مكتبة الشاعر اسامة الخواض

إذا لم تتفق المعارضة على مرشح موحد ساتقدم للترشح في مواجهة البشير

مظاهرة الغضب الكبرى لنصرة تابت الثلاثاء 25 نوفمبر بنيويورك

النداء الاخير للسودانيين بانتويرب

صدور كتاب (نخلة لاتنبت والأبنوس) ,,, تاج السر الملك

تكوين اللجنة التنفيذية لرابطة أبناء جبال النوبة بولاية كلورادو

المنبر العام

آراء و مقالات ابحث

منتدى الانترنت

تحديث المنتدى

المتواجدون الآن

English Forum

تحميل الصور اكتب بالعربى

دليل الخريجين

اجتماعيات

الاخبار

أرشيف المنبرللنصف الثانى05 مكتبةالدراسات الجندرية الارشيف والمكتبات مواضيع توثيقية ومتميزة قوانيين و لوائح المنبر
مرحبا Guest [دخول]
أخر زيارة لك: 24-11-2014, 02:51 PM الرئيسية

مكتبة الشاعر اسامة الخواض(osama elkhawad)وداعا جاك دريدا
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
أقرا احدث/اخر مداخلة فى هذا الموضوع »
17-10-2004, 05:19 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



الحداثة: الأخلاق والسياسة-العلمي الإدريسي رشيد (Re: osama elkhawad)


    يمكن أن نلاحظ أن هناك نزوعا عند كثير من المثقفين إلى نقد الحداثة وإلى تحميلها مسؤوليات خطيرة, انطلاقا من تجارب التاريخ. على أنه لا يمكن أن نتناسى أن أغلب الاتجاهات الفكرية والسياسية المعارضة للحداثة كانت معادية للديمقراطية في ذات الوقت (على سبيل المثال, الاتجاهات الرومانسية في ألمانيا, الاتجاهات القومية والعرقية في فرنسا…)؛ إن صعود وتنامي الفاشيات في أوروبا ارتكز على طروحات مناقضة للحداثة والديمقراطية في آن.

    إن النقد الراديكالي للحداثة قد يفضي إلى نسف الديمقراطية وتحطيمها). ألا يجب بالأحرى أن نأخذ بعين الاعتبار ما ذهب إليه هابرماس في هذا الموضوع, حيث أنه دعا إلى التفريق بين قيم الحداثة والتي لا يماري أحد في أهميتها والواقع التاريخي الذي يتحكم فيه التركيب الاجتماعي وطبيعة الطبقات السائدة.



    I – أواليات مفاهيمية:

    1 – الحداثة: مفاهيم متعددة.

    يمكن القول بداية إن الحداثة مفهوم يصعب تحديده بدقة, زمنيا ومفهوميا.

    زمنيا أولا:

    هناك من تحدث عن حداثة "الديمقراطية في أثينا" في التاريخ القديم(1) وهناك من قال بحداثة السفسطائيين وماثلها بالفكر الأنواري الذي برز فيما بعد(2)، وهناك من تحدث عن الحداثة بصفتها مرحلة فكرية متميزة ظهرت مع بروز الذاتية في القرن السادس عشر وامتدت إلى أواخر القرن التاسع عشر. ثم اختفت في الفترات المتأزمة, تلك التي عرفت فيها أوربا تنامي حركات تنادي بالعدمية وبالقومية العرقية, وأفضت في آخر المطاف إلى النازية.

    وطفت الحداثة على سطح الفكر, وتجلت على مستوى الواقع, بعد الحرب العالمية الثانية.

    مفهوميا ثانيا:

    ماذا تعني الحداثة؟ التكنولوجيا, التصنيع, الآلية, المعرفة العلمية, الزمنية, المؤسسات, الديمقراطية, الحقوق السياسية والمدنية؟

    عندما يريد العرب توطين وتبيئة الحداثة ماذا يعنون بذلك؟ ألا يجب التفريق منذ البداية بين الحداثة والتحديث؟ إن مفهوم التحديث ظهر في الخمسينات, لما سعت المجتمعات الثالثية إلى نهج سياسات تنموية(3).

    الحداثة, كمفهوم عام, تحيل إلى مفاهيم فرعية متعددة: الذات, العقل, التاريخ, السوق, الحقوق, الديمقراطية. ويمكن القيام بتعريف أولي للحداثة: إن الحداثة تعني الإيمان بقدرة الإنسان بفضل عقله أن يوجه مسار التاريخ وتغيير بناء المجتمع بغية تحقيق الديمقراطية وصيانة الحقوق والحريات. صحيح, إن وعي الإنسان بذاته وبقدرته على تغيير المجتمع, شكل منعطفا كبيرا في الفكر البشري.

    2 – الحداثة: بنية تناقضية

    على أن هذا التعريف الأولي للحداثة سيصطدم بتغييرات وتحولات في غاية من الخطورة, ستفضي إلى إعطاء الحداثة معاني ودلالات أخرى, وهذا ما سنحاول إبرازه.

    لذا, نطرح هذا التساؤل الذي يتبادر إلى ذهننا منذ الوهلة الأولى: هل هناك حداثة واحدة, أم هناك حداثات مختلفة, متباينة أحيانا(4)؟

    على مستوى المفاهيم أولا, العقل, الذات, الفرد, الحرية وغيرها من المفاهيم المؤسسة للحداثة لها معاني ودلالات مختلفة عند الأدباء والفلاسفة.

    على مستوى الواقع ثانيا, يمكن بالفعل, القيام بتحقيب زمني لحداثات مغايرة: حداثة تأسيسية (في القرنين السادس عشر والسابع عشر), حداثة الأنوار, حداثة ما بعد الأنوار, حداثة القرن التاسع عشر, حداثة ما بعدية في مطلع القرن العشرين الخ…

    ونصادف اختلافا كبيرا, إن لم نقل تعارضا, بين مستوى الفكر والقيم, ومستوى الواقع في نفس الظرفية وذات الحقبة التاريخية.

    ـ حداثة التسامح والاختلاف, وهما مفهومان أنواريان أساسيان يقابلهما التوسع والاستعمار وإقبار الثقافات المغايرة(5).

    ـ حداثة المشاركة السياسية, يقابلها الإقصاء والتمييز بين المواطن النشيط والمواطن السلبي (E.SIEYES) وبين المواطن المالك والمواطن غير المالك (J.Locke)(6).

    ـ حداثة التعاقد السياسي يقابلها التباعد والتفارق بين مركزية الدولة وطرفية المجتمع. فالفعل التعاقدي هو فعل مؤسس للدولة الحديثة وفعل مؤسس كذلك للمجتمع المدني, مما قد يحدث تناقضا أساسيا بين مساعي الدولة ومطامح المجتمع, وهما يحظيان بنفس الشرعية السياسية(7). وكيف لا يحسم هذا التناقض على حساب المجتمع, والدولة تحتكر حق اللجوء إلى العنف الشرعي؟

    ـ حداثة التقدم الاقتصادي, يقابلها الاغتراب والاستغلال والتفقير.

    ـ حداثة المجتمع المدني, يقابلها المفهوم التجريدي للدولة. يرى ماركس أن الدولة "المجردة" المتعالية على الطبقات الاجتماعية, تعد من السمات المميزة للحداثة السياسية(.

    وبالتالي فالحداثة في معانيها الإيجابية والمثالية تحيل على الفكر والقيم, وفي معانيها السلبية تحيل على الواقع المعيش. انفصام المجتمع بين فكر مستنير, عقلاني, ديمقراطي وواقع إستلابي, إقصائي, مأساوي. ولعل مفهوم الحداثة يحمل في ذاته بنية تناقضية وحركية ذات اتجاهات متعارضة(9).

    3 – فاوست والحداثة:

    ومسرحية فاوست (FAUST) لغوته (GOETHE), كانت تعبيرا شاعريا ودراميا لهذه البنية التناقضية المحايثة للحداثة(10).

    فالحداثة لكي تصل إلى أهدافها, وهي أهداف نبيلة في مبدئها, كالتنمية والتطور, قد تضحي بأعداد مهولة من البشر(11).

    أسطورة فاوست تحكي قصة إنسان ممزق الوجدان, يسعى إلى تحقيق غايات حميدة, ولكن يرى نفسه مرغما على التحالف مع "قوى جهنمية"(12) والقيام بأعمال دنيئة ووضيعة. يقول برمان: "تكمن بطولة بطل غوته في تحرير طاقات بشرية هائلة كانت مكبوتة, ليس فقط في ذاته بل في جميع من يتصل بهم وبالتالي في المجتمع المحيط به ككل. غير أن التطورات التي يطلقها –على الأصعدة الفكرية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية- لا تلبث أن تتطلب أثمانا بشرية باهظة. ذلك هو معنى علاقة فاوست بالشيطان: لا يمكن تطوير القوى البشرية إلا عبر ما أطلق عليه ماركس اسم "قوى العالم السفلي" (القوى الجهنمية), تلك الطاقات الظلامية المرعبة التي قد تفلت بقواها الهائلة غير القابلة لأن تخضع لأية سيطرة إنسانية. تشكل مسرحية فاوست لغوته تراجديا التنمية الأولى ومازالت هي التراجيديا التنموية الأفضل حتى اليوم"(13) (*).

    4 – الحداثة بين مكيافلي وتوماس مور:

    مكيافلي وتوماس مور ينتميان إلى نفس الحقبة التاريخية, أي القرن السادس عشر, لكن اختلافهما الفكري يثير الاستغراب.

    إذا كانت الواقعية السياسية لمكيافلي تكشف لنا عن فضاء سياسي رهيب ومخيف, فتوماس مور يحلق بنا في سماء اليوتوبيا ويتحدث لنا عن مدينة فاضلة, تسودها أسمى القيم الإنسانية. على أن عددا كبيرا من النقاد يجزمون بصفة قطعية أن تلك المدينة, وإن غدت الخيال السياسي, تبقى بعيدة عن الواقع, بل مفارقة له وغير قابلة للتحقيق الفعلي. هذا يسوقنا إلى تساءل آخر, مؤداه:

    إذا كانت المدائن الفاضلة, كما تجلت في كتابات أفلاطون والفرابي وتوماس مور لا تعدو أن تكون تمثلات خيالية وحالمة, لا يمكنها التأثير على سيرة الإنسان, كيف يمكن تفسير تعلق الجماهير منذ أواسط القرن التاسع عشر بشعار الثورة, ومناداتها بالمجتمع الشيوعي, الذي سوف يعيد للبشرية, بمعنى من المعاني, عصرها الذهبي المفقود. لماذا يثير مكيافلي الإعجاب والانبهار ويثير توماس مور اللامبالاة والازدراء؟ هل تمثل الإنسانية ذاتها سلبا, في صور قاتمة, وترى أن عالم ميكيافلي, بقساوته ورذائله, هو أقرب إلى حقيقتها من عالم الحكمة والفضيلة لتوماس مور؟

    وكلما تحدث إنسان عن عوالم أخرى, مغايرة, فاضلة, يقابل بالازدراء, إن لم يقابل بالاضطهاد والعنف؟

    II – السمات الكبرى للحداثة:

    1 – بروز الذاتية والرغبة في السيطرة:

    إن الاكتشافات العلمية قادت إلى خلاصة مثيرة مفادها أن الحقيقة هي باطنية في الطبيعة ولم تبق تأملية ومتعالية كما كانت عليه في العصور القديمة(14).

    وبفضل العقل يمكن الكشف عن القوانين الطبيعية والقوانين التاريخية والقوانين الاجتماعية, فالعقل ينفذ إلى خبايا الأشياء, ويدرك البنى الخفية. لكن, ما هي الأهداف المتوخاة من ذلك؟

    إن الحقيقة التي ينشدها الإنسان في زمن الحداثة ليست عبثية أو اعتباطية, إنها حقيقة مسخرة للسيطرة على الطبيعة, وللتحكم في التاريخ ولضبط المجتمع. كان العقل عند أفلاطون يفيد الحكمة والفضيلة وكان عند الفرابي يفيد الخير والسعادة. أما العقل الحديث فصار يعني السيطرة على الأشياء ويقترن بالفعالية والذرائعية. إن العقل هو الأداة الضرورية للوصول إلى أهداف معينة. ومن ثمة, غدا العقل أداتيا وفي خدمة المصالح والمنافع(15).

    والمنفعة تحول القيم السياسية إلى اختيارات استراتيجية, تتغير بتغير الأحوال والظروف. هذا التصور يأخذ في الدول النامية طابعا دراميا, حيث تبدو هذه الدول وكأنها في تأرجح دائم بين سياسات شبه ديمقراطية وسياسات سلطوية.

    2 – حداثة الأخلاق: المنفعة.

    ميز هنرى سيدويك في كتابه مناهج الأخلاق بين الأخلاق القديمة والأخلاق الحديثة, باعتبار أن الأولى كانت ترتكز على مفهوم الخير والثانية على مفهوم العدالة(16).

    إن الفكر القيمي القديم كان يضفي على الأخلاق طابعا جذابا, أما الفكر الحديث فيضفي عليها طابعا إلزاميا وآمرا. فالخير عند القدامى يقوم على الفضيلة ويقود إلى الانسجام الروحي وإلى السعادة.

    ويمكن القول أن كانط هو الذي وضع الصياغة النظرية لهذا التصور الحديث للأخلاق, لما اعتبر أن الخير والعدالة لا يمكن تحديدهما بصفة قبلية, ولكن بصفة بعدية, حسب ما ينص عليه القانون. ذلك أن السعادة في نظر كانط تحمل معاني متعددة, وتختلف باختلاف طبائع الناس, لذا, يرى أن الأخلاق يجب أن تقوم على الواجب, والواجب ينحدر من الوعي الأخلاقي المحايث للعقل البشري(17).

    على أن اتجاهات أخرى في نظرية القيم أثبتت أنه لا يمكن إلزام الإنسان بالأخلاق إذا لم يكن يرى فيها منفعة أو مصلحة, لذا, يتحتم ربط الأخلاق بالمنفعة. ففي الكتابات الأخلاقية لدافيد هيوم وجريمي بنتهام, تفقد القيم قدسيتها, وتبدو وكأنها وليدة علاقات اجتماعية معينة, وتتحول إلى قيم شبه-اقتصادية(1. فالإنسان تقوده حسابات عقلانية وأنانية, ذلك أن الإنسان يبحث عن مصلحته الذاتية أساسا, ولما كانت مصلحة كل إنسان لا تتعارض بالضرورة مع مصلحة الآخرين, فتكون بالتالي في مصلحة الجميع.

    فاختلاف المصالح يؤدي إلى التنافس بين الناس ويفضي في آخر المطاف إلى التقدم الاقتصادي. في خرافة النحل نصادف مادفيل (MANDEVILLE) وهو يماثل المجتمع البشري بالمجتمع الحيواني.

    إن الغرائز نجدها سائدة ومتحكمة في كلا المجتمعين, فهي التي تحدد الأهداف والسلوكات. على أن هذه الغرائز هي في ترابط بينها, في انسجام تام بينها, مما يقود إلى حركية متواصلة ودائمة, نافعة ومنتجة(19).

    3 – موجات الحداثة الثلاث وانحدار الفلسفة السياسية:

    ذهب ليو ستووس إلى أن الحداثة الفكرية والسياسية, مرت بثلاث مراحل (= أو موجات) أساسية(20):

    أ ـ الموجة الأولى تقترن باسم مكيافلي وهوبز:

    سعى الفكر الإنساني في بدايات زمن الحداثة إلى تقريب الوجود من واجب الوجود, بمعنى آخر, إلى تقريب واجب الوجود (المثال), من الإنسان الواقعي بطبائعه وأهوائه.

    كانت الطبيعة عند القدامى تحمل معاني ودلالات بالنسبة للإنسان, حيث أنها انسجام وتناغم وترابط, وكان الإنسان يسعى إلى محاكاة الطبيعة في حياته, في نظامه الاجتماعي والسياسي. وهذا المنحى في الفكر كان لا متناهيا, لا تحده حدود, لأن الطبيعة والكون يحيلان إلى مثال مطلق, فأفلاطون لما يتحدث عن الإنسان المطلق, فلا يعني به أوصافا معينة, بل يعني به الإنسان الواعي بأن إنسانيته ليست متناهية, ويمكن دوما تقريبها من مثال يبتعد كلما دنا منه.

    كان الإنسان مقياس كل شيء, وكل تفكير في السياسة كان يوجب الانطلاق من المثال المطلق لإنسانية الإنسان ويفرض التقرب منه(21).

    أما في العصر الحديث فلم تبق الطبيعة دالة على شيء بالنسبة للإنسان, وصارت تقترن بالفوضى واللامعنى, فغدا الإنسان يسعى إلى ضبطها والإمساك بها والسيطرة عليها. كانت الطبيعة قدوة يقتدى بها وأصبحت مادة مسخرة لأغراض الإنسان, ونلمس هنا مدى تأثير فلسفة هيدجر على ليوستروس الذي يرى أن الإنسان لم يعد مقياس كل شيء بل "سيد كل شيء".

    وصار التاريخ يقوم بدور الوسيط بين الوجود وواجب الوجود, ذلك أن مثال الوجود قد يتحقق بالفعل عن طريق انفعالات وأهواء البشر, بدون قصد منهم, وهنا تكمن "حيلة التاريخ", إن أفعال الإنسان قد تبدو وضيعة, لكن يجب قبولها اضطرارا, وعدم التنديد بها لأنها في الواقع قد تكون في مصالح مسار التاريخ الإنساني.

    هذه الرؤية التي أضفت على الأخلاق طابعا نفعيا وذرائعيا هي التي تجلت في كتابات مكيافلي وتوماس هوبز.

    فمكيافلي ذهب إلى أن القضايا الإنسانية يجب إيجاد حلول لها بطرق سياسية واقعية وبراغماتية.

    كان القدامى يعتبرون أن البحث عن النظام الأمثل يشكل عملا دؤوبا ومتواصلا، يصعب ضبطه والتحكم فيه, وتعترضه عوائق مختلفة, وقد تواكبه أحداث ووقائع ناتجة عن الصدفة.

    أما ماكيافلي فيرى أنه لا داعي لترك مجال للصدفة, فالقوة السياسية يمكنها التحكم في كل شيء. وهذا يعني أن مكيافلي أبعد عن ذهنه الإشكال المرتبط بالنظام السياسي الأليق بالإنسان, فما يهمه هو ضبط المجتمع واحتواء الأزمات وتجاوز الانقسامية والتجزيئية في المجتمع. وصار للسياسة معنى أداتيا وتقنيا, حيث صارت تقترن بالضبط والسيطرة(22).

    وذات الرؤية نصادفها عند هوبر الذي اهتم بالطرق والمسالك السياسية التي يمكن على أساسها تجاوز "حالة حرب الجميع ضد الجميع".

    وأفضت هذه النظريات إلى التاريخانية, إلى نفي الفلسفة السياسية, ولم تبق الفضيلة هي غاية السياسة, بل صارت في خدمة الجمهورية.

    إن الجمهورية تستوجب الفضيلة, لأن الفضيلة ضرورية لبقائها واستمرارها, ولم يعد بالتالي ممكنا التفكير في الأخلاق في ذاتها وخارج المجتمع السياسي.

    إن الأخلاق شرط من شروط الجمهورية ليس إلا, وهذا يعني أن الأمير يمكنه أن يتظاهر بالفضيلة دون أن يؤمن بها.


    ب ـ الموجة الثانية تقترن باسم روسو:

    انتقد روسو في البداية التوجهات الفكرية لموجة الحداثة الأولى, واعتبر أنه يجب العودة إلى القدامى وإحياء التراث القديم والمناداة بالقانون الطبيعي.

    وفي الواقع, أضفى روسو طابعا راديكاليا على النزعة التاريخية التي لمسناها عند مكيافلي وتوماس هوبز. فهوبز ذهب إلى أنه لا يمكن إبعاد كليا القانون الطبيعي, بل يجب استحضاره ودراسته في الطور الطبيعي للإنسان. إن القانون الطبيعي كان يحيل قديما إلى المثل العليا, ويرمز إلى غايات الإنسان المثلى بعيدا عن كل واقع متعين, وصار يعنى عند هوبر الطور البدائي, ويحيل إلى المرحلة التاريخية الأولى للإنسان.

    ويخلص هوبز إلى نتيجة مفادها أن القانون الطبيعي كشف عن حقيقة أساسية لدى الإنسان وهي: أن الإنسان في الحالة الطبيعية تغلب عليه الغرائز والأهواء. إن هوى الإنسان الأكثر تجدرا, بنظره, هو "خوفه من الموت العنيف بفعل الآخر".

    أما روسو وإن تظاهر بمعارضته لفكر هوبز, فهو أقر بمنطلقاته الأولى واعتبر أن القانون الطبيعي يشير إلى الحالة الطبيعية السابقة على الدولة: وهذا يعني أن روسو لم يكن يؤمن بمثالية القانون الطبيعي وبماهيته الغائية.

    وذهب روسو إلى أن الإنسان في طوره الأول لم يكن له وعي أخلاقي, لم يكن يميز بين الرذيلة والفضيلة, كان إنسانا "متوحشا", إنسانا يعيش بالفطرة. لذا نجد ليو ستروس يقول: "يكون الإنسان في الحالة الطبيعية أقل من الإنسان أو إنسانا ما قبل الإنسان"(23).

    ذهب هوبز إلى أن الحالة الطبيعية تبين الحقوق التي كان يتمتع بها الإنسان سابقا والتي يتعين على الدولة صيانتها والحفاظ عليها, والأخلاق عند هوبز هي الواجبات التي يتعين على الإنسان احترامها, إذا رغب في السلام والطمأنينة.

    سعى روسو إلى الابتعاد عن الطابع النفعي للأخلاق, كما تجلى في كتابات هوبز, فيعتبر أن الواجبات المرتبطة بالقانون تنحدر من الحقوق الأساسية, وتحديدا من الحرية, كيف ذلك؟

    إن الإنسان البدائي, بما أنه أقل من الإنسان, فهو يكتسب إنسانيته, عن طريق التاريخ, بمعنى عن طريق المجتمع, فالتاريخية حلت محل طبيعانية القدامى. على أن التاريخ لا يمكن أن يكون أساسا ومعيارا لتقييم التقدم البشري. إذ, كيف يمكن القول أن الإنسان يسير في اتجاه إيجابي أو في اتجاه سلبي؟

    وهذا ما دعا روسو إلى اللجوء إلى معيار خارج التاريخ, مستوحى من حالة طبيعية مفترضة, فالقانون الطبيعي الذي كان سائدا في الحالة الطبيعية السابقة على الدولة, هو المقياس الأعلى الذي يعطي معنى لمسار التاريخ.

    وإن كان الإنسان يبدو "متوحشا" في طوره الطبيعي, فكان متحررا من كل القيود, كان ينعم بالاستقلال الذاتي, بالحرية, وتبعا لذلك, صارت الحرية المقياس الوحيد الذي يمكن على أساسه تقييم نظام اجتماعي أو سياسي. على أن الحرية تبقى عند روسو غير محددة وغير مضبوطة, وبالتالي, فما هي الغايات المتوخاة من الحرية, وكيف يمكن تمييزها عن الإباحية؟

    يرى روسو أن الحرية قد تنبعث من جديد, وفي صورة أرقى, في مجتمع ينبني على الإرادة العامة, إن الإرادة العامة تعبر عن رغبات ومطامح الجميع, فهي تعبر عن الخير المشترك, فهي بالتالي ديمقراطية وعقلانية "ومعصومة من الخطأ"(24). ونتساءل: ما هو مقياس العقلانية عند روسو؟ إن العقلانية تقترن بنظره بالديمقراطية والمشاركة السياسية, حيث أنها تتجسد في قوانين تعبر عن الإرادة العامة, بمعنى أنها تعبر عن مصالح الجميع, بدون تمايز, وتفاضل؛ على أن العقلانية عند القدامى كانت مرتبطة بسعادة الإنسان, وكان يفكر فيها انطلاقا من المثال المطلق لإنسانية الإنسان.

    إن أمثل القوانين عند روسو هي التي يشارك جميع المواطنين في وضعها, أما عند القدامى فهي القوانين التي تحاكي الطبيعة والتي تحمل أسمى القيم الإنسانية.

    ويمكن القول بصفة عامة أن النظريات السياسية صارت ترتكز على تصورات أنثروبولوجية مستوحاة من طبائع الإنسان الواقعية أو المفترضة. في حين, كانت الأنثروبولوجية الفلسفية, عند القدامى, تنطلق من الإنسان المطلق المتحرر من شوائب الواقع.

    ج ـ الموجة الثالثة تقترن باسم نيتشه:

    إذا كان روسو يميل إلى الاعتقاد بأن الإرادة العامة ستقود المجتمع إلى التعايش في انسجام مع الطبيعة وستثير في الإنسان الإحساس بالطمأنينة والسكينة, فنيتشه يرى أن قضايا الإنسان لا يمكن حلها عن طريق السياسة. فالوجود يثير في الإنسان الإحساس بالقلق والخوف أكثر مما يثير فيه الإحساس بالطمأنينة. هذا القلق الوجداني يرتبط بمأساة الحياة. وهذا الإشكال هو لصيق بالإنسان بصفته إنسانا وليس هناك نظام سياسي كفيل بحله.

    إن أغلب الفلاسفة انطلقوا من طبيعة الإنسان كما بدت لهم في عصرهم وسعوا إلى صياغة نظريات سياسية تتوخى العالمية والكونية, وفي الواقع, لم يدرك هؤلاء الفلاسفة أهمية التاريخ. على أن مائة سنة فصلت روسو عن نيتشه. وخلال هذه السنوات برز التاريخ بكل ما يحمله من معاني ودلالات في كتابات هيجل.

    بالفعل, اعتبر هذا الأخير أن الصيرورة التاريخية تسير بصفة تكاد تكون حتمية نحو تقدم متواصل, ونحو "الدولة المطلقة", التي تمثل في ذات الوقت نهاية التاريخ. إن الحداثة لدى هيجل أضفت طابعا زمنيا على المسيحية. على أن الفكر الذي ظهر بعد هيجل لم يقبل تصوراته؛ فنيتشه ذهب إلى أن التاريخ يبقى بدون معنى ولا يمكن في كل الأحوال التنبؤ بمساره. إن التاريخ لا يتقدم بصفة حتمية, إنه قد يتقدم بالفعل, ولكن انطلاقا من أفعال الإنسان ومن إرادته الواعية والحرة ومن إبداعاته ومشاريعه ومن المثل التي يؤمن بها. هذه المثل تبقى مرتبطة بثقافة الشعوب وبهويتها. وتاليا, لا يمكن الحديث عن مثل عالمية تنطبق على كافة الشعوب.

    إن الحداثة بنظر نيتشه أضفت طابعا تجريديا على القيم الأخلاقية. إن القيم هي في الواقع لصيقة بحياة الإنسان وبوجدانه وهي وليدة المجتمع في لحظات من تاريخه, وهي مرتبطة بثقافته ومعتقداته؛ وبالتالي, فالقيم تتغير وتتبدل حسب ظروف الزمان والمكان. هذه الرؤية النسبية حيال القيم هي التي انتهت بنظر ليو ستروس إلى العدمية وقادت تاريخيا إلى إفراز الحركة النازية في ألمانيا(25).

    وفي الختام يمكن القول أن طروحات ليو ستروس وإن كانت قابلة للنقد في بعض جوانبها(26), فهي تلتقي مع خلاصات فيلسوف ينتمي إلى اتجاه فكري مغاير تماما وهو يورغن هابرمس(27).

    4 – الفصل بين السياسة والفلسفة:

    في القرن العشرين وامتدادا "للفيزياء الاجتماعية" (AUGUSTE COMTE) التي ظهرت في القرن التاسع عشر, برزت نظريات تنادي بفصل السياسة عن الفلسفة وتنادي بربط المعرفة السياسية بمعايير في غاية من الصرامة العلمية, مستوحاة في غالبيتها من العلوم الطبيعية, وكتاب كارل بوبر المجتمع المفتوح ضد أعدائه يمثل هذا الاتجاه. كانت السياسة عند القدامى (أفلاطون, أرسطو, الفارابي, على سبيل المثال…) تعد امتدادا طبيعيا للفلسفة, بل ترتبط بها ارتباطا حميميا. بيد أن حداثة القرن العشرين دعت إلى التفريق بين السياسة والفلسفة وغدت السياسة مختزلة في الدولة والمؤسسات والأحزاب السياسية, وتم عزلها عن قضايا إنسانية في غاية من الأهمية. وصارت السياسة تحيل إلى مجتمع قائم بذاته (ما يسمى بالمجتمع السياسي), يختلف عن مجتمع آخر, لا سياسي (ما يسمى بالمجتمع المدني). مجتمعان إذن في مجتمع واحد. نسيان الوجود الذي تحدث عنه هيدجر لا يخص الفلسفة فقط بل يطال الفكر السياسي في أغلب مناحيه الحديثة.

    ولما غدا الفكر السياسي يطمح إلى المعرفة الثابتة والعلمية ويسعى إلى محاكاة مناهج العلوم الطبيعية, صار يبحث عن المجالات القابلة للإختبارية, للبرهانية, والقابلة للإحصاءات والنماذج الرياضية, فابتعد عن العقل العملي. وصار البحث السياسي له طابع تجزيئي وقطاعي.

    5 – انحسار السياسة وغيابها:

    على مستوى الفكر أولا:

    مما يلفت النظر أن عددا كبيرا من الفلاسفة في زمن الحداثة سعوا إلى التفكير في السياسة بطرق هندسية ورياضية. وهذا برز بكل وضوح وجلاء في نظريات هوبز ولا يبنز (LEIBNIZ) وكوندرسي (CONDORCET), ولم يكن هؤلاء واعين, على ما يبدو, بأن في هذا نسفا وتدميرا للسياسة. هذا التوجه ترسخ في النظريات التحليلية المعاصرة التي تعتمد على مناهج مستوحاة من "السبرنتيقا" (LA CYBERNETIQUE), كنظريات إستون (EASTON) وألموند (ALMOND) وبارسون (PARSONS).

    على مستوى الواقع ثانيا:

    إن السياسة التي تعني في عمقها التحاور والتداول والتواصل, ظهرت في أثينا الديمقراطية وفي روما الجمهورية ثم اختفت هذه السياسة, ولم تنجل ثانية إلا في المراحل الثورية وفي اللحظات التاريخية التي تعقبها. إن كتابات حنا أرنت في هذا المجال تعد في غاية من الأهمية. ذلك أنها ذهبت إلى أن جدلية الخفاء والتجلي صارت تحكم السياسة(2. إن نظام أثينا الذي افرز سياسة تواصلية وتفاعلية, لا تقيم تمييزا بين الحاكم والمحكوم, غدى المخيال السياسي لفلاسفة ينتمون إلى اتجاهات فكرية متباينة؛ كماركس وحنا أرنت وهابرماس.

    إن تطور السياسة بمعناها المكيافلي (الدهاء والحيلة والعنف…) وامتداداتها المعاصرة عند كارل سميث وجليان فروند (الزعامة, القيادة, الطاعة, العنف…)(29), يعبر عن أزمة الفكر واختناقه وأزمة القيم واضطرابها, ويدل كذلك على اختفاء السياسة في ماهيتها الحقيقية.

    فلما طغت الذاتية وهيمن العقل الأداتي, وسادت إرادة القوة, تحولت السياسة إلى تقنية, إلى تكنولوجيا للضبط الاجتماعي. مما أفضى إلى بروز مظاهر عنيفة في غاية من الخطورة فظهر ما أسمته حنا أرنت "بالشر المحض" أو "بالشر الراديكالي" (LE MAL RADICAL), والذي ترتب على النازية(30). إن حداثة العنف تتمثل في هذا الشر السياسي الذي لا مثيل له عبر التاريخ, حيث كان مخططا بشكل رهيب من طرف بروقراطية متحكمة وكليانية وتدعي "العلمية".

    إن الدولة النازية اعتمدت بهدف تبرير سياساتها إلى النظريات التطورية المستوحاة من كتابات داروين, والتي تنادي بالحفاظ على تفاوت الأجناس وعلى نقائها. إن "الإبادة العلمية" لليهود, بدت وكأنها طبيعية وعادية, بل مبتذلة, ولم تثر أي قلق وجداني عند القادة النازيين والمتواطئين معهم(31).

    إن أسطورة فاوست تبدو متجاوزة في القرن العشرين لما امتزج العلم بالإيديولوجية وتجسد الحكم في بيوقراطيات تتنامى باضطراد, واغترب الإنسان واختفت السياسة.

    في رواية "صمت عروسات البحر" (LE SILENCE DES SIRENES) لكافكا(32) نرى أوليس (ULYSSE) الذي يرمز إلى السياسة, حائرا وتائها بين أمواج البحر وعروسات البحر صامتة, لا ترغب في النشيد, غير مكثرتة به, ويتيه أوليس عن طريقه نهائيا ولا يتمكن من العودة إلى بلده. هذا هو مآل السياسة في زمن الحداثة عند كافكا إذ تحولت السياسة إلى طيف يحوم حول مجتمعات لا ترغب في وجوده. فهل صارت السياسة بدون وطن, بدون مكان, بدون فضاء؟

    وإذا كان الأدباء والفلاسفة في أوربا يتحدثون عن اغتراب السياسة وعن غيابها في مجتمعاتهم الديمقراطية فما عسانا أن نقوله نحن عن السياسة في مجتمعاتنا العربية التي تعرف في معظمها أنظمة تسلطية؟

    6 – العودة إلى أصول الحداثة؟

    هل يجب نقض الحداثة وإبعادها كليا عن كل المجتمعات التي تطمح إلى التحرر والانعتاق, بعيدا عن زيف الإيديولوجيات المخادعة؟

    يمكن أن نلاحظ أن هناك نزوعا عند كثير من المثقفين إلى نقد الحداثة(33) وإلى تحميلها مسؤوليات خطيرة, انطلاقا من تجارب التاريخ. على أنه لا يمكن أن نتناسى أن أغلب الاتجاهات الفكرية والسياسية المعارضة للحداثة كانت معادية للديمقراطية في ذات الوقت (على سبيل المثال, الاتجاهات الرومانسية في ألمانيا, الاتجاهات القومية والعرقية في فرنسا…)؛ إن صعود وتنامي الفاشيات في أوروبا ارتكز على طروحات مناقضة للحداثة والديمقراطية في آن.

    إن النقد الراديكالي للحداثة قد يفضي إلى نسف الديمقراطية وتحطيمها(34). ألا يجب بالأحرى أن نأخذ بعين الاعتبار ما ذهب إليه هابرماس في هذا الموضوع, حيث أنه دعا إلى التفريق بين قيم الحداثة والتي لا يماري أحد في أهميتها والواقع التاريخي الذي يتحكم فيه التركيب الاجتماعي وطبيعة الطبقات السائدة(35)؟ n
    المراجع:


    1 – ARENDT, HANNAH, Eichman à Jerusalem. Rapport sur la banalité au mal , Gallimard, 1966

    2 – ARENDT, HANNAH, La crise de la culture , Gallimard, 1972.

    3 – BERLIN, ISAIAH, Le bois tordu de l’humanité Albin Michel, 1992.

    4 – BERMAN, MARSHALL, All that is solid melts into air. The experience of modernity, Verso, 1983.

    ترجم إلى اللغة العربية بهذا العنوان: حداثة التخلق. تجربة الحداثة, الترجمة لفاضل جتكر, مؤسسة عيبال, 1993.

    5 – BIDET, JACQUES, Théorie de la modernité, PUF, 1990.

    6 – BORELLA, FRANCOIS, Critique du savoir politique, PUF, 1990.

    7 – DABEZIES, ANDRE, Le mythe de faust, Armand collin, 1990.

    8 – CASTORIADIS, C., Les carrefours du Labyrinthe II, Seuil, 1989.

    9 – CASSIRER, ERNST, La philosophie des lumières. FAYARD, 1986.

    10 – DUCHET, MICHELE, Anthropologie et histoire au siècle des lumières, Albin Michel, 1995.

    11 – FERRY, LUC, Philosophie politique, PUF, 1984, (Tome 1).

    12 – FERRY, LUC, RENAUT ANDRE, Système et critique, Ousia, 1992.

    13 – FREUND, JULIEN, L’essence du politique, Sirey, 1965.

    14 – GAUTIER, CLAUDE, L’invention de la société civile, PUF, 1993.

    14 – GUTHRIE, W.C.K., Les sophistes, Payot, 1997.

    15 – HABERMAS, JURGEN, Discours philosophique de la modernité, Gallimard, 1988.

    16 – HABERMAS, JURGEN, La modernité un projet inachevé, Critique, 413, oct.1981.

    17 – HABERMAS, JURGEN, Théorie et pratique, Payot, 1975 (Tome 1).

    18 – HORKHEIMER MAX, THEODOR, W.ADORNO, La dialectique de la raison, Gallimard, 1974.

    19 – KAFKA FRANZ, Oeuvres complétés, bibliothèque de la pleiade, 1980 (Tome 2)

    20 – KERVEGAN, JEAN-FRANCOIS, Hegel et Carl Schmitt. La politique entre spéculation et positivité, PUF, 1993.

    21 – LARMORE, CHARLES, Modernité et morale , PUF, 1993.

    22 – LEFEBVRE, HENRI, Introduction à la modernité , Minuit, 1962.

    23 – MACPHERSON, C.B, Théorie politique de l’individualisme possessif , Gallimard, 1971.

    24 – MESHONNIC, HENRI, Modernité, modernité, Verdier, 1988.

    25 – ROSANVALLON, PIERRE, Le sacre du citoyen , Gallimard, 1992.

    26 – ROVIELLO, ANNE MARIE, Sens commun et modernité chez Hannah Arendt, Ousia, 1987.

    27 – SALA-MOLINS, LOUIS, Les misères des lumières, R.LAFFONT, 1992.

    28 – STERNHELL, ZEEV, L’eternel retoure, Presses de la F.N.S.P., 1194.

    29 – STRAUSS, LEO, Political philosophy, The Bobbsmeril company, indianapolis, New York, 1975.

    30 – TOURAINE, ALAIN, Critique de la modernité, FAYARD, 1992.

    31 – WEBER, MAX, Economie et société, Presses Pocket, Tome II, 1995.

    32 – WIGGERSHAUS, ROLF, L’Ecole de Francfort, PUF, 1993.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

17-10-2004, 05:26 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



مئة عام على رحيل نيتشه فيلسوف القوة والإنسان الأعلى والعدمية (Re: osama elkhawad)


    الجنون من فرط العقل أو محنة الإنسان الأعلى
    حرب علي- السفير الثقافي-26-3-2000-

    تصادف هذه السنة الذكرى المئوية الأولى لغياب الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه الذي انطفأ جسده ذات يوم من شهر آب عام 1900، وكان قد غادر عقله قبل ذلك بسنوات، لكي ينعم بجنونه المطبق. والمرء قد يشفى بعقله. وقد يُجن من فرط توتر الفكر وإعمال العقل، صوناً للقيمة أو بحثاً عن المعنى، وراء ما يفاجئ أو يصدم من عبث اللامعنى وغرائب اللامعقول.
    ونيتشه لا يحتاج الى الاحتفاء بذكراه لكي يعود أو يحضر. لعله مارس أقصى الحضور، من خلال أثره القوي في الثورات الفكرية والتيارات الفلسفية التي اندلعت أو تشكلت في النصف الثاني من هذا القرن الذي يصر البعض على أكل سنة كاملة من عمره بسبب لعبة الأرقام. من هنا كان نيتشه على العكس من سارتر الذي وُلد بعد موته بخمس سنوات، ولكنه قد عانى من الحجب على يد جيل من فلاسفة ما بعد الحداثة، رجعوا الى نيتشه أو الى هيدغر بقدر ما ثاروا ضد سارتر أو برزوا عبر نقده والخروج عليه.

    من هنا لا مبالغة في القول بأن نيتشه يُعد أول من فتح الأفق الرحب والملتبس لعصر ما بعد الحداثة، في الفكر والفلسفة، من غير استخدام التسمية، وذلك عبر تفكيكه لعناوين الحداثة كالإنسان والعقل والتقدم، أو تقويضه لبداهات فلسفية تعيَّش أهلها طويلا على صنم فكري تجسد في اعتقادهم بأن الفلسفة هي مملكة العقل وملكوت الحرية أو نظام القيم ومؤسسة الحقيقة. هذا ما جعل نيتشه أول من يخرج على الحداثة، تماما كما أن ديكارت كان أول مفكر حديث.
    من هنا الموقع الملتبس الذي يحتله نيتشه والذي يجعل من الصعب تصنيفه بين الفلاسفة، لدى الذين يتعاطون مع الفلسفة بعقلية أصولية تقليدية. لقد فهم نيتشه الفلسفة ومارسها بصورة خالف فيها التقاليد الراسخة وشذ عن الأصول المتبعة كما يتجلى ذلك في غير جانب من جوانب فكره ونتاجه.

    -1 لقد فتح نيتشه الفلسفة على الحياة باضطرامها وتوترها، بتقلباتها وجراحاتها، فيما كان الميل السائد لدى الفلاسفة سجن الحياة ضمن قوالب المنطق الشكلي أو ضبطها تحت سقف القيم المتعالية أو الأوامر الجازمة. هذا الموقف الجديد تجلى في انفتاح نيتشه على الفن بقدر ما تجسد في إحلاله المحسوس منزلة أعلى مما هو فوق الحس، كما يبيّن ماتيو كسلر أحد المهتمين بقراءة فلسفة نيتشه من زاوية علم الجمال. من هنا لا انفكاك عنده للفيلسوف عن الفنان. يقول نيتشه: »الفن أعلى قيمة من الحقيقة«، لأن الحقيقة تجر إلى الهلاك.

    بالطبع، هذا شأن الحقيقة بالمقياس المثالي الأفلاطوني أو بالمعنى الكنطي المتعالي. وذلك حيث يجري التعامل معها بوصفها مبدأً مفارقا أو أصلا مسبقا أو زمنا ضائعا، أي ضالة الباحث عنها أو العاشق لها. ومآل مثل هذه المعاملة إنتاج المفارقات والتناقضات أو توليد الفضائح والارتكابات. وبتقويض مثل هذا المفهوم للحقيقة، استلهاما من الفيلسوف لعمل الفنان، تكف الحقيقة عن كونها معرفة يقينية مطابقة، أي علما بالكلي والضروري، لكي تصبح ما نقدر على خلقه وصنعه، في ما ندّعي معرفته أو البحث عنه. من غير ذلك تصبح الحقيقة مصدر الهلاك والدمار. أليس هذا ما حصده، يمنة ويسرة، أصحاب المشاريع الإيديولوجية، ممن ادعوا امتلاك المعنى أو القبض على قوانين الواقع؟
    الفيلسوف فنان

    ولأن الفيلسوف فنان، خالق أو صانع، فإن نيتشه ابتعد عن منطق البرهان ولغة الحجاج المحض، لكي يعتمد أسلوب اللمع المتوقدة والشذرات المقتضبة. وهذا الأسلوب نجده عند أهل التصوف، وذلك حيث يمتزج المفهوم والذوق، أو المنطق والشعر.

    وهكذا فإن كتابات نيتشه الفلسفية بحرارتها ووجدها وتوترها، تجد صداها القديم لدى شعراء الصوفية وأقطابها كالحلاج والنفري وابن عربي وسواهم من الذين مارسوا علاقتهم بوجودهم وهويتهم كاختلاف وانشقاق أو كمحنة ومأزق، بقدر ما انفتحوا على تعددية المعنى والتباسه، أو بقدر ما أدركوا إشكالية الحقيقة ومفارقاتها، أو بقدر ما هتكوا أستار القيم وكشفوا فضائحها. من هنا فالباحثون عن الحقيقة العارية والطالبون لقيمة القيم إنما مآلهم ممارسة الخداع المعرفي والزيف الوجودي، أو مصيرهم الاستشهاد أو الجنون كما تشهد تجربة نيتشه بالتباساتها ومأساويتها.

    -2 لم يتعامل نيتشه مع الأقوال كما تقدم نفسها، أي ليس بحسب ما تقوله أو تصرح به، بل حاول دوماً خرق المعلن والمقول والظاهر، نحو ما لا يقال ولا يُرى، ربما من فرط وضوحه وبداهته.

    نجد مثال ذلك في قول الرواقيين الذين يدعوننا للعيش وفقا لقوانين الطبيعة، فيما هم في الواقع قد أرادوا لنا العيش وفقا لقوانين الرواق، أي وفقا لطبائعهم وأمزجتهم. وهذا شأن كنط الذي ادعى أن كشفه لما سماه »الأحكام القبلية التركيبية« قد فتح الدرب الآمنة أمام العلم، بقدر ما جعل المعرفة العقلية تقوم على أساس متين من اليقين، بحيث تكون ضرورية وكلية، أو تجري وفقا لقوانين ثابتة وخالدة. غير أن كنط الذي تباهى بإنجازه قد تناسى بأن المعرفة التي قدمها لنا هي وليدة تجربة محايثة وبعدية، بقدر ما تناسى ان مقولته حول قدرة العقل على تأليف أحكام قبلية، هي أشبه بمن يريد تحقيق أمر »بقدرة قادر«، أي إنها تنبني على الاعتباط والتحكم والإيمان الضروري.

    ويبلغ الخداع في نظر نيتشه مبلغه، في مقولة ديكارت الشهيرة: أنا أفكر إذن أنا أكون، وهي مقولة تزين لنا بنوع من اليقين بلا توسط، أي الحدس المعرفي الخالي من الشرح والاستدلال، أن لنا »أنا« هي مصدر فعل التفكير، فيما هي تتناسى أن الأنا هي ثمة الفكر، بقدر ما تسقط أثر اللغة والإرادة والهوى والجسم، أي كل ما هو مادة التفكير أو أداته من اللامعقولات التي يؤول نفيها أو القفز فوقها إلى تلغيم العقل بالأوهام والتحكمات.

    وهكذا يرى نيتشه أن الفلاسفة يقدمون أنفسهم في خطاباتهم تحت شعارات العقل المحض والمعرفة المطلقة والحقيقة المتعالية والقيمة العليا واليقين بلا توسط، ولكن ما يتسترون عليه في أقاويلهم ومزاعمهم هو طغيان الغريزة وإرادة القوة والمذكرات الذاتية والاعتقادات المسبقة والحيل اللطيفة والشعوذات الفكرية. وهذه الأشياء لا تُرى في العقول، ليس لأنها خفية، بل هي ظاهرة، ولكنها لا تُرى وسط الرؤية بالذات. وهذه حال الفيلسوف الذي يقدم نفسه وصياً على العقل، فيما هو يمارس عشقه المفرط لمهنته وعمله، لبضاعته ونتاجاته من المقولات والمفاهيم. ولا عجب، فلولا هوى المعرفة لما استطاع المرء أن يعرف شيئا.

    العود الأبدي وإرادة القوة

    3- أطلق نيتشه جملة من المقولات شغلت الذين أتوا بعده، كالعود الأبدي، وإرادة القوة، والإنسان الأعلى، والنزعة العدمية. وقد قرئت هذه المقولات التي جرى فيها صاحبها، بعكس التيار، قراءات متعارضة صنف بموجبها نيتشه مرة ذات اليمين ومرة ذات اليسار. من هنا الربط الذي عقده البعض بين شعار »الإنسان الأعلى« وبين قيام نظام فاشي في ألمانيا على أساس عنصري. ولا مراء أن قراءة كهذه، إنما تختزل فكر نيتشه بقدر ما تحيله الى معتقد أو منزع أو مذهب، أو بقدر ما تحيل نصوصه الى موضوع للمحاكمة أو الإدانة. وفي هذا مقتل القراءة الخصبة والمثمرة، التي تتعاطى مع النص بوصفه حقلاً من الإمكان.
    ولنتوقف قليلا عند مصطلح العود الأبدي. هذا المفهوم لا يعني عودة الشيء ذاته، أي لا يعني عودة الشبيه، بقدر ما يعني عودة المرء على ذاته وفكره. والحداثة ليست سوى ذلك، أي عودة نقدية للفكر على نتاجاته، للكشف عن إشكالاته ومآزقه، أو لتعرية مفارقاته وفضائحه. هكذا يمكن التعاطي مع فكر ديكارت. إنه ليس مجرد مذهب أو مدرسة، بقدر ما هو عالم فكري تغير معه الموقف من الحقيقة بقدر ما تغيرت معه الصيغة الوجودية بوصفها علاقة مركبة بين الأنا والفكر والوجود.

    وهذا شأن نيتشه بامتياز. فأعماله هي أشبه بشرارات نقدية تفتح نار الأسئلة على البداهات المحتجبة والأصول المنسية والعقائد المتحجرة. مع فارق بين ديكارت ونيتشه؛ فالأول أسس للحداثة، في حين قام الثاني بهدم الأسس وتفكيك الأصول. وهكذا فالحداثة تأسيس أو إعادة تأسيس وبناء على سبيل الترميم أو التقويم، كما هي علاقة الحداثيين بمشاريع التنوير ومباني العقلنة. في حين أن ما بعد الحداثة هي سعي متواصل، بالنقد والتحليل أو بالتشريح والتفكيك، لكشف أو لتعرية ما تنطوي عليه محاولات التأسيس والتأصيل من الحجب والتضليل أو من الاستبعاد والتهميش أو من الإقصاء والإرهاب.

    هذا أيضا شأن مصطلح العدمية. إنه مفهوم ملتبس، إذ هو ليس دعوة الى السلب والعبث، بقدر ما هو قراءة ما هو حاصل من مظاهر العبث والمرض أو الإنهاك والتفكك، فيما وراء خطابات القيم والمثل، أي هو قراءة لواقع يتجسد في موت الله وانحطاط الإنسان. بهذا المعنى ليس نيتشه عدميا، بقدر ما حاول أن يرصد انهيار القيم أو أن يقرأ في أزمة المعنى، تماما كما أن التفكيك ليس دعوة الى الهدم، بقدر ما هو قراءة في أنقاض العقل ونقائض الواقع. من هنا الوجه الآخر، الايجابي أو الإنساني، لعدمية نيتشه: تحرر الإنسان من براثن اللاهوت، ونهوضه بديلا عن الله، كائنا يخلق معنى وجوده ويتحمل مسؤوليته في إدارة مصيره وصنع مستقبله بصورة لا تأسره فيها هوية مسبقة أو تعريف حاسم ونهائي. وهذا معنى من معاني الإنسان الأعلى.

    الأخلاق

    4 يبقى الأهم وهو أن نيتشه قد اجترح طريقة جديدة في الدرس والتحليل بقدر ما افتتح منطقة خصبة كانت من قبل عصية أو ممتنعة على التفكير. تلك هي أصوليات الأخلاق، لدى نيتشه. وهي بالطبع ليست دعوة إلى اتباع الأصول، وإنما هي محاولة لتفكيك مؤسسة الحقيقة لدى الفلاسفة، بقراءة خطاباتهم كشبكات من المجاز والاستعارة، أو كألاعيب من القوة والرغبة، أو كشيفرات من الأعراض والعلامات، أو كأفخاخ من فجوات الكلام وخدع النصوص.

    وتفكيك الحقيقة وجهه الآخر هو تفكيك لكل أصل متعالٍ أو مطلق أو ثابت، وذلك بتبيان نشأته التاريخية وأرضه المحايثة وتحولاته المتعاقبة. من هنا فالأصل يتكون ويكتسب ماهيته الثابتة أو هويته المتعالية بطمس تاريخيته وصيرورته أو بحجب كونه محصلة فروعه التي هي أطواره أو وجوهه التي ينسخ بعضها بعضا. على هذه الأرض التي اكتشفها نيتشه قد جرى الحرث، في ما بعد، من جانب فلاسفة كهيدغر وفوكو ودولوز.

    5- لا مراء أن نيتشه هو صاحب مشروع كسواه من الفلاسفة، بالرغم من نقده للمشاريع الفلسفية. فهو ليس عدميا في النهاية، بقدر ما كان متعلقا بقيمة ما. حتى الله الذي أعلن عن موته يحضر في خطابه، وذلك بقدر ما يستدعي المفهوم نقيضه في الثنائيات المتعارضة. من هنا فإن مشروع نيتشه المندرج تحت عنوان »الإنسان الأعلى«، هو مأزقه بالذات. ذلك ان هذا الشعار لم يكن سوى بشارة كاذبة. فلم تمض عقود بعد نيتشه حتى أتى من استثمر النيتشوية لإعلان »موت الإنسان« ما على ما فعل ميشال فوكو. ولا عجب فالإنسان الأعلى كما طرحه نيتشه، ليس سوى شكل جديد من أشكال التألّه الذي حاربه. وهذا الشكل الأعلى، الاصطفائي أو النخبوي، قد ولّد المحن الشخصية بقدر ما صنع المآسي والكوارث. وتلك هي الثمرة السيئة لإنسانيتنا المفرطة.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

17-10-2004, 05:29 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



الغذامي:النقد الثقافي والنقد الأدبي-د. مسعود عمشوش (Re: osama elkhawad)


    لن يختلف اليوم اثنان في أنّ النقد العربي الحديث باتجاهاته ومدارسه المختلفة ما زال يعيش على منجزات النقد الغربي، ويواجه نتيجة لذلك إشكالية أساسية تكمن في البحث عن هوية وتحديد مسار خاص به ومناسب لطبيعة النص العربي والثقافة العربية بشكل عام. ومن اللافت أن النقاد العرب الذين تأهلوا في الغرب ودرسوا مناهج النقد الحديثة في الجامعات الغربية هم - في كثير من الأحيان - الذين تنبهوا إلى غناء تراثنا النقدي القديم ودعوا إلى العودة إلى هذا التراث واستلهام منجزاته وتطويرها. ويمكن أن نجد صدى لتلك الدعوات في كتابات الدكتور عبد العزيز حمودة الذي يؤكد أن النقد العربي المعاصر يعيش حالة من الاغتراب والانقطاع عن جذوره الثقافية ويعاني من تبعية خانقة للنقد الغربي. وهذا ما دفعه إلى الدعوة إلى الاستفادة من كتب التراث النقدي العربي للخروج من التيه والتأسيس لنظرية نقدية عربية "أصيلة". وفي الوقت نفسه لا نزال نشهد باستمرار ظهور اتجاهات وممارسات نقدية "عربية" جديدة هي في الغالب صدى متأخر للمدارس النقدية الغربية. فالدكتور عبد العزيز حمودة يؤكد في خاتمة الجزء الأخير من ثلاثيته حول النقد العربي (الخروج من التيه، سلسلة عالم المعرفة، ص351) أن "هناك مشروعا نقديا جديدا يجري الترويج له اليوم في أروقة المثقفين العرب هو النقد الثقافي الذي يمثل افتتانا جديدا بمشروع نقدي غربي تخطته الأحداث داخل الثقافة أو الثقافات التي أنتجته".

    ويعود ظهور أولى ممارسات النقد الثقافي في أوروبا إلى القرن الثامن عشر. لكن تلك المحاولات المبكرة لم تكتسب سمات مميزة ومحددة في المستويين المعرفي والمنهجي إلا مع بداية التسعينات من القرن العشرين وذلك حين دعا الباحث الأمريكي فنسنت ليتش إلى "نقد ثقافي ما بعد بنيوي" تكون مهمته الأساسية تمكين النقد المعاصر من الخروج من نفق الشكلانية والنقد الشكلاني الذي حصر الممارسات النقدية داخل إطار الأدب كما تفهمه المؤسسات الأكاديمية "الرسمية"، وبالتالي تمكين النقاد من تناول مختلف أوجه الثقافة ولاسيما تلك التي يهملها عادة النقد الأدبي.

    أما في اللغة العربية، فيرى سعيد البازعي وميجان الرويلي في كتابهما (دليل الناقد الأدبي، ص 305) أن النقد الثقافي، في دلالته العامة، يمكن أن يكون مرادفا "للنقد الحضاري" كما مارسه د. طه حسين والعقاد وأدونيس ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي. لهذا فهما يعرفان النقد الثقافي على أنه "نشاط فكري يتخذ من الثقافة بشموليتها موضوعا لبحثه وتفكيره ويعبر عن مواقف إزاء تطوراتها وسماتها". وإذا ما تجاوزنا تقديم سعيد البازعي و ميجان الرويلي للنقد الثقافي فإننا نجد أن الناقد العربي السعودي عبد الله محمد الغذّامي هو أول من حاول تبنّي مفهوم النقد الثقافي في معناه الحديث الذي حدده فنسنت ليتش واستخدم أدواته لاستكشاف عدد من الظواهر الثقافية العربية التي لم تستطع مختلف مدارس النقد الأدبي السابقة التصدي لها.

    والدكتور عبد الله الغذامي واحد من أهم النقاد العرب المعاصرين الذين يملكون مشروعا نقديا ثقافيا حداثيا متكاملا. ويعمل حاليا أستاذ النظرية والنقد في جامعة الملك سعود في الرياض. وقد نشر عددا لا بأس به من الكتب مثل: (الخطيئة والتكفير، من البنيوية إلى التشريحية)1985، و(تشريح النص) 1987، و(الموقف من الحداثة)1987، و(الكتابة ضد الكتابة)1991، و(ثقافة الأسئلة : مقالات في النقد والنظرية) 1992، و(القصيدة والنص المضاد)1994، و(المشاكلة والاختلاف) 1994، و(المرأة واللغة)1997، و(ثقافة الوهم : مقاربات من المرأة واللغة والجسد) 1998، و(تأنيث القصيدة والقارئ المختلف) 1999، و(حكاية الحداثة في المملكة العربية السعودية) 2003، و(النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية) 2000. في هذا الكتاب الأخير يعرف د. عبد الله الغذامي النقد الثقافي على النحو الآتي: " النقد الثقافي فرع من فروع النقد النصوصي العام، ومن ثم فهو أحد علوم اللغة وحقول الألسنية معنيّ بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه، ما هو غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء. ومن حيث دور كل منها في حساب المستهلك الثقافي الجمعي. وهو لذا معني بكشف لا الجمالي كما شأن النقد الأدبي، وإنما همه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغي/الجمالي، فكما أن لدينا نظريات في الجماليات فإن المطلوب إيجاد نظريات في القبحيات لا بمعنى عن جماليات القبح، مما هو إعادة صياغة وإعادة تكريس للمعهود البلاغي في تدشين الجمالي وتعزيزه، وإنما المقصود بنظرية القبحيات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي".(ص 83-84)

    وإذا كان الدكتور الغذامي يرى أنّ مجال النقد الثقافي هو النص، فهو في الواقع يعمد إلى تفجير مفهوم النص نفسه الذي يتمدد ليصبح بحجم ثقافةٍ ما بأكملها. ومن ثمّ فأن هذا النص، الذي "لم يعد نصا أدبيا جماليا فحسب، لكنه أيضا حادثة ثقافية" (ص7 لا يقرأ لذاته ولا لجماليته، وإنما يعامل بوصفه حامل نسق أو أنساق مضمرة يصعب رؤيتها بواسطة القراءة السطحية لأنها تتخفى خلف سحر الظاهر الجمالي. وبالتالي فمهمة القارئ/الناقد تكمن أساسا في الوقوف على أنساق مضمرة مرتبطة بدلالات "مجازية كلية" وليس على نصوص ذات دلالات صريحة. والغذامي لا يرفض الدلالة المتداولة لكلمة النسق "ما كان على نظام واحد أو البنية"،( ص 76)، لكنه يؤكد أن هذه الكلمة تغدو في مشروعه النقدي "مفهوما مركزيا يكتسب قيما دلالية وسمات اصطلاحية خاصة". والنسق عنده لا يتحدد عبر وجوده المجرد بل من خلال وظيفته التي لا تتحقق إلا في وضع محدد ومقيّد وذلك حين يتعارض نسقان أو نظامان من أنظمة الخطاب أحدهما ظاهر والآخر مضمر ومناقض للأول وناسخ له في نص واحد أو في ما هو في حكم النص. (ص77) لذلك فالنقد الثقافي ـ كما ينظر إليه الغذامي ـ يسعى إلى كشف حيل الثقافة في تمرير أنساقها تحت أقنعة ووسائل خاصة تتدثر بأغطية الجمال والبلاغة. وهذه الأنساق المضمرة التي يسعى النقدي الثقافي لفضحها، هي أساس الاستهلاك الثقافي الذي يحدد مدى جماهيرية نص ما واستمراريته.

    وينظر الدكتور عبد الله الغذامي في مشروعه النقدي هذا إلى الثقافة العربية كنص ضخم متنوع التكوينات والوجوه. ويرى أن السؤال الذي ينبغي على القارئ/الناقد الإجابة عنه هو: كيف يمكن داخل نص/الثقافة العربية أن نقرأ بعض الأنساق التي تشكلت عبر القرون وتكوّن السمات المميزة لهذه الثقافة؟ كما يؤكد الغذامي أن على الناقد أن يميّز بين السمات الإيجابية والسمات السلبية التي ينبغي التركيز عليها لأن هذا يقودنا إلى التعرف على عيوبنا الحضارية والعراقيل التي اعترضت مسيرة النهضة العربية. وقد اختار الغذامي نسق "الفحل" الذي يؤكد أنه في الثقافة العربية قد انتقل من الشعر إلى مختلف نواحي الحياة. فصار لدينا، إلى جانب الشاعر الفحل: الفحل الاجتماعي والفحل الثقافي والفحل الإعلامي والفحل السياسي...".

    ولكي يستطيع الغذامي أن يصل إلى غايته تلك أي إلى قراءة الأنساق المضمرة في الثقافة العربية لجأ إلى منهج القراءة التأويلية الذي استخدمه في كتاباته السابقة. واضطر كذلك إلى إضافة عنصر سابع للمخطط الذي وضعه رومان جاكبسون لعملية الاتصال؛ وهو عنصر النسق، وبهذه الإضافة تحقق اللغة سبع وظائف بدلاً من ست، وهي : ذاتية وإخبارية ومرجعية ومعجمية وتنبهيه وشاعرية ونسقية. وبعكس عنصر السياق الذي يرتبط بفترة اللحظة الزمنية التي تتم فيها عملية الاتصال، يأخذ عنصر النسق أبعادا تاريخية إذ أنه لا يتجسّد إلا من خلال استمرارية في ثقافة ما. وقد مكنت هذه الإضافة د. عبد الله الغذامي من توسيع أدوات النقد الأدبي، البلاغية والبنيوية والاجتماعية، التي لم يستغني عنها كليا.

    فبالنسبة للمجاز مثلا، نجده قد تحول من القيمة البلاغية التي - في النقد الأدبي- تدور حول الاستعمال المفرد للفظة أو الجملة الواحدة إلى القيمة الثقافية التي يحتويها النص. وبهذا التحول يغدو المجاز ازدواجا دلاليا، ويقرأ على مستوى النص بأكمله الذي يحمل بعدين دلاليين، أحدهما حاضر وماثل في عناصره اللغوية الظاهرة، وثانيهما مضمر. وهذا البعد الدلالي المضمر هو الفاعل والمحرك الخفي الذي يتحكم في سلوكنا العقلي والتذوقي، وأشكال تلقينا لهذه الظاهرة الثقافية أو تلك. و يطلق الغذامي على هذا النمط من المجاز تسمية (المجاز الكلي) وهو - في رأينا - يتداخل مع ما يسميه بالتورية الثقافية. (ص67-71)

    وبما أننا لا نسعى في هذه السطور إلى استعراض مختلف القضايا المتعلقة بمفهوم النقد الثقافي، كأصله ومناهجه ومجالاته وآلياته التي فصلها الغذامي في كتابه (النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية)، بل إلى معرفة العلاقة أو الفرق بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، فإننا سنحاول - هنا - أن نبحث في كتابات كل من فنسنت ليتش وعبد الله الغذامي عن إجابات للأسئلة الآتية: هل في النقد الأدبي ما يعيبه أو ينقصه كي نبحث له عن بديل؟ هل يستطيع النقد الثقافي أن يكون بديلاً عن النقد الأدبي؟ أو أن النقد الثقافي ليس إلا تسمية حديثة لوظيفة قديمة؟

    بالنسبة لفنسنت ليتش فهو يؤكد،عند تناوله لطبيعة الروابط بين النقد الثقافي والنقد الأدبي أنّ هذين النقدين مختلفان على الرغم من وجود بعض نقاط الالتقاء والاهتمامات المشتركة بينهما. وبعكس بعض المهتمين الآخرين بالنقد الثقافي الذين يرون أن على النقد الثقافي أن يركز على تلك الظواهر التي يهملها النقد الأدبي مثل مظاهر الثقافة الشعبية أو الجماهيرية، ويبتعد عن الميادين الأدبية "المتعالية" كنظرية الأدب، يرفض فنسنت ليتش الفصل بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، ويرى أن اختصاصيي الأدب يمكن أن يمارسوا النقد الثقافي دون أن يتخلوا عن اهتماماتهم الأدبية".

    أما الدكتور عبد الله الغذامي فيقول في محاضرة ألقاها في مطلع سنة 2002 في مؤسسة عبدالحميد شومان: "نحن لا نملك إلا أن ننسب النقد الأدبي إلى الأدب، وبالمقابل فإننا سننسب النقد الثقافي إلى الثقافة". كما يلاحظ الغذامي أن النقد الأدبي الذي في الثقافة العربية قد ترعرع في أحضان البلاغة أصبح فنا في البلاغة يعنى في المقام الأول بجمالية النصوص والوقوف على مكونات أدبيتها، أو كشف عوائقها. كما يتهم د. عبد الله الغذامي النقد الأدبي أنه، قديماً وحديثاً، لم يتعامل إلا مع النصوص التي تعترف المؤسسة الثقافية الرسمية بأدبيتها وجمالها واستبعد النصوص والظواهر الثقافية الأخرى التي لا تحظى باستحسان تلك المؤسسة التي وضعت معايير صارمة لتقنين ما هو جمالي وما هو غير جمالي. وقد أدى ذلك إلى إهمال ما هو مستحسن جماهيريا مثل كتاب ألف ليلة وليلة. ويرى الغذامي أن تركيز النقد الأدبي على النصوص الأدبية "الرسمية" قد جعل منه قلعة أكاديمية معزولة وغير فاعلة بين عامة الناس. لهذا يرى الغذامي أن النقد الأدبي الذي لم يلتفت إلا إلى الجماليات قد فشل في الكشف عن القبح الذي يستتر تحت الغطاء البلاغي. ومهمة النقد الثقافي الذي يسعى إلى رفع ستار البلاغة عن العمل الأدبي هي تبصيرنا بخطر "العيوب النسقية المختبئة تحت عباءة الجمالي".

    وحين سُئل عما إذا كان النقد الثقافي سيصبح بديلا عن النقد الأدبي أجاب الغذامي: "إنني أحس أننا بحاجة إلى النقد الثقافي أكثر من النقد الأدبي، ولكن انطلاقاً من النقد الأدبي لأن فعالية النقد الأدبي جربت وصار لها حضور في مشهدنا الثقافي والأدبي وقد توصلنا إلى أن الكثير من أدوات النقد الأدبي صالحة للعمل في مجال النقد الثقافي بل أستطيع أن أؤكد بأننا ومنذ عصر النهضة العربية وحتى يومنا الراهن ما من شيء جرب واختبر ثقافياً مثل النقد الأدبي، ولهذا أدعو إلى العمل على فعالية النقد الثقافي انطلاقاً من النقد الأدبي وعبر أدواته التي حازت على ثقتنا بعدما أخضعناها للمعايير المعروفة عالمياً ولا شك بأنه بات للنقد الأدبي في بلادنا العربية من الحضور والسمعة ما يؤكد على أهميته في حياتنا الثقافية والأدبية، وأن المشكلات أو الملاحظات التي تسجل على النقد الأدبي لا تتوجه نحو الأدوات أو الضرورات، وإنما تتوجه إلى الغايات والمقاصد وطرائق العمل في مجالات النقد والتي تؤدي أحياناً أو أغلب الأحيان إلى ما نسميه بالتحيز والمحاباة أو الاقتصار على أمر من الأمور كالجانب التنظيري وحسب".

    وعلى الرغم من ذلك فما زال كثير من الباحثين، مثل عبد العزيز حمودة، يرون في النقد الثقافي (مجرد) افتتان فئة من الأساتذة العرب بمنهج نقدي غربي لم يثبت فعاليته حتى داخل الثقافات الغربية التي أفرزته. ومنهم من لا يرى في النقد الثقافي إلا إحدى مظاهر العولمة.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

17-10-2004, 09:57 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



حوار مع الناقد السعودي عبد الله الغذامي (Re: osama elkhawad)

    المفكر والناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي : نحن بحاجة الى النقد الثقافي أكثر من النقد الأدبي

    ثنائية المديح والهجاء انسحبت على الخطاب الثقافي

    المثقف الناقد صديق المؤسسة الذي يبين لها أخطاءها

    دمشق ـ من وحيد تاجا : الباحث والناقد الدكتور عبد الله الغذامي من اهم النقاد في الجزيرة العربية واحد اهم النقاد العرب الذين يملكون مشروعا ثقافيا متكاملا .

    يعمل حاليا استاذ النظرية والنقد في جامعة الملك سعود في الرياض .

    نشر العديد من الكتب اهمها: الخطيئة والتفكير من البنيوية الى التشريحية 1985 وتشريح النص 1987

    والموقف من الحداثة 1987

    والكتابة ضد الكتابة 1991

    وثقافة الاسئلة : مقالات في النقد والنظرية 1992

    والقصيدة والنص المضاد 1994

    المشاكلة والاختلاف 1994

    والمرأة واللغة 1997

    وثقافة الوهم : مقاربات من المرأة واللغة والجسد 1998

    وتأنيث القصيدة والقارئ المختلف 1999

    والنقد الثقافي 2000 .

    معه كان هذا الحوار الذي طرح العديد من التساؤلات بينها

    النقد الثقافي بديلا عن النقد الادبي ؟

    والخطاب الثقافي السائد ؟

    والحداثة والمثقف العربي ؟

    وثنائية المثقف والسياسي ..المثقف والسلطة .. المثقف والمتلقي ؟

    والتطبيع والجدل بين المثقفين ؟

    هذه النقاط شكلت اهم المحاور في لقائنا مع المفكر والناقد عبد الله الغذامي.

    اليكم نص اللقاء :

    أشرت في كتابك (النقد الثقافي) إلى ضرورة توسيع دائرة النقد الأدبي ليصبح نقداً ثقافياً لا نقداً أدبياً فقط , هل يمكن إيضاح هذه النقطة ؟

    إن توسيع دائرة النقد لتشمل كل ما هو ثقافي وروحي وحياتي هو أكثر ما يقلقني , وذلك يعود إلى أن جملة من الإنكسارات الذاتية ترسبت في ذواتنا وواقعنا , صار لابد من محوها عبر قناة النقد الثقافي الذي يشمل وجوهاً عديدة من الحياة وليس الأدب فقط .

    إنني أحس أننا بحاجة إلى النقد الثقافي أكثر من النقد الأدبي , ولكن انطلاقاً من النقد الأدبي لأن فعالية النقد الأدبي جربت وصار لها حضور في مشهدنا الثقافي والأدبي وقد توصلنا إلى أن الكثير من أدوات النقد الأدبي صالحة للعمل في مجال النقد الثقافي بل أستطيع أن أؤكد بأننا ومنذ عصر النهضة العربية وحتى يومنا الراهن ما من شيء جرب واختبر ثقافياً مثل النقد الأدبي , ولهذا أدعو إلى العمل على فعالية النقد الثقافي انطلاقاً من النقد الأدبي وعبر أدواته التي حازت على ثقتنا بعدما أخضعناها للمعايير المعروفة عالمياً ولا شك بأنه بات للنقد الأدبي في بلادنا العربية من الحضور والسمعة ما يؤكد على أهميته في حياتنا الثقافية والأدبية , وأن المشكلات أو الملاحظات التي تسجل على النقد الأدبي لا تتوجه نحو الأدوات أو الضرورات , وإنما تتوجه إلى الغايات والمقاصد وطرائق العمل في مجالات النقد والتي تؤدي أحياناً أو أغلب الأحيان إلى ما نسميه بالتحيز والمحاباة أو الاقتصار على أمر من الأمور كالجانب التنظيري وحسب .

    : ماهي التساؤلات المفترض ان يجيب عليها النقد الثقافي ؟

    أن الثقافة العربية سجل ضخم جداً , سجل متنوع الوجوه والأشكال والتكوينات , والسؤال الذي يطرح نفسه هل نستطيع داخل هذا السجل الضخم أن نقرأ بعض أنساقه على أنها نص واحد طويل الأمد يتشكل على مدى قرون ويحمل سمات أساسية وجوهرية .. دور هذه السمات قد يكون ايجابيا و قد يكون سلبيا , وبالتالي هل باستطاعتنا أن نتعرف على عيوبنا الحضارية وعلى اسباب عدم قدرتنا على تحقيق النهضة العربية حتى الآن ؟؟ هل هي أسباب سياسية ؟ ام تاريخية راهنة ؟ أم أن هناك إشكاليات قديمة مستمرة تفرز هذه العوائق دون أن نعيها ؟ لماذا نحن كجمهور وكأمة لسنا منتجي أفكار عملية , لا يعني هذا أنه ليس عندنا أفكار, عندنا زخم من الأفكار, لكن لما هذا الزخم الضخم من الأفكار لا يتحول إلى برامج عمل ؟! , هذه أسئلة اعتقد أننا نجد اجابتها عبر قراءة الثقافة نفسها لان الثقافة تبرمجنا وعبر هذه برمجة يجد الإنسان نفسه منساقاً أحياناً إلى تصرفات لا يعلم لماذا قام بها , أذكر من الاحداث التي صدمتني بشدة عندما اجريت لقاءات مع قادة الحرب اللبنانية ولم يستطع أحد أن يعقلن ما كان يفعله في السابق , أي أثناء الحرب الأهلية , كل منهم يقول أنه كان خارج عن عقله .. خارج عن قدرته على التفكير.. قدرته على التبصر بما يعمل , كانت مجريات الحرب الأهلية تقودهم بشرطها هي لا بشروطهم هم مما يعني أن هناك عيوبا نسقية خفية متشكلة في ألافراد تجعلهم يتخذون قرارات إذا عادوا لوعيهم يرونها غير صحيحة لكن بعد فوات الأوان .. والسؤال ما الشيء اللا واعي في الثقافة الذي يدير كينوناتنا, الثقافة تشبه علم الوراثة الجينات حيث نجد هناك جينات ثقافية تنغرس في تكويننا .

    مجمل هذه التساؤلات تقتضي مشروع نقد ثقافي لكي نرى ثقافتنا على حقيقتها .. نرى الجمالي والمثالي فيها .. كما نرى القبيح المعيب , نرى لماذا اللاإنساني ينتصر على الإنساني دائماً ؟ عندنا المشوه ينتصر على الجميل لماذا ؟ ثقافتنا لا ينقصها جماليات ولا ينقصها مثل ولا قيم إذاً لما هذه القيم لا تقود واقعنا ؟ يجب أن نطرح هذا السؤال بقوة , وباعتقادي ان السبب يعود لوجود نسق نقيض دائماً ينقض مثل ما حدث في ورقة الليل , ان خطاب الحب خطاب راق لكن هناك شيئا ينقض هذا الخطاب باستمرار ..يفككه ويجعله غير صالح ..غير منتج ..غير إيجابي.. وغير مثمر, لا بد ان نكشف هذه العيوب .. عيوب الأنساق الثقافية ولايتسنى هذا إلا عبر مقولة النقد الثقافي وليس عبر النقد الأدبي الذي مارسناه لمدد طويلة جداً وكان يقف على جماليات النص وجماليات التذوق والاستقبال وروعة النص وما إليه ..هذا أمر مسلم به لكن هل بالنصوص أيضاً النصوص كمجموعة نصوص هل فيها عيوب نحن نستهلكها دون أن نعي هذا هو السؤال .

    ضمن هذه المقولة الجدلية هل يمكن القول انك توصلت الى اجابات .. ؟

    أسست الثقافة العربية خلال فترات طويلة على مفهوم الفحل في الشعر العربي , وقد انتقل هذا المفهوم من الشعر السياسي إلى علم الاجتماع ..إلى الفكر.. إلى الثقافة عامة فصار لدينا الفحل السياسي والفحل الاجتماعي والفحل الثقافي والفحل الإعلامي بمعنى ان المفهوم دخل كل أنساق الحياة .

    في الشعر نكبر الفحولة والقوة ..نكبر المبالغة ..نكبر الكذب الجميل..كما نكبر القيم المجازية ونكبر اللغة التي تقول الشعراء يقولون ما لا يفعلون , هذه سمات شعرية لو بقيت في الشعر فلا إشكال لكن عندما تنتقل الى مناحي الحياة المختلفة سوف تخلق اشكالات حتما , ان اللغة أهم شيء في حياة الإنسان فهي التي تصنعه وتصنع تفكيره.. وتصنع رؤيته للعالم ..تصنع موقفه في الوجود ..تصنع طريقة استقباله للعالم, فإذا سيطرعلى اللغة البعد المجازي ..اللا عملي واللا منطقي واللا عقلاني فمعناه أن هيئة استقبالنا للعالم اصبحت مجازية لا منطقية ولا عقلانية وتقوم على ذات فحولية وفي هذه الحالة يظل إنتاج هذه الصيغ المغلوطة باستمرار, وبالتالي يجب أن نكشف هذه الذات الفحولية المتجعرفة لكي نعرف أنها علة ويجب أن نتخلص منها و ان نخرج إلى شخصيات حوارية قادرة على أن تقوم بقيم العمل بدلاً من قيم المجاز , أن تجعل اللغة نفسها لغة قول حقيقي.. نحن نقول منذ خمسين سنة ان فلسطين عربية , وهذه جملة لغوية لم تتحول إلى حقيقية تاريخية ولا حقيقة عملية لأنها ظلت كأنها مجاز لغوي , ولكن لابد أن تكون هناك برنامج عمل ..برنامج تخطيط واستراتيجية ..وبرنامج تحقق هذا الذي أقوله.

    إذا حاولنا أن ننتقل إلى مسألة الحوار الثقافي السائد الآن كيف تقيم هذا الخطاب ضمن هذا المفهوم ؟ .

    لا أريد أن أتجنى على خطاب ثقافي لأمة كاملة , خاصة الخطاب السائد , وأقول أن كله معيب وليس فيه اجتهادات هامة وقوية وراقية جداً , لكن لابد من القول ان هذا الخطاب يعاني من المشاكل أحياناً , كثيراً ما نجد بعض المثقفين الذين وصلوا على مرحلة متقدمة و صاروا رموزا الا اننا نجدهم يقومون على فكرة إلغاء الآخر باستمرار.. فكرة الأنا الطاغية ..فكرة أنه الوحيد سواء بشخصه أو بأفكاره ولا يحتمل أبداً الذوات الأخرى أو الأفكار الأخرى , كل الصيغ الفكرية التي تطرح كحلول لمشاكل الأمة تأتي دائما على مراحل كل مرحلة تحمل صيغة واحدة لا تتآلف مع الصيغة الأخرى, وهذه الصيغة تأتي بعدها صيغة تلغيها إلغاءً تاماً .. وتصنع صيغة أخرى بدلاً عنها ثم تأتي صيغة ثالثة ورابعة .. يعني لو استعرضنا العقود السبعة الماضية نجد كل عقد يطرح صيغة لكن يطرحها وكأنها الحل الوحيد الذي لا حل سواه ملغياً الحلول السابقة ويؤهل نفسه لكي يكون ملغياً من حل يأتي بعده , لكن لم نجرب ان نتعامل مع الصيغ باعتبارها كلها إمكانيات اجتهادية يمكن أن توصلنا إلى نوع من الخطاب التحضري , لذلك تجد عندما تقرأ لكثير من المثقفين الكبار انهم أحاديون لأن الفحل الشعري نفسه يتكرر وتجد ثنائية المديح والهجاء , وهذا الامر انسحب على الخطاب الثقافي السائد نفسه , فاذا كان الشاعر يعتمد على صيغة المدح والهجاء لتحقيق مآربه نجد أيضاً المثقف يستخدم صيغة المدح والهجاء بلغة مختلفة لكن هي الصيغة ذاتها , يعني لو نأخذ الخطاب الإعلامي مثلاً بين دولتين عربيتين في حالة الوفاق نجده خطابا مسالما مدائحيا , وعندما يحصل خلاف ما بين هاتين الدولتين اقرأ عندها خطاب كل واحدة عن الأخرى , وما يلبث أن يعود مرة أخرى ويتحسن وكأن شيئا لم يكن, يعني نفس صيغة الهجاء والمديح القديمة تستمر وتتآكل وتأكل بعضها بعضا .

    التأثير السياسي على الثقافي ضمن هذا الخطاب كيف تنظر له ؟

    من المعروف ان الشعر يعتمد عادة على الجملة البليغة اللحظية وليس على الفلسفة الكلية, يعتمد على الجملة المسكتة .. الجملة القوية القاطعة, فهو آني ومرحلي , كذلك تجد ان استجابة المثقف للسياسي استجابة آنية ومرحلية وليست استجابة استراتيجية , ناحية أخرى أنا أقول أن السياسي هو ضحية للثقافة وهو ناتج ثقافي لأن أي إنسان سياسي أو أي فكر سياسي هو منتج ثقافي تراكم عبر سنين وولد أنواعا من الشخوص وأنواعا من الأفكار , فبالتالي لكي نعرف العلة السياسية لا بد أن نبدأ بمعرفة العلة الثقافية لأنها هي الأصل .

    بناء على ماذهبت اليه ما هي أولويات المثقف الآن ؟

    أنا أؤمن إيمانا شديدا بفكرة المثقف الناقد , لذلك الأولوية هي لبعث الحس النقدي.. نقد الذات ونقد الثقافة ونقد المجتمع ونقد المؤسسة ,لا بمعنى محاربتها وإيذائها والتصادم معها لذات التصادم وإحراجها أو القضاء عليها , المثقف الناقد هو بالحقيقة صديق للمؤسسة لكنها صداقة من نوع مختلف صداقة من يحاول ان يربي المؤسسة تربية إيجابية عملية تعي أخطائها ولا يعميها عن هذه الأخطاء, الذي يعميها عن هذه الأخطاء أعتبره مثقفاً متآمراً لأنه يجعل المؤسسة لا تعي بأخطائها فبالتالي يقضي عليها , اما المثقف الناقد فهو صديق المؤسسة الحقيقي لأنه يبين لها الأخطاء التي ترتكب ويدفع بها إلى معالجة هذه الأخطاء .

    وكيف ترى ثنائية العلاقة بين المثقف والمتلقي ؟

    المثقف يستطيع أن يكون مثقفاً حقيقياً إذا صار نموذجاً راقيا و ليس نموذجاً انتهازياً أو ابتزازياً , إذا قدم المثقف نفسه كنموذج راق , وهذه قد تكلفه ثمنا باهضا يمكن ان يدفع حياته وراحته أو يدفع قوت يومه من اجلها لانها نوع من النضال, فلا يمكن للجمهور العريض الذي يستقبل الثقافة ان يستقبل ثقافة صحيحة إلا إذا خرجت من نماذج عالية يعني نموذج المثقف الناقد كما سميته المثقف الذي يعمل من أجل تكوين ذهنية ذات وعي ايجابي نقدي أيضاً بحيث أن الجمهور نفسه يمتلك هذه الذهنية النقدية , لقد اعتدنا على نموذج المثقف كمؤلف فتقرأ الكتاب لكي تأتيك الطبخة جاهزة وتصبح مجرد تلميذ على هذا الكتاب , لكن ليس أمامنا المؤلف الذي يجعل القارئ ناقداً للمؤلف نفسه , إذا توفر لدينا هذا المثقف الذي يستنبت روحاً نقدية في القارئ لكي ينتقد المثقف نفسه ليس من خلال الكتاب فقط , فالمثقف نفسه وهو ينتقد المؤسسة أيضاً يتعرض إلى نقد من جمهور يستقبله وجمهور يتدرب على نقد المثقف لأن هو نفسه يعطي الجمهور أدوات لنقده ولنقد أطروحته , وإن لم يحدث هذا فنحن دائماً نقدم إذاً طبخات جاهزة تستهلك لظرفيتها ولا يعود لها أي مفعول .

    هناك الآن شرخ بين المثقف بشكله الحالي والمتلقي , ألا يعتبر هذا الابتعاد نوع من النقد برأيك ؟

    أنا لا أعتبر هذا نقدا بل أعتبره رفضا و خيبة أمل , الجمهور أصبح يشعر بخيبة أمل من مثقفيه يعني لم يعد يجد عندهم الشيء الذي يريده ويحتاجه , اذا لاحظنا مثلاً معارض الكتب نرى أن هناك بعض الكتب التي تباع بشكل كبير جداً , ونرى أن هناك مؤلفين أو محاضرين أو متحدثين يقبل الناس عليهم اكثر من غيرهم , بالتالي فالإقبال والاستقبال موجود لكن له نوعيته الخاصة , هل يستطيع المثقف الذي يحمل رسالة حقيقية للامة وللثقافة أن يعرف الرسالة التي توصله للناس ..لا يتعالى عليهم لا يبتعد عن الخطابات التي تمسهم مباشرة وإنما يدخل بهذه الآلية التي نحن بحاجة اليها للدخول إلى الجماهير, وباعتقادي ان زمن المثقف النخبوي قد زال الآن والمرحلة التي نعيش فيها أكبر وأخطر من أن يكون المثقف نخبوياً, لا بد أن ينزل المثقف إلى الشارع وإلى الناس لا بمعنى أن يتنازل عن أفكاره وطروحاته وعن المستوى الراقي للمعرفة , لكن بمعنى أن يعرف كيف يستخدم الوسيلة الموصلة , زمننا هو عصر الوسائل, فالمثقف يجب أن يتقن استخدام هذه الوسائل ..يتقن كيف يصل للناس إذا كانوا هم عاجزون عن الوصول إليه فعليه هو أن يصل إليهم ,وهذا نوع من الإبداع الراقي جداً كيف تصل إلى الآخرين هذه مسالة دقيقة وحساسة جداً لكن الذي يتقنها فعلاً هو الذي يصل للناس أما الذي لا يدخل في هذا الإطار أو لا يتقنه فيظل بعيداً عن الناس وسيظل الناس يرفضونه .

    كيف ترى طبيعة العلاقة مع الغرب ولاسيما على اثر احداث سبتمبر في اميركا ؟

    علاقة الانسان العربي عموماً مع الغرب هي علاقة ذات وجهين : علاقة كراهية من ناحية وعلاقة حب من ناحية اخرى , نحن نكره سياسات الغرب وتحيزه ,لكننا نحب ثقافة الغرب وفكره , علاقتنا مع الغرب اذا علاقة مضطربة فهو عندما ابتعد عنا كمستعمر ظل معتدياً علينا سياسياً وفي الوقت ذاته هو مصدر علم ومصدر ثقافة , صورة الغرب عندنا مزدوجة تجمع بين الحب والكراهية في آن واحد ، تحب ثقافته وحضارته وتكره سياسته وانحيازاته .

    هل ترى أن المثقف العربي استطاع أن يستوعب مفهوم الحداثة فعلاً وينتهي من إشكالياتها ؟

    حداثة الوسائل محسومة تماماً , لا يوجد عربي يتردد أمام الوسائل الحديثة فهو يستخدمها كلها, لكن حداثة الأفكار هي التي تشكل نوع من المعضلة , وأبرر فعلا تخوفات الناس لأن عندها قضايا وإشكاليات ضخمة ..عندها مشكلة وطنية وعندها مشكلة اقتصادية وعندها مشكلة فلسطين و مشكلة مصير وحضارة ولهذا تراهم يشعرون في بعض الأحيان ان الحداثة الغربية تسهم في الجناية عليهم , و لن تحل هذه المشكلة إلا بموجود حداثيين عرب يصنعون نمط من الحداثة التي تخدم نهضتنا ولا تستفز ثوابتنا الأساسية , عندنا ثوابت لا يمكن التخلي عنها على الإطلاق وإلا انسلخنا عن هويتنا الوجودية , هل نستطيع أن نقيم هذه المؤاخاة الحضارية الثقافية بين استنارة فكرية حداثية شجاعة وجريئة وقوية ومنتجة وبين التثبت من وجودنا الأساسي ثوابتنا التي نرتكز عليها , هل نستطيع أن نحرك ثوابتنا تحريكاً عصرياً بحيث تكون ثوابت عصرية وليست ثوابت تنتمي إلى الماضي فقط , ما لم نحل هذه المشكلة سنظل في هذه الدوامة التي لا تفضي بنا إلى شئ .

    - : كيف تنظرون الى مايطرح حول مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني .. حيث يرى البعض ان هذه المسألة وجدت اصلا لخلق شرخ بين المثقفين العرب انفسهم من جهة وبينهم وبين جماهيرهم من جهة ثانية ؟

    : بالطبع لابد ان يحدث هذا الشرخ على الصعيدين لان القضية المطروحة اصلا غير طبيعية وغير مكتملة الشروط ومصطلح التطبيع بحد ذاته غير صحيح فكريا قبل ان يكون مرفوضا سياسيا ووطنيا ونضاليا .

    انت لاتستطيع ان تطبع مع انسان اذا كان هذا الانسان نفسه غير طبيعي , والمشكلة ان التطبيع المفروض علينا هو تطبيع مع كيان هو اصلا غير طبيعي ولايريد ان يكون طبيعيا , فاسرائيل تصر على ان تكون لاطبيعية .. ولو جربت ان تكون كذلك يمكن عندها ان يقابلها تطبيع عربي , ولكن طالما ان اسرائيل غير طبيعية في نشأتها وغير طبيعية في استمرارها فالمعادلة اصلا غير صحيحة , لان اسرائيل غير قادرة من داخل ذاتها ان تتأقلم مع المنطقة وان تكون جزءا منها , وطالما هي رافضة لهذا فكيف اطبع معها .

    ان معضلة الكيان الصهيوني ليست منا وليست فينا بل في داخله هو .. الصهاينة يشعرون حقيقة انهم لاينتمون الى هذه المنطقة ..لا الى لغتها .. ولا الى دياناتها .. ولا الى ثقافاتها ولا الى شروطها الاقتصادية او الجغرافية .. كل هذه الشروط ليست مقبولة اصلا عند الانسان الاسرائيلي , اذا كيف سيكون طبيعيا وكيف سأكون طبيعيا معه ؟! .

    ولذلك فان سبب الشرخ بين المثقفين العرب الذين يقولون بالتطبيع او لا تطبيع انهم يتعاملون مع شئ هو اصلا لاشئ , وكأنك تطلب من شخص ان يكون سوبرمان في حين ان شروطه لاتؤهله ان يكون سوبرمان فهما فعل لن يصبح ماطلبت .. فالكيان الصهيوني يشعر انه كيان غير طبيعي ولسنا نحن الذين نقول عنه ذلك فهو يشعر بهذا تماما ولديه عقدة سيكولوجية اكثر مماهي عسكرية , ومن هنا فان اخطر موضوع بالنسبة له عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم لانه يدرك تماما ان في هذا نهايته .. ولو كان طبيعيا لما تأثر الى هذا الحد .. ومن هنا نراهم يجهضون أي مبادرة سلام عربية ولايستجيبون لها لانهم غير قادرين على ان يكونوا طبيعيين رغم كل المساعدات الاميركية لهم , ولكن كل هذه عوامل وهناك شئ اخطر بكثير وهذا هو الذي سيدفعهم للرحيل عن ارضنا في النهاية .

    انا اؤمن تماما ان فلسطين في النهاية لنا .. ولكن متى تعود فعلا فهذا غير مهم نسبيا فالزمن له لغته الخاصة , وهذا لايعني ان لانناضل الآن ونتركها للزمن وللتاريخ .
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

17-10-2004, 10:04 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



الغذامي وأدونيس و صراع الحداثة - الشعر والتاريخ..مَن يوثق للآخر ??? (Re: osama elkhawad)


    - ناظم عودة

    يعتمد الغذامي في ما يقرره بشأن الحداثة العربية علي (الشعر) بوصفه وثيقة تاريخية وفكرية صالحة لتكوين صورة حكم نقدي قيمي علي مرحلة ثقافية وفكرية ذات امتداد زماني وذات تنوع في شكل الخطاب وفي مضمونه. ولم يكن ذلك ممكناً من الناحية المنهجية، لأن الشعر لا يصحّ أن يكون وثيقة علي التاريخ بل التاريخ يصحّ أن يكون وثيقة علي الشعر.

    في مستهل كتابه: النقد الثقافي، يتساءل الدكتور عبدالله الغذامي: هل الحداثة العربية حداثة رجعية؟(1). وبعد أن يمضي بالبحث قدماً يقرر: ليس الجمالي إلا غطاء تتقنع به الأنساق لتمرر هيمنتها علي الذائقة العامة متوسلة بحراسها الفحول وأدونيس من أبرزهم ولا شك(2). وما يُستصفي من فرضية الغذامي في النقد الثقافي هو أنّ ثمة أنساقاً ثقافية حاملة عيوباً تحتال بوسيلة ما حتي تتحجب بها وتخفي عيوبها، وليس (الجمالي) سوي أحد تلك الأقنعة الزائفة التي تتقنع بها الأنساق بغية الإخفاء، وبمقتضي هذا المستصفي سيعدّ الغذامي كلّ دعاوي أدونيس في الحداثة... خطاباً لفظياً لا يؤدي إلا إلي مزيد من النسقية الرجعية (3) ويتزامن ذلك كله ومحاولة الغذامي أن يكشف الخلل في الخطاب النقدي، فيقرر أن ما يتراءي لنا جمالياً وحداثياً في مقياس الدرس الأدبي هو رجعي ونسقي في مقياس النقد الثقافي (4) وبعد ذلك سيكون الشعر هو المسؤول عن شعرنة الذات وشعرنة القيم (5). وبعد هذا التقرير لا يمكن النظر إلي أفكار الدكتور عبد الله الغذامي بشأن أدونيس وبشأن الحداثة علي أنها أفكار نقدية محضة لمشروع الحداثة العربية في الشعر، وإنما الأمر يتعلق بقضية مزدوجة يسعي الغذامي إلي بسطها من خلال ما طرحه من فرضيات تتعلق بالنقد الأدبي بوصفه منهجاً، وبالحداثة بوصفها مشروعاً للتجديد.

    والقضية متلازمة في عرفه وفي دأبه الأخير لإعادة النظر في الأصول الفكرية التي توجه عمل المنهج في النقد بعامة، وإذا ما أردنا أن نعرف ما يختبئ ثقافياً خلف إعلان الغذامي رجعية الحداثة العربية ورجعية أدونيس ونزار قباني وغيرهما من الشعراء ينبغي علينا أن نلمّ بالسيرة النقدية للغذامي وبالتحولات التي طرأت علي كتابته النقدية منذ منتصف الثمانينيات حتي مشروعه الأخير الذي أطلق عليه: النقد الثقافي، وتلك مسألة أخري نناقشها لاحقاً في إطار الحديث عن منهج الغذامي في النقد الثقافي. إنّ الاقتباسات الأربعة الآنفة يمكن إجمالها في أربع قضايا أساسية تتفرع إلي قضايا أخري:

    1 ــ رجعية الحداثة العربية.
    2 ــ الجمالي بوصفه قناعاً نسقياً.
    3 ــ لفظية الحداثة الأدونيسية ورجعيتها النسقية.
    4 ــ شعرنة الذات وشعرنة القيم.

    يعتمد الغذامي في ما يقرره بشأن الحداثة العربية علي (الشعر) بوصفه وثيقة تاريخية وفكرية صالحة لتكوين صورة حكم نقدي قيمي علي مرحلة ثقافية وفكرية ذات امتداد زماني وذات تنوع في شكل الخطاب وفي مضمونه. ولم يكن ذلك ممكناً من الناحية المنهجية، لأن الشعر لا يصحّ أن يكون وثيقة علي التاريخ بل التاريخ يصحّ أن يكون وثيقة علي الشعر. وبشأن هذا التساؤل المركزي الأول الذي ما يلبث الغذامي يردده في أكثر من موضع في كتاباته النقدية، يمكن القول إنّ مشروع الحداثة العربية ينطوي علي أربعة جوانب:

    ــ الأول، فكري، يتعلق بمنظومة الأفكار الجديدة التي تتمتع بخواص التفرد والتمرد والتجاوز والغرابة وزحزحة منطق اليقينيات، علي النحو الذي حدث مع متنوري النهضة العربية حينما واجهوا أفكار دارون واوغست كونت وديكارت وسبينوزا وماركس ونيتشه وسيمون وآخرين، وكان متنورو النهضة يهدفون إلي أن يجعلوا العقل يتطور بتطور المعقولات والمحسوسات، ولا ريب في أن هؤلاء المفكرين يتفقون في شيء أساسي وهو مناهضة الركود العقلي في النظر إلي الأشياء وفي تفسيرها، ومناهضة منطق التقليد. وانتقلت هذه المناهضة إلي المفكرين والإصلاحيين العرب، فقد التفت الشيخ محمد عبدة لفتة نابهة حينما قارن بين عالم الإسلام (الشرق) وعالم المسيحية (الغرب) مقارنة تبين حركة العقل الشرقي والعقل الغربي في التطورات المادية والتاريخية التي حدثت منذ ظهور الإسلام، فهو يري، مثلاً، أنّ الديانة المسيحية بنيت علي المسالمة والمياسرة في كل شيء (6) أما الديانة الإسلامية فقد وضع أساسها علي طلب الغلبة والشوكة والافتتاح والعدة ورفض كل قانون يخالف شريعتها ونبذ كل سلطة لا يكون القائم بها صاحب الولاية علي تنفيذ أحكامها، والناظر في أصول هذه الديانة ومن يقرأ سورة من كتابها المنزل يحكم حكماً لا ريبة فيه بأن المعتقدين بها لا بد أن يكونوا أول ملة حربية في العالم، وأن يسبقوا جميع الملل إلي اختراع الآلات القاتلة وإتقان العلوم العسكرية.. (7) لكن الأمر معكوس كما يري الشيخ، فالأمم المسالمة تحولت إلي أمم حربية أنشأت صناعات راقية واتجهت إلي استعمار الشعوب، والأمم الحربية التي كانت راقية الصناعة (وهو يضرب مثلاً بمحمود الغزنوي الذي استعمل المدافع في حربه ضد الهند وأدخل إليها الإسلام في الوقت الذي كان الغرب لا يعرف شيئاً عن صناعة المدافع) أصبحت لا تعرف شيئاً عنها في العصر الحديث،( ولا يترك الشيخ محمد عبدة ذلك دون ذكر للمسببات، فهو يرد تلك الصحوة الصناعية إلي الصراع الذي دار بين الأباطرة الرومان والمسيحية فانفسح لهم مجال الفكر... وكانت براعتهم في الفن العسكري واختراع آلات الحرب والدفاع مساوقة لبراعتهم في سائر الفنون (9)، أما المسلمون فبعد أن نالوا في نشأة دينهم ما نالوا، وأخذوا عن كل كمال حربي حظاً، وضربوا في كل فخار عسكري بسهم... ظهر فيهم أقوام بلباس الدين وأبدعوا فيه، وخلطوا بأصوله ما ليس منها، فانتشرت بينهم قواعد الجبر، وضربت في الأذهان حتي اخترقتها، وامتزجت بالنفوس حتي أمسكت بعنانها عن الأعمال (10).

    ــ الثاني، نظري، يتعلق باستيعاب النظرية والوقوف عند بعض معضلاتها، ومن ثم محاولة الطرح النظري الخاص، علي النحو الذي جسدته كتابات طه حسين وسلامة موسي ومحمد مندور وعباس محمود العقاد ومحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس ومحمد النويهي ونازك الملائكة (الناقدة) وحسين مروة وغالي شكري وآخرين. ونحن هنا أمام تنوع نظري يشمل المنهج التاريخي المعدل بفرضيات (ديكارت) العقلانية، أو المنهج التاريخي المعدل بفرضيات (لانسون) التي تلح علي إبراز الجانب الروحي القومي، أو المنهج القائم علي توجهات أيديولوجية اشتراكية وماركسية، أو المنهج الذي انبهر بفرضيات فرويد التي أسست علماً لتأويل العالم اللاشعوري المتجسد في السلوك الإنساني، أو المنهج الذي يمكن تسميته بالمنهج (الفيلولوجي) القائم علي تفسيرات لغوية حسب. وعلي ذلك فنحن أمام حداثات نقدية مختلفة لا يمكن تنميطها في نمط واحد. وتوضح لنا معرفة ذلك الاختلاف رؤية أدق في توصيف الجانب الرجعي في مشروع الحداثة العربية، وهنا يكمن اعتراضي علي مسعي الدكتور الغذامي إلي تنميط نماذج الحداثة والنظر إليها نظرة واحدة محصورة في أدونيس وحده.

    ــ الثالث، مادي، يتعلق بعملية تحديث المجتمع العربي من النواحي المادية والتقنية.

    ــ الرابع، جمالي، يتعلق بتحديث الوسائل والأشكال الفنية للتعبير عن عالم الروح، علي النحو الذي جسّده السياب ونازك والبياتي والحيدري في حركة الشعر الحر في العراق. وعلينا أن نقرّ هنا أن ذلك لم يحدث دونما موطئات، كمحاولات علي أحمد باكثير ومحاولات لويس عوض في بلوتولاند، ودونما أصول تراثية أيضاً، كالمحاولات التي تقرن حركة الشعر الحر بشعر البند.
    بين انطون فرح ومحمد عبدة

    وقد أوجدت هذه الجوانب الأربعة مجالاً للتصادم بين القديم والحديث، علي النحو الذي جري بين أنطون فرح ومحمد عبدة، أو بين أنطون فرح وجمال الدين الأفغاني، وما تمخض عن هذا الحوار من ولادة مفاهيم وأفكار جديدة بشأن علاقة الدين بالسلطة أو الديمقراطية والحكم أو التوجه العلماني أو العدالة أو الحقوق الفردية. وقد تمخض ذلك الحوار بين السلفيين والليبراليين عن رؤية جديدة للواقع وللفكر تعطي دفعاً للحياة إلي الأمام، لا يمكن وصفها بالرجعية. وكذلك تساؤلات طه حسين بشأن اليقينيات المنهجية في دراسة الأدب الجاهلي وما دار بينه وبين التيار السلفي من جدال قد أحدثت انعطافاً في طبيعة الدراسات الأدبية، علي الرغم مما قيل بشأنهما (أنطون فرح وطه حسين). وهذا هو قانون الأفكار الجديدة بعضها يثير أسئلة وبعضها يؤسس وبعضها يندثر. ولم تكن حركة الشعر الحر في العراق أقلّ جلبة فقد تألب الشعراء والنقاد والمثقفون العراقيون والعرب ضد هذه الحركة التجديدية، لكنها لم تكن حركة طارئة بل حركة تعي مكمن الأزمة في القصيدة العربية، وقد ترك ذلك الوعي وتكريسه شعرياً آثاراً في تاريخ الشعر العربي لا يمكن تقليل شأنها. وبعد ذلك يصبح من التعميم اللامنهجي القول برجعية الحداثة العربية. ولكن الغذامي ينظر إلي الحداثة العربية من منظور شعرية أدونيس حسب، ومن اجتزاءات مختزلة تتمحور في حديثه عن الأنا الأدونيسية بتضخماتها المسرفة بالتعالي الأسطوري في تفرد هذه الذات وتميزها الخرافي، فهي تري ذاتها بأنها: أنا العالم مكتوباً، وأنا المعني، وأنا الموت، وأنا سماء وأتكلم لغة الأرض، وأنا التموج، وأنا النور، وأنا الأشكال كلها، وأنا الداعية والحجة (11) ويشعر الغذامي بالحرج حين يلتفت إلي نفسه فيجدها تحاكم المتخيل محاكمة عقلية صارمة شبيهة بمحاكمة السوفسطائيين من لدن سقراط، فما كان تهويماً بلاغياً في نظر سقراط تحوّل إلي مبادئ براجماتية في نظر برتراند رسل، وبصدد ذلك يقول الغذامي مبرراً حرجه ويجب علينا هنا أن نحتاط لأنفسنا فلا يأخذنا الوهم إلي أبعد مما يصح، إذ ليس من الصحيح أن نتصور أن هذه المقولات مجرد تعبيرات شعرية مجازية (12). وهو يري أنها ليست كذلك لأنها مكرورة عن شعراء سبقوا أدونيس إليها (13) ولأنها تتكرر عند أدونيس في خطابه التنظيري، تماماً مثلما هي في أشعاره (14). وإذا ما اقتنعنا بهذين السببين فسنري أن تكرارها يكرس كونها شعرية متخيلة ذات أغراض دلالية لا تتطابق بالضرورة مع ما يرمي إليه الغذامي، ولا يعني هذا التكريس أن المتخيل ضد العقل، لكننا لابد أن نحترز من خداع الوسيلة المتخيلة، فقولنا: أنا الموت، له تفسير عقلي يختلف عن تفسيره التخيلي، فالأول يباشر الدلالة منذ اللحظة الأولي.

    حداثة ادونيس

    والثاني لا يباشرها إلا بعد أن يستحضر لها مسوغات التأثير والاستجابة. وهذا شرط لابد من وضعه في الحسبان في النقد الثقافي ولا أقول في النقد الجمالي. وعلي وفق هذا الشرط يمكن أن ننفي الصفة اللفظية عن حداثة أدونيس من جهة ونؤكدها من جهة أخري، ولكن كيف؟. لا يمكن الحكم علي تجربة أدونيس الشعرية والقول فيها إنها محض حداثة لفظية، لأنها تختزن تصوراً جديداً للعالم وللأشياء من وجهة نظر أدونيس نفسه؛ المثقف الذي قرأ التراث والمعاصرة في أطروحة أكاديمية فوضع يده علي كل الحركات التي تغاير وتختلف عن السائد من ناحية لغة الخطاب، ومن ناحية الخطاب نفسه، وعلي هذا الأساس لابد أن نقترح تاريخاً للروح أيضاً حتي نعاين التطورات التي حدثت في عالم الروح مثلما نعاين التطورات التي حدثت في عالم المادة أيضاً، فقد كان أدونيس يبحث في اللغة عن وسائل أخري تعبر بدقة عن قلق الروح الذي لا ينضب. إن هذا الافتراض يؤكد لفظية حداثة أدونيس في مضمار الشعر الذي ينأي عن كل شكل من أشكال الحداثة حينما لا تكون البداية من تحديث اللغة نفسها. وإذا ما كان الغذامي يرمي إلي أن أفكار أدونيس التجديدية لم تتحقق في واقع الحياة الثقافية فكأنها محض ألفاظ فارغة من المحتوي الواقعي فإنّ التنبؤ بالنتائج قبل المقدمات لا يجوز من الناحية المنطقية، وهنا يمكن التساؤل، هل من الممكن أن يُحجم المشرع القانوني لمجرد أن يخطر في خاطره استحالة تطبيق شرعته؟. إنّ عامل الزمان وما يحوط به من ظروف وأحداث وتطورات شرط منهجي في كل محاولة لدراسة بناء ثقافي أو أدبي، فعامل الزمان هو الذي يجعل الغذامي يغفل عن رؤية (النسقية) في خطاب أدونيس في فترة سابقة، وهو الذي جعله أيضاً يتنبه لها فيما بعد.
    وعوداً علي بدء، باتجاه الغطاء الجمالي الذي يقرره الغذامي، أريد أن أكشف عن طريقته في توجيه الكلام إلي الوجهة التي يريدها هو نفسه، لا إلي ما يريدها المقتضي المنهجي، فهو مثلاً يؤكد نخبوية حداثة أدونيس، كما مرّ في القسم الأول من هذه الدراسة، ليؤكد حكماً آخر غير الحكم الذي يقرره الآن، فأدونيس النخبوي تحول إلي أحد الحراس الفحول علي الذائقة العامة بحسب تعبير الغذامي، فالأمر، إذن، يتغير بحسب مشيئته، مرة جماليات أدونيس نخبوية ومرة مهيمنة علي الذائقة العامة. ومرة يري في اسم أدونيس أنه يخضع للأب وينصاع للتعليمات (15) ومرة يقول هذا المسمي الرسمي الذي اختاره صاحبه رافضاً الاسم الذي منحه له أهله (16). ولا يقتصر الأمر هنا علي الغذامي حسب وإنما يشمل قراءة عبد العزيز حمودة وفوزي كريم وآخرين.

    جريدة (الزمان) العدد 2012 التاريخ 52-5-2002
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

17-10-2004, 10:09 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



عن عمارة ما بعد الحداثة (Re: osama elkhawad)

    بينالى العمارة العالمي في البندقية

    تغيرات وتحولات لما بعد الحداثة


    تشهد مدينة البندقية( فينسيا) افتتاح الدورة التاسعة لبينالى العمارة العالمي يوم 12 من الشهر الجاري وحتى السابع من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر القادم ، حيث يشارك 170 ستديو عالمي للمعمار و200 نموذج بلاستيكي و 150 صورة فوتوغرافية، إضافة الى عشرات من أفلام الفيديو لأحدث المنجزات المعمارية خلال السنتين الأخيرتين لعباقرة هذا الفن العالمي أمثال بيتر ايزينمان، رون اراد، كينكو كوما، ماسيمو سكولاري، بين فان بيركيل.. الخ ويشارك الجناح الايطالي باسماء لامعة هي، ماريو بيلليني، اندريا برانسي، الدو تشيبش، ماسيمليانو فوكساس، رينسو بيانو، ماسيمو سكولاري. كما يشارك المعماري الحالم ارمين لينك بعرض تصوراته بمجموعة بلاستيكية عن عمارة المستقبل التي أطلق عليها عمارة ما بعد الحداثة.

    ويطرح بينالى هذا العام الذي يحتل مواقعه التقليدية في حدائق قصر العروض والبادليونا الإيطالي والارسينالى ، إضافة الى جناح كرنفالي خاص وسط المياة أطلق عليه اسم" مدينة المياه"، تيار ما بعد الحداثة كأفق أكثر رحابة وأكثر تنوعا وأعمق اختلافا على العمارة الحالية التي تعتبر الأداة المعبرة عن حاجة المجتمعات الحسية، على اعتبار ان العمارة هي أكثر الفنون ارتباطا بالمجتمع، تعكس حساسيته الفنية ورخاءه الاقتصادي ومستوى تقدمه التكنولوجي إضافة الى عناصر المناخ والطبوغرافيا وبنية المنظومة الاجتماعية وتشكيل ذائقتها .

    مرحلة ما بعد الحداثة التي يشبهها مدير البينالى لهذه الدورة كورت فورستر بأنها ستكون خلال السنوات القريبة القادمة جذرية" من قشرة الدودة الى الفراشة" تتبنى مواقف مخالفة لما عهدناه بالعمارة الحديثة التي نراها ونتابع إشكالها وتنوعاتها وخصائصها ، والتي أعلن انتهاء دورها الوظيفي وعدم ملاءمتها للقيم الاجتماعية والجمالية والتحولات العلمية والتكنولوجية والاتصالية التي ساعدت على إنشاء مجتمع المعلومات العالمي الجديد، إضافة الى الآلية التي غزت المجتمع الإنساني بحكم انتشار الآلات والتي تعيشها المجتمعات وتحقق يوما بعد آخر تواصلا متقدما وسريعا.

    المعماريون الجدد وهم يوجهون ظاهرة انتشار العولمة بكل أدواتها ووسائلها الاتصالية الكونية، بطابعها الكوني الاقتصادي والسياسي والثقافي بدأو مرحلة التصدي لوسائل الاتصال الكوني المتزايد ومخاطر الانعزال الاجتماعي العميق، إضافة الى الأخذ بالاعتبار خصائص المكان الطبوغرافية والمناخ ، وطبيعة المواد الإنشائية الجديدة، والنسب البيئية المحيطة سواء الطبيعية او تلك التي يصنعها الإنسان، والتي تنزع نحو توحيد الأذواق وتقنين القيم الجمالية خدمة لأهداف السوق الاستهلاكية التي تسعى بدورها ، الى زيادة أعداد المستهلكين بشكل مطرد، على مستوى تخطيط المدن ، وتصميم البيوت وناطحات السحاب، وحتى تنظيم المكاتب الإدارية والتجارية لمواجهة مخاطر الانعزال

    البناء الجديد قائم على الوظيفية والمكانة ويحمل رسالة مزدوجة تتمثل بالهوية الحضارية المنفتحة في البناء، إضافة الى مراعاة الفترة الزمنية التي تأسس بها البناء الذي لا يغيب عنه كما يدعي البعض اختزال المضمون والبعد الحضاري والجمالي والاختصار على البعد المادي الذي يطغي على حساب المضمون، فأطلقوا تسميات متعددة مثل" العمارة دون قيم" وعمارة" المنزل اللامنزل" و" مساحات وصناديق" و"عمارة المجانية والتجريد".. الخ ،اذ ان مثل هذه المقارنة لم تعد موجودة عمليا الا في بعض التنظيرات والمقولات،اذ لا يمكن تناول موضوع العمارة الذي يضم علوما دقيقة وجوانب فنية متعددة ، ويخضع لمستحثات العصر المتغير، دون النظر الى الجوانب المحيطة الأخرى فكما يقول كورت فوستر بان "الشاعر كان يتغنى بعيدا عن العمارة الا انه اليوم يمشي جنبا الى جنب المعماري" فالعمارة كأداة مادية ومنجز معرفي قادرة وبكفاءة عالية بتأمين حياة مدنية أكثر رفاهية، وهي ليست منفصلة عن تاريخ الإنسان. وحتى بمعزل عن ما ينتجه العالم الغربي الذي لا زال يصدر لنا طرق الحياة الجديدة، وينظّر لنا مناهج وأساليب العيش، تظل العمارة الحديثة خاضعة لعوامل اختلاف المواد واختلاف التأثيرات.

    الإنسان اليوم يعيش جملة عوامل داخلية وخارجية تساهم بشكل مشترك لتأسيس نظام عالمي، تتمثل في تنظيم المصطلحات وصياغة الإجراءات وفق نظريات ومنهجيات تسير نحو التشابه والتوحد، تحاول تشخيص المحيط الاجتماعي وحصر المشكلات للوصول الى خطاب معماري واحد يذلل الكثير من المشكلات والمنافسات بين المعماريين والرسامين والمهندسين المهنيين وعلماء الاجتماع والجغرافيين والبنيويين ، وحتى النخب الحاكمة في قيادة الدولة الذين عادة ما تسيطر ذائقتهم في تحديد الشكل( كما هو الحال في الأساليب الفاشية والنازية والتجربة السوفيتية وما تبع ذلك من أساليب الدكتاتوريات الصغيرة) .

    عمارة ما بعد الحداثة القادمة ستكون بجمالية ووحدة تنوع داخل الأشياء الموضعية وأيضا في الفكر الذي يتأمل هذه الأشياء، وستكون كما هو الحال بالعمارة الحديثة وسيط يعبر عن البلاغة الحضارية التي سيعشها الإنسان خلال السنوات القادمة.

    ويشارك في فعاليات الدورة الحالية لبينالى البندقية، جمهورية مصر ، من خلال جناحها الدائم هناك. اذ يضم الجناح المصري إعمال تسعة فنانين مصريين هم ، مجدي موسى قومسير عام جناح مصر، إبراهيم عبد الهادي، احمد عزت، ريهام مصطفى، محمود عبد المجيد، يحيى شعبان، اسامة نعمان، ماجد الصادق، ونزار سامي.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

17-10-2004, 10:13 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



ظاهرة القراءة المعاصرة للقرآن: ايديولوجيا الحداثة (Re: osama elkhawad)


    عبد الرحمن الحاج ابراهيم
    باحث سوري

    بقيت إشكالية العلاقة بين الإسلام والحداثة رهينة جدل لا ينتهي منذ بدأت في القرن الماضي، ولا يختلف أحدٌ في أن «المعاصرة» هي موقف إيجابي تجاه الحداثة ـ بكل ما تعنيه من فلسفات وعلوم ومناهج وأدوات بحث، بل وواقع يبسط نفوذه على حياة العالم ـ بغض النظر عن حدود هذا الموقف (1)، وإذا حاولنا البحث في الدراسات التي اشتغلت على القرآن الكريم تحت مظلّة المعاصرة، فإننا سنقف على مرحلتين متمايزتين مرّت بهما تلك الدراسات:

    المرحلة الأولى:

    وهي التي بدأت مع الشيخ محمد عبده، حيث شهدنا ممارسة فعلية للتفسير والتأويل مستفيدةٌ من معطيات العصر، وكان محمد عبده قد نعى على العلماء عدم الاستفادة من العلوم الغربية الحديثة (2)، وعندما شرع في تفسيره تأوّل القرآن طبقاً لتلك العلوم، والنظريات العلمية، مما جعل الداروينية (3) مقولة قرآنية، كما هو الحال تماماً مع اللاماركية، التي تعتبر ـ حسب عبده ـ من سنن الله في هذا الكون!، ثم تأوّل المعجزات تأويلاً وضعيا (4). كما سنجد امتداد ذلك لاحقاً مع طنطاوي جوهري في تفسيره «الجواهر» (5)، وهو تفسير يبرهن فيه على أن كل العلوم في الغرب موجودة في القرآن!، وأن القرآن قد سبق إليها!، ليطمئننا بذلك «إلى أننا سبقنا عصرنا إلى كل ما يتطاول به الغرب علينا من علوم حديثة» (6). ثم مع أبو زيد الدمنهوري في كتابه «الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن» (7)، والذي خَلُصَ فيه إلى استنطاق القرآن بما يتلاءم مع أفكار العالم المعاصر، في المرأة والحدود، و.. الخ، إلى أن جاء المصطلح معبّراً في عنوان «التفسير العصري» مع مصطفى محمود( في بداية السبعينات.

    تتميّز هذه المرحلة ـ التي امتدّت إلى أواخر السبعينيَّات ـ بعدّة خصائص:

    - فهي لم تخرج عن مناهج التفسير التقليدية، ولهذا لم تتجاوز التأويلات «الإجرائية» التي تناولت بعض الآيات بما يتلاءم مع مقولات العصر الشائعة، حتى لو خرقت تلك التأويلات الأطر المنهجية التقليدية في التفسير. بل إننا نجد في هذه المرحلة كيف وصل التفسير إلى «مجرّد» تأمّلات(9) تتسم بالبساطة والسذاجة أحياناً.

    - والاجتزاء يبدو ظاهرةً واضحةً، حيث لا يتم التأويل «المعاصر» إلاّ في تلك الآيات المتعلقة بالإشكالات الفكرية المعاصرة، أو تلك التي يشتبه بها في استنطاق الاكتشافات الحديثة!

    ونظراً لاحتكام التفسير/ التأويل ـ في هذه المرحلة ـ إلى المناهج التقليدية في التفسير، فقد ظلَّ مصطلح التفسير مهيمناً كاسم لهذه العملية التأويلية، ولارتباطها بالعصر كان من الطبيعي أن يبرز مصطلح «التفسير العصري» أو «المعاصر» تعبيراً عنها.

    المرحلة الثانية:

    ويحيلنا إليها مصطلح «القراءة» (10) نفسه؛ الذي يشير إلى مصادر منهجيّة معاصرة هي مناهج النقد الأدبي واللسانيات الحديثة، فنحن هنا إذن أمام استخدام لـ «مناهج» و«أدوات» جديدة في دراسة القرآن، نستطيع أنْ نقدّر بدايته في نهاية السبعينيَّات وبداية الثمانينيات حيث كانت المناهج الأدبية واللسانية قد أخذت حضورها إلى جانب الدراسات الأخرى ـ في العالم العربي، وبدأت تتسرّب إلى كل شيء، فكان لنا أن نرى عام (1979م) «العالمية الإسلامية الثانية» لأبي القاسم حاج حمد، والتي اعتمد فيها على مزيج من المقولات اللسانية والفلسفية، ربما لأوّل مرّة (11)، وفي الثمانينيّات ظهرت محاولة أركون في «قراءة» التراث الإسلامي، وتأويل النص الديني(12)، ويعتبر أركون أكثر مَن توسَّع في استخدام المناهج الحديثة وخصوصاً اللسانية، وحسن حنفي الذي حاول أن يؤسِّس لتفسير معاصر اعتماداً على معطيات العصر المنهجية، ثم محمد شحرور في «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» (13) الذي اعتمد فيه على خليط من البنيوية والتاريخية، ونصر حامد أبو زيد الذي طرح في «مفهوم النّص» منهجه القائم على التأوّلية (hermeneutics) من خلال نقد تراث علوم القرآن... وغيرهم.

    تتميّز القراءة المعاصرة، وهي المرحلة الثانية في الدراسة المعاصرة للقرآن بالخصائص التالية:

    - مارست «قطيعة» جذرية في مناهج التأويل مع التراث، في حين تواصلت مناهج «التفسير العصري» معه، إلى حدّ التطابق، وهي «نقلة» سمحت بتجاوز عقبات المنهج التقليدي أمام التأويلات المتعسِّفة.

    - سمحت بتأويل لـ «كامل النص»، من خلال نماذج قابلة للتكرار، أو ممارسة شاملة (محمد شحرور)، في الوقت الذي كان فيه التفسير العصري يتعثّر في ترقيعاته، فليس هنا اجتزاء أو تأملات، بقدر ما هي ممارسة وبحث معرفي يتوسل بجهود ذهنية كبيرة ومنظَّمة.

    وإذا كان من ضرورات «الظاهرة» التكرار، والوضوح، فإننا نستطيع أن نصف «القراءة المعاصرة» بـ«الظاهرة»، خصوصاً منذ عقد التسعينات، حيث ساهم في هذا التحول الصَّخَبُ الذي تَمخضّ عن صدور كتاب شحرور «الكتاب والقرآن» تحت العنوان الفرعي: «قراءة معاصرة»، هذا الصَّخب الذي لم ينته بعد، والذي يعكس «استفزازاً» حقيقياً لمنظومة العقل المسلم المعهودة.

    النظرية:

    - النصَّ والدلالة: السلفية والمعاصرة!

    القرآن بوصفه «نصاً» وإن كان لا يتجاوز الحدود اللغوية، إلاّ أن مصدره الإلهي يجعل تلك اللغة لا تتجاوز وصفها «حاملاً» فكرياً، ولا تتعداه إلى السجن الثقافي (14). ولكن النصّ بوصفه «منجزاً لغوياً»، ونظاماً دلالياً، جهازٌ معقدّ لإنتاج المعنى، يتضمَّن مستويين للدلالة: «مستوى أولي: هو المستوى النظامي للدلالة، بمعنى أن الدلالة تتشكّل فيه طبقاً لقوانين التركيب (النحوي، المعجمي، الصرفي،...)، وهنا الدلالة (...) تنمو خطيّاً، وليس [هناك] (...) قراءة/ تأويل بالمعنى الحقيقي.

    والمستوى الثاني: هو مستوى الدلالة «غير النظامي»، هنا لا يمكن النظر إلى النّص على أنه رصفٌ للكلمات، وتركيب للجمل فحسب، ولكن يُنظر إليه على أنه فضاء متعدد الأبعاد، حيث المعنى الكلي للجملة لا يساوي مجموع مفرداتها، والمعنى الكلي للنص لا يساوي مجموع جمله، وعلى هذا المستوى تكون القراءة والتأويل. وإن وجود المستوى الأول يجعلنا لا نفهم الكلام كما يحلو لنا، وإن لم يكن في الوقت نفسه كما يريده المؤلف.. هو مستوى يحكم القارئ والنَّاص معاً، فهو ليس فردياً بقدر ما هو جماعي» (15). وهكذا يصبح تأويل/ قراءة النّص اجتهاداً يتساوى فيه الجميع.

    إذا كان هذا شأن «المساحة» التي يتم فيها التأويل، والتي تستلزم القدرة العقلية الاجتهادية أكثر من أي شيء آخر، فإلى أي حدّ يمتلك «السلف» سلطةً مرجعية للخطاب التفسيري المحاك عن النّص؟

    إن إعطاء السلف «سلطة» تأويلية ترجح على سلطتنا، بحيث يتحول السلف إلى مرجعية يقوم على مقولات عدة أبرزها المعرفة باللغة، وبأساليب التعبير والبيان بها. ولكن هذه المقولات نفسها تنشَأ عن مسلَّمة أن اللغة مطابقة للنّص.. واللغة مجموعة ألفاظ، وأساليب تعبير ثابتة تتوسل بها. والنص بما أنه لغة فهو كذلك مجموعة ألفاظ... إنها في الواقع رؤية ساذجة للنص تفتقد تصور النّص كجهاز دلالي، فعملية التأويل هي عملية «فوق لغوية»، وإن كانت تستند إلى اللغة، والمفردات المعجمية ليست إلاّ أرضية ابتدائية تتحدد بها فضاءَات الدلالة النصّية، وحينئذ «أهل اللغة وغيرهم في معرفة ذلك سواء، وإنما يختصّ أهل اللغة بمعرفة الأسماء والألفاظ الموضوعة لمسميّاتها، بأن يقولوا إن العرب سمّت كذا بكذا، فأما المعاني ودلالات الكلام فليس يختصّ بها أهل اللغة دون غيرهم» (16)، هذا فضلاً عن أن اللغة ـ بهذا المعنى ـ أصبحت في متناول الجميع من الخلف، بعد أن تراكمت الجهود المدونة في جميع الألفاظ وتحليلها، وتعقيد اللغة والكشف عن أنظمتها المتعددة التي تقوم بها. فالسلف بعد ذلك لم يعد يمتلك تلك المرجعية التأويلية، بل إن القول بهذه السلطة والإقرار بها يوقف النص عن إنتاج دلالته في كل عصر، ويقطع امتداده في الزمن الصالح ثقافة تاريخية راحلة.

    - مقومات المشروعية:

    مع تراكم البحث في دلالة النّص القرآني، أخذ علماء الإسلام في تأسيس قواعد لتناول النّص وقراءته/ تأويله. فقد كان علم أصول الفقه قد درس «الخطاب» كنّص، وجمل، ومفردات. فتناول بذلك المستويات الثلاثة لبناء «الخطاب» القرآني، وهو العلم الوحيد في العلوم الإسلامية الذي تجاوز الجملة لتقعيد الدراسة في النّص القرآني بشكل منهجي، بل إنه كان واعياً تماماً لمفهوم النّص إلى الدرجة الكافية (17) لتتعامل معه. فالمهمة التي نذر أصول الفقه نفسه لها منذ البداية هي النّص، وليس تقعيد اللغة؛ التي تعتبر بالنسبة له مقدِّمات ضرورية (1.

    وعندما تقدم البحث فيه، تكشّف عن مناهج متعددة (اعتزالية، حنفية، شافعية، ....)، ولكن ورغم ثراء علم الأصول في دراسة النّص القرآني، إلاّ أن تلك المناهج الأصولية بقيت معزولة بشكل أو بآخر عن ممارسة التفسير والتأويل، أو لم تستنفذ تلك الآلة الأصولية، لأنه كان ينظر دائماً إلى أصول الفقه كوسيطٍ بين الأحكام العملية وحدها والنص الشرعي، فمهمتّه كانت ترى دوماً في بحث الأحكام العملية (كما يوحي بذلك اسمه)، وكانت نزعته المذهبية تدعم آفة العمل الفقهي «الاجتزائي» كآلية تلتقي مع المنهجية التقليدية في التفسير.

    وإذا كان التفسير يقوم على مسافةٍ لغويةٍ بين خطابين: الخطاب القرآني، وخطاب التفسير نفسه، فإنه لمن المحال أن يتم اختصار هذه المسافة إلى درجة يمكن فيها للتطابق أن يأخذ سبيله إليها (19)، لأن خطاب التفسير ناتجاً ثقافياً لا محالة، قائماً على النسبي والممكن، وحاصلاً في الأفهام على مقدار اختلافها وتفاوتها، فهو رهن بشروطنا التاريخية والزمنية، وبظروف ذاتية وإنسانية بحتة. وإذا كان التفسير كـ «خطاب» منتج ثقافي تاريخي، فأدواته بالضرورة منتج مثله (ثقافي وتاريخي).. أي أنه ممكن التجاوز، فتلك الأدوات والمناهج ليست «فوق تاريخية».. إنها نسبيّة كنسبيتنا نحن منتجي الخطاب ذاته.

    يصبح أصول الفقه ـ بناءً على ذلك ـ كغيره من الأدوات ومناهج البحث التي ولدت مشروطة بتاريخها، وإن لم يعني ذلك أنها لم تعد تحمل أي صلاحية للقيام بالدور التأويلي، وإنما يعني ذلك أنه ليس ثمّة ما يلزمنا بالوقوف عندها، أي ثمّة فسحة لإمكانية التجاوز والإضافة، بل والاستبدال الكلي.

    من هنا تأخذ «القراءة» المعاصرة مشروعيتها، حيث حركة (الفهم/ التأويل/ القراءة) تستند إلى نسيج معرفي يحاول التكييف بين استرداف المنهج، وخصوصية الثقافة من جهة، وبين حداثة القراءة وتراثية المقروء من جهة ثانية، كما تحاول هذه الحركة التأويلية على مستوى آخر أن تقيم جسراً بين وعي المطلق ووعي التاريخ (20).

    إنه من العسير إثبات وَقف «الاجتهاد» في إنشاء مناهج البحث وأدوات استكشاف وتحليل المعنى في النّص القرآني وغيره، وبالتالي فإن من لوازم ذلك وجود إمكانية قيام مناهج جديدة(21).

    وهكذا يمكن القول إن القراءة المعاصرة تمتلك نظرية لها مشروعيتها، تلك النظرية التي تعتمد على مبدأ الاستفادة من «منجزات» الدراسات اللسانية الحديثة ومناهج النقد الأدبي المعاصرة، باعتبارها نتاج العصر الراهن أي الوليد الشرعي لهذا التاريخ المعاصر، (بغض النظر عن مدى سلامة هذا الوليد وصحته)، وإن كان السؤال لا زال يلحّ عن مدى سبق وتجاوز تلك المناهج والأدوات مثيلاتها التراثية؟!

    يبقى أن أحد عيوب القراءة المعاصرة تجاهلها «للنزعة الوضعية» التي ألحَّ عليها أصحاب تلك المناهج أنفسهم(22)، تلك النزعة التي تناقض بشكل صارخ خصائص النّص القرآني، وتصطدم مع البعد الأهم وهو المصدرية الإلهية بكل ما يعني ذلك من تحرر واستقلال عن ثقافة تاريخية ما. وإمكان إطلاقية أحكام النّص واعتبارها فوق تاريخية(23).

    والعيب الثاني الذي تسقط فيه أكثر تلك القراءات المعاصرة، تعاملها مع تلك المناهج والأدوات وكأنها كلها حقائق ثابتة وليست ـ كما هو الحال ـ نظريات لم تستقر، ولن تستقر كونها لا تحتمل القطع. إن الحقيقة التي ينبغي أن لا يُغفل عنها أن استنفاذنا لإمكانات النص القرآني دلالياً غير ممكن، بحيث إننا حين نظن ذلك نكون قد استنفذنا أدواتنا، واستهلكنا مناهجنا ذاتها وليس النص!. ذلك لأن النص القرآني نزل ليكون «عالمياً» خاتماً، فلابدّ أن لا يتوقف عن إنتاج الدلالة في كل زمان ومكان.

    - القراءة المعاصرة: من انتقائية المنهج إلى التوليف الإيديولوجي:

    كانت المناهج التراثية في التفسير تحول دوماً دون إقامة تأويل إيديولوجي، يستغرق كامل النص القرآني، مما جعل التأويلات الأيديولوجية التي مورست عليه تبدو نشازاً وترقيعاً فاقعاً، بحيث قلّما تحرر هذه الأيديولوجيا دون تعسُّف في التأويل، وتحميل النّص ما لا يحتمل. وهذا ما عزز الطريقة التجزيئيّة التي أشرنا إليها في البداية.

    ولكن مع القراءة المعاصرة التي استبدلت المناهج نشهد للمرة الأولى تأويلاً إيديولوجياً لكامل القرآن، فيه كثير من التماسك ومسحة المنطقية‍! بحيث أمكن إقامة «توليفاً» شاملاً للنص، أتاح فرصة للبعض لكي يحوّل نصوص القرآن وكأنها «حواشٍ ماركسية»! ينفي من خلالها اللهُ ذاتهَ!.. إن قراءة شحرو المعروفة نموذج صارخ لذلك؛ بحيث أن هذه القراءة حاولت مخاتلة النّص القرآني وخداعه أحياناً من موقف مضادٍ له، أو معادٍ له، لاستنطاقه بإيديولوجياها!.

    وبوصول القراءة إلى هذا التطوّر والمقدرة، استبّدت المخاوف في أوساط الدارسين الإسلاميين على ما آل التأويل مع هذا العبث الفاضح بدلالات النص القرآني، والخوف من كل تأويل «معاصر» خصوصاً عندما أصبحت تلك الممارسات الإيديولوجية التأويلية مقرونة باسم «القراءة المعاصرة».

    لقد تسبب ذلك في تزايد الشك بالغرب؛ كونه مصدر تلك المناهج والأدوات وحتى الأيديولوجيات! وفي تشكيك البعض في قيمة تلك الأدوات والمناهج الحديثة جملة وتفصيلاً(24). فما هؤلاء جميعهم من السذاجة والبساطة بحيث تمرر عليهم تلك التوليفات الغارقة في وحل الأيديولوجيا، ولكنهم وهم بعيدون عن تلك المناهج والأدوات (بحكم القطيعة الناشئة بينهم وبين الغرب) لم يكن من سبيل في مواجهة تلك القراءات سوى باتهامها وفضحها(25).

    ومن الضروري التمييز بين «القراءة المعاصرة» كنظرية، وبين «القراءة المعاصرة» كتطبيقات قائمة ومنجزة حتى الآن، فثمّ مسافة تفصل بينهما؛ بحيث يمكن تلك التطبيقات محاولات فيها الكثير من الخيبة. وإذا كان لنا أن نذكر فضل تلك القراءات، فإننا نذكر نجاحها في التنبيه إلى قيمة المناهج الحديثة، وقدرتها العالية على ممارسة التأويل، وإن كان ما تمّ ممارسته عملياً من تلك المناهج والأدوات حدّ ضئيل في الغالب؛ لا يتجاوز بعض المبادئ الأولية فيها (كالبنية، أو الدراسة التزامنية، ....) وهي مبادئ اللسانيات البنيويّة، أو بعض مقولات التأوّلية الحديثة، وبعض مقولات الأسلوبية.

    وفي المقابل نذكر أن الطريقة «الأيديولوجية» التي وظّفت لها تلك المناهج تحت مظلّة المعاصرة و«التجديد» كانت سبباً في تصعيد التوجس من أي محاولة جديدة في التأويل أو المراجعة النقدية، وهو أمرٌ يضاف إلى المساوئ العديدة التي أفرزتها تلك القراءات.

    غير أن بعض الباحثين لم يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من اتهام للمناهج التي اسْتُخدمت في تطبيقات «القراءة المعاصرة» فقد كان وعيهم لطبيعة تلك المناهج، والطريقة التي استُغلت فيها عميقاً، مما دفعهم للإصرار على التعامل معها والاستفادة منها دون توجّس(26).

    إشكالية المنهج:

    تتميّز مناهج النقد الأدبي الحديثة وأدوات البحث الألسنية ونظرياتها بتنوع وتعدد واسعين، وداخل منهج هناك مدارس واتجاهات.. وعندما تمت محاولات «القراءة المعاصرة» للقرآن الكريم من خلال تلك المناهج لابدّ وأنها اصطدمت بهذا التنوع و التعدد، فكيف إذن مارست حضورها من خلال هذا الواقع؟

    من الطبيعي والحال هذه أن تكون طريقة التعامل مع تلك المناهج «انتقائية»، ولكن هذه الانتقائية قلّما تقوم على معطى معرفي، أي قلّما يفرضها البحث المعرفي نفسه، فقد قام «معيار» هذه الانتقائية طبقاً للأيديولوجيا التي يحملها القارئ! فمعضلة الأيديولوجيا تفرض نفسها دوماً في القراءة المعاصرة، هي مبدأ وغاية في الوقت نفسه، هي خلفية مستترة وهدف واضح، فقد اختارت منهجها تبعاً لقدرتها على «تبريرها»، واستنطاق النّص بها. وهكذا عندما مورست «القراءة المعاصرة» كان الهدف هو البحث عن شرعية أيديولوجياها، وأفكار مسبقة مرافقة لها، ولم يكن الهمُّ هو البحث عن موقف تأويلي أكثر قرباً من الصواب قط!.

    إذا تجاوزنا قضية الانتقائية تلك، فسيوقفنا ما أشرنا إليه قبل قليل من الإشكالية الحقيقيّة لتلك المناهج التي تتمثل في استخدام مناهج وأدوات بحث أُنشئت وصيغت لدراسة وبحث النّص البشري الإنساني ـ بمعنى أنها مفعمة بالوضعية ـ لدراسة نصّ «إلهي» المصدر، مفارق للوضعية البشرية؟

    إن أية قراءة تتجاوز هذه الإشكالية دون حلولٍ، ستقوم ـ بشكل أو بآخر ـ بأنسنه الله (سبحانه)! وإن تحييد تلك المناهج والأدوات عن جرعتها «الوضعية» أمرٌ في غاية الصعوبة؛ ولكنه ممكن. ولا يمكن بحالٍ الاستفادة من تلك المناهج دون ملاحظة هذه الإشكالية ووعيها. فالشرط الأساسي للقراءة بتلك الأدوات والمناهج لتحقق مشروعيتها هو مراعاة خصائص النّص القرآني، أي تطويع تلك المناهج والأدوات لخصائصه كنّص ديني إلهي المصدر (27).

    - التراث والمعاصرة:

    هل تقتضي «المعاصرة» قطيعةً جذرية مع مناهج البحث التراثية وتراكماتها المعرفية حول النّص؟ لا شك أن القراءة المعاصرة نحت هذا المنحى، متجاهلةً تلك الجهود، وعندما نحاول استكشاف خلفيات هذه القطيعة فإننا سنعثر على أسباب عديدة، أدت بمجموعها إلى الجهل بالتراث وانقطاع الصلة مسبقاً، مما يجعله عسيراً عن البحث، فضلاً عن ارتباطه «جملةً» بمفاهيم بسيطة ولا معقولة عن النّص.

    في وقت يعكس فيه هذا الموقف ـ في المقابل ـ عجز القارئ عن تناوله والتواصل معه، عجز ارتبط في كثير من الأحيان مع أيديولوجياه المنبتة عن التراث أصلاً.

    إننا نستطيع أن نعزو ذلك (القطيعة الجذرية مع التراث) إلى شيء أكثر تأثيراً برأينا، وهو «الرغبة المحمومة» في المعاصرة والأخذ بالجديد (2.

    المناهج التراثية في المحصلة جهود بنيت من داخل لغة النص، وعلى ضوء معايشته، وعلى وعي حقيقي لمفهوم «النص». وتتضمن الكثير مما لم يتم استنفاذه أو الاستفادة منه. ولا شك أن تجاهل أو تجاوز ذلك الإرث الأصولي الضخم خسارة جسيمة في حق مناهج البحث والتأويل المعاصرة في قراءة النّص القرآني، ولن نبالغ إذا قلنا أن بعض المقولات الأصولية متجاوزة في جوانب عديدة لمقولات تلك المناهج الأدبية واللسانية الحديثة، كما هي في الوقت نفسه قاصرة عنها في جوانب كثيرة أيضاً. ومع ذلك تبقى تلك المناهج قادرة على «قراءة مشروعة» بحدّ ذاتها؛ إذا تُجنّبت صيغتها الوضعية.

    - النّص والمعاصرة:

    النّص القرآني بوصفه «نّصاً دينيّاً»، لابُدَّ أن ينتج دلالته باستمرار، فهو «لا يخلق من كثرة الترداد»، وبوصفه نصّاً لرسالة خاتمة (أبدية) لابُدَّ أن يكون معاصراً باستمرار، بحيث يصبح على الدوام «مجاوزاً للتاريخ، وأمام الظروف الإنسانية لا خلفها» (29). وإن البحث عن «تجديد» لمنهج دراسة النص القرآني ضرورة، ليست لعدم كفاية الخطاب التفسيري فحسب، بل لفتح آفاق معناه، وتفجير إمكاناته، فالنَّص القرآني يتجاوز دوماً المنهج بقدر مما يفتح للمنهج آفاقاً لقراءته.

    الهوامش:

    (1). يرى الدكتور محمد خاتمي أن سؤال الحداثة كان مستحوذاً على عقول المجتمعات «غير الغربية» دائماً، وتبعاً للإجابة التي قدّموها كانت هناك ثلاثة تيارات تبرز باستمرار: التيار المتشبّث بالتراث، والتيار المتغرّب، والتيار الإصلاحي.

    (انظر: مطالعات في الدين والإسلام والعصر، بيروت، دار الجديد، ط3، 1999م، ص56-57).

    (2). مقال للشيخ محمد عبده بعنوان: العلوم الحديثة والعالم الإسلامي، منشور في مجلة الأهرام بدءاً من العدد (36) (نقلاً عن: عاطف العراقي، الشيخ محمد عبده: مفكراً عربياً ورائداً للإصلاح الديني والاجتماعي (بحوث ودراسات عن حياته وأفكاره، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 1995م، ص389-395).

    (3). ( الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، تحقيق محمد عمارة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1972م، ج6، ص153، (نقلاً عن أبو عاذرة عطية سليمان، مشكلتا الوجود والمعرفة في الفكر الإسلامي الحديث: عند كل من محمد عبده ومحمد إقبال (دراسة مقارنة)، بيروت، دار الحداثة، ط1، 1985م، ص69-70).

    (4). المصدر نفسه، ص70.

    (5). طبع في القاهرة عام 1923م.

    (6). بنت الشاطئ، عائشة. القرآن والتفسير العصري: هذا بلاغ للناس، القاهرة، دائرة المعارف، ط1، 1970م، (سلسلة إقرأ/ 335)، ص38-39. وأشارت إلى أنه ولد في ظروف صعود العلمانية عقب ثورة عرابي، وأنه جاء ردّ فعل «ليريحنا من مهانة الإحساس الباهظ بالتخلف».

    (7). طبع في القاهرة عام 1956م، ثم منع من التداول بقرار من لجنة الأزهر (انظر الذهبي، حسين. التفسير والمفسّرون، القاهرة، ط ، 19، ج4، ص ) وقد صنّفه الذهبي تحت «لون التفسير الإلحادي»!.

    (. ظهر المصطلح لأول مرّة مع مصطفى محمود عام 1970م، في مقالات مجلّة «صباح الخير» المصرية، ثم جمعها في كتاب تحت عنوان: «القرآن: محاولة لفهم عصري»، طبع في العام نفسه.

    (9). كما في محاولة مصطفى محمود نفسها.

    (10). يمكن اختصار مفهوم «القراءة» على أنه «موقف من النّص»، وهو بذلك أكثر من «تأويل»، وإن كان يتضمنه. استخدم هذا المصطلح لدى الباحثين العرب بمعنى التأويل والتحليل غالباً.

    (حول مفهوم «القراءة» انظر: خالد السعيداني، إشكالية القراءة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر: محمد أركون نموذجاً. لنيل شهادة الدراسات المعمّقة، تونس، جامعة الزيتونة، 1998م، ص ).

    (11). نعتبر طرح أمين الخولي لـ«التفسير البياني» إحياءً لمنهج تراثي، أكثر منه منهجاً جديداً، كونه لا يمت إلى المناهج الحديثة بصلة كبيرة. ولذلك نعتبر تجربة حاج حمد في العالمية الثانية البداية.

    (12). انظر حول جهد أركون في ذلك، خالد السعيداني، م. س، من ص إلى ص .

    (13). طبع في دمشق عام 1990م، الطبعة الأولى.

    (14). يذهب اللسانيّين المعروفين وورف وسابير إلى أن اللغة مرتبطة بالثقافة، ولا تنفك عنها. وبذلك حين نفكر فإننا نفكر بلغة، وبالتالي محكومين بثقافة تلك اللغة، والتي تصبح مع الزمن تاريخاً. كما أن التأوُّلية كمنهج لتأويل النص، قام أساساً على مبدأ ارتباط النّص بظرفه التاريخي، لأن الوعي الإنساني مموقع في التاريخ ولا يستطيع تجاوزه. كما أن العالم فيرث يرث أن السياق جزءٌ من النّص، والتاريخُ من السياقِ. وقد اعتمد نصر حامد أبو زيد على هذه المقولات لإثبات تاريخيّة النّص القرآني (انظر: مفهوم النّص: دراسة في علوم القرآن، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، 1990م، ص24-ص28، والباب الأول من الكتاب يشير إلى ذلك، فعنوانه «النص في الثقافة (التشكُّل والتشكيل)» من ص29-ص112).

    (15). انظر للباحث: ميتافيزيقا النّص القرآني: إشكالية النّاص والمعنى، مجلة الملتقى، العدد صفر، بيروت، الملتقى الفكري للإبداع، أيار/ مايو، 1999م، ص5.

    (16). الجصّاص، أبو بكر الرازي الحنفي (ت370هـ)، الفصول في الأصول، تحقيق: عجيل النشمي، الكويت، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ط2، 1994م، ج1، ص307.

    (17). يذكر كثير من الباحثين إلى أن استعمال كلمة «نص» في التراث الإسلامي والأصولي خصوصاً، كان محصوراً في درجات قوة الدلالة وضعفها (في القطع والظن). وفي الواقع أننا نعثر لدى الأصوليين استخداماً لمصطلح «النّص» أشهر تعريفات النَّص المعاصرة. فكان الأصوليون يفرقون بين الخطاب ويذكرون أن له أنواعاً، أما النّص فلا أنواع له، وللكلام أقسام، وللخطاب «مفهوم» أو «مسكوت عنه»، اصطلح عليه أحياناً بـ «دليل الخطاب»، و«فحوى الخطاب»، و«لحن الخطاب». أما النّص فهو إما وصف للدلالة، أو وصف للخطاب، حيث يعرَّف النّص أحياناً بأنه «خطاب يمكن أن يعرف المراد منه».

    لمراجعة هذه المصطلحات انظر على سبيل المثال: (الزركشي، بدر الدين بن بهادر الشافعي (745-794هـ)، تحرير: عبد الستار أبو غدّه، ومراجعة: عبد القادر العاني، الكويت، وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة، ط2، 1992م، ج6/ص636، ص639، ص673، ص684، وج1/ 463، وحول مفهوم النّص راجع ج1، ص462).

    ولكن ورغم أن الأصوليين كانوا على وعي بمفهوم النّص والخطاب والكلام. لم ينظّروا لتحليل النّص مجرّداً عن كونه نصّاً قرآنياً، ولهذا يغيب مصطلح «النَّص» ويبقى مفهومه حاضراً في تقعيد البحث الأصولي في كثير من المواطن. بل إن قضايا الأصول أسست على التعامل مع النّص، الذي يتطابق مع استعمالاته المعاصرة.

    (1. عياشي، منذر. قراءة الذات للقرآن. مقدمة ترجمة كتاب: القرآن وعلم القراءة، لجاك بيرك، بيروت، داء التنوير، حلب، مركز الإنماء الحضاري، ط1، 1996م، ص22.

    (19). تشير إلى ذلك كل كتب الأصول في مقدّماتها التمهيدية.

    (20). منير، وليد. النص القرآني من الجملة إلى العالم، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1997م، سلسلة المنهجية الإسلامية، 14-15.

    (21). مزيك، سامروفا. حرية العقل في الاجتهاد، بحث تمهيدي لمرحلة الماجستير، بإشراف الدكتور طيب الإبراهيم، بيروت، كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية، 1998م، ص30.

    (22). بارت، رولان. نقد وحقيقة، ترجمة: منذر عياشي، الأعمال الكاملة/ 3، حلب، مركز الإنماء الحضاري، 1994م، ص16.

    (23). انظر: ميتافيزيقا النّص القرآني، م. س، ص4.

    (24). يقول الدكتور البوطي ـ مثلاً ـ «كنت ولا أزال أستهين به، وأشكُّ في قيمته وجدواه» «إن الدعاة إلى العلمانية، ومحترفي الغزو الفكري من يسعى لاهثاً إلى شطب الدلالات التي تحملها نصوص القرآن والسنّة الصحيحة، وحشوها بدلالات ومعانٍ جديدة، باسم (اللسانيات)، وما يقتضيه قانون (اللسانيات)، أي أنهم يحاولون أن يجعلوا من (اللسانيات) هذه بديلاً عن قانون الدلالة العربية المنبثقة عن الاصطلاحات التوفيقية في ربط المعاني بألفاظها الدالة عليها، وبديلاً عن القواعد التوفيقية الأخرى المتبعة في فقه اللغة. وأذكر أن حواراً جرى في أحد المؤتمرات بيني وبين الدكتور محمد أركون وهو أحد الذين يصرّون على الاستعاضة عن قواعد فقه اللغة، وقاموس الدلالات اللغوية، مما يسميه (الألسنية)، ومن ثم فهو يقرر ضرورة تفريغ القرآن من المعاني، التي كانت منوطةً به إلى اليوم، وملئه بعد ذلك بما توحي به قواعد الألسنية هذه، وحسب فهمه وقناعته، وهي نفسها الترنيمة التي يشدو بها دعاة (القراءة المعاصرة)».

    وإن أعمال بعضهم للسانيات هو «عملُ من يحلم بأن يجعل من هذه التجربة وسيلةً خفيَّة للعبث بحقائق ثابتة في دين الله وكتابه عن طريق العبث بقواعد فقه اللغة».

    (انظر: مقدمته لكتاب: نبيل خياط، وإذ أعيد قراءة الجهاد، دمشق، دار الفكر، ط1، 1997م، ص12-13).

    (25). كانت هذه هي مجموعة ردود الفعل التي قوبلت بها القراءات المعاصرة، والملفت للنظر أن المتخصصّين في الدراسات القرآنية والأصولية قلّما كتبوا ردّاً عليها.

    (26). انظر في هذا المجال تجربة وليد منير في كتابه «النص القرآني: من الجملة إلى العالم»، م. س. ومنذر عياشي الذي قدّم مقاربة لسانية للنص القرآني في كتابه اللسانيات والدلالة «الكلمة» (طبع: حلب، مركز الإنماء الحضاري، ط1، 1996م، ص92). وهو مهتمٌّ الآن بإنجاز دراسة لسانية في القرآن بعنوان: جنون اللغة في قراءة القرآن (أعلن عنها في بعض كتبه). ونبيل خيّاط، الذي أعلن عن مشروع لدراسة مصطلحات القرآن، دراسة لسانية في مجالس جودت سعيد، حيث قدّم نماذج منها خصوصاً عام 1997م. ومارس شيئاً من ذلك في كتابه «وإذ أعيد قراءة الجهاد»، م. س، ص21-33.

    (27). يرى الدكتور العلواني أن أزمة التعامل مع الكتب التي أنزلت على الرسل، ليست في رفضها، ولكن «في تعامل من أنزلت عليهم معها تعاملاً بشرياً، محكوماً بما تعارفوا عليه فيما بينهم من مألوف لسانهم، وأنه ليس شيئاً سوى ذلك، وتجاهلهم للفرق الكبير بين اللغة حين يستعملها الإنسان للتعبير عن مكنوناته، واللغة حين يستعملها خالقه ليضمّنها نوره وهدايته».

    (انظر: العلواني، طه جابر. تقديم كتاب: النص القرآني: من الجملة إلى العالم، م. س، ص11. وحول أثر تلك الخصائص النص القرآني: إشكالية النّاص والمعنى، م. س).

    (2. نلحظ هذا جلياً عند أركون في مجموع جهوده.

    (29). عياشي، اللسانيات والدلالة، م. س، ص13.


    22 Aug 2004
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

17-10-2004, 10:24 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



صدمة الحداثة:البحث عن نموذج معرفي مختلف (Re: osama elkhawad)


    خطاب التجديد: البحث عن نموذج معرفي مختلف

    عبد الرحمن الحاج ابراهيم
    باحث سوري

    دخل الفكر العربي في انقسامات حادة إثر صدمته بالحداثة في القرن التاسع عشر، توزع على أعقابها إلى اتجاهات وتيارات عديدة تمَّ تناولها ضمن تصنيفات لا تخلو من التعسف، ما لبثت أن تجاوزت الغاية البحثية. وإذ يحاول هذا البحث الاشتغال على خطوط الانقسام، فإنه مضطر للتعامل مع تلك التصنيفات رغم إشكاليتها، ولكنه مع ذلك يحاول تجنبها قدر الإمكان، والتخفيف من حمولتها التعسفية، وهو في صدد تحديد تمايزات خطاب التجديد الإسلامي وتطوره، والعقبات التي تواجهه في سياق سعيه لصياغة النظرية.

    ومن طموحه في إنشاء خطه الفكري المختلف، إلى حركته التاريخية في الواقع، ثمة مآزق ومعضلات واجهت خطاب التجديد، ومقولات ولدت معه، سيتناولها البحث هنا بوصفه معنياً بتطوير هذا الخطاب.



    مأزق المصطلح والمفهوم الملتبس:

    بات مصطلح "التجديد" في الخطاب الإسلامي والعربي المعاصر مثار توهُّج وحساسيّة في آن معاً، حيث يتم تداوله بكثافة كبيرة، وبتلوينات مختلفة إلى حدّ التناقض، بدوافعٍ معرفية ومذهبية (أيديولوجية). كل ذلك أوقع استعمال المفهوم (مفهوم التجديد) بالتباساتٍ لعبت دوراً سيئاً في تطور الخطاب الإسلامي، تفسر لنا جزئياً سرّ المراوحة طويلة النفس عند الإشكاليات والقضايا التي ثارت منذ مطلع القرن الماضي(1).

    وبالرغم من أن الإسلاميين لا يختلفون في "شرعية" (من الشريعة) المصطلح (التجديد)، فإن الحساسية تجاهه في الآونة الأخيرة بدت كبيرة، فقد كان تجاذب المصطلح وادِّعاء أحقية تفسيره والانتماء إليه ظاهرة بارزة حتى بداية الثمانينيات، ومنذ منتصف الثمانينيات أخذ يتحول في الأوساط السلفية(2)، إلى تهمة(3) تتدرَّج بدءاً من وصف الانحراف عن المنظومة الإسلامية تحت ظلال علمانية، إلى الإلحاد في الدين، فالتآمر عليه(4). إن هذا التحول مؤشر على دخول مصطلح "التجديد" في مأزق "الاشتباه"!

    القراءة التاريخية للمفهوم تكشف لنا كثيراً من مبررات هذه التحول، فقد ولد المصطلح منذ البداية "ملوثاً" بالعلمانية بالمعنى الأيديولوجي، إذ كان تسميةً لاتجاه الأدباء العلمانيين عقب ثورة مصر 1919م، فيما يمكننا تسميته بـ "التجديد العلماني"، والذي كان مقابلاً "للإصلاح الإسلامي" الذي أخذ بريقه بالذهاب في ذلك الوقت بعد أخطاء فادحة(5).

    وعندما خفتت أضواء "التجديد" كمصطلح يعبّر عن الأدباء الحداثيين (العلمانيين) ـ لظروف كانت تجتاح المنطقة، كصعود المدّ القومي، ثم اليساري والماركسي ـ ولم يعد متداولاً، بدأ مصطلح "التجديد" يستخدم تعبيراً عن الاتجاه الفكري الإسلامي الوريث للإصلاحية، وقد جاء ظهوره هذا نتيجة حاجةٍ تاريخية، ما لبثت أن شُرعنت بالنّص النبوي المعروف(6)، فلم يكن ـ بكل تأكيد ـ مجرد استنباط منه، وبهذه الشرعنة اضطر الإسلاميون على اختلاف توجهاتهم للاعتراف بمشروعية المصطلح الذي يحمل دلالةً أكثر من مجرد مصطلح ورد في الخطاب النبوي الشريف، وسرعان ما تمَّت تجاذبات لتفسير المصطلح، كانت تلك التجاذبات تتضمن "مزايدات" في صحة التفسير، كما أنها لم تكن تخفي الحساسية من الاتجاه الأساس المتحمّس "للتجديد" تارةً من خلال تصحيح المفهوم وأخرى من خلال اعتماد مرجعيات سلفية وملاحظة الصلة البينة التي لا تخفي نفسها في كتابات هؤلاء بالإصلاحية(7) ذات التاريخ الحرج. وما أن بدأت مشاريع مثل اليسار الإسلامي، والإسلاميون التقدميون، وتجديد أصول الفقه، والعالمية الإسلامية الثانية، وإسلامية المعرفة، ومشاريع إعادة قراءة التراث(، كلها تحت شعار "التجديد"، حتى أخذ المصطلح يشير بشيء من الوضوح الى اتجاهات مفارقةٍ تماماً للسلفية التي اشتركت قبلاً في التجاذبات والمزايدات عليه، بل ويتلبس بالعلمانية من جديد. حيث جذب "توهج" المصطلح الحداثيين إليه ثانية، بعد فشل مشاريعهم الأيديولوجية، والذين كانوا على مقربةٍ من ملاحظة تلك التجاذبات المذكورة، كما أنهم لم يكونوا قبل نكسة حزيران 1967م وتداعياتها على اهتمام بالإصطلاح الديني أصلاً، خصوصاً وقد أصبحت أغلب النخبة المثقفة الحداثية يسارية ماركسية، ولكن مع التوجهات الجديدة لليسار، وبدوافع أيديولوجية ـ سياسية، اتجهت تلك النخبة نحو التراث وإعادة قراءته(9)، واستغلت هذا المصطلح/ الشعار لتمرير أطروحاتها الفجّة آنذاك، ثم تزايد استغلال هذا المصطلح مع بعض الحداثيين اليبراليين واليساريين ببدء مشاريع جديدة لا يدفعُها إلاّ "أيديولوجياً" الحداثة، وبمنهجيات غربية حديثة ربما لأول مرّة(10). لقد أساء هذا "الاستغلال" كثيراً للاتجاه التجديدي الإسلامي، وأدى الى مناوءته بشكل حاسم.

    استراتيجيا الممانعة السلفية:

    إن الدواعي كثيرة للاتجاه السلفي كي يرفض "التجديد" ويتحسّس منه، مصطلحاً أصبح يدلُّ على خطاب مفارق له، ومفهوماً يتناول الأشياء بعقلية مختلفة، هذا فيما تجاهلنا الدواعي السلفية ذاتها كبنية ذهنية وفكرية، فإيمانه بكفاءة المرجعية التراثية سوف يُفضي للقطيعة مع الغرب على المستوى المعرفي ـ على الأقل ـ في حقول المعرفة الإنسانية المتعددة, وتتحوَّل تلك القطيعة إلى "عداوةٍ" للغرب بتغذية الظروف السياسية، حيث "يتطابق" المعرفي بالسياسي، فالغرب هنا يصبح وحدة واحدةٌ لا يتجزأ، وهكذا تشبَّع الذهي السَّلفي بنظرية المؤامرة.

    إن علاقته مع الغرب التي تشكلت بتلك الطريقة، سوف تؤثر بدورها على النظر الى الخصوم الأيديولوجيين داخل المجتمعات الإسلامية، حيث سيتحولون تبعاً لذلك الى أكثر من متآمرين.. إنهم "عملاءٌ" له، يكفي في ذلك وجود مرجعية غربية لهم!

    كما أن تلك المرجعية الغربية, والتي يلمح جزءاً منها وراء ندّة (خطاب التجديد)، تجعله لا يفرق بين خصمه الحداثي العلماني، وبين التجديدي الإسلامي، وقد ساهم "التجديد العلماني" بشكل كبير في الإساءة إلى خطاب التجديد الإسلامي نفسه، هذا فضلاً عن أن نزعة التجديديين الإسلاميين تتخذ طابعاً نقدياً "مستفزاً" غالباً، الأمر الذي يوجد مبرراً مهماً للعدوانية التي يبديها الفكر السلفي، من خلال إنشاء اتهاماته التخوينية!.

    يساهم في تغذية تلك الحساسية عدم وجود فاصل واضح بين التراث والدين عند السلفي، ليس من الناحية النظرية وإنما من الناحية العملية، حيث يتم التعامل مع التراث وكأنه مفهوم مطابق للدين، فالنقد الموجه الى أي اجتهاد هو نقد للدين ذاته!، إن التطابق بين الدين والتراث يبدو في أحد وجوهه استمرار للمفهوم العلماني له، وهنا يتضح كيف يسكن العلمانيُ السلفيَ وكيف أصبحت مفاهيم الحداثي وتصوراته عن الأشياء تساهم في التحكم به.

    عندما أخذت هذه "الممانعة" السلفية بالتشكُّل، أصبح البديل التاصيلي خياراً يتزايد اضطراراً تحت وطأة التحولات التاريخية التي لم تستطع الانفكاك منها، بوصفه (أي التأصيل)(11) إسقاطاً للمفاهيم الحديثة على مفاهيم من داخل النسق الإسلامي، وشرعنة لها من داخل النصوص الشرعية والتراث الإسلامي، ويبدو أن هذا البديل التأصيلي ما هو إلاّ دخول للحداثة من النوافذ الخلفية! لقد غدت "التأصيلية" عملية شائعة في الخطاب الإسلامي، وكأنما هي إعلان "إخفاق" اتخذ شكل التأصيل من خلال منهجية توفيقية تقوم بتبيئة المفاهيم وزرعها في العقل المسلم أو ليس شعار "حتمية الحل الإسلامي" هو الحتمية الماركسية مؤسلمةً مثلاً؟ (كما يشير رضوان السيد) أليست الدولة الإسلامية هي المفهوم الحداثي المقابل للخلافة الإسلامية؟

    1- التجديد بوصفه سؤالاً عن "الممكن الذاتي"

    الكل يشعر بوطأة الأزمة، سواءٌ رؤيت تلك الأزمة في شكل "فوات حضاري" عند الحداثي العلماني، أم في شكل "فجيعة بالعصر" لدى السلفي، وبالتالي حين يرى الحداثي أن الأزمة كامنة في تراثنا، يركز رؤيته في خطاب يمكننا وصفه بـ "خطاب الإدانة"، ويرى بالتالي أن الإصلاح/التجديد هو مواجهة للتراث الديني(12).

    في المقابل يرى السلفي أن الأزمة كامنة في الغرب "الكافر"، متخذاً من تزامن الأزمة مع الاستعمار حجّة متكررة، ومُنشأً خطاباً للأزمة يمكننا وصفه "بخطاب الضحيّة"، فهو ليس إلاّ مؤامرة خارجية مصطنعة.

    لقد كانت "الحداثة" هي جواب التنويري/العلماني عن مشكلة الفوات التاريخي للمجتمعات العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، ولكن إذا كانت "الحداثة" هي جواب "التنوير" عن مشكلة الفوات، فإن "النهضة" هي جواب الإصلاحي الإسلامي(13). جواب الحداثة "يعني استبدال بنية ببنية أخرى، في حين أن "النهضة" تعني استيعاب التقدم من داخل الذاتية. من هنا ظهرت الحداثة وكأنها حلٌّ [إلغاء] للذاتية الإسلامية أو بنية بديلة عنها، في حين ظهرت النهضة كممكن من ممكنات هذه الذاتية"(14). وهكذا كان القول بارتباط المجتمعات العربية بالغرب الثقافي والجغرافي والاندماج فيه آخر الصيحات الجريئة لـ "المتنور العلماني" والساذجة في آن، في حين كان بعث الأمة لذاتيتها وتجديدها من ركام الثقافة السكولاستيكية والحشوية المكرورة هو قول (الشيخ) في نموذجه الإصلاحي الإسلامي(15). ولكن الواقع أيضاً أنه بقدر ما كانت أفكار الإصلاحي الإسلامي (في مطلع القرن الماضي) تبدو وكأنها ممكننا من الممكنات الذاتية، بقدر ما كانت في الحقيقة توفيقية تُبيء المفاهيم والأفكار الغربية بغير قصد، تلك التي كان المتنور يقدّمها بصيغتها الفجّة (المتفرنجة) فكلاهما ارتهن للحداثة الغربية، لقد كان ممكن الإصلاحي في الواقع هو ممكن التبيئة أكثر منه ممكن الذات، إنه يستبطن استسلاماً لا واعياً "للفوات والفجيعة التاريخيين" الذي قام لتجاوزه ذاتياً(16).

    سيبقى الجدل مستمراً حول "الممكن الذاتي" و"المستحيل الذاتي"، مع "اهتراء" العمامة الإصلاحية وبروز "التجديد" على أنه الامتداد/ البديل في مبدا الممكن الذاتي فحسب، والبديل في طبيعة التفكير، وتفهم الذات، إذ أخذت نبرة الممكن الذاتي بالتصاعد تحت شعارات الخصوصية، التأصيل، الوسطية.. الخ. وبقدر ما كان التجديدي "الوارث" يؤكد على الممكن الذاتي، بقدر ما كان يعكس هاجس "الهوية" في داخله، فمن الملفت للنظر أن يتلازم ذلك التصاعد في النبرة مع ضعف في سوية النتاج الفكري، فقد شهدنا عناوين مثل: "علم النفس الإسلامي"، "علم الاقتصاد الإسلامي"، "عمل الاجتماع الإسلامي".. ولكنها جميعاً لم تكن إسلامية بقدر ما كانت غربية، فهي لا تزال تقوم بـ "تأصيل" جديد، أي بوضوج: توفيقية جديدة. لقد بدا البحث عن "الممكن الذاتي" من خلال تلك التجارب البائسة السطحية "مستحيلاً" لبعض الوقت...

    في ذلك الوقت وجد السلفي نفسه قريباً من "التجديدي"، فقد أمنت له تلك التجربة الجديدة والسطحية نوعاً من استعادة الثقة بالذات، لكن فترة التصادق هذه والتي لم تدم طويلاً، أخذت نهايتها في منتصف الثمانينيات بعد أن ولدت تياراً بارداً وسطحياً أيضاً، لا هو تراثي سلفي ولا هو تجديدي، لقد كان أشبه بالطحالب التي تعيش على سطح المياه الراكدة، وهو ما عرف بـ "تيار الوسطية" التصالحي ليس مع العصر، ولكن مع السلفية.

    - العودة المستحيلة:

    كان الفكر السلفي طوال الحقبة الماضية مؤمناً "بالممكن الذاتي" ولكن على طريقة "الرجوع" الى الإسلام الأول، ـ وكأن الإسلام في الوعي السلفي خلف الزمان دوماً وليس معه وأمامه ـ إذ لم يكن يرى أن "الممكن الذاتي" يحتاج الى اجتهاد وتطوير، بل كان يراه منجزاً وكامناً في التراث، فلا "يصلح هذه الأمة إلاّ بما صلُحَ به أوّلها"(17). وستفسر هذه الفجوة/الفجيعة مع الحاضر بعدم التمسك بذلك الذاتي "المنجز"، الذي يتعامل معه على أنه "فوق تاريخي"، يكاد الزمن لا يلامسه بتأثيراته، بل إنه لا يفتأ يبحث عن مبررات يُعلّق عليها أزمة "الفوات"، وعجز "ممكناته" الذاتية عن الواقع، في الوقت نفسه الذي كان فيه التنويري العربي يعلق خيباته على المشاجب نفسها، أي على "الذات المغتربة" عن الحاضر!.

    ولم يزل الخطاب السلفي يرى في "تقلص سلطان الإسلام" و"تراجع فاعليته كثيراً التي لا تحتاج الى برهان"(1 في الواقع تخلٍّ عن الممكن الذاتي (المطلق والمنجز) وبالتالي فإن تجاوز الفجيعة هذه لن تكون إلاّ بأن "تعود هذه الأمة الى وضعها السابق الذي كان الإسلام فيه هو الحارس على هذه المكاسب كلها"(19). ونلحظ إحباطات الفكر السلفي تبلغ ذروتها، عندما "يشرعن" أحياناً عجزه عن التواصل مع الحاضر، و"اغترابه" عنه باعتبار الغربة هي وصف إيماني في آخر الزمان(20).

    لقد شكل "الممكن الذاتي" المسلّمة المشتركة للخطاب الإسلامي بتلويناته المختلفةن كما أنه كان دوماً "مستحيلاً" ذاتياً بالنسبة للخطاب العلماني، الذي حاول منذ البداية تأكيد نفيه، وخاض صراعه الأيديولوجي/السياسي معه على هذا الأساس، ثم حاول "تفخيخه" بمحاولة "التجديد العلماني" منذ الثمانينيات، ثم لم يلبث أن هادنه بعد منتصف التسعينيات مهادنةً تتشترط ضمناً (وصراحة أحياناً) باستعادة التنوير (بمفهوم عصر الأنوار) من خلال خطاب التجديد الإسلامي(21) وذلك اضطراراً منه بعد إفلاس الأيديويوجيا في العالم العربي وخصوصاً الماركسية، حيث يرى الحداثي في هذا الخطاب التجديدي "المستنير" انتصاراً للتاريخية، وليست التاريخية هنا سوى الحداثة. فالإسلام التجديدي/التنويري ليس إلاّ مُعبِّداً للطريق من داخل المنظومة الإسلامية الى الحداثة، أو هو "توفيقية" متماسكة وضرورية لتبيئة مفاهيم الحداثة(22) في الوعي الإسلامي.

    - رحلة البحث عن الممكن الذاتي: الأجيال الأربعة

    بينما كان الخطاب الإسلامي يؤمن إيماناً قاطعاً بقدرته على التكيف (لا التطبيع) مع الواقع بكل تحدياته، كانت التنويرية العربية مصرّةً على عدم مراجعة إيمانها المسبق بجموده وعجزه، فهو في وعيها مرتهن للتاريخ الثقافي الذي ولد فيه، على اختلاف في توصيف هذه البيئة التاريخية طبقاً للأيديولوجيا العلمانية المفسّرة، والتي غالباً ما تكون ماركسية، وهكذا أصبح الإسراع بـ "الممكن التاريخي" هو هاجسه.

    وإذا تجاوزنا المدرسة الإصلاحية، وبدأنا مع ولادة مصطلح التجديد في منتصف الخمسينيات، فإننا سنقف على أربعة أجيال لخطاب التجديد، في سياق رحلته في البحث عن الممكن الذاتي الذي آمن به:

    في الجيل الأول كان خطاب التجديد مشغولاً بإثبات "المشروعية" التاريخية والمعرفية له، حتى مطلع السبعينيَّات، كما كان "ممكنه الذاتي" صورة شبيهة جداً ـ إن لم تكن مطابقة ـ بإصلاحية محمد عبده لكنها كانت واعيةً لتجربته وإشكالاتها التي تلبست بها، واكسبتها أفكار مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ فيما بعد نوعاً من الوضوح والتمايز عن إصلاحية عبده، فقد أصبح مفهوم الخصوصية الحضارية (المنبثق عن مفهوم الحضارة) يلعب دوره في تحديد الصلة به، في حين كانت الإصلاحية تكسب التجربة الغربية طابع العموم والعالمية، وتكاد لا تلحظ الخصوصية إلاّ في حدود قليلة, ولعله كان أحد الأسباب في اختلاط (الذاتي بـ الخارجي)، بل والتي جعلته يقع تحت سلطانه.

    كان لمالك بن نبي إذاً دوراً رئيساً في إكساب هذا الجيل طابعه الخاص المميّز عن الإصلاحية، ولكن بقدر ما كان هذا الجيل مشغولاً بالمشروعية (التاريخية والمعرفية)، كان انشغاله ذلك يحجبه عن رسم حدود علاقته مع الغرب، مما جعله ـ رغم وعيه للخصوصية ـ مكرراً لمقولات الخطاب الإصلاحي في الأخذ من الغرب في تشكيل "الممكن الذاتي"؛ الذي لم يكن ذاتياً بقدر ما كان غربياً خارجياً.

    في الجيل الثاني لخطاب التجديد أخذ يُؤسس من جديد للاجتهاد المفتوح لصناعة وصياغة هذا "الممكن الذاتي" الذي بدا لوهلة ـ مع نشوء "تيار الوسطية" الساذج ـ غير ممكنٍ، ونلحظ نزوعاً واضحاً في هذا الجيل الى النظرة الابستمولوجية، فقد تمت الدعوة لتجديد "المناهج" الإسلامية في عملية الاجتهاد المفتوح كالدعوة لتجديد أصول الفقه، وأسلمة العلوم الاجتماعية، ورغم أنها تمثل خطوة مهمة تميز هذا الجيل، لكنه هذا الجيل نفسه كان منشغلاً بالتراث، ومسكوناً به ومحكوماً له أكثر مما هو تطوّر واستقلال عنه، وبقدر ما حاول هذا الجيل "شرعنة" التعامل مع الغرب بشكل صريح كان يرتد الى التراث ويحتكم إليه، ومعه نشأ "تيار الوسطية" الذي قلنا إنه كان سلفياً أكثر منه تجديدياً.

    في "الممكن الذاتي" هنا قلبت الطريقة التي كان الجيل السابق يتعامل بها مع الغرب، فقد كان الجيل السابق حذراً في التعامل مع الغرب بقدر ما كان منغمساً فيه، وفي هذا الجيل بقدر ما كان التصريح بالغرب وتأسيس التعامل معه من بنية الخطاب واليافطة الأكثر بروزاً له، بقدر ما كان يتقيئ السلفية ويستبطنها.

    في الجيل الثالث الذي يمكن أن نعتبر بدايته مع تأسيس مجلة المسلم المعاصر 1976م، ثم الثورة الإيرانية الإسلامية 1979م، والذي لاحظ سلفية الجيل السابق وحاول التحرر منها في الأطروحتان المثيرتان "إسلامية المعرفة"(23)و"العالمية الإسلامية الثانية"24))، حيث عمّقت النظرة المنهجية وشُكِّلَ من خلالها نقداً متقدماً للأجيال السابقة من الخطابين الإصلاحي والتجديدي، ولكنها على كل حال لم تكن نفياً كمياً لهما، كما قامت على أساسها للمرة الأولى مؤسسة فكرية تجمع المفكرين الإسلاميين لصياغة "ورقة عمل"(25) لتقييم المرحلة السابقة، وتأسيس جهود المستقبل.

    رغم كل ذلك بقي الخطاب ينزع الى السلفية في مجمله، وبقي التحرر منها محصوراً بشكل فردي، كما في تجربة "العالمية الإسلامية الثانية" الذي كان على العكس من ذلك أقرب الى الحداثة، لقد كان واضحاً في هذا الجيل أنه من المستحيل تحاشي تلك الثورة العقلية والمعرفية الكبرى التي ولّدتها الحداثة، كان الخطاب التجديدي الثالث ـ هنا ـ يبحث عن "الممكن الذاتي" من خلال إيجاد صيغة للتعايش أو للتصالح مع مفرزات الحداثة المعرفية والعملية، وليس مع قيمها.

    وبقيت الأجيال الثلاثة في منأى عن القراءة الابستمولوجية العميقة والشاملة, التي بإنكانها رسم صورة أكثر وضوحاً، فبالرغم من تكرار الدعوة الى التعامل مع الغرب، لم يكن الخطاب الإسلامي في هذا الجيل قد تجاوز سوى القطيعة النظرية معه، ومن الناحية العملية كان تعامله ووعيه له سطحياً غالباً.

    ومنذ منتصف التسعينيات بدأ خطاب التجديد الإسلامي يدخل تحولاً جديداً أو يشكل جيلاً جديداً (رابعاً) على خلفية انقضاء الصراع الأيديولوجي الماركسي، الذي استنزف الخطاب العربي والإسلامي في صراعه الصاخب، وعلى أعقاب قيام تجربة "إسلامية المعرفة"، التي امتدت عقداً ونصف وما زالت قائمة حتى الآن، وانطلاقةِ تجربة "التجديد العلماني" المثيرة منذ نهاية الثمانينيات بدأ الوعي التجديدي يقرأ ذاته مرة أخرى26)، حيث عرف المنهجية الغربية عن قرب من خلال بعض تطبيقاتها المباشرة, خصوصاً في النص القرآني (تجربة شحرور وأبو زيد)، لقد وعى تماماً المشكلة الأبستمولوجية القائمة حتى الآن في نموذج "إسلامية المعرفة" الذي لم يستطع تقديم بديل واضح المعالم، أي لم يستطع إخراج صورة ملموسة "للممكن الذاتي".. لقد أخذ بريق إسلامية المعرفة منذ ذلك الوقت بالخفوت.

    سيشهد هذا الخطاب في جيله الرابع اعترافاً من نوع جديد بالغرب وحداثته اعترافاً يقوم على روح نقدية متقدمة، تحاول استيلاد "الممكن الذاتي" من رحم التفاعل العملي مع الغرب. لكن هذا الوعي الابستمولوجي بقدر ما فتح له إمكاناً جديداً وتمايزاً واضحاً؛ فتح له من الأسئلة الكبرى ما لم يستطع الإجابة عنها بعد.. فهل الانحياز الى أسئلة منظومة ما هو انحياز الى أجوبتها كما هو انحياز الى موضوعاتها؟ هل يمكن معرفياً نقل أسئلة منطومة ما الى منظومة معرفية مفارقة ومغايرة تماماً؟ هل يمكننا استخدام المنهجيات دون نهاياتها الفلسفية والمنطقية والمعرفية؟ بل إن التساؤلات الكثيرة جعلت سؤالاً من قبيل: هل يمكننا إقامة نموذج معرفي خاص بنا مستقلاً تماماً عن الغرب؟ ممكناً!

    وهكذا فالتجديد ما زال "نظرية" لم تكتمل بعد، واكتمالها مرهون بحركة التاريخ، فهي تولد مع الزمن في اللحظة نفسها التي توَلدِّه.

    بإمكاننا القول إن الخطاب الجديد والرابع للتجديد تخلّق في ظروف جديدة، بدأت بانهيار الأيديولوجيات، في العالم العربي، وتطورت مع وسائل الاتصال والمعلومات، وتوالت مع نذر العولمة، ومن السذاجة القول بارتباط ظهوره بظهور ما بعد الحداثة كما يرى البعض، فدواعي ظهوره كانت ظروفاً عديدةً معقدّة، رأى أصحاب الخطاب فيما بعد في "ما بعد الحداثة" معيناً لهم على نقد جذري للغرب، ولكن لا على طريقة التماهي معهُ ثانية.

    2- استفزاز الحداثة:

    سنعتبر هنا بشيء من الحذر بأن تاريخنا الإسلامي و"المعرفي" منه خصوصاً كان في مجمله مرتبط "بردات فعل"، بدأت بالفعل السياسي (مشكلة الإمامة)، حيث دشّن تحول السلطة من الخلافة الى الملك انشطار الأمة الذي تحوّل إلى انشطارات متوالية فيما عرف بظاهرة "الفرق"، وولّدت مفاعليه "المعتزلة"، ثم دشّنت فتنة المعتزلة إغلاق المنظومة العقلية السنية، كما أدى الظلم الأموي لآل البيت الى تدشين "إمامة الظل" التي تحولت إلى الأثنا عشرية فالمهدية، وعندما جاءت الحروب الصليبية قامت حركات إحياء الدين(27)وتنقية الأجواء الداخلية من تسرب الفلسفة اليونانية على يد الإمام الغزالي، حيث تبلور علم الكلام القديم.

    كما كان التخوف على "السنة النبوية" بعد ظهور مشكلة الإمامة، وبروز ظاهرة "الوضع" منذرةً بخطر ذوبانها، سبباً في تأسيس "علم المصطلح"، الذي تزامنت ولادته في رسالة الإمام الشافعي مع "علم الأصول"، والذي كان بدوره رداً على التيارات التي أخذت تعصف بالفكر الإسلامي، ثم تنامى علم الأصول بعد ذلك في اتجاه حماية النص وضبط تأويله مستبطناً سحب يد السلطان السياسي من الاجتهاد واللعب بالنص الشرعي(2.

    هكذا، بقدر ما كان يدلل الفكر الإسلامي بردات فعله "الواعية" على مرونة وحيوية في الاستجابة لحركة الواقع المتغيرة، بقدر ما كان يشير، في الفكر الإسلامي المعاصر، لنظرته الى الدين على أنه ذو مهممة إبداعية أي أنه يقوم آلياً بتوليد الإبداع موضوعياً حيث يظهر الإبداع الإنساني ثانوياً بالقياس معه، والواقع أن هذه النظرة(29) استغرق فيها العقل الإسلامي الحديث وأضحت على مدار القرنين السالفين بمثابة مسلمة صريحة بعد أن كانت مضمرة، بفعل الإحساس بالفجيعة الحضارية.

    قد يكون باعث تلك النظرة/ المسلمة الحضور الذهني المستديم للدور الذي أداه الدين في ثورته النهضوية الأولى؛ التي ابتدأت مع عصر النبوة، حيث الروح التصالحية للدين مع العقل فتحت من التغيرات ما لم يكن بالحسبان، حتى لقد غدا من العسير النظر إلى التغيرات أنها ليست من مهمة الدين وحده.

    لكن علينا أن نُعدِّل قليلاً من رؤيتنا هذه، بحيث يعاد إبراز دورنا الذي اختفى وطمس وراء استغراقنا في النظرة الآنفة، بحيث تبقى مهمة الإبداع "إنسانية" بالدرجة الأولى، أي إنجاز إنساني يبدأ من الإنسان نفسه، ويستفيد من هذا التنظيم والتوازن الذي يقيمه الدين على المستوى الاجتماعي والثقافي بل والمعرفي أيضاً، ومن أجل إيضاح ذلك سوف نستعير هنا مفهوم "أفق التوقّع" (Horizon of expectation)(30) من "التأوُّلية" (Hermeneutics) الذي يسمح لنا بتفسير علاقة الثقافة والمعرفة بالنص وتأويله مثلاً، وما يعنينا هنا بالطبع النص الديني (نص الوحي خصوصاً)، فالقارئ/المؤوّل لا يدخل الى النص بريئاً فعلاً، ولا يمكنه أن يفعل ذلك، إذ لا بُدّ أنه يحمل تصوراً ما، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون هذا التصور أيديولوجياً، أي مسبقاً ذهنياً يفرضه على النص، بل إن القارئ يأتي الى النص وهو يحمل "فرضيّة" معنى، فرضية تأويل، هذه الفرضية سوف تتشكل بالضرورة "كأفق" محتمل، وسوف يقوم النص بوصفه جهازاً دلالياً برفض أو قبول المعنى الذي نتوقعه، لأن له فضاءً دلالياً محكوماً "بالمستوى النظامي للدلالة" (الذي يتضمن النظام الصرفي والصوتي، والمعجمي، والنحوي...) فالنص إذا كان متعدد القراءات/ التأويلات، فإنه لن يقبل أي قراءة.

    لكن ما الذي يخلق هذه الفرضيات؟ ما الذي يتحكم في تشكلها وتنوعها وتعددها؟ إن المعرفة والثقافة تلعبان الدور الأساسي في ذلك، فضلاً عن آلية العمل أو ذهنية المؤول. وتبعاً لذلك فإن تطور تأويلنا أو قراءتنا للنص أو صياغة المنهج ضمناً (وكله إبداع) يتوقف على درجة تطورنا المعرفي نفسه، وهكذا فالإبداع تاريخي بالضرورة، قائمٌ في البنية الإنسانية أولاً لا في النص. وفي النص وحده الذي يمتلك المرونة الكافية لاستيعاب التطورات الإنسانية، والذي لم يأتِ إلاّ لتأمين المناخ الإبداعي من خلال فرض مجموعة أنظمة اجتماعية وثقافية ومعرفية ونفسية وأخلاقية، تتيح إزالة العراقيل أمام حريته وتنظيم طاقاته.

    هنا نجد أن إعادة النظر في مسألة "الإبداع" قضية مهمة، لأنها ستلعب دوراً خطيراً في نزع "سحر" الماضي (السلف ضمناً) ـ إذا جاز استعمال هذا الاصطلاح الحداثي ـ، كما أنها ستدفع بقوّة للعمل، وسيصبح استنباط المعرفة والعلوم من درجة الصفر مباشرة الى القرآن حينئذ استغناءً عن اللحظة التاريخية وهجرةً للوعي الى وعي راحل موغلٌ في الماضي، إنه سيكون حالة ساذجة في التعامل مع النص بكل المقاييس(31). لكن يجب تأكيد القول بأنه ليس عيباً أن يكون للوعي الإسلامي ردّات فعل تجاه ما يحدث في محيطه فذلك دليل حيويته، ولكن المشكلة في توقفنا عند ردات الفعل، وانتظارها وأن تبقى لا واعية.

    - التواصل التاريخي والتحدّي التاريخي:

    هنا سيفهم كيف ولماذا كانت ردة الفعل تجاه "صدمة الحداثة" طبيعية، بل إن معرفتنا بالتاريخ الإسلامي من الزاوية التي نظرنا إليها، سوف تفرض علينا، ليس فقط الخضوع إلى ردّة فعل لا واعية، بل وواعية أيضاً، فذلك في الواقع ما هو إلاّ استمرار لحركة تاريخية أصبحت من سنن الفكر الإسلامي في حراكه التاريخي الطويل.

    هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، لم تكن الحداثة مجرد عارضٍ تكرر تاريخياً، إنما كان تحدّ قلب الموازين النفسية والحضارية، فلأول مرّة يتعرض الفكر الإسلامي لشعور حادّ بالتخلف والهامشية، وتجرح نرجسيته التي تشكلت من خلال رصيد 13 قرناً ونيف من الهيمنة الحضارية والمركزية للعالم، لقد كان أمراً صاعقاً هذا التغيُّر الشامل والهائل... بحيث أصبحت "مواجهة" هذا "التحدّي" ضرورة تاريخية حاسمة لا مناص من الاستجابة لها، وكانت درجات وعي هذا التحدي هي التي قسمته (الوعي الإسلامي) ـ إذا استعرنا تعبير غليون هنا في "الوعي المنقسم" ـ إلى "سلفي" و"إصلاحي" ثم "تجديدي"، بل وهو الذي فرز الفكر العربي برمته إلى "إسلامي" و"حداثي" تغريبي(32).

    الرؤية السلفية كرست نظرة "الإسلام الصحيح"، وجعلتها ظاهرة مهيمنة اتصف بها الفكر الإسلامي في معظم مراحله وحالت دون وعيه للتحدي بغير صورة الصراع الوجودي (أي الإسلام أو الغرب)، وكان البحث عن "الممكن الذاتي" في خطاب التجديد هو البحث عن البديل للتغريب والحداثة الغربية، هذا البديل الذي لا يمكن استنساخه من الماضي لأنه لم يولد بعد، كما لا يمكن "استيراده"؛ فثمة "معضلة" ابستمولوجية قائمة تلعب دوراً إشكالياً في صياغة "علاقة الممكن الذاتي" بالحداثة، الذي يتمثل في "تطوير نموذج" انطلاقاً من الذاتية التاريخية للأمة، أي التي تجسّدت فعلياً في التاريخ، التي لا تستمد قوامها وهويتها من تجاربها التاريخية وحسب، بل تستمدها كذلك من الوحي الذي منحها الرؤية وأمدها بالقيم وزوّدها بالتوجه(33) .

    وإذا كان هذا الالتقاء بالحضارة الغربية الحديثة، وما تنج عنه من استفزازات شمولية، قد ولّدت ضرورة ـ ومن منطق تاريخي ـ إنعاشاً للذهنية السلفية والإصلاح الديني معاً، فإن ما لا بد من قوله هو أن طبيعة التحدي غير المكررة تاريخياً تجعل مهمة الإصلاح (التجديد لاحقاً) لا تعدلها مهمة الغزالي في إحياء علوم الدين وإبعاد الفلسفة اليونانية الوافدة، ولا مهمة الشافعي (من قبل) في ضبط تناول النص (تأسيس علمي المصطلح والأصول) والدفاع عن السنة النبوية الشريفة، أو دور المعتزلة مع الفكر الباطني الصوفي، إنه دورٌ جديدٌ بكل معنى الكلمة، التاريخ هنا لا يمضي على وتيرة سابقة واحدة.

    إن كون الإصلاح الديني والتجديد، والإحياء السلفي ردّة فعل مزدوجة للعقل المسلم تجاه الحداثة ومفرزاتها يسمح لنا معرفياً توصيف الباعث النفسي الكامن خلفها، على اعتبار أن ثمة رابط أكيد بين الفكري والنفسي، فقد تكشفت صدمة الحداثة عن تهديد عميق للوجود الإسلامي برمته مادياً وحضارياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً... وخلقت حالة من الهلع والذعر على الكيان الإسلامي، ولكن بقدر ما كان طموح الإصلاحي يعكس "تواثقا‌ً" بالنفس، فإنه كان يعكس انهياراً للثقة بإطلاقية التراث المنجز في الماضي، كما أن السلفية في المقابل تعكس انكماشاً على الذات، وتأزماً في الثقة بالنفس أما تيار العصر، مما يبرر الاعتصام الكامل بالتراث وأسطرته على صورة نقية وحيدة وفوق تاريخية، ولعل هذا ما يجعل التراثي السلفي ـ فيما بعد ـ يرى في نقد التجديدي له أو للتراث أزمة مع الذات، بوصفها في المحصلة ـ أي الأزمة ـ محاولة لاختراق الذات والتخلص منها من خلال تفكيك الذات نفسها وباسمها‍!.

    بقدر ما شكلت الحداثة صدمة للوعي الإسلامي كانت مذهلةً للتنويري، الذي تكشف أدبياته عن ذلك الذهول الذي لحق به وأخل توزنه أحياناً كثيرة. فبينما كانت أنظار العلماني العربي مشدوهةً بالمنجزات المادية التقنية للغرب وإلى الذات، ولم تلبث الماركسية طويلاً في "قدومها" إلينا حتى تلبسها الحداثي مستغرقاً فيها إلى حد الثمالة، وقابل بتديُّنه الماركسي تدين السلفي!.

    ولكن الوعي التجديدي الإسلامي يجد نفسه منحازاً "بذاته" رغماً عنه إلى السلفي التراثي، فكلاهما يشترك بمرجعيّة الإسلام بوصفه مسلمة لا تقبل الجدل، ومن جهةٍ أخرى في العلاقة مع الغرب "إجمالاً" ينحاز إلى العلماني من جهة إيجابية الموقف، بمعنى الاستفادة منه وإقامة جسر التواصل، ولكنه أيضاً في كلا الحالتين لا يقوم على انحياز مطلق، فهو متحفظ على الفهم المغلق للتراثي السلفي، وعلى الانحياز الكامل والارتماء في أحضان الغرب للحداثي؛ فله أسئلته الخاصة، واستراتيجيته المختلفة في البحث، فهو ضمناً يرى في كلا الوعيين هجرة إلى الوراء أو إلى الأمام، الحداثي ذاتاً متغربةً، والسلفي ذاتاً مغتربةً، وهكذا يجد نفسه في مواجهة الاثنين معاً(34) .

    - الحداثة: صدمة المسيحية وصدمة الإسلام:

    لا زال الحداثي العربي يؤمن بأن استفزازات الحداثة لا يمكن اللفكر الإسلامي مواجهتها، وأنه لن يكون قادراً عل أن يقذف بتحديات فكرية جديدة في وجههِ (التنوير)، فكل ما كان المتدينون يستطيعون أن يفعلوه تجاهه في هذه الناحية فعلوه طيلة مئتي سنة(35)، "فلقد حاولت المسيحية ـ قبل الإسلام اليوم ـ أن توقف مسيرة الحداثة الفكرية والعلمية والسياسية، وحاولت أن تعرقل انتصارها أو تؤخره إلى أقصى حد ممكن (...) وبالتالي فإن صراع الإسلام مع الحداثة اليوم لا يختلف في شيء عن صراع المسيحية معها (...) طيلة مائتي سنة"(36)!

    وبالرغم من أن بعض العرب والمستشرقين ـ من وجهة نظر أخرى ـ يرون في المسيحية قدرةً أكبر على المواجهة والمرونة والتكيّف(37) وبالتالي فثمة اختلاف واسع بينهما، حيث قبلت المسيحية الحداثة وتكيفت معها، و"رفضها" الإسلام ولا زال، بالرغم من ذلك، ثمة رغبة كبيرة في تحويل الإسلام على مواقع مماثلة للمواقع المسيحية بعد اكتساح الحداثة للغرب، من هنا فإن هناك قياسية نمطية بدائية مستمرة بين الإسلام والمسيحية، تتجاوز الفارق الشاسع في البنية الفكرية بينهما، كما تتجاهل الوضع التاريخي لحضارة الإسلام بوصفها الحضارة التي كانت جسراً لحضارة الغرب التي ولدت الحداثة معها. ولعل هذه النمطية التي تتجاوز أيضاً علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا الغربية نفسها، هي السبب المستمر في فشل تفسير العلمانية العربي للإسلام والتطور التاريخي الذي يتقلب فيه، والذي غالباً ما اكتفى بالسياسية والاقتصادي والأيديولوجي، حتى أدى إلى قيام مشاريع لفهم بنية العقل العربي الإسلامي، والتي لعبت دوراً مهماً في تغيير معالم الحركة والصراع الفكريين في العالم العربي في العقود الأخيرة الماضية.

    كما أن هذا التفسير البائس الذي أقامه الحداثي العربي و(خصوصاً الماركسي) جعله يعجز عن تقديم رؤية تاريخية محيّدة أيديولوجياً، وتسليمه بالتالي إلى فكرة انتظار الحل التاريخي القادم بنظره "حتماً"، والذين جاء بالفعل، ولكن لا ليحول الإسلام إلى مواقع شبيهة بالمواقع المسيحية الغربية، بل ليجعل تلك الأيديولوجيا الحداثية مفوته!.

    والغريب أن يصرّ بعضهم على أن "الصدمة التي تلقاها الإسلام تظل أكبر وأشد عنفاً وتدميراً من تلك التي تعرضت لها المسيحية"(3 لأن "الفكر الإسلامي المعاصر فقير جداً من الناحية المعرفية، وبالتالي فهو ليس قادراً على أن يقف في وجه الحداثة، أو يتصدى لها على مستوى النقاش الفكري أو السجال الفلسفي"(39) فهو برأيهم "لا يمتلك حتى يومنا هذا لا الجهاز الفكري ولا المصادر أو الإمكانيات الثقافية والعلمية التي كانت قد تراكمت في الغرب تحت اسم: الحداثة"! إن الحداثي العربي لم يخرج هنا بعد من أوهامه، فلا زال يقرأ الإسلام تحت سلطان تاريخوية الحداثة، أي أنه لا زال يقرأ من موقع أيديولوجي، رغم كل محاولة "مصرح بها" للتملص من الأيديولوجيا! حيث عاد المفكر العربي إلى الحداثة الليبرالية لا كخيار معرفي، بل كأيديولوجيا بديلة غالباً، وكأن قدر العربي أنه لا يمكن إلا أن يكون متديناً بصورة ما!.

    الوجه الآخر لهذه الرؤية النمطية التاريخية للإسلام والحداثة، هي النظر إلى المثقف الإسلامي الحديث (التجديدي) على أنه يمثل دوراً لوثرياً، ويكرره تاريخياً، ولأجل ذلك يقف الحداثي غالباً دور المساند لهذا التوجه ولو بدون تصريح حين يطلق عليه "التنويري"، وهو اسم يعكس مدى الصورة الأيديولوجية النمطية للإصلاح الديني عنده. كما أن هذه النظرة التي تسربت إلى السلفي، وربما أسهم الإصلاحي أولاً بإشاعتها حيث لم يكن بعد يمتلك رصيداً في التجربة، كما أنه كان مهووساً بأفكار الثورة الفرنسية، حتى أصبحت ممسكاً جديداً (ضد التيار التجديدي) للخصم.

    إن مجرد كون الإسلام ديناً يجعله يخضع لقوانين التغير التاريخي للتدين، فيما كانت هناك قوانين فعلية وثابتة، وهذا، قد يبرر لنا ظهور حركات إصلاح ديني باستمرار في كل دورة تاريخية لأي من الأديان، ولكن الإمكانات الذاتية لتلك الأديان تلعب دوراً حاسماً ورئيسياً في النهايات التي سيؤول إليها إصلاح ما، أي أن مبدأ الحركة داخل كل دين تختلف عن الآخر تبعاً لطبيعته، وبالتالي من المستحيل تنميط حجم الاستجابة لتحديات ما، والتحديد سلفاً لتنائج إصلاحات حركة تجديدية ما. هذا هو بالضبط ما يجعل من الصعب إقامة مثل هذا التنميط في النتائج لمجرد التشابه في موضوع الحركة الإصلاحية (الدين)، والإصرار على هذه العملية التنميطية، بالرغم من بعض المؤيدات الجزئية في الواقع، سيحجب دون شك رؤية "السيناريوهات" الأخرى الممكنة والمحتملة للتجديد الإسلامي، وبالتالي سيسيء فهمها مرة أخرى.

    - الدين من أجل الذاكرة" تحدي العولمة:

    إن ولادة الخطاب الإسلامي الجديد (التجديد في جيله الرابع) كان متزامناً مع مرحلة عالمية جديدة، تحت وطأة "نُذر العولمة"(40)، سوف تهدد المرحلة المقبلة ـ وبصورة لم يسبق لها مثيل ـ الهويات الثقافية، وسيكون الدين أحد أهم ما يُشمل في هذه الهويات المهددة، بل إن البعض يرى أننا في سياق العولمة الحاصل والذي لا يقاوم يمكننا أن تعتقد بأن الطفرات الذهنية العميقة الجارية حالياً سوف تتكفّل بجعل كل تلك الصراعات الدائرة حول المسألة الدينية بشكل عام، والإسلام بشكل خاص، شيئاً بالياً ولا معنى له، إن كل هذا سوف يتبخر ويذهب مع الريح، ولن يبقى إلاّ "الدين من أجل الذاكرة"(41) حسب تعبير الباحثة الفرنسية داينيل هيرمنوليجيه بصدد المسيحية في أوروبا.

    لا شك أن الخطاب الجديد يعي خطورة العولمة، ولكنه لا يستطيع أن يبتلع بسهولة هذا التهويل التنبؤي لمستقبل الإسلام، بوصفه نظاماً إصلاحياً، وصلاحياً لكل زمان ومكان، والذي يستمد منه الخطاب التجديدي مشروعية حركته.

    إن المستقبل ليس إلاّ مساراتنا اللانهائية المحتملة في الزمن، لكنها جميعاً تبدأ أو تلتقي في الحاضر، فالتاريخ ما نصنعه نحن من معطيات الحاضر، إنه حيادي تجاهنا، ونحن الذين نحدد وجهتنا فيه، وطبقاً لذلك فإن مستقبل الإسلام "مرهون بأنماط الوعي والفعل، قبل أن يكون مرهوناً برغبات ونوايا"(42).

    وإذا كانت صدمة الإسلام بالحداثة عاتية فإنها لم تكن أقل عتواً من ضغوط العولمة، التي لن تحمل معها ثورة كتلك التي بدأت مع الحداثة فحسب، كما أن العولمة ليست مجرد تجمع لإفرازاتها واستطالاتها القهرية على عالم الضعفاء. إن الفهم المبسِّط للعولمة كالفهم المبالغ فيه، كلاهما يصدر عن تشوش في التصور، فإنه من المؤكد أن مفهوم العولمة لا زال ملتبساً شأن أكثر المصطلحات الغربية التي يتم تداولها على نطاق واسع، وريثما تتضح لنا بصورة قابلة للتعامل معها، سيكون الوعي التجديدي مضطراً لتسريع وتيرة عمله، وسيسهل مهمته في هذا السياق:

    1- توفر الشبكة العالمية للمعلومات (الأنترنيت) التي لم تكن سابقاً، والتي ستسمح له بالإطلاع على ما لم يكن يحلم به من قبل وبالتالي يختصر له المسافة الزمنية.

    2- موجة نقد الحداثة فيما عرف بما بعد الحداثة، مع هابرماز وفوكوودريدا... الخ، حيث ستساعده في رؤية أكثر وضوحاً واكتشافه من جديد، كما أنه في محاولة اقتحامه للعلوم الغربية وفروع المعرفة المختلفة الجديدة في الغرب نفسه (خصوصاً اللسانيات والنقد الأدبي والأنثروبولوجيا والاجتماع...) كل ذلك سيفتح له أفقاً لم يكن يراه الإصلاحي وسلفه التجديدي من قبل، ولم يكن يستطيع حتى تخيلها.

    وإذا كان العلماني يتخيّل أن كل ما يمكن أن يقوله الدين قد قالته المسيحية ـ كما سبق ـ فإن الوضع مختلف تماماً الآن؛ فلا ما واجهته المسيحية هو ما واجهه الإسلام في استفزازات الحداثة، ولا بنية الفكر الإسلامي ستجعله ينتج خطاباً مماثلاً لذك الذي قالته المسيحية في عصر الأنوار وما بعده.

    إن إحدى السمات الأساسية للخطاب الجديد هو زوال سحر الغرب وانفتاح وعيه على الحداثة وما بعدها بكل تجلياته الفكرية والثقافية والمعرفية دون الذوبان فيها، خصوصاً وهو يتمتع برصيد تجربة امتدت أكثر من قرن، كما يتمتع بمستوى نقدي عالي متحرر من كل القيودات في وعيه للواقع.

    الهوامش:

    (1). نستخدم مصطلح «السلفية» هنا ليس بالمفهوم المتداول في الفكر العربي (بمعنى مطابق لـ «الإسلامي» أو بمعنى آخر كالذي طرحه الجابري في كتابه «الخطاب العربي المعاصر») ولا هو مطابق لمصطلح «الوهابية»، بل هو وصف لذلك التيار الإسلامي العريض الذي يصدر عن تصور للعالم تنحصر فيه المرجعيات في إطار السلف, سواء كان هذا السلف القرون الثلاثة الأولى، أم الئمة الإثنا عشر، أم التراث كله حتى عصر الشكاني، ويكتفي بهذه المرجعية على نحو واع. (التراث هنا هو نتاج السلف، ولا يدخل فيه نص الوحي، فالتراث نتاج إنساني وحسب).

    (2). من الملاحظ أن القضايا التي أثيرت مع مدرسة النهضة مثلاً لا تزال تتكرر إلى اليوم، كباقي القضايا التي أثيرت في الفكر العربي في مطلع القرن والتي أيضاً لا تزال تتكرر إلى اليوم أيضاً!

    (3). أنظر مثلاً: جمال سلطان، تجديد الفكر الإسلامي. الرياض، ط1، 1986م، وعمر أمين حسن، التجديدالإسلامي والعلمانيون الجدد. صحيفة ألوان، عدد 30، 1984 الذي يقول: «ظاهرة (الإسلاميون الجدد، أو العلمانيون الجدد) إذا أردنا أن نسمي المسميات بأسمائها»، ومحمود طجان في كتابه «مفهوم التجديد: بين السنة النبوية وأدعياء التجديد المعاصرين»، الكويت، مكتبة دار التراث، ط، 1984م، ص 33. حيث يقول بأن التجديد «دعوة منحرفة تريد التفلت من الدين الإسلامي وتطويع أحكامه لتوافق ما يريده الحكام، مستغلة اسم التجديد، والحقيقة أنها دعوة إلى الهدم لا إلى التديد».

    (4). انظر مثلاً البوطي، محمد سعيد رمضان. حوار صحفي، أجراه عادل الحامدي الحامدي، صحيفة المستقلة، العدد 147، السنة الثالثة، 1997م، ص 8.

    (5). انظر للباحث، التجديد: من النص إلى الخطاب (بحث في تاريخية المفهوم)، مجلة التجديد، العدد السادس، السنة الثالثة، الجامعة الإسلامية العالمية ـ ماليزيا، ص 104-112.

    (6). يلاحظ أن المصطلح عندما ظهر معبراً عن اتجاه فكري إسلامي مرادفاً للإصلاح ووريثاً له لم يكن مقترناً بالنص النبوي فهو لم يستنبط منه استنباطاً وإنما استدعي النص النبوي الشريف (المثير حقاً) ليضفي عليه الشرعية وهو قوله r: «إن الله تعالى يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها، أو أمر دينها» أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح. انظر: المصدر السابق، ص 110.

    (7). يرى رضوان السيد أن هذه المرحلة (الستينيات) تبدو وكأنها قطيعة في الإصلاحية، (أنظر: سياسات الإسلام المعاصر، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1997، ص 171).

    (. ظهرت معظم هذه المشاريع بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات.

    (9). أنظر للباحث: متواليات الوهم: ثيولوجيا الوعي الماركسي للخطاب الإسلامي، مجلة الآداب، بيروت ، العدد 3/ 4، السنة 47، 2000م، ص 90.

    (10).إن أركون مثلاً بدأ مشروعه عام 1986 بكتابه «تاريخية الفكر الإسلامي»، وكان في العام 1984م قد طرح محمد عابد الجابري مشروعه في نقد العقل العربي بـ «بنية العقل العربي» أيضاً... ومعروف ما هي قيمة تلك المشاريع والمناهج المستخدمة فيها.

    (11).«التأصيل» هنا لا علاقة له بعلم الأصولن إنه دلالة على تلك العملية القسرية التوفيقية في الاسقاط على النص النبوي وإنطاقه بما ليس فيه، خصوصاً بالمفاهيم الحداثية والمعاصرة.

    (12).انظر مثلاً باروت جمال، استعادة التنوير، مجلة النهج، مركز الدراسات الاشتراكية، دمشق، العدد 57، السنة 16، ص 101-102. حيث يرى أن استعادة التنوير لا بد أن تكون من خلال التجديدي الإصلاحي، بسبب إسلامية الأمة، ولأنه هو الوحيد القادر على تبيئة الحداثة في الثقافة الإسلامية، والتي بدأت بعملية توفيقية عند محمد عبده ومدرسته.

    (13).باروت، جمال، أطياف الحداثة بين علمانية النخبة وإسلامية الأمة، دار الصداقة، حلب 1996م، ص 95، (معتمداً على غليون): «فكان المنور (أفندياً أو خواجا)، في حين كان «الإصلاحي الإسلامي» (شيخاً). وبقدر ما كان المناخ السيميائي أو الرمزي العام لـ «المنور» متفرنجاً، كان هذا المناخ لـ «الإصلاح الإسلامي» (إسلاميا)...».

    (14).المصدر نفسه، ص 96.

    (15).المصدر نفسه.

    (16).يفصح كلام رشيد رضا، الذي قاله عندما كان ما يزال متحمساً للإصلاح، عن هذه التوفيقية التبيئية: «أنه ليس في ديننا شيء ينافي المدنية الحاضرة المتفق على نفعها عند الأمم المترقية إلاّ بعض المسائل». المنار، جـ12، ص 239.

    (17).لا يستخدم هذا الأثر عند السلفي بمعناه العام، الذي لا يعني أكثر من أن الأمة لا تكون إلا بتمسكها وتفانيها في الإسلام، ولكن السلفي يسبغه أزمته الراهنة، فيجعل طريقة التمسك وحدود الفهم وشكل الحياة يدخل بـ «ما صلح به أولها» ! أي يدخل التاريخي والنسبي ويجعله مطلقاً.

    (1.هذا حسب تعبير البوطي، أنظر: يغالطونك... م.س، ص 57.

    (19).المصدر نفسه، ص 59.

    (20).يًستنجد هنا عادةً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم «سيعود الدين غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء». ولنا فيه تأويل آخر، فنحن نفهم قول النبي r ذلك، بأنه حديث عن لحظة انبعاث جديدة للدين، تماثل تلك اللحطة الأولى عند نزوله. فالنبي r يقصد التمسُّك بالدين وليس الاغتراب غاية في ذاته، فهو بالتالي يدعو لأولئك الذين سيقومون بدور الباعث له من جديد الغرباء.

    (21).انظر مثلاً: باروت، استعادة التنوير، م. س.

    (22).أنظر: مثلاً: العظم، صادق جلال، العلمانية والمجتمع المدني، مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، القاهرة ط1، 1998، ص 38، يسميها العظم: «انتصار النَّعم التاريخية» على «النَّعم الصراطية».

    (23).أثار الشعار «إسلامية المعرفة» الذي صوحب بشعار «إصلاح الفكر الإسلامي» موجة عارمة من النقد، من الاتجاهات الفكرية العربية والإسلامية المختلفة، فالشعار مشبع بالأيديولوجيا.

    (24).وأثارت أطروحة أبو القاسم حاج حمد في «العالمية الإسلامية الثانية» نقداً واسعاً، خصوصاً بعد نشرها للمرة الثانية 1996، تأتي إثارتها في تضمنها رؤية ابستمولوجية تؤسس للتعامل مع المعرفة الغربية ومنهجياتها ولتجاوز المنهجية التقليدية التي أصبحت تنتمي إلى «العالمية الأولى» (انتشار الإسلام في أوساط الديانات غير الكتابية).

    (25).هي ورقة عمل للمعهد العالمي بعنوان «إسلامية المعرفة» التي طبعت عام 1988م.

    (26).انظر مثلاً عبد الوهاب المسيري، معالم الخطاب الإسلامي الجديد، الشرعية السياسية في الإسلام. تحرير عزام التميمي. نشر ليبرتي للدفاع عن الحريات في العالم الإسلامي، لندن، د. ط. 1997، ص 165-188.

    (27).حول هذه الفترة انظر الدراسة المهمة «هكذا ظهر جيل صلاح الدين..» للدكتور ماجد عرسان الكيلاني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 2 واشنطن، 1993.

    (2.انظر مثلاً في علاقة أصول الفقه بالسياسي، الأطروحتان الهامتان:

    - الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، عبد المجيد الصغير، دار المنتخب العربي، بيروت، ط1، 1994.

    - السلطة في الإسلام: العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، عبد الجواد ياسين، المركز الثقافي العربي، ط1، 1998.

    (29).يرى برهان غليون أن «الدين عامة ليس، ولم يكن بديلاً عن العرف الحضاري، والحياة الدينا، والجهد العقلين ولكنه وسيلة لتوجيهها وإصلاحها (...) أن الدين في الحياة العملية والمعاملات البشرية مصلحّ لا مبدعٌ» (انظر: نقد السياسة: الدين والدولة، دار الشروق، بيروت، ط 1، 1993، ص 579).

    (30).انظر: عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، سلسلة عالم المعرفة/232، ط1، 1998، ص 326.

    (31).ما يتم عملياً هو: محاولة «استغناء كلي» عن المعرفة العلمية الحديثة، مع محاكاة في إنشاء العلم، قياساً على تلك العلوم واستنباطاً من النص مباشرةً، (وهو أضعف ما يكتب في هذا المجال)، تلك المحاولة إذاً تستبطن حضور المقايسة للآخر، على الأقل في إنشاء «علم مماثل» مقابل لذلك الذي أنتجته الحضارة الغربية، كما أن تلك المحاولة تسعى أحياناً وبشكل غير مباشر إلى استخدام النظريات الغربية نفسها، وتفرغها من «محتواها» تحت محاولة تأثير صياغتها صياغة إسلامية.

    (32).فقد حدث انقسام في الوعي العربي ذاته، تحت تأثير صدمة الحداثة وأخذ يمزقه «بين اختيارات ورغبات ومشاعر وآمال متناقضة، لا يستطيع أن يتخلى عن بعضها دون أن يبتر نفسه، ولا ينجح في الجمع بينها لتحقيق صيرورته واستقراره، ويرضى عن نفسه، فهو إرادة منقسمة ورغبة متناقضة، وتفضيان إلى العجز عن الحركة وتعيق الصراع الذاتي، كذلك الإنسان المشدود بين قطبين جاذبين بنفس القوة، لا يستطيع أن يتقدم ولا يستطيع ان يتأخر، ولا يكف عن الحركة للخلاص من هذا الانشداد، هذا الانشداد المتناقض والممزق هو محنة الوعي العربي، بكل ما تعنيه كلمة محنة من أبعاد مأساوية، ومن رغبة في الخلاص والخروج من الذات، وفقدان الرؤية الواقعية والمقدرة على التحكم بالوضع والوقوع ضحية للظروف والتيارات ومجاري الرياح التي تهب عليه وتتقاذفته من جميع الجهات».. إن جذور الأزمة الثقافية العربية تبدو «بنت الحاضر أولاً، وهي بنت الحداثة ثانياً، وهي ثمرة القطيعة بين الحاضر والماضي، أو الذات من جهة، وبين الواقع العربي والواقع العالمي ـ الحضاري من جهة ثانية» (انظر: برهان غليون، الوعي الذاتي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت/عمان، ط2، 1992م، ص 124).

    (33).لؤي صافي، إعمال العقل: من النظرة التجزيئية إلى النظرة التكاملية، دار الفكر، دمشق، ط 1، 1998م، ص 75.

    (34).محمد عمارة، النص الإسلامي: بين الاجتهاد والجمود والتاريخية، دار الفكر ـ دمشق، ط 1، 1998، ص 22.

    (35).محمد أركون، في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم، دار الطليعة، بيروت، ص 1، 1998، ص 80.

    (36).المصدر نفسه.

    (37).أنظر مثلاً: محمد أركون، أين هو الفكر الإسلامي المعاصر، دار الساقي، لندن، ط1، 1993م، ص 129-131، ومن المستشرقين.

    (3.أنظر: أركون، أين هو الفكر، م. س، ص 129.

    (39).أركون، في نقد العقل الديني، م. س، ص 180.

    (40).أركون، أين هو الفكر، م. س، ص 130.

    (41).أركون، في نقد العقل الديني، م. س، ص 60، ويأمل أركون أن يحدث ذلك مثلاً.

    (42).فهمي جدعان، نظرية التراث، دار الشروق، عمَّان، ط1، 1984م، ص 46.
    22 Aug 2004
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

17-10-2004, 10:29 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



المقال الاخير:من أزمة الحداثة إلى فوضى ما بعد الحداثة - الغرب بين لحظتين (Re: osama elkhawad)


    رضوان جودت زيادة
    باحــث ســـوري

    إذا كانت الحداثة تدخل ضمن المفاهيم المستعصية على التعريف والتحديد، الرافضة لكل نمذجة، والمصنّفة بعدم القابلية والقدرة على قبض مفهومٍ ناجز وجاهز لها، فإن ما بعد الحداثة وعطفاً على ذلك، ليسَ أقل من وصفها بأنها هيولى أو أميبيا ليسَ باستطاعة أحدٍ أن يمسك بتعريف لها، وبتعبير ديفيد هارفي "لطالما استغلق علينا معنى الحداثة والتبس، لذلك فإن ردَّ الفعل المعروف باسم ما بعد الحداثة يظل هو الآخر مستغلقاً وبكيفية مضاعفة"(1).

    إن كل المحاولات والاجتهادات إنما تنصب في مقاربتها أو العمل على وضع حيوداتٍ (وليس تحديدات) لها.

    في محاولة مدرسية لرصد ظهور المصطلح يجهد الباحث الأمريكي ـ المصري الأصل ـ إيهاب حسن، والمنظر لما بعد الحداثة منذ السبعينات، لمعرفة أصل المصطلح وذلك في مقالة شهيرة له «نحو مفهوم لـ ما بعد الحداثة» فيرى أن الإسباني فيدريكو دي أونيس يعتبر أول من استخدم هذا المصطلح وذلك في كتابه «أنطولوجيا الشعر الإسباني والإسباني ـ الأمريكي» الصادر عام 1934، وبأن دولي فيتس التقطه من جديد في كتابه «انطولوجيا الشعر الأمريكي ـ اللاتيني المعاصر» الصادر عام 1942 (2)، وكان كلاهما يشيران إلى رد فعل ثانوي على الحداثة وقائم في داخلها. إلا أن شارلز جينكز والذي سبق حسن في اختياره عنوان كتاب دي أونيس كأصلٍ محتمل للمصطلح(3)، راجع هذا التاريخ فيما بعد، وأعلن أن المصطلح موجود منذ عام 1926، ثم راجع نفسه مرة ثانية وأعلن في رسالة شهيرة إلى «ملحق التايمز الأدبي» أنَّ أول من استخدم المصطلح هو الفنان البريطاني جون واتكنس شابمان في سبعينيات القرن الماضي(4)، بعد ذلك نعثر على المصطلح لدى أرنولد توينبي في كتابه «دراسة في التاريخ» الذي ظهر عام 1947، وكان يقصد به تعيين حلقة تاريخية جديدة في الحضارة الغربية، تبدأ من عام 1875.

    وفي عام 1959 كتب أرفنغ هاو (Howe) «مجتمع الجماهير وفن القصة بعد الحديث» (Mass society and postmodernism fiction)، ثم كتب هاري ليفين (Levin) في عام 1960 «ماذا كانت الحداثة؟» (What was modernism?) وكلاهما تحدث عن ما بعد الحداثة بطريقة رثائية بوصفها سقوطاً من علياء الحركة الحداثية الكبرى على حد تعبير إيهاب حسن.

    غير أن السؤال المطروح، هل ترتبط «ظاهرة» ما بعد الحداثة ببداية ظهور المصطلح؟ أم أن المصطلح اكتسى مدلولاً مغايراً ومختلفاً عن المدلول الذي ارتبط به منذ بدايات نشأته؟

    وإذا كان مصطلح ما بعد الحداثة قد ظهر في سبعينيات القرن الماضي، فإلى متى يعود ظهور مصطلح الحداثة نفسه، الذي يقتضي ظهوره حتماً قبل مصطلح «ما بعده»؟.

    لا سيما إذا علمنا أن بعضهم يذكر أن مصطلح (الحداثة) كان أول استخدام له في اللغة الإنجليزية قد ورد في كتاب «مخطط أو مسح لشعر الحداثة» (Asurvey of uodernistpoetry) لمؤلفه جريفز ورايدنج (Graves and Riding) وكان قد نشر عام 1927 (5) وجاء لفظ الحداثة ليشير إلى نظرة موضوعية محايدة إلى الفن كتعبير أو كأسلوب في استخدام اللغة ودرجة من الغموض تفوق توقعات القارئ العادي ومشاعره.

    وإذا أحببنا استكمال صورة استحالة تحديدٍ مضبوطٍ لظهور مصطلح الحداثة، فنذكر أن بعض النقاد أعطى الأولوية لسنوات ما قبل الحرب (ومنهم سيندر وجراهام هوف)، في حين أولى آخرون اهتمامهم لسنوات ما بعد الحرب، بينما فضل البعض الآخر (هاري ليفن، جوليان سيمونز) التركيز على عام واحد وهو 1922م باعتباره العام الذهبي للحداثة (6).

    وإذا كان مصطلح الحداثة نشأ كما رأينا ضمن حقل النقد الأدبي، ثم استثمر ووُظِّف في حقول معرفية أخرى كالاجتماع والسياسة والتحليل النفسي والتقنية والألسنية والاقتصاد واللاهوت ليشير إلى فترة زمنية تاريخية مر بها الغرب، فإن مصطلح ما بعد الحداثة وكما ظهر في خطاب السبعينيات والثمانينات من هذا القرن، كان فلاسفة العمارة أسبق في استخدامه، وإن ورد لفظاً لدى نقاد الأدب من قبلهم، وبتعبير فريدريك جيمسون أحد أهم نقاد ما بعد الحداثة «ليس هناك حقل من الحقول أحس فيه الناس بـ «موت الحداثة» أو أعلنوا بصورة حادة عن ذلك، مثلما أحسوا في فن العمارة، وليس هناك حقل آخر أوضحت فيه الحدود النظرية والعملية للنقاش على هيئة برنامج مثلما جرى في هذا الحقل» (7)، هذا التشخيص يؤكده أيضاً جان فرانسوا ليوتار، الذي يعتبر أن مجال العمارة هو المجال الذي طرح فيه سؤال ما بعد الحداثة بأشد الطرق حدة، ومن أهم أنصار هذا الاتجاه كان كوكور بوزييه وفرانك لويد رايت الذين تبنوا الثورية كدعوة للتجديد في الشكل وللقيام بتحولات في الفراغ المعماري تهدف إلى تغيير الحياة الاجتماعية ككل، وتكون بديلاً عن الثورة السياسية (، ومن بين الأعمال الأولى التي يمكن الاقتباس منها ما كتبه أيضاً روبرت فينتوري في «التعلم من لاس فيغاس» (1971م)، وسلسلة النقاشات التي أثارها كريستوفر جينكس، والعرض الذي قدمه بيير باولو بورتوغيزي في «ما بعد فن المعمار الحديث».

    لقد كتب جين جاكوبز كتاباً بعنوان «موت المدن الأمريكية الكبرى وحياتها» نشر عام 1961، وتنبأ فيه بنزعة حضرية جديدة، ترى أن المساحات الحضرية التي أنشأتها الحداثة كانت نظيفة ومنظمة من الناحية المادية، أما اجتماعياً وروحانياً، فهي إلى الموت أقرب، وأن الضجيج والصخب وزحام القرن التاسع عشر هو وحده الذي أبقى على الحياة الحضرية المعاصرة، وليعلق مارشال بيرمان في كتابه الذائع الصيت (كل ما هو صلب يتحول إلى أثير) (All that is solid melts into air) «كل هذا يوحي بأن الحداثة تحتوي على تناقضاتها الداخلية الخاصة بها، وبأن أنماط الفكر الذي ينتمي إلى الحداثة قد تتحول إلى سلفية جامدة ويصيبها التقادم، وبأن أنماطاً من الحداثة قد تحتجب لأجيال طويلة دون أن تخلفها أنماط بديلة، وبأن أعمق جراح التحديث الاجتماعية والنفسية قد تلتئم دون أن تشفى شفاء حقيقياً. إن الرغبة المعاصرة لقيام مدينة لها متاعبها ولكن تتميز بالحيوية والحياة تعد رغبة لنكأ الجراح القديمة الجديدة من جديد، إنها رغبة في الحياة الحرة الطليقة واستمداد الحيوية من صراعاتنا الداخلية مهما كانت النتيجة، وإذا كنا تعلمنا في نمط واحد من الحداثة كيف نبني الهالات حول المساحات وحول رؤوسنا، فقد نتعلم من نمط آخر منها (لعله أقدم زمناً) كيف نفقد هالاتنا ونجد أنفسنا من جديد» (9) ولن تنتهي السلسلة حتماً بكتاب الصحافي توم وولف والذي أثار جدلاً صاخباً بين المؤيدين والمعارضين «من البوهاوس إلى بيتنا المعاصر» (From Bauhous to our House)، غير أنه وكما حصل مع مصطلح الحداثة، سيتم توظيف «ما بعد الحداثة» كمصطلح عام وشامل، يقصد به مرحلة يمر بها الغرب تقع خارج الحداثة وبعدها، وليستثمر في مجال الأدب، الحقل الأكثر حيوية وقدرة على التعبير عن نفسه كأدب ما بعد حداثي، ولتصادفنا الإشكالية التي طرحناها كعنوان للمقال بشكل أكثر جلاءً، فالمصطلح حسب ما يعبر أومبرتو ايكو أصبح فضفاضاً، «لدي انطباع بأنه يستعمل اليوم ليدل على أي شيء حسب رغبة مستعمِله، هذا إلى أن هناك محاولة لجعله ذا أثر رجعي (تاريخياً)، في البداية طُبّق على عدد معين من الكتاب أو الفنانين الناشطين خلال العقدين المنصرمين، ثم تقهقر بالتدريج نحو مطالع القرن، ثم إلى زمن أسبق، وهذه السيرورة الارتجاعية تتواصل، ولن يطول الزمن حتى تنطبق مقولة ما بعد الحداثة على هوميروس» (10).

    أعتقد أنه يجب علينا التمييز بين لحظتين بالنسبة لتاريخية مصطلح «ما بعد الحداثة» الأولى وهي لحظة حمّى البحث عن جذور للظاهرة، أو لعبة اختراع الأسلاف كما يحب أن يطلق عليها إيهاب حسن، والتي تعمل على «إعادة اكتشاف» سوابق لما بعد الحداثة، بين مختلف المؤلفين ومختلف العهود، بحيث يدخل كثير من المؤلفين القدامى يتم استلهامهم واستدعائهم بحيث يشكلون مرتكزاً يتم الاستناد عليه مما يعطي للمصطلح قوة التاريخ وأصالة التراث.

    واللحظة الأخرى هي لحظة الوعي المفارِق، وواضح أن اللحظة الثانية تاليةٌ للأولى وحاوية لها، وبحيث تكون الأولى متضمنة في الثانية، هذه اللحظة التي تتحدد بالدائرة الزمنية التي حُدِّدَ فيها المفهوم وفُكِّر فيها ضمن معطيات عصره المعرفية، وبما يشكل معطىً فكرياً جديداً لم تكن الظروف التاريخية مهيأة لظهوره في غير هذه اللحظة الزمنية، وبذلك تتحدد ما بعد الحداثة بكتابات المؤلفين الذين حاولوا أن يجعلوا منها مفهوماً مغايراً متراكباً على مفهوم الحداثة ضمن فترة السبعينيات والثمانينات حصراً من هذا القرن، وما دمنا قد دخلنا في لعبة المفاهيم فلنحاول على الأقلَ وهي محاولة تفترض مسبقاً فشلها ـ تحديد المفهوم وبلورته أو مقاربته على أحسن الأحوال.

    إن مصطلح «ما بعد الحداثة» متاخم لمفهوم «الحداثة» ومرتبط به، ليس ارتباطاً تلازمياً بحيث لا تعرّف «ما بعد الحداثة» إلا بكونها نفياً للحداثة، وإنما ارتباطاً تاريخياً تعاقبياً فحسب، بحيث أنه لا يمكننا الولوج إلى ما بعد الحداثة إلا باعتبار الحداثة وموضعتها كلحظة تاريخية سابقة.

    وكما يؤكد البروفسور روبرت أتلر من جامعة بيرتلى ـ كاليفورنيا في مقاله (انطباعات عن عقابيل الحداثة) بأن البرنامج ما بعد الحداثي هو في بعض جوانبه امتداد للبرنامج الحداثي، وفي جوانبه الأخرى ردة فعل ضده (11).

    لكن «هل في وسعنا حقاً أن نتصور ظاهرة تعم المجتمعات الغربية إجمالاً وآدابها خصوصاً، تحتاج إلى ما يميزها عن الحداثة، وتحتاج إلى تسمية؟» كما يتساءل إيهاب حسن.

    في الواقع إن غالبية الباحثين لا ينظرون إلى ما بعد الحداثة إلا على أنها «ظاهرة نقيضة وتناقضية وناقضة لذاتها»(12)، وبمعنى آخر لم ينشأ اتجاه ما بعد الحداثة إلا كتدميرٍ للبناءات والرمزية التي أنشأتها الحداثة، إذ إن ما بعد الحداثة تعتبر نفسها جاءت كتعبير عن «موت الحداثة» بتعبير كلاوس شيريه وتصفيةٍ لقدرتها التنويرية.

    إن بعضهم يشبه ما بعد الحداثة بالفراغ الذي يتوسط الكعكة المدورة، حيث كان اتجاه الحداثة (كعكة) ولكن الزمن أكل هذه (الكعكة) وبقي الفراغ الذي كانت تحيط به، وهذا هو اتجاه ما بعد الحداثة (13).

    في مقابل ذلك يعتبر آخرون ما بعد الحداثة "المرحلة التاريخية التي تصبح فيها التعددية الراديكالية سمة واقعية ومعترفاً بها عموماً في الحياة الاجتماعية، وتفسير هذه التعددية بأنها عملية إلغاء خالصة من شأنه أن يكون مجانباً للصواب على الإطلاق، فهي إيجابية بعمق، وجزء لا يتجزأ من الديمقراطية الحقيقية" (14) بل إن آخرين لا يرون فيها مرحلة تاريخية فحسب وإنما حالة روحية يعيشها الغرب، هذه الحالة المتصفة بعدم التحديد، والقطيعة مع الحداثة، واللاتقنينية، وفقدان الأنا، والسخرية والهجين المختلط، والمهرجانية الكرنفالية، والاختلال البنائي (15) كل ذلك يشكل محركاً للثقافة الغربية بغية توليد حالة أخرى ربما هي تخرج عن الحداثة وتقطع معها، ولكن ربما لن تكون «ما بعد الحداثة» هي المقصودة حتماً بذلك، ولذلك نجد كلاً من بيري أندرسون رئيس تحرير مجلة New left Review اليسارية، والفيلسوف الاجتماعي الألماني المعروف هابرماز وريث مدرسة فرانكفورت النقدية يعتبرون «ما بعد الحداثة» أمراً نستطيع الاستغناء عنه إذا تمكنت الحداثة نفسها من تحقيق وعيٍ كافٍ بالصيرورة التاريخية والتطور الزمني، وشعرت بحاجتها إلى إيجاد ضمانات خاصة بها في داخلها تمكنها من تطوير نفسها بنفسها (16)، لذلك فبدلاً من التخلي عن الحداثة ومشروعها كقضية خاسرة، يجب أن نتعلم من أخطاء تلك الخطط الكمالية المترفة التي سعت إلى إنكار الحديث ورفضه (17).

    أما آلان تورين فيرى أنه يمكننا الاستغناء عن «ما بعد الحداثة» نهائياً إذا تمكنا من العثور على تعريفٍ جديد للحداثة، وعلى تأويل لتاريخنا «الحديث» الذي قُصِرَ في الغالب على صعود العقل والدنيوة، وتماهت الحداثة مع منطق السلطة وحدث انفصال متزايد بين العالم الموضوعي الذي خلقه العقل المنسجم مع قوانين الطبيعة، وبين عالم الذاتية الذي هو قبل كل شيء عالم الفردية أو عالم الدعوة إلى الحرية الشخصية.

    لقد حطمت الحداثة العالم المقدس الذي كان، في آن واحد، عالماً إلهياً وطبيعياً، شفافاً للعقل ومبدعاً، ولم تحلَ محلَّه عالم العقل والدنيوة، صارفةً الغايات النهائية إلى عالمٍ ليس بوسع الإنسان أن يبلغه، لقد فرضت الفصل بين «ذاتٍ» نزلت من السماء إلى الأرض، وتأنسنتْ، وبين عالم الأشياء، التي تعالجها التقنيّات، وأحلّت محلّ وحدة عالمٍ خلقته الإرادةُ الإلهية، أو العقل أو التاريخ، ثنائية العقلنة وإضفاء الذاتيّة (1.

    ولكن هل نخرج من دمار فكرة الحداثة في الفكر والممارسات الاجتماعية إلى تصور خيالي ثقافي لما بعد الحداثة كما يعبر هو نفسه، إنه يقترح كما ذكرنا إعادة تعريف الحداثة على أنها علاقة، مثقلة بالتوترات، علاقة العقل والذات، العقلنة وإضفاء الذاتية، روح النهضة وروح الإصلاح، العلم والحرية، إن إعادة التعريف هذه تُساعد في إنقاذ فكرة الحداثة وتُخلصها من التقليد التاريخي الذي قصرها على العقلنة، وتجنبها في نفس الوقت من الوقوع في براثن شبح تخيلي يطلق عليه «ما بعد الحداثة»، الذي هو نمط الإدارة المهيمن في مجتمعنا في نهاية هذا القرن، وذلك عندما يزداد شيئاً فشيئاً شبه المجتمع بالسوق الذي تبدو فيها الرهانات الإيديولوجية بل والسياسية كأنما اختفت، ولا يبقى سوى الصراع من أجل المال والبحث عن الهوية، وتحل محلَّ المشكلات الاجتماعية مشكلات غير اجتماعية، مشكلات الفرد وكذلك مشكلات الكوكب التي تفيض عن الحقل الاجتماعي والسياسي من تحت ومن فوق، وتفرغه من محتواه كله تقريباً، هو مجتمع لا يسعى إلى أن يكون موضعاً للتفكير، لكنه حذرٌ من الأفكار الكبرى ومن الخطابات الكبرى التي تدخل الاضطراب على ذرائعيته وأحلامه (19)، إن ثقافة ما بعد الحداثة تحلل السلوك الفردي وتقلص المجتمع إلى سوق وإلى مد لا ينقطع من التغيرات، إنها لا تهتم بالدفاع عن الهوية وبإرادة التوازن، ولا تقيم وزناً إلى ثقافة «المستبعدين»، بكلمةٍ واحدة إنها ثقافة النحب التي تقود التغيير، والتي تشعر شعوراً بالغاً أنها «متورطة» لكي تؤثر الحركة على الراحة، والهجوم على الدفاع، ولا شخصية أنظمة الاتصال على الذاتية، وكل ذلك يدفع إلى السؤال، هل نحن في حاجة حقاً إلى مفهوم «ما بعد الحداثة»؟ (20).

    وهنا نصل إلى نقطة بالغة الأهمية، تتمحور حول توصيف الواقع الراهن، فالحداثة تعيش الآن في أزمة مركبة، فإذا كان منظروا ما بعد الحداثة يعلنون «موت الحداثة»، فإن معارضيهم يرون أن الحداثة إنما تمر في أزمة وحسب، تستطيع تجاوزها والخروج منها، إذاً فالجميع متفقون على أن الأزمة موجودة، لكنهم مختلفون في تقدير عمق هذه الأزمة، وفي تشخيص الحلول للخروج منها، هذه الأزمة التي يقاربها هنري لوفيفر باعتبارها اتخذت مظهرَ العالمَية كصورة خادعة من أجل تفخيمها الذاتي وستر أزماتها، «الحداثة تكشف عن تناقضاتٍ وإبهاماتٍ وأزمات عديدة جائلة في كل الأرجاء» (21)، هذه التناقضات تنتهي إلى مظهر عصيٍ على الحل، فهي توصل الاستلاب إلى تمامه، وتضيف إلى الاستلابات القديمة إضافةً تزداد ثقلاً يوماً بعد يوم، وتتجلى في الاستلاب التقني، لقد أصبح العالم مقلوباً، ووسط هذه الاستلاب وانقلاب العالم تصبح تعرية الاستلاب تتمتع بطبيعةٍ ملحةٍ وقاهرةٍ وضروريةٍ (22).

    وهذا ما يمنح الشرعية لنظرية ما بعد الحداثة ويجعلها خليقة بالنقاش كونها تتطلع إلى تمثيل «منعطف» جذري بالنسبة إلى الحداثة ليس مجرداً من الأساس، وإنما بناءً على ملاحظات ومقابلات ليست نظرية في مجملها وإنما نتيجة إفراز واقع عياني خلقه مجتمع الإعلام المعمم والمجتمع ما بعد الصناعي أو المجتمع الاستهلاكي بحسب التعابير الأكثر تداولاً لتوصيف هذا العصر (23) إن ما بعد الحداثة تطرح «نبوءةً» في إمكان وجودٍ «مختلفٍ» للإنسان (24).

    ولكن إذا كان آلان تورين كما رأينا، لا يرى في «ما بعد الحداثة» إلا تكريساً لحداثة مشوّهة، واستمراراً بل وترسيخاً لحياة أصيبت بالتعفن والتحلل، فإن منظروا «ما بعد الحداثة» لهم رؤيةٌ مختلفة في الحداثة، قد تنصب في النهاية إلى جانب النقد الذي وجهه لها كل من هابرماز ولوفيفر وتورين وآخرين غيرهم(25)، لكنها تختلف عنهم من زاوية النظر، فليوتار يقرر أن عجز الحداثة يكمن في فكرة التقدم الكلاسيكية التي كانت تتصور تاريخ الإنسانية وفق نموذجٍ خطي صاعد من الأدنى إلى الأعلى، وبتعبير فوكو «التاريخ بهذا المعنى، صقيل، ومتسق، يسير على نظام واحد، وقد يجري في السياق نفسه، في السقوط نفسه، أو في الصعود نفسه».

    ولقد تجلى هذا العجز في سقوط النظريات الكبرى وعدم قدرتها على قراءة العالم رغم زعمها أنها قادرة على إعطاء تفسير كلي للمجتمع، إنها فترة نهاية الأيديولوجيات وعقم مسار التاريخ كما تتصوره الحداثة، وهنا تأتي ما بعد الحداثة "لتحطيم السلطة الفكرية القاهرة للأنساق الفكرية الكبرى المغلقة" (26)، على أساس أن هذه الأنساق تزعم أنها تقدم تفسيراً كلياً للظواهر وإنما هي في حقيقة الأمر تعمل على إلغاء التنوع الإنساني وتنطلق من حتمية وهمية لا أساس لها، لذلك كانت النهاية في موت الحكايات الكبرى، وهي أطروحة ليوتار الأساسية، هذه الحكايات التي وعدت بانعتاق الإنسانية وانتشار أنوار المعرفة وتحقيق جميع أنماط الحرية، فإذا بها "تسقط متلقيها في النسيان وتقذف مستمعيها في الماضي السحيق" (27).

    إن ليوتار بنى رؤيته تلك على ما يعتبره تحولاً في المعرفة، فقد أصبحت المعرفة خارجية تماماً بالنسبة للعارف وانتهى المبدأ القائل بأن اكتساب المعرفة لا ينفصل عن تأهيل العقول، فالمعرفة ستميل بشكل متزايد إلى اكتساب الشكل الذي اتخذته علاقة منتجي ومستهلكي السلع بالسلع التي ينتجونها ويستهلكونها أي شكل القيمة، المعرفة تنتج وسوف تنتج لكي تباع وتستهلك وسوف تستهلك لكي يجري تقييمها في إنتاج جديد، وفي كلتا الحالتين، فإن الهدف هو التبادل، تكفَّ المعرفة عن أن تكون غاية في حد ذاتها، أنها تفقد قيمتها الاستعمالية(2، لذلك لم يعد هناك قيمة لأية نظرية مولدة للأفكار، فعالم الحكايات الكبرى انتهى، وإذا كان من الممكن أن يكون لدينا شكل من المشروعية فإنها لن تقوم إلا على أساس البارالوجيا (الخطاب الهامشي) التي هي نقلة يتم اتخاذها في لعبة ذرائعية المعرفة(29)، والكاتب ما بعد الحداثي لا يبحث عن تقديمات جديدة، والنص الذي يكتبه أو العمل الذي ينتجه لا تحكمه قواعد راسخة سلفاً، فهذه القواعد والمقولات هي ما يفتش عنه العمل الفني ذاته، فالفنان والكاتب إذن يعملان دون قواعد لكي يصوغا قواعد ما تم عمله فعلاً، يتوجب علينا إذاً أن نفهم ما بعد الحداثي طبقاً لتناقض المستقبل السابق(30).

    إن ما بعد الحداثة تشن حرباً على الكلية totality وتشهد على ما يستعصي على التقديم، وتنشط الاختلافات، وتنقذ شرف الأمم(31).

    إن ما بعد الحداثة تحطم الحداثة وتهدم أسسها، إنها لا تطمح إلى مجرد ثورة ثقافية أو معرفية إدراكية وحسب، وإنما إلى تغيير سياسي جذري كما يرغب إيهاب حسن لها أن تكون، إذ إنها تبذل لذلك كل أفكارها وجهودها في سبيل تجاوز الحداثة المغتربة وتأسيس اتجاه جذري من الملاحم، وزلزلة أسس الثوابت السياسية الراسخة، وكما وجدنا عند ليوتار نجد جان بودريار الرافع للواء ما بعد الحداثة يقدم وجهة نظره في الحداثة، على أنها اختصرت في الاستهلاك وطغمة الإنتاج، وأن تقنيات الاتصال قدمت كل إشارة إلى ما هو «واقعي» بمعنى كونه سابقاً على الصورة أو مبرزاً لها، وبناءً على ذلك جاء تيار ما بعد الحداثة ليعلن عن بدء عملية إعادة تقويم إيجابية تم ترويضها وتنويعها.

    لكن تظل الحدود بين الحداثة وما بعد الحداثة متداخلة ومتشابكة بحيث يبدو من غير الممكن تحديد متى تنتهي الحداثة لتبدأ عندها ما بعد الحداثة، لا سيما أن أعمالاً أدبية مرموقة اعتبرها النقاد أنها دشنت الحداثة عدّها النقاد ما بعد الحداثيون أعمالاً ما بعد حداثية، وما يزيد الأمر تعقيداً ما اعتبره ليوتار بأنه لا يصبح عمل فني ما حديثاً إلا إذا كان ينتمي إلى ما بعد الحداثة أولاً، وبالتالي، فإن ما بعد الحداثة ليست الحداثة في منتهاها، بل في حالتها الوليدة، وهي حالة مستمرة.

    وإذ كنا قد فشلنا في إعطاء تعريف ناجز لمفهوم «ما بعد الحداثة» والفشل هنا يأخذ سمتاً إيجابياً لكون التعريف يحمل في مفهومه صرامةً وتحديداً وتأطيراً، وهذا بالضبط ما حاولت ما بعد الحداثة الخروج منه وعليه، وكما يعبر صبحي حديدي لقد استعصى التعريف لأن الاستعصاء جزء من أصل المحاولة.

    فإن كل ما يمكننا عمله هو وصف ماهية ما بعد الحداثة توصيفاً لا يخضعها للنمذجة أو التصنيف وإنما يظهرها كهوية متحولة تتصف بالنزوع إلى الخروج أكثر مما ترغب بالدفاع عن ثغور الماضي وثكناته، إن من الصفات المميزة للخطاب ما بعد الحداثي تفضيل التنقيب على التماسك، إنه يحاول إقامة بنيان خطابه على مفاهيم العداء للاستمرارية، والعداء للرابطة الداخلية، والعداء للسببية القائمة أساساً على فكرة التشابه والتكرار للظاهرة، إنه يهدف إلى إنكار نماذج ذات معنى داخل النص، أو على الأقل التأكيد على أن كل شيءً مكتشف كقانون «مفهوم لا يعدو كونه خداعاً موهماً» (32).

    باختصار إن الخطاب ما بعد الحداثي يجهد لمحو الفواصل الرئيسية في المجتمعات، ومن أهمها تآكل الفاصل القديم بين الثقافة العليا وبين ما يسمى بالثقافة الجماهيرية أو الشعبية، ولعل ذلك ما حدا ببعضهم لوصف الخطاب ما بعد الحداثي بأنه «الحداثة الدنيا» تمييزاً عن «الحداثة العليا» التي أنتجها عصر الأنوار وعاشها الغرب.

    لذلك فإن أية محاولة لفهم عصر ما بعد الحداثة تفترض مسبقاً فقدان الثقة بالحداثة ومساءلتها معاً، وإذا كانت الحداثة قد بنت مفهومها على أساسٍ من العقلانية والعلم والتقنية والتنوير فإن عصر ما بعد الحداثة هو عصر التنوع والاختلاف والتشظي والتفتت.

    وبذلك يخرج «ما بعد الحداثة» عن كونه مجرد مصطلح أدبي أو مفهوم فلسفي إلى اعتباره «مفهوماً» يقسم التاريخ إلى فترات للربط بين ظهور ملامح شكلية جديدة في الثقافة وظهور شكل جديد من أشكال الحياة الاجتماعية ونظام اقتصادي جديد (33).

    إن عصر ما بعد الحداثة إذاً يمتاز ببزوغ ثقافة كونية مهيمنة عملت قنوات الاتصال على نشرها، ذلك أنه يتصل بصورة وثيقة ببدء حقبةٍ اختلف كثيراً في تسميتها من الرأسمالية المتأخرة أو الرأسمالية الاستهلاكية أو متعددة القوميات الجديدة أو مجتمعات العصر ما بعد الصناعي إلى غير ذلك (34).

    ولكن السؤال: إذا كانت الحداثة قد استنفذت طاقتها وقواها، وبدأت تعيش أزمتها وانفراط عقد حداثتها إذا صح التعبير، فهل نجد في «ما بعد الحداثة»، أو هل نؤمل منها أن تكون قادرة على بعث روح أو حياة في حداثة انتهت، أو على أحسن الأحوال تعيش «نهايتها».

    يبقى السؤال مشرعاً ومفتوحاً، والإجابة لا تزيد عن أن تجعل السؤال أكثر إلحاحاً وراهنية.

    الهوامش:

    (1). محمد الشيخ، ياسر الطائري، مقاربات في الحداثة وما بعد ـ الحداثة، حوارات منتقاة من الفكر الألماني المعاصر (بيروت: دار الطليعة، 1996م) ص10.

    (2). إيهاب حسن، نحو مفهوم لـ «ما بعد الحداثة»، ترجمة صبحي حديدي، الكرمل (العدد 51، ربيع 1997م) ص13.

    (3). Charles Jencks, What is post modernism?, Academy Edition, 1986.

    (4). صبحي حديدي، الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة: ماذا في الـ «بعد»، من قبل ومن بعد؟، الكرمل، [م، س] ص51.

    (5). بيتر بروكر، الحداثة وما بعد الحداثة، ترجمة: د. عبد الوهاب علوب، مراجعة: د. جابر عصفور (أبو ظبي: منشورات المجمع الثقافي، ط1، 1995م) ص20.

    (6). Malcom Bradbury and James Macforlane (Edites), Modernism (1890-1930) (Harmondworth, 1967) P.P. 30-44.

    وقد ظهر لكتاب ترجمتان، الأولى بعنوان: حركة الحداثة، ترجمة عيسى سمعان (دمشق: وزارة الثقافة، 1998م)، والثانية بعنوان: الحداثة، ترجمة: مؤيد فوزي حسن (حلب: مركز الإنماء الحضاري، ط2، 1995م).

    (7). فردريك جيمسون، سياسات النظرية، المواقف الأيديولوجية في جدل ما بعد الحداثة، ترجمة فخري صالح، الكرمل، [م، س] ص 40.

    (. جان فرانسوا ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي، ترجمة: أحمد حسان، (القاهرة: دار شرقيات، ط1، 1994م) ص17.

    (9). M. Berman: All that is solid melts into Air, London, Verson press, 1983.

    وقد ترجمه إلى العربية فاضل جتكر «كل ما هو صلب يتحول إلى أثير» (قبرص: مؤسسة عيبال، 1993م)، وواضح أن عنوان الكتاب هو جملة من «البيان الشيوعي» لماركس.

    (10).أومبرتو ايكو، ما بعد الحداثة والسخرية والإمتاع، ضمن كتاب الحداثة وما بعد الحداثة، إعداد بيتر بروكر، [م، س] ص354، والمقال عبارة عن الملحق الذي أضافه إيكو لروايته اسم الوردة، The Name of the Rose، التي صدرت عام 1981م، وهي عبارة عن قصة بوليسية مثيرة بشكلها الكلاسيكي والأقرب إلى القصص الشعبي المألوف ينسج فيه الوسيط مع الحديث، ترجمة: كامل عويد العامري، مراجعة: يوسف حبي (القاهرة: سينا للنشر، 1995).

    (11).ويتفق مع هذه النظرة أيضاً البروفسور جرالدغراف من جامعة نورث ويسترن في مقالته (أسطورة الاختراق ما بعد الحداثي)، انظر: علي الشوك، أدب ما بعد الحداثة بين جون بارث واومبرتو ايكو (الحياة، الاثنين 11/ آب/ 1997م).

    (12).صبحي حديدي، ما بعد الحداثة: هل المصطلح صالح لكل ما هبَّ ودَّب؟، (القدس العربي، الخميس 24/ حزيران/ 1999م).

    (13).ما بعد الحداثة في صورتها الداخلية التاريخية، ترجمة: د. أشرف الصباغ، الثقافة العالمية (العدد 83، 7/ 1997م) ص138.

    (14).يعبر عن وجهة النظر هذه الفيلسوف الألماني فولفجانج فيلش.

    (15).هذه بعض الدلالات التي تعنيها ما بعد الحداثة بحسب منظرها إيهاب حسن، انظر: د. نايف سلوم، ما بعد الحداثة، مقالات في النقد الفلسفي (سورية: حمص: دار التوحيدي، 199 ص36.

    (16).يورغن هابرماز، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة: د. فاطمة الجيوشي (دمشق، وزارة الثقافة، 1995م) ص8-39.

    (17).يورغن هابرماز، الحداثة مشروع لم يكتمل، ضمن كتاب الحداثة وما بعد الحداثة، إعداد بيتر بروكر [م. س]، ص214.

    (1.آلان تورين، نقد الحداثة، الحداثة المظفرة، ترجمة: صياح الجهيم (دمشق: وزارة الثقافة، 199 ج1، ص9.

    (19).المرجع نفسه، ص223.

    (20).طرح السؤال، فردريك جيمسون في مقاله الشهير «ما بعد الحداثة والمجتمع الاستهلاكي» ضمن كتاب الحداثة وما بعد الحداثة، إعداد بيتر بروكر [م، س]، ص276.

    (21).هنري لوفيفر، ما الحداثة، ترجمة: كاظم جهاد، (بيروت: دار ابن رشد، 1983م)، ص45.

    (22).المرجع نفسه، ص

    (23).انظر: آلان تورين، المجتمع ما بعد الصناعي، ترجمة موريس جلال، (دمش، وزارة الثقافة، 1983).

    (24).جياني فاتيمو، نهاية الحداثة، ترجمة: د. فاطمة الجيوشي، (دمشق: وزارة الثقافة، 1998م)، ص14.

    (25).يجب أن نذكر أن فلسفة ما بعد الحداثة ارتكزت في الكثير من نقدها للحداثة على مقولات كل من هيدغر ونيتشه وماركس، والمجال هنا لا يتسع للإطالة في هذه النقطة. انظر: رفيق عبد السلام بوشلاكة، مآزق الحداثة: الخطاب الفلسفي لما بعد الحداثة، إسلامية المعرفة (السنة الثانية، العدد السادس، سبتمبر 1996)، ص111.

    (26).السيد يسين، الحداثة وما بعد الحداثة، ضمن كتاب «الحداثة»، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، (الدار البيضاء: دار توبقال، 1996م)، ص120.

    (27).كاظم جهاد، من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، الكرمل، (العدد 52، صيف 1997م)، ص171.

    (2.جان ـ فرانسو اليوتار، الوضع ما بعد الحداثي، [م، س]، ص28.

    (29).المرجع نفسه، ص75.

    (30).جان فرانسوا ليوتار، ما معنى ما بعد الحداثة، ضمن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، إعداد بيتر بروكر، [م، س]، ص236.

    (31).المرجع نفسه، ص237.

    (32).ويندل. ف. هاريس، من قاموس مفاهيم النقد الأدبي ونظرية الأدب: ما بعد الحداثة، ترجمة ناصر ونوس، ملحق الثورة الثقافي (العدد 59، الأحد 4/5/1997م)، ص14.

    (33).مارجريتا روز، ما بعد الحداثة، تحليل نقدي، ترجمة أحمد الشامي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994) ص78.

    (34).للتوسع في هذه النقطة راجع مارجريتا روز، ما بعد الحداثة (م، س)، ص13-31.

    22 Aug 2004
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

17-10-2004, 10:49 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



شكري بلا حدود على صبر المتابعات والمتابعين (Re: osama elkhawad)

    حاولنا بقدر المستطاع ايراد عدد من المقالات والترجمات والمقابلات وعروض الكتب في محاولة لالقاء الضوء على اشكالية الحداثة وما بعدها .
    وقد حرصنا ان تكون باللغة العربية لافساح اكبر قدر من الاستفادة.

    ونرجو أن نكون قد اسهمنا بقدر ما في التعريف بتلك الاشكالية.

    شكري بلا حدود على صبر المتابعات والمتابعين

    وأرقدوا عافية

    المش
    ============================================================اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

18-10-2004, 01:50 AM

Ashraf Kamal

تاريخ التسجيل: 01-09-2004
مجموع المشاركات: 30
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    الاخ اسامة الخواض
    التحية ليك والله علي هذا المجهود الجبار. والتحية للشباب اللي شاركو معاك في جمع هذه المعلومات القيمة عن حياة واسهامات دريدا.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

18-10-2004, 12:29 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    شكرا أشرف على كلماتك الطيبة.
    حاولت بقدر المستطاع تصنيف المادة المنشورة بعد فحصها بحيث يكون من السهولة مثلا ان يجد القارئ المهتم بمابعد الحداثة المادة التي تهمه في مكان بعينه,
    لكن شح المادة المنشورة بالعربية على النت ,وقلة المواقع المتخصصة في مثل هذه المواضيع جعل التصنيف لا يتم بالطريقة التي كنا نرغب فيها.

    في هذا الصدد تذكرت معلومة احصائية وتفيد ان عدد المواقع الالكترونية المنشورة باللغة العبرية اكثر من المواقع المنشورة باللغة العربية من كل البلدان العربية مجتمعة !!!!

    المش---------------------------------===================---==--=
    اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

18-10-2004, 03:24 PM

elfaki

تاريخ التسجيل: 20-11-2003
مجموع المشاركات: 128
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    دريدا : الفصل السادس عند دي سوسير فصل غير علمي

    هذا الكلام لدريدا قد يبدو غريباً . فما وجه الغرابة فيه ؟ . من المعروف في الأوساط العلمية أن فرديناند دي سوسير هو رائد في شيئين : (أ) في كونه أباً لـ(علم اللغة) الحديث . (ب) و في كونه مؤثراً في التفكير المعاصر من خلال نموذجه في التحليل اللغوي . يقول جاك لاكان في إحدى سيمناراته " أتاح لنا سوسير معرفة لم تكن متاحة لفرويد . فنحن سنقدِّم مفهوماً جديداً للاوعي يختلف من مفهوم فرويد . " فيركز لاكان على أن اللاوعي في الإنسان ينبني في دماغه كما تنبني اللغة . و من ثَمَّ يجعل الوصول الي اللاوعي عن طريق وليس الحلم . (انظر في ذلك إعادة تحليله لحلم الأب في تفسير الأحلام لفرويد) . هذه قصة أخرى ، لكن دعوني الآن أن أفصِّل في النقطتين (أ) و (ب) أعلاه لصلتهما بدريدا.

    فيما يخص النقطة (أ) ، فإنَّ سوسير قد قام بنقلة نوعية لعلم اللغة حينما حدَّد تحديداً واضحاً موضوعه . فقد كان علماء اللغة و فقهاؤها في القرن التاسع عشر يعوِّلون كثيراً على اللغات المكتوبة فقط . بالرُّغم من أنَّهم في القرن نفسه قد توصلوا الي تقسيم لغات العالم الي أُسر متأثرين بالنموذج الذي صنَّف به دارون نظرية التطور .
    و تُعَدُّ هذه الخطوة خطوة نوعية في العلم . لأنها أتاحت حدساً هاماً في النظر الي النحو الشامل في اللغات.
    لكنَّ تحليلهم لا يُميِّز مستويات اللغة بعضها من بعض إلاَّ استثناءً و ليس بالشيء السائد .

    ففي أواخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين 1891- 1907 كان سوسير يدرِّس مادة النحو
    المقارن و اللغة السنسكريتية في جامعة جنيف . و تحوَّل مؤخراً 1907-1911 الي تدريس مادة علم
    اللغة. و في هذه المحاضرات -التي نُشرت بعد وفاته - وضع الرجل مقوَّمات العلم . و من هذه المقوَّمات سنهتم بمقوَّم واحد هو قيد موضوعنا الآن الذي يرتبط بدريدا. و قيد آخر غير مباشر هو قيد المتابعة لقاريء
    غير مختص في هذا المجال .

    من المعروف أن الكتابة الألفبائية قد أُشْرِبَتْ في قلوب الناس أكثر من (الصوت) حين يسمع المرء كلمة
    [اللغة] . فيقولون < لغة > هذا المقال ضعيفة و يقصدون < أسلوبه > . فمنذ دي سوسير تعني كلمة
    [اللغة] الجانب الصوتي المسموع عند المتكلم ارتباطاً بالجانب المفهومي الذهني عند المخاطب . و ليس
    المفهوم التقليدي القديم حين تقرأ عنوان كتاب المبرَّد " في اللغة و الأدب " . ففي هذا المفهوم الجديد
    نفسه يقول دي سوسير ( الكتابة تُبْهم < من الإبهام و الالتباس > اللغة ؛ إنها ليست مظهراً أو زياً تتزيا
    به ، بل هي قناع ) . أوضِّح كلام سوسير هذا بمثال : فالكلمة العربية (لكن) لا نكتبها بهذه الطريقة
    (لاكن) رُغْمَ أننا نقولها بهذه الطريقة . فما نقولها هي اللغة و ما نكتبها هو القناع . و لذلك فالكتابة
    ليست مظهراً للغة كما و ليست زيأ لها . يقول سوسير مقولته المشهورة ( الموضوع الوحيد لعلم اللغة
    هو اللغة و ليس الكتابة . فاللغة هي النظام الداخلي أما الكتابة فهي نظام خارجي ) . ما معنى النظام
    الداخلي و النظام الخارجي ؟. بصورة عامة : كل شيء يغير في العلاقات لنظام بعينه هو نظام داخلي
    فعلى سبيل المثال هناك ثلاث صور لكتابة حرف الكاف في آخر الكلمة . و بأيِّ صورة كتبت هذا
    الحرف فهي كتابة لا تغيِّر من صوت الكاف نفسه. لكن حين تطورت كلمة (قتله) في اللهجة الي
    (كتلو) ، فإن هذا النظام الداخلي يجعل المعجم أن يسرد الكلمة في باب الكاف وليس القاف .

    أما فيما يخص النقطة (ب) ، فإن سوسير قد لاحظ أن اللغة بهذا المفهوم الجديد تنتجها الجماعة ضمن
    أنظمة اجتماعية أخرى . هذه الأنظمة الاجتماعية الأخرى أطلق عليها (الأنظمة العلامية). و تندرج
    اللغة ضمن هذه الأنظمة العلامية . بارت من جانبه عكس المسألة : فقال إن كل الأنظمة الاجتماعية
    العلامية تندرج تحت اللغة لأننا لا نستطيع أن ننفذ إليها إلاَّ بسلطان اللغة .

    تهمنا - في هذه الحال - النقطة (أ) و هي النقطة المتصلة بنفي دريدا . فحين جعل سوسير الكتابة نظاماً
    خارجياً للغة ، تساءل دريدا : لماذا لا تكون الكتابة نظاماً داخلياً ؟ . يبدو أنَّ السؤال غريب في حق
    سوسير . لكن (الأمر) الذي ينبغي أن نقف عنده هو : هل السؤال غريب حقاً في مواطن الفلسفة ؟.
    فمن المعروف أن دريدا يسأل بوصفه فيلسوفاً و ليس كما شاع بعض المثقفين العرب بوصفه ناقداً.
    فدريدا لم يمارس النقد ، فما كتبه عن رواية (اتش) لفيلب سولرز زوج يوليا كريستيفا لم يكن نقدا
    أدبياً ، بل تدقيق في أمر الكتابة .أما المسؤول من نقل التفكيك في النقد الادبي فهو بول دومان و ليس دريدا نسال مرة أخرى : ما وجه الغرابة في نفي دريدا أعلاه ؟ . نسأل
    هذا السؤال و في علمنا أنَّ موضوع دريدا هو (الكتابة) في الفلسفة ، بينما موضوع سوسير هو
    (اللغة) في علم اللغة و ليس في فلسفة اللغة .
    القبض على هذا التساؤل يوصل الي الطريق الأدق في فهم (مذهب التفكيك) و هو مذهب مهم في
    الوقت المعاصر و له أهميته . و ذلك خلافاً أن نقع في أنَّ دريدا صعب المنال و معقدة لغته .
    لأن مذهب التفكيك قائم في نقد الميتافيزيقا (الغيبية و الوجودية ) فيما يخص التفكير الغربي منذ
    أفلاطون . لذلك تساؤل دريدا عن سوسير يضع سوسير في خانة التفكير الميتافيزيقي. و هو سوسير
    الذي يذهب مذهب التفكير العلمي و لم يفكر إطلاقاً أنه واقع ضحية التفكير الميتافيزقي .
    كيف يتسنَّى لدريدا أن يقول ذلك ؟ . سنوضح....

    ( سأواصل: و أستميحكم عذراً و الشكر موصول للآخ أسامة و كل الذين ساهموا في هذا البوست.
    و دمتم )
    عبداللطيف علي الفكي

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

18-10-2004, 09:07 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



هل مارس دريدا عنفا لفظيا على دي سوسير؟؟؟؟ (Re: osama elkhawad)

    شكرا عبداللطيف على مداخلتك القيمة
    وبالتأكيد سيحظى القارئ والمختص بمساهمة رفيع خاصة وان لطيف يحاول توطين مفهوم دريدا في نقد الميتافيزيقيا وممارسته على الخطاب السوداني.
    وسيعرفنا في الحلقات القادمة على الكتاب الذي شرع في تاليفه عن نقد الخطاب السوداني المعاصر.
    وقد ابرز لنا لطيف نقطتين هامتين :
    الاولى بان دريدا هو فيلسوف وليس ناقدا . وان الذي ادخل التفكيك الى النقد هو بول دي مان. ولكن هذا لا ينفى ان دريدا ليس فيلسوفا بالمفهوم الكلاسيكي ,ولذلك اعترضت بعض الدوائر على اعتباره فيلسوفا.
    أما النقطة الثانية فتتعلق بالحوار بين المفكرين والعلماء.
    فقد أور عبداللطيف الاتي:

    Quote: دريدا : الفصل السادس عند دي سوسير فصل غير علمي


    فهل قول دريدا "غير علمي" هو عنف لفظي؟؟
    بالطبع لا
    وهذا درس بليغ لمن لا يعقلون

    وساعود لابداء بعض الملاحظات
    وارقدوا عافية

    المش==========----------===========---------==========----اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

18-10-2004, 10:14 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    اضافة للاشارة القيمة التي قالها لطيف عن ان دريدا هو اساسا فيلسوف وليس ناقدا كما يقول البعض ,
    أورد الاتي في التعريف بمقالة كتبتها سهى قدسي عن "موسم الهجرة الى الشمال" بعنوان:

    Season of Migration to the North: (Be)Longing, (Re)Location, and Gendered Geographies in Modern Arabic Travel Narratives
    وقد وردت ضمن:
    Source: Thamyris/Intersecting: Place, ####### & Race; 8/1/2003, Vol. Issue 1, p201,
    وقد ورد في تلخيص المقال الاتي:
    Quote: The analysis is based on the works of several literary theorists such as Edward Said, Homi Bhabha, Jacques Derrida,Paul De Man, Jalal al-Ahmad and Reza Baraheni.


    فقد صنف جاك دريدا باعتباره ناقدا أدبيا
    المش-=---------------------------------اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

19-10-2004, 03:09 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



في مساءلة الحداثة ومابعدها:حوار أم توطين أم انتاج؟؟ (Re: osama elkhawad)

    كان هدفنا من طرح اراء متعددة ومتناقضة في كثير من الاحيان عن الحداثة وما بعدها ان نتامل في الصورة بكافة ابعادها.
    وهنا يطرح سؤال : كيف تهاجر الينا النصوص والخطابات من الاخر الغربي؟
    وكيف نستقبلها ؟
    طرح البعض كما بولا في رايه حول تجربة هجرة المقاربات النقدية الحديثة الى السودان مسالة الحوار مع تلك التيارات.
    وطرحنا كما في مصطلح عبداللطيف في دراسته عن عبدالحي مسالة توطين المصطلح.
    وهل من فرق بين الحور والتوطين؟ أم هما دالان مختلفان لمدلول واحد؟

    صاحب "المرايا المحدبة" يقترح بديلا اخر يسميه الاستيراد!!
    ويبقى السؤال الاهم الذي ينبغي ان يجيب عليه الرافضون لهجرة المقاربات الحديثة وايضا الاصوليون من الاسلاميين:
    ولماذا لا ننتج ونكتفي في أحسن الأحوال اما بالحوار أو التوطين؟
    ومن اي منطلق تتم محاورة النصوص المهاجرة؟
    وما هي القوانين التي تحكم توطين المصطلح؟؟

    وها نحن لم نفرغ بعد من مساءلة الحداثة حتى القت ما بعد الحداثة رحالها؟
    والى متى سنظل نلهث كي نحاور أو نوطن أو نستورد؟؟؟
    وسأعود

    المش================--------------===========اء

    (عدل بواسطة osama elkhawad on 19-10-2004, 03:12 PM)

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

19-10-2004, 04:06 PM

Bashasha

تاريخ التسجيل: 08-10-2003
مجموع المشاركات: 16263
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    اسامة تحياتي،

    مع احترامي الشديد لامكانياتك الكبيرة، مرة واحدة نفسي اعرف، علاقة ده كلو بي واقعنا، او مشاكل واقعنا، في اي مستوي تختار، شنو؟

    ده ياهو ذاتو اجترار مهضومات الكرشة العربية، للثقافة الغربية، الاتكلم عنو، ود المكي!

    من جانبنا، لازلنا نصر علي استحالة استيعاب واقع عصرنا، من حيث الثقافة المهيمنة، من دون وعي عميق بي شخصيتنا الثقافية، كافارقة!

    If you don't stand on something, then you fall for anything!0

    فيا اسامة وبحكم مركزيتك الاوربية الكاملة، فانت تماما كما الميت بين يدي الغاسل، في تناولك اللانقدي لانتاج العقل الغربي والثقافة الغربية.

    حتي هنا، تناولك تام بعيون عربية، حيث لم تفعل اكثر من القطع واللصق!

    يسار ويمين السودان القديم، ظل وعلي مدي نصف القرن الماضي، يقطع او يلزق فقط!

    ليه؟

    لانو العقم الفكري، هو اولي ثمار طحلب فقدان الهوية!

    مع خالص الود.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

19-10-2004, 09:27 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    تحدث الصديق بشاشة عما قمنا به باعتباره قطعا ولزقا حين قال:

    Quote: فيا اسامة وبحكم مركزيتك الاوربية الكاملة، فانت تماما كما الميت بين يدي الغاسل، في تناولك اللانقدي لانتاج العقل الغربي والثقافة الغربية.

    حتي هنا، تناولك تام بعيون عربية، حيث لم تفعل اكثر من القطع واللصق!

    يسار ويمين السودان القديم، ظل وعلي مدي نصف القرن الماضي، يقطع او يلزق فقط
    !

    وماذا تسمي -يا بشاشة- الكتب التي تصدر وهي تحتوي مقالات متنوعة لكتاب مختلفين ؟
    هل ترى انها من غير فائدة؟
    وألا تقف الذائقة خلف الاختيار؟؟
    وهل لكل من هب ودب ان يفعل ذلك ويجيده بحيث يكون مفيدا للناس؟؟؟
    اذا كنت انت ملم بكل ما قمت انا بلصقه فهناك من يرون ان ذلك كان مفيدا جدا كما قال الصديق تراث,
    وبناء على ذلك القطع واللصق اقاموا حلقة نقاش ثقافية في صنعاء باليمن؟؟

    اما قولك الاتي نقلا عن شاعرنا الكبير محمد المكي ابراهيم:
    Quote: مع احترامي الشديد لامكانياتك الكبيرة، مرة واحدة نفسي اعرف، علاقة ده كلو بي واقعنا، او مشاكل واقعنا، في اي مستوي تختار، شنو؟

    ده ياهو ذاتو اجترار مهضومات الكرشة العربية، للثقافة الغربية، الاتكلم عنو، ود المكي!

    فارى ان محمد المكي ابراهيم قد عمم المسالة.كما انه لم ينتقل من التوصيف الى تلمس اسباب المشكلة اصلا.
    بالنسبة لي شخصيا ما عدت في حاجة لما نقلته,
    وقد حرصت على ايراده بالعربية حتى تعم الفائدة.

    انا جاييك يا بشاشة للكلام عن مساءلة الحداثة من خلال الواقع السوداني.
    والواقع الذي نواجهه ليس مقتصرا على السودان او العالم العربي ,
    بل يشمل كل العالم الثالث.
    فهل نحن امام ثقافة عولمية يؤسسها الاخر الغربي؟

    ولماذا ظللنا عاجزين عن الانتاج النظري؟؟
    Quote: أما ما ظللت تردده عن مركزيتي الاوروبية
    فهو كلام عار تماما من الصحة
    والا لماذا طرحت سؤال الحوار والتوطين؟؟
    ولماذا طرحت السؤال عن انتاجنا النظري؟؟
    كل تلك الاسئلة كانت تمهيدا لما ساطرحه حول راي في ما بعدالحداثة.
    وهو راي لا يمكن انأقوله في جملة او فقرتين كمايرى بعض التبسيطين ,
    فهو سؤال لانملك عليه الاجابة بنعم او لا ,
    لكننا سننبه الى العوامل الكثيرة التي يجب وضعها في الاعتبار حتى لا نجيب بنعم او لا ,
    بل حتى تتضح لنا تعقيدات المسألة برمتها.
    مع تقديري
    وساعود
    المشاء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

20-10-2004, 12:52 PM

Sinnary

تاريخ التسجيل: 12-03-2004
مجموع المشاركات: 1418
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    الأخ/ بشاشا

    أنا أعتقد أنك بإنحيازك المتطرف لمركزية إفريقية لا تفرق عن غلاة الايديولوجيين العروبيين والدين قد يملكون تبريرات أحضر مما تملك إستنادا علي تغلغل التأثيرات العربية في ثقافتنا مقارنة بالإفريقي فيها، وتعاطينا تاريخيا مع عمقنا العربي بما تمثله اللغة العربية من إمكانات كان الأكثر بروزا وثراء ، هل تعتقد لو تناولنا نفس المادة من مصادر تكتب بالسواحلية أو الفرنسية أو الانجليزية ستجد من يحفل بمنحها بعض الوقت تفكيكا لطلاسمها ، اللغة العربية وحتي إشعار آخر هي المماسك الثقافي الدي نتداوله وعبره...هنالك حاجة ماسة في راهن ما بعد الحداثة أو متوسع الحداثة علي رواية أخري إلي إتاحة الفرص للأنا ولنزعات الاستقلال الهوويوية، الآن هناك ثورة علي مرجعيات الحاضر ، رفع غطائه والبحث عن التحتي والمغمورعندما لم يحقق الحاضر أي شئ بأيدولوجياته وخطابيته المملولة
    أخي بشاشا أراك تناطع شمالا ويمينا لا تفرق بين صديق أو عدو ، بين من في خندقك أو في خندق الآخر ، أرجو أن تحاول نقدا وحوارا مع الداخل عن ملائمة ما تكتبه لما ترجوه
    المادة التي حفانا بها الاخ الواسع الثقافة أسامة لا تستحق في أقل الأقل إلا الإحتفاء بهما وليس الشتيمة فهو أحد تنويري البورد إتفقنا أو إختلفنا معهم ، فكيف نشطب عبرة جملة من ثانيتين جهد الساعات الطوال والبصارة بالأمر
    لا يا بشاشا لا
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

20-10-2004, 06:16 AM

Bashasha

تاريخ التسجيل: 08-10-2003
مجموع المشاركات: 16263
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    Quote: انا جاييك يا بشاشة للكلام عن مساءلة الحداثة من خلال الواقع السوداني.


    اها، ده بالضبط الانا عاوزو منك او منتظرو.

    لعلك تتفق معي ان ماتم عرضه "حتي الان" لايخرج عن كونو مساءلة بعيون عربية، ولذلك ممكن استخدام هذه المادة في اليمن، وليس السودان، الا بافتراض ان واقعنا الثقافي الافريقي، هو امتداد لي واقع الثقافة العربية والعقل العربي، حسب التسليم المتداول، رسميا وشعبيا.

    بالمناسبة دي اذكرك اتفاقنا القديم علي الحوار حول الهوية، لكن ماهسي، لانو الكوتة الحالية من حيث الوقت المخصص للمنبر من جانبي، قربت تنتهي!

    كشئ جانبي، ورغم اختلافنا الجذري، بشوف فيك جوانب من شخصيتي، بالذات قدرتك العالية علي تحمل جمر كانون الصراع الفكري، او ده بي دورو بيرفع درجة حرارة الwarm up من جانبك.

    البرود ده بي دورو بيدي انطباع خاطئ بالغرور والتعالي!
    فمصيبتك مصائب، لا ايدك لا كراعك!
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

20-10-2004, 05:38 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    شكرا أخي سناري على توضيحاتك الثاقبة بخصوص المركزية الافريقية,

    وأيضا بخصوص المادة التي لم يراعي صديقنا بشاشة-حتى اجر المناولة الذي قمنا به- ,

    دعك عن "البصارة" والتي هي بالتاكيد خلاصة الجهد والموهبة والقراءة والتامل العميق.

    فبشاشة-سامحه الله- كان يعتقد ان اي قارئ بامكانه تقديم نفس المادة من خلال القطع واللصق فقط!!!!!

    وأعرف الكثير من القراء الذين قاموا بطباعة المواد التي نشرتها ,
    وأكثر منهم الذين "سيفوا" المادة الى حين التمكن من طباعتها.

    وأسمح لي بهذه المناسبة ان احكي الواقعة التالية:
    ذهب احد ميكانيكيي السيارات الناجحين الى احدى الدول حديثة الثراء.
    وكان من الفراسة العملية -لخبرته الطويلة وموهبته-بحيث يعرف الخلل في الماكينة من الصوت فقط واحيانا بتوجيه بعض الاسئلة القصيرة للتاكد من "تشخيصه" للعطل. وحين يتفاوض مع الزبائن حول السعر ,كانوا يحتجون عليه ,اذ كيف ياخذ الثمن الذي طلبه مقابل هذا التشخيص السريع.
    وحين تراكم الامر عليه ووجد انه مديون نتيجة المبلغ الزهيد الذي اصبح يتقاضاه من الزبائن ,
    أصبح يكذب عليهم ويقول لهم مروا علي بعد يومين فالامر يحتاج الى فحص دقيق,
    وما دروا لجهالتهم انه يوفر عليهم وقتا , وايضا مالا وراحة بال,
    اذ انهم لم يكونوا بحاجة لان يعرضوا العربة بعد ايام الى التصليح وهي تعاني من نفس العطل الذي لم يعالجه الميكانيكيون ذوو الخبرة والموهبة القليلة.
    فتأمل!!!!!

    مع خالص تقديري
    وأرقد عافية

    وأرقد عافية

    المش=================-----------===========----------=====اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

22-10-2004, 09:50 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    كما قلنا سابقا فان من اهداف هذا البوست مقاربة اشكالية الحداثة وما بعدها

    وكان مخططا أن نسائل الحداثة في السودان كحالة لها خصائصها وتشابكاتها مع الظروف والسياق الذي اندرجت فيه الحداثة,
    والقاء الضوء على الشروط التي واكبت عملية التحديث في السودان.

    ولكننا سنؤجل هذا الامر قليلا حتى نسلط الاضواء على الاخطاء الفادحة التي ارتكبها الاخ الفيا في بوسته :تفكيك:موت جاك دريدا حتى نجب القارئ غير المتخصص مغبة الانسياق وراء تلك الاخطاء ,

    وهذه مسؤولية اخلاقية وعلمية في المقام الاول.
    واخطاء الفيا تتعلق بالترجمة الخاطئة والفهم الخاطئ للمصطلحات

    وسننبدا بعد قليل

    المش----====-----===-----------==اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

22-10-2004, 10:53 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



الخطأ الاول و الثاني (Re: osama elkhawad)

    الخطأ الأول:
    قبل ان نتحدث عن الخطأ الاول نشير الى مسالة ايراد النصوص الانجليزية خلال الدراسة وهي اصلا مسالة لا داعي لها وتخلق تشويشا للقارئ,
    واذا كان لابد –وليس من بد في ذلك – فكان يمكن ايرادها في الهوامش.واصلا ليس هناك من داع بحثي.

    يتمثل الخطأ الاول في الترجمة الخاطئة لعبارة دريدا الاتية:
    "From the moment that there is meaning there are nothing but signs.
    وقد ترجمها الفيا كالاتي:
    في عالم التفكيك لا حضور (وجود ) سوي للعلامات :الوجود المادي للاشياء والظواه
    والأصح:
    منذ اللحظة التي يتحقق فيها معنى,لاشيئ سوى العلامات.

    أما الخطأ الثاني فهو اصطلاحي.
    فقد عرف الفيا العلامة بأنها الوجود المادي للأشياء والظواهر.

    والأصح ان المقصود هنا العلامة اللغوية Linguistic Signذلك ان السياق مرتبط بالمعنى.
    وتتكون العلامة اللغويةمن ثلاثةعوامل:
    االعامل الاولٍ Signifier هو الدال ايsound-image.
    العامل الثاني Signified هو المدلول أي المفهومConcept .
    العامل الثالث هو المرجع Referent وهو الموضوع الحقيقي.
    فالوجود المادي للأشياء والظواهر هو المرجع Referent وليس العلامة Linguistic Sign والتي هي جماع لكل تلك العوامل الثلاثة.
    وقد سمى دي سوسير العلم الذي يدرس العلامات بالسميوطيقيا Semiotics.

    وسنواصل رصد اخطاء الفيا
    المشاء

    (عدل بواسطة osama elkhawad on 22-10-2004, 10:57 PM)

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

23-10-2004, 08:15 AM

Bashasha

تاريخ التسجيل: 08-10-2003
مجموع المشاركات: 16263
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    سناري تحياتي

    قلت لي:

    Quote: أنا أعتقد أنك بإنحيازك المتطرف لمركزية إفريقية


    طيب، من جانبي لا استغرب ان يوصمونا، امثالك القادمين من مواقع المركزية العربية بالتطرف لمجرد اصرارنا علي ان نكون انفسنا رافضين السطو علي هوية الغير.

    طبعا عبارة امثالك مامقصود بيها شخصكم، لانو نمط تفكيرك هو القاعدة بل اساس الدولة الجهوية الحالية،دستورها وعلمها بل نشيدها الوطني ولافرق فيما اتصل بوهم العروبة، بيسارها، وسطها، او يمينها.

    في وضع غريب كهذا، لاغرابة اطلاقا ان نبدو لكم نحن القادمين من مواقع المركزية الافريقية، كمتطرفين!

    ثم غير كده ياسناري، التطرف المفترض هذا ارحم او مبلوع من وهم عروبتكم هذا ياعزيزي!

    بعدين وكمعلومة اضافية، في فهمنا السودان هو اصل الدوحة الافريقية، وما عداه فروع فقط!

    نعم السودان هو الموطن التاريخي لكل الافارقة، وتأكيدا لهذا التقاليد المروية او الOral Tradition لكل شعوب القارة تشير للسودان الحالي كموطن للاجداد.

    من دون السودان، الذاكرة الجينية للافريقي، Africa is a headless chicken كما قال احدهم.

    هذا الاستطراد الغرض منه توضيح مدي مركزية واهمية افريقية السودان للافارقة والسودانيين علي السواء. كل الموت البلملاييين الفي بلدنا، سببو اختلال هذه الحقيقة المحورية، الفي نظركم تطرف.

    وللدقة نقول في نظر من يرون الوجود بعدسات لاصقة، عربية!

    فاذا كنا كدعاة مركزية افريقية غرباء بينكم اليوم، فتأكد كيف ماهو قاعدة اليوم، فهو الاستثناء غدا! وماهو استثناء اليوم، فهو القاعدة غدا! عليه، بينما نحن قواعد الغد القادم، فانتم استثنائيه القادم!

    نعم بينما نزحف نحن باتجاه الحركة الحالية للتاريخ في وطنا، الجاري مجري النيل، فانتم تسبحون ضد تياره الجارف!

    اماكلامك عن تغلغل متخيل للثقافة العربية، مقابل الثقافة الافريقية، فهو لايخرج عن كونو تصور مسبق لاوجود له علي الاطلاق.

    بالذات لمان يجي اليوم او نعرف كيف، الثقافة السودانية، او الكوشية تاريخيا صاغت الثقافة العربية، حتي قبل عبورها "المتخيل" للبحر الاحمر!

    وجودنا كبشر، وكأول حضارة علي سطح هذا الكوكب، سابق للوجود العربي والثقافة العربية، بمئات الالاف من السنين، حتي في الجزيرة العربية نفسها!

    تقول لي تغلغل؟

    ادوها صنة ياخي!

    اماكون بشاشا "يناطع" يسار ويمين السودان العروبي المصري الانجليزي، الجهوي، فهذه حقيقة مع استبدال تعبير "يناطع" بي يقاتل.

    اما مادة الاستاذ اسامة، فتستحق الاحتفاء من العروبيين امثالكم، وهو التيار الغالب في هذا الفضاء، وليس من امثالنا!

    ذي الكلام ده مع احترامي لي مجهود اسامة وامكاناته العالية جدا، فشهرا مالينا فيهو، ولذلك لانعد ايامو! اسامة نفسو اقر ويقر الموضوع تم تناولو، بعيون وعقل عربي!

    اما احترامنا لي امكانيات الاخ اسامة فمثبت ومعلن من قبل، كهلال مريخ هذا الفضاء، هو والعجب، رغم اختلافنا الجذري مع الاثنين، وان كان عجب اقرب لينا بعض الشئ مقارنة بي اسامة من حيث المرجعية.

    فاللهم اعز المركزية السودانية باحد "العمرين"، عجب واسامة عيييييييييييييك!!!!!!!!!!!!!!!!!!
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

24-10-2004, 04:07 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



نواصل الحديث عن فهم الفيا الخاطئ (Re: osama elkhawad)

    نأسف لانقطاعنا نسبة لانشغالنا بندوة الدكتور عبدالله على ابراهيم.
    نواصل الحديث عن فهم الفيا الخاطئ لمصطلح العلامة اللغوية.

    اضافة لما ذكرنا سالفا,
    فان الفيا لم يستوعب مفهوم العلامة اللغوية.
    فتارة يعتقد ان العلامة هي "الدال" مثل قوله:
    Quote: وبنفس القدر ان الاولوية في التفكيك للعلامة ( الدال ) للشيء ، للظاهرة وليس المدلول او لمعني او حقيقة هذا الشيء .اللغة هي الغاية في ذاتها وليس الغاية المعاني والمفاهيم التي تعبر عنها .فلا معني وانما علامة
    .
    وقبل ان يجف الحبر الذي كتب به ان العلامة هي الدال,
    نجده يقول في الجملة التي تليها مباشرة كلاما اخر
    فهو يقول ان الدال هو الكلمة كما في قوله:

    Quote: التفكيك هنا هو تقويض بينة العلامة بفصل الدال (الكلمة ) عن المدلول (المعني )


    ومن هنا يتضح ان سوء الفهم مركب:
    سوء فهم للعلامة اللغوية,
    وسوء فهم للدال,
    واخيرا سوء فهم للمرجع.

    ان الانطلاق الى مقاربة كيف انتقد دريدا دي سوسير لا يمكن ان يتم اذا كان الباحث لا يعرف مصطلح العلامة اللغوية.
    وما ترتب على ذلك من كلام دريدا حول ان الكتابه يتم فهمها على أنها ملحق للغة,والتي تكتسب معناها من الكلام.وعلى ذلك فان الكلام وضع في مركز اللغة بينما وضعت الكتابة كطرف للغة.فالكتابة بحسب التمركز اللوغوسي هي تمثيل خارجي للكلام.
    ومن ثم يصل دريدا الى مفهوم ميتافيزيقيا الحضور.فالكلام حسب تلك الميتافيزيقيا هو الحضور لانه يحضر للسامع,بينما ان الكتابة هي الغياب لانها لا تحضر للقارئ.
    ولذلك يرى دريدا ان الميتافيزيقيا الغربية تفضل الحضور على الغياب.

    وقد اثبت ذلك من خلال نقد سيميولوجيا هيجل التي تقلل من شان الكتابة مقارنة بالكلام.

    وكذلك من خلال نقد البنيوية الانثربولوجية لكلود ليفي شتراوس الذي ربط الكتابة بالعنف عند القبائل "البدائية".وهذا ما أسماه دريدا بالتمركز الاثنولوجي.

    كما انتقد مفهوم "البدائي" النبيل" من خلال خطاب جان جاك روسو.
    وانطلاقا من كل ذلك فان تفضيل الرجل على المراة عند فرويد متربط بالميتافيزيقيا الغربية وتفضيلها للحضور على الغياب,اذ ان الرجل –تبعا لميتافيزيقيا الحضور –مفضل على المراة لان القضيب حاضر عند الرجل وغائب عند المراة.
    من كل ذلك نرى انه لا يمكن لباحث يجهل و"يلخبط" مفهوم العلامة اللغوية يمكن له ان تكون له ادنى درجة من الكفاءة بحيث "يشرح" تفكيك دريدا للقراء.
    وسنعود للحديث عن بقية الأخطاء
    وأرقدوا عافية
    المشاء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

24-10-2004, 01:21 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    بعد ان ابنا كيف ان الفيا له أفها م عديدة خاطئة لمصطلح العلامة اللغوية ها هو الان ينتقل الى الفرنسي الاخر جان فرانسوا ليوتار في كتابه أو بالاصح في كتيبه المهم والذي يتكون من عنوان رئيس هو وضع ما بعد الحداثة
    أما العنوان الفرعي والذي لم يذكره الفيا فهو:
    تقرير عن المعرفة

    وهذا العنوان الفرعي مهم فهو يوضح الموضوعة التي سيركز عليها الكتاب وما يترتب على ذلك من تفسيرات كثيرة تضع الكتاب مرة في خانة سوسيولوجيا المعرفة وتارة في خانة نظرية الميديا وأحيانا كثيرة تربطها بعلم البيداقوقيا وفوق ذلك ترى ان الكتاب اصلا يقارب وضع المعرفة في مرحلة مهمة من تطور الراسمالية والتي اصبحت تعتمد على شبكات الكمبيوتر.

    وتم تبني مباحث جديدة ترتكز على مفاهيم لوتار ودريدا ,
    وسنتطرق الى تفاصيل ذلك في وقت لاحق. لنرى فصلا جديدا من الورطة التي ورط فيها الفيا نفسه بادعائه أنه اضطلع على المناهج الحديثة في مصادرها الاصلية.
    وهو ادعاء فيه –أو بالاصح انه كله-نوع غير مقبول من عدم الامانة العلمية.

    وساعود بعد ندوة مبارك الفاضل في واشنطن
    المشاء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

25-10-2004, 00:55 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



ونقلها "بضبانتا":عن الأفهام الخاطئة (Re: osama elkhawad)

    أورد الفيا العبارة الاتية لليوتار نقلا عن كتابه"الوضع ما بعد الحداثي-تقرير عن المعرفة"
    Quote: "The object of this study is the condition of knowledge in the most highly
    developed societies
    "
    وقام بترجمتها كالاتي:
    Quote: ان ما بعد الحداثة حالة خاصة تتنكب؟ المجتمعات المتقدمة جدا.
    -علامة الاستفهام من عندنا-كاتب البوست-
    والاصح ان الترجمة كالاتي:
    موضوع هذه الدراسة هو وضع المعرفة في المجتمعات المتطورة جدا.

    والمعروف ان العنوان الفرعي لكتاب ليوتار هو:
    تقرير عن المعرفة
    ولم يذكر الفيا العنوان الفرعي,ولذلك لا يعرف ان الكتاب مخصص اساسا للحديث عن المعرفة في مرحلة ما بعد الحداثة مقارنة بوضعها -أي المعرفة-في مرحلة "الحداثة".
    ويبدو انه-لم يقرأ الكتاب- وعثر فقط على شذرات منثورة هنا وهناك في الانتنرنت.
    وهي بالتاكيد-أي تلك الشذرات الانترنتية- لا تساعد القارئ على الالمام بجوهر المادة وتفاصيلها.ولذلك لم يوفق في تلك الترجمة اللهم الا في عبارة "المجتمعات المتقدمة جدا".
    وسنعود لمسألة السطو من الانترنت لاحقا.

    ونأتي الان الى ترجمة مصطلح "Metanarratives"
    السرديات الكبرى "Metanarratives" هو مصطلح اطلقه ليوتار لوصف ما يعنيه بكلمة "الحديث" اي "Modern" .
    وقد ذكر الفيا ان المترجمين العرب يترجمونه "السيرورات الكبرى" حين قال:
    Quote: والترجمة الشائعة في الكتابات العربية هي :السيرورات الكبري .

    وهذا الكلام غير صحيح اطلاقا ,
    وذلك لسببين:

    السبب الأول ان الفيا أورد الترجمة الشائعة في الكتابات العربية وهي "السرديات الكبرى" في ما اقتطفه من ترجمة لكتاب لايرى ايجلتون كالاتي:
    Quote: " ما بعد الحداثة هي اسلوب في الفكر يبدي ارتيابا بالافكار والتصورات الكلاسيكية كفكرة الحقيقة والعقل والهوية والموضوعية والتقدم او الانعتاق الكوني والاطر الاحادية والسرديات الكبري او الاسسس النهائية للتفسير

    ويبدو ان الفيا لم يقرا هذا الكلام جيدا,
    والا لما قال ان الترجمة الشائعة هي "
    Quote: السيرورات الكبرى
    ".

    أما السبب الثاني فهو أن كلمة سيرورات هي ترجمة لكلمة Processes
    وهناك -كما يلاحظ القارئ-فرق كبير جدا بين كلمة"سيرورة" وكلمة"سردية",

    ومن الواضح -كما يرى القارئ-ان السرديات الكبرى هي ترجمة موفقة لكلمة"Metanarratives
    والمعروف ان السرد هو مصطلح لاتيني المنشأ,وأتى الى الانجليزية عبر الفرنسية.ويعني السرد قصة او جزء من قصة محكية أو مكتوبة او متخيلة من وجهة نظر احد المشاركين او المراقبين وقد تكون غير حقيقية.

    فالسردية الكبرى هي عبارة عن قصة تحاكم القصص وتحدد ما هي المركزية والمقبولة.وتقوم السرديات الكبرى-حسب فهم ليوتار- بمنع القصص الهامشية من تدمير النظام الثقافي.
    ومصطلح السردية الكبرى شاع في الخطاب النخبوي للاشارة الى مفهومين:
    المفهوم الاول هو مفهوم الايديولوجيا.
    أما المفهوم الثاني فهو مفهوم رؤية العالم.
    وقد كف ليوتا ر لاحقا عن استخدام مصطلح السيرورة الكبرى.

    وقد يسأل القارئ:
    لماذا هذه الافهام الخاطئة؟
    ارى ان ذلك ناجم ان الفيا لا يستوعب ما يقرأة جيدا كما راينا في حالة "السرديات الكبرى "فهو قد اوردها في استشهاد منقول عن ايجلتون ,لكنه لم يلحظ ذلك .
    أو انه قام بلصق الاستشهاد دون قراءته بحسبانه يحتوى على معلومة عن "ما بعد الحداثة",
    ولكن ما هي المعلومة,وما هو الغرض -أصلا-من ايرادها فهذا غير مهم.

    ومسالة اللصق ايضا يمكن ان نلحظها في الدراسة التي وعد بها القراء
    فهو مثلا قد طرح السؤال التالي:
    Quote: اذا كان التفكيك يهدف الي تقويض سلطة العقل destruction the rules of reason والتفكير العقلاني ، فلماذا كل ذلك ؟!

    ورسم بعد ذلك مخططا للاجابة عن ذلك السؤال حين قال:
    الاجابة علي هذا السؤال تقتضي الحديث عن ، ما بعد الحداثة التي يندرج تحتها التفكيك ، ثم المقارنة بينها وبين الحداثة.
    ولم يلتزم الفيا بذلك المخطط, الذي يقتضي ان يتحدث اولا عن "مابعد الحداثة ثم يقارن بينها وبين الحداثة
    فعوضا عن ذلك -مع ان الكاتب بمسكوا من كلامو- ,
    ابتدا بلصق كلام كتبه قبل ذلك عن الحداثة.
    وبعدها اورد الاتي بدون اي تمهيد بعد لصقه لكلامه عن الحداثة:
    Quote: من المهم جدا ان نورد حديث الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ليوتار في كتابه الذي اطلعت عليه مؤخرا :The Postmodern Condition
    والذي صدر لاول مرة سنة 1979

    ولم يوضع لماذا من المهم ان يفعل ذلك.
    فهو-أصلا-قال "من المهم" لكي يلصق بعد ذلك ما عثر عليه صدفة في الانترنت.
    وبعد ذلك قال الاتي بدون اي تمهيد:
    Quote: ولعله من المناسب ان نورد ايضا تعريف ما بعد الحداثة عند تيري ايجلتون ،استاذ نظرية الادب بجامعة اكسفورد في الذي صدرت طبعته الاولي سنة 1996 مة العربية

    فهو قال "من المناسب" ولم يوضح لنا لماذا ان ذلك مناسب,
    فهي-أي كلمة "مناسب"- كانت فقط حيلة لكي يلصق بعدها ما عثر عليه صدفة في الغابة السايبرية.
    وأما ان يكون الكلام في ما أطلق عليه"دراسة" متسقا ومتساوقا ومتجانسا,
    فان ذهنية اللصق لا تضع ذلك في اعتبارها.

    ويمكن ان نلحظ مسالة السطو واللصق -أيضا - في ما أورده الفيا عن رسالة دريدا لصديقه الياباني.
    فهو قد نقلها-أي الرسالة- من الانترنت,ثم قام بنقل المعلومات الواردة عن الكتاب الذي وردت فيه رسالة دريدا.
    وكان عليه ان يورد اسم الموقع الالكتروني.
    ولكنه لم يفعل ذلك ,
    وحاول ايهام القارئ بانه قرا كتاب دريدا الذي وردت فيه الرسالة بايراد المعلومات الاتية عن كتاب دريدا:
    Quote: نشرت رسالة دريدا الي صديقه الياباني حول التفكيك في :
    Derrida and Differance, ed. Wood & Bernasconi, Warwick: Parousia Press
    1985, p. 1-5

    ولو زار القارئ الموقع التالي فسيجد ان الفيا نقل القصة "بضبانتا" :
    http://lucy.ukc.ac.uk/Simulate/Derrida_deconstruction.html
    _________________________________________________________________________________
    وبعد,
    حاولنا تصحيح الاخطاء التي وقع فيها الفيا حتى لا يتم تضليل القارئ غير المتخصص.
    ونحب أن ننوه ان تصحيحنا لتلك الاخطاء لا يعني بالضرورة أننا نتفق مع كل ما قيل.

    وسنعود لموضوعنا عن مساءلة الحداثة السودانية

    و حتى ذلك الوقت ,
    أرقدوا عافية

    المش=-----====------------==========---------
    اء

    (عدل بواسطة . on 07-11-2004, 05:59 PM)

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 04:31 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



أحياء ذكرى "دريدا" (Re: osama elkhawad)
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 05:44 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



بالجمع وليس بالمفرد:عن دريدا وماركس (Re: osama elkhawad)

    كتاب دريدا عن ماركس المترجم للانجليزية عنوانه:
    Specters of Marx
    وقد قام الفيا بترجمته كالاتي:
    Quote: جاك دريدا طالب برد الاعتبار لهيجل وماركس وذلك في كتابه الذي فاجا الجميع :specters of Marx شبح كارل ماركس
    .
    وكرر نفس الخطا حين قال:
    Quote: صدر كتاب دريدا : شبح ماركس سنة 1993

    فكما يلاحظ القارئ فان العنوان هو بالجمع وليس بالمفرد
    فالاصح "أشباح ماركس"
    وقد صدرت الترجمة العربية تحت عنوان "أطياف ماركس"
    ولهذا لزم تنبيه القارئ

    المش==--==--==-اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 09:04 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



تماضر:أول الغيث (Re: osama elkhawad)

    كانت المبدعة تماضر اول المستيجبات لدعوتنا لاحياء ذكرى دريدا,وقد نشر اسمها بجوار اسمي مباشرة على يمينه كالاتي:

    Osama Elkhawad
    Poet and Literary Critic

    Tamador Gibreel
    self
    وكان عبداللطيف على الفكي هو اول الموقعين من المنبر الحر
    ويمكن الاطلاع على الموقعين بزيارة الموقع التالي:
    http://www.humanities.uci.edu/remembering_jd/index.php
    ونأمل في المزيد من التوقيعات

    المش---===--------===---------==اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 09:54 AM

Agab Alfaya

تاريخ التسجيل: 11-02-2003
مجموع المشاركات: 5015
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    Quote: فكما يلاحظ القارئ فان العنوان هو بالجمع وليس بالمفرد
    فالاصح "أشباح ماركس"
    وقد صدرت الترجمة العربية تحت عنوان "أطياف ماركس"
    ولهذا لزم تنبيه القارئ

    هون علي نفسك يا اخي وتنازل ولو مرة واحدة عن هذه الوصايا التي تمارسها علي القاريء المسكين ،

    فاي قاريء هذا في هذا المنبر ، لا يفرق بين المفرد والجمع في اللغة الانجليزية ؟؟؟؟!!!

    ان الترجمة فن ، واردأ انواع الترجمة هي الترجمة الحرفية والمترجم الحرفي مترجم فاشل .
    لقد فضلت شبح علي اشباح عن قصد ولاسباب تتعلق بصناعة وفن الترجمة .
    فعناوين الكتب لا تترجم حرفيا وهذه من الابجديات .

    اما المترجم العربي الذي ترجم عنوان الكتاب الي "اطياف ماركس ".فلم يوفق في اختيار كلمة اطياف وجرد بذلك الكتاب من مضمونه ، اذا اخذنا في الاعتبار ان دريدا يرد في هذا الكتاب علي فوكاياما الذي يزعم انتصار الراسمالية الليبيرالية الي الابد . فيذكره دريدا ان خطر ماركس علي الراسمالية لا يزال ماثلا .
    اضف الي ان كلمة شبح هي الانسب لوصف خيال الميت ، فيقال اشباح الموتي وليس اطياف الموتي .اما الطيف فمتعلق في الغالب بخيال وذكري الانسان الحي : طيف الحبيب، اطياف الذكري الخ ..

    وهذه بمثابة دعوي لك بالرد والتعقيب في البوست الاصلي
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 10:11 AM

Nagat Mohamed Ali

تاريخ التسجيل: 30-03-2004
مجموع المشاركات: 1244
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    الأخ العزيز عبد المنعم عجب الفيا
    لي سؤال محدد أوجهه إليك: هل قرأت "أشباح ماركس" لجاك دريدا، سواءً بالعربية أو الإنجليزية؟
    أراك تعتمد في "دراستك" لجاك دريدا على تلخيصات وقراءات الآخرين. ولو كنت قرأت كتاب دريدا لما كتبت "شبح" بدلاً من "أشباح". لم تكن الكلمة التي أرادها دريدا في صيغة الجمع عبثاً. وإلا لكتبها في صيغة المفرد.
    "أشباح ماركس" هي الترجمة المعادلة تماماً للعنوان الأصل. وهي الترجمة المعادلة في النسخة الإنجليزية.
    وجاك دريدا معروف بأنه علمٌ في اللغة الفرنسية، ومشهودٌ له بالدقة الفائقة في اختيار مفرداته.
    لاحظت أن دراستك كانت مستعجلة، فقد وعدت قراءك بإعدادها خلال أيام، ثم بدأتها في اليوم التالي. وقد استغربت كثيراً في أن يتصدى إنسانٌ لكتابة موضوع عن كاتب في عظمة جاك دريدا معتمداً على قراءات متعجلة، من بينها مقالات صحفية!!
    نجاة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 11:11 AM

Agab Alfaya

تاريخ التسجيل: 11-02-2003
مجموع المشاركات: 5015
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    الاستاذة نجاة ارجو ان تشرفينا في البوست الاصلي حتي اتمكن من الرد
    علي هذه الملاحظات وشكرا
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 11:21 AM

Nagat Mohamed Ali

تاريخ التسجيل: 30-03-2004
مجموع المشاركات: 1244
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    الأخ عبد المنعم
    جاء تعقيبي على مداخلة لك في هذا البوست. وبالنسبة لي ليس هناك بوست أصلي، وآخر غير أصلي. كلامي هنا جاء تأكيداً على ملاحظة أسامة الخواض، التي هي ملاحظة صحيحة.

    شكراً على دعوتك.
    ومتى ما رأيت أن لي رغبة في الإدلاء بدلوي في البوست الآخر، فسأكتب.
    نجاة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 11:32 AM

Agab Alfaya

تاريخ التسجيل: 11-02-2003
مجموع المشاركات: 5015
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    الاخت الاستاذة نجاة

    ليس المقصود من كلمة الاصلي تفضيل بوست علي بوست كما تبادر اليك
    وانما المقصود تشريفنا في البوست محل الملاحظات والتعليقات الواردة
    هنا ،

    والف مرحب بك في اي لحظة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 06:57 PM

elfaki

تاريخ التسجيل: 20-11-2003
مجموع المشاركات: 128
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: Agab Alfaya)

    قبل أن أستأنف كلامي أعلاه في " مذهب التفكيك " أودُّ أن أشير الى ثلاث نقاط . و هنَّ نقاط مهمة في فهم كتب دريدا.
    (1) تعتمد فلسفة دريدا على قراءة نصوص في الفكر [الغربي] . و هذه النصوص تختلف مجالاتها . لكن عند دريدا هذا الاختلاف لا يطعن في صحة القراءة . فهو أمام نصوص يقرأها ، بيدين ، يدٍ على إقامة مذهبه الفلسفي نفسه و يدٍ أخرى في تتبع ذلك [الأثر] من تلك النصوص . و هو الأثر الذي يمتد منذ أفلاطون . في هذا الأثر يكتشف دريدا سيطرة التفكير (الميتافيزيقي) في الفكر الغربي . و من ثمَّ تصبح الإواليات الأساسية في مذهب التفكيك هو تفكيك أن نفكر تفكيرا ميتافيزيقيا .

    هذه النقطة تقودنا الى شيئين : أولاَ ، أنَّ الفلسفة لم تعد خاضعة للتأمُّـل المطلق المتسامي . فلا شيء خارج النصوص . بالجملة لايوجد تفكير خارج النصوص . و لايمكن لنص أن يتشكَّـل خارج النصوص الأخرى . هذه الشبكة (النصوصية) ، إن صحَّت النسبة لغويا ، هي التي يصيغ في ضوئها دريدا مصطلحاته و مفاهيمه . و إن لم نضع في بالنا هذا الاطار النظري أو بعبارة أدق ( مبدأ النظر عند دريدا ) سوف نقرأ ما يقوله ليس ارتباطاً بهذه [الشبكة النصوصية] و إنما ارتباطاً بمفاهيم قديمة أولها كل شيء في التفكير قائم على الاطلاق . أو ارتباطاً بمفاهيم حديثة أولها كل شيء في التفكير قائم على البنية . و هذان الارتباطان هما اللذان يجعلان بعض المثقفين الغربيين أن يقولوا بصعوبة كتب دريدا. و بعض المثقفين العرب أن يشرحونه بما لم يقل و لم يكن في مظانِّه : كأن يفهموا (الكتابة) التي يشير لها دريدا حصراً على الكتابة الإبداعية .

    ثانياً ، أنَّ قراءة دريدا للنصوص يمكن أن نطلق عليها ( قراءة التكريس ) . فهو يقرأ ، على سبيل المثال لا الحصر ، هيجل و نيتشه و هوسرل و هيدجر في مجال الفلسفة . و سوسير و روسو في كتابه أصل اللغات و دائرة جنيف اللغوية في مجال علم اللغة . و فرويد في مجال علم النفس . و بيرس في مجال المنطق .
    و على اختلاف هذه المجالات يكرِّس دريدا نفسه لبيان استراتيجة ذلك [الأثر] في
    (الشبكة النصوصية) شبكةً تمثل كيفية التفكير الغربي . و من هذا الموقع جاء التفكير في أمر (الكتابة النصوصية) في مقابل (الكتابة الصوتية) التي هي نظام خارجي برَّاني للنظام الداخلي الجواني ألا و هو الصوت اللغوي < اللغة في الدائرة الكلامية > .
    تقودنا هذه النقطة الأولى إلى القول بأنَّ دريدا لا تصلح معه مسألة التأثير بمن سبقه من الفلاسفة . لأن قراءة التكريس قائمة على قراءة تحليل و تأمل في الشبكة النصوصية و ليست هي بقراءة اقتباسات لإعادة ضمان ما يكتب . لأن المشروع هو مشروع الفكر الناقد لمن سبقه . يمكننا القول في هذه النقطة أنَّ عمل التفكيك عند دريدا أقل سلباً تجاه الميتافيزيقا من مفهومي " التحطيم " و " المسار العكسي " عند هيدجر و نيتشه . لأن هناك مفاهيم أساسية في الميتافيزيقا لا يمكن حذفها أو إزاحتها أو تحطيمها أو تسييرها عكساً .

    (2) لا يعني " مذهب التفكيك " ، بكل بساطة ، أن يعيِّن الحدود البنيوية للميتافيزيقا و يقول لك هذه هي على وجه التحديد . هذا ليس عمله . إنما عمله مشغول دائماً بالكشف عن مفارقات و تناقضات في مصادر نظام التفكير الميتافيزيقي و في محاوره الأساسية . و لطبيعة هذا العمل أود أن أشير الي النقطة الثانية و هي المعنية بأسلوب البحث نفسه عند دريدا. و نتذكر ، في هذه الحال ، أسلوب مشروع التفكير الناقد . فأسلوبه يمكن أن أطلق عليه [ أسلوب التذييل ] .

    فطريقة نحت المصطلح و استخدام العبارات عند دريدا طريقة قائمة على "التذييل" فما معنى التذييل ؟ . التذييل هو أن تذيِّـل المصطلح أو العبارة بالبحث الآيتمولوجي أو عن طريق (مداورة) الدال . و هذه المداورة مفهومة خطأ في الثقافة العربية بوساطة العبارة المضلِّلة : اللعب بالكلمات . فمداورة الدال ليست لعباً بالكلمات . لأن المصطلح له شغله في الدال نفسه . فمصطلح هيدجر على سبيل المثال لا تستطيع إلاَّ أن تعرِّبه قائلاً (الدازاين) و لاتستطيع أن تترجمه الى العربية . و ما على المترجم في هذه الحال إلاَّ أن يضيف هامشاً يبرز فيه مداورة هذا الدال في اللغة الألمانية . و الأمر نفسه يصلح عند دريدا في (differance ) التي لايعدها مصطلحاً أو عبارة أو مفهوماً . و هو عنوان المحاضرة التي قدَّمها دريدا عام 1968 م في الجمعية الفرنسية الفلسفية . ففيه سمة عالية في مداورة الدال يزيد من محقها إذا تُرجم الى (الفرق أو الاختلاف) في العربية . لذلك أفضل أن نعربه الى (الديفرانس). اقترح عليَّ الصديق محمد خلف في بداية اطلاعنا على هذه المحاضرة في الخرطوم عام 1983 م العبارة العربية (الفرغ) ما إذا كانت موفية لتغطية هذه المداورة أم لا . و ذلك بدلاً من (الفرق) . تنازل منها مؤخراً محمد خلف و ارتضى تعريب الكلمة .

    كيف كانت هذه المداورة عند دريدا في هذا المصطلح؟ . هذا السؤال سنرجئه بعد الكلام عن اتهام دريدا لسوسير في أمر الكتابة لماذا لم تكن نظاماً جوانياً ؟ .

    عندنا ملاحظة في هذه النقطة لأن دريدا و بارت و فوكو و لاكان كلهم يشتغلون بهذه المداورة الدالية ، فهل التفكير الذي لا لغة له عليه أن ينحصر في لغة المفكر؟. فمثلاً حين يتكلم بارت عن جمع النص و أنَّ النص (يقصد النص الادبي) لا بداية له أو نهاية يعتمد على آيتمولوجيا الكلمة في لغته التي تعني (النسج) فالنص مجموعة من الخيوط ، بل هو مجموعة من الأصوات ، فبأي خيط دخلت تدخل . بينما آيتمولوجيا الكلمة في العربية (رفع) . فالآيتمولوجيا في الفرنسية و الإنجليزية معنيَّـة بالتشكُّـل (أي : تشكُّـل النص) و في العربية إذا اتجهت هذا الاتجاه الآيتمولوجي - كما فعلت في دراسة سابقة عام1986 - فتعني إنتاج النص و ليس تشكله . و في هذه الحال النص مرفوع من اللغة الي الكتابة بالآيتمولوجيا في اللغة العربية . و هذا الشيء لم يفكر فيه بالطبع بارت . ناتي الى سؤالنا : هل مداورة الدال التي يسبغها الفكر في [الغرب] هي مداورة خاصة بهذا الفكر و في لغته ؟ . بصورة أخرى : لماذا يحصر هؤلاء المفكرون أدوات التفكير في لغتهم ؟ .

    يقودنا هذا السؤال الي النقطة الثالثة . و هو قياد لطيف علينا أن ننصفه باستعانة الصبر .
    (3) أصبح " التفكير " كما أشرنا في النقطة الأولى لا يخرج ممَّا أطلقنا عليه عبارة [ الشبكة النصوصية ]. و هذا التفكير يسير بطبيعة الحال مسارين: المسار الإنتاجي في صياغة المفاهيم و الإفادات و هي التي تشكِّل حركة الخطاب في تلك الشبكة (في مختلف المجالات) . و المسار التفسيري في صياغة نقد المفاهيم و الإفادات و هي التي تشكِّل حركة الميتاخطاب (قيد منهج معيَّن) .
    عندنا ، الآن ، الإنتاج و التفسير . و سوف أوضحهما في هذا المثال . هبه [ س] مثلاً يتحدث حديثاً هو ( ص ). و ( ص ) تنقد موقفاً معيناً هو( ك ). فإنَّ (ص) ، عند التمحيص و التدقيق ( تنتج ) ، لا وعياً من [ س] ، القواسم المشتركة مع ( ك) . لذلك يقال أنَّ (ص) و (ك) في موقع خطاب واحد بالرُّغم من المقدمات المختلفة بينهما . فالتفسير و الإنتاج في الشبكة النصوصية ليس مثلهما في اللغة . فأنا كمتكلم (أنتج) صوت السين ؛ فيأتي (المفسر) و يقول هو صوت مهموس . لذلك فمفهوم عبارة الشبكة في قولنا [ الشبكة النصوصية ] مناسب في تقاطعاته لحركتي الإنتاج و التفسير .

    فالمفكر حين يداور عبارةً ما في لغته في مستواها الصوتي و المورفولوجي و الآيتمولوجي ، ففي الظاهر يريد أن يرتفع بالعبارة من المفهوم المبتذل في الاستعمال اللغوي (حركتا الإنتاج و التفسير في اللغة ) . و في الباطن إنما يريد المفكر أن يخصص العبارة في حركتي الإنتاج و التفسير في الشبكة النصوصية.
    أما القاسم المشترك بين ذلك (المبتذل) في اللغة و هذا (المخصص) في الشبكة النصوصية هو [اللاوعي] في اللغة نظاماً من العلامات تنتجها [الجماعة] و ليس الفرد .

    لهذه الأسباب تبقى (مداورة الدال) ليست لعباً بالكلمات ؛ إنما هي الوعي التام بحركة تلك الشبكة النصوصية .

    أودُّ أن أشير بعد هذه النقاط الثلاث : (الشبكة النصوصية) و (قراءة التكريس) و ( مداورة الدال) إلى أنَّ هذه الملاحظات هي ملاحظات تمهيدية تساعد على ترتيب الدخول في كتب دريدا. و أقول إضافةً إلى ذلك ، مزيداُ لهذا الترتيب ، أنَّ محاضرة الديفرانس عام 1968م هي الحد الفاصل عند دريدا بين التمهيد لمذهب التفكيك الذي فعله في قراءة هوسرل (من أوائل كتب دريدا ترجمته لهوسرل : أصل الهندسة و كتابة مقدمة طويلة له ) و بين علم الكتابة و هو الأم في مذهب التفكيك. و يعد دريدا الكتب الثلاثة : الكلام و الظاهرة و في علم الكتابة و الكتابة
    و الفرق كتب يرتبط بعضها ببعض . أما القاريء الذي يود شرح المفاهيم الأساسية لدريدا فليتجه إلى دريدا نفسه في المقابلات الثلاث معه المجموعة في كتاب بعنوان Positions الصادر عام1972م و ترجمته الانجليزية عام1982م

    فالأشياء (حتى لا نقول المصطلحات أو المفاهيم ) الأساسية عند دريدا هنَّ: الديفرانس و الأثر و التماسف و الكتابة و المداورة المنتظمة للفروق و الاستدلال تمايزاً من الدلالة اللغوية . و كلها أشياء ترتبط كما هو ملاحظ بالشبكة النصوصية
    لذلك يبقى المعوَّل عليه في الفهم هذه الظاهرة النصوصية.
    أما المفاهيم الفلسفية السابقة مثل : الميتافيزيقا و مركزية اللوجوس و التمثل النصي و المدلول الترانسدنتالي و العلة و المعلول و الحضور و الوجود و الانطولوجيا فهي المفاهيم التي حقق فيها دريدا و أضاف لبعضهن مفاهيم جديدة

    سأتناول مذهب التفكيك في شيئين : الكتابة في مناقشته لدي سوسير ، و الديفرانس كشيء نظري . أما الجهة الأخرى في التفكيك و هي جهة الانطولوجيا جهة هيدجر و جهة الظاهرة جهة هوسرل فهما الجهتان اللتان سوف لن أتناولهما هنا بالإضافة الي علم العلامات عند دريدا .
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-10-2004, 11:15 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    شكرا عبداللطيف
    وسأعود

    المش==---==---==----===---===---==---
    اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

27-10-2004, 01:46 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    سنؤجل مساءلتنا للحداثة السودانية ,
    الى حين ان ينتهي عبداللطيف من مقاربته لخطاب دريدا.
    فقط نحب ان نشير الى النقاط التالية باقتضاب:
    كما قلنا سابقا,
    فاننا لن ندع القارئ يقع ضحية للمعلومات الخاطئة,
    والنقل السريع المتعجل من الانترنت ,
    خاصة وان هذا الامر يبدو ملحا ,
    اذا ما راينا صيحات الاعجاب والاستحسان والتهليل,
    التي رافقت المزيج العجيب من الاخطاء المصطلحية,
    واخطاء الترجمة,
    والاعتماد على المقالات الصحفية,
    -كما نوهت الى ذلك بحق الاستاذة نجاة-,
    والسطو من الانترنت-كما اثبتنا في مكان اخر.
    وقد قوبل هذا المزيج من الاخطاء,
    بالتقدير العالي للقدرات المعرفية الفذة للفيا.
    وأدناه نماذج من الترحيب الحار جدا بالمعرفة الخاطئة ,
    والرجاء والالحاح بان تستمر هذه المذبحة المعرفية:
    Quote: ما قل ودل.
    ...ربنا يزينك بمزيد من الإلهام يا أخي,
    فانت زبدة البورد

    Quote: معجب بكتاباتك الثرة وانت مدرسة قايمة بذاتها
    الموضوع شيق نرجو المواصلة

    Quote: عجب الفيا
    انت زول ما ساهل

    Quote: دائما
    فى العلالى يا الفيا

    Quote: نرمقكم بكثير من الاعجاب

    لذا كان من واجبنا التنبيه لتلك الاخطاء الفادحة,
    والتي للاسف ستتـكرر,
    ولن تتوقف الا اذا كف الفيا عن القول المباح,
    في الترويج للغلط الصراح ,
    ولم يرد ان يخسر نفسه "كظاهرة انترنتية",
    لا تصمد امام الباحثين والكتاب.
    فالادعاء حبله قصير و جدا.
    ثانيا:اثرنا نشر تصويباتنا -تجنبا "للغلاط"- في بوستنا,
    وليس كما درجت العادة في البوست الذي نشرت فيه.
    فالفيا مجرب في "المغالطة" .
    وقبل ان ندخل سرداب مغالطاته,
    ساذكر نموذجا من المغالطة التي كانت في انتظاري,
    اذا ما دخلت "قبو" مغالطاته.
    فقد تحدثت ان الفيا ,
    لا يفهم الفرق بين الدال والمدلول والمرجع.
    فماذا كانت اجابته؟؟؟؟؟:
    لم يتطرق الى ما ذكرته اطلاقا ,
    وبدا يتحدث عن شيئ اخر,
    لايمت بصلة مباشرة الى النقاط التي اثرتها,
    مستشهدا بأمثلة من "دراسته" المزعومة.
    فاذا كان المحاور لا يرد على نقاطك فما الفائدة؟
    ولذا رأيت ان اترك المسالة لحكم القراء.
    كما ان الفيا ليس على استعداد لان يعلن انه اخطأ,
    كما حدث في حادثة "لا كرامة" المشهودة لكل العالم.
    وهذا -اضافة الى زرايته بمحاوريه -
    دعا البعض لان يعلن انه لن يدخل معه في حوار أبدا كما في حالة بولا
    او ان ينسحب من "الغلاط الدائري",
    كما في حالة قصي همرور.

    ثالثا:نشكر الاستاذه نجاة على ملاحظاتها,
    والتي اثبتت ما قلناه عن القلة المعرفية,
    والتضليل الذي يمارسه ذلك البوست.
    فهي قد سألت سؤالا مهما يتعلق بدعاوي الفيا,
    -التي سخرنا منها في بوسته عن مصطفى محمود-
    حين قال انه اطلع على المناهج النقدية الحديثة في مصادرها!!!!
    ولذلك سألته السؤال التالي ,
    عن مصادره الاصلية المزعومة:
    Quote: لي سؤال محدد أوجهه إليك:
    هل قرأت "أشباح ماركس" لجاك دريدا،
    سواءً بالعربية أو الإنجليزية؟

    ثم نوهت الى ماذكرناه عن اعتماد الفيا على تلخيصات الانترنت,
    والسطو عليها أحيانا,
    حين قالت الاستاذة نجاة:
    Quote: أراك تعتمد في "دراستك" لجاك دريدا,
    على تلخيصات وقراءات الآخرين.

    وللتدليل على كلامها قالت:
    Quote: ولو كنت قرأت كتاب دريدا,
    لما كتبت "شبح" بدلاً من "أشباح".
    لم تكن الكلمة التي أرادها دريدا في صيغة الجمع عبثاً.
    وإلا لكتبها في صيغة المفرد
    .

    ثم تحدثت عن عجالته النقدية حين ذكرت الملاحظة التالية:
    Quote: لاحظت أن دراستك كانت مستعجلة،

    ثم تحدثت عن وعوده التي لا يلتزم بها حين قالت:
    Quote: فقد وعدت قراءك بإعدادها خلال أيام،
    ثم بدأتها في اليوم التالي.

    واعقبت ذلك باستغراب عظيم قائلة:
    Quote: وقد استغربت كثيراً في أن يتصدى إنسانٌ ,
    لكتابة موضوع عن كاتب في عظمة جاك دريدا,
    معتمداً على قراءات متعجلة،
    من بينها مقالات صحفية
    !!


    رابعا: احب ان ادلي بملاحظات عن مقاربة عبداللطيف على الفكي:
    الملاحظة الاولى تتعلق باشارته الى نقاشات ثرة,
    دارت في اوائل الثمانينيات حول دريدا.
    فقد جلبنا كتابي دريدا عن علم الكتابة والكتابة والاختلاف,
    المترجمين الى الانجليزية بواسطة مكتبه الخواجة اي الخرطوم بوكشوب,
    -راجع مقالنا "مشهد النسيان-البنيوية وما بعدها في السودان نموذجا-
    محاولة شهادة في كتابنا" خطاب المشاء-نصوص النسيان"-1999.
    ولاحقا توسعت تلك النقاشات,
    وخاصة في ما اسميها المرحلة الامريكية .
    فهي قد فتحت ابواب المعرفة على افق فسيح,
    كنا نشكو من ضيقه في السودان,
    ويبدو ذلك واضحا جدا في خطاب عبداللطيف في مقاربته لدريدا ,
    مما يكشف التمثل العميق الذي وفرته المرحلة الامريكية.
    ويمكن للقارئ ان يرى بوضوح تام الفرق الشاسع,
    بين عجالة غير أمينة,
    تعتمد على المقالات الصحفية ونثارات الانترنت ,
    وبين مقاربة عميقة تحاول في سلاسة تشبه سلاسة الراقص ,
    ان تعيد انتاج خطاب دريدا في اللغة العربية.
    الملاحظة الثانية هي عطف على ما سبق ملاحظته.
    فارجو -حتى تعم الفائدة-أن يرفق عبداللطيف ,
    ملحقا يوضح لنا فيه ما يقابل من الانجليزية,
    الترجمات التي اقترحها,
    وايضا كيف توصل الى نحت تلك الترجمات ,
    كما في "مداورة الدال",و"التماسف" مثلا.
    الملاحظة الثالثة تتعلق بالمصطلحات.
    فقد أشار عبداللطيف الى الاشياء ,
    او المصطلحات المفاتيح في خطاب دريدا,
    ولاحظت انه لم يدرج مصطلحي "الدال" و"المدلول",
    بعكس الفيا الذي ذكر -مضللا القارئ-
    انهما اي الدال والمدلول,
    من المصطلحات الرئيسة عند دريدا,
    كما في قول الفيا الاتي:
    Quote: استعمل كاتب المقال الصحفي اعلاه كلمات ،
    هي مصطلحات او مفاتيح رئيسية
    عند جاك دريدا ،
    signified - signifer - logocentric - presence ..etc.
    signifier الدال و signified المدلول،
    يعني الدال والمدلول

    ثم يواصل الفيا كلامه الخاطئ عن مصطلحات دريدا قائلا:
    Quote: وهذه المصطلحات استعارها دريدا,
    من فردناند دي سوسير
    ,
    رائد علم اللغويات والبنيوية اللسانية

    ونحن نقول -ازاء هذا الاختلاف الواضح,
    بين عبداللطيف والفيا,
    في فهم دريدا:

    أصاب عبداللطيف ,
    وأخطأ الفيا.

    فدريدا ناقش مفهوم العلامة عند دي سوسير ,
    لكي يبين ما قاله عن ميتافيريقيا الحضور ,
    واحتفاء التفكير الغربي بالصوت ,
    وتهميشه للكتابة,
    لكي يصل الى مفهومه عن التمركز الصوتي للتفكير الغربي.
    ومن المعروف,
    ان من بديهيات الكتابة المنهجية,
    أنك اذا ناقشت مفكرا,
    فهذا لا يعني انك تتبنى مصطلحاته,
    اذ ليس هنالك من سبييل سوى مناقشته بالمصطلحات التي استخدمها.
    وهذا جانب اخر ,
    يكشف لنا مدى قلة المعرفة المنهجية والبحثية,
    في نسبة مصطلحات دي سوسير لدريدا,
    وأيضا فداحة التضليل الذي يمارسه الفيا على من يهللون له,
    ويطالبونه بالمزيد لكي يتعلموا -للأسف- مزيدا من "اللامعرفة".

    وحتى عودة أخرى,

    أرقدوا عافية
    المش---===---===---===---===---==اء

    (عدل بواسطة osama elkhawad on 27-10-2004, 02:07 AM)

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

27-10-2004, 04:27 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    نعود مرة اخرى كي نشير الى اختلافين اساسيين,
    في ما يجرى من حوار في المنبر عن دريدا,
    والحداثة وما بعدها.

    الخلاف الاول بين المهللين للفيا والمادحين له,
    والطامعين في المزيد من اخطائه,
    وبيننا -ومعنا الاستاذة نجاة,
    الذين نرى في ما كتبه عجلة لا لزوم لها,
    وأخطاء في الترجمة وانعداما للمنهجية وأصول البحث الرصين.

    أما الخلاف الثاني فهو في فهم كل من عبداللطيف والفيا,
    للمصطلحات المفاتيح في خطاب دريدا.
    وهو خلاف يرجعنا -للأسف الشديد-
    الى التحدث عن ابجديات البحث والمناهج,
    والتذكير بما لا يمكن تذكير كاتب حصيف به.

    فلنعرج قليلا الى الخلاف الأول.
    حين تكون الشقة واسعة بين فريقين ,
    فان في الامر خللا بائنا في فريق منهم.
    بالطبع لا احد يمكن ان يمنع احدا,
    من الاعجاب بمن يشاء.
    وفي هذه الحالة يتوجه الخطاب اساسا ,
    الى الذين تخلصوا من ذلك الاعجاب القاسي,
    وهم بالتأكيد عشاق الحقيقة وفقط.

    أما الخلاف الثاني فهو خلاف بحثي ومنهجي ,
    لا يمكن أبدا تجسير الهوة التي تفصلهما,
    وفراق دائم بين ذائقتين لا تلتقيان أبدا,
    في زمن المقاربات المتداخلة المناهج.

    وفي هذا الصدد دعونا نتناول على عجل,
    نقطة مهمة اثارها عبداللطيف,
    وتبين مدى دقته وحساسيته النقدية العالية.
    فقد تحدث عبداللطيف عن مصطلحات دريدا,
    من زاويتين:
    الزاوية الاولى تتمثل في قوله الاتي:
    Quote: فالأشياء (حتى لا نقول المصطلحات أو المفاهيم ) الأساسية عند دريدا هنَّ: الديفرانس و الأثر و التماسف و الكتابة,
    و المداورة المنتظمة للفروق ,
    و الاستدلال تمايزاً من الدلالة اللغوية .
    و كلها أشياء ترتبط كما هو ملاحظ بالشبكة النصوصية.
    لذلك يبقى المعوَّل عليه في الفهم هذه الظاهرة النصوصية.

    أما الزاوية الثانية فتتمثل في قوله:
    Quote: أما المفاهيم الفلسفية السابقة مثل : الميتافيزيقا,
    و مركزية اللوجوس و التمثل النصي و المدلول الترانسدنتالي,
    و العلة و المعلول و الحضور و الوجود و الانطولوجيا,
    فهي المفاهيم التي حقق فيها دريدا,
    و أضاف لبعضهن مفاهيم جديدة

    فهنا نلاحظ ان عبداللطيف لم يقل,
    ان اي مصطلح قديم استخدمه الباحث,
    يمكن ان ينسب اليه,
    كما رأى الفيا,
    حين جعل الدال والمدلول ,
    مفاهيم اساسية عند دريدا,
    لمجرد انهما وردا في خطابه.
    ثم أضاف عبداللطيف الى كلامه أعلاه نقطتين:
    التحقيق في المصطلح السابق,
    وايضا ااضافة مفاهيم جديدة اليها.

    اذن -على النقيض من الفيا-,
    يقسم عبداللطيف مصطلحات دريدا الى قسمين:
    مصطلحات أساسية,
    ومصطلحات سابقة حقق فيها دريدا,
    ورفدها بمفاهيم جديدة,
    أي أنه (تناص) معها ولم يجترها,
    وانما تجاوز استخدامه لها,
    الافق المعرفي الذي أسسته في الماضي.


    أكتفي بهذا القدر الموجز ,
    حتى مداخلة اخرى

    وأرقدوا عافية
    المش-==-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-اء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

27-10-2004, 03:22 PM

عبد الله بولا

تاريخ التسجيل: 30-03-2004
مجموع المشاركات: 0
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    عزيزي أسامة،
    أخلص تحياتي،
    ياسِيدي فرغتُ لتوي من المسودات الأولي لترجمة نصين لدريدا. الأول نص كامل لحوارٍ أجراه معه الفيلسوف والصحفي روجيه ـ بول دروا(Roger -Pol Droit)، أحد تلاميذه السابقين بمدرسة المعلمين العليا، وأحد أصدقائه المقربين ايضًاً، حول "مفهوم" ال "Déconstruction". والنص الثاني عبارة عن مقتطف طويل من الحوار ، أجرته معه الفيلسوفة والمحللة النفسانية أليزابيث رودينيسكو. وهو في الواقع كتاب من 315 صفحة يحمل عنوان "وماذا غداً: حوار". ترجمت "ليكم" منه خمسة صفحات يدورالحوار فيها حول تعريف ال"Déconstruction"، والتراث أو الموروث إن شئت. والمعني بصفةٍ خاصة علاقة دريدا بالإرث الفلسفي الغربي, وهو حوار شيقٌ وصعب. علماً بأن أليزابيث رودينيسكو تلميذته أيضاً وهي من أقرب أصدقائه وأكثرهم معرفةً بأرضية فكره الوعرة الضرسة المتحركة.
    أسعدتني مساهمة عبد اللطيف المتينة. وكم وددتُ لو انني استطيع المشاركة في التحاور معه ومعك بسعةٍ وعمق. إلا أن وقتي لا سبيل معه للسعة والعمق. خصوصاً في قضايا بتعقيد فكر دريدا. ولذا فسوف أكتفي ب"مناوشات" إشكالية من حينٍ لآخر. وأنا بالمناسبة تلميذه برضو لفترة عام تقريباً 1977ـ1978. إلا انني في ذلك الوقت لم أكن أقدَّر
    أهميته قدرها المستحق. فقد كنتُ مشغولاً، أكثر منه، بسارتر، وكامو، ودولوز، وفيليكس غاتاري، وعالم النفس جان كلود بولاك (وما أزال أكثر اهتماماً بفيليكس وجان ـ كلود اللذين عرفتهما عن قرب، وعرفت فيهما كيف يكون المثقف، سيد اللسم، إنساناًً بحق)، وبحسن موسى ونفرٍ من جماعة العصاة (ثم بالفلاسفة الأفارقة الأشاوس استانسلاس أدوتفي، وإيبوسي بولاقا، وبولان هونتونجي، وبفرانز فانون وإيمي سيزير. مع إن فكر دريدا الإشكالي الناقض، و"النقاد" على حد تعبير حسن، كان قريباً إلي تفكيرنافي كثيرٍ من الوجوه المتصلة بنقض المفاهيم والمسلمات "الميتافيزيقية"، من دون أن نعلم. كما سأحاول أن أوضح لاحقاً إذا ما أسعفني الوقت.

    مع كل المودة
    بـــولا

    (عدل بواسطة عبد الله بولا on 04-11-2004, 03:14 AM)

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

28-10-2004, 04:36 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



مديح لصدق بولا المعرفي (Re: osama elkhawad)

    عزيزي بولا
    كان من المفترض ان اعلق على حديثك بالامس.
    لكن العبودية المعاصرة –كما تسميها يا بولا –منعتني ذلك.
    فالان اعمل في مطعم للوجبات السريعة يعمل فيه عمال مغاربة.
    وبالامس كنت مسؤولا عن قلي البطاطس, ونظافة صالة الاكل,
    ورمي اكياس القمامة.
    وقد استفدت من تجربتي في بيروت كعامل تنظيفات.
    وعندما حضرت حوالي الواحدة صباح الخميس ,
    فانا اعمل من الرابعة حتي الثانية عشر مساء,
    كانت كل عضلة في جسمي"تنتح",
    فلم اقدر حتى على القاء نظرة على حديثك.
    لذا سأعلق باقتضاب على حديثك التالي:
    Quote: أسعدتني مساهمة عبد اللطيف المتينة.
    وكم وددتُ لو انني استطيع المشاركة في التحاور معه ومعك بسعةٍ وعمق.
    إلا أن وقتي لا سبيل معه للسعة والعمق.
    خصوصاً في قضايا بتعقيد فكر دريدا.
    ولذا فسوف أكتفي ب"مناوشات" إشكالية من حينٍ لآخر.
    وأنا بالمناسبة تلميذه برضو لفترة عام تقريباً 1977ـ1978.
    إلا انني في ذلك الوقت لم أكن أقدَّرأهميته قدرها المستحق
    أولا اعجبني صدقك المعرفي حول عدم انتباهك لدريدا في ذلك الوقت.
    وهذا يحيلنا الى نقطة مهمة تتعلق بان الكاتب اذا لم يجعل من الكتابة هدفا للرقي بروحه أولا,
    فمن الصعب ان يكون صادقا في علاقته بالكتاب الاخرين وبالقراء.
    ثانيا: اعجبتني جدا صفة "المتينة" التي اطلقتها على مساهمة عبداللطيف.
    وهي تؤكد حديثي عن دور المرحلة الامريكية في ان تجعل من كتابة عبداللطيف كتابة "راقصة",
    رغم انها تتحرك على ارضية زلقة هي خطاب دريدا.
    وقد رايت بعيني في فيلاديلفيا كيف ان عبداللطيف كان يلتهم كتب دريدا ولاكان التهاما-ضمن كتب اخرى- ليردم الهوة المعرفية التي خلقها شح المصادر في السودان.
    واذكر بهذه المناسبة قصة طريفة
    ففي احدى المرات لمحت كتابا لدريدا على طاولة منسية.
    فسالت عبداللطيف بلهفة تماثل تماما لهفتنا,
    حين نعثر على كتاب نادر في اوائل الثمانينيات في السودان قائلا:
    وين لقيت الكتاب دا؟
    فاجابني عبداللطيف ضاحكا:
    اشتريتو من مكتبة الخواجة ,
    وهي التي جلبت لنا كتابي دريدا مباشرة من لندن.
    ثم اردف:اشتريتو من مكتبة جامعة بنسلفانيا.وبالمناسبة دي لقيت مكتبة للكتب المستعملة فيها كتب رخيصة جدا,وهي قريبة من مكتبة جامعة بنسلفانيا.
    ومنذ ذلك الوقت كان عبداللطيف يسعى بينهما.
    وفي انتظار ترجمتك والترجمة التي وعدت نجاة في بوستها عن رامبو
    بان "ترشيني "بها حتى أكف عن كوني مسلطا حين ردت على اش الذي قال لها:
    Quote: نجاة ؛
    ماقلت ليك المشـــــاء ، ده مسلط !!!!

    فردت عليه قائلة:
    Quote: أنا عارفاه مسلَّط. دة حالتو مشغول بالتوثيق لجاك دريدا. وإذا واصل تسلطه، فسأنفحه برشوة: ترجمة لنص عن هذا الراحل الما هيِّن.

    ويا لها من رشوة غالية وثمينة وايضا سمينة ,
    او كما قال ياسر الشريف في مقام اخر.
    المشاء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

28-10-2004, 02:25 PM

عبد الله بولا

تاريخ التسجيل: 30-03-2004
مجموع المشاركات: 0
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    عزيزي أسامة مساء الخير،
    ياخي صفحاتك عريضة جداً ومتعبة في القراءة لأنها تستدعي تحريك السطر من طرف الصفحة إلى طرفها الآخر بفعل عرضها الشديد. هل ممكمن تصغرها بحيث لا تحتاج السطور إلى تحريك عند القراءة.

    مع جزيل شكري مقدماً.
    بـــولا
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

28-10-2004, 02:26 PM

عبد الله بولا

تاريخ التسجيل: 30-03-2004
مجموع المشاركات: 0
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

29-10-2004, 07:47 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    عريزي بولا,
    يبدو ان هناك خللا في تنسيق الصفحة في الاصل,
    واتمنى من الاخ بكري ان يحل هذه المسالة.
    واذا القيت نظرة –يا بولا-,
    على مداخلتك الاولى في هذا البوست,
    فستجد انها تعاني من نفس المشكلة.
    المهم ساحاول ان انسق الصفحة بحيث لا تزعج القارئ.
    وقبل ان تعود يا بولا,
    ساتحدث بعد قليل,
    عن المذبحة المعرفيةباستخدام طريقة"ويل للمصلين",
    كما تمارسها القراءة "الفطسطرية".
    المشاء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

29-10-2004, 09:51 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8531
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



القراءة "الفطسطرية" (Re: osama elkhawad)

    سبق أن تنبأنا أن المذبحة المعرفية لن تتوقف في بوست "تفكيك موت جاك دريدا".
    وقد اثبتت نبوءتنا صدقها في زمن قياسي.
    اذ لم يجف بعد الحبر الذي كتبنا به نبوءتنا,
    حتى تواصل الذبح المعرفي,
    ولم يكن ضحاباه من الفرنسيين كما جرت العادة,
    ولكنه شمل الان السودانيين.
    فقد قيل ان عبداللطيف استغرب من وصف دريدا,
    الفصل السادس من كتاب سوسير بانه غير علمي.
    والسبب حسب تلك القراءة الخاطئة لكلام عبداللطيف,
    ان عبداللطيف لم يستصحب دلالة ميتافيزيكس دريدا.
    طبعا اذا كان هذا الزعم صحيحا ,فهذا يعني ببساطة متناهية الاتي:
    عبداللطيف قرأ دريدا قراءة خاطئة.
    لكن الحقيقة تقول:
    عبداللطيف قرئ على طريقة "ويل للمصلين".
    كيف؟
    لقد تم اجتزاء كلام عبداللطيف –كما عودنا صاحبنا-,
    وتم ايراده كالاتي :
    Quote: لذلك تساؤل دريدا عن سوسير يضع سوسير في خانة التفكير الميتافيزيقي. و هو سوسير
    الذي يذهب مذهب التفكير العلمي و لم يفكر إطلاقاً أنه واقع ضحية التفكير الميتافيزقي .
    كيف يتسنَّى لدريدا أن يقول ذلك ؟ .

    والذي يقرا الكلام مجزوء هكذا,
    سيعتقد ان عبداللطيف يستنكر على دريدا,
    بل ويقرعه في وصف سوسير بالميتافيزيقي.
    وهذا الاجتزاء ليس غريبا على صاحبنا,
    فهو كما قيل يقرا سطر و"يفط سطر".
    مما جعله رائدا في القراءة "الفطسطرية".

    اذا رجعنا لكلام عبداللطيف,
    سنجد انه لم يرد مجزوء هكذا,
    بل ورد كما في النص التالي"
    Quote: لذلك تساؤل دريدا عن سوسير,
    يضع سوسير في خانة التفكير الميتافيزيقي.
    و هو سوسيرالذي يذهب مذهب التفكير العلمي
    و لم يفكر إطلاقاً أنه واقع ضحية التفكير الميتافيزقي؟
    كيف يتسنَّى لدريدا أن يقول ذلك ؟ . سنوضح

    اذن لقد حذفت القراءة الفطسطرية كلمه"سنوضح".
    وهي كلمة مفتاحية في النص,
    اذ بدونها يبدو ان عبداللطيف,
    ينعي على دريدا وصف سوسير بالميتافيزيقي.
    وهكذا نرى ان النص يريد ان يقول:
    سنوضح لماذا وصف دريدا سوسير,
    بانه ميتافيزيقي في الفصل السادس من كتابه,
    مع ان سوسير كان يرى انه باحث,
    يتبنى التفكير العلمي.
    هكذا يرى القارئ ان الفرق شاسع ,
    بين القراءة الفطسطرية,
    وما يقوله نص عبداللطيف.
    وهكذا من حق القارئ الحصيف,
    أن يتساءل:
    أما ~ان لهذه المذبحة المعرفية ان تتوقف؟
    الاجابة طبعا:
    لا.
    فالمذبحة لن تتوقف ,
    الا بتوفر شرط مهم.
    ما هو ذلك الشرط؟
    الاجابة:
    اذا كف الجزار عن ذبح ضحاياه!!!!!!
    المشاء
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

[رد على الموضوع] صفحة 4 من 7:   <<  1 2 3 4 5 6 7  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:

وداعا جاك دريدا فى FaceBook

· دخول · أبحث · ملفك ·




الصفحة الاولى
  المنبر العام
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2013م
مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2013م
 مدخل أرشيف الربع الثانى للعام 2013م
 مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2013م
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2012م
مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2012م
 مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2012
مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2012م
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2011م
مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2011م
مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2011
 مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2011م
 نمدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2010م
 مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2010م
أمدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2010م
 مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2010م
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2009م
 مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2009م
 مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2009م
 مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2009م
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2008م
مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2008م
مدخل أرشيف العام (2003م
 مدخل أرشيف العام (2002م
مدخل أرشيف العام (2001م
مكتبة البروفسير على المك
 مكتبة د.جون قرنق
مكتبة الفساد
 مكتبة ضحايا التعذيب
 مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان
مكتبة دارفور
مكتبة الدراسات الجندرية
مكتبة العالم البروفسيراسامة عبد الرحمن النور
مواضيع توثيقية متميِّزة
 مكتبة قضية سد كجبار
 مكتبة حادثة يوم الاثنين الدامي
 مكتبة مجزرة اللاجئين السودانيين في القاهرة بتاريخ 30 ديسمبر 2005م
مكتبة الموسيقار هاشم مرغنى(Hashim Merghani)
مكتبة عبد الخالق محجوب
 مكتبة الشهيد محمد طه محمد احمد
مكتبة مركز الخاتم عدلان للأستنارة والتنمية البشرية
مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان
 مكتبة سودانيز أون لاين دوت كم
مكتبة تنادينا,الامل العام,نفيرنا
مكتبة الفنان الراحل مجدى النور محمد
مكتبة العلامة عبد الله الطيب
مكتبة احداث امدرمان 10 مايو 2008
 مكتبة الشهيدة سهام عبد الرحمن
منبر اليوم الحار لخريجى كلية الهندسة و المعمار بجامعة الخرطوم
مكتبة الراحل المقيم الطيب صالح
مكتبة انتهاكات شرطة النظام العام السودانية
مكتبة من اقوالهم
مكتبة الاستاذ أبوذر على الأمين ياسين
 منبر الشعبية
منبر ناس الزقازيق
مكتبة تهراقا الفن الدكتور محمد عثمان حسن صالح وردى
اخر الاخبار من السودان2004
جرائد سودانية
اجتماعيات سودانية
دليل الاصدقاء السودانى
مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان
الارشيف والمكتبات
اراء حرة و مقالات سودانية
 مواقع سودانية
 اغاني سودانية 
 مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد
دليل الخريجيين السودانيين
 الاخبار اليومية عن السودان بالعربى













|Contact us |About us | Discussion Board |Latest News & Press |Articles & Analysis |PC&Internet Forum |SudaneseOnline Links |
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها

© Copyright 2001-02
Sudanese Online
All rights reserved.

If you're looking to submit news,video,a press release or or article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de