عادل القصاص والحصه تاريخ//محمد خلف الله عبدالله.......

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 05-06-2024, 04:14 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف للعام 2015م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى صورة مستقيمة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
11-07-2014, 07:46 AM

munswor almophtah
<amunswor almophtah
تاريخ التسجيل: 12-02-2004
مجموع المشاركات: 19368

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
عادل القصاص والحصه تاريخ//محمد خلف الله عبدالله.......


    صديقي عادل



    أمرُ هذه الدنيا مُمَدَّدٌ (وإنْ شئتَ مشدودٌ) بين الضرورةِ المُتوهَّمة وواقعِ الاحتمال. والمناهجُ التي نتخيَّرها، هي الأخرى، متأرجِّحةٌ بين الاكتفاءِ بالشجرةِ المُتاحة أو الاستظلالِ بالغابةِ المترامية فيما وراء الأفقِ المرئي. سأشرح بتمهُّلٍ ما أعني بهذا المدخلِ المُعتم، بعضِ الشيء. ولكن، قبل أن أفعلَ ذلك، قلْ لي:
    أولاً، كيف تتلاءمُ ذاكرتُك القصصية مع انزياحاتِ المكان وتبدلاتِه العاصفة: من أمدرمانَ إلى دمشقَ وأديس أبابا وأسمرا، ثمَّ أديس أبابا مرَّةً أخرى، فالقاهرة (وكانت كلُّ الرجرجةِ التي عاناها سلفُك لا تتعدَّى رحلةً شاقةً بالفعل "من أسكلةِ الخرطومِ إلى الجبلينِ إلى الرجاف"، فلم يشهدوا فسطاطَ عمرٍو ولا قلعة صلاح الدين، بل أن بعضَهم أُرْجِعَ من محطة القطار النهائية ببحري)؛ وثانياً، كيف يعملُ قرنُ آمونِك الذكيُّ مع طبوغرافيا المكانِ في مِلبورن (وكنتُ لا أعرفُ عنها قبلك سوى أنها المدينة التي يُقام فيها أولُ المنافساتِ الكبرى لكرةِ المضرب، إلى جانب "غولان روش" بباريس، و"ويمبلدون" بلندن، و"فلشينغ ميدوز" بنيويورك).
    وقد نبَّهني من قبلُ كِتابُ "جماليَّات المكان" للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار للدورِ الذي يلعبه المفهومُ المسبق في تشكيلِ ذاكرة الشعراء والروائيين؛ وكنت أعرفُ كيف يشدُّني امرؤ القيسِ إلى بيئته من "سِقطِ اللِّوى" إلى "الدَخولِ فحَوْمَلِ"؛ وكيف يجذبني طرفة إلى "بُرقةِ ثَهْمَدِ"؛ أو زهيرُ إلى "حَومانةِ الدَّرَّاجِ فالمُتَثَلَّمِ"؛ أو جميعهم إلى باقةٍ لا تُنسى من الأماكنِ العربيةِ المُحبَّبة مثل "المُتَرّدَّمِ" و"الرَّقْمَتين" و"مِنًّى"؛ ثم تعرُج بك الأخيرةُ إلى اصطفافٍ آخرَ من الاستخدامِ القرآنيِّ لبلاغةِ المكان: "وشجرةً تخرجُ من طورِ سيناءَ تنبُتُ بالدُهنِ وصِبْغٍ للآكِلِين" أو "وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلدِ الأمين" أو "إِرَمَ ذاتِ العِمادِ الَّتي لم يُخْلَقْ مِثلُها في البِلاد".
    ولكن (ولا يرى ستيفن پِنْكَر، في أحدثِ كتبِه غضاضةً في افتتاحِ فقرةٍ جديدة بحرفِ ربط) هل يؤجِّجُ الارتحالُ أو الانتقالُ المفاجئ من مكانٍ إلى آخرَ مفهوماً ثانياً لباشلار، وهو "القطعُ المعرفي"؛ إذ أراك ’تقطعُ‘ في وقتٍ وجيز ما يستغرق المرءُ عُمُراً كاملاً في غرفة "الحارة السابعة"؛ وقد فَعَلَها من قبلُ شيخُ الروائيين السودانيين، حيث أخرج للناسِ روايةً تتناقلها الألسنُ وتتحدَّث بها الرُكبان. أمَّا شيخُ الشعراء السودانيين، فقد وجد ضالته في مفهوم باشلار الأول: اُنظُر في "نار المجاذيب" أو "تلك الأشياء" وتأمَّل كيف احتمى بدفءِ المكان؛ أمَّا أنا، فيعنيني بشكلٍ خاص تذييلَ بعضِ قصائدِه تحت اسم الحيِّ الذي نشأتُ فيه، ولا زالت ذاكرتي تترعرعُ به -هذا غيرُ أحلامي وانتكاساتي المتكرِّرة- وهو حيُّ "الكراكسة"، بِحارة "بيت المال" القديمة. وخلافاً للشيخين، ظللتُ مشدوداً رَدَحاً من الدهرِ بين الشِعْرِ والقَصِّ، إلى أن ناداني "القُرآنُ"، فهفوتُ مُسْرِعاً إليه، ومازلت في أرجائه أدور.
    بمناسبة "الحارة السابعة"، سلامي ودعواتي إلى أمِّي الرابعة "حاجَّة صفيَّة"، عسى أن يحفظَها اللهُ ويمنحَها العافية وطولَ العُمُر؛ وصلواتي ودعواتي إلى أمِّي الثالثة المرحومة "حاجَّة آمنة"، عسي أن يُكرِمَها اللهُ ويُهيئَ لها فسيحَ الجنان؛ وصلواتي ودعواتي إلى أمِّي الثانية المرحومة "حاجَّة صفية ’الأولى‘ بنت البدوي"، عسى أن يكتُبَها اللهُ مع النبيين والصديقين والشهداء؛ وأن يحفظَ اللهُ أمِّي الأولى، صاحبةَ الفضلِ الأكبر، "حاجَّة مُنى". وكيف حال "مُفيدة"؟ لازلت أتذوَّقُ في ذاكرتي نكهة الشاي -الذي يتسلَّلُ إلى "الغرفةِ" إلينا عبر ذلك "الشُبَّاكِ" الأخضر- وأتعجبُ في نفسي كيف تُضاهي بمُفْرَدِها نكهة القهوة التي تَبْرَعُ في صنعها الأمهاتُ الأربع! وكيف حال رواد "الغرفة" من جمهرة الكتاب والشعراء؛ وكيف حال جيرانها: علمت بموت قاسم حسن درار: رجلٌ من "السابعة" لا يُدانيه امرؤٌ في سموِّ الخُلُقِ والحَرْفَنةِ الكروية إلا رجلٌ آخرُ من "الثامنة"، هو نصر الدين عباس ’جكسا‘؛ وكلاهما ارتبط بفريق "الهلال"؛ استمر أحدُهما مع الفريق، فطَبَّقَتْ شُهْرَتُهُ الآفاق؛ وانقطع الآخرُ، فتناساه الجمهور؛ ولن ينساه اللهُ، ولا قِلَّةٌ من أفاضلِ الهلاليين.
    ولله دَرُّكَ يا "شيخُ الدين" و"بنتُ همرور"! لم أرَ امرأةً سودانية أفضلَ في التمثيلِ المسرحيِّ من "تماضر"، حتى لو أدخلنا ضمنهن نساءً في قامةِ فايزة عمسيب. ولا زلت أخجل من نفسي يومَ سُئلتُ عن تقييمِ أفضلِ ممثلين وممثلاتٍ في عرضٍ مسرحيٍّ لامتحانِ خريجي قسم المسرح بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح، فأجبت "تماضرَ" في الخاناتِ الثلاث، وكانت تمثِّلُ دوراً مساعِداً في واحدٍ من عروض الدبلوم! ما شاء الله وتبارك وتعالى، غير أني لا أذكر كلَّ الأسماء؛ ولكن، مَنْ ينسى "تبارك" -وياله من اسم!- أو "الوافر" من فرقة "السمندل" الموسيقية أو "المقداد" الذي كنا نُهيؤه قبل التاسعة ليقرأَ للناسِ "نشرة التاسعة" في تلفزيون جمهورية السودان. و"عفافُ" أذكرها وأخلط اسمها أحياناً –وربما لاسم أخيها- باسم زوجة عركي، مع أن الله لم يُسعدني برؤية كليهما؛ وعندما زرتهما في "الحتَّانة" بصُحبة عميري ومريم، لم نجد سوى عربةٍ معتَّقةٍ تليقُ بعركي، هاجعةً في دلالٍ وَدَعَةٍ خارج الدار. كما لم أحظَ برؤية "همرورَ" وأخته "أميمة" إلا لِماماً، كما لم ألتقِ "رشا" يا عذارى "السابعة"؛ وأين "الصادق"؛ ولكن يالله أين "عشَّة"، أرجو أن تكون عائشةً على أفضلِ وقتٍ، وأن يهبها اللهُ الصِحَّةَ وطولَ العُمُر،ِ وأن يُجنِّبها الفاقَةَ والعِوَزَ ورِفاقَ الطقسِ الصحوِ وعداواتِ اليومِ الغائم.
    وبمناسبةِ "الكراكسة" و"جكسا" و"قاسم"، فإنني أتساءل: لماذا لا يُعيدون تأسيسَ فريق "الكراكسة" لكرةِ القدم، خصوصاً بعد انتقالِ أو ذوبانِ فريق "ناصر" الذي دُمِجَ فيه اعتسافاً بقرارٍ فوقي؛ أو لماذا لا يقومُ أخي الشاعر "بابكر الوسيلة" بمسحٍ أنثروبولوجي لِما تبقَّى من الحيِّ القديم أو لقاطنيه الذين رحلوا عنه إلى "العرضة" أو "الثورات"، لمعرفةِ الظروف والملابسات التي قادتِ "المجذوبَ" إلى الاحتماءِ بالحي؛ وما هو السحرُ الذي جذبه إليه أو وَجَدَه فيه، حتى يُقَيِّدَ الاسمَ في ذيلِ بعضِ قصائده - هل هو شَغَفُه بغريبِ "الدوالِ" أم في الأمرِ عِلَّةٌ كامنةٌ في عُمْقِ المدلول؛ وأين كان يسكن بالتحديد، في أيِّ بيتٍ أم في أيِّ كوخ، وما أكثرَ الأكواخَ في "بيتِ المالِ" القديم! وهل ذهب العقارُ مع إعادة التخطيط أم أن هناك أملاً في "تعليقِ" شِعْرِه عليه: بداخلِه كمتحفٍ يحمل اسمَه البهيَّ أو أبياتٍ مُرصَّعةٍ بخارجِه، كتذكيرٍ دائمٍ بأهميةِ المكان.
    وعلى ذكرِ المكانِ، فلْنَعُدْ إلى المدخل، لنستأنفَ ما انقطع من حديثٍ حول الضرورةِ المُتَوهَّمة وواقعِ الاحتمال، وحول نهجَي الشجرة والغابة. وكإضاءةٍ أولى لِعَتَمَةِ المدخل، أقول بأن ما دفعني لكتابةِ هذه السطور، غيرُ وَكْزِ عثمان حامد المتكرِّر، هو ملاحظةٌ أبديتها أنت، وبشكلٍ تقريري، في مقالِك باللغةِ الإنكليزية الذي استوحيتَه من حوارٍ لكَ مع يحي فضل الله تحت عنوان: "عادل القصَّاص والحصَّة قصَّة"، حيث قلتَ ما تُعادلُ ترجمتُه الزعمَ بأن علاقتك بمواد "الرياضيات" و"الكيمياء" و"قواعد اللغتين العربية والإنكليزية" قد تدهورت من اهتمامٍ فاترٍ إلى كراهيةٍ تامَّة، نسبةً لاعتقادك بأن هذه المواد لا تنطوي على محتوًى سردي أو حسب ظنك تحديداً بأنها تفتقرُ إلى بنيةِ سردٍ خاصَّةٍ بها (الإضافة المُظلَّلة من عندي، فالترجمةُ ضربٌ من التفسير، وكلُّ مُفَسِّرٍ يحمل على عاتقه، كما طائرُ البَطْروسِ في قصيدةِ "البحَّارِ القديمِ" لصمويل كولردج، جريرةَ تفسيرِه).

    فلو قلتَ (ولا داعي لتكرار كلام پِنْكَر الذي جاء بالفقرةِ الرابعة) إن طريقة عرض الناظر لحكايته في أولِ يومٍ دراسي -إلى جانب منهاج الدراسة بالمدرسة الأولية- قد كرَّسَتِ الانطباعَ بأن الموادَّ المذكورة عاليه لا تنطوي على بنية سرد -كما هو الحال مع مواد "الدين الإسلامي" و"اللغة العربية" و"التاريخ"- لَمَا أثار كلامُك ما يلزم التنويه، ولكنك اعتقدت فيما يُشبهُ الجزمَ بأنها تفتقرُ إلى قوامٍ سردي. وما يستدعي الاستغراب أنك بدأت فعلاً في إعمالِ الخيال لدرجةٍ أمكنتك التعاملَ مع "علمِ الأحياء" و"الجغرافيا" بمزاجٍ سردي - فبأيِّ فرمانٍ يمكننا أن نُحِدَّ من مَلَكَةِ الخيال، فنُوقفها عند حدودِ الحياة؟ ربما تأتي الإجابةُ، وبشكلٍ غير متوقَّعٍ، من علمِ الأحياءِ ذاتِه؛ ولكن، قبل التعرُّف على الإجابةِ، دعنا نُفلفل ’بنية السرد‘ في المجالِ القصصي.
    ’بنيةُ السردِ‘ - أو البنية السردية – هي في المقام الأول قالَبٌ شكليٌّ محدَّد أو مفهومٌ مجرد يتمُّ إسقاطُه (أو التعرُّف عليه، بواسطة الكاتب أو القارئ على التوالي) على مادَّةٍ قابلةٍ للتشكُّل أو ذات محتوًى حكائيٍّ كامن، بحيث يتم إكساب المادَّة عنصراً من عناصر الانتظام، وعادةً ما يأخذُ شكلَ تأليفٍ، يتضمَّنُ شخوصاً، ينشأ بينهم صراعٌ، يحتدم إلى درجةٍ، تقود في النهاية إلى حلٍّ للعقدة؛ وبالطبع، يمكن إضافة بعض الرتوش لهذا التعريف المبسَّط أو الاشتطاط في تبسيطه؛ وفي أيٍّ من الاحتمالين، ينصرف انتباهُنا إلى الإطارِ النظريِّ النقي، والقابلِ في ذاتِ الوقت للتطبيقِ على مادَّةٍ لا حصرَ لها. وهذه، تحديداً، هي الخاصيَّة التي سمحت لخيالِك الخصب بالتعاملِ مع عِلْمَي ’الأحياء‘ و’الجغرافيا‘ "بمزاجٍ سردي"، على حدِّ تعبيرك الموفَّق؛ إذ إن بنية السرد هي عنصرٌ أدبي، يتضمَّنُ في إطاره ’قصةً‘-تدورُ أحداثُها في مكانٍ معيَّن- وتتخذ خطَّاً متصاعداً، يصل إلى ذروةٍ، تنفكُّ بها عقدةٌ في نهاية العمل؛ وتنويعاً على ذلك، وخاصةً في الأعمال الحديثة، يمكن لذلك التصاعد أن يمضي بلا انقطاع، أو يُفتتحُ العملُ بدءاً مِمَّا يُشبه الذروة، ثم تنفكُّ عناصرُه أو تنحلُّ طلاسُمه عن طريقِ تقنياتِ الارتجاع أو "الفلاش باك".
    إذا كان بإمكانك تصوُّر نموِّ زهرةٍ كقصَّة، فيمكنك أن تتخيَّل أيَّ ملاحمَ نسجها علماءُ أفذاذٌ حول نشوءِ العناصر (الكيمياء) والأنواع (الأحياء)، هذا غير نشوء الكون نفسه (الفيزياء)؛ كما يمكنك أن تتخيَّل أيَّ أساطيرَ حبكها علماءُ نحوٍ وصرفٍ حُذَّاقٌ حول نشوء اللغة (قواعد اللغة العربية) أو تطوُّرِها (قواعد اللغة الإنجليزية). يمكنك أن تتعاطف مع أبي الفتح عثمان (ابن جني)، وتحِسُّ بمعاناته وهو يحاولُ أن يَبْعَجَ إجابةً شافية حول أصل اللغة: أهي اصطلاحٌ أم توقيف؟ وترجع حسيراً معه، حينما تتعثر خطاه ويعزُّ مطلبه. ما أوجد الانطباعَ لديك وقتها، ولم يَسَعَكَ لاحقاً لمراجعته، هو قوةُ عرضِ الناظر لمادَّته وبراعته في وضعها ضمن قالَبٍ قصصي. ولو كان لمجايليه (تلك الكلمة المحبَّبة لأحمد الطيِّب عبد المكرَّم – أيُّ فراغٍ تمدَّدَ في أعقابِه، أيُّ أسًى ترسَّبَ في القلب) من مدرسي المواد الأخرى قوةُ عرضِه وبراعتُه، لَتَبَدَّدَ هذا الانطباعُ في المهدِ، ناهيك أن يصحبك، رغم بُعدِ الشُقَّةِ، إلى مِلبورن.
    الإضاءة الثانية، هي أن خطوط القصَّة، بما تفرضه من انتظامٍ في السبك، تُوهِمُ بوجودِ ضرورةٍ محدَّدة تلزم الأحداثَ بالانصياعِ لتتابعٍ بعينه، في حين أن الواقعَ مليءٌ بالاحتمالاتِ التي لا تخضع لأيِّ ترتيبٍ مُسبق. والإضاءةُ الأخيرةُ للمدخل، حتى تنقشعَ عتمتُه دون حاجةٍ إلى مزيدٍ من التطويل، هو أن خطوط القصَّة، بنظمِها المبسَّط، تلائمُ النهجَ الذي يكتفي بالإمساكِ بالشجرة، في حين أن الواقع المُشبع دوماً بالاحتمالات، غالباً ما يُضحِّي بالضرورة، فلا يُناسبه أحياناً إلا نهجٌ يحاول أن يُمسكَ سُدًى بكلِّ تلابيبِ الواقع، فيستظلُّ، واهماً هو الآخرُ، بغابةٍ كثيفةٍ، متراميةٍ فيما وراء الأفقِ المرئي.
    علمُ الأحياء، بغزارةِ مادَّته وتفرُّعِ أقسامه، تتقاسمه مدرستان، في إطار النظرية الدارونية المهيمنة، بالتوليفةِ الحديثة بين الانتخاب الطبيعي وعلم الوراثة؛ المدرسة الأولى، وهي الأكثر هيمنةً، قامت على أكتافِ علماءَ فطاحل، لكن خطيبَها المفوَّه، والأسطعَ نجوميةً، وربما لمهاتراتِه وبُعدِه المنهجي عن "الاستقامةِ السياسية"، هو ريتشارد دوكنز، الأستاذ بجامعة أوكسفورد، صاحب المؤلفات العديدة، بينها كتابُه الأشهر: "الجينة الأنانية"؛ والفيلسوف المدافع عنها على رؤوسِ الأشهاد، هو دان (يل) دينيت، الأستاذ بجامعة تَفْتس الأمريكية، صاحب المؤلفات العديدة، هو الآخرُ، ومن بينها كتابُه الأشهر: "وعيٌ وقد تمَّ تفسيرُه"؛ أما المدرسة الثانية، فقد قامت على أكتافِ ثلاثةِ علماءَ إنجليز وإيرلنديين بجامعة كمبردج، لكن زعيمَها الأشهر، المروِّجَ لأفكارِها الأساسية، هو الراحلُ ستيفن جاي غوولد، الأستاذ بجامعة هارفرد، صاحب المؤلفات العديدة، بينها كتابُه الأشهر: "[يا له من] عالمٍ رائع".
    يمتليءُ "الجينة الأنانية" بمختلفِ الحكاياتِ والقصص التي تعكس وتفسِّر مختلفِ سلوك الحيوانات (والنباتات)، وقد اعتمد الكاتب على أسلوبٍ أدبيٍّ شيِّق، وطريقةٍ أدبيةٍ علميةٍ في آن، تتبنَّى نهجَ "التحليل المغاير للوقائع". وخلافاً للحكايات والقصص في المجال الأدبي، لا تعتمد الطريقة العلمية على "بنيةِ سردٍ" عادية فحسب، وإنما تلجأ أيضاً إلى شكلٍ شبيهٍ بها، وهو "خطة بناء الجسم"؛ ومن سلسلةٍ متدرِّجةٍ لخطةِ البناء، يتمُّ نسجُ ’قصَّةٍ‘ تفسِّر مراحلَ تطوُّرِ نوعٍ إلى جنسٍ ففصيلة، إلى آخرِه؛ أو تحدُّرِه منه إلى فصيلةٍ، فجنسٍ، فنوع. إلا أنها، تماماً مثل "بنية السرد"، بفرضِها لضرورةٍ محدَّدة، تخنقُ كلَّ احتمالاتِ التنوُّع، فلا تُناسبُ إلا نهجَ الإمساكِ بشجرةٍ بعينها: شجرةِ نسبِ هذا الأرنبِ البريِّ أو تلك الوردةِ الجبلية.
    وفي هذا الخصوص، نبَّه الراحلُ ستيفن جاي غوولد إلى أن السُلَّم المُتصاعِدَ الظاهرَ للعيان لخُطَّةِ بناءِ أجسام الخيول قد أوهم بوجودِ تطوُّرٍ لا ينقطع، من جنس الهايراكثيريم (وهو جنسُ حيوانٍ ثديِّيٍّ منقرض شبيهٍ بالوبريات، كان يعتاشُ على العشب) إلى الأحْمِرة الحديثة (الإيكوس)، مما سهَّل مهمة تدبيجِ قصةٍ ملائمة حول ’تطوُّرِ‘ الخيول، الأمر الذي لم يتوفَّر في حالة الخفافيش والظباء والقوارض؛ إلا أن الخيول، في واقع الأمر، لا تنتظم، بحسب غوولد، في سُلَّمٍ تطوُّري أو تندرج ضمن سلالةٍ مركزية، إذ إن هذا ’السُلَّمَ المتصاعدَ‘ الظاهري هو واحدٌ من المساراتِ المتشابكة المتعدِّدة ضمن غابةٍ في غايةِ التعقيد؛ ولم يُكتبِ النجاحُ لهذا المسارِ بالذات، إلا بإخفاقِ المساراتِ الأخرى، أي انقراضِها.
    بمعنًى آخر، يمكن لشاعرٍ جاهليٍّ، مثل طرفة بن العبد، أن يعتامَ الناقةَ مناطاً للاستفاضة في الوصفِ، للتعبيرِ من خلالِه عن تطوُّرِه العقليِّ والروحي؛ ويمكن لفيلسوفٍ معاصرٍ، مثل طوماس نيجل، أن ينتقي الخفاشَ مثالاً لتوضيحِ مشكلة الوعي المُستعصية على الفهم؛ كما يمكن لشاعرٍ، مثل أخي بابكر الوسيلة أن يستأنسَ بفراشاتِه للاحتماءِ بها من غيلةِ الدهر؛ أمَّا بشأنِ فصيلة الخيول، فقد تسنَّى لشاعرٍ راحلٍ، مثل محمود درويش، أن يكتب: "لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟"، مجيباً عن أبٍ لابنِه: "لكي يُؤنَسَ البيتُ يا ولدي، فالبيوتُ تموتُ إذا غاب سكانُها"؛ مما تسنَّى لاحقاً لصديقٍ راحلٍ آخرَ، مثل سميح القاسم، أن يستخدمها معاتباً رفيقَ صباه على سبقِه بالرحيلِ عن الدنيا: "أنتَ تركتَ الحصانَ وحيداً..لماذا؟ وآثرتَ صهوةَ موتِكَ أفقاً". ومع ذلك، فلا يمكن التوسُّلُ بكلِّ الخيولِ أداةً للإمساكِ بمسيرة التاريخ البشري، إلا إذا اتسعتِ الرؤية وأسعفتها التجربة وحالفها توفيقٌ نادر، وهذا هو بالتحديد ما أنجزه الشاعرُ المصري الراحل أمل دنقل في قصيدةِ "الخيول" (أين أنت يا خالد عبد الله؛ هل ما زِلتَ تحفظُها عن ظهرِ قلب، وتُسْمِعُها بصوتِك الجهوريِّ الممتع لباقةٍ مما تبقى من أصدقاء؟)
    على ذكرِ التوفيقِ النادر واتساعِ الرؤية، وضعَ عالمُ الإحاثة (أي علمُ الأحياء المُوغلة في القدم، والتي تأخذُ شكلَ متحجَّراتٍ حيوانية أو نباتية) الأمريكي الشهير، تشارلس دوليتل وولكوت، يدَه، في عام 1909، على أثمنِ كنزٍ من الأُحفوريات في أعالي جبال الروكي الكندية؛ وهو ما بات يُعرف لاحقاً في الأدبيات العلمية باسم بيرغيس شيل. وأهمية هذا الاكتشاف تنبع من أنه من النادر جداً أن يحصُلَ المرءُ على أُحفورياتٍ للحيوانات اللافقارية ذات الأجسام اللَّيِّنة، لأنها، ببساطة شديدة، لا تملكُ هياكلَ تدلُّ عليها بعد اندثارها؛ ولكنَّ، هذا ما حدث تحديداً في حالة أحفوريات بيرغيس شيل؛ إذ تعاونت ظروفٌ ومصادفاتٌ نادرة – انهيارٌ جليدي وانسدادُ مدخلِ مغارةٍ على حافةِ بحيرةٍ جبلية بكتلٍ من الثلج – على الإبقاءِ على مجموعةٍ نادرة من حيوانات بيرغيس شيل الناعمةِ الملمس. إلا أن مكتشفَها، على الرغم من طولِ باعِه العلمي، لم يكن يملك من اتساعِ الرؤيةِ ما يؤهِّله لتقديرِ القيمة الفعلية لاكتشافِه النادر؛ وكان كلُّ ما فعله ينصبُّ بصورةٍ رئيسية في تصنيفِ مجموع الحيوانات المُكتشفة وفق ما هو موجودٌ بالفعل، مع أنها كانت تشير بخرطومينِ بائنين (أنومالوكيريس) وأعينٍ خمس (أوپابينيا) إلى عصرِ المفصلياتِ ثلاثيةِ الفصوص، التي تضاهي في أهميتها عصر الديناصورات.
    وقد تضافرت عدَّةُ جهودٍ في توسيعِ الرؤية لإعادةِ تقويم أحفوريات بيرغيس شيل، إلا أن جهودهم ما كان يمكن أن تصِلَ إلى جمهورٍ واسعٍ من القراء والمشاهدين، لولا مساهمة غوولد المتميِّزة في كتاب "(يا لها من) حياة رائعة"، إضافةً إلى تقنية تحريك الصور عن طريق الحاسب الآلي، التي مكَّنت من إنتاجِ أفلام فيديو لا تُنسى حول حيوانات بيرغيس شيل، التي ظهرت إلى الوجود في أعقابِ العصر الكمبري، عصر انفجار الحياة في هذا الكون البالغ التعقيد. وما ميَّز مساهمة غوولد عن غيرها من المساهمات العلمية الرائدة في إعادة التقويم المذكورة، هو اعتمادُه أسلوباً أدبياً تشويقياً وتصويراً درامياً فعَّالاً، ساعد في بثِّ روحٍ جديدة على مجموعةِ حيواناتٍ منقرضة منذ ما يقارب 570 مليونَ عام. فمَنْ ينسى بعد قراءة الكتاب المُحتشد بالرسومِ البارعة والقَصَصِ المصاحبة "ماريلللا" أو "ويواكسيا" أو "هلوسيجينيا" أو "أتويا" أو "أيشايا" أو"هبيليا"؛ وإنْ نسي أحدُنا واحدةً منهن أو جميعهن، مَنْ يقدر على أن يسقط من ذاكرته الدائمة "أنومالوكاريس" ذات الخرطومين البارزين، أو "أوبابينيا" ذات الأعينِ الخمس.
    وما يلفت الانتباه في إعادة تقويم بيرغيس شيل، ليس فقط الكشفَ عن وجودِ عالمٍ جديد يخلخل المفاهيمَ البيولوجية السائدة حول نشأةِ الحياة، وإنما أيضاً تسليطها الضوءَ على ذلك البعدِ الأكثر عُمقاً لتضاعيفِ الزمن، هذا المفهوم المُسبق الذي يشكِّل في مجال الحكي عنصراً هاماً في أيِّ بنيةِ سرد. وعندما بدأ جيمس هاتون في عرضِ نظريته حول الأرض على أعضاء الجمعية الملكية بإدنبرة في مارس 1785، لم يكن أحدٌ من الحاضرين بمكتبة الجامعة مستعداً لتصديقِه، خصوصاً عندما زعم بأن عُمُرَ الأرضِ أكبرُ بما لا يُقاس من أيِّ تحديدٍ سابق، وقد عزَّز زعمَه بقولِه إنه لا يمكن بالوسائل المتوفِّرة لدى البشر حساب الوقت الذي تستغرقه عملياتُ التعرية شديدةُ البطء، إضافةً إلى قوةِ الأرض الباطنية التي تؤدِّي إلى رفعِ الصخور؛ وبناءً على ذلك، يمكن أن يكون عُمُرُ الأرضِ ملايين السنين، وقد يكون بلايين السنيين (ونحن نعرف الآن، بالقياس الإشعاعي، أن عمرها يبلغ 4.54 بليون)؛ وكانت معظمُ التحديدات المقدَّمة من جمهرةِ العلماء لا تتعدَّى 6 آلاف سنة؛ وهو الرقمُ الذي اتفق عليه مفسرو الكتاب المقدَّس في ذلك الوقت.
    إلا أن تشارلس لايل، مؤلفَ كتاب "مبادئ الجيولوجيا"، قد استيقن بنفسه في عام 1824، عندما شاهد، بصحبة جيمس هول (صديق جيمس هاتون)، النتوءَ الصخري في منطقة سيكار بوينت على الساحل الشرقي لإسكتلندا، حيث يظهر عليه بوضوحٍ شديد ’اللا توافق‘ الذي تحدَّث عنه هاتون (وعثر عليه بصحبة صديقيه جون بليفير وهول)؛ وهو عبارة عن لسانٍ أو أرضٍ رأسية يوجد بها صخورٌ عمودية قائمةً بين تراصفين من الصخور الرسوبية، مما يؤكِّد أن ارتفاع الصخور لم يكن بفعلِ انحسار الماء -وإلا لَكَانتْ أفقيةً- وإنما باندفاعِها بقوةٍ رافعة من باطنِ الأرض؛ فما كان منه إلا أن ضمَّنها في كتابِه الشهير، الذي أرسل نسخةً منه إلى تشارلس دارون، الذي اطَّلع عليها أثناء وجودِه على ظهر السفينة "بيغل". وعندما وصل إلى أرخبيل غالاباغوس، كان دارون قد وجد بالمصادفةِ السعيدة وحسنِ التوفيق ضالتَيْه: مكانٌ (أو حيِّزٌ جغرافيٌّ) محصور يحتوي على عددٍ من الحيوانات (بينها فينتشاتُه الشهيرة؛ أي عصافيرُه أو شراشيرُه) التي يوجد بينها تنوُّعٌ يسمح بتكيُّفِ بعضٍ منها، بحيث ترتقي (بشكلٍ طبيعي/ وليس اصطناعي، مثل حماماتِه الشهيرةِ أيضاً)، وينشأ عنها أنواعٌ جديدة قابلة للبقاء؛ وزمانٌ (أو عمقٌ تاريخيٌّ) مديدٌ وكافٍ لإكمالِ هذه العمليات البالغةِ البطء؛ وبتضافرِ هذين العنصرين (الزمان والمكان)، تمكَّن دارون من صياغة بنيةِ سردٍ ملائمة لـِ"حُجَّتِه الطويلة" التي صاحبت قصة "النشوء"، التي أودعها كتابه الأشهر: "أصل الأنواع".
    أما في حالة "نشوء" الكون، فإن "الزمان" و"المكان" يلتحمانِ في إطارٍ واحد هو "الزمكان"، حسب ألبرت آينشتاين، وتصبح التلسكوبات المُستخدمة في رصدِ حركة الكون، ليست مجرد أجهزة فعَّالة لتقريب الأمكنة البعيدة، بل هي أيضاً أدواتٌ ناجعة لتقريب الأزمنة الموغلة في القدم؛ فحسب علمِ الفيزياء، فإن طولَ موجاتِ الأشعة الكهرومغنطيسية الصادرة عن جسمٍ تزدادُ وتنزاحُ نحو الأحمر كلما تباعدتْ عن مركزِ الرصد (مثلما أنها تقصُرُ وتنزاحُ نحو الأزرق كلما اقتربت من مركز الرصد)؛ وبما أن ما شاهده إدوين هابل عبر تلسكوبه (قبل أن يتسمَّى آخرُ باسمه) في عام 1929 كان ينطوي على انزياحٍ أحمرَ في كلِّ الاتجاهات، فإن ذلك يعني أن الكونَ في حالةِ اتساعٍ مطَّرد، وأن المجرَّاتِ بالتالي تتباعدُ عن بعضِها البعض بشكلٍ مستمر؛ وبما أن هذا الاتساع يحدث في كلِّ الاتجاهات، فإن من السهل أن نتخيَّل ابتداءَ الكونِ من نقطةٍ واحدة، بتراجعِ "السردِ" من ذروةٍ هي ما يحدثُ الآن في أطرافِ المجرَّاتِ، إلى بدايةٍ سحيقةٍ في القدم، هي نشأةُ هذا الكون من جُسيمٍ متناهٍ في الصغر، كثيفٍ وساخنٍ بلا حدود؛ وهذا باختصار هو المنطقُ "السردي" -إنْ جازَ التعبير- الذي يقبعُ خلف نظرية "الانفجار العظيم".
    ولكنْ (شكراً لِـپنكر على تسهيله مهمة الربط بين الفقرات)، لسنا هنا أمام قصَّةٍ خيالية، بل نظريةٍ علمية قام عليها دليلٌ مخبري (بمعهد ’سيرن‘ بسويسرا)، وأكَّدها دليلٌ آخرُ قاطعٌ كالسيف، وهو إشعاعُ الموجات الصغرى لخلفية الكون (سي إم بي). إلا أنه ينبغي لإدراكِ ’صحَّةِ‘ هذه النظرية، أن ندرك أيضاً أن "الانفجارَ" لم يكن انفجاراً بالمعنى المألوف، كما أنه لم يكن "عظيماً" بأيِّ مقياس! إذَاً، لماذا سُمِّي بـِ"الانفجار العظيم"، في المقام الأول؟ إنها طريقةٌ مجازيةٌ في التعبيرِ، فحسب؛ وقد افترعها فريد هويل، الذي لم يكن مقتنعاً بهذه النظرية في الأساس، ولكنَّ تعبيرَه المجازيَّ قد رَسَخَ مع كثرةِ الاستعمال؛ ولم ينشأ ضررٌ من رسوخِه وسط العلماء، غير أنه مضلِّلٌ إلى حدٍّ بعيد للمبتدئين. لم يكنِ "الانفجارُ" ’انفجاراً‘ بالمعنى المألوف، لأنه لم يكن هناك وقتَ ’حدوثِه‘ فضاءٌ لينفجرَ فيه؛ فالمكانُ، حسب نظرية "الانفجار العظيم"، لم يكن موجوداً، بل أنه نشأ بنتيجةِ ذلك ’الانفجارِ‘ المجازيِّ ذاتِه؛ كما أنه لم يكن ’عظيماً‘، لأن الكتلة المتوفِّرة عند ’حدوثِه‘ لم تكن كبيرةً، بحيث ينتج منها أثرٌ عظيم، بل كانت، في واقع الأمر، متناهيةَ الصغر. ولتسهيلِ التصوُّر، يمكن النظر لـِ"الانفجار" باعتباره انفجاراً للفضاءِ ذاتِه، وليس حيِّزاً يحدُث بداخلِه انفجار؛ إضافةً إلى أن مضاعفة الكتلة المتناهية في الصغر ترليونات المرات (10 ترليون ترليون –واحد وأمامه 25 صفراً- بتقدير ألان غوث) في بضعِ نانوثوانٍ في فترةِ التضخم التي أعقبت "الانفجار" لا تصل بالجُسيم المتناهي الصغر إلى حجمِ الشمَّامِ أو البطيخ (هل تذكر طعمَهُما بعد وجبةِ غداءٍ دَسِمة في عصرِ يومٍ قائظ!).
    نظرية "الانفجار العظيم" المهيمنة حالياً في مجال علم الكونيات، هي تماماً مثل تيار "النيودارونية"، المهيمن في مجال علم الأحياء -والذي يتزعَّمه دوكنز، كما سبقت الإشارة إلى ذلك- فكلاهما يعتمد على نهجِ الإمساكِ بالشجرة؛ فشجرةُ الكون، مثلما هو الحال مع شجرةِ الحياة، تنطلق من منشأٍ واحد، وتتبع مساراً بعينه، وتلزِمُه ضرورةٌ محدَّدة، يُقامُ عليها الدليل، وتنصاعُ الكائناتُ القائمة في إطارِه لقوانينَ مُلزِمةٍ للكل. صحيحٌ أن ميكانيكا الكم تكسر هذه الضرورة (وهو موضوعٌ لا أريد الخوضَ فيه هنا، لأنني قد خصَّصت له مكاناً في "حروف الكون" ضمن "ثلاثية الحروف المضيئة"، وسأطلعك عليها في حينه)، ولكنني لا أريد أن أبرحَ علمَ الكونيات، قبل أن أوضِّحَ بأن هذه الضرورة قد هُدِّدت من داخله، ببروزِ نظريةِ الأكوانِ المتعدِّدة أو الكونِ متعدِّدِ الأكوان.
    فحسب التصوُّرِ التقليدي لنظرية "الانفجار العظيم"، فإن ’الانفجارَ‘ أعقبته مباشرةً فترةٌ تُسمى "التضخُّم"، نتج عنها اتساعٌ للفضاء، وكان معدَّل التضخم معادلاً بصورةٍ أو بأخرى لقوة الجاذبية؛ وقد اشتملت النظرية النسبية العامة على تضمينٍ افتراضيٍّ لهذه القوة المضادة للجاذبية. ولكن ألان غوث بنى عليها في بداية الثمانيناتِ من القرن الماضي فكرةَ الكونِ متعدِّدِ الأكوان؛ وهي أكوانٌ تنشأ بنتيجةِ ازديادِ معدَّل التضخم، وتجاوزه للاتساع التقليدي، بحيث يتغلَّب على معدَّل الجاذبية، ويؤدِّي إلى تمطيط الكون وتسطيحه، وانبثاقِ عددٍ محدَّدٍ أو لانهائي (وفقاً لمعدَّل التضخم، وهو غيرُ معروفٍ ولا يمكن حسابه حالياً) على أطرافِ أو فيما وراءِ الكون المرئي. وقد راقت هذه النظرية لعددٍ من علماء النسبية العامة، بينهم -وربما أشهرهم- ليونارد سسكند من جامعة ستانفورد الأمريكية. ما يهمُنا من هذه النظرية هنا هي أنها أدخلت عنصرَ الاحتمال، وخلخلت الضرورة التي تشتمل عليها نظرية "الانفجار العظيم" بشكلِها التقليدي؛ أي أنها انتقلت، حسب تصوٌّرنا لها، من نهجِ الاستمساك بالشجرة إلى الاستظلالِ بغابةٍ متراميةٍ فيما وراء الأفقِ المرئي.
    ينبغي هنا أن نتوقَّفَ قليلاً لنوضِّحَ ما نعني بمفهوم الضرورة الذي نضعه في مقابل مفهوم الاحتمال، وذلك قبل أن نتحدَّث عن هذين النهجين في مجال اللغة، خصوصاً وأن مفهوم الضرورة يرتبط بصورةٍ خاصة بمفهومَي الشكل والمحتوى، اللذين لا يخفى على أحدٍ أهميتهما بالنسبة للغة بصورةٍ عامة، والأدب بصورةٍ خاصة. ففي العلوم الطبيعية، تتجلَّى الضرورة في الصيغ الرياضية المعروفة، فترتبط بالشكل؛ كما تتجلَّى فيما يُعرف بثوابت الطبيعة (وهي مقاديرُ محدَّدةٌ لا يمكن تفسيرها حالياً بنظريةٍ أكثر عمقاً)، فترتبط بما يُسمى بالمحتوى (المقابل للمضمون في مجال الأدب). وعلى سبيل المثال، ترتبط نظرية نيوتن بصيغةٍ رياضية معروفة ( )، كما ترتبط بمقدارٍ محدَّدٍ لقيمةِ ثابتِ الجاذبية (G)؛ ومن جانبها، ترتبط النظرية النسبية منذ بروز صيغتها الخاصة في عام 1905 بصيغةٍ رياضية شهيرة ( )، كما ترتبط بمقدارٍ محدَّد لقيمةِ ثابتِ سرعةِ الضوء (c). ووفقاً لذلك، ينشأ احتمالان بالنسبة للأكوان الأخرى، فهي إما أنها مختلفةٌ عن هذا الكون في المقادير (ولا يشبه كونٌ آخرُ هذا الكون، إلا إذا تساوتِ المقادير)، أو أنها مختلفةٌ في الصيغ الرياضية نفسها (وفي هذه الحالة، يتعذَّر وجودُ شبيهٍ لهذا الكون).
    بعد أن تتبَّعنا نهجَي الشجرة والغابة في علمَي الأحياء والفيزياء، دعنا نرصد طريقة عملهما في مجال اللغة. فعلى وجهِ العموم، تتأرجَّح اللغة بمعماريتها الرأسية (من الصوتِ إلى الدلالة)، كقاربٍ شراعيٍّ على أمواجِ بحرٍ متلاطمة، بين التوصيفِ والوصف. يشدُّها التيارُ الأول نحو القَوْلَبَة، والصرامة، والجمود؛ بينما يميل بها التيارُ الثاني نحو التساهلِ، واللينِ، وقابلية التطوُّر (إنْ لم نقل التفكُّك والانقراض). ويمكن التمثيل على ذلك بعلمَي النحو والصرف لقُربِه من السلوكِ اللغويِّ في حياة الناسِ اليومية؛ فمَنْ مِنَّا لم يتعرَّض منذ الصغر لحملة "قل أو لا تقل"؛ ومَنْ مِنَّا لم يسمع بتمرُّدِ هذا الشاعر أو ذاك على قواعد اللغة أو صيغها الصرفية المُلزِمة. ورحِم اللهُ ابن جني وغفر له اشتطاطَه الواضحَ أحياناً، فقد كان ينبري للدفاع عن المتنبي ويجد له المخارجَ والحيلَ اللغوية البارعة ("الفتح الوهبي على مشكلات المتنبي")، هذا غير دفاعه عن القراءاتِ الشاذَّة في القرآن. وكان رغم انتماءِ أستاذه أبي علي الفارسي إلى مدرسة البَصرة (والتي يُحسب أحياناً ضمنها)، يتخذُ مكاناً وسطاً بين مدرستي البَصرة والكوفة. وربما يفسِّر هذا الموقفُ الوسطي سرَّ معاناتِه وتأرجُّحَه في إيجادِ إجابةٍ أو ترجيحٍ لأيٍّ من الإجاباتِ الواردة حول أصل اللغة. ولولا خوفٌ من تطويل، لأوردت فقرةً كاملة من كتابه الأشهر "الخصائص".
    أرست مدرسة البَصرة أسسَ القياسِ والتعليل، وتميَّزت مدرسة الكوفة عنها فوق ذلك باتساعِها في الروايةِ والقياس. ويجدُر هنا، تقديراً للأمهاتِ الأربع وتطييباً لخاطرِهن، أن نُبَسْمِلَ ونستغيثَ ثلاثاً بالشيخ إبراهيم المكاشفي قبل أن نضمَّ "العقربَ" و"الزنبورَ" إلى حقلِ هذه الرسالة التي امتلأت بالحيواناتِ الواردةِ إليها من كافَّةِ العصور، فقد أورد النحويُّ النابه أبو البركات الأنباري نحو مئةٍ وعشرين مسألةً في "الإنصاف في مسائل الخلاف"، لتوضيحِ الاختلاف بين النحويين البَصريين والكوفيين، والنصرة لكليهما على سبيل الإنصاف؛ إلا أن أشهرَ مسألةٍ وأكثرها دلالةً على اتساعِ الكوفيين في الرواية والقياس هي المسألة "التاسعة والتسعون" أو ما اشتُهرت في الأدبيات النحوية بـِ"المسألة الزنبورية"؛ وسببُ تسميتِها ناتجٌ من ’حكايةٍ‘ مشهورة بين الكسائي وسيبويه، حيث سأل الأولُ الثاني في مجلسٍ محضور: كيف تقول: "كُنْتُ أظُنُ أن العقرب أشدُّ لَسْعَةً من الزُّنْبُورِ فإذا هو هي، أو فإذا هو إيَّاها، فقال سيبويه: "فإذا هو هي"، ولا يجوز النصب. فقال له الكسائي: لَحَنْتَ.
    ولم يكتفِ الكسائي بذلك، بل استعان على سيبويه بأعرابٍ من عشيرة الحُطَمة النازلين ببغداد، أوقفهم على بابِ دارِ يحي البرمكي، فأيَّدوه عندما تمَّ استدعاؤهم حسب طلبه؛ إلا أن تأييدهم لا يؤبه له في الحقيقة، لأنهم لم يكونوا على درجةٍ عاليةٍ من الفصاحة أو قلَّت فصاحتهم بمساكنتهم لأهلِ المدن، وكان البَصريون يعتمدون في الرواية على العرب الخُلَّص ولا يأخذون عن سكان المدن أو البراري التي تحيط بها. بمعنًى آخر، فإن عرب الحُطَمة، سكان البراري، الذين جِيء بهم لإقامةِ الدليل، هم في أصلِ الخلاف القائم بين البَصريين والكوفيين، ولا يصحُّ تقديمُهم لنصرةِ أحد، إلا هروباً من مواجهةٍ أو افتراضاً لحُجَّةٍ دون تقديمٍ لاحتجاج؛ فقولهم في هذا الموضع "فإذا هو إياها" من الشاذِّ الذي لا يُعبأ به، حسب وجهة نظر البَصريين. وعموماً، تتشدَّد البَصرة فيمن تأخذ عنهم الشِعرَ والتعبيراتِ اللغوية؛ وتتساهل الكوفة، وتأخذ حتى عن الأعرابِ الذين تحلَّقوا بحواضر العراق، مما دفع أحدُ البصريين للافتخارِ عليهم بقوله: "نحن نأخذ اللغة عن حَرَشة الضباب وأكَلَة اليرابيع، وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز (اللبن الرائب بعد استخراج مائه) وباعة الكواميخ (المخلَّل)".
    وحول أصل اللغة أإلهامٌ هي أم اصطلاح، يقرٌّ ابن جني بأن "أكثرَ أهلِ النظر على أن أصلَ اللغة إنما هو تواضعٌ واصطلاح، لا وحيٌ (وتوقيف)"، هذا بالرغم من أن أستاذه أبا علي الفارسي يرى أنها هي من عندِ الله، ويحتجُّ بقولِه سبحانه: "وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها"؛ إلا أن ابن جني يرى بأن طرحَ أستاذِه "لا يتناول موضِعَ الخلاف. وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويلُه: أقدر آدمَ على أنْ واضعَ عليها؛ وهذا المعنى من عندِ الله سبحانه لا محالة". ولأبي الحسين أحمد بن فارس رأيٌّ طريف عرضه في كتابِه "الصاحبي"، في "باب القول على لغة العرب: أتوقيفٌ أم اصطلاح؟"؛ حيث يقول بلا تردُّد إن لغة العرب توقيف؛ وهي لم تأتِ "جملةً واحدة"، وإنما وقَّف اللهُ جلَّ وعزَّ آدمَ عليه السلام على ما شاءَ أن يعلِّمَه إياه مما احتاج إلى علمِه في زمانِه ..ثم علَّم بعده عربَ الأنبياء صلوات الله عليهم نبيَّاً نبيَّاً ما شاءَ أن يعلِّمه، حتى انتهى الأمرُ إلى نبيِّنا محمد (صلى الله عليه وسلَّم)، فآتاه اللهُ جلَّ وعزَّ من ذلك ما لم يؤتِه أحداً قبله..ثم قرَّ الأمرُ قرارَه، فلا نعلم لغةً من بعدِه حدثت".
    ما يهمنا من كلام النحويين العرب القدامى حول أصل اللغة، هو أنها، تماماً كمالأحياءُ والفيزياءُ، يتنازعها منحَيان: منحًى يُدْرِجها ضمن مسارٍ واحد، يبدأ من أصلٍ هو "تلك الشجرة" التي أكل منها آدمُ، ثم تتفرَّعُ في الأرضِ، إلى أن تصِلَ إلى اللغةِ التي نتحدَّثُ بها اليوم؛ ومنحًى يُوقِفُها على مواضعاتِ الناس واصطلاحاتِهم على مرِّ العصور، مما يعرِّضها إلى إمكانية التطوُّر أو الاندثار. المنحى الأول يرتبط بالنهج الذي أسميناه نهجَ الشجرة، الذي يعتمد على قوانينَ ثابتةٍ وشروطٍ صارمةٍ للاستخدامِ اللغوي، لعل أبرزها ذلك التوجُّه المعياري الذي يتمُّ صياغته -أمراً ونهياً- في عبارة :قل ولا تقل"؛ والمنحى الثاني يرتبط بنهج الغابة، الذي يعتمد على ديناميكية اللغة ومشروعية التعدُّد ضمن اللسان الواحد، مما يسهِّل مهمة المواكبة، إلا أنه -للسببِ نفسِه- محفوفٌ بمخاطرِ التمييع، إنْ لم يصلْ به الأمرُ في نهاية المطاف إلى درجةِ الانقراض.
    وإذا انتقلنا من أصلِ اللغة إلى بلاغةِ التعبير في إطارِ تاريخِ اللغةِ العربية، فإننا نجد نفس المنحَيين المذكورين: ينعكس المنحى الأول في موقف البلاغيين من التشبيه، بينما ينعكس الثاني في موقفهم من الاستعارة. فقد لقي التشبيه اهتماماً وإعجاباً شديدين من قبل اللغويين، لدرجةِ أن أبا الهلال العسكري قد قال عنه في "كتاب الصناعتين" إن جميع المتكلمين من العرب والعجم قد أطبقوا عليه ولم يستغنِ أحدٌ منهم عنه؛ بل جاء منهم "ما يُستدل به على شرفه وفضله وموقعه من البلاغة بكلِّ لسان". وسرُ الاهتمام بالتشبيه ناتجٌ من إبقائه على الحدود القائمة بين طرفين هما: المشبَّه والمشبَّه به؛ فمهما أُضفي على هذه العلاقة من غرابةِ التعبير وندرته، فإنها تظلُّ محكومةً بتوازنٍ لا يلغي التمايز، ولا يضحِّي بالوضوح؛ وتظلُّ أداةُ الشبه بارزةً كعلامةٍ دالَّةٍ على الارتباطِ الوثيق بين الطرفين؛ وحتى لو سقطتِ الأداةُ إمعاناً في الإيجاز أو مبالغةً في إظهارِ التشابه، فإن ذلك لا يُلغي التمايزَ القائم بينهما. لذلك لم يخشَ أحدٌ من البلاغيين الأوائل من الإسرافِ في التشبيه، ولم تعترِ أيَّاً منهم خَشيَةٌ من تقويضِه لوضوحِ الدلالة.
    على أن الأمرَ ليس كذلك بالنسبة للاستعارة؛ فقد رأى فيها بعضُ الأقدمين خطورةً على وضوحِ المعنى؛ وهو ما كانوا يصفونه بالغموض. فباستنادِ الاستعارة على طرفٍ واحد، بحذفِ المُشبَّه وأداةِ التشبيهِ معاً، ينشأ ارتباكٌ حول طبيعةِ المُشبَّه به، مما يستدعي تجوُّزاً أو انتقالاً من ظاهرِ اللفظ المُستخدم إلى ’حقيقتِه‘، مما يعرِّضه إلى عددٍ لا يُحصى من التكهُّنات. وقد انحصرت جهودُ البلاغيين القُدامى في تقييدِ الاستعارة بإلزاماتِ التشبيه، من تحديدٍ منطقيٍّ لأوجه الشبه، والتناسب اللازم بين الأطراف المقارنة، حتى لا تختلط الحدود، وتتداخل المعالم، وتتشابك أغصانُ المعاني فيما وراء الأفق المرئي. إلا أن عبد القاهر الجرجاني قد وضعها في مرتبةٍ أعلى من التشبيه، لقدرتها على إصابةِ المعنى بأكبرِ قدرٍ من الإيجاز. ولكن بما أن الاستعارة عند عبد القاهر هي واحدةٌ من طُرُقِ الإثبات التي قوامها الادِّعاء، فإن نجاحَها رهينٌ بالإصابة في ’صِحَّةِ‘ ما تدَّعيه، إلا أنها مع ذلك تظلُّ مفتوحةً على كلِّ الاحتمالات، ومن هنا خطورتها التي عبَّر عنها الأقدمون بمصطلح الغموض.
    لا تخلو لغةٌ إنسانية من استخدامِ التشبيه؛ وبما أن له ارتباطاً وثيقاً بالتناسبِ المنطقي، فإنه يرِدُ بكثرةٍ في وصفِ العلوم المختلفة وفي كتابةِ تاريخها؛ أما الاستعاره، فإنها ترتبط بشكلٍ أكبر بالشعر والرواية. وللأستاذ الراحل جمال محمد أحمد، أولِ رئيسٍ لاتحاد الكتَّاب السودانيين، رأيٌ طريفٌ حول الرواية والتاريخ؛ وطرافته ليست نابعةً من السَعَةِ والتحرُّرِ الناشئين من الانتقال المدهش من حرفيَّةِ التاريخ إلى بلاغةِ الرواية، وإنما مصدرُها ناجمٌ عن رأيِّهِ حول التاريخِ ذاتِه، فقد كان يرى في التاريخ، حسب ما ورد في دراسةٍ له حول "الرواية والتاريخ"، ما كان يراه فيكو؛ وما كان يراه الفيلسوفُ الإيطالي غيامباتيستا فيكو، هو أن هناك احتمالاً قوياً بأن الناسَ في فتراتٍ تاريخية مختلفة يمتلكون أنظمةً متباينة للفكر، مما يعني أن حرفيَّةَ التاريخِ ذاتِها خاضعةٌ لأنماطِ التفكير المتنوِّعة، الأمر الذي يضاعف من حريَّةِ الانتقالِ في مجالِ التعبيرِ الروائي؛ هذا بالإضافة إلى مزيَّةِ الانتقالِ من المعطياتِ الخارجية للحسِّ إلى الدفقاتِ الداخلية للشعورِ.
    من الجائز أن يكون الأستاذ جمال محمد أحمد قد توقَّف في مشوارِ التماسِه لقبسِ الحداثةِ الأوروبية، بحُكمِ السنِّ، عند فيكو؛ ولكنَّ شبابَ الكتَّابِ، في منتدياتهم التي غصَّت بها دارُهم في المقرن، كانوا ينشدون فكاكاً من إسارِ التقليد، فينتهجون بنيويةً لهم ثم تفكيكاً، فينتقلون في سلاسةٍ ويُسر من فيكو إلى فوكو؛ فيتعلَّمون من الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حِرفة التنقيب، وكيفية إجراءِ حفرياتٍ عميقة في حقل المعرفة. إلا أن أولَ رئيسٍ لاتحاد الكتاب السودانيين كانت له أيضاً حفرياتُه المتميِّزة؛ فبينما كان الشبابُ يهرعون ويتقاطرون سراعاً للانضواءِ تحت أسلوبيَّةٍ معاصرة، ظلَّ أستاذُنا الكبير ينقِّب بصبر في بنيةِ اللغة العاميَّة السودانية، ويجد لها وشائجَ وارتباطاتٍ وصلاتِ نَسَبٍ وقُربى باللغةِ العربيةِ الكلاسيكية، فيُرفِدُ كتاباتِه بدفقاتِ مشاعرَ حيَّةٍ، نابعةٍ من وصلِ اللغةِ الشعبيَّةِ الحميمة برَحِمِ أمِّها الفُصحى، فيكون له بين جمهرةِ الكتَّاب جميعهم، صغيرهم وكبيرهم، أسلوبُه الأدبيُّ الخاص، ذو النكهةِ الجماليَّةِ المُحبَّبة.
    ولكنْ شتانَ ما بين الأسلوبيَّة والأسلوب؛ الأسلوبُ فرديٌّ وذو نزعةٍ ذاتيّةٍ محفوفةٍ بشتَّى الاحتمالات، فيما تأخذُ الأسلوبيَّةُ بُعداً موضوعياً، باعتبارِها من ناحيةٍ أولى جهداً قام به عددٌ من الباحثين اللسانيين لإرساءِ علمٍ للأسلوب؛ وبما أن الأسلوب هو في الأساس عملٌ أدبيٌّ يتحدَّد عبر صياغاتٍ إبلاغية، فإن مهمَّة الباحث اللساني في هذا المجال تنصَّبُّ حول معرفةِ الخصائص اللغوية التي يتحوَّلُ بمقتضاها الخِطابُ من وظيفتِه الإبلاغية إلى تأثيرِه البلاغي، أو من بُعدِه الإخباري إلى أثرِه الجمالي؛ وباعتبارِها – أي الأسلوبيَّة- من ناحيةٍ ثانية توصيفاً جماعياً أو تصنيفاً نقدياً تنخرطُ في إطارِه أساليبُ كُتَّابٍ من مدرسةٍ بعينها أو من فترةٍ تاريخيةٍ محدَّدة. ووفقاً لهذا التقسيم، تقع الأسلوبيَّة ضمن نهج الشجرة الذي يسمح بصياغةِ قوانينَ شاملةٍ للأسلوب، تُوهم بامتلاكِها لضرورةٍ لها سمةُ العلمِ وبنيتُه المنطقية المستقرة؛ فيما يقع الأسلوبُ نفسُه، وهو المادةُ الأساسية للأسلوبيَّة، ضمن نهجِ الغابة الذي يستعصي على الإحاطةِ العلمية، لتعدُّدِه، ونسبيتِه، ولانطوائِه على عددٍ لا يُحصى من الاحتمالات.
    في عام 1985، كان الكتَّابُ الكبار، من أمثال جمال محمد أحمد، قليلي العدد في الخرطوم؛ وكان الأستاذ الشاعر محمد عبد الحي يخشى من قيامِ الاتحاد في غَيبَةِ الكبار (الطيِّب في لندن، وصلاح في باريس، وجَيلي في موسكو)، إلا أن الأستاذ على المك، وعدداً من ناشئةِ الكتَّاب كانوا يهدِّؤون من خاطرِه ويطمئنونه ألا خَشيةَ عليهم من الأغلبية الميكانيكية التي يملكها الصغار. وكان الأستاذ بشرى الفاضل، بما يملك من موهبةٍ فذَّة وتقديرٍ أكاديميٍّ عال، مرشَّحاً لأنْ يُحدِثَ توازناً مناسباً بين الفئات العُمُرية داخل الاتحاد، وقد نجح إلى حدٍّ ما في تحقيقِ ذلك، إلا أنه لم يكن ذا صلةٍ لصيقة أو على درايةٍ كافيةٍ باتجاهاتِ وميولِ الكتَّاب ذوي السنِّ الأصغر، ناهيك أن يكون قادراً، في منتصف الثمانيناتِ من القرن الماضي، على تقييمهم أو التمييز بينهم. وكان بشرى، منذ "الفقسِ" (التي حصُل على اسمها بإذنٍ كريمٍ من الأستاذ جعفر طه حمزة – لَكَمْ أشتاقُ إلى أحاديثِه العذبة وحكاياتِه التي يصعُب التمييزُ فيها بين الواقع والخيال) يقفُ على قمَّةِ مجموعةٍ من القصَّاصين السودانيين، وكنتَ أنتَ، يا أخي وصديقي عادل القصَّاص، تقفُ على قمَّةِ مجموعةٍ أخرى، سيرِدُ فيما يلي تفصيلٌ لكلتيهما.
    يأتي في طليعةِ المجموعة الأولى القاصُّ الشاب ذو الإحساسِ المرهف والنبوغِ المبكِّر سامي يوسف غبريال، يليه شابٌ تتَّقد عيناه ذكاءً وتفتُّحاً مبكِّراً، هو القاصُّ من الله الطاهر من الله؛ وقد رافقتُ كليهما خلال أيام الطلبِ الباكرة إبان المرحلةِ المتوسطة، وكان بمدرسة بيت الأمانة نهران: شرقٌ وغرب؛ وكان كلا القاصَّيْن بالضفَّةِ الشرقية، تضمُهما جمعيَّةٌ أدبيَّة يرعاها القاصُّ الأستاذ الشاب عيسى الحلو، وكانت باكورة إنتاجه "ريش الببغاء" قد خرجت لتوِّها من المطابع، ولا زالت رائحةُ الحبرِ عالقةً بأغلفةِ النُسَخِ المعروضة في المكتباتِ وأكشاكِ الجرائد؛ وكنتُ في الضفةِ الأخرى، على هامشِ الجمعيَّة الأدبيَّة تحت رعاية المعلِّم الفذ شيخ مصطفى عبد المولى، خزانة الأدب العربي: أشعارُه، وأمثالُه، وحِكَمُه، وأقوالُه المأثورة؛ وكان لا يطرأ طارئٌ أثناء اليوم الدراسي إلا وقابله بما يُطابِقُه من خزانتِه التي لا يفلت من مظلَّةِ تفسيرِها حدثٌ عارضٌ أو قولٌ يوميٌّ ممجوج.
    لم يمهلنا سامي يوسف كثيراً للاستضاءةِ بنورِ علمه وحداثته؛ كان شغوفاً بالمعرفة، مُحِبَّاً للكتابة، إلا أنه كان متلهفاً مع ذلك للرحيل؛ فمضى بلا تردُّد، فكان رحيله صادماً لذويه ومحبيه على قدم المساواة؛ وتفاجأ العديدون من المهتمين بشؤونِ الأدب بموتِه المُفجع، مثلما تفاجئوا أولَ مرَّةٍ بنبوغِه المبكِّر. أما من الله، فقد راجت سيرتُه في المنتدياتِ والأوساطِ الأدبيَّة الأمدرمانية لفترةٍ من الزمن، إلا أن مهنة الطب قد سحبته من صفوةِ المدينة الموسومةِ بالقلقِ الستيني الوجودي، وألقت به هاشَّاً باشَّاً إلى عمومِ المرضى بمُستشفى أمدرمان التعليمي. وكنتُ على هامشِ الجمعيَّةِ الأدبية، بعيداً عن الأدب والسلوكِ الجمعي. صحيحٌ أن شيخ مصطفى قد فتح ذهني على أسرارِ النحوِ والصرف، وكنت أرى من خلالهما نافذةً تفتح على المنطق، إلا أنني كنت أكتفي بالوقوف على شاطئ الأدب، ولم أكن أرى مسوِّغاً كافياً للانغماسِ في لجَّته أو السباحةِ المحترفةِ في مياهِهِ العميقة.
    ويأتي ضمن المجموعة الأولى القاصُّ الشاب الحَيِيُّ، ذو الرهافةِ والشفافيةِ العالية، هاشم محجوب، وكان يقابله في معالجةِ الكتابة شعراً، والبحثِ عن بدائلَ للأطرِ الأدبيَّة المستقرة، الشاعر الشاب محجوب كبلو. رافقت كليهما إبان المرحلة الثانوية، وكانا على طرفي نقيضٍ في صياغةِ أحلامهما، وفي تخيِّر توسُّلهما لأجناسِ الأدب؛ لكنهما كانا مُتَّحِدَيْن في رؤيتهما لمستقبله، وفي تقاسمِهما لاسمٍ لا يُنسى (فهو اسمٌ لأخي الأصغر، الذي رحل مبكِّراً هو الآخرُ في تلك الفترة، فسمَّيتُ عليه ابنيَّ الأكبر، حَفِظَه الله)، وفي مناهضتهما للتيارِ العام الذي يُرسِي التقليدَ أساساً لتجميدِ محاورِ الكتابة. وكان لإمِّ هاشمٍ كوخٌ بمنطقة "القماير"، وكنَّا نعمُرُه بمعيَّة يحي زروق، وبشرى عبد الكريم، والمرحوم عبد المنعم الطيِّب؛ وكنَّا نحلم، في ذلك الوقت، بترسيخِ أساسٍ لدولة العدل والمساواة بين قاطني الأكواخ العشوائيَّة؛ وفي الطرفِ المقابل، كان محجوبٌ يحلم بإرساءِ نفسِ الأساس على أرضيَّةٍ إسلاميَّةٍ جديدة بين مزاولي الصلاة في مسجدِ الحيِّ العادي بـِ"ود أرو"، المجاور لـِ"سبيل خلف الله". وكان الفارقُ، وقتَها، بين الحُلُمَيْن ضئيلاً، لغيابِ تجربةِ الحكمِ الفعلي، ولتشاركهِما في مُعاداةِ التقليد.
    وكانا ينخرطانِ في منتديات أمدرمان التي تضمُّ بين عضويتها الراحل عمر الطيِّب الدوش، والتجاني سعيد، وكامل الطيِّب إدريس، وغيرهم؛ وكنت رغم محاولات هاشم محجوب ودعواته المتكرِّرة، لا أرغب في الامتزاج بدوائرِ الأدب، وأُفضِّلُ، عوضاً عنها، الاحتماءَ بدفءِ اللغةِ المستقرة، وبناءاتِها المنطقية المُطَمْئِنَة. لكن سرعان ما انجذب هاشمٌ إلى أوكارِ حيِّ العمدة وبريقِ سَحْبِ المراهناتِ القادمِ مع "توتو كورة"، فتوقَّف زمناً عن الكتابة، ثم غطَّته المهاجرُ العربية بسُحُبِ الصمت الداكنة، إلى أن عاد قريباً، وأرجو أن تكون خزانته مازالت ملأى بتحفِ السردِ والذكرياتِ الباقية. ثم انشغل محجوبٌ زمناً بتوترٍ ستيني، ثم ساقته المهاجرُ إلى مخابئها الواسعة، إلى أن عاد إلى الظهورِ عبر أعمدةِ الصحفِ المحليَّة، وأرجو أن تكون ذكرياتُه حافلةً بقديمٍ راسخٍ، متجدِّداً عبر الحقب، وأن تكون حقيبتُه أبعدَ غوراً مما يتسعُ به العمودُ اليوميُّ المتعجِّل.
    وينضمُّ إلى المجموعةِ الأولى أيضاً رجلٌ ذو حواشٍ رقيقة، ومناقيرَ مُعَدَّةٍ لالتقاطِ ما استدقَّ من تفاصيلِ الحياةِ اليوميَّة، وقدرةٍ فائقةٍ على "الفقسِ" في كلِّ لحظة؛ وهو الكاتبُ المفكِّر الفذ جعفر طه حمزة. كرَّس لرواية "المداري" وقتاً أطول مما قضاه الماحي علي الماحي في تصوُّرِ "التصعيديَّة"، أو الشيخ محمد الشيخ في تطوُّرِ "الفاعليَّة"، حتى أصبحنا وكأننا لا ندري: أيكتبُ "المداري" أم أن روايته "المداري" تكتبه لحظةً إثر لحظة؛ ففي حضرةِ حمزة، يختلط الواقعُ بالخيال، وتمتزج الرؤى بالرؤيا، ويفوحُ في المكانِ عطرٌ صادرٌ من أعماقِ روحِه القصيَّة. فالقصُّ عنده حياةٌ ممتدةٌ عبر الأزمنة، مثلما أن الحياة لديه مشدودةٌ دوماً بخيوطٍ من سرد. وكنا نضجر أحياناً من حياةِ الداخلياتِ الرتيبة بثكناتِ الجيشِ البريطاني "البركس"، فنذهبُ معه إلى "الكدرو"، فيذهب عنَّا الكدر، في حوشٍ ممتدٍ إلى أبعدِ حد، وهو خطُّ السكك الحديدية؛ ولا بدَّ أن تقادمَ العهدِ، وتكاثرَ السلالةِ، حسبما قدَّر اللهُ، قد قسَّما تلك الرقعة الممتدة، حتى ضاقت، كما الوطنُ الواسعُ، بساكنيها.
    للدبلوماسيَّةِ سحرُها الذي لا تُخطئه العينُ الفاحِصة، كما أن للحياةِ الأكاديميَّةِ بريقُها وغواياتُها؛ وقد تعاون السحرُ والغواية في اختطافِ حمزة من محيطِه الروائيِّ الأثير ليغطيانه بضبابيَّةِ الحياة الدبلوماسيَّة، والغبارِ المُثارِ من مجلَّداتِ الكتب ورفوفِ المكتباتِ العتيقة؛ مثلما تعاونت مهنةُ المحاماةِ والسياسةُ اليومية المتلاحقة في اختطافِ ساحرٍ آخرَ من فنون القصِّ، قبل أن يختطفه إجرامٌ غادر في جنوب لندن، وهو القاصُّ الذكي، ذو الروحِ المتأجِّجة على الدوام، عبد السلام حسن عبد السلام. كان يعشق كافكا عشقاً لا فكاكَ منه، حتى بعد أن تعرَّف في نهاية السبعيناتِ على عالم ماركيز. كان يتدفَّقُ في الكلام، ولا يعترف بفواصلِه أو نقاطِ توقُّفِه. كانت تدفعه روحٌ لا تغفو أو تنام؛ وعندما يستسلمُ الجسدُ أخيراً إلى النوم، سرعان ما يصحو ويواصل ما انقطع من حديثٍ، بحرفِ ربطٍ (لا أظنُّ أن پِنْكَر سيقرُّه كبرزخٍ بين عالمَيْن) وكأنَّه لم ينقطع إلى نومٍ أو أحلامٍ ليلية. وكان في ذلك تماماً مثل وجدي مصطفى طه، وهو الفيلسوفُ الذي لم نحصُل إلى الآنَ عليه؛ ربما بسببٍ من أن الدبلوماسيَّة قد أجرت سحرها أيضاً عليه، إلا أن الأملَ معقودٌ في أن لا تنجح الحياةُ الأكاديميَّة بنيويورك في حجبِ ظهورِه إلى الأبد؛ فالفيلسوفُ الحقيقي، كالنبعِ الجوفي، لا تقفُ صخرةٌ أو عائقٌ جيريٌّ أمام بروزِه المحتوم أو تدفقِه اللاحق الذي لا مفرَّ من حدوثِه.
    وينضافُ إلى هذه المجموعة باستحقاقٍ وجدارة قاصٌّ شاب متعدِّد المواهب، اشتُهر بترجماته لأقاصيصَ قصيرة أو أقصوصاتٍ لكافكا، كما اشتُهر أيضاً بتأليفه لمسرحية "حكاية تحت الشمس السخنة"، ولاحقاً رواية "سن الغزال"؛ إلا أن مواهبه لا تقفُ عند هذا الحد، فقد كان يعزف الكلارنيت منذ تتلمُّذِه على يد الصول حسن بالمدرسة الأهلية الثانوية، والساكسفون أمام أستاذ فاروق (دارسِ الموسيقى، الذي رحل عنَّا قبل تأسيسِ معهدٍ وطنيٍّ لها في عام 1968)، والعود برفقة هاشم حبيب الله ومحمد إسماعيل الأزهري، والمزمار والهارمونيكا ليُذهب عن نفسه، وعنَّا ساكني داخلية بحر العرب، وحشةَ الانعزال ومرارةَ العهدِ الدكتاتوريِّ الثاني، وذلكم هو القاصُّ المبدع صلاح حسن أحمد. ترافقنا في المرحلتين الثانوية والجامعية، إلا أننا لم نلتقِ إلا في مراتٍ معدودة في المهجر بلندن، رغم الإقامة الطويلة، وحقيبة الذكريات المنتفخة، وكثرة الأصدقاء المشتركين.
    لم ينقطع صلاح عن الكتابة، ولكن حرفة الصحافة أخذت جُلَّ وقتِه، منذ مجلة "سوداناو" وإلى صحيفة "الشرق الأوسط" بلندن. وأثناء فترة عملِه في إدارة تحرير المجلة، التي كانت تشرف عليها وزارة الثقافة والإعلام، تقدَّمتُ إلى صلاحٍ بأولِ نصٍّ أكتبه باللغة الإنجليزية، فقامت إدارة "سوداناو" بنشرِه في عام 1980؛ وكان النصُّ تحت عنوانٍ يمكن ترجمته بما يلي: "تحليقٌ انسيابيٌّ فوق حَرَمِ الجامعة"، وقد ساهم بيتر ڤيرني مشكوراً في تحريره؛ ولم ألتقِ به أيضاً في لندن، رغم أنه كان يُصدِرُ نشرة "سودان أپديت"، وقد ذهبت إليه مراراً في صحبة الراحل عبد السلام حسن، إلا أنني لم أُسعَد في أيٍّ من المرَّاتِ بمقابلته. ولأن النصَّ كان مفارقاً لما عُهِد الناسُ عليه، فقد طلبت منِّي إدارةُ المجلة أن أكتبَ توضيحاً للإدارة، حتى تكون على بيِّنةٍ من أمرِها، إذا استدعى الحالُ الدفاعَ عن النص. وبالفعل، كتبت تقييماً نقدياً للطريقة التي استحدثتها في الكتابة، وهي عبارة عن أسلمةٍ عفوية لنمطٍ ألمانيٍّ معروفٍ في الكتابة.
    اشتُهر شوبنهاوز ونيتشه وفيتجنشتاين بوضعِ أفكارهم في شكلِ أفوريزمات، وهي فقراتٌ تحتوي على حِكَمٍ أو أقوالٍ مأثورة أو ملاحظاتٍ ثاقبة تنبثقُ منها حقائقُ عامَّة، وما أضفته أنا لهذه الأفوريزمات هو وضعُ الفقراتِ في شكلِ خرزٍ يتم اختراقه بخيطٍ، هو الفكرة الرئيسية، فيأخذ العملُ بمجملِه شكلَ المِسبحة؛ كلُّ خرزةٍ منها مستقلةٌ بذاتِها، إلا أنها مرتبطةٌ بذاتِ الخيط مع الفقراتِ التي تسبقُها وتليها، وتكوِّنُ بهذا الارتباطِ نفسِه بنيةً واحدة، هي التي تُكسِبُ العملَ وحدتَه الشكليَّة والموضوعيَّة معاً. وسأكون مُمْتَنَّاً لو أن دارَ الوثائقِ المركزية تحتفظُ بأرشيفٍ مكتمل لكافَّةِ مكاتباتِ المجلة، وليس أعدادها فقط، أو كان أحدُ العاملين بها، ومن ضمنهم صلاح حسن أحمد، قد احتفظ لنفسِه بقطعةٍ مصوَّرةٍ من الأرشيف، أو صورةٍ لهذا التقييم النقدي بالذات؛ أما عددُ المجلة الذي نُشر فيه العملُ نفسُه، فقد كان ضمن المجلد الخامس، العدد رقم 11، الصادر في شهر نوفمبر من عام 1980.
    بعد نشرِ العملِ مباشرةً، انتبهتُ إلى أن قُرَّاءَه المعروفين لديَّ -من بين المتعلمين الذين يقرأون باللغتين- لا يتجاوزون أصابعَ اليد، هذا غير أنه مخترقٌ من أقصاه إلى أقصاه بروحٍ متشائمة، أنشأتها حالةُ البؤسِ الفكريِّ التي تخلَّلت سنواتِ الدراسةِ الجامعية. وكان في جعبتي عددٌ من حبَّاتِ الخرزِ جاهزاً للنشر، فقرَّرتُ التريُّثَ زمناً، ترسَّختُ في أعقابه داخل الوسط الثقافيِّ العاصمي، فكانت "تلك الشجرة" -التي ظهرت في مجلة "حروف"- أولَ النصوصِ العربية التي دفعتُ بها للنشر، لمعانقةِ قُراءٍ أشدَّ قُرباً وأكثرَ حميميةً وتفاعلاً. وكان آخرُ نصٍّ قصصىٍّ كتبته تحت عنوان: "بذرة المطر" ضمن النصوص المُعَدَّةِ للنشرِ في آخرِ عددٍ لمجلة "الثقافة السودانية"؛ ربما تحتفظُ جهةٌ ما بذلك النصِّ الأخير؛ وربما تكون هناك نسخةٌ منه قابعةً في خزانة معتصم إزيرق، أو عبد الله عبد الوهاب، أو أم الخير كمبال، وهم رموزُ حقبةٍ زاهيةٍ قصيرة بمجلةٍ قد خبا نورُها مع مطلع التسعينات.
    وما بين أولِ وآخرِ نصٍّ قصصي، نُشرتْ لي نصوصٌ لا تتعدَّى أصابعَ اليدِ الواحدة، لا أذكر منها إلا "مخلَّفات الرابية الشمالية"، التي نُشرت بمجلة "المحتوى"، التي كان يشرف على ملفِّها الثقافي القاصُّ المُبدع، والإنسانُ الشفَّاف، بشرى الفاضل بخيت، آخرُ عنقودِ هذه المجموعة، وأنضرُها عوداً، وأذكاها أريجاً، وأجملُها خَلْقاً وخُلْقاً. ترافقنا طيلة سنواتِ الجامعة، من أولِ يومٍ إلى آخرِ أُمْسِيِّة؛ احتضنتنا كليَّةٌ واحدة، وتلقَّينا قسماً من العلوم بشعبةٍ واحدة؛ ننام ونصحو في داخلياتٍ واحدة، ابتدأناها بداخلية "أربعات"، حيث تقاسمنا غرفةً واحدة مع أربعةٍ آخرين، وسريراً واحداً بطابقين؛ ولم أظفر بالسريرِ الأعلى، إلا لأن بشرى كان يعاني في ذلك الوقت اضمحلالاً في البصر، رغم تنامٍ مذهلٍ في البصيرة. وقد ترافق مع تفوُّقِه الأكاديمي فوزٌ بجوائزَ أدبيَّة، ونشرٌ مبكِّرٌ لأعمالِه القصصية. وقد استفاد بشرى إلى آخرِ حدٍّ من التنشئة التربوية والفكرية التأسيسيَّة بمدرسة حنتوب الثانوية، التي مهَّدت لامتلاكِه قدرةً هائلةً على هضمِ المحصول الفكريِّ المتوفِّر، على نُدرتِه، وتنميتِه بمزيدٍ من التحصيلِ والإنتاجِ الإبداعي.
    لم يخلُ طقمُ أساتذتي بالمدرسة الأهلية بأمدرمان من قاماتٍ أدبيَّةٍ سامقة، فقد كان فيهم من الشعراء: محمد عبد القادر كرف، ومحي الدين فارس، وعوض حسن أحمد، ومحمد سعد دياب، إلا أنهم كانوا على تميُّزهم الأدبي، وقدرتهم الفائقة على توصيلِ الدروس، لا يبذلون كبيرَ عناءٍ في تعميقِ خبرة الناشئين عبر تمليكِهم لتجاربِهم الحيَّة. على سبيل المثال، كان كرف يستنكفُ عن الكلامِ عن صديقِ روحِه الشاعر المرهف التجاني يوسف بشير، وينسدُّ حلقُه بغُصَّةٍ تراها رؤية العين، خصوصاً عندما تغرورقُ عيناه وتنهمرُ بالبكاء. في المقابل، كان الأستاذ عبد الله بولا في مدرسة حنتوب الثانوية يمتزجُ بطلابِه، ويُنشئُ معهم طلائعَ للهدهد، مثلما أنشأ في القضارف طلائعَ للقندول؛ فتسري التجاربُ بالامتزاجِ وعبر تلك المؤسَّساتِ الأهليَّة في سهولةٍ ويُسر، فتلتقطها ذائقةٌ لها استعدادُ بشرى وموهبتُه الفطرية، فتُعِدُّه إلى ما هو آتٍ، فيكونُ "فقسٌ"، وتكونُ "حملةٌ"، ثم تكونُ "حكايةٌ" لبنتٍ طارت بحقٍّ عصافيرُها.
    لم تكن مواهب بولا حصراً على الرسم، بل تعدَّدت، وشملت الموسيقى والكتابة الفكرية والإبداعية؛ وكان مُولعاً بتصميمِ أزيائِه الخاصة، التي يبرع الترزي الفنان مايكل في تنفيذِها. وأذكر أنْ كان له قميصٌ مُزركش ذو ياقةٍ مرتفعة وأكمامٍ واسعة، أشرف على تصميمِه بنفسِه؛ وقد تنقَّل ذلك القميص المشهور بين عددٍ من تلاميذه من الرعيل الأول لطلائع الهدهد والقندول: من هاشم صالح، إلى أسامة، إلى الباقر موسى، إلى عبدالله محمد الطيب، إلى النعمان جعفر الباقر، إلى أن وصلني أنا، خريج الأهلية الثانوية، عن طريق حسن على سر الختم، من طلائع القندول؛ ثم اختفى أثرُ القميص، إلا أن آثارَه لا زالت باقيةً على مُرْتَدِيْهِ المعروفين. وكما كان يقول الكاتب المسرحي، أنطون تشيكوف، قد خرجنا كلُّنا من معطف غوغول، فإن كثيراً من الكتَّاب والمبدعين الذين أعرفهم، ومن ضمنهم بشرى الفاضل، قد خرجوا من قميص بولا؛ أما أنا، فحياتي الفكرية يمكن تلخيصها بالخروجِ منه، فالخروجُ عليه.
    أما المجموعة الثانية، فقد كانت تضمُّ باقةً متميِّزة من النقاد والقصَّاصين؛ كان أبرزهم في مجال النقد، الإنسان الشَّفَّاف الناقد الراحل أحمد الطيِّب عبد المكرَّم؛ وكان من ضمنهم سَمِيِّي وصديقي الكاتب المثقَّف والمهذَّب -تثقيفاً وتهذيباً عاليَيْن- الأستاذ محمد خلف الله سليمان؛ وكنتَ أنتَ يا عزيزي عادل، رغم التفافِكَ حول كوكبةٍ متميِّزةٍ من الكتَّابِ السودانيين، ألمعهم شهرةً، وأكثرهم –توسُّلاً بالتعبيرِ الرشيق والوصفِ الحميمِ- قدرةً على جذبِ القارئِ العاديِّ إلى فضاءِ النصِّ، وإغوائه على معايشته، واشتهائه، حتى لو فشل في فكِّ كلِّ شفراته. وتكبُر هذه الميزات عشراتِ المرات، إذا عرفنا أن المجموعة تشمل أساتذةً كباراً من ذوي الخِلالِ التي لا يتأذَّى منها صديقٌ ولا تجرح خليلاً، وأَرُومةٍ إبراهيميةٍ كريمة لا تُخْطِئُها العينُ الناظرةُ إلى أسمائهم التقليديَّةِ المُحبَّبة: عبد القادر محمد إبراهيم، وعبد الله محمد إبراهيم، وإبراهيم جعفر.
    وكان الراحل بشَّار الكُتُبي لا يأتي إلى دارِ الاتحادِ بالمقرن ويحرُص على مرافقةِ أمِّه الطاعنةِ في السنِّ بالمنزل، لذلك كنَّا نرحل إليه في "الثورة"، فنستمعُ لتجاربِه المبكِّرة، ونستمتعُ برؤياه الآثِرة، عن الثورة؛ زارني بالفندق أثناء مؤتمرٍ بالقاهرة، وكان لا يزال مُفعماً بأُوارِ نارٍ قديمة، لم يطفئها حتى ارتحاله إلى الأراضي الجديدة، لكنه لم يقضِ فيها وقتاً طويلاً قبل ارتحالِه الأبدي. أما أحمد مصطفى الحاج، فقد كان يهفو إلينا بلهفةٍ وشوق ولا يسترجئُ قراءةَ نصوصِه علينا إلى وقتٍ يُناسبُنا، وكنتَ ترجوه بلطفٍ إلى أنْ يستجيبَ بوداعةِ طفلٍ تارةً، وبِحَنَقِه تارةً أخرى. وعلى ذكرِ الوداعةِ والطفولة، أين صديقُك الإنسانُ المتفائلُ إلى حدٍّ لا يبعد كثيراً عن المستحيل: الناقد السينمائي محمد المصطفى الأمين؛ هل لا زال يحلمُ، مع تلك الكوكبةِ النادرة من السينمائيين السودانيين (إبراهيم شداد، ومنار الحلو، والطيِّب مهدي، وناصر المك، وسليمان محمد إبراهيم، ووجدي كامل – آخر العنقودِ وأقربهم إلى النفسِ رغم تراكُمِ اللَّومِ وبُعْدِ الشُّقَّة)، بإنتاجِ سينما متطوِّرة في البلاد؟
    هذا ما كان في شأنِ المُلتفين حولِك، حيث هيأتِ الرسالةُ إفرادَ كلماتٍ قليلةٍ في حقِّهم. وبالرغم من أنها بدأت بملاحظةٍ تقريرية أبديتها أنتَ في ثنايا كلامٍ عن تجربتك القَصَصِيَّة، إلا أنها سمحت بتشعُّبِ الحديثِ عن السردِ في شتَّى مجالاتِه؛ ولكن الأهمَّ من ذلك كلِّه، أنها تصلُح مناسبةً للحديثِ بصيغةِ الغائب عن ذلك الإنسان الوديع الذي يقبع وراء نشاطِه السردِيِّ المتميِّز. ليس صعباً على الباحثِ الذكي أن يجد عادل القصَّاص في نصوصِه؛ فهذه مهمَّة النقد، على وجه العموم؛ ولكن الباحثَ الأكثرَ ذكاءً سيلتمِسُه في فضاءاتٍ اجتماعيةٍ أرحبَ سَعَةً وأعمقَ غوراً: سيجدُه في جلساتِ الاستماعِ، والمنتديات؛ وسيلحظُه في المجالسِ العفوية، والسهراتِ، والمناسباتِ الاجتماعيَّة؛ مثلما سيلقاه ناشطاً متجلِّياً في الروابطِ، والجمعياتِ، والاتحاداتِ الأهلية. ولم يكن يتخذ تلك الأطر مطيَّةً للوجاهةِ الاجتماعيَّة، أو سُلَّماً للمناصبِ السياسيَّة؛ بل كان ينفُذ إلى عِظامِ الكلمات، ويتخللُ أبنيتها الصرفية، ويتسللُ إلى جذورها، لإيقاظِ دلالاتِ الارتباطِ، والإجماعِ، والوحدةِ الهاجعةِ في أحشائها العميقة.
    كان يحضُر يومياً إلى دارِ اتحادِ الكتاب؛ يضيقُ ذرعاً بجهازِه الفوقي، ولا يرى مبرِّراً كافياً لبقاءِ شاغليه على دفَّة القيادة، لكنه يتنازلُ طَوْعاً لأجلِ إحداثِ تسويةٍ مؤقَّتة أو مَنْعاً للبلبلةِ والتشتُّت. في المقابل، كان ينخرطُ بكلِّ كيانِه في أنشطةِ الدارِ الداخليَّة، ويساهم بهمته المعهودة في منتدى الأحد، ويسعى مع آخرينَ لترفيعه ليُصْبِحَ مناراً حقَّاً للكتابة، عوضاً عن استنساخِه لثقافةِ المُشافهة. إلا أن فضاءَه الاجتماعيَّ الأكثرَ رحابةً كان هو حَرَمُ الجامعة، وقد مكَّنته وظيفتُه وسِنُّه -كأمينِ مكتبةٍ في مُقتبلِ العُمُر- من التعرُّف على عددٍ لا حصرَ له من الأساتذة والطلاب، تخيَّر من بينهم كوكبةً ذهبيَّةً من الأصدقاء: أحمد البكري بكلية العلوم، قسم الأحياء؛ عثمان حامد بكلية الهندسة؛ إبراهيم جعفر بشعبة الفلسفة؛ بشرى الفاضل بشعبة اللغة الروسية، محمد أحمد محمود بشعبة اللغة الإنكليزية؛ مُنى عبيد بكلية الطب، وأحمد الطيِّب عبد المكرَّم بمعاملها؛ ودرير وأماني سنجة، وندى عبدالمنعم، وهالة الأحمدي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
    ويومَ سُرِّحتُ عن العمل، استقبلني عادل بالأحضان، وفتح لي فضاءَه الأثيرَ مَسْرَحَاً لأنشطتي الأكاديميَّة والاجتماعيَّة داخل الحرم الجامعي. وفي حضرةِ القصَّاصِ، لا يحتاجُ المرءُ إلى تقنيةِ "التحليقِ الانسيابي" حتى يتنقَّلَ في أرجاءِ الحرم، أو إلى مِنظارٍ أسودَ للكشفِ عن حالةِ بؤسٍ فكريٍّ مُتوهَّمٍ في الثمانينات، بل كلُّ ما يحتاجه هو أن تخِفَّ حركتُه، وأن يتعلَّق بحقيبةِ ظهرِه ذات اللونِ الأزرقِ المُخْضَرِّ، لكي يطوفَ معه في سهولةٍ ويُسر عبر ممراتِ مروجِ الجامعة، ومن خلال مطاعمِها ومقاهيها، وداخل قاعاتِ مكتبتها، ودارِ طُلَّابِها، وحُجْراتِ داخلياتِها أو استقبالهِا، ومكاتبِ أساتذتِها: تذهب معه إلى محمد محمود، فيُحَدِثُكَ عن الثقوبِ السوداء؛ وإلى بشرى الفاضل، فيُدْهِشُكَ بأحاديثَ رائعةٍ عن سيرجي يسينين؛ وإلى إبراهيم جعفر، فيُؤْنِسُكَ بِطَرَفٍ من أقوالٍ لنيتشة أو تشوبنهاور؛ أما أحمد البكري، فقد كان يُبْحِرُ في رحلةٍ معاكسةٍ لمسيرتي الفكرية: من دارون إلى إدوارد سعيد، وكنت أهربُ من فضاءاتِ الاستشراقِ إلى آفاقِ الانتقاءِ الطبيعي، وما ورائه، إنْ كان هناك وراء. لشدَّ ما أتوقُ لمحاورتِه حول فتوحاتِ علمِ الأحياء، في هذا القرنِ وسابقِه.
    قُبيل امتحاني لدخول الدراسات العليا بوحدة الترجمة والتعريب بجامعة الخرطوم، كان الأستاذ علي المك مُشْرِفاً على برنامج الماجستير، ورئيساً لاتحاد الكتاب السودانيين في ذاتِ الوقت، فكان يخشى أن يخذله كاتبٌ ناشئٌ في المنافسة التي اشترك فيها آنذاك عددٌ من السفراء والوزراء المفوّضين، وكبارُ مفتشي اللغة الإنجليزية بوزارة التربية، خصوصاً وأننا كنا نبدو بمظهرٍ خادعٍ أنداداً له أمام سكرتيرتِه الأستاذة مُنى، عندما نجتمعُ بمكتبِه أو مكتبةِ شعبةِ الترجمة، إبان صياغة دستور الاتحاد والتحضيرِ لاجتماعِ الجمعيَّة العموميَّة؛ لكنه اطمأنَّ وبرزت نواجذه، عندما تفوَّقتُ عليهم جميعاً في امتحانِ الدخول. وبعد أن قيَّدت اسمي ضمن برنامج الماجستير، هيأ لي عادل القصَّاص مكاناً في مكتبةِ التجاني الماحي، التي كانت تفتحُ ببابٍ داخلي على مكتبةِ الشنقيطي، وسهَّل لي دخولاً آمِناً إلى قسمِ الدوريات، وحُجيرةً قريبةً من قاعةِ الاستقبال الرئيسية، حيث كان يعمل، مما يسَّر لكلينا تنظيمَ حصصِ الاستراحات (البريكات)، التي كنَّا نتشوَّق لقضائها ضمن بقية الأصدقاء بالجامعة.
    لم يكتفِ عادل بذلك، بل يسَّر لي، بتهذيبِه الأسطوريِّ وعلاقاتِه التي لا تعرف حدَّاً في نطاقِ الجامعة، تسجيلاً سريعاً في كورس اللغة الفرنسية بوحدة تعليم اللغة الفرنسية (السيدوست)، وآخرَ بشعبة اللغة الألمانية، التي كانت تحتفي بانتسابِ طلاب الدراسات العليا إلى دوراتِها في تعليم اللغة. وذهب معي عادل إلى معهد غوته، وضمِنني أمام أمينةِ مكتبتها الألمانية مارغريت، زوجة الشاعر السوداني الرائع، النور عثمان أبكر، التي كانت تخشى، عندما استلفتُ كتاباً جديداً ضخماً ليورغن هبرماس لم يقرأه أحدٌ بعد، أن يخذلها كاتبٌ سودانيٌّ شاب أمام إدارة المعهد، إذا لم يُرجِع عُهدتَه، مثل بقيةِ كثيرٍ من الروَّاد السودانيين الذين خبِرتهم بالتجربة. لم يكنِ الخُذلانُ ضمن تصوُّري على الإطلاق، ولكن كاتباً آخرَ خذلنا جميعاً، عندما تسلَّل إلى غرفةٍ عُليا بأحدِ منازلِ بنك الادِّخار بحيِّ العمدة، الذي كنّا نأوي إليه باستضافةٍ كريمة من محمد ميرغني، صديقِ عادلٍ ودرير، فأخذ معه كتاب هبرماس، بلا رجعةٍ أو نيَّةٍ بالاعتراف، إلا بعد أن أصبحَ الكتابُ دَيْنَاً هالِكاً؛ ولكنني لا زلتُ، ومنذ أكثر من عشرين سنةً، احتفظ بنسخةٍ، لم أقرأها ولن أتصفَّحها، من كتاب "الخطاب الفلسفي للحداثة" (1985)، على أملِ إرجاعِها إلى معهد غوته بنفسي، مع تحمُّلِ كافَّةِ العقوبات. ويا حبَّذا لو رجع أيضاً إلى معهد غوته الألماني في يومٍ أبيضَ غير ذي مسغبةٍ صديقٌ آخرُ لعادل القصاص هو الشاعرُ المثقَّف والمهذَّبُ غاية التهذيب، موسى أحمد مروَّح.
    ويومَ طلب منِّي صاحبُ البيت إخلاءَ المنزل الكائن بأركويت، استقبلني عادل بالأحضان، وفتح لي غرفته الأثيرة مرقداً، ومعاشاً، ومنشطاً، حيث كانتِ الغرفةُ تكتظُّ بالكتبِ والمجلاتِ والدورياتِ العربيةِ النادرة، ويُقيمُ بها، فوق ذلك، عددٌ من الكتابِ والشعراء (عادل القصاص، محمد خلف الله عبد الله، محمد مدني، عادل عبد الرحمن)؛ كما كانت تستقبل عدداً آخرَ منهم بصورةٍ متقطِّعة (عبد الله عبد الوهاب، عبد المنعم رحمة، عثمان حامد)؛ كما كانت أمسياتُها تزدانُ بزياراتٍ متواترة لبعضٍ منهم (الراحل أحمد الطيِّب عبد المكرَّم، محمد خلف الله سليمان، عبد اللطيف علي الفكي)؛ كما كان يجيء إليها (القاصُّ أحمد مصطفى الحاج) في أوقاتٍ لا يمكن التكهُّن بحدوثِها. أما (بشَّار الكُتبي)، فقد كان على مرمى حجرٍ من "السابعة"، وكنَّا نمضي بلهفةٍ إليه، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
    أنا إنْ أنسى مواقفَ ونوادرَ وحكاياتٍ شَهِدَتْها غرفةُ "السابعة"، فما أنسى، ولن أنسى يومَ تعرَّفتُ فيها بالصديق الحميم عثمان حامد؛ كان طالباً بالسنةِ الأخيرة بكلية الهندسة، متحمِّساً للعلمِ والأدب، رسَّاماً رفيعاً في تذوِّقه الفني، مستقيماً في خُلُقه، وصَلْبَاً مُشاكِساً في مواقفِه السياسيَّةِ اليوميَّة. احتد النقاشُ بيننا بعد ثوانٍ قليلة من التعارف، ولا زلنا على طرفي نقيض في كثيرٍ من الرؤى الأيديولوجيَّة الأساسيَّة، لكن حبلَ التواصلِ بيننا يزداد متانةً مع توالي الأيام، مع أن حواشيه العميقة تزداد رِقَّةً وعذوبةً مع التقادمِ الطبيعي وطولِ الاستخدام. هو يحلم بجذبي مرةً أخرى إلى حظيرةِ الحداثة، وأنا أسعى إلى وصلِها بطاقةٍ روحيِّةٍ أبعدَ غوراً وأقدمَ عهداً. كنَّا نأتي إلى الجامعة كلَّ يوم، فيستقبلُنا عثمان بترحيبِه الودود، ثم سرعان ما يُفرِغ جيْبَه ليمكِّننا من شراءِ وجبةٍ خفيفة أو أقداحٍ من الشاي والقهوة؛ ولا يكتفي بذلك، بل يَحْرِصُ على أن ننالَ بعد الظُهْرِ وجبةَ غداءٍ مُكتملة، بالشراءِ نَقْدَاً أو بالدَيْن من حاجَّة "آمنة" بائعةِ الكِسرة والمُلاح. وفي المساء، عندما يتعذَّر ذهابُنا أحياناً إلى "السابعة"، أو نخشى الوصولَ إليها بعد مواعيدِ حظرِ التجوُّل، كان يُهيئُ لنا مرقداً بداخلية "تهراقا"، حيث يكتنز دولابُ الغرفة بملاءاتٍ "تكفي لعددٍ من الأصدقاء، ربما يفوق العشرة".
    ومنذ بدءِ كتابة هذه الرسالة، راجع معي عثمان فقراتِها، فقرةً على إثرِ فقرة؛ يصحِّحُ معلوماتٍ بها تارَّةً، أو يُقيِّمُ محتوياتِها تارَّةً أخرى. فقد كنَّا نعتبرها رسالةً تهمُّ كلَّ الأصدقاء، إنْ لم نقل كلَّ القراء؛ لذلك، فينبغي أن تخرُجَ خاليةً، قدر الإمكان، من جُلِّ العيوب. وكنتُ أشتكي خوفاً من التطويلِ الموضعيِّ للفقرات، وكان يشجعني للمُضيِّ قُدُماً، حتى تكتمل الفكرة؛ وعندما بدأت أشتكي من طول الرسالة نفسها، اقتنع عثمان معي بخَتْمِها، على أن أُنبِّهَ إلى الموضوعاتِ التي أُسقطت عَمْدَاً منها، وأن أُبيِّنَ ما إذا كان سيتمُّ تغطيتُها في رسالةٍ أخرى أو أيٍّ مقامٍ كتابيٍّ آخر. وما أنْ وصل عثمان إلى جدوى هذا الاقتراح، حتى زال عنِّي التوتر، فقد كانتِ الموضوعاتُ التي تمَّ تأجيلُ تناولِها تشمل فكرتَي المكان والزمان، ومفهوم الحق، وتمييزه عن المفهوم المتداول للحقيقة، الذي يكثُر استخدامُه عن طريق الخطأ أو التعوُّدِ الاصطلاحي باعتبارِه مُرادفاً له.
    أما فكرة المكان، فقد مَسِسَتْها الرسالةُ مسَّاً خفيفاً، عند بدايتها؛ فقد افتُرع الكلامُ عن مِلبورن، ومفهوم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار الخاص بالمكان الذي احتواه كتابه "جماليَّات المكان"؛ وكان الأملُ معقوداً على وصلِ الفكرة بتقسيمِ فريدريك نيتشه في "هكذا تكلَّم زرادشت" لطبوغرافيا المكان إلى: أعلى الجبل، والغابة على سفحِه، التي تقود إلى أسفلِ المدينة؛ ومن ثَمَّ، توزيع الحكمة المُكتسبة ضمنيَّاً وفقاً لهذا التقسيم. وكنت أرغب في وصلِ ذلك بتقسيمِ روبرت إم بيرسيج في كتابِه: "مذهبُ زِنْ وفنُّ قيادة الدرَّاجات الناريَّة"، الذي لاقى استحساناً وإعجاباً كبيرين في حقبةِ الستيناتِ في الغرب؛ وخصوصاً تقسيمه الذي يبدأ بقمَّةِ الجبل في الساحلِ الشرقي، وينتهي بقاعِ المحيط في الساحلِ الغربي، مروراً بالنطاقِ الشجري، الذي لا تُلتمس الحكمةُ ضمنيَّاً إلا من فوقِه، وحيث يمضي السرد، عبر رحلةٍ بالدراجة النارية، من بوزمان إلى سان فرانسسكو، وتتراوح الحالةُ العقلية من الجنونِ في قمَّةِ الجبل إلى الحياةِ العاديَّةِ على الساحلِ الباسفيكي. كنتُ أرغبُ في توضيحِ هذا الوصلِ الأرضي، ووصلِه بفضاءاتٍ علويةٍ أوسعَ رحابةً.
    هذا فيما تمَّ تتبُّعُ فكرة الزمان عبر مساراتِ السرد، بدءاً من تقديرِ مُفسِّري الكتاب المقدَّس لعُمُر الأرض الذي لا يتعدَّى لديهم الستة آلاف سنة، إلى سردِ دارون الذي لا يحتاجُ تقديراً لذلك سوى بضعةِ ملايينَ من السنوات، إلى عُمُرِها الذي قُدِّر بالقياسِ الإشعاعيِّ بحوالي 4.54 بليون سنة. ثم تتبُّعُ أصلِ الكون الذي يُقدَّرُ عُمُرُه منذ ’الانفجار العظيم‘ بحوالي 13,8 بليون سنة. وكان الأملُ معقوداً على عدم التوقُّفِ عند هذا الحدِّ العلميِّ الحاسم، بل السعيِّ إلى تتبُّعِ التساؤلِ العفويِّ عمَّا كان ’يُوجدُ‘ قبل ’الانفجار‘؛ وعدم الاكتفاء بالإجابةِ التي تقدَّم بها من قبلُ القديس توما الأكويني، بل محاولةُ وصلِ زمنِ ’الانفجارِ‘ نفسِه بديمومةٍ لا تقترب منها وسائلُ العلمِ الطبيعي المحفوفةُ بأفقٍ ضوئيٍّ محدود (مخروط الضوء)، ولكن ذلك لا يمكن قبوله إلا بإحداثِ تمييزٍ جوهري بين الحقِّ والحقيقة، وليس مجرد التعامل معهما كمترادفين فقط.
    إلا أن سَمِيِّيَّ الآخر في شمال الوادي، محمد أحمد خلف الله، لم يهتدِ، في أولِ الخمسينات، عامِ مولدي، إلى ذلك التمييز، بل تعاملَ معهما كمترادفين، في كتابِ "الفنِّ القصصيِّ في القرآنِ الكريم"، مع أن مصطلح "الحقيقة"، المُشتق من مادَّة [ح ق ق] لم يرِد في القرآن بهذه الصيغة الصرفية مُطلقاً؛ بينما نجدُ الصيغَ الصرفية الأخرى ترِدُ بكثرة، خصوصاً: "الحقُّ"، "بالحقِّ"، "حقٌّ"، "بحقِّ"؛ ثم بنسبةٍ أقل: "حقَّاً"، "حقَّت" "يحقُّ"، "ليحقُّ" "استحقَّ"، "استحقَّا"، "حقَّه"، "أحقُّ" و"حقيقٌ". ويقول صاحبُ "الفنِّ القصصيِّ" في عبارةٍ واحدة من جملةٍ طويلة إن "القصَّة إنما تُوصف بالحقِّ، لأنها تشرح الحقَّ وتقرِّره، لا لأنها في ذاتها حقيقةٌ ثابتة"؛ وهو يؤكِّد أيضاً أن "المثل يُوصف بالحقِّ، لأنه شارحٌ للحقِّ ومبيِّنٌ له، ولأنه مقررٌ للحقِّ ومؤكِّدٌ له"؛ ثم يجمع "الحقَّ" على صيغة "حقائق"، فيقول: "الأمثال لا يلزم أن تكونَ من الحقائقِ الثابتة، فقد تكون من المتخيَّلات، ومن الأساطيرِ والأوهام". مع أن الحقَّ واحدٌ صمديٌّ وقديم، وأن الحقيقةَ هي التي تقبلُ الفتقَ والتشظِّي، وتميل دوماً إلى التجدِّدِ والاستحداثِ مع مرورِ الزمن؛ ذلك الزمنُ المتمكِّنُ في هذا الكونِ منذ ’انفجارِه‘.
    هذا الفتقُ هو في أساسِ المتاعب التي تشوِّش تصوُّرَنا للعالم واللغة والعقل. على مستوى العالم، يقترب العلماء، وخصوصاً في صياغتهم لنظرية ’الانفجار العظيم‘، من التصويرِ القرآني لأصلِ الكون الذي جاءَ طرفٌ منه في الآية 30 من سورة الأنبياء: "أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًاً فَفَتَقْنَاهُمَا وجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ". إلا أن فيتجنشتاين صاحبَ أنبغِ العقولِ الفلسفيَّة في خمسيناتِ القرن الماضي، لم يستطع أن يُنشيءَ نظريةً واحدةً متكاملة بتوسطِ اللغة، فأنتج عوضاً عن ذلك فلسفتين: في الأولى توجَّه بالخبر، وهو المعادلُ المنطقي للعبارة اللغوية، نحو مصدرِه الواقعيِّ ضمن أشياء العالم، وترك وراءَه -بصياغته الصارمة لنظرية الصورة- تعدُّدَ المقاصد الدلاليَّة المحتملة؛ وفي الثانية، اهتم بالتعدُّد، فضاعَ من يدِه حلمُ الوحدة. بمعنًى آخر، حاول فيتجنشتاين في فلسفتِه الأولى تتبُّع شجرةِ اللغة إلى أصلِها في العالم، وانتهى في فلسفتِه الثانية بالاستمساكِ بغابةٍ تمتدُّ وتترامى فيما وراء الأفقِ المرئي.
    أما على مستوى العقل، فلا مناصَ من التمييز بين الحقِّ والحقيقة، ليس بإنتاجِ ثنائيةٍ متوهَّمة، كتلك التي بعجها ديكارت في القرن السابع عشر ولا زال الفكرُ العالمي يعاني من متاعبها؛ ولا بوحدةٍ زائفة كتلك التي ابتدعها القائلون بوحدةِ الوجود، إذ إن الوجودَ نفسَه إنشاءٌ بمشيئةِ خالقٍ قديم؛ ولكن بالنظرِ إلى كُنْهِ العلاقةِ بين الحقِّ والحقيقة، والترفُّقِ بمنتجاتِ الحقيقة، وتتبُّعِ مسيرتها، والتوسُّلِ بها إلى مجالِ الحقِّ ووصلِها به، ولكن هيهات؛ فالعلاقة بين الحقِّ والحقيقة هي علاقةٌ غير متماثلة، تماماً مثل علاقة الأب بالابن، فالأب ينتج ابنه، ولكنْ يمتنعُ على الابنِ أن يفعلَ الشيءَ نفسَه أو مثلَه؛ هذا علاوةً على أن الحقَّ ينكشفُ بغتةً ولا يمكن التيقُّن الحاسم من مصدرِه؛ والحقيقة، في المقابل، يتمُّ اكتشافُها خطوةً على إثرِ خطوة إلى أن تأخذ شكلَ نظريةٍ مُلزِمةٍ وعاملةٍ لحقبةٍ من الزمن، إلى أن يتمُّ استبدالُها بنظريةٍ أخرى أكثر قدرةً على التفسير، مثل الانتقال من الفيزياء النيوتونية إلى النظرية النسبية العامة، على سبيلِ المثالِ لا الحصر.
    إن أكثر ما يمكن إيراده لتوضيح فكرة الرتق، في مقابل فكرة الفتق (أو الوصل في مقابل الفصل)، هو العباراتُ الأدائية التي أوضحها جي إل أوستن في كتاب "كيف يتسنَّى فعلُ الأشياءِ بالكلمات". فعندما تُسمِّي ملكةُ بريطانيا سفينةً باسم "إليزابيث"، فإنها لا تكون قد تفوَّهت بعبارةٍ فقط، وإنما يكون تفوُّهُها بتلك العبارة إيذاناً بتدشينِ السفينة المُسماةِ باسمها، وعقداً ملزِماً، ليس لطاقمها فقط، وإنما لشركاتِ التأمين وكافةِ الأنشطة الرائجة في المياه الدولية؛ وعندما يطلق الحَكَمُ صفارةَ البدء، فإنه لا يكون قد أخرج صفيراً فقط، وإنما تكون الصفارةُ إيذاناً ببدءِ المباراة، وإلزاماً للاعبين بالانخراطِ فيه على الفور. إلا أن كلتا الحالتين تقومُ على التشظِّي، فالملكةُ ليست وحدُها الآمِرة، وليس الحَكَمُ وحدُه المسؤولَ عن مجرى المباراة، إذ تقومُ خلفهما مؤسَّساتٌ، وأجهزةٌ، ونظمٌ، ودساتيرُ، ولوائحُ عملٍ، وعاملون، وجمهورٌ يطلب الإرضاء ويستحقُّه. ولكن عندما يجيء في سورة "النحل" قوله تعالى: "إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون"؛ أو في سورة "يس": "إِنَّمَا أَمرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ"، فإن الكينونةَ لا يكونُ وراءها غيرُه، وهذا معنى الرتق الصمدي، لأن فعلَه قديم، ويحقُّ فعلَه القديمَ بكلماته؛ ويقول في سورة يونس: "وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ بِكَلِمَاتِه وَلَو كَرِهَ المُجرِمُونَ".
    وعندما يجيء في سورة "يوسف" قولُه: "نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوحَينَا إِلَيكَ هَذَا القُرآنَ وإِن كُنتَ مِن قَبلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ"؛ أو في سورة "الأنعام": "إِنِ الحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيرُ الفَاصِلِينَ"، فإن التأكيدَ يأتي من اندماجِ الحقِّ وصمديته، باشتماله على القدرة والعلم والإرادة، وهي مَلَكَاتٌ تتشظَّى في مجالِ الحقيقة، وتتوزَّع على مجالاتٍ في مسارِ النشوءِ والتطوُّرِ الذي لا ينقطع: هي العلمُ أو الواقعُ الموضوعي، واللغة الإنسانية، والعقلُ البشري. فيكون بها قصٌّ للأمام بتتبُّعِ شجرةٍ لها بنيةُ سردٍ محدَّدة، أو يكون ارتدادٌ للخلف لقصِّ أَثَرٍ أو استرجاعٍ لحدث؛ وهو المعنى المقصود في سورة "الكهف": "فَارتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصَاً". وهي شبيهةٌ بالازدواجية التي تحيط باسمك، ياعزيزي وصديقي عادل القصّاص؛ فمن جهةٍ أنت "مهندسٌ" فعليٌّ لفنِّ القصِّ في السودان، ومن جهةٍ أخرى أنت سليلُ "القصَّاص" الذي اخترته بنفسك في فعلٍ أدائيٍّ متميِّز، فكان اسماً أدبيَّاً رائعاً لمُسمًى أكثر روعةً.
    عزيزي عادل
    اختَرتُ لهذه الرسالة عنواناً هو "عادل القصاص والحصَّة تاريخ"، عِوضاً عن "الحصَّة قصَّة"، وهي العبارة المُتجانسة التي وردت في عنوان حوارِكَ مع يحي فضل الله؛ ليس تقليلاً من شأنِ ناظرِ المدرسة، أو انحيازاً مهنياً لرئيسِ الاتحاد؛ كما أنه ليس انتقاءً للبَصرة على حساب الكوفة؛ أو التشبيه بدلاً عن الاستعارة؛ أو الأسلوبية عوضاً عن الأسلوب؛ أو إحلال فيتجنشتاين الأول مكان فيتجنشتاين الثاني؛ أو اعتماد نهج الشجرة بديلاً للغابةِ المتراميةِ الأطراف؛ وإنما لإمعانِ النظرِ مجدَّداً في عنوانِ دراستِه "الرواية والتاريخ"، واعتبار الواو التي تتوسَّطة نقطةَ توازنٍ حسَّاسٍ لميزانِ عدلٍ لا يميلُ جُزافاً إلى أيٍّ من الطرفين. ويمكن تصوُّر ذلك في سهولةٍ ويُسر، إذا نظرنا إلى الذاكرةِ البشرية، ليس باعتبارها مستودعاً ساكناً للمعلومات، وإنما بوصفها حقلاً ديناميكياً، أو بلغةِ أهل العلم، شبكةً لمساراتٍ عصبيَّة متداخلةٍ ومتكاملة. لذلك يمكن، بفضلٍ من الله، وبعونٍ طفيفٍ من رجاحةِ العقل، السيطرة –بغيرِ رقابةٍ خارجية أو مرسومٍ ملكي، على مَلَكَةِ الخيال لإحداثِ توازنٍ ذهبيٍّ، لا ينتصرُ بنوعٍ من الغباء التاريخي لتجميدِ الدلالة أو يهلِّلُ بنوعٍ من الحُمق الما بعد حداثي للنسبيةِ الدلاليةِ المُنفلتة.




    محمّد خلف


    ملحوظه هامه للقراء الأفاضل أن هذه الكتابه الرصينة الرائعة تولدت نتيجة
    لكتابة الأستاذ القاص عادل القصاص لموضوعه الحصه قصه باللغة الإنكليزيه فى موقع سودانفور
    أول وترجم تلك الكتابه الأخ الأستاذ عادل عثمان وهنا أشير إلى النص والترجمه مرفقين فى المداخله
    الثانيه أى التى تلى كتاب محمد خلف الحاوى على تاريخ الثقافه عبر العقود الماضيه لا بل غاصت إلى
    أن ضمت كرف وصنوه التجانى فى فجر القرن المنصرم. الرجاء مواصلة القراءه للمتعة والربط المعرفى


    منصور



    (عدل بواسطة munswor almophtah on 11-08-2014, 01:47 AM)
    (عدل بواسطة munswor almophtah on 11-10-2014, 03:25 AM)
    (عدل بواسطة munswor almophtah on 11-10-2014, 06:25 AM)
    (عدل بواسطة munswor almophtah on 11-10-2014, 06:29 AM)
    (عدل بواسطة munswor almophtah on 11-15-2014, 02:08 AM)
    (عدل بواسطة munswor almophtah on 11-27-2014, 00:42 AM)

                  

العنوان الكاتب Date
عادل القصاص والحصه تاريخ//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-07-14, 07:46 AM
  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-07-14, 04:21 PM
    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-07-14, 05:57 PM
      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... إحسان عبد العزيز11-07-14, 10:55 PM
        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-08-14, 05:35 PM
          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-09-14, 04:53 AM
            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... Mohamed Abdelgaleel11-09-14, 07:35 AM
              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-09-14, 11:52 PM
                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-10-14, 06:11 AM
                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... بكرى ابوبكر11-10-14, 06:24 AM
                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-11-14, 06:55 AM
                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-12-14, 09:54 AM
                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-13-14, 00:47 AM
                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... abdalla elshaikh11-13-14, 02:33 AM
                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-13-14, 11:11 AM
                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-13-14, 06:57 PM
                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... abdalla elshaikh11-14-14, 02:26 AM
                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-14-14, 01:45 PM
                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-15-14, 12:00 PM
                                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-16-14, 09:04 PM
                                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-16-14, 11:33 PM
                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص11-16-14, 11:57 PM
                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-17-14, 11:57 AM
                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-18-14, 00:46 AM
                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-18-14, 03:03 PM
                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص11-18-14, 10:39 PM
                                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... ibrahim kojan11-19-14, 02:05 AM
                                                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص11-19-14, 06:24 AM
                                                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل البراري11-19-14, 07:56 AM
                                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-19-14, 07:39 PM
                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص11-20-14, 06:35 AM
                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-20-14, 10:42 PM
                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... abdalla elshaikh11-21-14, 02:53 AM
                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-22-14, 00:03 AM
                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص11-22-14, 03:04 AM
                                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص11-22-14, 04:26 AM
                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص11-22-14, 04:35 AM
                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عبد الحميد البرنس11-22-14, 05:19 AM
                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-22-14, 09:23 PM
                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص11-23-14, 02:46 AM
                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-23-14, 08:43 PM
                                                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-24-14, 11:27 PM
                                                                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-26-14, 02:22 AM
                                                                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-27-14, 00:56 AM
                                                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... abdalla elshaikh11-27-14, 02:06 AM
                                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-27-14, 11:10 AM
                                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عبد الحميد البرنس11-28-14, 10:27 AM
                                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص11-29-14, 05:58 AM
                                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... Mohamed Abdelgaleel11-29-14, 12:37 PM
                                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah11-29-14, 10:45 PM
                                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-01-14, 00:42 AM
                                                                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-01-14, 11:09 AM
                                                                                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-01-14, 09:41 PM
                                                                                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-02-14, 02:10 AM
                                                                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-02-14, 02:14 AM
                                                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-02-14, 07:03 PM
                                                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عبد الحميد البرنس12-03-14, 09:31 AM
                                                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عبد الحميد البرنس12-03-14, 01:40 PM
                                                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-05-14, 01:45 AM
                                                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-05-14, 02:33 AM
                                                                                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-06-14, 05:09 AM
                                                                                                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عبد الحميد البرنس12-06-14, 09:31 AM
                                                                                                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-07-14, 12:37 PM
                                                                                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-09-14, 01:09 AM
                                                                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-12-14, 01:46 AM
                                                                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... abdalla elshaikh12-12-14, 02:01 AM
                                                                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-12-14, 02:31 AM
                                                                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-13-14, 03:48 AM
                                                                                                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-15-14, 05:29 AM
                                                                                                                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-16-14, 06:52 AM
                                                                                                                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-17-14, 04:37 PM
                                                                                                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عبد الحميد البرنس12-20-14, 07:47 PM
                                                                                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-22-14, 08:57 AM
                                                                                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-25-14, 04:35 AM
                                                                                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-26-14, 01:16 AM
                                                                                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-26-14, 11:39 AM
                                                                                                                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-28-14, 01:50 AM
                                                                                                                                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص12-30-14, 05:41 AM
                                                                                                                                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah12-31-14, 11:13 AM
                                                                                                                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... abdalla elshaikh12-31-14, 11:38 PM
                                                                                                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-01-15, 01:30 AM
                                                                                                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-01-15, 01:44 AM
                                                                                                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-01-15, 01:51 AM
                                                                                                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-01-15, 12:48 PM
                                                                                                                                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-01-15, 12:51 PM
                                                                                                                                                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-02-15, 10:33 AM
                                                                                                                                                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-04-15, 00:30 AM
                                                                                                                                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... Amin Mahmoud Zorba01-04-15, 05:40 AM
                                                                                                                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-04-15, 11:37 PM
                                                                                                                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-06-15, 00:18 AM
                                                                                                                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-06-15, 10:13 PM
                                                                                                                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... abdalla elshaikh01-07-15, 02:06 AM
                                                                                                                                                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-07-15, 11:32 PM
                                                                                                                                                              Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-09-15, 02:21 AM
                                                                                                                                                                Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... عادل القصاص01-10-15, 00:25 AM
                                                                                                                                                                  Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-11-15, 02:04 AM
                                                                                                                                                                    Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-12-15, 03:28 AM
                                                                                                                                                                      Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-13-15, 02:32 AM
                                                                                                                                                                        Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-13-15, 04:55 PM
                                                                                                                                                                          Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-14-15, 11:50 AM
                                                                                                                                                                            Re: عادل القصاص الحصه قصه//محمد خلف الله عبدالله....... munswor almophtah01-16-15, 01:38 AM


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de