في أسمال حالت ألوانها.

    نعم، يحدث أن يتجاسر بعض الصبية المغامرين من رعاة الشاة فيتلصصون على الشبح. غالباً ما يكون الأمر رهاناً لإثبات الشجاعة، وربما إكراماً لعيني طفلة واسعتين. يتلصصون بحذر من بين فرجات الشجيرات الكثيفة. يسترقون نظرات خاطفات في لحظات مخطوفة إلى ذلك المخلوق المخيف ثم يجفلون مدبرين متوهمين أنه قد بصر بهم وعبس. يعودون إلى رفاقهم المنتظرين بتلهف، يعودون إليهم بحكايات ليس لها من حقيقة إلا في خيالهم الطفل. حكايات تصير مع مرّ الأيام بعضاً من حقائق الحياة، لا يدري المرء متى وأين سمعها ولا ممن.

    ظلت البلدة وظل الرجل معاً، عالماً من الغموض المخيف لم يجرء إنسان على إقتحامه واضاءته. حتى الحيوانات من أبقار وأغنام وحمر، ظلت لسبب غامض، تتحاشى المرور وسط مباني المدينة الصامتة عندما تقصد النهر لتشرب. بل أن النار في مواسم الحرائق الكبيرة أول الشتاء، تظل تأكل الأخضر واليابس حتى تخوم البلدة الميتة فتتوقف وتخمد. وكثيراً ما شاهد الناس آثار النيران وقد تركت البلدة جزيرة من المباني والعشب والشجيرات وسط بحر أسود من الأرض المحروقة.

    وعرف الناس الرجل باسم أخرس جويكِرَّة بسبب أنه لا يوجد بينهم قاطبة من سمع له صوتاً. وتقول الحكايات أن هذه المدينة، جويكِرَّة، قد سكنها قبيل من الجان في لحظة شؤم وطردوا منها جميع سكانها من بني البشر، ولم يبقوا على أحد سوى أخرس جويكِرَّة هذا. وسبب الإبقاء عليه دون غيره هو أن إحدى بنات الجن قد عشقته وتزوجت به، وهي التي حكمت عليه بعدم مخاطبة أو مخالطة بني البشر.

    ولأن جويكِرَّة قد بقيت على حالها من الصمت والعزلة والغموض على مر الشهور والسنوات، ولأن أخرسها قد بقي كذلك، فقد صارت وصار جزءاً مألوفا من ذاكرة القوم. قد يثير الأمر فضول زائر يزور المنطقة للمرة الأولى، قد يتلكأ أول الرعاة وروداً للنهر فينتظر حتى يلحق به آخرون قبل الإقتراب من البلدة المسكونة بالجان، ولكن ما عدا ذلك فإن جويكِرَّة وأخرس جويكِرَّة قد صارا بعضاً من الأجزاء الثابته في لوحة الحياة، مثل النهر والغابة والريح وقعقعة الرعود، خطراً يتعايش الإنسان معه ويثير في النفس، عند مجئ الليل، قلقاً غامضاً وخوفاً مألوفاً. خوفاً يجعل الليل ليلاً والنهار نهاراً.

    غير أنك لن تفشل في الحصول على القصة الحقيقية من العارفين من أهل المنطقة. فهذا الرجل الطويل الأسود، شديد بياض الرأس، هذا الصامت المتجول بين أطلال المدينة، إسمه حكيم. وأنه على هذه الحال من الصمت والتجوال لما يزيد عن الثلاثين عاماً. ويقولون أنه قد ذهب عقله وفقد القدرة على النطق لهول ما مرَّ به في مخزن الموت. فحكيم هذا، هو الناجي الوحيد من بين المئات من رجال جويكِرَّة وضواحيها، حشرتهم الشرطة حشراً في مخزن مبني بكامله من الحديد ذات أمسية مشئومة إثر أحداث جويكِرَّة المعروفة للقاصي والداني. والواقعة مشهورة ومعروفة. فعندما جاء المسئولون بالمدينة صبيحة اليوم التالي لمباشرة التحري مع مثيري الشغب من رجال جويكِرَّة وضواحيها، وأمروا بفتح باب المخزن الحديدي الضخم، إنفجر الباب إنفجاراً وتناثرت جثث الرجال، إذ كان المخزن محتقناً بجثث البشر. جثث بعضها طري لم تفارقه الروح إلا من لحظات، وجثث متيبسة مات أصحابها من أول الليل. تلك كانت كارثة تسامعت بها مشارق الأرض ومغاربها ورج وقعها البلاد من قواعدها. فقد مات جميع من حشروا في المخزن إختناقاً ولم ينج سوى رجل واحد، إكتشف الطبيب، وهم يهمون بإهالة التراب على الموتى في حفرة كبيرة، أنه كان لا يزال حياً. ذلك الناجي الوحيد هو رجل من سكان المدينة المعروفين بالمرؤة و القبول، إسمه حكيم.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

31-08-2005, 06:25 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    الرواية اسمها مدينة النهر الميتة، خلاف ما هو مكتوب في عنوان البوست حيث كتبت "المينة"، أرجو المعذرة على الخطأ

    مرتضى جعفر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

31-08-2005, 04:35 PM

wadabdean

تاريخ التسجيل: 23-08-2003
مجموع المشاركات: 117

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    الصديق مرتضى جعفر
    لك الود
    هل الروائى المذكور هو الصديق حامد بدوى بشير الناقد المعروف ؟ ام اسم على اسم ؟ ارجو اخطارى .. ومتى ستسمكر لنا هذه الرواية على غرار "سالم ود السما" ارجو ان ترد على تساؤلاتى واذا كنت تقابل حامد بدوى بشير "ابو نادر" تن تبلغه تحياتى
    عثمان عابدين
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

31-08-2005, 04:39 PM

wadabdean

تاريخ التسجيل: 23-08-2003
مجموع المشاركات: 117

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    مرتضى جعفر
    لقد تاكدت بعد ان قرات النص " ان حامد بدوى " هو صديقى الذى اعرفه واظن ان الرواية كانت من قبل باسم " الرجال المائتون "
    لك ودى
    عثمان عابدين
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

31-08-2005, 10:01 PM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: wadabdean)

    العزيز ود عابدين

    Quote: واذا كنت تقابل حامد بدوى بشير "ابو نادر" تن تبلغه تحياتى


    نعم حامد بدوب هو أبو نادر كما قلت تحياتك له ستصل و أرجو أن تتقبل تحياتي أنا. أجزاء من الراوية سأنزلها تباعا، فقط أرجو الصبر علي لشدة الزحمة و المشغولية

    لك الود


    مرتضى جعفر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

01-09-2005, 02:12 AM

حامد بدوي بشير

تاريخ التسجيل: 04-07-2005
مجموع المشاركات: 3302

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    الصديق مرتضى جعفر,
    لك الود كله.
    في الزمن الفلاني الذي أظل أهل السودان, كان علينا أن نفرغ دواخلنا بالكتابة ونقول الحمد لله الذي أذهب عنا الأذى. لم يكن النشر واردا لأسباب جمى. أشكر لك ما تقوم به تجاهي.


    ود عابدين

    أيها الصديق الذي أفتقده كثيرا وافتقد معه أجمل أيام العمر حين كنا قادرين على الضحك في أمدرمان والحصاحيصا. كيف أنت وكيف الاولاد؟
    قبل مدة وجيزة فوجئت بالسنيح يتصل بي. لكنه عاد إلى نيروبي قبل أن نكمل حديث الذكريات.
    لك تحياتي.

    حامد بدوي
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

01-09-2005, 02:17 AM

mazin mustafa

تاريخ التسجيل: 30-07-2005
مجموع المشاركات: 287

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: حامد بدوي بشير)

    UP
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

02-09-2005, 10:43 AM

wadabdean

تاريخ التسجيل: 23-08-2003
مجموع المشاركات: 117

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: حامد بدوي بشير)

    ازيك يا حامد بدوى بشير
    كيفك
    وكيف .. ملاذ.. ونادر وهاشم وامهم .. سعدت بنيلك الجائزة وانت تستحقها وقطعا "الرجال المائتون"قديما " ومدينة النهر " حديثا تستحق هذا التكريم ودعنا نقول بلغة فخيمة" تستحق التقريظ" ودى وسلامى للاسرة العظيمة واتمنى ان ترسل لى عنوان بريدك الالكترونى حتى نتواصل واطمئنك .. هناك الكثير من الذين يودون سماع صوتك .. لكن تعال ياحامد انت كيف انتقلت من خانة النقاد الفذاذ الى المبدعين الرواة " قرقر قر " وعى ذكر السنيح .. قابلنى صديق شايقى" النوبى" قبيل لحظات " لحظات دى يعنى قبل 24 ساعة من قراءتك لهذا الاى ميل او ايداعه من قبل مرتضى جعفر عندك .. وبعدين هناك من يذكرونك .. مثل فائز ابا .. والسريحى والصقعبى .. ومنصور عثمان .. والثبيتى .. ارسل لى سلامه ذات يوم من الرياض .. وكثيرون ولا انسى عبدو .. عبده خال .. لك ودى يا حامد ولااخ
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

02-09-2005, 10:43 AM

wadabdean

تاريخ التسجيل: 23-08-2003
مجموع المشاركات: 117

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: حامد بدوي بشير)

    ازيك يا حامد بدوى بشير
    كيفك
    وكيف .. ملاذ.. ونادر وهاشم وامهم .. سعدت بنيلك الجائزة وانت تستحقها وقطعا "الرجال المائتون"قديما " ومدينة النهر " حديثا تستحق هذا التكريم ودعنا نقول بلغة فخيمة" تستحق التقريظ" ودى وسلامى للاسرة العظيمة واتمنى ان ترسل لى عنوان بريدك الالكترونى حتى نتواصل واطمئنك .. هناك الكثير من الذين يودون سماع صوتك .. لكن تعال ياحامد انت كيف انتقلت من خانة النقاد الفذاذ الى المبدعين الرواة " قرقر قر " وعى ذكر السنيح .. قابلنى صديق شايقى" النوبى" قبيل لحظات " لحظات دى يعنى قبل 24 ساعة من قراءتك لهذا الاى ميل او ايداعه من قبل مرتضى جعفر عندك .. وبعدين هناك من يذكرونك .. مثل فائز ابا .. والسريحى والصقعبى .. ومنصور عثمان .. والثبيتى .. ارسل لى سلامه ذات يوم من الرياض .. وكثيرون ولا انسى عبدو .. عبده خال .. لك ودى يا حامد ولااخ
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

01-09-2005, 10:23 AM

TahaElham

تاريخ التسجيل: 22-07-2003
مجموع المشاركات: 0

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    الجويكرة المدينة الحلم المائت



    صلاح جويكرة و اخرين
    الرواية عمل كبير نتشرف بالشارة اليها هنا من الغالي مرتضي جعفر

    ساكتب عن هذه الرواية في مساهمة قريبة

    الاستاذ حامد البدوي حد ذاته كنز معرفي و انسان جبار في ادراكه كتب عنا و كتب لنا عملا سيكون من الاعمال التي سيتشرف بها جيلنا في المستقبل
    هذا العمل شهادة علي الواقع و اثبات لضياع احلامنا و هي ايضا ترياق لاتعابنا في حوار الوحدة و الانفصال جنوب و شمال
    مايتم الان هو احد تنبوءات الرواية
    سيكون اتفاق الحركة و النظام ملاذا امنا لطالبي الديمقراطية و الاصلاح في السودان

    طه جعفر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

02-09-2005, 02:37 AM

حامد بدوي بشير

تاريخ التسجيل: 04-07-2005
مجموع المشاركات: 3302

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    طه.. يا أبا جعفر,

    أنتم أحد الصدف الجميلة القليلة في حياتي المتاخرة. والله جد.

    أشكر لك إطراءا أنا قطعا لا أستحقه ولربما تستحقه الرواية التي انفصلت عني تماما الآن وتكاد تنكرني.

    الشكر لك وتحياتي لأم جعفر وجعفر والحمدلله علي السلامة.


    حامد بدوي
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

02-09-2005, 04:31 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: حامد بدوي بشير)

    الأعزاء ود عابدين، مازن مصطفى، طه جعفر و صاحب الدار الصديق حامد بدوي

    تحياتنا و شكرنا على الإطلالة و على هذه الكلمات الجميلة بحق هذا العمل الذي يستحق منا التوقف

    اليوم لاحقا سأعمل على إنزال جزء آخر من الرواية حتى نبدأ رحلة الغوص في أعماق هذا العمل الإبداعي بالنقد


    دمتم

    و شكرا جزيلا

    مرتضى جعفر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

02-09-2005, 08:59 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    (2)

    وقعت الواقعة وحلت الكارثة. أصابت المصيبة الناس في جويكِرَّة أجمعين. من لم يفقد قريباً فقد صديقا ومن لم تترمل فقدت أخاً أو أبناً أو أباً. غشى الغم المدينة. النساء ثكلى والأطفال أيتام والرجال ينتحبون في أزقة المدينة المظلمة.

    ذهلت البلدة إذ وعت حجم الكارثة في اليوم الثالث فكفت عن البكاء. كان الأمر أجل من مقدرة الناس على التحمل فوجمت المدينة في اليوم الثالث. ونزل بها صمت حزين وتام. قالوا كأنما الصمت نزل على جويكِرَّة من السحاب أو جاءها مع الهواء. صمت الناس والحيوان. صمتت الحياة في جويكِرَّة. صمتت الغابة حول المدينة، والنهر صمت والريح. كانت الطيور تعود مع مغيب الشمس إلى أوكارها فوق أشجار المدينة دون ضجيج والضفادع على ضفة النهر تتعاشر دون مقدمات لحنية. سكنت أصوات صراصير الليل وعافت ذكور الحمام أن تهدل حول أناثها، وعاف الناس الكلام. فقد فقدت الكلمات معانيها أو انفصلت عنها. فجأة لم تعد الأصوات تدل على شئ فانقطعت. انفصمت الرابطة السحرية بين الأصوات وبين المعانى فلم يعد الكلام كائناً. ولأن الكلام هو أساس إجتماع الناس، فقد صار القوم يتحاشون مقابلة بعضهم بعضاً ولزم كل فرد داره لا يبرحها. حدث ذلك في اليوم الثاث للكارثة.

    قالوا أنه لم يمض وقت طويل على هذه الحالة المستحيلة، حتى بدأ الناس يغادرون البلدة وحداً بعد الآخر وأسرة إثر أسرة. لا، لم يجتمع أهل جويكِرَّة كعادتهم للتشاور حول أمر الخروج. لم يقل أحد للآخر ما أزمع عليه. ومع ذلك فقد كان قرار الخروج جماعيا.

    قالوا أن الناس قد خرجوا من مدينتهم، كما يخرج الناس يوم النشور، فرادى. خرج الأطفال متعلقين بأذيال أثواب أمهاتهم الذاهلات. وخرج الرجال لا يلتفتون إلى الخلف. قالوا أن الرجل كان يتعرف على أولاده وسط الجموع الذاهلة بعد أيام من الخروج. وغادر الناس مدينتهم دون أن يأخذ أحد منهم منها شيئاً. ترك التجار دكاكينهم مشرعة الأبواب والبضائع على الأرفف. تركوا جوالات المحاصيل مجمَّعة على رصيف الشحن عند شاطئ النهر. ترك الأهالي بيوتهم مشرعة الأبواب وأواني الطبخ على النار. تركوا البهائم هائمة في الطرقات. ترك موظفوا الدولة مكاتبهم تتقافز فوقها الجرذان. تركوا الأوراق فوق الأدراج.

    رحلوا جميعاً في الصمت والذهول ولم يتخلف عند أطلال المدينة سوى حكيم. لم يعرف أحد كيف عاد ومتى عاد, فقط رأوه هائماً بينهم في أزقة المدينة. تسللوا وتركوه يغرق في الصمت والذهول وحيداً. حكيم لم تخرج من بين شفتيه كلمة واحدة منذ عاد إلى الحياة. وبسبب هذا الصمت لم يعرف إنسان على ظهر الأرض حقيقة ما جرى داخل المخزن الحديدي في تلك الليلة الرهيبة. فحكيم هو الوحيد الذي شهد ما جرى، وحكيم منذ أن أفاق من غيبوبة الموت ورأى رفاقه يجرفون إلى حفرة كبيرة ويهال عليهم التراب، لم ينطق بحرف ولم يخرج من حدود المدينة المهجورة.

    بمرور السنوات أخذت المدينة تغرق أعمق داخل الصمت والتوحش والخراب وتتحول باستمرار إلى أطلال مدينة ميتة على ضفة نهر منسية. شاخت فيها أشجار النيم أمام المحلات التجارية وشاخت أشجار المانجو وسط باحات الدور وشاخت أشجار الأكاشيا على ضفة النهر. سقطت ثمار الأشجار وأنبتت شجيرات جديدة لم تلبث أن حولت المدينة إلى دغل كثيف. نمت الأعشاب كيفما شاءت مع توالي الفصول المطيرة وتكرار فصول الجفاف. نمت في الطرقات، داخل الأسوار، فوق سقوف البيوت وحتى على جدر المنازل. تكاثر البوم والخفافيش والغربان وباضت سلاحف النهر والتماسيح في ساحة السوق وتوالدت الأرانب البرية تحت أسرة النوم في البيوت المهجورة. توحشَّت الحيوانات والطيور الأليفة حتى لم يعد فرق بينها وبين وحشي الحيوان والطير. صارت الكلاب ثعالباً والبط أوزا برياً والماعز غزلانا. وظل حكيم بها وظل الرعاة وكل من يرد النهر يراه صاعداً هابطاً أزقتها. وظل الناس كبارهم وصغارهم يتحاشون الإقتراب من مبانيها خوفاً من الجن الذين استحلوها وطردوا منها سكانها.

    نعم... الحياة لم تتوقف بعد الكارثة. بقيت قبائل العرب الرحل تجوب بقطعانها من الأبقار مساراتها القديمة ثم تأتي وتستقر في مضاربها غرب جويكِرَّة. بقيت قرى القبائل النيلية الفقيرة تربي الماعز وتصطاد الأسماك وتبيع نساؤها الأواني الفخارية للعربان. بقي النهر وبقيت الغابة تظلل شاطئية. ولا تزال طيور الهجرة تروح و تجئ مع تبدل فصول السنة.

    نعم لم تتوقف الحياة ولكنها تغيرت. فبإغلاق مشروع جويكِرَّة لزراعة القطن، أقاموا مشروعاً أكبر من مشروع جويكِرَّة بعدة أضعاف. نشأت بنشؤ المشروع قرى عديدة وقرية رئيسة. أخذت تكبر وتتحول إلى بلدة عامرة لكثرة الناس الذين جُلبوا إليها أو الذين جاءوا من تلقاء أنفسهم بحثاً عن الرزق. نعم... بلدة عأمرة و اناس آمنون، ولكن الأمر قد اختلف. افتقدت الحياة روح جويكِرَّة. افتقدت إلفتها وتداخل الناس فيها. كانت جويكِرَّة تضم وتوحد سكانها. تذيب اختلافات البشر وتمنحهم هوية خاصة جديدة. أما في البلدة الجديدة فأن الناس قد سكنوا شعوباً وقبائل. كل قبيلة انتحت جهة من البلدة عزلت نفسها فيها وحافظت على اختلافها عن الأخرى. لكل قبيلة لسانها وطعامها وملبسها وطقوسها وقناعتها بافضليتها على الآخرين.

    نعم.. الحياة لم تتوقف ولكنها تغيرت. عاد الناس إلى ما كان عليه آباؤهم قبل ظهور المدينة. كأن الناس كانوا يلبسون ثوباً مستعاراً، أضطروا لخلعه، فعادوا سيرتهم الأولى. عادوا قرى وفرقان وقبائل وماتت روح المدينة. وعادت جويكِرَّة غريبة كما بدأت غريبة. لم تعد البواخر التي تمخر النهر تتوقف. لم يعد أحد يفهم لماذا يسكن الناس في مدينة على ضفة النهر مع الباعوض. ولم يعد أحد يتفهم لماذا كان أهل جويكِرَّة يوقدون الفناديل في أزقتها ليلاً.

    تغيرت الدنيا.... وإذا مالت الشمس نحو المغيب، عاد النهر، كما كان أول الخلق، مكاناً موحشاً ترتع على شاطئه الهوام والزواحف والمخلوقات اللذجة التي تقشعر لرؤيتها الأبدان. يغادر الرعاة مع حيواناتهم آخر النهار ثم لا يجرؤ مخلوق على الإقتراب من النهر وأطلال المدينة الشبح.

    ولا تزال الحكايات تسري ويتناقلها الناس مكتسبة قوة الحقيقة بين كل فم وأذن. يقولون أن أخرس جويكِرَّة، الذي يعاشر الجن، لا يبقى على هيئته الآدمية طوال الوقت. ثمة حكايات عن أناس شاهدوه يتمرغ عند طلوع القمر المكتمل على مملكة النمل فيتحول إلى حيوان ضار. قال بعضهم أسد وقال البعض ذئب. ويقول آخرون أن حكيماً هذا كان قد مات بالفعل ودفن مع رفاقه الذين اختنقوا داخل المخزن الحديدي، إلا أنه، وفي اليوم الثالث لدفنه، قد قام وخرج من القبر. وثمة تعليل جاهز لهذا الذي حدث من حكيم. فثمة اناس يقومون من قبورهم في اليوم الثالث لأنهم من نسل البنية المعروف. ويعرف أهالي المنطقة حكاية البنية التي كانت أول من قام من قبرة بعد دفنه بثلاثة أيام. ويقال أن أم البنية تلك، كانت قد تركتها وديعة عند نبي الله. غابت الأم زماناً وماتت البنية كما يموت كل مخلوق. غير أن الأم عادت في اليوم الثالث لدفن جثمان إبنتها. ولما عرفت ما جرى رفضت التسليم بالموت وهو حق وتمسكت بالباطل وأصرت أن يجئ لها نبي الله بابنتها سليمة كما استودعتها له سليمة. غضب النبي الكريم غضباً شديداً وسأل ربه وهو على تلك الحال أن تقوم البنية من قبرها ولما يمضي على دفنها ثلاثة أيام. استجاب الرب الحكيم وقامت البنية من قبرها وفرحت الأم الجاهلة وأخذت وديعتها وانصرفت. غير أن غضب النبي الكريم لم يذهب سدى، إذ صار كل من جاء من نسل هذه البنية يقوم من قبرة في اليوم الثالث لدفنه ويظل هائماً في الغابات والمباني المهجورة حتى قيام الناس أجمعين.

    غير أن الحاج حمد حوار الشيخ موسى الكبير، غضب غضباً شديداً عندما سمع نفراً من شبان القرية الجديدة يجدفون في سيرة حكيم وهم جلوس على كنبات مقهى القرية يقتلون الوقت بالحكايات وشرب الشاي. غضب الحاج حمد وصاح فيهم بأن ما يتقولون به عن حكيم حرام عليهم وأن عليهم أن يخافوا الله وغضبه. فحكيم من رجال الله الصالحين. كان الصديق المقرب للشيخ إسماعيل المنصور، إصطفاه من بين أهل جويكِرَّة قاطبة، عربهم وعجمهم. وعندما قبض العسكر على المزارعين قيدوا حكيما مع الشيخ إسماعيل، إذ كانوا يقرنون كل رجلين من أيديهما. وفي الطريق من جويكِرَّة إلى المركز، ظل الشيخ إسماعيل يلقن حكيماً كل ما عرف من الأسرار العلوية. كان الشيخ رحمه الله يعلم أنها رحلته الأخيرة، وأن حكيما سيعيش بعده دهراً. علمه من الكلمات والأسرار ما لا يعرفه عارف بالله في الناحية سوى الشيخ نفسه. ويقال أن الشيخ إسماعيل قد طلب من حكيم، بل أمره بالكتمان حتى يأذن له بالبوح وهذا أمر صعب لا يطيقه إلا القليل من صناديد الرجال. وحتى لا يعصي حكيم أمر شيخه بسبب السهو أو الخطأ، فيكشف من الأسرار ما يجب أن يكتم، إختار حكيم الصمت المطبق. وسوف يظل حكيم صامتاً وفاءاً لعهد شيخه وسوف يظل حتى يأتيه الإذن بالكلام. وأمثال حكيم لا يأتيهم الإذن بالكلام إلا لسبب عظيم، مثل وقوع الكوارث العظام. وأمر الحاج حمد الشبان أن يستغفروا ربهم وأن يدعونه ألا يتكلم حكيم وهم أحياء، لأن من سيشهد نطق حكيم سيشهد كارثة لا محالة.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

03-09-2005, 03:08 AM

حامد بدوي بشير

تاريخ التسجيل: 04-07-2005
مجموع المشاركات: 3302

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    العزيز ود عابدين,
    أشكر لك الإهتمام.
    أّرجو أن تبلغ تحياتي لكل من تقدر على الإتصال به من الشباب (قديما) في السعودية. وأرجو أن تلفت نظرهم لمتابعة الرواية في هذا الموقع.
    بريدي الإلكتروني:
    hamid6by4@hotmail.com
    badawi666@yahoo.com
    تحياتي للأسرة الكريمة.

    حامد بدوي
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

03-09-2005, 04:32 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: حامد بدوي بشير)

    3

    سرى الزمان وتسربلت الأوقات وتمطت السنون وجاء اليوم الذي حطم فيه حكيم كل ما ركن إليه الناس من المألوف. أهل البلدة الجديدة والوافدون إليها والأعراب الذين عادوا لحياة التجوال والنيليون الذين قنعوا من الحياة بتربية الماعز وصيد الأسماك، كل هؤلاء هزَّتهم مفاجأة حكيم.

    وأصل الحادثة أنه قد مرَّت بالناس في جميع أنحاء البلاد سنة قاسية جاءت ختاماً سيئاً لحقبة من شح الأمطار وجفاف النهر وموت الزرع والضرع ونقص الأنفس والثمرات وفساد الحكام. كانت سنة من المجاعة الحقيقية، كثرت فيها الآفات والحرائق والأمراض. تعب فيها القاطنون قرب النهر إذ إكتظت قراهم الجائعة بوافدين من مناطق يموت فيها الإنسان عطشاً قبل أن يموت جوعاً. ضاق الناس بالحال وضاقت الدنيا بالناس حتى أكلوا القطط المنزلية.

    وذات ضحى والناس في البلدة الجديدة يروحون ويجيئون ويدورون بلا هدف محدد، بسبب الجوع والخواء والهلع وشبح الموت، وسط صراخ الأطفال وحشرجة المحتضرين من كبار السن، في هذه اللحظات الجحيمية، بان للقوم شبح طويل يتقدم نحو البلدة ببطء قادماً من ناحية الشرق، ناحية جويكِرَّة والنهر. ظلل القوم عيونهم بأيديهم لحجب أشعة شمس الضحى ودققوا نظرات أزاغها الجوع، محاولين معرفة القادم. تبين لهم أن الشبح يجر خلفه بصعوبة بادية، عربة من ذلك النوع الذي تجره الحمير في القرى. ورويداً رويداً أخذ الشبح يقترب وأخذ الناس يكفون عن حركتهم العشوائية. هدأت قليلاً النفوس التي أرعشها الجوع وشعشعها الخوف. كأنما أراحها نشؤ مصدر للأهتمام بؤرته الشبح المتقدم ببطء من ناحية جويكِرَّة. وببطء أخذت الجموع تتجمع في ساحة السوق، ترقب الشبح المتقدم بإصرار. ثم أخذت الدهشة تنمو وتنتقل من شخص إلى شخص وتبين على الوجوه النحيلة، حين عرف الناس في القادم أخرس جويكِرَّة. لم يسبق لأحد من الناس أن رأى أخرس جويكِرَّة خارج أطلال المدينة. ووسط الدهشة والخوف والترقب رأى الناس الجياع أن العربة التي يجرها حكيم محملة فوق طاقتها بكومة داكنة، عرف البعض من الذين كانوا أكثر جراءة و أكثر قرباً من القادم، أن ذلك الشئ المكوم فوق العربة هو نبات أو جذور نبات، إذ لايزال طين النهر الأسود الجاف عالقاً به. كتل داكنة مستطيلة من نبات مثل البامبي.

    تجمع الناس المذهولون، وقد اكتسبوا شجاعة من كثرتهم، ينظرون إلى أخرس جويكِرَّة وإلى العربة المحملة بذلك الشئ الداكن. وقف حكيم صامتاً يتفرس في القوم. طال الصمت من حكيم وطال التحديق من القوم وبدأ القلق والتوتر يسري وسط الجميع. إزداد القلق وازدادت الحيرة وبدأ حكيم يدور حول العربة ويؤشر للناس بيديه. كان يضع يديه على النبات الداكن ثم يأتي باشارات تعني الطحن والطبخ والأكل. واكتفى المتجمعون الجياع بالنظرات الملهوفة. تعاظم قلق أخرس جويكِرَّة وكثرت حركاته، بدا أنه يبذل مجهوداً مضنياً، كأنه يصارع شيئاً داخل نفسه. كان يفتح فمه ويغلقه ولا يصدر منه سوى الأنين وغرغرات مبهمه. تعاظم التوتر والترقب والإنفعال.

    و....فجأة.... تجمد الرجل الأخرس مركزاً ناظريه على طفل أخذ يترنح قبل أن يسقط. تجسد الرعب كله في عيني الرجل العاجز عن الكلام. بقي متجمداً مرعوباً مركزاً ناظريه على الطفل المحتضر مدة طويلة حتى تململ الناس. بعدها زاغت نظرات حكيم وبدا للناس أن الرجل سوف يسقط مغشياً عليه هو الآخر. ترنح حكيم ثم أمسك جبهته بكلتا يديه وأطرق إلى الأرض مدة طويلة. بعدها ثبت حكيم وتماسك ونظر إلى الناس كأنه يراهم للمرة الأولى. وفي اللحظة التالية قفز حكيم فوق العربة ووقف بقامته المهيبة فوق الحميع. نظر إلى الناس بثبات ثم فتح فمه وتكلم. نعم، تكلم حكيم بصوت واضح وبلسان أهل جويكِرَّة المبين. كل لبلدة الجديدة سمعت صوت حكيم في ذلك الضحى. قال إن ما يحمله إليهم فوق العربة هو جذور نبات البفره.

    - خذوها فإنها جافة وجاهزة للطحن. اطحنوها وستصير دقيقاً أبيضاً كدقيق القمح الاسترالي. أطعموا الأطفال والشيوخ والنساء أولاً. وليلحق بي القادرون من الشباب إلى جويكِرَّة، فهناك من هذه البفرة ما يكفي الجميع. لن يموت أحد جوعاً بعد اليوم. كل دكاكين جويكِرَّة ومخازنها مليئة بالبفره.

    قال حكيم قوله هذا ونزل من العربة واستدار صوب النهر، صوب جويكِرَّة ومضى.


    4

    الضوء... الضوء... الضوء...
    النجم الثاقب...النجم الثاقب...النجم الثاقب.
    بدد الظلمات المتراكمة ولم يذهب... لا يزال هناك.

    يغمض عينيه فيتغير لون الضوء... مئات الألوان الثاقبة تمضي صاعدة، ثاقبة الزمن الآتي كله... تمضي هابطة ثاقبة الزمن الماضي كله... لا.. لا.. الجنون لا... لايكون هكذا الجنون... هذا إدراك ثاقب.. الجنون إدراك زائف.. هذا إدراك قاتل... هذا فوق طاقة البشر.. الرحمة يامولاي الرحمة...

    و الدوي الهادر قاتل... الكون على وشك الانهيار... مالذي يمسك الكرات السابحة وسط المجرات؟..... مالذي يقيم هذا العمود المندفع من النار و الغبار؟....

    هو الآن يرى بغير عينيه ويسمع بغير أذنيه... يرى ما لا يستطيع بشري أن يرى، ويسمع ما لا يطيق إنسان أن يسمع.. نداء المجرات في الفضاء الكوني السحيق... نداء الحيتان في البحر المظلم العميق... نداء الأكوان في الأزمنة السحيقة...همس الجذور للأوراق...لغو فقاقيع الهواء بين الأسماك في قاع النهر ...

    ينتفض منه الجسد وتتخبط خطواته كالمخمور.. موزع بين عالم التماس المباشر بالجسد المحدود بالجهات وعالم الرؤيا المنفلت خارج الجهات... أين بدايته؟.... أين نهايته؟...
    إنقلب... صار داخله إلى الخارج و خارجه إلى الداخل.. مثل أمعاء الخروف حين يريدون تنظيفها.. إنه يُنظف.. يغسل دون إرادته.. تتساقط عنه أدران لا حصر لها .. النسيان، الغفلة، الحزن، الفرح، الرغبة، الحقد..

    ركز إدراكه على مسكنه بجويكِرَّة... هذا كلب يتلصص ليسرق طعامه... لو أخذ حجراً وقذفه تجاه الكلب.. لاخترق الحجر جسد الكلب المسكين مثل شهاب وسقط في النهر.. ركز إدراكه على القرية الجائعة.. الناس يتخاطفون البفرة... يتعاركون، يكاد بعضهم يزهق أرواح بعض.. أمرأة جشعة تجمع البفرة في أطراف ثوبها وتخطف ما في أيدي الأطفال...

    هو الآن يسيطر على الزمن و المسافة .. مشى خطوتين فإذا هو عند باب مسكنه... لو أراد الوصول إلى أقصى الأرض لمشى خطوتين...

    هل هو قادر على تحمل هذا؟... هل يقدر إنسان؟...

    ما بين الظلمة والنور... لحظة تجلي البدايات... لمحة تبدل الفصول... ما بين انقضاء آخر الأصوات وانبثاق أول الأصوات.... برز وجه الشيخ المنصور. قال: ياصديقي.... ياصديقي.... ياصديقي... نذر يسير ومع ذلك تعتريني عليك الشفقة.... سامحني ياصديقي فقد ألزمني الصدق والصداقة أن أذيقك قطرة من فيض.... لو زدت عليك لخلدت بالفناء في ما هو كلي... لكنك لن تستطيع معي صبراً. سأصحبك حتى الكشف الثالث ثم يكون الفراق الأبدي بيننا. فأنا معاقب بالحرمان منك لا محالة بعد الكشف الثالث. مياه الصحبة صافية ولكنها ضحلة لن تسعني.... إصبر على كل هذا ياصديقي... قريباً سيفترق نجمانا عند الكشف الثالث. لن تصحبني لأبعد من ذلك، لأنك منذ البداية تتوق للتفسير والفهم ويعجزك الانغماس في الشعور. سأعيدك إلى كثافة العبارة.... أصبر.... أصبر..... أصبر يا صديقي. أعرف أنك قادر على الصبر، فقد خبرتك، اصبر حتى ينجلي الأمر من تلقائه وتعود الروح إلى ضعفها والجسد ... إلى راحته.

    وقال، عندها، النهر: ... أخرج من جوفي، فأنت أوسع مني. إنك تحملني ما لا أطيق. ومع ذلك، فإذا فرغت ونصبت ورأيت أن تودعني جسدك هذا الفاني لأحمله إلى البحر، سأفعل... فهذه هي مهمتي الأبدية... أنا تكفيني صحبة هذا الجسد إلى البحر.

    عندها صاحت الأعشاب التي سوقها في الماء وجذورها في الطين وأوراقها في الشمس: ... أيها النهر الخائن... أيها المخاتل.... أنت هنا وهناك في الوقت نفسه.... أنت محاولة لا تنتهي لنقل جثة اليابسة إلى كفن البحر... لنقل دفء الأرض إلى ملوحة المحيط.... لنقل صلابة الجبال إلى سيلان الماء..... غافلٌ أنت عن أن تعاهدك مع البحر قد فسد.... فهو خيانة... ومصيرك أن يجف ماؤك يوماً قبل أن يبلغ الساحل.... دع الخيانة واترك ما زرع هنا لينبت هنا.... كف عن خيانة الأرض.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

03-09-2005, 06:46 AM

WadAker

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 0

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    سرد جميل ارجو الاستمرار
    تحياتى للعم المشاكس حامد بدوى بشير ولك مرتضى جعفر على اتاحة هذا السفر النبيل
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

03-09-2005, 09:31 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: WadAker)

    الأخ ود عكر

    تشكر على هذا المرور الجميل و أتمنى أن نراك مرة أخرى ناقدا لهذا العمل الإبداعي الذي يحق لنا أن نفتخر به و حتى يرى النور مزيد من الجهد


    مرتضى جعفر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

03-09-2005, 10:20 AM

AlRa7mabi

تاريخ التسجيل: 15-08-2002
مجموع المشاركات: 1330

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    مرتضى .. كيفك

    نقزقز بمزاااج شديد
    دا جهد يستحق الإشادة ، ونحمد لهذا النت جعل المستحيل ممكن

    نشكر استاذنا بدوي .. ونرجو المزيد


    تخريمة ..
    التمارين كيف ؟؟؟
    تحياتي الثنائي طه/الهام وأبو الجعافر


    عبدالرحمن

    (عدل بواسطة AlRa7mabi on 03-09-2005, 10:22 AM)

                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

03-09-2005, 12:42 PM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: AlRa7mabi)

    الأخ العزيز عبدالرحمن

    تحياتي و كيفك يا رجل

    تشكر على المرور بي هنا و أتمنى ليك مزيد من الإستمتاع بهذا العمل الإبداعي. تمارين مين يا عم ما خلاص الفينا كملت.

    ح نشوفك أكيد تاني

    مرتضى جعفر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

03-09-2005, 01:01 PM

خضر حسين خليل

تاريخ التسجيل: 18-12-2003
مجموع المشاركات: 14835

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    الاخ مرتضي
    تحياتي الحارة لك وللكاتب حامد بدوي
    كتابه جديرة بالقراءة اتمني أن تمدنا بكل فصول الرواية أن امكن ولك الود والاحترام

    خضر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

03-09-2005, 11:55 PM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: خضر حسين خليل)

    الأخ خضر حسين خليل

    سلامي و إحترامي

    تشكر على كلماتك الطيبة بخصوص هذا العمل الذي و كما قلت يستحق القراءة و أنا سأقوم بإنزال كل فصول الرواية لكنني عمدت إلى هذه التجزئة حتى أعطي المهتمين الفرصة الكافية للقراءة و تدوين الملاحظات لأن واحدة من أغراض عرضنا لها هنا النقد أيضا.


    تشكر يا خضر و خليك معانا و أنا متابع إبداعاتك القصصية أيضا.


    مودتي


    مرتضى جعفر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

04-09-2005, 05:01 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    (4)

    وصحى حكيم من نومه ذات يوم فإذا هو مثل كل الناس... يتذكر وينسى ولا يرى أبعد من الأفق المحدود بالتقاء السماء مع الأرض، ولا يسمع سوى غليظ الأصوات التي يهتز بها الهواء. بكى فرحاً وحزناً وخوفاً وأمناً وحياة وموتا. وحين تلفت حواليه، لم تعد أطلال المدينة قائمة.... فقد إختقت!!!


    ++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

    خطى حكيم صوب النهر وجلس على الأرض الآن يتذكر بصورة غريبة. يضئ في ذهنه الماضي القريب والماضي البعيد في نفس الوقت. تختلط الصور، تختلط اللحظات وتختلط اللغات أيضا. بعض الذكرى تأتي برطانة القبيلة، وبعضها يأتي بعربي جويكِرَّة، وثمة لحظات حميمة تأتي بلا لغة محددة.

    تغمره مثل الموجة، يغرق فيها، يصير داخلها، تتلبسه كحالة وجد، تتواصل مع وعيه وذاكرته ولحظته الراهنة بلا وسيط، بلا لغة محددة وفي وضوح محير. كأن يتذكر مثلاً سحلية في فمها جرادة تحت شجيرة القطن في الحواشة التي كان يملكها مشاركةً مع صديقه علي. يحدث كل هذا وهو في لجة إحساس غامض لا يوصف. هذا الإحساس كان يأتيه قبل حادثة جويكِرَّة في لحظات خاطفات ويختفي قبل أن يستطيع إدراكه جيداً. كان يأتيه مع رائحة جذر نبات يتذوقه أو مع طعم الماء تحت نبات البردي المتخمر أو في نكهة العالم لحظة تغير الفصول.. لحظة دخول الخريف، لحظة إنبثاق الشتاء، لحظة نشؤ الصيف... الآن يضئ في قوة وثبات. إحساس بأنه جزء حي من كون حي وأن الإنسان أحتمالات مخيفة وعزلة لا حدود لها.

    جلس وحيداً. إزدادت حرارة الشمس. الطريق المرتفعة تحفها أشجار السيسبان. هذه الطريق تعاون أهل جويكِرَّة على ردمها وتعليتها حتى تكون فوق مستوى مياه الفيضان. جويكِرَّة تتحول إلى جزيرة في مواسم الفيضان. جاء المفتش الإنجليزي بنفسه لافتتاح هذه الطريق. وعندما كان أهالي جويكِرَّة يودعونه، التفت إلى سر التجار وقال:
    - لماذا لا تزرعون أشجاراً... صفين من الأشجار يحفان بهذا الشارع الجميل ويساعدان على تماسك التربة؟

    إلتمعت الذكرى حية قوية في ذهن حكيم الوليد. ليلة شديدة الظلمة. سار على نفس هذه الطريق المرتفعة لأول مرة في حياته، وخلفه سارت فتاته. كانت نجاتهما معجزة. استطاع مطارديهما من أفراد أسرة السلطان أن يقتفوا آثارهما حتى ذلك البيت المتفرد القائم وحيداً وسط الشجيرات. بعد تلك الليلة عرف حكيم الكثير عن صاحب البيت المتفرد. صارا صديقين. حمد البشير. من أهالي شمال البلاد، هناك بعيداً حيث يجري النهر وسط أشجار النخيل. جاء إلى جويكِرَّة مع عمه طيفور التاجر ليعاونه في العمل بالدكان. غير أن حمدا قد أحب بدوية وأصر على الزواج منها، فغضب عليه عمه الذي كان يدخره زوجاً لابنته وطرده من الدكان. ترك حمد المدينة والتحق بالعربان الرحل. تزوج من فتاته وعاش عيش العربان وصار واحداً منهم. تعلم رقصهم وبرع فيه. بل صار أحد شعرائهم المرموقين. يغني أغنيات الغرام في وصف الجميلات. سعى الأبقار والاغنام حتى عد من أغنياء البدو. فجأة سئم حمد حياة البداوة والترحال بعد أن أنجبت له زوجته ولدين وبنت. إختار حمد هذه البقعة المنعزلة ليسكن فيها عند منتصف المسافة بين مضارب البدو ومدينة جويكِرَّة. إبتنى بيتاً كبيراً من الطين وسوَّره بالشوك وفروع الأشجار. حول البيت زرائب الأغنام وحظائر الأبقار. دار بدوية من الخارج ومدينة من الداخل، حيث فرش حمد السرر، ووضع الآرائك والكراسي والطاولات التي لا مثيل لها إلا في قصر الملكة في جويكِرَّة. وكان في مقدور أولاده الذهاب إلى المدرسة في جويكِرَّة مشياً. كان حمد أول من باع الحليب والروب والزبد لأهل جويكِرَّة.

    وصل حكيم وفتاته مشارف دار حمد المنفردة بعد مغيب الشمس بقليل. كانا يركضان، فقبل فترة وجيزة تسلق حكيم شجرة عالية فتمكن من رؤية مطارديهما على مسافة ليست بالبعيدة. كانت الفتاة تقول من بين أنفاسها اللاهثة أنها سوف تموت حالاً إذا كان عليها أن تستمر في الركض أية مسافة أخرى. ولم يكن أمام حكيم سوى حثها على مواصلة الركض حتى يخيم الظلام ليتمكنا من الإختباء. كان الإرهاق قاسياً والخوف قاتلاً عندما برزت لهما دار حمد المنفردة، فجأة وسط الشجيرات. بعث ذلك الأمل في روحيهما. قصدا الدار، فخرج لإستقبالهما عدد كبير من الكلاب الشرسة. ووسط عواء الكلاب سمعا صوتاً قوياً لرجل يزجرها. تقدم منهما الرجل وشملهما بنظرة فاحصة في ضوء المغيب الشحيح. نظرة تقول أنه قد ألم تماماً بحالهما دون حاجة للسؤال. قال:
    - تفضلا داخل الدار.
    ثم مباشرةً وجه السؤال لحكيم.
    - هل تعتقد أن مطارديك قريبين من هنا؟
    هز حكيم رأسه إيجاباً. لم يكن بقادر على الكلام، ثم ان لهجة حمد قد بدت له غريبة. فهم معنى السؤال في عموميته فأجاب.
    - لا تخافا شيئاً. أنتما في حمايتي. تفضلا إلى الداخل.

    بالداخل قدمت زوجة حمد الروب الممزوج بالماء للضيفين. ولكن قبل أن يستردا أنفاسهما من الشرب النهم، سمعا أصوات الكلاب تتعالى مرة أخرى. الآن يتذكر حكيم ما جرى بدقة. إنه ليس التذكر، بل الأحداث تعيد نفسها أمام ناظريه بتفاصيلها كاملةً. كأنه يرى نفسه من الخارج. الآن يرى أنه قد قفز واقفاً وقلبه يدق بعنف. هذه إذن هي النهاية. هذه إذن هي اللحظة التي ظل يتحاشاها ويركض خوفاً من مواجهتها. نعم... أن يختطف شاب إبنة السلطان لهي مغأمرة حدودها الموت. كنت تعرف قبل أن تبدأ مغأمرتك تلك أن جميع القادرين من أسرة السلطان سوف يندفعون للبحث عنكما. كنت تعرف أنهم سيبحثون باصرار وغضب عظيم. غضب موزع على كل أبناء السلطان. غضب وقوده عدد الأبقار التي كان يجب أن تدفع مقدماً وهيبة الاسرة الكبيرة التي أهينت. غضب مثل النار في روث البقر الجاف لا يبرد أو ينطفئ. كنت تعرف أنهم لا يتوقفون عن البحث أو يتهاونون. وأنهم سوف يبحثون في الغابات المظلمة، عند غدران المياه، عند موارد الاسود والنمور، بين أوكار التماسيح وأعشاش أفراس النهر. وعندما يعثرون عليكما فأنت شاب انقضى أجله.

    نعم... نعم... هي مغأمرة الحياة والموت مع أن فيها كل الإثارة اللذيذة في لعب الأطفال عندما يختبئ بعضهم ويبحث البعض الآخر عنه. الآن في هذا البيت المتفرد ينتهي الركض والإختباء ويصل البحث إلى غايته. هنا تنتهي الحياة. هو لن يجبن، هذا أكيد. سيواجههم بغض النظر عن عددهم. ولكنه لن يضرب ليقتل. ما جدوى قتل الناس؟ ماجدوى قتل البعض قبل أن يموت؟ سوف يناوشهم بحربته وعصاه حتى يتغلبوا عليه فيموت وسلاحه في يده. لن يقتل.

    دخل حمد إلى الحجرة وبيده بندقية يلمع خشبها الصقيل في ضوء المصباح الصغير. قال:
    - يبدو أن القوم قد وصلوا. لكن لا تخافا. لن يمسكما أحد بسوء في داري. فقط أبقيا حيث أنتما. ومهما حدث أيها الشاب لا تغادرا هذه الغرفة حتى أعود أنا. هل تعدني؟
    كان حمد يتكلم بهدوء وثقة في النفس وعزم لا يمكن مقاومته. ولم يغادر الغرفة حتى انتزع وعدا من حكيم بعدم التسرع وإظهار نفسه لاعدائه. غاب حمد زمناً بدا لحكيم كأنه دهر. كانت الكلاب تعوي بشراسة عندما عاد حمد.
    - لقد انصرفوا. إنهم غير مقتنعين بعدم وجودكما داخل الدار. واضح أنهم لم يصدقوني. لكن مع هذه، وهز البندقية، لم يكن لديهم خيار سوى الانصراف.

    كانت نجاة حكيم معجزة وكان حمد شجاعاً وكانت زوجته عظيمة الحنان. مكث حكيم وفتاته بقية تلك اليلة ونهار اليوم التالي. اقترح حمد أن يتحرك حكيم وفتاته ليلاً. قال لهما أن يتوجها إلى جويكِرَّة. قال لهما أن الإنسان إذا أراد الإختباء من إنسان ريفي فعليه أن يقصد المدينة. الريفي يشعر بالضياع في المدينة ويرتبك وتنعدم ثقته في نفسه. لا تركضا هكذا في الأحراش فهذا في صالح مطارديكما. أما إذا كنت تخشى إنساناً من أهل المدن فأقصد الخلاء والغابات. هناك يتوه إنسان المدينة. قال، جويكِرَّة مدينة عامرة تعج بخليط ضخم من البشر والإختباء بها سهل. واذا وصلتما إلى هناك فاسأل عن قصر الملكة. إنه قصر ضخم لن تتعب في الوصول إليه. إذهب إليها وقل لها أنك مرسل من قبل حمد البشير وسوف يكون كل شئ على ما يرام. قال لحكيم أن يعود تجاه الجنوب حتى إذا تجاوز ذلك الدغل الكثيف لينحرف إلى ناحية الشرق ويسير حتى يجد الطريق المرتفعة المحفوفة بأشجار السيسبان. هذه الطريق ستقودكما إلى جويكِرَّة على ضفة النهر. وجاءت زوجة حمد لتوديعهما. تأملت في وجه فتاة حكيم وقالت بحنان دافق فتاتك جميلة حقاً. حافظ عليها وكن رجلاً حكيماً.
    على الطريق المرتفعة المحفوفة بالسيسبان، همس حكيم وشفتاة تلامسان خد فتاته:
    - في جويكِرَّة سيكون اسمك جميلة.
    - و أنت سيكون اسمك حكيم.
    - لماذا حكيم؟
    - ألم تسمع زوجة الرجل تقول لك كن حكيماً
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

04-09-2005, 12:57 PM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    ***
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

05-09-2005, 02:50 AM

حامد بدوي بشير

تاريخ التسجيل: 04-07-2005
مجموع المشاركات: 3302

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    الصديق مرتضى جعفر,
    لدي نسخة من الرواية (سوفت كوبي), أعتقد أنهاأقل أخطاء في الطباعة عن التي لديك.
    سأجتهد في أن تصل إليك في أقرب فرصة. واصل ... وأشكرك.


    حامد بدوي
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

05-09-2005, 04:40 PM

wadabdean

تاريخ التسجيل: 23-08-2003
مجموع المشاركات: 117

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: حامد بدوي بشير)

    يا حامد
    ما ترد على ايميلى البعتو ليك مهم جدا جدا
    لك ودى وتحيات الشاعر محمد مدنى
    عثمان عابدين
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

06-09-2005, 02:10 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: wadabdean)

    العزيز حامد بدوي

    منتظرك

    مرتضى جعفر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

06-09-2005, 07:00 AM

Murtada Gafar

تاريخ التسجيل: 30-04-2002
مجموع المشاركات: 4724

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    (5)

    إستمر حكيم غارقاً في الذكريات. مدخل البلدة العزيزة، أول ما يواجه ناظريك مبنى المستشفى. هذه دوارة الرياح وهذا مقياس المطر. صدئت دوارة الرياح ولم تعد تدور وتحطم مقياس المطر. هذه هي جويكِرَّة.

    هنا ينقسم النهر العتيق الهادئ إلى فرعين. يستأنف أحدهما مسيرته شمالاً لا مبالياً، ويعرج الآخر ليلامس حافة المدينة مثل كلب الصيد يتحسس بأنفه الرطب أعتاب البلدة الأليفة. قامت على ربوة تشرف على جزيرة بين فرعي النهر. في موسم الفيضان تتحول جويكِرَّة نفسها إلى جزيرة، ولا يصلها بالدنيا سوى الطريق المرتفعة المحفوفة بالسيسبان والنهر. لقد كانت جويكِرَّة ميناءاً نهرياً حتى قبل أن يقطن بها أحد. في البدء كانت الميناء. قيل أنها كانت غابة ضخمة كثيفة الأشجار مليئة بالحيوانات المفترسة. كانت البواخر والمراكب الشراعية تتوقف بها من أجل أخذ الأخشاب الممتازة ولصلاحية مرفأها الطبيعي العميق. كان البحارة ينزلون ويسرعون إلى الغابة فيجمعون ما يريدون من خشب الوقود وخشب البناء وخشب الأثاث وفلنكات السكة الحديد. يفعلون ذلك في عجل ويحملون ما جمعوا ويهربون إلى سفنهم ومراكبهم الشراعية خوفاً من النمور والأسود والأصلات التي تلتف حول جسد فريستها حتى تزهق روحها.

    في مرحلة تالية، أقامت الحكومة الإستعمارية معسكراً للجند في ميناء جويكِرَّة. كانت مهمة هؤلاء الجنود هي قطع وتجهيز الأخشاب لوقود البواخر الحكومية وتنظيف الغابة من الحيوانات المفترسة. ويبدو أن هؤلاء العسكر قد تعرضوا للإهمال وتأخر صرف مستحقاتهم ومؤنتهم، فتمردوا ورفضوا تنفيذ أوأمر قادتهم. كانوا جميعهم من السودانيين، فأرسلت الحكومة جيشاً من الإنجليز والمصريين والهنود لسحق تمردهم. ودارت معركة بين الجانبين ودوت فرقعة الاسلحة النارية في أرجاء غابة جويكِرَّة. هزمت الحكومة المتمردين ونسي التاريخ أمر هؤلاء الجنود وهم أول من تمرد على الإستعمار من السودانيين.

    بعد حادثة التمرد إستبدلت الحكومة الإستعمارية الجند برجال مدنيين أطلقوا عليهم اسم الملكية تفريقاً لهم عن العساكر السابقين. وظلت جويكِرَّة ردحاً من الزمن ميناء للأخشاب غير مأهول بالسكان. لكن بمرور الوقت، إستقدم بعض الملكية أسرهم كما تزوج بعضهم من نساء القبائل النيلية المنتشرة قراهم على ضفتي النهر. كون الملكية وأسرهم نواة مجتمع جويكِرَّة، ولكن جويكِرَّة بدأت تتحول إلى قرية حقيقية عندما حررت الحكومة الإستعمارية رقيق العربان في الناحية فانفصلوا عن أسيادهم وتخلصوا من حياة الترحال واتخذوا من جويكِرَّة موطناً. وقد أسبغ تجمع الرقيق المحرر على جويكِرَّة روحاً من البهجة والمرح. فقد كانوا قوماً في حالة احتفال دائم بحريتهم الوليدة. وهكذا تحول معسكر جمع الأخشاب إلى بلدة ميناء، لم تلبث أن جاء إليها بعض صيادي الأسماك من غرب أفريقيا وبعض التجار من أبناء الشمال. وأخذت البلدة تنمو حتى صارت مركزاً تجارياً للعرب البدو ومركزاً إدارياً للحكومة الإستعمارية. ثم جاء تجار هنود وآخرون من حضرموت وزنجبار. ووصل إليها اندرياس الإغريقي في معية بيترو الطلياني. وأخذ أندرياس يتجول بحماره زمناً وسط مضارب العربان محاولاً إغراءهم ليبيعوه حليب أبقارهم من أجل تشغيل مصنع الجبن الذي جلبه معه من اليونان. وقد اصطدم أندرياس هذا بما لم يكن يحسب حسابه. فقد جلب إلى جويكِرَّة مصنع الجبن لأنه كان قد رأى في زيارة سابقة له أن المنطقة حول جويكِرَّة تعج بقطعان الأبقار، فضمن نجاح مشروعه. إلا أن الأعراب قابلوا محاولته شراء الحليب منهم بالسخرية. فقد كان بيع الحليب والروب يعد عيباً عند البدو ودليلاً على الفقر والبخل والخروج على عادات العرب. هكذا فشل مشروع أندرياس الإغريقي لصناعة الجبن بجويكِرَّة. عانى الخواجة الفاقة وظل زمناً بلا عمل سوى التجوال في سوق المدينة وإطلاق النكات البذيئة حول البدو بلغته الركيكة. ولم ينقذ أندرياس من ورطته سوى مقدم حسين الصعيدي إلى جويكِرَّة. فقد أقترح حسين على أندرياس أن يستفيدا من وجود كميات الصفائح الفارغة بمصنع أندرياس وأن يعملا معاً في صناعة الفسيخ التي يتقنها حسين. وبالفعل فقد ازدهر عملهما واشتهر في أنحاء البلاد فسيخهما وصارت البواخر والمراكب الشراعية تحمل، فيما تحمل من جويكرة، الفسيخ الممتاز ماركة فينوس. وتحسنت أحوال أندرياس أكثر عندما تزوج من نيلية جميلة كانت من بيت جاه وسلطان وذات نفوذ في جويكِرَّة حتى أنها قد لقبت بالملكة. وقد شيَّد لها الخواجا أندرياس قصراً فخيماً على طراز قصور أوربا، يشرف على النهر ويليق بملكة. قصر إستجلب أندرياس لتشييده وزخرفته مهندسين وفنانين ومنمقي حدائق أغاريق وشوام ومصريين، ظلوا يعملون ليل نهار حتى أخرجوا للوجود تحفة فنية صارت مفخرة لأهل جويكِرَّة. وعند اكتمال القصر أولمت الملكة ولائم دعي إليها الحكام الإنجليز وكبار ساسة وأغنياء البلاد حتى سارت بذكرها الركبان كما تقول العرب.

    نعم لم يلبث ميناء الخشب أن تحول إلى مدينة عأمرة تعج بالحياة. وتحول سوق جويكِرَّة إلى سوق ضخمه للمحصولات من السمسم والفول والدخن والذرة والكركدي والصمغ العربي، حتى أوفدت الشركات الكبرى مندوبيها ونظمت السلطات السوق وأسست الحكومة مكتباً لتحصيل الضرائب والعوائد والرسوم. بني سوق البلدة بناءاً جميلاً تتوسطة ساحة مربعة ضلعها الشرقي هو النهر. نهضت أشجار. النيم صفوفاً منتظمة أمام المحلات التجارية وبقيت ساحة السوق الواسعة مكاناً لتكديس المحصولات المعدة للشحن على البواخر والمراكب. وخلف السوق من الجهات الثلاث قامت المساكن. مساكن التجار والموظفين من الغرب والجنوب. خلفها المستشفى ونقطة الشرطة والمحكمة. من ناحية الشمال قامت مساكن أهالي جويكِرَّة. هذه هي الأمم المتحدة التي عناها صلاح الأفندي. خليط من البشر مختلفي السحنات والألوان والأديان. خليط لا يقدر على استيعابه سوى جويكِرَّة. الهنود والإغريق والطليان، مختلطين بالأحباش والحضارمة والأفارقة. كل ذلك وسط بؤرة إجيماعية أعمدتها رقيق العربان المحررين والملكية والنيليين.

    بكل هذا الخليط كانت جويكِرَّة مدينة لا أحد ومدينة الناس أجمعين. مدينة الحياة والحرية. حب الحياة وحب الحرية هو القاسم المشترك الأعظم الذي جمع كل هذا الشتات وازدهر بجمعه. فيها اختلط البشر وذابت هوياتهم. تزوجوا وتصاهروا حتى أنجبت النيلية طفلاً إغريقياً أخضر العينين وأنجب الحضرمي هدندوية مجعدة الشعر. وجاء إليها كل الناس. جاء طالبو التجارة وطالبو العمل وطالبو المغأمرة والحرية. ومن الصباح الباكر يتساقط الناس من القرى والفرقان إلى جويكِرَّة. كانت الدروب التي تقود إليها كثيرة. من يريد أن يبيع ومن يريد أن يشتري. من يريد أن يعمل ومن يريد أن يلهو. أعداد من البشر تدخل إلى جويكِرَّة منذ الصباح الباكر، أضعاف عدد سكانها. يقضون فيها يوماً مميزاً من أيام حياتهم، وكل يوم في جويكِرَّة هو يوم مميز عما سبقه من الأيام، ويخرجون منها آخر النهار وفي النفوس حسرة وهوى وتوق لا يرتوي لسحر جويكِرَّة، ولديم الأعراس في جويكِرَّة. وديم الأعراس هذا، هو حي كامل منفصل مكانياً وإجيماعياً عن بقية أحياء البلدة. له سور عالي من اللبن تعرش عليه النباتات المتسلقة. بمجرد الولوج من مدخل السور يجد الداخل نفسه تحت عريشة كبيرة تتدلى من سقفها الزينات. الموسيقى والغناء والضحكات الغنجة وروائح البخور والعطور تملأ الهواء. ومن هذه العريشة إما أن يتخطى القادم داخلاً عالماً من السحر والجمال والنشوة، وإما أن يطرد خارجاً من الباب الذي دخل منه. فتحت هذه العريشة يقابل الداخل (أم البنات). أمرأة فلسطينية ضخمة الجسد، يجلس على كتفيها المكتنزتين رأس صغيرة تحمل وجه طفلة بريئة متوردة الخدين. تقابل (أم البنات) الداخل بالترحاب والبشاشة وتخبره من بين ابتسامتها الودودة شروطها لتزويجه من إحدى بناتها. المهر، كميات الخمور وأنواعها، العطور وأصنافها والذبائح. فإذا رفض القادم هذه الشروط رد على عقبيه وإن وافق دفع ما يطلب منه نقداً. هنا تصفق (أم البنات) بيديها المكتنزتين ثلاثاً فيبدأ صف البنات بالمرور أمام طالب الزواج. عشرات الفتيات من كل أنحاء الدنيا. السمراوات والبيضاوات. النحاف والبدينات. الفارعات والقصيرات. الزنجيات والأوربيات. يختار طالب القرب العروس وينضم لمهرجان الأفراح القائم ليل نهار بديم الأعراس. وفي نهاية المدة المحددة يخرج الخارج من ديم الأعراس وفي النفس حسرة وهوى وتوق لايرتوي.

    وآية سحر جويكِرَّة أنها مدينة من يدخلها. يدخل الداخل إليها أول مرة فلا يحس أنه غريب. يبقى بضعة أيام فتبدأ جويكِرَّة تغسله، تنقيه، ثم تتمثله فإذا هو هي. كأنما قد ولد فيها أو ولدت فيه. تخلع عنه قيودة، إخفاقاته، مرارات حياته وأحزانه القديمة. يخلع هو طائعاً مختاراً، تاريخه الشخصي، خصوصيته وتفرده، يخلع حتى لغته. فالناس في جويكِرَّة قد اصطلحوا عفوياً وبالتدريج ودون أي تحديد مسبق على لغة واحدة يتخاطب بها الجميع. لغة خاصة وحَّدت كل الشتات الذي جمعته جويكِرَّة. نبتت كما تنبت الأشجار، وكانت بدايتها لدى رقيق الأعراب المحررين، بؤرة الحياة الإجيماعية في جويكِرَّة. عرفت هذه اللغة في جميع أنحاء البلاد باسم (عربي جويكِرَّة). وقد أكسبها تعدد واختلاف الأصول اللغوية لمتحدثيها ثراءاً أسطورياً. يكون جذر الفعل فيها عربياً ولكنه يتحول إلى اسم على نسق الرطانة الأفريقية ويجمع تبعاً لقواعد اللغات الهندية. حروف الجر وأسماء الموصول سواحلية. لا تعرف التفريق بين المذكر و المؤنث وتعج بمفردات الثناء والتقدير وتكاد تنعدم فيها مفردات وتراكيب السباب و العنف.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

07-09-2005, 03:10 AM

حامد بدوي بشير

تاريخ التسجيل: 04-07-2005
مجموع المشاركات: 3302

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    الصديق مرتضى جعفر,

    أرسلت لك نسخة (سوفت ) في بريدك الإلكتروني. أرجو أن تكون أقل أخطاءا.
    واصل النشر وأشكرك.

    حامد بدوي
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

07-09-2005, 05:53 AM

Adil Osman

تاريخ التسجيل: 27-07-2002
مجموع المشاركات: 10191

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" (Re: Murtada Gafar)

    هذه كتابة غريبة. فى الاول كادت ان تصرفنى عنها بنثرها الممهول، والغامض. ولكننى صبرت عليها. فقد خطر لى انها تنطوى على ابداع، لا يكشف نفسه دفعة واحدة. يتجلى رويدآ رويدآ. وبالفعل تحول النثر الممهول، المتكاسل، الى خطو سريع، وخبب، وعدو سريع فى بعض الاحيان. وقفز بزانة الزمن المتوازى والمتقاطع. وفى مزج التاريخ الواقع، مع اسطورة هنا واخرى هناك. ثم اقترب النثر من تخوم الشعر. وسال النص بغنائية عذبة. منبعها اسى. ومصبها فجائع البلاد التى قتلت عاشقيها.
    عنبر جودة
    النيل الابيض شاهد صامت
    المراكب التى حملت السكر والدقيق حملت الجنود والذخائر.
    هذا النص، الى الان، فتح البلاد على نفسها. على جروحها. على تاريخها الملتبس، وعلى فجائع زمانها القريب.
    ثم قوى السرد. وضح القص. وتمكن الكاتب من حرفة الرواية. فظهرت شخوص من ضباب الشعر وغموضه. وظهرت بلدات ومدن من كدح المزارع، والحرفيين. ثم هاجر المهاجرون. طمعآ فى مال. جلبوا معهم حداثة زمن، وتقدم افق من اوطانهم الاصل. هذه الحداثة اصطدمت بتقاليد سالفة. وراسخة. لكن لم تمنعها من ضرب جذورها، الحداثة، وبناء مؤسساتها. من فنادق، وملاهى، واسواق، ودولة وقانون. باختصار ظهرت مدينة من تواريخ الرق، والاستعمار، والهجرات. والصدامات. ظهر السودان؟

    هذه خواطر سريعة خطرت لى. اتمنى ان نقرأ المزيد من هذا العمل الذى يقوى كل يوم. ويشدنا الى عالم بقدر ما نراه غريبآ، بقدر ما نراه مألوفآ. فهو نحن، ونحن هو.

    شكرآ حامد بدوى.
    وشكرآ مرتضى جعفر.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

[] صفحة 1 من 3:   <<  1 2 3  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:

فصول من رواية غير منشورة للصديق الكاتب حامد بدوي أو "مدينة النهر المينة (1)" فى FaceBook

· · أبحث · ملفك ·

للكتابة بالعربي في المنتدى

للرجوع للصفحة الرئيسية اراء حرة و مقالات
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها

اضغط هنا لكي تجعل المنتدى السودانى للحوار صفحتك الرئيسية لمتصفحك
يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع بشرط وضع "نقلا عن سودانيز اون لاين"و الاشارة الى عنواننا WWW.SUDANESEONLINE.COM
الاخبار اليومية مواقع سودانية تحميل الصور أجتماعيات

© Copyright 2001-02
Sudan IT Inc.
All rights reserved.

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de