مكتبة الشاعر اسامة الخواض
اخبار و بيانات مقالات

News & Press

Articles & Views

المكتبات



قصص من واقعنا الأليم
اتحاد الصحافيين السودانيين يقدم عائشة البصري المتحدثة السابقة باسم يوناميد في ندوة بواشنطن
أنباء عن كشف أثرى ضخم منذ اكتوبر 2013 وسرقة الآثاروتعدين الذهب ومخاطره وغياب الإعلام
في ذكرى إستشهاد د.علي فضل...لن ننسى ولن نغفر لجلاديه
إمرأةٌ من أهلِ البحر..حكاية شعبية اسكتلندية ترجَمْتُها

المنبر العام

آراء و مقالات ابحث

منتدى الانترنت

تحديث المنتدى

المتواجدون الآن

English Forum

تحميل الصور اكتب بالعربى

دليل الخريجين

اجتماعيات

الاخبار

أرشيف المنبرللنصف الثانى05 مكتبةالدراسات الجندرية الارشيف والمكتبات مواضيع توثيقية ومتميزة قوانيين و لوائح المنبر
مرحبا Guest [دخول]
أخر زيارة لك: 24-04-2014, 06:50 AM الرئيسية

مكتبة الشاعر اسامة الخواض(osama elkhawad)وداعا جاك دريدا
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « الموضوع السابق | الموضوع التالى »
أقرا احدث/اخر مداخلة فى هذا الموضوع »
15-10-2004, 05:31 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
رأي اسلامي حول الحداثة (Re: osama elkhawad)


    الحـــداثـــة في الفــكـــر والأدب(*)


    إبراهيم محمد جواد (**)


    لم يكن من الممكن لروّاد النهضة الأوربية في القرن الخامس عشر الميلادي أن يكسروا قيود الجهل والتخلف، ما لم يقضوا بشكل حاسم ونهائي على الحلف (غير المقدس) بين الملوك والكنيسة، ومن هنا كان تسجيل التاريخ لذلك الشعار الذي رفعته الثورة الفرنسية (اشنقوا آخر الملوك بأمعاء آخر القساوسة).

    وكان من أول نتائج هذه الثورة إقصاء الدين عن الحياة نهائياً في الغرب كله، وحذف مفاهيمه وقيمه من القلوب والعقول، وخاصة عندما بدأت تظهر للوجود - بشكل واضح - تباشير النور، وانزياح جيوش الظلام المتمثل بالجهل والتخلف والتعصب الذي كانت ترعاه الكنيسة في الغرب.

    إن فصل الدين عن الدولة والمجتمع في الغرب، أدى إلى إحلال الرابطة القومية محل الرابطة الدينية، وإلى تفكيك الروابط الأسرية، وروابط القربى والنسب والدم - فيما بعد - لصالح المجتمع من طرف، ولصالح النزعة الفردية والمصلحة الشخصية - فيما سمي بالحرية - من طرف آخر، وإلى انحسار سلطة الكنيسة على العلم والفكر، وفتح الطريق لنقد الفكر القديم القائم على المثالية والإيمان، والسعي لتشكيل منهج جديد قائم على الحس والعقل.. ذلك المنهج الذي انتهى إلى المادية الحالية..

    نحن لا نريد أن نبرر لرجال النهضة الأوربيين نبذهم للدين بسبب تصرفات ومواقف الكنيسة، لكننا لا يمكن أن نغفل - في المقابل - عن الأصفاد والأغلال الثقيلة التي كانت الكنيسة تغل بها العلم والعقل باسم الدين، تلك القيود التي اعتبرت الكابوس البشع الذي كان جاثماً على صدر الفكر والعقل، مما دفع إلى التمرّد وإعلان النفير ضد كل المفاهيم والقيم الدينية التي نشرتها الكنيسة، كما لا نريد أن نبخس الجهود التي بذلت - بعد ذلك - في التنوير وإقامة المنهج العقلي في الغرب، واحترام الفكر الإنساني ودفع العلم إلى أقصى مدياته المتاحة.

    إنما نريد أن نسجل هنا الفارق الكبير بين موقف الكنيسة الغربية وموقف علماء الإسلام من العقل والعلم، وأن نوجه اللوم إلى مثقفينا ورجال الفكر لدينا الذين اتبعوا - دون روية - كل خطوات الأوربيين في نبذ الدين وقيمه وإقصائه عن الحياة وفصله عن المجتمع والدولة، رغم تباين مواقف الدينين من العلم والعقل، غير مترددين ولا غافلين عن أن نسجل هنا كذلك أن بعض المتظاهرين بزي رجال الدين في العالم الإسلامي كانوا - فعلاً وواقعاً - يشكلون مع السلاطين حلفاً يشابه في بعض جوانبه حلف الملوك والكنيسة في الغرب، وقد بدأ هذا الحلف بالانحراف عن الإسلام في موقفه من العلم والعقل، متأولين بعض النصوص الدينية فيما يخدم أهدافهم ومصالحهم، لكن ذلك لم يشكل الظاهرة العامة والدائمة التي تبرر لمثقفينا ورجال الفكر لدينا السعي إلى الإطاحة بالإسلام وقيمه ومفاهيمه السامية كما حصل في الغرب.

    الحداثة في الفكر والأدب..

    في الحقيقة والواقع، يكاد يكون لكل قديم حديث، بحيث أن كل حديث سيصبح في يوم ما قديماً. إنها سنة إلهية في الكون لا تتخلف، فكل مرحلة لاحقة من مراحل البشرية تعتبر حديثة بالنسبة إلى مرحلة سابقة، وإن مرحلتنا اليوم ستصبح قديمة في يوم من الأيام، عندما يطرأ على الحياة الاجتماعية للبشرية تحول مهم جديد، ذلك أن كل مرحلة سُلّم للتي تليها.

    وفي ضوء هذه الحقيقة نفهم أن (الحداثة هي المشاركة والمساهمة في التحول الكبير الذي تشهده الإنسانية)(1) بين كل مرحلتين متتابعتين.

    وقد أطلقت الحداثة - في عصرنا - على التحولات الفكرية التي حصلت في العصر الذي تلا النهضة الأوربية بعد الثورة الفرنسية، وسمي بالعصر الحديث.

    فالحداثة إذن ليست مذهباً أدبياً فقط، ينحصر في الكتابة والقصة والشعر خصوصاً، أو في الفن عموماً، وإنما هي مدرسة عريضة تشمل كل مجالات الحياة، فكراً وعقيدة، وثقافة وأدباً وفناً، وسلوكاً وسيرة، وقيماً ومفاهيم.

    وليس في وسع أحد أن يماري في المنشأ الغربي لمذهب الحداثة - الشائع لدينا - ولادة وحضانة وتصديراً، بحيث لم يكن لمفكرينا ومثقفينا وفنانينا وأدبائنا من دور، سوى التلقي والقبول، والتبني والترويج، الأمر الذي يعترف به الحداثويون العرب أنفسهم.

    (يؤكد محمد برادة أن الحداثة مفهوم مرتبط أساساً بالحضارة الغربية وبسياقاتها التاريخية، وما أفرزته تجاربها في مجالات مختلفة، ويصل في النهاية إلى أن الحديث عن حداثة عربية مشروط تاريخياً بوجود سابق للحداثة الغربية، وبامتداد قنوات التواصل بين الثقافتين)(2).

    الحداثة في الفكر العربي:

    إذن؛ الحداثة - كالتنوير - وليدة ثورة الغرب على الدين عموماً بسبب تصرفات الكنيسة الغربية خصوصاً، وتمحورت نظريتها حول رفض الدين، واعتماد العقل وحده طريقاً للمعرفة.

    فالحداثة على هذا نظرية فكرية وثقافية، تستند إلى خلفية سياسية، نجمت عن الجمود الفكري للكنيسة الغربية من طرف، وتحالف رجال الكنيسة مع رجال السلطة السياسية في المجتمعات الغربية ضد شرائح الشعب الأخرى من طرف آخر.

    وملاحظتنا الأولى: إن نقل نظرية الحداثة الغربية - كما هي - إلى المجتمعات العربية والإسلامية هو تعسف كبير لسببين:

    الأول: لأن الإسلام ليس غيبياً محضاً كالأديان الأخرى، ولا يقوم على أسس نظرية وخيالية ومثالية، إنما هو دين عقلي واقعي يتسم بتشريعات عملية تشمل كل مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والروحية والاقتصادية بتوازن وانسجام وواقعية.

    الثاني: لأن علماء الإسلام، أو إن شئت فقل رجال الدين الإسلامي - كما شاع القول مؤخراً - لم يكونوا في الماضي، وليسوا الآن، ولا يمكن أن يكونوا في المستقبل في حلف مع السلطة السياسية في المجتمع إذا انحرفت عن مفاهيم الإسلام وتشريعاته العملية، وأقول ذلك غير غافل عن انحراف البعض، ومحاولاتهم لأن يكونوا كذلك.

    إن للعقل في الإسلام دوراً فريداً في المحور الأساسي للدين، وهو التعرف على الله الخالق وتوحيده، وكذلك الدلالة على ضرورة اللطف الإلهي في إرسال الأنبياء وبعث الرسل، ليكونوا الأدلاء على توحيد الله سبحانه، والوسطاء لتلقي المنهج الفطري والعقلي والواقعي لطريق السعادة الإنسانية.

    وبالتالي فإن الإسلام - كما هو واضح ومعروف - هو دين العقل، كما هو دين الفطرة وكما هو دين الوحي.

    ولذلك فإن نظرية الحداثة - بمفهومها الغربي - لا محل لها في المجتمعات الإسلامية، وإن كانت حاضرة على الدوام بمفهوم إسلامي بحت، لم يغب عن الساحة الإسلامية، ألا وهو التجديد، الذي هو مضمون قول الرسول الأعظم(ص) - في بعض الروايات -:

    (يبعث الله لهذه الأمة، على رأس كل قرن، من يجدد لها أمور دينها).

    وهذا المفهوم - التجديد - هو أحد أهم وظائف الإمامة لدى مدرسة أهل البيت(ع) التي استمر عطاؤها المتواصل أثناء غيبة الإمام(ع).

    فالتجديد أمر مستمر مدى العصور، لا يختص بعصر دون آخر، وليس له مدى زمني يتوقف عنده، ما دامت الأحكام يمكن أن تتغير بتغير الزمان والمكان، ضمن ما سمي بالثابت والمتغير في الأحكام.

    والتجديد هو - بمعنى من المعاني - تحديث؛ لكنه مضبوط بموازين شرعية قررتها الأحكام الثابتة ورعاتها من الأئمة والفقهاء.

    والملاحظة الثانية: أن مشروع التحديث بالمفهوم الغربي طرح سلطوي تروّج له السلطة السياسية، وقد فشل تماماً في كل المجالات التي طرح فيها، رغم الوسائل الضخمة التي وضعت تحت تصرفه، والجهاز الكبير - من المثقفين - الذي تهيأ لحمله، والأموال الطائلة التي رصدت له.. ويعود سبب فشل هذا المشروع في العالمين العربي والإسلامي إلى عاملين:

    الأول: ارتباطه بالمشروع الاستعماري.

    الثاني: تناقضه مع المشروع الإسلامي للتجديد والإحياء.

    والشعوب الإسلامية عامة تتعاطف وتتجاوب مع المشروع الإسلامي، وتنفر من المشروع الاستعماري وتعارضه ولا تتجاوب معه.

    لقد انصبت جهود مثقفي الحداثة الغربية على الهجوم على الدين، وتفكيك العادات والأواصر الاجتماعية، وكسر الرموز التراثية - السلبية منها والإيجابية على السواء - وقد ذهبت كل هذه الجهود أدراج الرياح، وإن خلفت بعض الغبار المتراكم في كثير من الزوايا والمناحي، وأفسدت كثيراً من العقول والقلوب والنفوس.

    فقد فشلت الدعوة إلى الكتابة بالخط اللاتيني، وتبخرت جهود الداعين إلى كتابة الأحرف العربية كما تلفظ، خرقاً لقواعد اللغة العربية في النحو والإملاء والخط، وانتكست كل محاولات إعادة صياغة قواعد النحو والصرف، وإلباس الألفاظ معاني جديدة غير معهودة في اللغة، وارتكست كل محاولات الهجوم على القرآن الكريم واعتباره بشرياً من صياغة الرسول، وانهزمت كل محاولات قراءته قراءات عصرية مبنية على مفاهيم الحداثة الغربية. إن كل هذه المحاولات لم تلق صدىً يذكر في عقول وقلوب الجماهير المسلمة، وإن كانت قد خلفت بعض الغيوم القاتمة في أجواء بعض المثقفين الماضين على خطى الحداثة الغربية.

    أما المجالات البسيطة التي تبدى للمثقفين الحداثويين أن الحداثة الغربية قد نجحت بها، فإن الفضل في ذلك لا يعود للحداثة ولا للحداثويين، وإنما هي من طبائع الأمور في المجالات المرنة التي تقبل التطور والتقولب وفق المقتضيات الحياتية المتسارعة التي لا تتوقف، ووفق المعارف والعلوم والتقنيات التي تتلاحق وتتكشف يوماً بعد يوم.

    والإسلام دين العلم والمعرفة، ودين التقنية والحضارة والمدنية، لا يعاديها ولا يجافيها ولا يقف في طريقها، بل يحث عليها ويعاضدها ويساندها إلى آخر مدى.

    الملاحظة الثالثة: أن الحداثة الغربية - التي يعتضدها حداثويونا - قد استنفذت أغراضها وفقدت كل مبررات وجودها، حتى أن الغرب نفسه قد ملّها وسئمها، وبدأ يتحرك للثورة عليها بعد أن اكتشف عوارها ومقتلها، وأحس بالنفق المظلم الذي أدخلته فيه، فراح يتلمس طريقه إلى ما سمي بـ(ما بعد الحداثة).

    وما بعد الحداثة هذا، ليس تطويراً للحداثة ولا تجديداً لها ولا منبثقاً عنها، وإنما هو نقيضها وضدها، المناضل لوأدها والتخلص منها ومن آثارها الفاسدة.

    (ما بعد الحداثة) ثورة ضد تفرد العقل والعلم، ومحاولة للعودة إلى الإيمان، فلقد انهار - في الغرب - الاعتقاد بسيادة العقل وحده، وخاب أمل الغربيين بالوعد الأولي للحداثة، المتمثل بتحرير البشر من الطبيعة، وبإنهاء الاستغلال والسيطرة، وبنقل البشرية إلى جنة أرضية موعودة.. ولقد ذهب بعض الغربيين بعيداً في هذا المجال، حتى قال البيئيون: (إننا في سعينا للتحكم بالطبيعة إنما نقوم بتدميرها وتدمير مستقبلنا كجنس بشري في الوقت نفسه)(3).

    (إن تيار ما بعد الحداثة - في الغرب - ينذر بأن العقل لا يستطيع - في التحليل الأخير - أن يتحكم بالطبيعة، بل إن الطبيعة هي التي تنتقم منا، ويعني ذلك أن هناك - في النهاية - قوة أخرى أقوى من العقل البشري)(4)، أليس هذا بالضبط ما كان يقوله الدين على الدوام؟!.

    (إن البرجوازية والرأسمالية المسيطرتين في الغرب، دفعتا الجنس البشري إلى الأمام ليحرر نفسه من سلاسل الطبيعة، ولقد رافق ذلك استبدال الإيمان بقوة عظمى بالاحتمالات غير المحددة الناتجة من المخيلة الإنسانية، والآن وبعد إدراك حدود القدرة الإنسانية على التحكم بالطبيعة، استعاد الإيمان بقوة عظمى زخمه)(5)، وقد توازى ذلك مع انهيار الإيمان بقدرة الإنسان على حل المشاكل الاجتماعية.

    يقول أليكس كالينيكوس: (يجب فهم ما بعد الحداثة - بوجه رئيسي - كاستجابة لفشل التحول الكبير في الفترة ما بين 1968 - 1976م في الوفاء بالوعود الثورية التي أطلقها، فما الذي يمكن أن يكون أكثر تطميناً لجيل انجذب نحو الماركسية، ثم ابتعد عنها بفعل ما شهده العقدان الماضيان من صعود وهبوط سياسيين)(6).

    ويقول ستيفن سيرمان: (لقد ترافق صعود الحداثة مع تحول أبستيمولوجي من الميتافيزيقا إلى الوضعية، وحل محل الإيمان بوجود حقيقة مطلقة لا يستطيع الإنسان استيعابها، البحث عن المعرفة الجزئية التي يمكن تجميعها والتأكد من صحتها بوساطة الأساليب العلمية، وكان ذلك عبارة عن تحول من الإيمان بالحقيقة المطلقة التي تتحكم بالحياة البشرية، إلى الإيمان بحقائق علمية جزئية يستطيع الإنسان استخدامها للسيطرة على الطبيعة، وهكذا بات الهدف النهائي للعقلانية العلمية اكتشاف سر الكون والحصول على المعرفة الشمولية الكبرى، إلا أن الدين ينكر إمكان إنجاز مثل هذه المهمة لاعتقاده بوجود حقيقة مطلقة لا يمكن اكتشافها، وهذا ما تقول به نظرية ما بعد الحداثة، وإن عبر طريق مختلف، فهي ترفض السعي للأنساق الفكرية المغلقة، وتنكر إمكان اكتساب المعرفة التامة عبر الطرائق العلمية، إذ ترى أن العقل ليس مصدراً موثوقاً به للمعرفة، فهو نفسه جزء من مشروع الهيمنة، والحقيقة المطلقة لا يمكن التوصل إليها، لأن لكل فرد حقيقته الخاصة، وفي غياب الحقيقة المعروفة موضوعياً، لا يبقى سوى المعتقدات الذاتية، وهذا ما يعود بنا إلى الإيمان)(7).

    إذا كان هذا هو ما آلت إليه الحداثة في الغرب، فهل لحداثويينا المعاصرين أن يفيئوا إلى هذه الحقيقة ولو من باب التقليد للغرب أيضاً؟!.

    الحداثة في الأدب العربي..

    إن الحداثة في الأدب ما هي إلا فرع عن الحداثة في الفكر، وهي مثلها مستمدة من الغرب ولادة وحضانة وتصديراً.

    يعتبر الأدب (الشعر - القصة - الرواية - المسرحية.. الخ) أحد أهم قنوات التحديث ووسائله، من حيث هو وسيلة التواصل بين الأفراد والمجتمعات للتعبير عن الأفكار والهواجس والدوافع والرغائب والمطامع والمطامح، وكل ما يدور في خلد الإنسان وفكره.

    وبكسر طوق الكنيسة في الغرب، والتحرر من المفاهيم والقيم الدينية، برزت كثير من النظريات الفلسفية المرتكزة على المادية والإلحاد.

    وفي هذا الجو الفكري تتابعت المذاهب الأدبية الغربية من كلاسيكية ورومانسية وواقعية، أفضت إلى الرمزية ومنها إلى ما سمي بالحداثة، ثم نقلت إلى العالم العربي دون أي تغيير أو تبديل، فسادت في أدبنا العربي الحديث المصطلحات الغربية وأساليب الكتابة الغربية، ومناهج النقد الأدبي الغربية، وحتى الكلمات وهي تكتب بالحرف العربي لم تعد ذات مضامين ومعانٍ عربية.

    تقول الكاتبة الحداثوية خالدة سعيد في بحث لها عنوانه (الملامح الفكرية للحداثة): (إن التوجهات الأساسية لمفكري العشرينات تقدم خطوطاً عريضة تسمح بالقول إن البداية الحقيقية للحداثة من حيث هي حركة فكرية شاملة قد انطلقت يومذاك، فقد مثل فكر الرواد الأوائل قطيعة مع المرجعية الدينية والتراثية كمعيار ومصدر وحيد للحقيقة، وأقام مرجعين بديلين: العقل والواقع التاريخي، وكلاهما إنساني ومن ثَمّ تطوري. فالحقيقة عند رائد كجبران أو طه حسين لا تلتمس بالنقل، بل تلتمس بالتأمل والاستبصار عند جبران، وبالبحث المنهجي العقلاني عند طه حسين)(.

    وحتى لا يلتبس الأمر على أحد فيظن أن ذلك النهج إنما ينطبق على الدين كما صورته الكنيسة فقط، أنقل فقرة أخرى للباحثة نفسها تقول فيها:

    (عندما كان طه حسين وعلي عبد الرازق يخوضان معركة زعزعة النموذج (الإسلام) بإسقاط صفة الأصلية فيه، وردّه إلى حدود الموروث التاريخي، فيؤكدان أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه هذا الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوع للبحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر فيما اكتسب صفة القداسة، وحق نزع الأسطورة من المقدس، وحق طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة)(9).

    سمات الحداثة الغربية:

    أ) رواد الحداثة الأدبية في الغرب: (كان إدغار آلان بو - الأمريكي - من رموز المدرسة الرمزية التي تمخضت عنها الحداثة في جانبها الأدبي على الأقل، وقد تأثر به كثير من الرموز التاريخية للحداثة مثل مالارميه وفاليري وموبوسان، وكان المؤثر الأول في فكر وشعر بودلير أستاذ الحداثيين في كل مكان.

    وقد نادى إدغار بأن يكون الأدب كاشفاً عن الجمال، ولا علاقة له بالحق والأخلاق)(10).

    إدغار هذا؛ كانت حياته وسلوكه مجافيين للحق والأخلاق والجمال على السواء، وكذلك كان شعره وأدبه (لقد كان سلوكه مشيناً جداً، وكانت حياته موزعة بين الفشل الدراسي والقمار والخمور والعلاقات الفاسدة، وتوّجت بمحاولة الانتحار بالأفيون)(11).

    أما بودلير - أستاذ الحداثيين في كل مكان، والذي كان عميد الرمزية بعد إدغار، والخطوة الأولى للحداثة من الناحية الأدبية على الأقل - فقد نادى بالفوضى في الحس والفكر والأخلاق كما يقول إحسان عباس وغالي شكري(12).

    (لقد قام المذهب الرمزي الذي أراده بودلير، على تغيير وظيفة اللغة الوضعية بإيجاد علاقات لغوية جديدة، تشير إلى مواضيع لم تعهدها من قبل، وكان يطمح أيضاً إلى تغيير وظيفة الحواس عن طريق اللغة الشعرية، ولذا لا يستطيع القارئ أو السامع أن يجد المعنى الواضح المعهود في الشعر الرمزي)(13).

    ومن الطبيعي جداً أن يسلك هذا المسلك في الأدب والشعر من كانت مراحل حياته منذ الطفولة نموذجاً للضياع والشذوذ، وقضى شطراً من شبابه في الحي اللاتيني بباريس، حيث الفسوق والانحلال والتبذل والعلاقات الشاذة ثم لاذ في المرحلة الأخيرة من عمره بالمخدرات والشراب.

    هكذا كان بودلير، وكان إلى ذلك مصاباً بانفصام الشخصية وبالنرجسية، فكان يحب تعذيب الآخرين ويتلذذ به كما يقول إبراهيم ناجي مترجم ديوان بودلير (أزهار الشر) ومصطفى السحرتي مقدم هذه الترجمة.

    على أن الطريف أنه (حتى فرنسا على ما فيها من انحلال وميوعة ومجون وفساد منعت نشر بعض قصائده، عندما طبع ديوانه في باريس سنة 1957م، ويقول عنه كاتب أوربي (إن بودلير شيطان من طراز خاص) ويقول عنه آخر (إنك لا تشم في شعره رائحة الأدب والفن، وإنما تشم رائحة الأفيون))(14).

    وعلى خطى بودلير مشى رامبو الذي(دعا إلى هدم عقلاني لكل الحواس، وإلى أن يكون الشعر رؤية ما لا يرى، وسماع ما لا يسمع، وفي رأيه أن الشاعر لابد أن يتمرد على التراث وعلى الماضي، ويقطع أي صلة مع المبادئ الأخلاقية والدينية.. وتميز شعره فنياً بغموضه وتغييره لبنية التركيب والصياغة اللغوية عما وضعت له، وتميز أيضاً بالصور المتباعدة المتناقضة الممزقة)(15).

    وعلى آثار بودلير ورامبو جاء مالارميه وبول فاليري وغيرهما ووصلت الحداثة في الغرب إلى شكلها النهائي على يد الأمريكي اليهودي عازرا باوند والإنكليزي توماس إليوت.

    وبهؤلاء جميعاً تأثرت الموجات الأولى من الحداثيين العرب مثل: السياب ونازك الملائكة والبياتي وخليل حاوي وأدونيس.. وغيرهم(16)، وتعتبر قصيدة (الأرض الخراب) لإليوت معلقة الحداثيين العرب (بما حوته من غموض ورمزية، حولت الأدب إلى كيان مغلق، تتبدى في ثناياه الرموز والأساطير واللغة الركيكة العامية إلى آخر ما نراه اليوم من مظاهر الأدب اليومي للحداثيين العرب)(17).

    وقد يدافع الغامدي عن المنشأ الغربي للحداثة العربية مبررا ذلك بالشمول الإنساني والصياغة العالمية فيقول: (ومهما يقال أن تلك المصطلحات منقولة من الغرب، حيث كانت صدى لما كان عليه القرن التاسع عشر، إلا أن لها شمولها الإنساني وصياغتها العالمية التي تناسب كل لغة، ومن هذه المصطلحات على سبيل المثال (الداروينية) التي تعتبر كشفاً لتطور بعض جوانب الكائن الإنساني، وكذلك (الميثولوجية) التي تعد كشفاً لأصول العقائد، وهذه المصطلحات في جملتها تفصح عن منهج جديد ومحدد يستلهم العقل والتجربة في ربط المقدمات بالنتائج والعلة بالمعلول)(1.

    ونحن بالطبع نوافق بل ندعو إلى استلهام العقل والتجربة وإلى ربط المقدمات بالنتائج والعلة بالمعلول باعتباره المنهج العقلي للاستنباط، لكن ما نرفضه هو النتائج المبتسرة والمفتعلة أو المتسرعة التي يُدّعى انتماؤها لذلك المنهج، تلك النتائج التي سقطت في الغرب نفسه بعدما أفسدت فكر وسلوك أجيال بكاملها في الغرب والشرق بنسب متفاوتة.

    أما بعض منظري الحداثة في الأدب العربي فقد نحوا منحى آخر حين مضوا يبحثون عن طريق يمنحهم انعطافة نحو حداثة عربية الجذور، فرجعوا إلى العصر الجاهلي ومنه إلى العصرين الأموي والعباسي، يفتشون هنا وهناك عن بعض النماذج ويلبسونها ثوب الحداثة، فأبرزوا أمرؤ القيس وبشار بن برد وأبا نواس وعمر بن أبي ربيعة وغيرهم ممن سار من الشعراء القدامى على هذا الدرب.

    ويوضح أدونيس سبب إعجاب الحداثيين العرب بشعر أبي نواس وعمر بن أبي ربيعة - على سبيل المثال - فيقول: (إن الانتهاك هو ما يجذبنا في شعرهما)(19).

    بل كانت فرحتهم أشد عندما ظفروا ببغيتهم في إيجاد جذور تاريخية عربية للحداثة - كما يدعون - عند بعض المتصوفة كالنّفري والحلاج وذا النون المصري وابن عربي وغيرهم، ولم يتم لهم ذلك إلا بالفهم الخاص والمنحرف لنصوص أمثال هؤلاء الصوفيين الكبار، فاعتبروا أن الرافد الصوفي يصب في دائرة الشعر العربي المعاصر ويلوّنه بلونه الخاص.. وهكذا راحوا يدّعون أن الشعر العربي الجديد يستمد من التراث الصوفي.

    يقول عبد الحميد جيدة: (الرافد الصوفي صب في دائرة الشعر العربي المعاصر ولونه بلونه الخاص، إن النّفري والحلاج وذا النون المصري وابن عربي وغيرهم أثروا في أدونيس والسياب ونازك والبياتي وصلاح عبد الصبور ومحمد عفيفي مطر، لذلك فإن القيم التي يضيفها الشعر العربي الجديد إنما يستمدها من التراث الصوفي)(20).

    لكن هذا لم يكن سوى مجرد ادّعاء لا مصداق له، ينفيه الحداثويون العرب أنفسهم، يقول غالي شكري: (وعندما أقول الشعراء الجدد، وأذكر مفهوم الحداثة عندهم.. أتمثل كبار شعراء الحركة الحديثة من أمثال أدونيس وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وخليل حاوي.. عند هؤلاء سوف نعثر على إليوت وعايزرا باوند، وربما على رواسب من رامبو وفاليري، وربما على ملامح من أحدث شعراء العصر في أوربا وأمريكا، ولكنا لن نعثر على التراث العربي)(21).

    ويقول الشاعر محمد بنيس: (نحن جميعاً متورطون في الحداثة، وقد أصبحت أثراً من آثار جسدنا.. وحتى لا نتوه في المفارقات والمطابقات نثبت في الحداثة حداثات والمشترك بينها هو أرضية الغرب تقنية وفكراً وإبداعاً)(22).

    ويقول جبرا إبراهيم جبرا في كتابه (الرحلة الثامنة): (حركة الشعر الجديد متصلة بحركة الفن الحديث في أوربا، ومن العبث أن نستشهد بالقدامى)(23).

    ويقول غالي شكري: (إن محاولة تبرير الشعر الحديث بميراثنا التاريخي من حركات التجديد في الشعر العربي هي محاولة غير مجدية، بل أصبحت ضارة إلى حدٍ ما)(24).

    وهكذا كان الحداثويون العرب صدى للحداثة الغربية والمرآة التي نقلتها كما هي إلى مجتمعاتنا العربية، والأوعية التي حملتها بكل تنوّعاتها وتناقضاتها.

    ب) تذبذبات الحداثة: لا أريد أن أدخل لجة التأريخ لأدب الحداثة، وإنما أريد أن أؤكد أن الحداثة في الأدب الأوربي لم تستقر على مفهوم معين (فكثير من الحركات الأدبية كالطبيعية والانطباعية والرمزية والتصويرية والمستقبلية.. الخ متداخلة ومترابطة مع بعضها، وكل واحدة منها هي نتاج حركات أخرى، وليست حركة قائمة بذاتها. وإذا أخذنا الحداثة كحركة من هذه الحركات، أو حركة تضم كل هذه الحركات فهي لا تختلف عنها من حيث كونها تتضمن معاني مضطربة)(25).

    تدرجت الحداثة من حداثة مبكرة أولت الشكل اهتماماً كبيراً وانتهت بحداثة جديدة (ما بعد الحداثة) ضربت بالشكل عرض الحائط.. وخلال هذه الرحلة الطويلة مرت بفن اللافن، إلى فن الصدفة، إلى أدب الصمت الذي يقوم على اللامعقول واللاتخطيط، وعلى المحاكاة الهزلية، وعزفت عن الفن التقليدي إلى الفن التجريدي والتجريبي و.. إلى مسميات لا تنتهي لأنها تسير إلى لا هدف، ولو سارت إلى هدف محدد لانتهت هذه الأسماء، وانتهت معها الحداثة. وقد عبر أرفنك هاو عن هذا الواقع حينما قال: (لم تأت الحداثة بأسلوبها الخاص المؤثر، وإذا أتت بذلك تكون قد انتهت كحداثة)(26).

    كان هناك دائماً شيء من التذبذب والتأرجح في الأسلوب، بين المستقبلية والعدمية، بين المحافظة والثورية، بين الطبيعية والرمزية والرومانسية وحتى الكلاسيكية، وكان هناك دائماً نوع من المد والجزر بين العقلانية واللاعقلانية، وبين الوعي واللاوعي، وبين الذاتية والموضوعية.

    ما أغرب ما كانت تمزج الحداثة بين الترحيب بالتكنولوجيا وبين استهجانها، وتتأرجح بين الإيمان بصدق أشكال التعبير الجديدة عن الزمن وبين اعتبارها هروباً من التاريخ ومن وطأة الزمن.

    هذا الخلط بين المتناقضات كان السمة الأساسية للحداثة، هذه السمة التي نسفت كل أنظمة الفكر، وقلبت القواعد التقليدية للغة والفن، وأفسدت العلاقة بين الكلمات والأشياء، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الانتقال المفاجئ وغير المنطقي من موضوع لآخر، واعتماد الصور المبهمة الضبابية التي تجمع بين النظام والفوضى، الخلق والتدمير، البناء والهدم، الظلام والنور، الموت والحياة.

    ج) أسلوب المغايرة: لعل أهم ما تشربته الحداثة الأدبية من الحداثة الفكرية هو (أسلوب المغايرة) وهو القاسم المشترك بين الفكر والأدب الحداثويين.

    لكن الفارق أن المغايرة في الفكر كانت تسير إلى هدف محدد سلفاً هو الانخلاع عن الماضي برمته بما يعنيه من دين وقيم وأخلاق، بينما المغايرة في الأدب لم تتخذ لها هدفاً محدداً سوى المغايرة في الأسلوب، وإن لم يحمل أي فكر على الإطلاق.

    هكذا نفهم قول فلوبير: (كل ما أريد أن أفعله هو أن أنتج كتاباً جميلاً حول لا شيء، وغير مترابط إلا مع نفسه)(27).

    ولكي يحقق الأوربيون هذا الهدف (التغاير) أو (التمايز) كان لابد من الانخلاع عن الماضي أولاً، ثم عن الحاضر بعد ذلك - عندما يصبح ماضياً - دون أن يقدموا (نهجاً) للمستقبل.

    إن التغيير بحد ذاته هو الهدف وهو المنهج، وهكذا انسلخ الأدباء الحداثيون الأوربيون ليس عن الماضي فقط وإنما عن الحاضر أيضاً، بل وليس عن الواقع فقط وإنما عن الحياة كذلك، وعاشوا في عالم من خيال يسبحون فيه بلا جهة محددة، تتقاذفهم رياحه الهوجاء وأمواجه العاتية حيث تشاء، إنه عالم الضياع في النزوات والشهوات والتيه في الأهواء والنوازع المفرطة في الذاتية، عالم العبثية والفوضى، وهو عالم لا يليق بالإنسان العاقل.

    ولابد أن نستدرك بأن هذا (اللامنهج) أو (التغاير اللاهدفي) لم يؤطر كل الأدباء الحداثيين الأوربيين، فإن كثيراً منهم قد وضعوا نصب أعينهم هدفاً محدداً لا يبتعد كثيراً عن هدف الحداثة في الفكر، كإشاعة أدب الانحلال أو الجنس أو فوضى العلاقات عموماً، أو أدب التحرر من الدين والتحلل من القيم والأخلاق.. أو.. أو.. لكن أسلوب التغيير نحو لا هدف معين بقي هو السمة الغالبة على الأدب الأوربي الحديث، وخاصة منه الشعر.

    إن أهم ما هدفت إليه الحداثة في الأدب أن يأتي أسلوبها على غير مثال سبق، ليستحقوا بذلك أن يكونوا إبداعيين حقاً.

    وحتى الأدباء والشعراء الذين اتخذوا من الهجوم على الدين والأخلاق والقيم محوراً لأدبهم، فلأنهم ربما وجدوا - في ذلك الحين - أن الدين والأخلاق والقيم كانت هي الواقع المعاش، وان الحداثة كان لابد أن تكون في مواجهة هذا الواقع، وأن مركب أسلوب المغايرة كان لابد أن يجري هذا المجرى، وأن يخوض هذا البحر، وربما لاقى ذلك عند كثير منهم هوىً نفسياً - نابعاً من النوازع والأهواء والسلوك الشخصي المنحرف - إضافة إلى الضرورة الإبداعية الأدبية.

    ومن الإنصاف أن نشير إلى أن ذلك الواقع المعاش في أوربا - في ذلك الحين - كان يُغطى جوره وظلمه وخنقه لحرية الإنسان، بقشرة هشة رقيقة من الدين المسيحي والأخلاق، مما يجعلنا نعطي مصداقية - إلى حدٍ ما - لبعض الأدباء الحداثيين في الغرب، وضمن هذا الإطار نفهم - على سبيل المثال - قول نيتشه: (على الفنان أن لا يحابي الواقع)(2.

    إن أسلوب المغايرة جعل الحداثة في الأدب تتسم بمفهوم غائم وغامض على عكس الحداثة في الفكر، وإن مقولة رامبو: (من الضروري أن نكون محدثين بصورة مطلقة)، لقيت صدىً قوياً في الغرب وفي الشرق على السواء، رغم التأويلات المختلفة التي رافقتها، ورغم تضارب الآراء حول تفاصيل مصطلح الحداثة وطبيعته وتطور مفهومه بتطور الزمن، يقول ليونيل ترلنك: (من جملة المشاكل التي تواجهنا عند دراسة العصر الحديث هي أنه لا توجد كلمة واحدة تحدد سمات هذا العصر، لقد استعملت كلمة (الحداثة) من حين لآخر مرادفة للرومانسية، واستعملت كذلك في وصف الأجواء العامة للأدب الأوربي في القرن العشرين بوجه عام، أما النقاد الماركسيون فيعدونها نوعاً من البرجوازية الجمالية المتأخرة النابعة من الواقعية، لقد استخدم هذا المصطلح ليغطي مجموعة من الحركات التي جاءت لتحطيم الواقعية أو الرومانسية، وكان ديدنها التجريد، حركات مثل الانطباعية، ما بعد الانطباعية، التعبيرية، التكعيبية، المستقبلية، الرمزية، التصويرية، الدوامية، الدادائية والسريالية، مع ذلك ليس هناك ما يوحد هذه الحركات، بل إن بعضها جاء ثورة كاسحة على البعض الآخر)(29).

    وهذا طبعاً بسبب أسلوب التغاير اللاهدفي أو التمايز الذي انتهجته الحداثة التي وصفها الناقد سي سي لوس في إحدى محاضراته عام 1955م فقال: (لا أتصور أن هناك عصراً سالفاً أتى بأعمال محيرة ومدمرة كالأعمال التي جاءت بها الدادائية السريالية، وأعتقد جازماً بأن هذا ينطبق على الشعر)(30).

    ويقول هربرت ريد: (شهدت الأزمان السالفة كثيراً من الثورات الفنية، فكل جيل جديد جاء بثورة فنية جديدة، إننا نجد أن لكل القرون ثوراتها المتعاقبة.. أما ما يسميه بعضهم بالثورة الفنية المعاصرة، فلا أعتقد أن لفظة ثورة مناسبة لهذا السياق، إنها تحطيم، بل انحلال مأساوي)(31).

    د) الغموض والرمز: هنالك من يدّعي أن الانتقال في النص الشعري مما هو منطوق ومسموع إلى ما هو مقروء، قد أحدث تغييراً كلياً في الأدب عموماً وفي الشعر خصوصاً، فلم يعد الصوت الإنساني أساساً وشرطاً لكل الآداب، بعدما أتيح للعين النهمة أن تقرأ بحرية ما يكتب على الصفحات، الأمر الذي سمح للنص الأدبي - والشعر ضمناً - بالانتقال من الإيقاع المتسلسل إلى المعنى الذي تفرضه اللحظة الآنية.

    يقول مالارميه: (إن غياب اتجاه العبارة الشخصي المتحمس، مهّد الطريق لظهور فن يدين بالفضل الكبير إلى الأشكال وليس إلى المشاعر، إن الشكل يضاعف المعنى ويحول القصيدة إلى مجموعة من التعابير الموحدة الشاملة)(32).

    وهذا يفسر طريقة مالارميه الغريبة في تركيب الجمل، بحيث لا تتضمن فكرة مركزية واحدة، بل تقوم على تحدي قواعد النحو، وتشتمل على مجموعة من الأسماء الغريبة الشاذة، كعبارته مثلاً: (شعلة الشهرة، رغوة دم، ذهب، عاصفة) أو عبارته الأخرى: (ليلٌ، يأسٌ، وأحجار كريمة).

    بمعنى آخر: إن ما أتاحه تقدم الطباعة، والكم الهائل من الكتب والمجلات والدوريات.. الخ من تراجع التلقي عن طريق الإلقاء والاستماع (صوت - أذن) وتقدم التلقي عن طريق الكتابة والقراءة (شكل - عين)، قد أدى إلى غياب التعبير الشخصي المتحمس لصالح التعبير الشكلي الفني، مما يسمح بالاعتماد على الرمز.

    (ويعدد جان مورا في (بيان الحركة الرمزية) بعضاً من الخصائص الأسلوبية في اللغة الرمزية فيذكر: كلمات نقية.. حشوٌ مهم.. حذف غامض، الانتقال من تركيب نحوي معين إلى تركيب آخر يحقق الجرأة المتطرفة)(33).

    وسواء صح هذا التحليل أم لا، فإن ما يهمنا هنا هو ما وصل إليه الرمز عند هؤلاء الحداثيين الذين يعتبرون أن الرمز يتكون من الموضوع والفكرة، من الحضور والغياب، من الكلمة المكتوبة والكلمة الممحوة، من الشكل والفراغ ، وينظرون إلى البياض الذي يكتنف النص على أنه صمت مفعم بالمعنى، لا يقل روعة عن النص الشعري نفسه، وكذلك استعمال اللغة غير الكاملة.. إلى آخر هذه العبارات التي لا تقدم ولا تؤخر.

    ولعلّ شاعراً يفاجئنا ذات يوم بقصيدة عصماء على صفحة ناصعة بيضاء، بلا كلام ولا عنوان؛ إنه الرمز، وهي حداثة الغموض، لا يهم ما تفهمه من النص. المهم ما تثيره بعض كلماته الشاذة الغريبة الغامضة من إيحاءات لديك، والأهم أن تثير لدى كل قارئ إيحاءات خاصة به، والأفضل أن لا تتوحد الإيحاءات وأن لا تلتقي المعاني والأفكار، وأجمل قصيدة حداثوية على الإطلاق هي التي لا تتضمن أية فكرة، ولا تحمل أي معنى، بشرط أن تثير إيحاءات متناقضة غير متناغمة ولا منسجمة لدى القراء!!.

    يقول سعيد السريحي: (ومن هنا أصبح من الصعب علينا أن نتفهم القصيدة الجديدة بعد أن تخلت عن أن يكون لها غرض ما، وأصبحت اللغة فيها لا تشير أو تحيل إلى معنى محدد، وإنما هي توحي بالمعنى إيحاء بحيث لا تنتهي القصيدة عند انتهاء الشاعر من كتابتها، وإنما تظل تنمو في نفس كل قارئ من قرائها حتى يوشك أن يصبح لها من المعاني بعدد ما لها من القراء)(34).

    إن عباءة الغموض، ودثار الضباب والسحب هو السمة البارزة للحداثة العربية، فأنت إذا أصخت بسمعك أو رنوت بعينك إلى قصيدة الشاعر الحداثوي، لا تستطيع مهما ركزت السمع أو البصر بفكر حاضر وقلب مقبل وعقل يقظ مفتوح لا تستطيع أن تخرج بمفهوم واحد واضح، بل تجد نفسك تتأرجح بين الليل والنهار بين العتمة والنور، بين اليأس والأمل، بين الرجاء والخوف، بين الحياة والموت، بين الكلام والصمت، ولعله الكلام الصامت، والصمت المتكلم، والليل المنير، والنهار المظلم، والموت المفعم بالحياة وحياة الموت، والارتفاع بحبل اليأس القاتل، والسقوط في مهاوي الرجاء والأمل.. (كلام طاعن بالصمت، واحتمالات فناء تنعش الحياة.. وامرأة تسلبني كسرة موتي أو تمنحني قبر حياتي، تحمل تاريخ الهجرة صوب الضلع السائب، وأنا لا أملك إلا صمتاً أسحبه من فمك فيصير فراشة)(35).

    الرمز قيمة فنية وجمالية لا تنكر، ولا يمكن الاعتراض عليه، وإن درجة الإحساس بالجمال التي يمنحنا إياها الرمز لا يمنحنا إياها التعبير الواضح الصريح، وفي القرآن الكريم أمثلة كثيرة جداً لا مجال لذكرها الآن.

    لكن هذا لا يسوغ بحال من الأحوال الإفراط في الرمز وصولاً به إلى درجة الإبهام والغموض بحيث لا يفك معانيه ودلالاته وغوامضه المثقف بل ولا حتى الشاعر نفسه في كثير من القصائد.

    الأدب.. الشعر.. الفن عامة، حالة ثقافية عامة للإنسان، لا حالة خاصة تهم النخبة أو نخبة النخبة فقط.

    إن الغموض المفرط يدخل الشعر في ظلام الطلاسم، ويحشره في زمرة الأحاجي والألغاز، ويحرفه عن لغة الأمة والمجتمع إلى لغة الكهنة والسحرة، لغة المشعوذين والدجالين أعداء الإنسانية والمتربصين شراً بالإنسان، وإضافة إلى أنه لا يلبي طموح الشاعر في التعبير عن مشاعره، فإنه لا يوصل هذه المشاعر إلى السامع أو القارئ.

    وعودة إلى بيان جان مورا عن الحركة الرمزية، الذي أشرنا إليه قبل قليل لنذكر بطريقة صنع الغموض، وأقول صنع الغموض، لأنه ليس غموضا بديهياً، بل هو غموض مصنوع منحوت، مؤلف من كلمات نقية مع حشو مبهم وحذف غامض، إنه الثالوث الحداثوي المقدس، وهو أعقد قليلاً من قصة الورقة المكتوبة التي تطوى وتقص بعناية ثم يعاد جمعها من جديد - كيفما اتفق - للحصول على نص أدبي طريف أو لوحة فنية باهرة، إنه هنا حشو بطريقة فنية وحذف بطريقة انتقائية، وقصد مسبق لصنع نص غامض.

    ويفسر السريحي سر الغموض في القصيدة الحداثوية فيقول: (إن ظاهرة الغموض التي من شأنها أن تعد السمة الأولى للقصيدة الجديدة، نتيجة حتمية أفضت إليها سلسلة من التطورات التي طرأت على العلاقة المتوترة بين الشاعر المبدع والقارئ المتلقي)(36).

    ويكشف الحداثوي أحمد عائل فقيه سر التوتر بقوله: (إننا في مجمل الأحوال نسير في اتجاه معاكس لما هو سائد ومكرس في بنية المجتمع.. إذاً كيف يمكنك تحرير ما تحلم به، وما تود أن تقوله، علناً؟)(37).

    موقفنا من الحداثة في الفكر والأدب..

    ليست مجتمعاتنا العربية بأقل حاجة إلى بعض معطيات الحداثة من المجتمعات الغربية، لكننا نرفض أن تكون الحداثة العربية نسخة طبق الأصل - بل ربما مشوهة - عن الحداثة الغربية، ونطالب بالتحديث والتجديد النابعين من ضرورة عربية خالصة، والمنطلقين على أساس متين من المنهج الاستدلالي العقلي في الفكر والاستخدام السليم للغة العربية في الأدب.

    فالمجتمع العربي أيضاً تثقل كواهله مجموعة كبيرة من القيود والأغلال التي تفرضها السلطات السياسية، مغطاة تارة بقشور من الأخلاق والعادات، ومبررة تارة أخرى بالتطور والتجدد والمعاصرة.

    ولذلك فنحن مع الحداثة فيما ترمي إليه من تغيير وتجديد، على أن يقوم هذا التجديد على أسس علمية سليمة، وأن يكون للتغيير هدف مشروع مدروس بعناية، ولسنا معها في هدم القيم الدينية الأصيلة والأخلاق الإنسانية الراشدة.

    نحن معها في إعادة صياغة الشكل وفق ضوابط سليمة، ولسنا معها في أن تجر الأدب إلى ظلمات اليأس والفوضى والعبثية والسوداوية المغرقة أو الخيال المفرط، أو الواقعية المؤذية التي تفسد الفرد والمجتمع الإنساني.

    نحن نريد أن يستفيد أدباؤنا وشعراؤنا من إيجابيات الحداثة.. من الوعي المبدع، من الخيال الخلاق، من الأبعاد الجمالية الأخاذة، من الظلال الفنية الموحية، دون التورط في العوالم المجهولة، والتلبس باللاهدفية واللاجدوائية والفوضى الفكرية واللغوية، والانبتات عن الجذور، والضياع في بحر من ظلمات الطلاسم والغموض...

    الهــوامـــش:

    (*) هذه الدراسة هي مختصر شديد الإيجاز لمحاضرتين ألقاهما المؤلف في منتدى الأربعاء الثقافي مما أدى إلى حذف الشواهد والأمثلة والنصوص.

    (**) إبراهيم محمد جواد كاتب وشاعر من سوريا

    (1) معالم على طريق تحديث الفكر العربي: ص67، د. معن زيادة.

    (2) الحداثة في ميزان الإسلام: ص18 عوض محمد القرني، ينقل عن مقال بعنوان (اعتبارات نظرية لتحديد مفهوم الحداثة) منشور في مجلة (فصول) المجلد الرابع، العدد3 ص11، ونكتفي هنا بهذا النص حيث سنورد فيما بعد نصوصاً أخرى تدل على المنشأ الغربي للحداثة.

    (3) مجلة (أبعاد) عدد4 ص272-273.

    (4) المصدر السابق.

    (5) المصدر السابق.

    (6) مجلة أبعاد: عدد4 ص272 دراسة للباحث التركي خلدون جول ألب، والنص ينقله من كتاب (the end of sociological theory).

    (7) المصدر السابق.

    ( مجلة (فصول) المجلد الرابع، العدد الثالث ص26 و27.

    (9) المصدر السابق.

    (10) الحداثة في ميزان الإسلام: ص21-22 عوض القرني (بتصرف قليل).

    (11) المصدر السابق.

    (12) انظر (فن الشعر) ص64، إحسان عباس و(شعرنا الحديث إلى أين) ص16 غالي شكري.

    (13) الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: ص121، عبد الحميد جيدة.

    (14) الحداثة في ميزان الإسلام: ص23.

    (15) الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: ص148.

    (16) فن الشعر: ص72 إحسان عباس.

    (17) الحداثة في ميزان الإسلام: ص24.

    (1 مجلة اليمامة: عدد906 ص62، مقال علي الغامدي (الشعر الحديث كمصطلح).

    (19) الثابت والمتحول: ج1 ص216، أدونيس.

    (20) الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: ص98 - 99.

    (21) الحداثة في ميزان الإسلام: ص19.

    (22) الأدب العربي وتحديات الحداثة: ص15، عبد الله أبو هيط، ينقل نص الشاعر محمد بنيس من مجلة الكرمل - قبرص، العدد12 لعام 1984م.

    (23) مجلة (فصول) المجلد الرابع، العدد الرابع ص17 مقال لصالح جواد.

    (24) شعرنا الحديث إلى أين: ص116 غالي شكري.

    (25) الحداثة: ص48 تأليف عدد من الباحثين الأمريكيين والأوربيين.

    (26) الحداثة الأدبية: ص13 - أرفنك هاو، طبعة 1967م.

    (27) الحداثة: ص25.

    (2 الحداثة: ص25.

    (29) الحداثة: ص23، ينقل عن ترلنك في كتابه (ما وراء الحضارة) طبع لندن عام 1966م.

    (30) المصدر السابق: ص20.

    (31) المصدر السابق: ص19-20، ينقل عن كتاب (الفن الإلهي) لهربرت ريد، المطبوع عام 1933م.

    (32) الحداثة: ص229 - 230 عن كتاب مالارميه (أزمة الشعر).

    (33) الحداثة: ص230، (البيان الرمزي) لجان مورا، مقال منشور في مجلة (لوفيجارو) الأدبية- 18 أيلول 1886.

    (34) الحداثة في ميزان الإسلام: ص39، نقلها عن كتاب السريحي (الكتابة خارج الأقواس) ص31.

    (35) هذه مقاطع مقتطفة من قصائد حداثوية.

    (36) الحداثة في ميزان الإسلام: ص39، ينقل عن كتاب السريحي (الكتابة خارج الأقواس) ص17.

    (37) مجلة عكاظ: عدد 71-72 ص10.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 05:41 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
في نقد الحداثة الكومبرادورية- محسين الدموس (*) (Re: osama elkhawad)


    ابن رشد »الحق لا ملة له

    لا أنكر بأي حال أن الحافز الرئيسي الذي دفعني هنا للكتابة هو تعاضدي مع جريدة »الأحداث المغربية« ضد كل أشكال الحداثة الكومبرادورية التي تجرف قطار التقدم عن مساره السليم، أي التفكير بمعنى آخر في السلسلة المرعبة من المفارقات والأكاذيب والوعود التي ينتجها دعاة »العدالة« و»التنمية« و»التقدم« والتي بقدر ما تقفز على الأسئلة الحقة التي تستوجبها المرحلة بقدر ما ترهن مصير المجتمع وتعمق محنته الضاربة في جذور تاريخه السياسي والحضاري وتنتج بالتالي فائض القيمة من الظلم والتخلف والاستبداد.

    ١- في معنى الحداثة الكومبرادورية :
    أثبت التاريخ أن استراتيجية التقليد لمظاهر قوة الغرب واستيراد التكنولوجيا لا يمكن أن ينتجا سوى تغيير في بنية المجتمع البرانية من دون أن يمس لبابه وعمقه، بل يمكن أن يفضيا إلى مفارقات مضحكة. لم تكن التكنولوجيا، بهذا الاعتبار، قط مجرد أدوات محايدة تتيح لمستعمليها إمكانات جديدة في التعامل مع الذات والعالم والطبيعة فحسب، بل كانت وهذا هو الأساس، رؤية مغايرة للعالم تقطع مع فكر الخرافة والميتافيزيقا، وتدشن أفقا حياتيا جديدا يرسخ مبدأ السببية في العلاقات الإنسانية، ويرى في العقلنة سبيلا نحو تأهيل الإنسان ومضاعفة مردوديته المادية والذهنية. فحينما استعاض الفلاح الغربي مثلا، عن المحراث الخشبي بالمكننة لم يكن يعوض أداة بأداة فحسب، بل كان يترجم على أرض الواقع القطيعة مع أسلوب التفكير »القدري« ويستجيب لروح الثورة الصناعية التي غيرت علاقات الإنتاج ووسائله. لقد توازى إذن، تطبيق المكننة مع مسلسل إزاحة السحر عن العالم وسيادة فعل دنيوية المجتمع Sécularisation وهو توازٍٍ لعب فيه فلاسفة التنوير دورا مركزيا من خلال تحرير الفلسفة من اللاهوت وفصل التفكير العقلي عن الإيمان الديني. من هنا، لم يكن التدبير التكنولوجي للحياة بمعناها الشامل منفصلا عن الأفق المعرفي الحداثي الذي جسده انتقال المجتمع من طور تاريخي هيمن فيه تحالف الإقطاع مع الإكليروس إلى طور تاريخي آخر بلورت فيه الطبقة البورجوازية الصاعدة وعيا وتمثلا جديدين لنمط العلاقة بين الفرد والمجتمع يقوم على أساس عقد اجتماعي Pacte social واضح يحدد ما لله وما لقيصر. هكذا لم تحدث التكنولوجيا صدمة للإنسان الغربي ولم تغرِّبه عن واقعه، بل جاءت تتويجا لتحولات متفاعلة بين المعرفي والاجتماعي والتاريخي والسياسي، وهو ما جعل مسلسل التحديث في مجتمعات الغرب شاملا يشيع العقلانية ويحدث اللغة ويحرر المرأة ويفتح أفق التعليم على منهاج التحليل ويُفعِّل الحس النقدي ويشجع على الابتكار الموقف في تضاعيف هذا التلازم بني التكنولوجيا والوعي المؤسس لها نشأ مشروع الحداثة والتنوير في المجتمع الغربي. فما حال وموقع هذا التلازم في السياق العربي-الإسلامي ؟

    ٢- هجنة وتلفيق فمزيد من التخلف :

    شاء مكر التاريخ أن يتأسس الراهن العربي على المفارقة التالية : »عربة أمام الحصان« و»المتنورون الأحرار خلف الضباط الأحرار« هي المفارقة ذاتها التي جعلت العرب/المسلمين يرفتون خارج السياق الكوني وينكشفون أمام العالم المتقدم عراة، شيزوفرانيين يجمعون بين التقليد والحداثة، وبين الشورى والديمقراطية، وبين الإمامة والجمهورية وبين الليبرالية الاقتصادية والاستبداد السياسي، من دون أن يرف لهم جفن المأساة لهذا التناقض المهول بين هذه المفاهيم، ومن دون أن يدركوا المسافة المعرفية والتاريخية الفاصلة بين أطراف هذه الثنائيات، وهم في ذلك سائرون في تلفيقية مخجلة لا يرعوي فيها خطيب الجمعة الذي يطلب الاستسقاء عبر مكبر الصوت، ولا زعيم مؤسطر يعيش في الأدغال ينتصر في هندامه لزي »المجاهدين الأفغان« لكنه يواجه »الكفار« بالقنابل وليس بالنبال. فإلى أي شيء تعود هذه البلادة الذهنية ؟ وكيف لم يستطع العرب/المسلمون تمثل التكنولوجيا باعتبارها قدرا Destin تفصح كما يرى هايدجر، عن حتمية كونية توحد البشر في حركة تاريخية شاملة، وتفتح آفاق الإبداع وترسخ ثقة الإنسان بذاته لا بقوى مفارقة، في صياغة المجتمع واكتشاف الطبيعة ؟ هل يتعلق الأمر بسمات جوهرية تخص العرب/المسلمين كجنس وكحضارة كما ذهب إلى ذلك المستشرق رينان ؟ ألا يمكن اعتبار الاستعمار، من خلال تحالفه مع الإقطاع والسلطات الاستبدادية التقليدية المحلية قد ساهم في إنتاج ظروف موضوعية مُعيقة للحداثة المنشودة ؟ من الواضح حين نطرح هذه التساؤلات، أننا نميل إلى ترجيح الأطروحة الاستشراقية »العنصرية« التي ترد الفوارق بين الثقافات والشعوب إلى طبائع عرقية ثابتة، بل إن ما يحكمنا في طرحها هو تقويض ما وصفه الشاعر الإنجليزي وليام بليك بـ »الأغلال التي يصنعها الذهن« أي تحرير العقل من عوائقه التي تشده إلى الوراء، بل الدفع به إلى المستقبل. فلا شك في أن أزمة تخلفنا ليست معطى طبيعيا، وليست لعنة إلهية كما أنها ليست نتيجة مؤامرة، بل هي معطى تاريخي ساهم في تأجيجها وتكريسها شريحة هامة من الأنتلجنسيا العربية عبر انخراطها في القضايا الفكرية المضللة من قبيل »التحديث من الداخل« أو »الأصالة والمعاصرة« أو »الخصوصية الحضارية«. وعلى هذا الأساس، فإن سؤال التخلف ينبغي أن ينطلق من التشكيلات الاجتماعية التي تنتج الحضارة وليس من الحضارة في حد ذاتها. كما تنبه إلى ذلك مهدي عامل في كتابه »أزمة الحضارة العربية أم أزمة البورجوازيات العربية«(١.

    إن أي حديث عن النهضة أو التحديث لا يفطن إلى هذه المعضلة الطبقية يبقى محفوفا المزالق والأفكار المزيفة ينكشف هذا التزييف حين تقيس البورجوازية الكولونيالية في عالمنا العربي نهضتها على النهضة الفكرية في أوربا فبين »الولادة الجديدة« Rennaissance في أوربا والنهضة عندنا كما يرى مهدي عامل -في ملاحظة ثاقبة- اختلاف لفظي له دلالته، فالأولى توحي بولادة شيء جديد مؤسس على القطع المعرفي مع الفكر السابق. أما في مفهوم »النهضة« فيختفي معنى الولادة الجديدة، لأن النهضة ليست ولادة شيء جديد، بل هي نهضة الشيء نفسه عليه أن ينهض من ركود أو خمود هو فيه.(٢ بعبارة أخرى، تفيد »الولادة الجديدة« انبثاقا لعلاقات جديدة وإبدالات معرفية وسلوكية توازيها جِدَّة، بينما تكرس »النهضة« الماضي في الحاضر ويرهن السلف ليحكم الخلف. ولذا، لم يعمل إجرائي العصرنة والتحديث في العالم العربي على استشراف آفاق جديدة للعيش العقلاني، بقدر ما رسخ التخلف بآليات تكنولوجية لا تنقصها النجاعة. فمن جهة أولى، تمَّ اعتبار الموروث سجلا لقيم معيارية (قيم الولاء والطاعة) وتثبيت التفاوت بين البشر بوصفه قدرا ربانيا، وتكريس دونية المرأة، وفي جهة أخرى، تم النظر إلى استجلاب التكنولوجيا الغربية كتدبير مشروع يمليه سياق العولمة وحاجيات التطور. قد يستسيغ المرء الموقف اليقظ لحضارات الشرق الأقصى العريقة إزاء الوافد الحضاري الغربي. ومردُّ ذلك أن الانخراط في شمولية التاريخ الكوني لا يفضي بالضرورة إلى الخضوع التام للقَوْلَبة والتنميط. فشتان بين الياباني الذي يحافظ على قيم »الساموراي« النبيلة، والذي يساهم في الآن ذاته في تقدم العلوم على المستوى الإنساني وينضبط لقيم المدنية الحديثة (احترام حق الفرد في الاختلاف، احترام حق المرأة في تقرير مصيرها ...) وبين المتأسلم الذي لا يستوحي قيم المروءة لدى العربي المسلم، بل يَنْشَدُّ وراء الشكليات (حَفُّ الشارب، التسربل بالتشادور ...) ويقمع المرأة ويصادر حريتها في أن تكون ذاتا وليس موضوعا للفتنة. إن اختزال الهوية في الشكل دون الجوهر، وحصر التعامل مع التكنولوجيا في بعدها النفعي البحث من دون تمثل ما تنطوي عليه من معان فلسفية ومنطقية (الصاروخ يحدد أهدافه اعتمادا على معطيات معلوماتية وتقنية وليس اتكاء على قوى مفارقة) هما اللذان أوقعا العرب الشيزوفرانيين في تلفيقية تثير الضحك، لكنه ضحك كالبكاء كما عبر جدنا أبو الطيب المتنبي. فما معنى هذا الحرص على شكلانية الماضي والإقبال في الوقت عينه على البُعد الأداتي المجرد للتقنية غير القبول بالحداثة المسطحة ؟! والشغف بالهُجنة التي تنتج التخلف ؟!. يقول سمير أمين في هذا السياق »إذا كنت حديثا وماضويا في آن واحد، فأنت بالضرورة تقبل الحداثة بشكلها الكومبرادوري«(٣. ويتضح هذا السلوك المزدوج الممجوج بشكل أكثر جلاء لدى دعاة الإسلام السياسي، أصحاب الشعار الشهير »الإسلام هو الحل«، فهؤلاء في خطاباتهم السياسية، وتنظيراتهم الفكرية يشيدون بالنظام الديمقراطي في جانبه الإجرائي-التقني، لأنه يتيح لهم إمكانات هائلة للاستقطاب واحتكار المقاعد النيابية، لكنهم في مقابل ذلك يُعْرضون عن البُعد الفلسفي للديمقراطية اللصيق بالمدنية وبمبدأ العلمانية بوصفه مجالا ينظم الاجتماع البشري على أسس المواطنة وليس على ثقافة الرعية. فما يجهله هؤلاء هو أن الديمقراطية كل لا يتجزأ، تسعى من جانب أول إلى تصريف حالات الاحتدام والصراع على السلطة وتسوية نزاع المصالح بالطرق السلمية، وتُفَعِّل من جانب ثان مبدأ الحرية الفردية في الاعتقاد والتفكير والسلوك. لا ريب إذن، في أن الديمقراطية مشروع حداثي يقترن جدليا بالعلمانية، وهو مشروع يروم تمييز الشأن العام عن الشأن الخاص وفرز المطلق عن النسبي، ولا شك أيضا، في أن تجزيئها وأخذ شقها التقني الصرف ينمان عن انتهازية مفضوحة ويكشفان عن حداثة مقلوبة ترجع القهقرى إلى قوالب السلف عوض الانفتاح على آفاق المستقبل فأي معنى للديمقراطية حين يستعاض عن الحق في تشريع يراعي مصالح البشر المتقلبة مع تقلبات الزمان والمكان بمبدأ غائم وفضفاض وهلامي هو »الحاكمية لله« أي الاستعاضة بمعنى آخر، عن الخطاب السياسي بالدوغما العقائدية ؟ وكيف تستقيم الدعوة إلى رفض حضارة الغرب الإلحادية مع الانغماس حتى النخاع بمباهج هذا الغرب المادية، أليس من الشرف والمروءة أن يكون الإقرار بالديمقراطية باعتبارها مفتاحا نموذجيا لتنظيم الاختلاف متوازيا مع الاعتراف بفضل الغرب في صنعها ؟ ألا تفضي أمْثَلَة الغرب Idéalisation وتبخيس الآخر إلى الانشطار والنكوص والانسحاب كما يرى زيعور.(٤ يختزل المثل المغربي التالي : »من يرقص لا يحجب وجهه« هجنة التفكير لدى المتأسلم السياسي، كما يكشف عن مفارقاته العديدة. فهو يطلب الدينا ويقبل على لذائذها المادية، لكنه يدعي الزهد والتقوى، وهو يعلن انتسابه إلى الديمقراطية التي تُنَسِّبُ Relativeser الاجتهاد (شعارات ولافتات المؤتمر الأخير لحزب العدالة والتنمية المغربي) لطمأنة أصحاب الحال والخصوم، غير أنه في ممارساته وحملاته الانتخابية، يتملكه اليقين، ويحارب خصومه على أساس الثنائية المانوية (أنا الخير، والآخر الشر)، ثم إنه حين يزهو حد الخيلاء بتجذره في المجتمع وبقدراته العظيمة على الاستقطاب والتأثير في الناس (سيرة الدار البيضاء المعارضة لمشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية)، فإنه يتغاضى عن أساليب الدجل والديماغوجية، التي يعتمدها في هذا التأثير. وهو بهذا السلوك يتنافى مع أخلاق المنافسة الشريفة التي يدعي أنه حارسها. فلا غرابة إذن، أن نجد عطر الافتراء والدجل متفشيا في ديباجة خطابه التي تعرض عن التمييز بين عالم الشهادة وعالم المطلق، بل الأدهى من ذلك أنه يستميل مخاطبيه بإواليات الإقناع السِّري(٥ التي تعطل -كما يرى Vance Packard الحس النقدي والاستدلالي وتُبَئِّرُ الاهتمام على طاقتهم الانفعالية ومكبوتاتهم اللاواعية. إن الرقص فن وليس عيبا. إنها حركات يبثها الجسد ليتواصل مع أجساد مفترضة (من منا ينسى رقصات الممثل المغربي الرائع محمد مفتاح في مسلسل »عبد الرحمان الداخل«) كذلك السياسة، فهي فن ولكن للممكن، وليس للوهم، فيها يتبارى الفاعلون ومن خلالها تفرز تناقضات المجتمع وتضارب مصالحهم، ومن ثم فإن ظهور المتأسلم السياسي بمظهر الداعية، وليس السياسي يسقط ورقة التوت عن انتهازية مرذولة ونفاق ديني سافر.

    ٣- الماء يطفئ والحداثة تقضي على التخلف :

    يقول الشاعر الألماني الكبير رانكه »أما فيما يخصني، فأجزم بأن كل حقبة قريبة من الله، وبأن قيمتها لا تنتج مما ينبثق منها، بل تكمن في حد ذاتها بالذات أي في هويتها الخاصة«(٦. يكشف هذا القول عن تساوي الأحقاب والمراحل التاريخية، إذ أن كل حقبة تمتلك قيمتها الخاصة في حد ذاتها من خلال الأسئلة التي يطرحها الواقع والأجوبة التي يقترحها الاجتماع البشري. إن هذا الديالكتيك هو ما يصنع التطور في التاريخ، ويحرر الإنسان من شرنقة التعلق بالقوالب البائدة ومن ثم، فإن أي تعطيل لهذا الدياليكتيك معناه الإجهاز على كفاية الإنسان في إدراك حاجياته المستجدة، كما أن الوقوف عند لحظة معينة من التاريخ باعتبارها لحظة النضج والكمال (الخلافة الراشدة مثلا) التي يجب أن تنسخ من جديد معناه إلغاء التاريخ وصرف النظر عن تحولات الحاضر الفكرية والسياسية والاجتماعية والحضارية. ولذا، فإن أول خطوة تقود مجتمعاتنا إلى استيعاب سؤال هذا الحاضر تكمن في نزع طابع القداسة عن الماضي واعتباره فقط طورا من أطوار الارتقاء في سلم الحضارة البشرية، لكن السؤال-المحنة هو : كيف السبيل إلى ذلك ؟ يقدم محمد أركون في هذا الصدد إجابة علمية في غاية الأهمية تتمحور حول ما يسميه بـ »الإسلاميات التطبيقية«. إن الثقافة العربية الإسلامية -حسب الأكاديمي الجزائري- هي ثقافة تأويل للنص/الوحي، وبالتالي فهي لا تتأسس على مبادئ النص الأول بقدر ما تعيش على العكس من ذلك، في تضاعيف النص الثاني/التأويل. إذن، ولكي تعانق مجتمعات هذه الثقافة عالم الحداثة الفسيح عليها أن تقيم مسافة فاصلة بين النص المؤسس والنص المؤول، أي بين الوحي باعتباره كلاما إلهيا مطلقا، وبين النص الثاني بوصفه اجتهادا يعكس تقديرات ومصالح وتحيزات آنية تتلاشى بتلاشي أصحابها.

    وعلاوة على ذلك، تتيح هذه المسافة الفاصلة أدوات مثلى لتفكيك تعالقات النص الثاني مع بنية النظام القائم وبنية الثقافة السائدة، وهو ما يمنح للنص الأول في الوقت ذاته إمكانية الانفتاح على قراءات وتأويلات جديدة تفرضها طبيعة القضايا والإشكاليات والأسئلة التي تواجهها في العصر الحالي، وتستوجبها أيضا القطائع المعرفية والعلمية والفلسفية التي تحققت على المستوى الكوني. إن إجراء من هذا القبيل، سيفتح لا محالة، بنية المجتمعات العربية على الحداثة الحقة التي يشوبها الانسجام والواقعية وليس على الحداثة الكومبرادورية التي تأتلف مع نقيضها. ليس الحداثة الحقة دعوة إلى الاستلاب أو نزوعا إلى المحاكاة الصماء، وإنما هي بلغة عبد الله العروي الانتظام في الأفق الكوني، أما دون ذلك فخرط القتاد.
    هوامش:

    (*)باحث في الآداب والجماليات حاصل على الدكتوراه من جامعة ظهر المهراز/فاس

    هوامش البحث :

    ١- مهدي عامل (أزمة الحضارة العربية أم أزمة البورجوازيات العربية) دار الفارابي، الطبعة الثانية، بيروت ١٩٧٩.
    ٢- نفسه ص : ١٦٨.
    ٣- سمير أمين (حول الإسلام السياسي) مجلة الطريق، العدد الخامس، السنة ٦٩. ٤- علي زيعور (المنجرح في علائقية الذات والآخر داخل الدار العالمية للحضارة) مجلة مواقف، شتاء ١٩٩٢ ص : ٤٨.
    ٥- Voir Vance Tackard (la persuation clandistine) Ed calman levy
    .1984
    6- انظر الترجمة الرفيعة التي أنجزها الأكاديمي المغربي رشيد بنحدو لكتاب هانس روبرت ياوس »جمالية التلقي من أجل تأويل جديد للنص الأدبي« الطبعة (١، ٢٠٠٣، ص ٣١.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 05:53 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الحداثة الإسلامية وتجديد الخطاب الديني ذاتيًّا-الجزء الأول (Re: osama elkhawad)

    في مقابل النموذج الحداثوي المستند على النموذج الغربي ,يحاول بعض الاسلاميين ايجاد بديل له يستند الى مفاهيم مثل التجديد والحداثة الاسلامية.
    والدراسة التالية لعبدالقادر قلاتي تحاول ان تؤسس لذلك النموذج البديل.
    وتعتمد الدراسة على المحاور التالية:
    1-بناء التجديد في النمط الغربي
    2-في نقد المحاولات التجديدية

    3-نشأة أسلمة المعرفة

    4-حدود إمكانية التجديد الذاتي

    5-فك ترابط علاقة التجديد بالحداثة

    --------------------------------------------------------------------------------

    1-بناء التجديد في النمط الغربي:

    لا يمكن أن نحدد شروطًا موضوعية لتتم عملية التجديد في حقل التداول الإسلامي دون توقف هذه المحاولات التي تتم بعيدًا على النصوص المؤسسة لتراثنا الديني. والتي تعمل على الاستنجاد بمفاهيم تشكلت خارج هذا الحقل التداولي. لتصوغ مفاهيم هامشية لا تلمس بنية التراث وإطاره العام، ومن ثَم لا يطال مجهودها سوى ما تشكل في التاريخ من نصوص أفرزتها قراءات تمت حول هذه النصوص المؤسسة (القرآن والسنة). والتي ارتبطت بسياقات تاريخية وحيثيات وليدة تلك اللحظة التاريخية، وإذا كنا نشترط إبعاد هذه المحاولات، فإننا لا نملك اشتراط إزاحة مجهودها الذي قارب القرن ونصف القرن.

    وفي محاولتنا لتحديد الشروط الموضوعية التي يجب أن يستوفيها حصول عملية التجديد بعيدًا عن الأنساق المعرفية والأنماط الحدثية التي ترتبط بحقل تداولي آخر. يستوجب ذلك التقدير السليم للحقيقة الدينية التي تختلف اختلافًا بينًا عن المعايير الفلسفية التي تطبع النمط الحداثي الغربي. ذلك أن "مسالك الغرب في التحديث بُنيت أصلاً على أسس عقدية وقواعد مذهبية تعارض الحقيقة الشرعية الإسلامية. وكل من اتبع هذه المسالك الحداثية من غير إتمام التبصر بسياقاتها العقدية وكامل التبين لآثارها ومآلاتها القريبة والبعيدة، لا بد أن يقع في الإضرار بعقيدته الدينية وبعمله الشرعي، ذلك أن هذه المسالك قامت على صنفين من الفصل: أحدهما: فصل العقل عن كل دلالة على الغيب، ومن المعلوم أنه لا عقل في الإسلام إلا ممن أدرك هذه الدلالة الغيبية وعمل بها؛ والثاني، فصل العلم عن الأخلاق" 1، وهنا يكمن الخلاف المعرفي بين النمطين المذكورين. ذلك أن العقل والعلم يمثلان المستند بالنسبة لكلا النمطين، فالحداثة الغربية تستند إلى العقل بعيدًا عن كل دلالة غيبية وعن العمل عندما يتجرد من كل دلالة خلقية.

    وهذا ما يدفعنا للبحث عن نمط مخالف يبقي للدلالة الغيبية والخلقية حضورها عند كل محاولة للتجديد لما للدلالتين من ارتباط بهذين الصنفين؛ لذا يجب أن نطلب نمطًا تحديثيًّا مغايرًا، لما كنا قد سلمنا به منذ الإرهاصات الأولى للمشروع التجديدي الذي يزيد عن قرن ونصف إذا اعتبرنا لحظة التجديد بدأت مع الحركة الوهابية، واعتبرنا هذه المحاولة أولى حلقات ما قد نسميه بالتجديد الذاتي الذي تم بعيدًا عن فتنة النمط الحداثي الغربي الذي هيمن على كل المحاولات التي جرت هنا أو هناك في عالمنا العربي والإسلامي.

    فالمحاولة، وإن كانت بسيطة إلا أنها طرحت مفهوماً ذاتيًّا للتجديد يتلخص في "سيطرة الفكرة الإسلامية الوحيدة التي تصلح بما فيها من طاقة متحركة. لتحرير العالم الإسلامي المنهار منذ سقوط خلافة بغداد" 2 دون الاستناد إلى مفاهيم من خارج المنظومة الفكرية الإسلامية. وهنا تكمن فرادة هذه المحاولة التي لم تبدد فاعليتها سوى تحالفات سياسية ألغت كل بعد لفكرتها الأساس. ثم ظهرت محاولات أخرى بدت أنها امتداد لها غير أن طغيان النمط الحداثي الغربي دفع بهذه المحاولات بعيدًا عن (الفكرة الأصيلة في الإسلام) كما يسميها المرحوم مالك بن نبي. فالشروط الموضوعية التي يمكن أن تضمن تحقق محاولة تجديدية جادة ليست واضحة بالقدر الذي يجعلنا نحددها ضمن عناصر معينة، بل إن هذه الشروط حسب تقديرنا للحالة التي يعيشها الفكر الإسلامي المعاصر غير واضحة المعالم في ضوء هذا الجمود والارتهان للحداثة الغربية، ومن ثَم فالفكر الإسلامي يجب أن يتحرك ضمن تفكير جديد انطلاقًا من الموروث الديني، وأن يستثمر الآليات التي صاغت مفهوم العلم والمعرفة في إطار هذا الموروث دون الارتهان للنمط الحداثي الغربي، بل يستفيد من الحركة النقدية التي بدأت تطال الأبستملوجيا الغربية.

    2-في نقد المحاولات التجديدية:

    يمكن أن ندرك بيسر أهم الأخطاء التي وقعت فيها حركة التجديد المعاصرة في محاولاتها التي تمت في حقل التداول الإسلامي، ذلك أن إصرارها على التقريب بين حقلين تداوليين يملك كل منهما خصوصية الاختلاف عن الآخر جعلت أي متابع للخطاب الديني يلحظ هذا الخلط المنهجي في عموم ما أنتج من تنظير فكري خلال عمر هذه التجربة التي اعتبرنا بدايتها ظهورا لحركة الوهابية في الحجاز.

    فعملية التقريب التي تمت في إطار هذه المحاولات والتي استقت مفاهيم وآليات نقلتها من حقل تداولي «مغاير للمجال التداولي الإسلامي العربي..» 1.

    أظهرت عدم إمكانية الإحاطة بالحداثة الغربية وفهم سياقاتها التاريخية «لأنها مفهوم معقد لا يمكن الإحاطة به» 2 أو التمكن من فهم تجربته دون قراءتها بعيداً عن الانبهار ودون التخلص من آثار لحظة الاصطدام التي طرقت بقسوة العقل العربي والمسلم، وراحت هذه المحاولات تحاكي النمط الحداثي الغربي الذي كان يستبطن نبذ كل ما هو قيمي باعتباره نمطا يستند في تجربته الحداثية على العلم الذي لا يمكن للجانب الأخلاقي أن يتدخل في ممارسته؛ فالحضارة الغربية كما تنعت «حضارة منكفئة على «اللوغوس» في دلالته اليونانية الأصلية أو بإيجاز إنها «حضارة لوغوس...» 3 ومن معاني «اللوغوس» التي برزت معنيان «اشتهرا أكثر من غيرهما، وهما: «العقل» و«القول»؛ فحينئذ، تكون الحضارة الحديثة حضارة ذات وجهين: «حضارة عقل» و«حضارة قول»؛ لكن الوجه الذي شغل الناس عمومًا والمتفلسفة والحداثيين خصوصًا أكثر من الآخر إلى حد الافتتان به، هو كونها «حضارة عقل»؛ وتجلى هذا الافتتان في رفع «الخاصية العقلية» -أو بالاصطلاح المعروف؛ «العقلانية»- إلى أعلى مرتبة من مراتب الإدراك الإنساني كما تجلى في الميل إلى تخصيص أهل الغرب بها» 4 فالمحاولات التجديدية التي حسمت موقفها من الحداثة من أول لحظة بأن اختارت تقريب النموذج الحداثي الغربي مع تراثنا الفكري دون أن تتميز خصوصيات هذا النموذج، ودون أن تبرز خصوصية الدين الإسلامي راحت تخوض في موضوع «العقلانية» بعيداً عن خصوصية الذات، وتستند في كثير من تنظيراتها إلى هذه الخاصية «حتى تواردت عليه ضروب من الشبهة والإشكال، وتطرقت إليها صنوف من الخلل والفساد، هذه الضروب والصنوف التي تحتاج إلى استجلاء أوصافها وبيان أسبابها وتحديد آثارها حتى نحترز من الوقوع فيها ونهتدي إلى طريق في «العقلانية» يكون موافقاً للأخلاق الإسلامية» 5. فإذا حاولنا أن نجمل المحاولات التي استقت معايير العقلانية الغربية (المجردة) نستطيع أن نلاحظ ثلاث حقائق من واقع الاشتغال بهذه العقلانية حصرها طه عبد الرحمن فيما يلي:

    1- أن كل من تولى النظر في وسائل النهوض بواقع العالم الإسلامي والعربي لم يتردد في أن يجعل العقلانية على رأس هذه الوسائل، مشيدًا بفضائل وفوائد المناهج العقلية في تحصيل المطلوب من التقدم والتحضر.

    2- أن التعلق بالعقلانية تساوي فيه من يتمسك بأخلاق الدين الإسلامي ومن يميل عن هذا الدين مبتغيًا العمل بأخلاق أخرى وكذا من ينزل منزلة بين هذين الطرفين، منتقيًا بعض الأخلاق من الدين الإٍسلامي والبعض الآخر من مذاهب غير إسلامية أو غير دينية، بحجة مسايرة التطور والاستجابة لمقتضى التغيير.

    3- أن هذه الدعوة إلى العقلانية التي تشترك فيها الفئات الإسلامية والعربية على تباين اختياراتها العقدية تزايدت في الشدة والانتشار على مدى فترة استغرقت قرنًا ونصفًا من الزمن وامتدت من منتصف القرن التاسع عشر إلى نهاية القرن العشرين 6.

    ولم تخضع مَوْضَعَة «العقلانية» في المجال الإسلامي. أو تنظيرات هذه المحاولات لعملية نقد، بالقدر الذي يجعلها مقبولة التوظيف والتقريب من المجال التداولي العربي الإسلامي، بل اندفعت المحاولات التجديدية نحو مَوْضَعَة العقلانية، وكأنها المخلص لأوضاعنا الحضارية وأبت هذه المحاولات كما قال طه عبد الرحمن: «إلا التمادي في التعلق بالعقلانية والاحتجاج بها والاحتكام إليها، نظرًا لراسخ إيمانهم بكمال مبادئها وتجانس مناهجها وسلامة مآلاتها، حتى أنهم لو فوتحوا في أمر هذا التمحيص وأشعروا باستعجال الحاجة إليه، لكرهوا الدخول فيه لما بلغه هذا الاعتقاد من أنفسهم» 7 وتذهب هذه المحاولات في تقريبها لتراثنا الديني نحو المعايير العقلانية، وإن اختلفت فهومهم نحو أي من الجوانب التراثية أقرب إلى الاستجابة لهذه المعايير. «منهم من يقول بأنها النصوص الفلسفية، ومنهم من يرى أنها النصوص الفقهية، ومنهم من يعتقد أنها النصوص اللغوية، ومنهم من يذهب إلى أنها هي النصوص الكلامية، ومنهم أخيرًا من يجمع أجزاء هذه النصوص، ثم ما كان من هذه النصوص واضح الانتساب إلى العقلانية لزم في نظرهم تحقيقه والانتفاع به وفق مقتضيات الحداثة وشروط التطلع إلى المستقبل»8.

    إن أشكال الوعي المغلوط الذي صاحب هذه المحاولات عندما تصور أصحابها إمكانية تبنّي المنظومة الحداثية الغربية دفع بها إلى التسليم بمرجعية الحداثة وطرح تصورات ومحاولة إبداع مفاهيم ضمن هذا التصور المغلوط الذي يكشف مدى سذاجة هذه المحاولات عندما تصورت مثلاً إمكانية أسلمة المنظومة المعرفية التي أنتجها النمط الحداثي الغربي وهي إحدى الآفات التي وقعت فيها حركة التجديد بعد آفة العقلانية المجردة غير المسددة (بتعبير طه عبد الرحمن). وظهرت فكرة الأسلمة على الرغم من براءتها من تهم التغريب وتشويه الإسلام التي عادة ما تتهم بها بعض المحاولات المؤدلجة، وتطورت دعوتها حتى غدت اتجاهاً كبيراً ضمن هذه المحاولات. وظهرت دعوتها الأساس، وهي أسلمة المعرفة الغربية، وخصوصًا العلوم الإنسانية كالاقتصاد والعلوم الاجتماعية والأنثربولوجيا وعلم النفس والفلسفة. وخلقت هذه المحاولة خطًّا جديداً في التفكير الديني بدأ يعمل على بناء نظام معرفي وفق الرؤية الإسلامية، وخصائص التصور الإسلامي ومقوماته دون التغاضي عن «الإجابات الفلسفية الوضعية بأشكالها المختلفة وإعادة توظيف هذه العلوم ضمن نظام منهجي ديني غير وضعي»9.

    غير أن المحور الأساسي في أدبيات هذه المحاولة التجديدية هو بناء الأنساق المعرفية التي عرفها تاريخنا وذلك «للربط بين الأنساق المعرفية أو النماذج وبين الإنتاج الفكري الذي وجد في تلك العصور لتحديد مدى الاستقامة والفعالية والتجديد والشمول في ذلك الإنتاج أو تجديد العلاقة بين الأزمة الفكرية التي عاشتها الأمة وبين الأنساق التي سادت في تلك الفترات... ثم محاولة كشف وبيان كيفية استمداد النماذج المعرفية الجزئية من النظام الكلي التوحيدي» 10.

    كل ذلك تمهيداً كما يقول طه جابر العلواني «لإمكانية تشكيل نماذج معرفية في مختلف العلوم الاجتماعية والتطبيقية قائمة على عقيدة التوحيد والجمع بين القراءتين، قراءة الوحي وقراءة الواقع مع الاستفادة مع النماذج المعرفية التي سادت التراث والنماذج المعرفية التي طورها الفكر الغربي أو الإنساني المعاصر» 11.

    الهوامش:
    1
    - طه عبد الرحمن ـ تجديد المنهج في تقويم التراث ـ المركز الثقافي العربي ـ ص 237.

    2- داريوش شايفات ـ أوهام الهوية ـ دار الساقي. ص 117.

    3- طه عبد الرحمن ـ سؤال الأخلاق ـ ص 59.

    4- طه عبد الرحمن ـ سؤال الأخلاق ـ ص 59.

    5- نفس المرجع ـ ص 60.

    6- نفس المرجع ـ ص 60.

    7- طه عبد الرحمن ـ سؤال الأخلاق ص . 60 ـ 61.

    8- طه عبد الرحمن ـ تجديد المنهج. ص 25.

    9- محمد أبو القاسم حاج حمد ـ منهجية القرآن وأسلمة فلسفة العوم الطبيعية والإنسانية ـ نقلاً عن إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم ـ طه جابر العلوي ـ ص11.

    10- طه جابر العلواني ـ إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم ـ ص 20.

    11- نفس المرجع ـ ص 20.



    (عدل بواسطة osama elkhawad on 15-10-2004, 06:04 PM)

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 05:59 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الحداثة الإسلامية وتجديد الخطاب الديني ذاتيًّا-الجزء الثاني (Re: osama elkhawad)


    3-نشأة أسلمة المعرفة:

    يرجع أغلب الدارسين فكرة أسلمة المعرفة إلى كتابات سيد نقيب العطاس في كتاب نشره عام 1969. وكانت فكرته تهدف إلى تحرير الناس في عالم الملايو من التقاليد الخرافية والثقافات المحلية والسيطرة العلمانية على التفكير واللغة. غير أن بدايات البناء التنظيري لهذه الفكرة كانت مع جمعية العلماء الاجتماعيين المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية. خصوصًا عند إسماعيل الفاروقي وجعفر شيخ إدريس، بالإضافة إلى سيد حسين نصر والعطاس.

    لقد بدأت تنظيرات هؤلاء العلماء استنادًا إلى الحركة النقدية التي بدأت تطال الإبستملوجيا الغربية من طرف عدد من الفلاسفة الغربيين أنفسهم، "ونخص بالذكر هنا «هيوم» (Hume) في كتابه حول الطبيعة الإنسانية؛ حيث هاجم المبالغة في الموضوعية ورفعها إلى مكانة «شبه إله»، كما تساءل عن مبررات افتراض أولي لعالم خارج ذواتنا أو حتى عن ذات منفصلة عنه.

    كما صرّح أن «التكرار» -أحد مبادئ الموضوعية العلمية- ليس لديه أي قوة برهنة على الإطلاق، وذلك بالرغم من أدائه دورًا رئيسيًا في «فهمنا» للأشياء.

    وبالفعل فإن «هيوم» كان مقتنعًا بأن كلاً من العقل والحجج لا يقومان إلا بدور صغير فقط في «فهمنا»؛ فالمعرفة لا تتعدى كونها معتقدًا لا يمكن الدفاع عنه"1.

    وانطلقت مدرسة «إسلامية المعرفة» في هذا الاتجاه مستثمرة هذه الحركة النقدية التي بدأت تتسع في الغرب ومن داخل المجتمع العلمي، خصوصا «وايتهيد» (Whitehead)، و«توماس كون» (Kuhn)، و«بولانيني» (Polanyi)، وبول فييرابند (P.k.feyerabad)، وميتروف (Mitroff)، ورافتز (Ravetz)، هذه الحركة النقدية التي بدأت تؤسس لإبستملوجيا غربية بديلة ولأنماط معرفية غير غربية للتفكير.

    وجاءت محاولة «أسلمة المعرفة» كرد فعل إسلامي -كما قال ضياء الدين سردار- على الإمبريالية الإبستملوجية الغربية.

    وبدأت محاولة التنظير تركز على تقديم انتقادات حادة للإبستملوجيا الغربية، جسدتها كتابات سيد محمد النقيب العطاس وإسماعيل راجي الفاروقي، فقد قدم العطاس في مقالة له: (نقض تغريب المعرفة 1985) «أشد الانتقادات تدميرًا للإبستملوجيا الغربية؛ حيث أكد أن مذهب "الشكية" شاسع الانتشار، وهو الذي لا يعرف الحدود الأخلاقية والقيمية، والمنتمي للنظام المعرفي الغربي، وهو نقيض الإبستملوجيا الإسلامية»2 فيقول:

    «يبدو أنه من المهم أن نؤكد على أن المعرفة ليست حيادية، وأنه بإمكانها فعلاً أن تستقرأ مع طبيعة ومضمون معينين، ومن ثم تتنكر بقناع المعرفة. كما أنها في الواقع تؤخذ ككل -ليس كمعرفة حقيقية، ولكن كتأويل لها من خلال "موشور" للتصوير العالمي للرؤيا الفكرية وللإدراك الحسي النفسي للحضارة التي تلعب الآن الدور الرئيسي في صياغتها ونشرها.

    إن ما يصاغ وينشر هو معرفة نقعت في خاصة وشخصية تلك الحضارة، بحيث تصهر المعرفة المقدمة والمنقولة كمعرفة على هذا النمط بمهارة مع الحقيقة بغية أن تتخذ -عن جهل وبرمتها- كالمعرفة الحقيقة نفسها»3.

    ويعتقد العطاس أن «قيم التنوير» والحركة الفلسفية الفرنسية للقرن السابع عشر هي القيم الأصلية للعلم والتكنولوجيا الحديثة»4، رغم أنه يقر ما للإسلام وتراثه من مساهمة في بناء المعرفة التي عرفها الغرب فيما بعد، والتي أبدعت نموذجه الحضاري، والتي كان لها الدور المعتبر في تطوير العلم والتكنولوجيا الغربيين. «لكن المعرفة والروح والعلمية العقلانية أعيدت صياغتها وقولبتها لتذوب في بوتقة الثقافة الغربية. وهكذا أصبحت منصهرة ومندمجة مع جميع العناصر الأخرى التي تكون خاصية وشخصية الحضارة الغربية».

    إن هذا الاندماج وذلك الانصهار أنتجا -كما يقول سردار- «ثنائية مميزة في التصور العالمي وقيم النظام المعرفي الغربي»5، وهذه هي نقطة الارتكاز في نقد العطاس للنموذج الحداثي العربي ودعوته إلى الأسلمة تبدأ بالعمل على إبداع النظام المعرفي الإسلامي الذي يتم بعيدًا عن النظام المعرفي الغربي.

    ذلك أن المساهمات الإسلامية داخل هذا النظام المعرفي «لا يمكن إلا أن يزيد في صيت القيم والتوترات الداخلية للثقافة والحضارة الغربيتين. كذلك فإن منظومة المعرفة والعلم هذه لا يمكن أن تلبي حقاً احتياجات المجتمعات الإسلامية أو حتى أن يكون لها جذور اجتماعية داخل العالم الإسلامي»6.

    وقريبًا من هذا تأتي أطروحة الفاروقي حول الأسلمة؛ فهو يرى أن مرض الأمة لا يداوى «إلا بجرعة إبستملوجية، وأن أصعب مهمة تواجه الأمة الإسلامية هي إيجاد حل لمشكلة التعليم»7 ذلك أنه لا أصل في نهوض هذه الأمة من ركودها الحضاري وربطها بدورة حضارية جديدة، ما لم تبدع نظامًا تعليميًّا تلغي به هذه الازدواجية الراهنة في التعليم الذي انقسم إلى نظامين: ديني وآخر دنيوي.

    ودعا الفاروقي إلى إيجاد هذا النظام التعليمي الذي «ينبع من الروح الإسلامية، ويعمل باعتباره وحدة متكاملة مع برنامج الإسلام العقدي» 8، ويحدد الفاروقي في خطته للأسلمة خمسة أهداف هي:

    - التمكن من العلوم الحديثة.

    - التمكن من التراث الإسلامي.

    - إثبات الصلة بين الإسلام ومختلف فروع المعرفة الحديثة.

    - البحث عن وسائل تمكننا من التأليف المبدع بين التراث والمعرفة المعاصرة.

    - وضع الفكر الإسلامي في المسار الذي يتيح له إنجاز النموذج الإلهي.

    إن التطبيق العملي لهذه الخطة يقوم على افتراض أساسي هو البدء بالمجالات المعرفية كما هي الآن في سياقاتها الغربية. مع شيء من الحذف والإضافة لتتم في الأخير الأسلمة المطلوبة أو كما يرى الفاروقي. والفاروقي باعتباره من المشتغلين بالعلوم الاجتماعية كان تركيزه الأساس في دعوته إلى الأسلمة، هو أسلمة هذه العلوم تحديداً. فهو يرى أنها العلوم أكثر ترويجًا للنموذج الحداثي الغربي ومفاهيمه الخاصة بالدولة ـ الأمة (Nation - state)، والهوية العرقية» 9. غير أن الفاروقي أغفل ما للعلم والتنكولوجيا من دور في المحافظة على الأنساق الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية التي يسيطر بها الغرب على العالم. لم يعد المجتمع (الغربي تحديداً) يصاغ من مفاهيم العلوم الاجتماعية بل إن هذه الوظيفة انتقلت إلى المعرفة العلمية والتكنولوجية التي أصبحت «هي الأداة الرئيسية للإمبريالية المعرفية الغربية»10.

    إن المعرفة لا يمكن فصلها على التصور والنظام العقدي الذي تمتد فيه جذورها وأي محاولة لاختراق هذا المفهوم وتصور إمكانية تجاوزه، لا تقود إلى أي مشروع إيجابي؛ فالإيستمولوجيا أو نظرية المعرفة «تعمل على تحديد المعرفة والتمييز بين فروعها الرئيسية وتعيين مصادرها وإقامة حدودها. إن إمكانية وكيفية المعرفة هي التساؤل المركزي للإبستملوجيا..»11، لذا فإن محاولة أسلمة الفروع العلمية والمعرفية التي تطورت في الوسط الثقافي والاجتماعي الغربي، هي غير ذي جدوى فجدير بعلماء الأمة والمشتغلين بالبحث العلمي أن يوجهوا طاقاتهم لإبداع منظومة معرفية تستند إلى الإطار المرجعي الديني الذي يملك منهجيته ومفرداته ومفاهيمه. حتى نصل إلى مرحلة إبداع علوم تختلف عن العلوم الغربية المعاصرة، فلا نستطيع مثلاً أن نقول بأسلمة الأنثربولوجيا، العلم الذي نشأ في إطار ظروف خاصة، وقام على أسس ومبادئ معينة، أو نزعم أنه بإمكاننا أن ننشأ علم أنثربولوجيا إسلامي، ذلك خطأ منهجي يتضمن قبول الحدود الاصطناعية التي وضعت لهذا العلم ضمن المنظومة الحداثية الغربية.

    إن أسلمة المعرفة ليست إلا مغالطة إبستملوجية أظهرت الإسلام وكأنه دين يحتاج إلى الارتباط بالمعرفة الحديثة متغافلة عن حقيقته كدين صالح لكل زمان ومكان (وهو مفهوم مركزي في المنظومة المعرفية الإسلامية)، فحاجة الأمة إلى التقدم الحضاري يجب ألا تتجاوز أبعاد هذا الدين وحقيقته.

    كما يجب علينا كأمة أن نعترف بأن أبستومولوجيا العلم الغربي هي التي صاغت العلم الحديث. «إن أبستملوجيا العلم الحديث هي التي تحدد الطريقة التي تمكن الأفراد في المجتمعات المصنعة من تصور «عالمهم» ومحاولة معرفته وفهمه والسيطرة عليه. وتركز هذه الإبستملوجيا أساسًا على التمييز بين الذاتية والموضوعية... إن هذه الثنائية بين الوقائع والقيم، الحقيقة الموضوعية والإحساس الذاتي تمثل الميزة الرئيسية لإبستملوجيا العلم الحديث، إنها طريقة معرفية تناقض تلك التي تسود في كثير من المجتمعات التي تتصور الحكمة والمعرفة في حالتها الشعورية الذاتية»12.

    إن الغرب وعبر فلاسفة كثر بدأ يبحث عن أبستومولوجيا بديلة. لتلك التي ارتبطت بالمغامرة الأستدمارية (Colosation) الأوروبية وبظهور العقلانية العلمية كوسيلة شرعية وحيدة لفهم الطبيعة والسيطرة عليها. فلماذا لا نبدأ نحن محاولاتنا التجديدية بالبحث عن صيغة لتصور ذاتي للمعرفة ؟ مستند إلى مفهوم العلم، المصطلح الأقرب إلى الرؤية الإسلامية. بل هو المفهوم الوحيد والمركزي لما قد نسميه بإبستملوجيا إسلامية. فقد ظل العلم عبر تاريخ أمتنا الطويل يربط المجتمع الإسلامي بمحيطه ويعطي للإسلام حركته وحيويته .

    إنه في ظل هذه الدعوة ـ صناعة إبستومولوجيا إسلامية ـ يجب على الحركة التجديدية أن توظف طاقاتها وقدراتها في طرح خطاب تجديدي متماسك يستند إلى الذات بعيداً عن فتنة النمط الحداثي الغربي، فالأسلمة أشبه ما تكون كما يرى ضياء الدين سردار بعملية إعطاء روح من القيم الإسلامية في حقول معرفية تشكلت بالرؤى الكلية والمفاهيم واللغة والنماذج المعرفية الغربية، وهي كما يخشى سردار أقرب إلى تغريب الإسلام منها إلى أسلمة المعارف الغربية.

    الهوامش:
    12- ضياء الدين سردار ـ مجلة الفكر العربي / العدد 75 / شتاء 1994، ص 106.

    13- نفس المصدر ص 108.

    143- نقلاً عن ـ ضياء الدين سردار ـ مجلة الفكر العربي / عدد 75 /شتاء 1994. ص 109.

    15- ضياء الدين سردار ـ مجلة الفكر العربي / عدد 75 / شتاء 1994. ص 109.

    16- ضياء الدين سردار ـ مجلة الكفر العربي / عدد 75 / شتاء 1994. ص 109.

    17- نفس المصدر ـ ص 109.

    18- نفس المرجع ـ ص 109.

    19- نفس المرجع ـ ص 110.

    20- نفس المرجع ـ ص 113.

    21- نفس المرجع ـ ص 113.

    22- ضياء الدين سرداد،مجلة الفكر العربي، العدد 75، شتاء 1994، ص 104.

    23- سردار، الفكر العربي، عدد 75، شتاء 1991، ص 105..

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 06:09 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الحداثة الإسلامية وتجديد الخطاب الديني ذاتيًّا-الجزء الثالث (Re: osama elkhawad)

    4-حدود إمكانية التجديد الذاتي

    بعيداً عن ثنائية تقليد/حداثة:

    إلى أي حد يمكن أن نجدد تفكيرنا الديني بعيداً عن هيمنة النمط الحداثي الغربي؟ ثم إلى أي حدٍّ يمكن أن ندفع التفكير الديني نحو إبراز منظومة من الإبداع التكويني الذاتي في جدلية التعاصر والتثاقف استناداً إلى شرط النهوض التاريخي والحضاري دون الامتثال لمعايير خارجية في جدلية العلاقة الذاتية مع الآخر (النمط الحداثي الغربي)؟

    إن إمكانية ذلك لا تتم إلا عندما تقتنع المحاولات التجديدية التي تتم في حقل التداول الإسلامي بأن لا فائدة مرجوة لوضع الإسلام مقابل الحداثة. وأن التجديد لا يتم إلا وفق معادلة حددتها هذه المحاولات التي اعتبرت أن الإسلام يمثل الماضي (التقليد). بينما الحداثة هي لغة العصر. وهي من يجب أن يحدد علاقتنا به. وما لم تتم عملية تقريب بين حقلي الإسلام والحداثة فإنه لا يمكن أن تبدع منظومة معرفية إسلامية تقوم على توافق بنيوي بين هذين الحقلين.

    إن هذه الجدلية الحادة المطابقة لصورة الحركة التجديدية منذ إرهاصاتها الأولى هي التي صاحبت هذه الحركة في كل محاولاتها التجديدية، لقد اندفعت هذه المحاولات في تفسيرها للظواهر والبنى الاجتماعية الأكثر تعقيداً نحو استخدام هذه الثنائية الجامدة حداثة/تقليد. وهذا ما جعلها تسلم بفاعلية التقريب مع الحداثة الغربية. ذلك أن الغرب ونمطه الحداثي هو من أبدع هذه الثنائية (خصوصاً الدراسات الاستشراقية). لتفسير الظواهر الاجتماعية، في العالم غير الحداثي (التقليدي غير الأوروبي)، "إن بسط الكلام في مفهوم التقليد يجب أن يحملنا على الاعتراف باستواء التقليد وجهاً من الحياة الاجتماعية، وليس مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي، ومن وجهة بالغة الأهمية ليس التقليد والحداثة حالتين متنابذتين في مرتبة الثقافة والاجتماع، وإنما هما حيثيتان مختلفتان للوضعية التاريخية. وبهذا اللحاظ فإن عدداً من الأشياء التي يجري التفكير فيها بوصفها أشياء حداثية إنما ترتبط بوثيق صلة بتقاليد لها جذورها في التاريخ الغربي"1.

    هناك صيغ تقليدية كثيرة تندرج ضمن الحداثة، وقد تشكل إحداها مفهوماً مركزياً لها. كالليبرالية مثلاً، فهي لا تتعين باعتبارها مزيجاً من عناصر تقليدية وأخرى حديثة. إنها تقليدي يرسم وجها مركزيا من وجوه الحداثة الغربية ومع كونها تقليدية فهي أكثر حداثة من الكثير من المفاهيم المندرجة ضمن متن الحداثة. ومع هذا لا يطال النقد الموجه إلى التقليد هذه الصيغ الحديثة في الغرب، بل يكثف جهوده نحو نقد ما يسمى "مجتمعات / ثقافات تقليدية".

    في سياق هذا التفكير يمكن للحركة التجديدية أن تخرج من أسر ثنائية تقليد/حداثة، وأن تعاود التفكير في الصيغ الجاهزة التي أبرزتها المنظومة الحديثة الغربية، وهو أن التقليد يعني غياب الحداثة، وأن الحداثة فعل اجتماعي وثقافي يمكّن من التحرُر من هيمنة التقليد. ثم النأي بتفكيرنا الديني عن كل التفسيرات القائلة بالتوافق البنوي بين الفكرين الإسلامي والغربي. وإمكانية التقريب بينهما. وأن التراث (التقليد) لا يمكن أن يفهم من ذاته. وإنما يتطلب دائماً نقيضاً مفهومياً. وهو طبعاً الحداثة.
    --------------------------------------------------------------------------------
    الهوامش:
    24- صبا محمود، السلطة المدنية وإعادة تشكيل التقاليد الدينية ، مقابلة مع طلال أسد، مجلة الاجتهاد (عدد 49/48/2000)، ص 255..
    وتكنولوجيا
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 06:15 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الحداثة الإسلامية وتجديد الخطاب الديني ذاتيًّاالجزء الرابع والأخير (Re: osama elkhawad)

    4-فك ترابط علاقة التجديد بالحداثة:

    لا يمكن فك هذه العلاقة المتشكلة ضمن شروط تاريخية وإكراهات حداثية لم يكن التفكير الديني قادرًا على أن يعط مفهومًا ذاتيا عن التجديد والتغيير إلا ضمن هذه الشروط (ربط التجديد بالحداثة) ما لم نحرر مفهوم التقليد (التراث) «الذي تنحصر دلالته بحسب الأدبيات الشائعة في الدعوة إلى ماضٍ أساسي يقاس به التاريخ اللاصق ويرد إليه»1.

    إن العلاقة بين التجديد كآلية والحداثة كمعطى اجتماعي وثقافي لم تتشكل إلا ضمن تصور مغلوط فرضته شروط تاريجية عند حاجة الأمة إلى النهوض. وبالتالي فالإسراع في التأكيد ألا حاجة ماسة من وراء هكذا علاقة مطلب ضروري عندما تبدأ محاولة تجديدية جادة. تبدع شروطها التاريخية الناسخة لتلك المشوهة وتبرز حاجة الأمة إلى التغيير أو التجديد ضمن رؤية وتصور ينطلقان من الذات ولا يستبعدان ما قد يستفاد من إنجازات الحداثة. في أي محاولة للتجديد (الذاتي).

    إن الدعوة إلى تحرير مفهوم التقليد (التراث) من أسر تصورات خاطئة جعلته يلتصق بخاصة «زمانية أي أنه تابع للزمن». وهذا ما كرس هذا الوهم نحو مفهوم التقليد. حيث إن أعراضه «تنقض بالفراغ من عملها بدون بقاء أثر أو قيمة»، وهذا ما يُحاول تيار التغريب أن يُكرسه كتصور منطقي لإبعاد الإسلام ومنظومته المعرفية من أي محاولة سياسية أو ثقافية. باعتبار الإسلام -في نظر هؤلاء- شكل تقليدي (تاريخي) انتفت فاعليته بانقضاء حضوره في الزمن. والمحاولات التحديدية التي ربطت مصيرها بالحداثة لم تكن بعيدة عن هكذا تصور، أي أن تراثنا الديني الذي صنع وجودنا الحضاري، وظل يحدد مسار تفكيرنا عبر تاريخ طويل لا بد أنه فقد الكثير من فاعليته، وأن عطباً واسعاً طال آلياته. ومن ثم الارتهان إلى الحداثة مصير وليس خيارا.

    إن المحاولات التجديدية لم يلامس عملها بنية التراث بل عملت على إضفاء طابع حداثي على مفاهيم تراثية. وحاولت بإجراء تعسفي تأصيل صيغ حداثية ضمن فضاء التراث. وأكسبتها شرعية الممارسة الإسلامية. وضمن فقه الواقع (الارتهان إلى الحداثة). طال مجهودها غير المجدي الكثير من الصيغ التراثية والتي تملك في أحايين كثيرة شرعتها من النص المؤسس. لكن هذه المحاولات المحدثنة وبدعوى فقه الواقع تعمل على تجاوز هذا المعطى، وتبرر عملها هذا بعنوان واسع ومتهافت (فقه الواقع وضرورة العصر)، كي لا تحدث قطيعة معرفية مع الأصول والمقاصد الكبرى لهذا الدين. وهي لا تدرك أن القطيعة المعرفية حاصلة بمجرد سحب مفاهيم التراث وتقريبها نحو هذه الصيغ الحداثية. وقد نقرأ في كثير من أدبياتها جملاً من قبيل «العقلانية الإسلامية المؤمنة» التي تختلف بحسب هذه الأدبيات عن العقلانية اليونانية المتجردة من البعد الديني، العقلانية الوضعية التي جاءت نقيضاً للدين عكس عقلانية هذه المحاولات التي جمعت بين النقل والعقل بين حكمة والشريعة، وما إلى ذلك من عبارات وجمل صيغت ضمن هذا التنظير

    والإشكالية هنا ليس فيما قد تطرحه هذه التنظيرات من الصيغ المستحدثة وإنما في التأصيل الذي غيّب أي محاولة إبداعية للتجديد، فالمحاولات التجديدية التي استندت إلى التأصيل في تنظيراتها غفلت عن حقيقة تظهر لأي متابع للفكر الإسلامي المعاصر. الذي غيبت منهجية التأصيل بنيته الأصلية التي كان يمكن للمحاولات التجديدية أن تعيد صياغة المفاهيم والقيم الإسلامية ضمنها -أي بنية الفكر الإسلامي- بدل النظر إلى هذه القيم والمفاهيم من زاوية حاجات العصر وضروراته.

    ومن أخطر ما تقبله الفكر الإسلامي تحت ضغط منهجية التأصيل إدماج قيم حداثية ضمن المنظومة المعرفية الإسلامية وذلك بالقول مثلا إن الديمقراطية «موجودة في الفكر الإسلامي تحت اسم الشورى، وأن العلمانية موجود تحت اسم العقل»!!.

    إن هذه المنهجية جعلت محاولات التجديد تغفل حتى عن النظر إلى هذه القيم الحداثية نظرة نقدية بل عملت على إدخالها إلى حقل التداول الإسلامي باعتبارها «مكتسبات أو اكتشافات إنسانية وعقلية نهائية، ولم تنظر أو لم تفكر في النظر إلى ما يمكن أن تنطوي عليه من محدودية تاريخية أو تناقضات داخلية»2. ذلك أن الضغط المنهجي الذي صاحب المحاولات التجديدية جعلها تعتقد أن التجديد يكمن في «تحديد المعاني والمفاهيم المستخدمة في إطار منظومة ثقافية أو فكرية بما يتفق مع القيم الحديثة أو العصرية.. إن الخطأ هو في التفكير في أن التجديد هو مطابقة أو مسايرة لقيم معينة داخل المنظومة، أي ما أصبحنا نردده فيما بعد، ونسميه التكيف مع قيم ومعطيات العصر»3.

    ما يمكن أن نخلص إليه من فك الترابط بين التجديد والحداثة. وجعل هذه العملية -التجديد- تتم بعيدًا عن النمط الحداثي الغربي، هو دفعها نحو وضعية مختلفة وشروط مختلفة عن تلك التي عرفتها المحاولات التجديدية التي تمت في حقل التداول الإسلامي. لعلها تبدع نمطها في التحديث انطلاقاً من الذات (التراث). وإن كنا لا نستطيع أن نحدد هذه الوضعية وأن نكتشف الشروط الممكن أن تتم فيها محاولة جديدة للتفكير الديني.

    --------------------------------------------------------------------------------
    الهوامش:
    25- صبا محمود، السلطة المدنية وإعادة تشكيل التقاليد الدينية ، مقابلة مع طلال أسد، مجلة الاجتهاد (عدد 49/48/2000)، ص 255..

    26- نفس المصدر ص 108.

    27- نقلاً عن ـ ضياء الدين سردار ـ مجلة الفكر العربي / عدد 75 /شتاء 1994. ص 109.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 06:23 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
رأي اسلامي يرفض العولمة ويربطها بالحداثة وما بعدها (Re: osama elkhawad)


    قضية للحوار: "العولمة" لا تنفك عن ثقافة "ما بعد الحداثة"
    د. سعيد الشهابي

    ربما اقترن مصطلح العولمة بالهمينة السياسية والاقتصادية الغربية في العقود الاخيرة، ولكن المصطلح له جذوره في الثقافة الانسانية، ويمكن القول ان الاديان هي اوضح مصداق له. السبب في ذلك ان هذه الاديان انزلت من الله سبحانه وتعالى الذي خلق البشر ولم يميز بينهم، بل دعاهم جميعا لاتباع اوامره واجتناب نواهيه. اما الاسلام فهو التجسيد الكامل للدين الالهي القويم، الذي يخاطب الناس جميعا ولا يقتصر خطابه على قوم دون آخرين: "قل يا أيها الناس اني رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السموات والارضين". وبالتالي فليس هناك من حيث المبدأ اعتراض على تعميم القيم والمفاهيم الخيرة الى كافة ربوع الدنيا. فهذه هي الرسالة المبتغاة من وراء الدعوة والتبليغ.

    الاسلام ينطلق على اساس الحب الالهي للبشر، وحب الناس للخير، وحبهم لبعضهم البعض، وعلى اساس ذلك المفهوم الخير، يحث اتباعه على الدعوة الى الله، هذه الدعوة ليست حركة تصوف او رهبنة، بل هي مفهوم عام شامل، يروج القيم الروحانية، كما يدعو الى السلوك القويم. انها دعوة لخلق تمازج وتكامل بين الايمان والعمل الصالح. فما يفيد الناس يعتبر عمل خير مطلوب، وما يضرهم شر مرفوض. على هذا الاساس فقد "عولم" الاسلام قيم الخير، ودعا الى مواجهة ما هو شر وبلاء.

    عولمة اليوم التي نعيش في ظلها، ليست سوى تكريس لثقافة مادية انطلقت على خلفية الصراع الثقافي والديني في الغرب، وانتصار مروجي فصل الدين عن السياسة والممارسة الحياتية، وصعود ظاهرة العلمنة. وبالتالي فهذه الظاهرة تنتمي لقوتين اساسيتين: اقتصادية وايديولوجية.
    اما القوة الاقتصادية فهي هيمنة الراسمالية والرغبة في تكثيف الربح والكسب المادي بدون حدود، حتى لو كان ذلك على حساب البشر الآخرين. وبالتالي فقد نمت الطبفية وتوسعت الهوة بين الاغنياء والفقراء، خصوصا مع غياب آلية تنظيم الدخل والتوزيع، وترك الامور بيد اصحاب القوة القادرين على استغلال الظروف لصالحهم على حساب من لا يمتلكونها.
    اما الايديولوجية الملازمة للعولمة فتنتمي الى مشروع العلمنة الذي تكرس بالثورة الصناعية وساهم في تهميش دور الكنيسة بعد ان واجهت علماء الطبيعة ونكلت بهم. ومشروع العلمنة الذي تزامن مع ما سمي بـ "الحداثة" التي من معالمها فصل الدين عن السياسة والدولة، آخذ في التطور، حتى بلغ اليوم حالة خطيرة من الليبرالية الفكرية والاجتماعية اصبحت تهدد ابسط القيم التقليدية حتى لدى الكنيسة نفسها. فاصبحت مرحلة "ما بعد الحداثة" التي يروج لها كثيرا في المطارحات الفكرية الغربية اليوم، تسمح مثلا بالاعتراف بالشذوذ واعتباره امرا طبيعيا. بل بلغ الصراع ليصل الى طبقات لكنيسة نفسها. فبينما يختلف زعماء الكنيسة حول "لاهوت التحرير" الذي دفع بالعديد من الكهنة والقديسين للمشاركة في النضال ضد الاستبداد في امريكا اللاتينية وجنوب افريقيا في عقد الثمانينات، تجد الكنيسة نفسها اليوم في صراع داخلي حول مدى شرعية اعتماد الكهنة الشاذين وقبولهم في طبقاتها، ومدى السماح لهم بمزاولة مهماتهم في الكنائس كمسؤولين كبار. فمنطق "ما بعد الحداثة" يخضع القيم والمفاهيم للتجربة والذوق البشريين، بعيدا عن اية مرجعية دينية او خلقية. فليس هناك ثوابت بل تجارب وممارسة وتقديس للذوق البشري مهما كان شاذا.

    ولذلك فالاعتراض على العولمة انما ينطلق على اساس رفض اخضاع العالم لثقافة القوي الذي ادى تقدمه المفرط في مجال التنكنولوجيا الى تحول العلم المادي الى آلهة مقدسة، لا يجوز المساس بها وبقيمها. وبسبب التركة التاريخية من الصراع بين الكنيسة والعلم في العصور الوسطى، اصبح العالم اليوم يدفع ضريبة ذلك الصراع، وذلك من خلال اخضاعه لظاهرة العولمة التي تهدد قيم الشعوب ومبادئها ومعتقداتها. وتتراوح شراسة هذه الظاهرة ما بين هيمنة المنتجات التكنولوجية الغربية على العالم الثالث عموما، وما يصاحب ذلك من تهديد للثقافات والعادات المحلية وانماط الحياة التقليدية، مرورا بهيمنة الشركات المتعددة الجنسية على العالم، وما يصاحب ذلك من استبداد اقتصادي مفروض على شعوب العالم الثالث، وصولا الى الهيمنة السياسية والعسكرية التي تجسدت في العقدين الاخيرين، وتكرست بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وعولمة "ما بعد الحداثة" القائمة على منطق القوة والغلبة وسيادة منطق الرغبات الذاتية للافراد، من بين الاسباب التي ادت الى ما يعيشه العالم اليوم من هواجس مقلقة نجمت عن الهيمنة الامريكية المطلقة على العالم، وتجاوز ابسط مظاهر الوئام الدولي المتمثل بمنظمة الامم المتحدة. وقد وجد بعض المفكرين الغربيين انفسهم مضطرين لمناقشة الاسس التي تنطلق عليها السياسة الامريكية وقرارات الحرب والسلام. فأصبح هناك نقاش قوي حول مفهوم "الحرب العادلة" بالعودة الى المفاهيم التي طرحها القديس اوغستين في القرن الرابع الميلادي . وشارك اسقف كانتربري، روان ويليام، في انتقاد رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، لمشاركته في الحرب التي اعتبرها ويليام "غير عادلة" .بل ان بعض المفكرين الغربيين طرح في الفترة الاخيرة نقاشا حول ما اذا كان الرئيس الامريكي، جورج بوش "مسيحيا جيدا". ويرى هؤلاء ان بوش لم يلتزم بتعليمات المسيحية التي يفترض ان تستعمل لغة الحب والسلام بدلا من لغة الحرب والعدوان.

    الكنيسة اصبحت ضحية ظاهرة "العولمة" المادية العلمانية، وبذلك اصبحت مهددة من داخلها لانها لا تستطيع عزل نفسها وهيكليتها عما يدور في محيطها. فالقوى المادية المحيطة تفوقها في الامكانات والتأثير، خصوصا ان التنامي التكنولوجي، لكونه تطورا علمانيا في الاساس، يكرس التوجه لتكريس ثقافة "ما بعد الحداثة" التي تنسف الاسس الدينية للامم، وتخضع الامور للذوق الشخصي ورفض وجود اية ثوابت اخلاقية او سلطة دينية يمكن التسليم لها واعتبارها مرجعية لتصرفات الافراد. هذه العولمة وتداعياتها تسمح اليوم باستنساخ الجنس البشري، بدعم من الزعماء السياسيين، والاحتجاج المائع من القوى الدينية، مسيحية ام اسلامية. وبهذا تحقق وعد الشيطان "ولأقعدن لهم صراطك المستقيم، ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام، ولآمرنهم فليغيرن خلق الله". ان السجال الدائر حول العولمة من الجانب الاسلامي ليس منطلقا من ردور فعل محدودة سببها الشعور بالعجز عن مواكبة التطور او مواجهة تحديات التقدم الغربي، بل من شعور عميق بان الانسانية اصبحت تسير باتجاه التدمير الشامل للمحيط الذي تعيش فيه البشرية، سواء على مستوى الكيانات الانسانية، ام المحيط البيئي ام القيم الاجتماعية والثقافية. وفي كل من هذه المحيطات يمكن استعراض امثلة لا تحصى لتأكيد مقولة الضياع الخطير لهذه الانسانية، وهو ضياع من بين اهم اسبابه هذه العولمة التي توجهها ثقافة "ما بعد الحداثة" وتحركها الآلة التكنولوجية المنطلقة على خلفية العلمنة والتشرذم الفكري والروحي الذي يعيشه الغرب اليوم.

    علماء المسلمين، هم ايضا، يعيشون حالة من اللف والدوران في معمعة الحركة البشرية في بلدانهم من جهة، وفي العالم الذي اصبح ربانه يخيف ركاب السفينة من "الارهاب الاسلامي" لافشال اية ردة فعل استباقية لوقف هذا التداعي الروحي والفكري لدى الامم والشعوب. هذا الربان يسعى لـعولمة مقولة "الارهاب الاسلامي" كواحدة من الوسائل للدفاع عن ثقافة "ما بعد الحداثة" من خطر "الاصولية" التي تنتمي الى الدين وقيمه ومنطلقاته واهدافه. مشكلة هذه "الاصولية" انها هي الاخرى تبحر في محيط لجي بدون ربابنة ماهرين قادرين على توجيه السفينة بعيدا عن الصخور والامواج العاتية. العولمة وفق هذا الافتراض، ظاهرة لا تنفك عن انتمائها التاريخي لمرحلة الصراع بين الكنيسة والعلم، وهو صراع لا ينفك كذلك، عن التاريخ الدامي بين الاديان، ذلك الصراع الذي يمتد بجذوره الى الحروب الصليبية، ويصل بفروعه الى الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والتأثير السلبي لذلك على مشروع الحوار بين الاديان. وما لم يتم الخروج من هذه الحلقة المفرغة داخل البيت الديني اولا، ومن الاحتراب الدموي بين "مروجي الديمقراطية" حسب التعبيرات الدارجة للتقليل من خطورة "العولمة العسكرية" و "الاصولية الاسلامية" فلن يكون ممكنا الخروج برؤى واضحة وتصورات معقولة لما يمكن عمله لمواجهة فاعلة مع علمانية العولمة التي تنسف الاسس الدينية والاخلاقية والثقافية للامم والشعوب
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 07:57 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الإسلام في مواجهة الحداثة الشاملة (Re: osama elkhawad)


    بقلم:
    د. ناصر الدين الأسد *

    لندن: «الشرق الاوسط»
    حرصت جمهرة كبيرة من العلماء على تقديم دراسات وأبحاث لمعالجة قضايا فقهية معاصرة، وإنه بحكم التطورات الجديدة في عالم الدراسات الفقهية نحت ثلة من العلماء والفقهاء الى تقديم دراسات حول الحقوق الدولية في الاسلام، والغزو الفكري، ودور المرأة في تنمية المجتمع الإسلامي، والإسلام في مواجهة العلمانية، والإسلام في مواجهة الحداثة الشاملة، وحقوق الطفل والمسنين وحقوق الانسان في الاسلام، والنظام العالمي الجديد والتكتلات الاقليمية، واسلامية مناهج التعليم، والخطاب الاسلامي ومميزاته ونحو ذلك.

    وقد أردنا تعميم الفائدة في هذه القضايا للمتطلع الى معرفة أفكار الدارسين والعلماء لها فأحببنا أن نقدم لقراء «الشرق الأوسط» مجموعة من هذه البحوث من رصيد دورات مجمع الفقه الاسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي.
    الجزء الأول:
    * الحداثة مصطلح يدل على منهج فكري ومذهب اجتماعي في الحياة والسلوك، والمصطلح، كل مصطلح، إنما هو وعاء لفظي في داخله مفهوم محدد، لا يجوز نقله الى مفهوم غيره الا باستعمال مصطلح آخر، فالحداثة اذن ليست كلمة عامة يقصد بها الجدة والتطور في كل عصر عن العصر الذي سبقه، فتختلف بذلك سماتها ومظاهرها وعناصرها باختلاف العصور، فالتجدد والتطور في العصر الأموي، في الحياة عامة، لهما من السمات والمظاهر ما يختلف عن عصر الراشدين، ثم ما يختلف عن العصور العباسية وما تلاها من عصور. وقد اختلط معنى مصطلح (الحداثة) في اللغة العربية في بدء استعماله ودورانه على الأقلام والألسنة بمعنى الجدة، وربما كان سبب ذلك أن الوصف منها هو (حديث)، فقالوا: (العصر الحديث)، و(الشعر الحديث)، فظنوا أن هذا الوصف منصرف الى معنى (الجديد)، أو هذا الذي نحن فيه الآن، وربما جعلوه بمعنى (المعاصر)، وقالوا ان لكل عصر جديده أو حديثه، مرددين قول الشاعر:

    إن ذاك القديم كان حديثاً وسيغدو هذا الحديث قديما

    ومن أجل رفع هذا الالتباس أصبح بعض كتابنا في هذه الايام يستعملون صفة (الحداثي) بإضافة ياء النسبة الى المصدر، وربما زادوا في التوضيح فقالوا (الحداثية) ـ باستعمال المصدر الصناعي ـ للتفريق بينها وبين (الحداثة) بمعنى الجِدَّة، ثم أغرب بعضهم فاستعملوا للمصدر لفظة (الحداثوية)، وللصفة لفظة (الحداثوي). كل ذلك ليثبتوا لهذا المصطلح انفراده بمعنى خاص، وامتيازه عن غيره.

    فما هي إذن هذه الحداثة التي اختلف كثير من الناس في فهمها، وحاروا في ادراك مقوماتها أو عناصرها؟ ولا بد لنا قبل أن نمضي في الكلام عن الحداثة من أن نشير إلى أنها ـ في أصلها ـ ترفض التحديدات والتعريفات وصياغة النظريات العامة واصدار الاحكام القاطعة.

    من أجل ذلك لا نكاد نجد في المراجع التي تبحث في الحداثة، تحديداً واضحاً أو تعريفاً شاملاً لها، وانما نجد فيها تناولاً عاماً لبعض صفاتها أو مرتكزاتها أو مظاهرها او آثارها، وهو ما سنتطرق اليه في الصفحات التالية، وربما كانت هذه التعميمات الفضفاضة لمدلول الحداثة من أسباب الاختلاف في فهمها وتفسيرها، حتى لقد قيل إن لكل بلد حداثته،ومع ذلك وقعت الحداثة ـ في الممارسة والتطبيق العملي: في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة ـ في ما رفضته نظرياً، وفي ما يخالف مبادئها ومنطلقات أفكارها. فشهد القرن العشرون ـ مع التقدم العلمي والتكنولوجي ـ أقسى أشكال التحكم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، في الشيوعية والرأسمالية والنازية والفاشية والصهيونية. وقد قامت كلها على اساس الاحكام القاطعة التي لا تقبل بغيرها، ولا تسمح بالرأي الآخر، وعلى أساس الفردية المطلقة، واهدار قيم المجتمع، واغتصاب حقوق الآخرين، واحتلال اراضيهم، وتعذيبهم وقتلهم فرادى وجماعات، واستلاب اللغات والثقافات. وانتهت الحداثة الغربية بتقدمها العلمي والتكنولوجي الى افساد البيئة وتلويثها، والعبث بالطبيعة، واستنزاف الموارد الخام ونهبها، واستفحال الاستعمار، واستعباد الشعوب وتدمير كوامن القوة فيها، وإن كانت تدعي نقيض ذلك تحت شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسواهما من الشُّعُر الزائفة التي تكيل بمكيالين، والتي تستعمل المقاييس المزدوجة.
    من أجل هذا كله أصاب الفزع كثيراً من أحرار المفكرين والمثقفين، فأعلنوا انتهاء الحداثة وسقوطها واستنفادها أهدافها التي نادت بها في البدء، ونادوا بشعار جديد هو (ما بعد الحداثة).

    ولا يزال هذا الشعار يكتنفه الغموض، لكنه لا يغدو أحد أمرين عند هؤلاء المنادين به: فبعضهم يرى أنه تهذيب للحداثة وتليين لها بعد ان اصابها الجفاف فقست واصابت البشرية بكثير من الكوارث الطبيعية والانسانية، وكانت العامل وراء هذه الحروب العالمية والمحلية، وفي انتشار المجاعات والأمراض، بسبب خلوها من الروح، فهي محتاجة الى تطعيم (ماديتها) المغرقة بقدر من المعنويات والروحانيات لتكتسب جانباً انسانياً يخفف من فرديتها وجمودها وأنساقها المغلفة.

    ويذهب فريق آخر الى انكار هذا الشعار الجديد، والى تأكيد أن الحداثة ليست محدودة بزمن أو عصر حتى يقال انها انتهت أو سقطت، أو يقال ان حقبة اخرى ستتلوها هي حقبة ما بعد الحداثة. وموضوع بعد الحداثة لا يدخل في عنوان دراستنا حتى نفصل القول فيه، ولذلك نكتفي بهذه الاشارة العابرة اليه، وربما تساءل بعضنا ساخراً: وهل دخلنا مرحلة الحداثة حتى نتحدث عن مرحلة ما بعد الحداثة؟

    ولا يزال كل هذا الذي ذكرته من تقديم بين يدي الموضوع يحتاج الى مزيد من التوضيح ـ على ما بذلت من جهد لتخليصه وتلخيصه ـ ولا يتأتى هذا التوضيح المطلوب إلا بعد ان نتحدث عن طبيعة الحداثة وجوهر أفكارها ومبادئها.

    والحداثة الغربية نتاج الثقافة الغربية والفكر الفلسفي الغربي، وقد بدأت معالمها تتضح بالتدريج منذ القرن السادس عشر الميلادي، ثم اخذت تنمو وتتدرج في صور الحياة الغربية المختلفة، حتى أصبح الغربيون ينسبون اليها اسباب تقدمهم وازدهار مراحل حضارتهم خلال هذه السنوات الأربعمائة.

    والارتباط وثيق بين الحداثة والعلمانية أو الثورة على الكنيسة ـ خاصة الكاثوليكية في الفاتيكان ـ وحركات الاصلاح الديني عند مارتن لوثر (1483 ـ 1546م)، وجون كالفن (1509 ـ 1564). وقد كانت تلك العلمانية في بدء أمرها تحرراً فكرياً من سيطرة الكنيسة ونفوذ رجال الدين من الكهنوت، واحتكارهم للعلم والمعرفة، وحجرهم على العقول واضطهادهم للعلماء من غيرهم، واقامة انفسهم وسطاء بين الله والناس، يحكمون عليهم بالكفر والحرمان من الجنة، أو يقبلون توبتهم ويمنحونهم صكوك الغفران. فكانت حركات الاصلاح الديني ودعوات المفكرين تنادي برفع تحكم رجال الكنيسة في الفكر ووصايتهم على العقول، وترك العلاقة بين الله والناس مباشرة مفتوحة، فهو وحده الذي يحكم بالحرمان أو الغفران. حتى ذهب بعض العلماء الى ان تلك الحركات والدعوات، كانت متأثرة بما كان شائعاً بين العلماء والمتعلمين في أوروبا من المعارف الاسلامية، ومن تعاليم القرآن الكريم وكتابات المفكرين والفلاسفة المسلمين.

    وقد اقاموا الدليل على ذلك بقدوم اعداد من هؤلاء المتعلمين الى الاندلس للدراسة في المدارس وحلقات العلم هناك، ومنهم عدد من الرهبان الذين اصبح احدهم بابا الكنيسة الكاثوليكية، وهو (سلفستر الثاني) في سنة 999م، وكذلك استدلوا بكثرة الترجمات للقرآن الكريم ولكتب بعض هؤلاء العلماء والفلاسفة المسلمين من أمثال: الكندي وابن سينا والغزالي وابن رشد والحسن بن الهيثم وغيرهم كثير، وقيام اتصال وثيق بين المسلمين والأوروبيين في أثناء حروب الفرنجة (الحروب الصليبية)، ومن خلال السفراء والأسرى بين الجانبين، وكان منهم علماء وفلاسفة تدور بينهم جميعاً محاورات دينية يعرض المسلمون من خلالها الاسلام.

    ولكن هذه النشأة التاريخية ما لبثت ان مرت في مراحل من التطور، فأصبحت الثورة على الكنيسة ورجال الكهنوت ثورة على الدين نفسه، وكفراً به، إلى أن قال (نيتشه) (1844 ـ 1900) قولته المشهورة: «قد مات الإله»، وأصبح تنظيم شؤون الحياة والناس لا علاقة له بتعاليم الدين، وراج شعار «الانسان يصنع تاريخه». وربما كان هذا التغير في موقف العلمانية ومعناها هو السبب في الاختلاف في فهم كثير من الناس لها وفي موقفهم منها. فإن فهمت على المعنى الأول فنحن ـ المسلمين ـ معها، اذ لا كنيسة عندنا ولا كهنوت، وان فهمت على المعنى الثاني فهي منافية للدين منكرة لله عز وجل، ولا يقبل بها مسلم مؤمن. وهذا الذي ذكرناه عن العلمانية هو الحداثة بعينها، وهو يدخلنا فيها من أوسع أبوابها، ذلك أن ما قاله (نيتشه) وما ذكرناه من أن «الانسان يصنع تاريخه» هما من أسس الحداثة وركائزها. بل لقد ذهب بعضهم الى ان تعريف الحداثة: هو ان «الانسان يصنع تاريخه» مع تأكيد كلمة (الانسان) وأن «هذا القول بمثابة شهادة ميلاد الحداثة، وتحديد مجال تساؤل الفكر الاجتماعي»، وحتى نستكمل توضيح هذا العنصر العلماني من عناصر الحداثة نحتاج الى ان نستمر في اقتباس عبارات من أصحاب هذا المذهب، فأحدهم مثلاً يتساءل: «هل أصبح من الممكن ربط مختلف انجازات المعرفة الفرعية ودمجها في تفسير موحد للواقع الاجتماعي ككل؟» ويجيب بقوله: «للاجابة على هذا السؤال طابع فلسفي بالضرورة، لقد كان لاجابة جميع فلسفات العوالم القديمة ـ أي السابقة على الحداثة الرأسمالية ـ طابع ميتافيزيقي صريح. فكانت هذه الفلسفات تؤكد ان هناك نظاما يحكم الكون ويفرض نفسه على الطبيعة والمجتمعات والأفراد، فأقصى ما كان يمكن ان يحققه البشر ـ فرادى وجماعات ـ انما هو اكتشاف اسرار هذا النظام، بواسطة صوت الانبياء، وادراك مغزى الاحكام الميتافيزيقية المضمرة، فالطاعة لها».

    ثم يقول: «نشأت الحداثة عندما تخلى الفكر الفلسفي عن هذا الارث، فدخل البشر في فلك الحرية ومعها القلق، وفقد الحكم طابعه المقدس، وصارت ممارسات الفكر العقلاني تنعتق من الحدود المفروضة عليه سابقاً. فأدرك الانسان منذ هذه اللحظة انه هو صانع تاريخه، بل ان العمل في هذا السياق واجب، الامر الذي يفرض بدوره ضرورة الخيار. انطلقت الحداثة ـ إذن ـ عندما أعلن الانسان انعتاقه من تحكم النظام الكوني. وارتأى ـ واشارك العديد من الآخرين في هذا الرأي ـ أن هذه القطيعة كانت أيضاً لحظة تبلور الوعي بالتقدم. فالتقدم ـ في مجال إنماء قوى الانتاج، أو في مجال تراكم المعلومات العلمية الجزئية ـ ظاهرة موجودة منذ الأزل. ولكن الوعي بالتقدم، أي الرغبة في انجازه وربطه بالتحرر، إنما هو شيء آخر، حديث النشأة. من هنا أصبح مفهوم التقدم وثيق الصلة بالمشروع التحرري، كما أصبح العقل مرادفاً للتحرر والتقدم».

    ثم يقول: «ليس هناك تعريف آخر للحداثة ـ في رأيي ـ غير هذه القطيعة الفلسفية». ومما يزيد الأمر وضوحاً تلك الدراسات الأوروبية في موضوع علم الاجتماع الديني، خاصة في فرنسا. ومن الدارسين الذين بحثوا هذا الموضوع الباحثة الفرنسية دانيال هير فيوليجيه، التي تناولت العلاقات المتشابكة بين الدين والحداثة والعلمانية، فهي تقرر ان الحداثة كانت تتصور انها مسار تاريخي طويل للتحرر من اسار الدين، وذلك بتضافر ثلاثة ابعاد كبيرة أولها: تأثير العقلانية، والتركيز على العلم والتكنولوجيا، مما يجعل الانسان ينظر الى الكون من منظور علمي بعيد عن الرؤى الدينية للعالم التي كانت تقدمها الأديان الكبرى.

    وثانيها: ان جوهر الحداثة يتركز في استخلاص الفرد الفاعل المستقل من اطار السياقات الاجتماعية الكلية التي كانت تذيب فرديته، كالقبيلة والأسرة الممتدة وعضويته في الحرف التقليدية. وبذلك أصبح الفرد قادرا على أن ينتج بنفسه معايير الخير والشر ومرجعياتهما، ويحدد توجهاته المستقلة، من خلال النقاش الحر مع أمثاله من الأفراد الفاعلين، حول المعنى الذي يريد ان يضفيه على العالم. وهذه الاستقلالية من شأنها ـ من دون أدنى شك ـ ان تحقق على حساب تراث الديانات السماوية الكبرى التي درجت على فرض القوانين التي تحكم حياة الناس من الميلاد حتى الموت.

    أما البعد الثالث: فيتعلق بسمة أساسية من سمات المجتمعات الحديثة وهي تخصص المؤسسات وتميز كل واحدة منها عن الأخرى، مما يجعل كلاً من النسق السياسي والثقافي والاقتصادي والديني ومن الحياة الخاصة دوائر منفصلة، بحيث توقف النسق الديني عن فرض قواعده على القطاعات الأخرى. فالنظام السياسي في المجتمع الحديث ـ بتأثير العلمانية ـ تخلص من تأثير النسق الديني تحت شعار الفصل بين الدين والدولة، كما أن القطاعات الاقتصادية، وحتى الثقافية، انطلقت بعيداً عن التوجهات الدينية الصارمة التي رأى فيها انصار الحداثة قيوداً تكبل انطلاقة المجتمع تجاه التقدم. وهكذا نجد في ظل هذا التصور الحداثي وفي ضوء المسيرة التاريخية الفعلية، أن علم الاجتماع الديني كاد ينحصر في دراسة ظاهرة الازاحة للدين في المجتمعات الحديثة، وتتبع وتيرة الازاحة وتنويعاتها الوطنية في مختلف المجتمعات.
    وحين نعيد النظر في ما عرضناه في الصفحات السابقة لنستخلص منه عناصر الحداثة وركائزها من أجل أن نصل الى توضيح لها بذكر صفاتها وماهيتها وليس بتعريف لفظ يحددها، نجد لها العناصر والمقومات التالية:

    أولها: حرية التفكير والتعبير، وحرية البحث و«الشك في ما هو قائم، واعادة التساؤل في ما هو مسلم به». ونزع المقدس من أي فكرة تعتقدها البشرية، وذلك رد فعل لاحتكار الكهنوت للمعرفة والعلم، وتحكمهم بعقول العلماء والمفكرين، على ما فصلنا القول فيه.

    وثانيها: تحكيم العقل في كل ما يتصل بالانسان وكل ما يعرض له، فيقبل ما يقبله عقله ويرفض ما لا يقبله. وانتهى الأمر الى تأليه العقل، وانكار الغيب، ونفي الوحي، وعدا من الخرافات، حتى انهم ابتدعوا تعبير (ثقافة الخرافة)، ولم يستطيعوا أن يفرقوا بين الغيب والوحي وبين الخرافة، على ما سنبينه في صفحات تالية، ومن هنا نشأ الاعتقاد بأن الحداثة تدعو الى القطيعة مع الماضي ومع التراث، وهو اعتقاد صحيح اذا حُصِر في القطيعة مع انماط التفكير واساليبه، ومع التراث الديني المسيحي ونصوصه.

    وثالثها: الأخذ بالعلم ومناهجه، بعيداً عن تصديق تعاليم الدين واحكامه مما لا يخضع لقوانين العلم وتجاربه، وأصبح الإنسان هناك يحس بأنه سيد مصيره وصانع تاريخه، فسادت العقلانية المادية التي صورت للإنسان قدرته الغالبة على الكون والدين (الكنيسة) ونبذ الغيبيات. وكان كل ذلك بسبب نتائج التقدم العلمي والتكنولوجي منذ أن تحرر العقل الأوروبي من ربقة قيود الكنيسة، وانطلاقه في فضاء رحب لارتياد المعرفة في الأرض والبحر والجو.

    ورابعها: الايمان بفكرة التقدم. وخلاصتها ان الانسانية تسير دائما الى الأمام من عصر الى عصر، وان كل عصر تال لا بد ان يكون اكثر تقدماً وافضل للناس من العصر الذي سبقه، فالحاضر افضل من الماضي، والمستقبل افضل من الحاضر. والتقدم بهذا المعنى أمر حتمي. على حين كان الناس قبل القرن السادس عشر يمجدون الماضي، ويرون ان العصور السابقة كانت افضل من الحاضر، وان كل عصر أسوأ من العصر الذي قبله، ومن هنا نشأت فكرة تقديس الماضي، واصبح كثير من الناس يحنون الى الأيام الفاضلة السعيدة Good old days.
    وفكرة التقدم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفكرة التطور، فقد «كان العقل البشري في عمومه يعتقد أن للأشياء ـ وضمنها الأفكار، والمرجعيات والقيم والايديولوجيا والمبادئ ـ حقائق ثابتة أزلية أبدية. وقد سمى الفلاسفة القدماء وربما أيضاً المحدثون، هذه الثوابت: جواهر، أما ما قد يطرأ عليها من تغيرات ظاهرة، فهي ـ كما سموها ـ مجرد أعراض لتكل الجواهر».

    وهذا يعني ان لتلك (الجواهر) ستظل على حالها الثابتة منذ بدء العالم الى نهايته من دون تغيير أو تطوير. ثم جاء تصور عقلي جديد جعل (التغير) مكان (الثبات)، وانتهت بذلك مرحلة التفكير المطلق، وبدأت مرحلة التفكير النسبي «الذي ينظر الى كل شيء على انه متغير ونسبي».

    وذهب بعضهم الى ان التقدم والحضارة وقف على أوروبا، ومن هنا سادت نظرة التعالي الأوروبي الى البلاد الأخرى (المتخلفة)، وخاصة بلاد آسيا وافريقيا، وكان ذلك سبباً من أسباب حركة الاستعمار الأوروبي، اذ كان الاعتقاد انه من حق تلك البلاد المتقدمة ان تستخدم سكان البلاد المتخلفة وتستعبدهم، وتستثمر مواردهم وتستنزفها لخير الانسانية المتحضرة، وقد ادعى بعض ساستهم ان تلك البلاد الآسيوية والافريقية لم تبلغ سن الرشد بعد، وان الاستعمار هو وسيلة الاخذ بيدها الى الترقي والتحضر.

    وخامسها: تمجيد الفردية Individualism التي أخذت تنمو، خاصة بعد الثورة الفرنسية في اواخر القرن الثامن عشر الميلادي، فـ «الفكر والنظام السياسي والاجتماعي الغربي قام على اساس مفهوم واحد مقدس هو الفردية، الذي يضمن للفرد السعي نحو تحقيق مصالحه، بغض النظر عن الوسائل التي يستخدمها لتحقيق هذه الغايات. وفي حال حدوث تضارب بين مصلحة الفرد والمجتمع فإن مصلحة الفرد هي التي تعلو على ما سواها. ومن هذا المفهوم تفرعت كل الافكار والقيم الغربية المتعلقة بالحرية الفردية والمبادرة الذاتية التي لا تحدها حدود، ولا تكبلها ضوابط وقيود».

    * وزير التعليم العالي الأسبق ورئيس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن

    الإسلام في مواجهة الحداثة الشاملة (2 ـ 2)

    لم يقتصر الإسلام على التجاوز عن خطأ المخطئ والصفح عنه إنما كتب له الحسنة والثواب حين يخطئ وهو يبحث عن الحق

    الجزء الثاني:
    لندن: «الشرق الأوسط»

    استعرضت جلسة امس مفهوم الحداثة كمصطلح يدل على منهج فكري ومذهب اجتماعي في الحياة والسلوك، والمصطلح انما هو وعاء لفظي في داخله مفهوم محدد، لا يجوز نقله الى مفهوم غيره إلا باستعمال مصطلح آخر، كما تطرق الدكتور ناصر الدين الاسد في الجزء الاول من بحثه الذي نشر في جريدة «الشرق الاوسط»، ضمن مجموعة من بحوث هي جزء من رصيد دورات مجمع الفقه الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي، الى ان الحداثة ليست كلمة عامة يقصد بها الجدة والتطور في كل عصر عن العصر الذي سبقه.

    وفي حلقة اليوم يتناول الباحث ابعاد الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بالتحليل والدراسة، حيث ركز على الجانب الايجابي لهذه الابعاد المتعلقة بالتقدم والنهضة.

    قامت «حقوق الانسان» على اساس فلسفي ومذهبي من الحرية الفردية. وكانت المغالاة في هذه الحرية واحترامها تعبيرا عن رد فعل لما كان يعانيه الفرد من اغلال القرون الوسطى الاوروبية في ظل انظمة الحكم المطلق والاقطاع والكنيسة. وقد اتاحت هذه الحرية الفردية الانطلاق الى بناء المجتمع الغربي الحديث الذي يمارس فيه الفرد استقلاله وحريته ودوره في الابداع والتقدم والتميز واقامة الدولة المدنية الحديثة. لكن المغالاة في هذه الحرية الفردية بلغت مبلغا تمثل في اباحة كثير مما كانت الشرائع السماوية والمجتمعات لا تبيحه، مثل: اباحة المخادنة (مع منع تعدد الزوجات الشرعيات)، واباحة الزنى واسقاط عقوبته حتى عن الزوجة، والسماح بالتزاوج بين افراد الجنس الواحد: بين الذكور والذكور وبين الاناث والاناث، وتخفيض السن المسموح بها لهذا التزاوج المثلي او المعاشرة والمعايشة المثلية الى الثامنة عشرة، بل دونها! وغير ذلك من مظاهر الحياة والسلوك التي انتهت اليها الحرية الفردية مما يستهجنه كثيرون حتى في الغرب نفسه، اذ ليس من شك في ان عندهم عشرات الملايين من المؤمنين المتدينين، ومن المحافظين على التقاليد، وكذلك من الذين لا ينتمون الى الحداثة في شيء، من: الأميين، والمعتنقين لمذاهب دينية وثنية، والمعتقدين بالخرافات..الخ. والحكم بالحداثة انما يشمل الاتجاه العام في المجتمع والدولة، وليس الافراد الذين تظل نسبتهم قليلة مهما يكثر عددهم. وقد قيل عن الحداثة: ان لها ـ بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ـ وجها مشرقا نتطلع اليه، وجانبا مظلما نتجاهله. وان ما هو ايجابي وتقدمي نهضوي في الحداثة هو الذي اُبرز على مدى عقود مضت، لكن التعتيم على الجوانب السلبية للظاهرة نفسها اصبح الآن غير مقبول. وقد نظر الى سلبيات الحداثة في المجتمع والافكار والقيم خلال عقود التنمية في العالم الثالث. والعالم العربي منه. في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، على انها مشكلات انتقالية ستتغلب عليها المجتمعات التقليدية في مسيرتها التاريخية نحو الحداثة، ومن هنا جاء هذا الاندفاع نحو التقدم و(المعاصرة)، بسبب رؤية متكاملة للحداثة تتجاهل ما هو مضر وسيئ منها. ويسمى هذا النمط من التفكير القائم على مفهوم الفردية الفكر الرأسمالي، وهو فكر لا ينكر حتى اشد انصاره المساوئ التي افضى اليها، وقد دفعت تلك المساوئ بآخرين الى نظرية جديدة جاءت رد فعل على مثالب الفكر الرأسمالي، هي النظرية الشيوعية، ومن يمعن النظر في الفكر الشيوعي يجد ان اصحابه قلبوا المفاهيم الرأسمالية، فذهبوا من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، نزعوا وسائل الانتاج من يد الفرد ليضعوها في يد الدولة، وحولوا المجتمع الى حالة المركزية الشديدة، وحرموا الفرد من ابسط حقوقه ومقومات انسانيته، فجردوه من الحرية، ومن الملكية التي تكفل له حقا خاصا في أي امر حتى في اولاده.

    وكان اهم عنصر من عناصر الحداثة تعرض لاعادة النظر فيه هو العلمانية، ومن هنا انتهى بعضهم الى القول انه: «على عكس ما كان يتصور انصار الحداثة الغربية، من ان مشروعها الحضاري، الذي يقوم على الفردية والعقلانية والوضعية والعلم والتكنولوجيا، سيؤدي بالتدريج الى تهميش الدين واحتلاله موقعا ثانويا في المجتمع الحديث، فإن وقائع العقود الماضية، وما نراه من عودة للمقدس في الوقت الراهن تشير الى سقوط نبوءة انصار الحداثة».

    ومثلما بولغ في علمانية الحداثة، كذلك بولغ في رد الفعل والعودة الى الدين: فظهرت في عدد من البلاد حركات دينية تقوم على الغلو والتعصب وسوء الفهم للدين وللكتب المقدسة، مثل: الجماعات المسيحية اليهودية، او الصهيونية عند الانجيليين، خاصة في الولايات المتحدة، ومثل اعمال الارهاب بين الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا الشمالية، ومثل قيام دولة عنصرية دينية على اساس من اساطير بعض الكتب الدينية المحرفة ونبوءاتها، وربما كان اوضح مثال على ذلك دولة اسرائيل في فلسطين المحتلة.

    فما هو موقف الاسلام من كل ما تقدم؟ وكيف يكون الاسلام في مواجهة الحداثة الشاملة؟ وللاجابة عن هذين السؤالين اللذين يكادان يكونان سؤالا واحدا، لا بد لنا من ان نعود بذاكرتنا الى عصور ازدهار العلم الاسلامي، وانتشار الحضارة الاسلامية، وحركتهما في التوسع والتأثير في اوروبا، خاصة منذ القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وما تلاه من عصور حتى القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي). وهو ما اشرنا الى طرف منه عند حديثنا قبل صفحات عن حركات الاصلاح الديني المسيحي في اوروبا، وسنعود اليه بعد قليل. وربما كانت اوضح السبل الى تلمس الاجابة عن السؤالين السابقين ان نقف عند كل عنصر من عناصر الحداثة لنتحدث عن موقف الاسلام منه وعلاقة المسلمين به.

    فالعنصر الاول، وهو حرية التفكير والتعبير، وحرية البحث و«الشك فيما هو قائم واعادة التساؤل فيما هو مسلَّم به»، عنصر يتضمن مبادئ قررها الاسلام تقريرا واضحا لا لبس فيه، وسار على هديها العلماء والمفكرون المسلمون. وحسبنا ان نشير في هذا المجال الى ان الاسلام قد اباح حرية الخطأ، وجعلها حقا من حقوق المسلمين في بحثهم عن الحقيقة، اذا خلصت نياتهم وكان الحق رائدهم ولم يتعمدوا ذلك الخطأ للتضليل. ومن هنا كان دعاء المسلمين: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) («البقرة: 286»)، وقوله تعالى: «وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما» («الاحزاب: 5»)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان».

    ولم يقتصر الاسلام على التجاوز عن خطأ المخطئ والصفح عنه، انما كتب له الحسنة والثواب حين يخطئ وهو يبحث عن الحق ويطلب العلم، فجعل له حينئذ أجرا واحدا وجعل للمصيب أجرين. وتدخل في هذا الباب آيات التسخير المتعددة في كتاب الله تعالى، واجمعها واشملها قوله تعالى: «وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» (الجاثية: 13)، وهكذا انطلق علماء المسلمين (يتفكرون) و(يتدبرون) دون ما حرج ولا تزمت، لا يحول بينهم وبين ميدان من ميادين العلم حائل.

    اما موضوع (الشك فيما هو قائم واعادة التساؤل فيما هو مسلّم به)، فالفكر الاسلامي حافل بما يدل على انه الرائد في هذا المضمار، وقد كان من منهج العلماء المسلمين الشك في الامور الى ان يقوم الدليل على صحتها او بطلانها. ومن امثلة ذلك ما نص عليه الجاحظ ـ بعد ان ذكر خبرا غريبا ـ قال: «ولم اكتب هذا لتُقِرَّ به، ولكنها رواية احببت ان تسمعها. ولا يعجبني الاقرار بهذا الخبر، وكذلك لا يعجبني الانكار له، ولكن ليكن قلبك الى انكاره اميل، وبعد هذا فاعرف مواضع الشك، وحالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له. وتعلم الشك في المشكوك فيه تعلما، فلو لم يكن في ذلك الا تعرف التوقف ثم التثبت، لقد كان ذلك مما يحتاج اليه». اما العنصر الثاني ـ الذي اشرنا اليه ـ من عناصر الحداثة ومقوماتها، وهو تحكيم العقل في كل ما يتصل بالانسان وكل ما يعرض له، فما اكثر الدعوة اليه في كتاب الله وفي احاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، وعند علمائنا ومفكرينا، وهو مبثوث في أمهات كتبنا. وقد عدّ العلامة الباكستاني الدكتور محمد عباس عبد السلام رحمه الله تعالى (الحائز جائزة نوبل في علوم الطبيعة) سبعمائة وخمسين آية في القرآن الكريم، هي في صميمها حث للمسلم على التأمل في الطبيعة واستعمال العقل لفهمها واستعمال المهارة لتسخيرها.

    وقد تكررت في القرآن آيات تحض على العقل وتنتهي بقوله تعالى: (.. أفلا تعقلون) و (.. لعلكم تعقلون) و (... إن كنتم تعقلون) و (... لقوم يعقلون)، او ما يتصل بذلك من الفاظ العقل.

    وكذلك تكررت فيه آيات تدعو الى التفكير، وتنتهي بقوله تعالى: (لعلكم تتفكرون) و(أفلا تتفكرون) و (لقوم يتفكرون).

    وآيات اخرى فيها الفاظ متعددة تدل على معاني العقل والفكر، مثل التدبر «أفلم يدبروا القول» (المؤمنون: 6 و«ليدبروا آياته» (ص: 29)، ومثل: النظر «أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض» (الاعراف: 185).

    و «أفلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها» (ق: 6)، و«أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت» (الغاشية: 17). ومثل لفظ البصر وما اشتق منه كقوله تعالى: «وفي انفسكم أفلا تبصرون» (الذاريات: 21) الى غير ذلك من آيات صريحة اللفظ أو صريحة المعنى، مما هو مبثوث في كتاب الله، وربما كان اشملها واجمعها قوله تعالى: «كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة» (البقرة: 219 ـ 220).

    وحين ننظر بعد ذلك الى اقوال بعض العلماء والأدباء والمفكرين المسلمين، نجدهم كثيرا ما يعولون على العقل ويدعون اليه، فمن ذلك قول الجاحظ: «فلا تذهب الى ما تُريك العين، واذهب الى ما يُريك العقل، وللأمور حُكمان: حكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول، والعقل هو الحجّة». والحديث عن العقل وتحكيمه متصل أوثق اتصال بحديثنا السابق عن الشك وعدم التسليم بأقوال العلماء السابقين دون تمحيص، وهو ايضا متصل أوثق اتصال بما حث عليه الاسلام من نبذ الخرافات والاساطير. ويدسّ بعضهم تعبيرات ماكرة كقولهم: (ثقافة الخرافة)، ويخلطون الكلام خلطا ليفهم ان المقصود بالخرافة انما هو الايمان بالغيب. وشتان ما هما وبُعْدَ ما بينهما.

    واذا كان للخرافة (ثقافة) تشيع بين العوام الجهال، يخوضون فيها، وينخدعون بها، (مثل: الزار ودفوفه ورقصه، ومثل الحجب الباطلة وقراءة الكف والإخبار بالحظ والمستقبل، والتنجيم، وأحاديث السحر والجن والشياطين)، فإن الغيب ليس له ثقافة، وانما هو تصديق وايمان، دون الخوض في هذا الغيب ودون بناء ثقافة له: «وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو» (الانعام: 59). «ولله غيب السموات والارض واليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون» (هود: 123).

    وأما العنصر الثالث من عناصر الحداثة ومقوماتها، وهو عنصر (العلم) ومناهجه، فالحديث عنه في الاسلام ولدى المسلمين حديث طويل. وهؤلاء علماؤنا في مختلف ميادين العلم نجوم نيرات في سماء الحضارة الانسانية: في مرحلتها الاسلامية، ثم في تأثيرهم في عصر النهضة الاوروبية وعصر التنوير، وقد تُرْجِمت كتبهم الى اللغة اللاتينية، اما مباشرة واما من خلال العبرية. وفي طليعة هؤلاء العلماء المسلمين: جابر بن حيان (ت 200هـ ـ 815م)، الذي كانت له شهرة كبيرة عند الافرنج بما نقلوه من كتبه في بدء يقظتهم العلمية، قال عنه (برتلو) M. Berthelot: «لجابر في الكيمياء ما لارسطو طاليس قبله في المنطق. وهو اول من استخرج حامض الكبريتيك وسماه زيت الزاج، واول من اكتشف الصودا الكاوية، واول من استحضر ماء الذهب، وينسب اليه استحضار مركبات أخرى مثل كربونات البوتاسيوم وكربونات الصوديوم، وقد درس خصائص مركبات الزئبق واستحضرها».

    وانما تكلفنا ما تكلفنا من اقتضاب القول في موضوع اختلف اصحابه فيه اختلافا واسعا، لنزيل عنه غموضه الذي خلفه عند كثير من أهله وعند اهلنا، وكان حقه التوسع فيه والبسط لولا ضيق المجال، ولنصل كذلك من كل ما قدمنا الى ان الاسلام ـ بالفهم الصحيح له ـ كانت (الحداثة) من بعض منهجه الشامل. وان العلماء المسلمين هم آباء (الحداثة) الاوروبية، بما نقلوه الى اوروبا من منهج يقوم على ما منحهم الاسلام من حرية التفكير والتعبير، والتجاوز عن الخطأ والسهو في البحث والاجتهاد، وبتسخيره لهم ما في السماوات والارض جميعا منه تعالى، وما حضهم عليه من التفكير والتدبر والنظر واستعمال العقل وتحكيمه، وهجر الخرافات والاساطير والأوهام والاباطيل، وبما يسر لهم من اساليب العلم ونظرياته وانجازاته، وبما دعاهم اليه من التعامل بالأسباب وتطوير الحياة وتقدمها، وبما هيأه لهم من تحرر الانسان من عبوديته للإنسان، وجعل العبودية لله وحده، بغير وسيلة بشرية تفصل بين الخالق والمخلوق وتتوسط بينهما، وبجعله كتابه الكريم ودينه مبسوطين للناس جميعا دونما احتكار لطبقة دون غيرها: تعدل فيهما وتغير، وتفسر وتشرح، وتمنح وتحرم.

    فانطلق العلماء المسلمون يحملون مشاعل الهداية و(الحداثة) الحقيقية المؤمنة، التي تعرف ان وراء الاسباب مسببا ـ سبحانه ـ لا تعمل بغير ارادته، وانه استخلف الانسان في الارض لاصلاحها وعمارتها، واقامة العدل واشاعة الرحمة بين اهلها مهما تختلف اديانهم واعراقهم وألوانهم، وان الله رقيب على الناس في ما يعملون لا يغيب عنه مثقال ذرة، فعليهم مراقبته باتباع هذا المنهج الخلقي الايماني الذي تجردت منه (الحداثة) الاوروبية في مسيرتها التاريخية وتطورها الزمني. ولذلك احدث الاسلام التوازن بين الفرد والمجتمع، ونأى عن المادية المفرطة التي أدت الى الانانية والى غطرسة القوة الغاشمة، وجعل الحرية والعقل والعلم والتقدم تنطلق كلها في فلك اخلاقي اطاره قوله تعالى: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين» (القصص: 83)، وقوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان» (المائدة: 2)، وقوله تعالى: «ولا تبخسوا الناس اشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين* واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين» (الشعراء: 183 ـ 184) الى غيرها من الآيات التي ترسم هذا المنهج القرآني.

    ولا تستطيع أمة ان ترتقي في معارج التقدم، وان تحقق لنفسها نهضة وتبني حضارة بغير (الحداثة) بعناصرها التي ذكرناها. وبمثل ذلك تقدم المسلمون وشادوا حضارتهم الشامخة، وحين تخلوا عن (الحداثة)، واقتبستها منهم اوروبا، تخلفوا وتقدمت.

    فبغير حرية الرأي والتعبير، وحرية الاجتهاد والبحث العلمي، واستعمال العقل والاحتكام اليه، واستخدام العلم ومنهجه وتطبيقاته وتطويرها، تظل الأمة تدور حول نفسها حتى يصيبها الوهن.

    وهكذا فإن الاسلام سابق المسلمين الحاليين منذ تخليهم عن جوهره، وان اردنا ان نتمسك به فعلينا ان نتقدم نحوه لأنه أمامنا، تفصلنا عن حقيقته اشواط، فهو حديث دائما، عصري دائما، واكثرنا لا يكاد يعرف منه ولا عنه إلا مظاهر العبادات.

    وخلاصة كل ما تقدم ان الاسلام ليس (في مواجهة الحداثة) الصحيحة، بل هي منه في صميم منهجه، وقد اخذتها منه اوروبا، فأفادت منها كثيرا، ووصلت بها الى هذه المرحلة الباذخة من الحضارة، ثم ما لبثت ان اقحمت عليها ما ليس منها وجعلته شرطا لها، وفرغت منها روحها وانسانيتها، فأصابتها بالجفاف، وطوحت بها وبأهلها في مهاوي الضياع، وعلينا نحن ان نستعيد حداثتنا فنزيل عنها ما اقحم عليها، ونرد اليها ما انتزع منها، وحينئذ نستأنف رسالتنا الحضارية للانسانية.
    ----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
    * وزير التعليم العالي الاسبق في الاردن
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 08:04 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
صبيانية الحداثة وعبثها وربطها بالفساد والجنس والمخدرات (Re: osama elkhawad)

    وهنا راي اسلامي اخر يربط الحداثة بالفساد والعبث والصبيانية والمخدرات والجنس منقول من خيمة دوت كوم بدون مؤلف

    الـحـداثـه
    التعريف:
    هي صبيانية المضمون وعبثية في شكلها الفني وتمثل نزعة الشر والفساد في عداء مستمر للماضي والقديم ،وهي افراز طبيعي لعزل الدين عن الدولة في المجتمع الاوروبي ولظهور الشك والقلق في حياة الناس مما جعل للمخدرات والجنس دورهما الكبير

    التأسيس وأبرز الشخصيات:

    بدأ مذهب الحداثة منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي تقريا في باريس على يد كثير من الأدباء السريالين والرمزيين والماركسيين والفوضويين والعبثيين،ولقي استجابة لدى الأدباء الماديين والعلمانين والملحدين في الشرق والغرب.حتى وصل إلى شرقننا الإسلامي والعربي .
    ومن أبرز رموز مذهب الحداثة من الغربيين :
    - شارل بودلير 1821-1867م وهو أديب فرنسي أيضا نادى بالفوضى الجنسية والفكرية والأخلاقية ،ووصفها بالسادية أي التلذذبتعذيب الآخرين .له ديوان شعر مترجم بالعربية من قبل الشاعرإبراهيم ناجي ،ويعد شارل بودلير مؤسس الحداثة في العالم الغربي.
    -الاديب الفرنسي غوستاف فلوبير 1821-1880م.
    - مالارامية 1842-1898م وهو شاعر فرنسي ويعد أيضا من رموز المذهب الرمزي .
    -الأديب الروسي مايكوفوسكي ، الذي نادى بنبذ الماضي والاندفاع نحو المستقبل
    من أبرز رموزهم بالبلاد العربيه

    ومن رموز مذهب الحداثة في البلاد العربية:
    - يوسف الخال- الشاعر النصراني وهو سوري الاصل رئيس تحرير مجلة الحداثية .وقد مات منتحراً أثناء الحرب الاهلية اللبنانية .
    - أدونيس( علي أحمد سعيد )نصيري سوري ويعد المروج الأول لمذهب الحداثة في البلاد العربية ،وقد هاجم التاريخ الإسلامي والدين والأخلاق في رسالتة الجامعيةالتي قدمها لنيل درجة الدكتوراة في جامعة ( القديس يوسف)في لبنان وهي بعنوان الثابت والمتحول ،ودعا بصراحة إلى محاربة الله عز وجل .وسبب شهرتة فساد الإعلام بتسليط الأضوءعلى كل غريب .
    -د.عبد العزيز المقالح - وهو كاتب وشاعر يماني،وهو الآن مدير لجامعة صنعاء وذو فكر ييساري.
    - عبد الله العروي - ماركسي مغربي.
    - محمد عابد الجابري مغربي.
    -الشاعرالعراقي الماركسي عبد الوهاب البياتي.
    -الشاعر الفلسطيني محمود درويش- عضو الحزب الشيوعي الاسرائيلي أثناء اقامته بفلسطين المحتله , وهو الآن يعيش خارج فلسطين .
    -كاتب ياسين ماركسي جزائري .
    - محمد أركون جزائري يعيش فى فرنسا .
    - الشاعر المصري صلاح عبدالصبور – مؤلف مسرحية الحلاج

    الأفكار والمعتقدات:

    - نجمل أفكار ومعتقدات مذهب الحداثة وذلك من خلال كتاباتهم وشعرهم فيمايلي :
    - رفض مصادر الدين الكتاب والسنة والجماع ومصادر عنها من عقيدة أما صراحة أوضمان .
    - رفض الشريعة وأحكامها كموجه للحياة البشرية .
    - الدعوة إلى نقد النصوص الشرعية والمناداة بتأويل جديد لها يتناسب والأفكار الحداثية .
    - الدعوة الى إنشاء فلسفات حديثة على أنقاض الدين .
    - الثورة على الأنضمة السياسية الحاكمة لأنها فى منظورها رجعية متخلفة أي غير حداثية , وربما استثنوا الحكم البعثي .
    - تبني أفكار ماركس المادية الملحدة , ونظريات فرويد في النفس الإنسانية وأ وهامه , ونظريات دارون فى أصل الأنواع وفكار نيتشة ،وهلوسته،والتي سموها فلسفة ،في الإنسان على( السوبر بان) .
    - تحطيم الأطر التقليدية والشخصية الفردية،وتبني رغبات الانسان الفوضوية والغريزية.
    - الثورة على جميع القيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية والإنسانية،وحتى الاقتصادية والسياسية .
    - رفض كل ما يمت الى المنطق والعقل.
    - -اللغة- في رأيهم - قوى ضخمة من قوى الفكر المتخلف التراكمي السلطوي،لذا يجب أن تموت،ولغة الحداثة هي اللغة النقيض لهذه اللغة الموروثة بعدأن أضحث اللغة والكلمات بضاعة عهد قديم يجب التخلص منها.
    - -الغموض والابهام والرمز- معالم بارزة في الأدب والشعر الحداثي.
    - ولا يقف الهجوم على اللغة وحدها ولكنه يمتد إلى الأرحام والوشائح حتى تتحلل الأسرة وتزول روابطها،وتنتهي سلطة الأدب وتنتصر إرادة الانسان وجهده على الطبيعة والكون .

    ومن الغريب أن كل حركة جديدة للحداثة تعارض سابقتهافي بعض نواحي شذوذها وتتابع في الوقت نفسه مسيرتها في الخصائص الرئيسية للحداثة.
    إن الحداثة هي خلاصة سموم الفكر البشري كله ، من الفكر الماركسي إلى العلمانية الرافضة للدين، إلى الشعوبية إلى هدم عمود الشعر، إلى شجب تاريخ أهل السنة كاملاً إلى إحياء الوثنيات والأساطير.
    ويتخفىالحداثيون وراء مظاهر تقتصرعلى الشعر والتفعيلة والتحليل،بينما هي تقصد رأساً هدم اللغة العربية ومايتصل بها ممن يتصل بهامن مستوى بلاغي وبياني عربي مستمد من القرآن الكريم ،وهذا هو السر في الحملة علىالقديم وعلى التراث وعلى السلفية

    تطور الحداثه بالغرب وفي البلاد العربيه:

    إن حركة الحداثة الأوروبية بدات قبل قرن من الزمن في باريس بظهور الحركة البوهيمية فيهابين الفنانين في الأحياء الفقيرة.
    ونتيجة للمؤثرات الفكرية، والصراع السياسي والمذهبي والاجتماعي شهدت نهاية القرن التاسع عشر الميلادي في أوروبا اضمحلال العلاقات بين الطبقات ، ووجود فوضىحضارية انعكست آثارها على النصوص الأدبية.
    وقد تبنت الحداثة كثير من الطبقات ،ووجود فوضى حضارية انعكست آثارها على النصوص الأدبية .وبلغت التفاعلات السياسية والاجتماعيةوالاقتصادية في أوروبا ذروتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى .وبقيت باريس مركز تيار الحداثة الذي يمثل الفوضى الأدبية.
    وقد تبنت الحداثةكثير من المعتقدات واملذاهب الفلسفية والأدبية والنفسية أهمها:

    1-الدادائية : وهي دعوةظهرت عام1916م،غالت في الشعور الفردي ومهاجمة المعتقدات، وطالبت بالعودة للبدائية والفوضى الفنية الاجتماعية.
    2-السريالية : واعتمادها على التنويم المغناطيسي والأحلام الفرويدية ، بحجة أن هذا هو الوعي الثوري للذات ،ولهذا ترفض التحليل المنطقي ، وتعتمد بدلاً عنه الهوس والعاطفة.
    3-الرمزية : وما تتضمنة من ابتعاد عن الواقع والسباحة في عالم الخيال والأوهام ،فضلاً عن التحرر من الأوزان الشعرية ،واستخدام التعبيرات الغامضة والألفاظ الموحية برأي روادها .وقد واجهت الحداثة معارضة شديدة في جميع أنحاء أوروبا،
    ثم ظهرت مجلة شعر التي رأس تحريرها في لبنان يوسف الخال عام 1957م تمهيد لظهور حركة الحداثة بصفتها حركة فكرية ، لخدمة التغريب ، وصرف العرب عن عقيدتهم ولغتهم الفصحى …لغة القرآن الكريم .
    وبدأت تجربتها خلف ستار تحديث الأدب ، فاستخدمت مصطلح الحداثة عن طريق ترجمة شعر رواد الحداثة الغربيين أمثال :بودلير ورامبو ومالا رامية ، وبدأ رئيس تحريرها –أي مجلة شعر – بكشف ما تروج له الحداثة الغربية حين دعا إلى تطوير الايقاع الشعري ،وقال بأنه ليس لللأوزان التقليدية أي قداسة ويجب أن يعتمد في القصيدة على وحدة التجربة والجو العاطفي العام لا على التتابع العقلي والتسلسل المنطقي كما أنه قرر في مجلتة أن الحداثة موقف حديث في الله والإنسان والوجود .

    كان لعلي أحمد( أدونيس)دور مرسوم في حركة الحداثة وتمكينها على أساس :
    ما دعاه من الثبات والتحول فقال ( لايمكن أن تنهض الحياة العربية ويبدع الإنسان العربي إذا لم تتهدم البنية التقليدية السائدة في الفكر العربي والتخلص من المبنى الديني التقليدي ( الاتباع ) استخدم أدونيس مصطلح الحداثة الصريح ابتداءً من نهاية السبعينات عندما :صدمة الحداثة عام 1978م وفيه لايعترف بالتحول إلا من خلال الحركات الثورية السياسية والمذهبية ،وكل مامن شأنه أن يكون تمرد على الدين والنظام تجاوز للشريعة.

    لقد أسقط أدونيس مفهوم الحداثة على الشعر الجاهلي وشعراء الصعاليك وشعر عمر بن أبي ربيعة ، وأبي نواس وبشار بن برد وديك الجن الحمصي ،كما أسقط مصطلح الحداثة على المواقف الإلحادية لدى ابن الرواندي وعلى الحركات الشعوبية والباطنية والإلحادية المعادية للإسلام أمثال :ثورة الزنج والقرامطة .
    ويعترف أدونيس بنقل الحداثة الغربية حيث يقول في كتابه الثابت والمتحول : ( لانقدر أن نفصل بين الحداثه العربيه والحداثه في العالم ) .

    أهم خصائص الحداثه:

    - محاربة الدين بالفكر والنشاط .
    - الحيرة والشك والاضطراب .
    - تمجيد الرذيلة والفساد والإلحاد .الهروب من الواقع إلى الشهوات والمخدرات والخمور .
    - ا لثورة على القديم كله وتحطيم جميع أطر الماضي إلى الحركات الشعوبية والباطنية .
    - الثورة على اللغة بصورها التقليدية المتعددة .
    - امتدت الحداثة في الأدب إلى مختلف نواحي الفكر الإنساني ونشاطه .
    - قلب موازين المجتمع والمطالبة بدفع المرأة إلى ميادين الحياة بكل فتنها ، والدعوة إلى تحريرها من أحكام الشريعة .
    - عزل الدين ورجاله واستغلاله في حروب عدوانية .
    - تبني المصادفة والحظ والهوس والخبال لمعالجة الحالات النفسية والفكرية بعد فشل العقل في مجابهة الواقع .
    - امتداد الثورة على الطبيعة والكون ونظامه وإظهار الإنسان بمظهر الذي يقهر الطبيعة .
    - ولذا نلمس في الحداثة قدحاً في التراث الإسلامي ،وإبراز لشخصيات عرفت بجنوحها العقدي كالحلاج والأسود العنسي ومهيار الديلمي وميمون القداح وغيرهم .وهذا المنهج يعبر به الأدباء المتحللون من قيم الدين والأمانة،عن خلجات نفوسهم وانتماءاتهم الفكرية

    الخلاصه:

    أن الحداثة تصور إلحادي جديد – تماما - للكون والإنسان والحياة ،وليست تجديد في فنيات الشعر والنثر وشكلياتها .وأقوال سدنة الحداثة تكشف عن انحرافهم بإعتبار أن مذهبهم يشكل حركة مضللة ساقطة لا يمكن أن تنمو إلا لتصبح هشيما تذرة الرياح وصدق الله العظيم إذ يقول (ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً ) .
    حسبنا في التدليل على سعيهم لهدم الثوابت أن نسوق قول أدونيس وهو أحد رموز الحداثة في العالم العربي في كتابه فن الشعر ص76: ( إن فن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاج إليها الجمهور العربي ليست تلك التي تسلية أو تقدم له مادة استهلاكية ،وليست تلك التي تسايره في حياتة الجادة ،وإنما هي التي تعارض هذه الحياة .أي تصدمه وتخرجه من سباته ،تفرغه من موروثه وتقذفه خارج نفسه , إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها،الدين ومؤسساته العائلة وموسساتها، التراث ومؤسساته ، وبنية المجتمع القائم ,كلها بجميع مظاهرها ومؤسساتها ،وذلك من أجل تهديمها كلها أي من أجل خلق الإنسان العربي الجديد ،يلزمنا تحطيم الموروث الثابت ،فهنا يكمن العدو الأول للثروة والإنسان ) ولا يعني التمرد على ما هو سابق وشائع في مجتمعنا إلا التمرد على الإسلام وإباحة كل شئ باسم الحرية .

    فالحداثة إذاً هي مذهب فكري عقدي يسعى لتغيير الحياة ورفض الواقع والردة عن الإسلام بمفهومه الشمولي والإنسياق وراء الأهواء والنزعات الغامضة والتغريب المضلل .وليس الإنسان المسلم في هذه الحياة في صراع وتحد كما تقول الكتابات لأهل الحداثة وإنما هم الذي يتنصلون من مسؤلية الكلمة عند الضرورة ويريدون وأد الشعر العربي ويسعون إلى القضاء على الأخلاق والسلوك باسم التجريد وتجاوز كل ما هو قديم وقطع صلتهم به .

    ونستطيع أن نقرر أن الحداثين فقدوا الإنتماء لماضيهم وأصبحوا بلا هوية ولا شخصية .ويكفي هراء قول قائلهم حين عبر عن مكنونة نفسة بقوله :
    لا الله أختار ولا الشيطان
    كلاهما جدار
    كلاهما يغلق لي عيني
    هل أبدل الجدار بالجدار
    تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 08:20 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
راي حول وجود نماذج للحداثة غير النموذج الغربي (Re: osama elkhawad)


    في الحداثـة والتنـوير بين المركزية الغربية والواقع الإسلامي(*)

    لنبدأ من الأساس العريض الذي يؤرّخ لمسار الفكر البشري كله على وجه الأرض عند كثير من الكتاب الغربيين، وهو أن العقل الإنساني مرّ بمرحلتين هامتين هما: المرحلة اللاهوتية والمرحلة العلمية. وبينما تجاوز العقل الأوروبي المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، فإن العقل العربي ما زال يعيش المرحلة الأولى. وإذا ما أُريد لهذا العقل أن يبدع ويطور الحياة، فما عليه إلا أن يسير حثيثاً إلى المرحلة الثانية. وإذا ما أراد الكاتب أو المفكّر أن يُفعِّل الحياة في بيئتنا العربية والإسلامية، فإن عليه أن يوجه اهتمامه إلى نقد العقل الغيبي اللاهوتي الذي ينتمي إلى العصور الوسطى، بينما نريد نحن أن نعيش الحياة المعاصرة بحداثتها وعلميتها.

    عند هذا المنطلق نقف.. فنتساءل: هل هذا التقسيم للتفكير البشري موضع اتفاق من لدن الباحثين والمفكرين كلهم في الشرق والغرب، أم أنه تقسيم منطلق من أسس التفكير الغربي ويعكس نوعاً آخر من أشكال "المركزية" الغربية التي تعد مسار الفكر الغربي مرجعية لكل مسارات الفكر القديم والحديث في العالم؟

    بين العلم والروح

    والحق أنه إذا كانت أوروبا قد مرّت بمرحلة لاهوتية كنسيّة قاومتها في عصر نهضتها، وانتقلت بعدها إلى المرحلة الوضعية العلمية، فإن هذا لا ينطبق على واقع الفكر البشري كله، ولا واقع الحياة الفكرية في العالم الإسلامي. إن تاريخ الفكر الإسلامي لا يمكن أن نختصره بكلمة واحدة (اللاهوتية) أو الغيبية، وإذا فعلنا ذلك، فإننا نكون ردّدنا مقولات في ذهن الأوروبيين عن الإسلام، ولم ننطلق من التقويم الحقيقي لتاريخنا الفكري.

    إن المرحلة التي يطلق عليها الغربيون اسم (الميتافيزيقية) في الفكر البشري كله قبل عصر النهضة الأوروبية، هي مرحلة عطاء علمي وعقلي وتجريبي لدى المسلمين، ولا يستطيع أحد أن ينكر هذا، ولا حتى واقع النقلة الأوروبية في عصر النهضة الذي استند إلى منطلقات التفكير العربي والعلم العربي.. كما تجلى واضحاً في نقد المنطق الأرسطي عند روجر بيكون، ومن بعده فرنسيس بيكون، إذ كانت لمسات جابر بن حيان النقدية لذلك المنطق بارزة على مسار النقد العقلي الأوروبي في عصر النهضة.

    أقول إنه إذا كانت الحدود صارمة بين العقل الميتافيزيقي والعلمي في الفكر الأوروبي، فإنها ليست كذلك في الفكر الإسلامي. إن المرحلة السابقة في الفكر الإسلامي ليست (ميتافيزيقية) وإن كان للميتافيزيقيا فيها نصيب. إنها في واقع الأمر مرحلة عقلية وتجريبية، وكان لهذا مصاديقه في الواقع العقلي في كثير من مظاهر النتاج الفكري والمفاهيم الحضارية، وفي الواقع التجريبي في مجالات العلم التطبيقي في حياة المسلمين.

    ولذلك يمكن أن نقول إنه لا يوجد ذلك الستار الحديدي الضعيف بين المرحلة القديمة من تاريخ المسلمين، وبين الحياة المعاصرة التي يريدون أن يكون لهم فيها حضور فاعل. فالعلم قاسم مشترك بين هاتين الحياتين، علم قديم يضاف إليه علم جديد من نتاج المشترك الإنساني العام. وليس بالضرورة أن يكون العلم الحديث مدابراً ومضاداً للطابع الروحي الذي يشكل الحياة لدى المسلمين ويؤثر فيها، فكما كان في حياة المسلمين علم وتجريب وروح، يمكن أن يكون في حياتهم المعاصرة علم وتكنولوجيا وروح، بل يمكن أن تكون الروح إغناءً لمسار العلم ورافداً له، ودافعاً لمزيد من الإنجازات فيه.

    الفكر والتجربة الإنسانية

    وإذا كان ثمة تدابر (ومغاضبة) بين العلم والروح في الحياة الأوروبية في عصر النهضة، وما تلاها، فلأن الكنيسة كانت هي السبب في هذا التدابر، ولأن الفهم الديني الضيّق للمؤسسة الدينية هو الذي أوجد القطيعة بين الروح والعلم، ووقف عثرة أمام التطور العلمي، فكان أن اتخذ العلم مساره بعيداً عن منطق الدين وتوجيهه.

    أعرف أن الحديث عن العلم في تاريخ الإسلام يُصدُّ بمقولة إن هذا تاريخ، وليس واقعاً معاصراً.. وليكن هذا تاريخياً، ولكنه تاريخ حقيقي يدحض مقولة إن العقل البشري مرّ بمرحلتين ثابتتين هما الميتافيزيقية والوضعية، كما هو الشأن في مسار الحياة الفكرية الأوروبية. بل إن حياة الأمم الأخرى لا تعكس هذه الضوابط الصارمة، حيث كان للعقل والعلم والتجريب نصيب في مراحلها السابقة، وإذا اتّضح هذا، واتّضح أنه لا بد أن تعطى المساحة الواسعة لإنجازات العقل البشري في بيئات العالم الأخرى وحضاراته، وأن يتخذ مسار الفكر وبناء الحضارات أوجهاً متعددة لإثراء هذا المسار، وعدم حصره في إنجاز عقلي واحد، قد يحوّله لاحقاً إلى لون واحد وطعم واحد، وقد يرافقه فيما بعد انغلاق أو طغيان من نوع جديد.

    فإذا كانت أوروبا انطلقت في حداثتها في عصر النهضة منطلقاً يعكس واقعاً فكرياً خاصاً، حيث الكنيسة التي تتحالف مع الاقطاع وترفض أن تطور فكري، وأي اكتشاف علمي، فإن الأمم الأخرى يمكن أن تنطلق في حداثتها الخاصة التي لا تعني بالضرورة موقفاً معادياً للدين، بل يمكن أن تتخذ من الدين نفسه عامل دفع للتحديث، خاصة إذا كان هذا الدين محضناً للعلم وميداناً له.

    إن الحداثة في مفهومنا ليست ظاهرة أوروبية أو قدراً أوروبياً، لقارات الأرض كلها، وللشعوب كلها، بل هي ظاهرة تاريخية إنسانية عامة. توجد حيثما يوجد عمل إبداعي، وتوجد حيث توجد عقلانية واستثمار أمثل للحوار مع الطبيعة، بل حيثما نجد إنسانية الإنسان متحققة نجد عملاً حداثياً. ولهذا فلسنا أمام حداثة واحدة مقرها أوروبا، بل يمكن أن نجد حداثات متعددة في الصين واليابان وأرض الإسلام، كل يفتح كتابه ويقدم برهانه ويعرض إنجازه، كما يقول أحد الباحثين.

    الإصلاح أو الهدم

    وإذا كان ثمة مواضع خلل في طريقة التفكير في العقل العربي في تاريخه القديم، أو المعاصر، فيمكن مناقشتها وتصويبها على أسس من العلم والمنطق، وليس عن طريق مصادرة التفكير العربي والإسلامي كله، ونسبته إلى المرحلة الميتافيزيقية، والدعوة إلى رسم السبيل لتطويره عن طريق ربطه بطريقة التفكير الغربي الخاضع لظروف معينة جعلته يتخذ مساراً آخر يقوم على الآحادية الوضعية، ونبذ كل ما له صلة بالروح، هذا تدعو إليه بعض الكتابات التي يكتبها الحداثيون العرب، وهي كتابات تنطلق من مبادىء غربية صرفة تغضّ طرفها عن واقع الحياة العربية، بل إنها لا تعكس مسار الفكر الأوروبي نفسه الذي لم يحاد الدين في منطلقاته كلها.

    وإذا أردت أن تحدث تنويراً حقيقياً للعقل العربي الذي يشوبه بعض الخلل في التوجه أو الاستنتاج أو الإبداع، فإن السبيل إلى تنويره هو أن ترجعه إلى معالم من الوعي بذاته ومحيطه وتاريخه وترسم له أهدافاً، وتضع بين يديه وسائل، وليس عن طريق توجيهه إلى عصر التنوير الفرنسي والأوروبي بعامة، ذلك العصر الذي يعكس صراعاً ما بين العلم والدين، أو ما بين التخلف الأوروبي آنذاك وما بين العلم المتوثب.

    فليس هناك طريق واحد للتنوير.. فإذا كان هناك طريق أوروبي لتنوير العقل الأوروبي في مرحلة من مراحله.. فإن هناك أكثر من طريق للتنوير في حياة المسلمين، أو اليابانيين أو الصينيين. ويبقى العلم وتبقى العقلانية وسيلة مشتركة فاعلة للبناء، ولكن تبقى خصوصيات الواقع والتاريخ حاضرة وفاعلة كذلك، وهي ليست بالضرورة من المثبطات والمعرقلات لمسيرة العلم والتطوير.

    عقبات سياسية فعلية

    يبدو أن عرض مسألة الحداثة، والتنوير على ضوء من أسسها، كثيراً ما يناقش مناقشة نظرية بعيداً عن ضغوط الواقع ومحفزاته، ويبدو أن الإشكالية ذات أبعاد سياسية في جانب منها، كما أنها ذات أبعاد حضارية، تشكل أوروبا (الحداثية) نفسها فيها عقبة في طريق التحديث الذي يريد أن يختطّ لنفسه مساراً خاصاً بعيداً عن حتمية التحديث الأوروبي.

    وبهذا يمكنك أن تتساءل معي:

    أولاً: كيف يمكن لك بناء حضارة على أسس حداثية خاصة، وأنت في مرحلة من التبعية والعبودية والاستلاب؟

    ثانياً: كيف تسير نحو حداثتك الخاصة، وأنت مكبل بالفقر وانعدام الوسائل، وأن تلتفت فلا تجد إلا (عولمة) تريد إخضاعك لآلية إنتاجها؟

    ثالثاً: كيف تستطيع بناء حداثة مع "أمية" وجهل ضارب الأطناب، أو تعليم لم يعد إلا للبحث عن الوظائف؟

    رابعاً: أية حداثة في جو من الظلم والاضطهاد وانعدام الفرص لتبادل السلطة، وأي إبداع يرتجى في مجتمع لا يملك حريته؟

    وحين نجيب عن هذه الأسئلة وغيرها.. يمكن أن نؤسس لمعالم الحداثة، ونرسم طرق التنوير على ضوئها، ناظرين إلى ما حولنا،غير ناقلين لإكليشهات جاهزة لكل عقل، ولكل زمان ومكان.

    ننهض بالدين والعلم معاً

    ولا أحد يرفض أن يكون العلم من أبوابه الواسعة منفذاً إلى اكتشاف أعماقنا، وسبر أغوار العالم من حولنا، وتوظيف ذلك كله من أجل بناء حياة أرقى وأسعد وأجمل، مع التزام بخصوصيتنا الدينية، وطابعنا الحضاري، ولتذهب تلك المقولة الماكرة التي تكرر في كل مرة أن خصوصيتنا الحضارية والدينية تصادر ما توصل إليه الإنسان من علوم ووسائل وتعيدنا إلى الحياة البدائية، إلى حيث سكن الأكواخ وركوب الحمير! من قال إن العلم ووسائل التكنولوجيا وقف على حياة الأوروبيين ومن سار على منهجهم في القطيعة مع الدين؟! إن العلم لا يعرف حدوداً، ولا يعرف جنسيات وألواناً.. إنه إنجاز إنساني مشترك توظفه الأمم لتطورها وبناء حياتها، وتبقى لها ـ مع ذلك ـ خصوصياتها الحضارية والدينية.

    وفيما يتعلّق بنا ـ نحن المسلمين ـ يمكن أن يُساهم الدين في رسم الأهداف العليا في حياتنا، بحيث تكون حضارتنا إنسانية المنحى هادفة لبناء الإنسان وإشباع حاجاته، وجعله كائناً محسناً ومنصفاً في تعامله مع أبناء الجنس البشري، وليس كما فعلت أوروبا في تعاملها مع الآخر.. وهذه آثار فأسها في كل صقع من أصقاع الأرض، وهذه هي أمريكا وريثة أوروبا وآثار دمارها على الإنسانية.

    وفي الوقت نفسه يُستثمر العلم لإعداد الوسائل المادية التي تستكمل بناء الحياة، وتسهل الحركة والتمتع والكسب فيها، وبالدين والعلم، معاً، نحارب الخرافة، ونحارب الكسل والاتكالية، كما نحارب الظلم والجشع والاستحواذ، وكل الصفات الغريزية الحيوانية التي تسطو على الحياة البشرية، وتعكر العلاقات الإنسانية النبيلة فيها.

    فإذا كان ثمة حداثة أوروبية وتنوير أوروبي تتدابر معهما الأهداف والوسائل، فإن لنا حداثةً وتنويراً قائماً عليها، لا يتدابران مع الأهداف، كما أشرنا.. وبهذا فنحن إزاء حداثتين مختلفتين وإزاء تنويرين مختلفين.. هذا هو الحق، وهذا هو الواقع، وهذا ما ينبغي أن يكون، وكل مصادرة وإكراه وتزوير لحقائق الحياة البشرية، لا يبني حضارات أمم، بل يرسخ حضارة واحدة غالبة، وحولها أشباح حضارات، ومسوخ حضارات، وأطراف حضارة تردد صدى مركزية واحدة قاهرة.


    --------------------------------------------------------------------------------

    (*) د.محمد الزودي باحث وأكاديمي عراقي - صحيف "المؤتمر" العراقية: 4- 8 – أيار 2003
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 08:37 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
رؤية توفيقية للعلاقة بين الاسلام والحداثةمن كاتب ايراني (Re: osama elkhawad)


    فرزاد حاجي ميرزا
    كاتب إيراني

    إننا كمسلمين يحيون العصر الراهن المدعوَ «بالعصر الحديث» نهتم بصورة طبيعية بكيفية بقائنا مسلمين حقيقيين. وهذا العصر الذي تعود جذوره إلى تطورات القرون الثلاثة الماضية من تاريخ الغرب يجسد مبادءه وأنساقه الخاصة به، مبادئَ ليست منسجمة مع تلك التي تتضمنها أسس ديننا، بل يوجد هناك في بعض الأحيان تناقضات ما بين المنظومتين. ومهما يكن التأويل الذي لدينا عن «الغرب الحديث» وكيفما حاولنا أن نفهم الإسلام فإننا سنجد أنه من الصعب خلق علاقة بين الاثنين، بما أن العلاقة بين التراث والحداثة أثبتت صعوبتها.

    لقد توسع الدارسون في بحث العلاقات الممكنة بين التراث والحداثة والتحديث فالبعض يعتقد التعارض التام بين الاثنين، ويفهمهما مبادئَ وأنساقاً متعارضة كلياً. ولكننا اليوم نجد أن بعض المسلمين بتبنيهم لوجهة نظر محددة تجاه الإسلام يحاولون أن يرأبوا الصدع الكبير والمتعذر فهمه بين الإسلام والحداثة، وذلك بالرجوع إلى التفكير الغربي الحديث الذي يحتوي مقاربات وإجراءات متميزة.

    إن ما يشكل الجزء الأعظم من «هويتنا» هو الإسلام. إذن نحن كمسلمين يجب أن تبذل أقصى ما في وسعنا لإصلاح هذا العنصر الهام حقاً من «هويتنا». وسعينا عبر هذه الرؤية هو جزء من التطبيق المقدس لجهة إصلاح وإحياء الدين. إننا نعتقد أن ديننا يتمتع «برؤية للعالم» و«أنتروبولوجيا» و«ثيولوجيا»، «بمعرفتها» و«قبولها» وممارستها يمكن للمرء أن يحقق «الخلاص» و«الحرية». وكل هذه المصطلحات لها معنى من وجهة نظرنا الخاصة.

    بينما في المقابل للغرب الحديث تأويل مختلف للخلاص والحرية. إن له تعريفاً مختلفاً «للإنسان» و«الكون» و«الله». وإذا ما حفرنا في اختلاف التأويل هذا، يمكننا أن نتحقق من اختلافات جوهرية بين الإسلام والغرب. الغرب يؤمن بوسائل خاصة للمعرفة والفهم، والعقلانية الغربية الحديثة هو نتاج وسيلة المعرفة التي تدعى «العقل العلماني». إنه من السهل التنبؤ بأن كل ما ينتج عن مثل هذا النوع من المعرفة سيكون علمانياً أيضاً. والمثال المناسب لذلك هو العلوم الإنسانية الجديدة في الغرب.

    لذلك يمكننا القول بكل تأكيد أن أولئك المسلمين الذين يحاولون بحث التطورات والاكتشافات الغربية الحديثة إثباتها في القرآن وفي نصوصنا التراثية، لا يمكنهم الوصول إلى أي شيء إطلاقاً. كلنا يعترف بأن العلم الحديث قد قدم للإنسان صنفاً معيناً من القدرات ومن مصادر الطاقة الجديدة. والتكنولوجيا الغربية الحديثة هي الأكثر أهمية من هذه المصادر.

    لقد أكد الآباء الأوائل للغرب أنه مع تقدم التطورات التقنية، يجب أن يطور نوع ملائم من العقلانية، وذلك مخافة نشوء صدع بينهما، أو نشوء نوع بطيء ومعوِّق من العقلانية يتسبب في كوارث تاريخية. ولكن رغم ذلك فمثل هذه الأمور قد حدثت، ومصائب كالحربين العالميتين قد وقعت.

    إن هذا يدل على القوة الجامحة للتكنولوجيا، وقد يشير إلى الطاقات الإنسانية المحدودة التي دفعت بالإنسان ـ أحياناً ـ إلى استخدام هذه التكنولوجيا ضد القيم التراثية للعقلانية، وحتى ضد مبادئ العقلانية الغربية الحديثة.

    لا توجد اليوم أمة واحدة قادرة على الابتعاد عن منتجات العقل والمناهج التجريبية. حتى أولئك الذين ينفون بوضوح ويشتمون الغرب الحديث وينظرون إليه باعتباره مُستقرَّاً لكل أنواع الخطايا، فإنهم عملياً يستفيدون ذاتهم من منتجاته وتقنياته خصوصاً.

    بالنظر إلى المقدمات السابقة، يمكننا القول الآن إن المسلمين لا يمكن أن يتعاموا عن الغرب الحديث. إن ما بعد الحداثة تجسد أيضاً عصراً جديداً وتطوراً في الغرب. وهي في إحدى وجهات النظر استمرار للمراحل الأقدم، ومن وجهة أخرى نفي لها كلها، ولكنها تبقى من وجهة نظر مختلفة مؤسسة للتحليل النقدي للغرب. بعيداً عن هذه التأويلات الثلاث المختلفة، لا يمكن لما بعد الحداثة أن تساعد في التحول إلى الحداثة ومنتجاتها لكي تنهض بمشاريعها الخاصة التقليدية “Traditionalism” التي هي أيضاً مدرسة جديدة في الغرب لا يمكن أن تساعد في رجوع الحداثة وتطوراتها، إذا هي شرعت في نقد الغرب، والنهوض بمشروعها الخاص الذي سيعود إلى القيم التراثية.

    للسبب ذاته، يجب على الإسلام أيضاً أن يعود إلى الحداثة ليحيا في العالم الحديث. ولكن يجب توخي الحذر، بما أن مثل هذا الرجوع يتطلب قنوات واتجاهات خاصة. إن ما يحدث في كثير من البلدان الإسلامية والشرقية في شكل التحديث ليس أكثر من استفادة من التكنولوجيا، بدلاً من التعامل مع الجذور وفهم الأسس التحتية للغرب الحديث، والتي تحتوي عقلانيته ومنهجيته وعلمه الحديثين، إن مثل هذه البلدان إنما تتعلق بالفروع والمنتجات.

    بل إن مثل هذا التحديث قد أحدث كثيراً من المشاكل لنا. إحداها الاعتماد الدائم والتخلف، وبالنظر لارتباطنا بالفروع لا بالجذور فإننا سنبقى عيالاً، ولن نكون قط في موقع المؤسسين. فقط عندما نفهم العلم الحديث بكل قدراته وحدوده، ونعمل لإنتاج التكنولوجيا الحقيقية الخاصة بنا، والفكر المحتاجين إليه بشدة، بذلك فقط يمكننا أن نحرر أنفسنا من هذا الاعتماد.

    إن هناك مشكلة أخرى تعد مؤشراً على فهم غير صحيح للغرب، ألا وهي نوعي التغريب، الأول وهو الهجر الكامل لدين الإنسان الخاص وتراثه الذي يؤدي امتصاص الغرب له وإلى خلقه لنفسه شعوراً بالغربة عنها. والنوع الثاني من التغريب يشير إلى أولئك الذين يسعون بإلحاح إلى التنقيب عن العلم الحديث والتقنية الغربية في القرآن الكريم والنصوص التراثية الأخرى، وهذا النوع الأخير من الفهم ينشأ عن فهم خاطئ للكتاب العزيز والنصوص التراثية الأخرى، كما ينشأ عن تعليق أهمية غير ملائمة بالعلم.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 09:05 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
محمد عمارة وعولمة الثقافة الحداثية (Re: osama elkhawad)


    مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية

    بقلم المفكر الإسلامى د. محمد عمارة

    هذا الكتاب للمفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة لا يهدف إلى المقارنة بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية فقط لينتصر للفكرة الإسلامية على الفكر المادي الغربي، بل ولإظهار الأصالة والتجديدية في الثقافة الإسلامية في مقابل النزعة المادية الإلحادية في الثقافة الغربية، وأن العيب والضعف ليس في ثقافتنا (نحن)، وإنما في (الإنسان) الذي لابد أن يعي أن أول خطوات السمو والارتقاء واستعادة (الأستاذية) أن نحدد نقاط القوة والفرص المتاحة أمامنا في هذا العالم المليء بالتحديات. ويستعرض أبعاد العولمة التي لا تستهدف فقط الاحتلال والغزو وامتصاص الموارد، وإنما (تأييد) هذا الغزو باحتلال العقول وإذابة الآخر، وخاصة الآخر الإسلامي في حضارة تعلى شأن المادة وتنزع منحي لا دينيا.

    ويؤكد الكتاب أنه بالرغم من شراسة التحديات وعظم المخاطر، فبالإمكان مواجهتها والتعامل معها بتغيير أنفسنا أولا ، والاعتماد على مواردنا الضخمة وطاقاتنا المعطلة، ثم بالحوار مع الإنسان الغربي الذي ليست لنا معه مشكلة، والذي يمثل إمكانية صداقة ومعاونة بالنسبة لقضايانا، فإذا عرضنا عليه بضاعتنا بمنطق العقل والعدل والمصلحة في قضية العولمة قد يكتشف أنه هو نفسه - معنا - ضحية لمخاطر التوحش الرأسمالي الذي تهددنا عولمته.

    تحرير مضامين المصطلحات

    يشير الدكتور عمارة إلى وجود خلط في دوائرنا الفكرية والإعلامية بين مصطلح العولمة ومصطلح العالمية، وهو خلط يزيف المضامين ويخلط الأوراق التي لا يجوز فيها الاختلاط، الأمر الذي يستوجب البدء في تحرير وتحديد مضمون كل منهما.

    مفهوم العالمية: ويعرفه بأنه نزعة إنسانية وتوجه نحو التفاعل بين الحضارات والتلاقح بين الثقافات والمقارنة بين الأنساق الفكرية، والتعاون والتساند والتكامل والتعارف بين الأمم والشعوب، ويرعى العالم منتدى حضارات بينها مساحات كبيرة من المشترك الإنساني العام، ولكل منها هوية ثقافية تتميز بها، ومصالح وطنية وقومية وحضارية واقتصادية وأمنية لابد من مراعاتها في إطار توازن المصالح، وليس توازن القوى بين الأمم والحضارات.

    فالناس في سعيهم شتى (إن سعيكم لشتى) [الليل:4]، ذلك هو المفهوم الإسلامي للعالمية: نزوع عالمي يرى التعدد والتنوع والاختلاف القاعدة والقانون، ويؤمن أن التفاعل هو الوسط العدل بين العولمة وبين التبعية، فتصبح الصورة الحضارية للعالم هي صورة منتدى الحضارات.

    ويتميز المفهوم الإسلامي للعالمية عن نظيره الغربي ليس فقط في وقتنا الراهن، وإنما منذ فجر الحضارة الأوروبية الغربية، فالنزعة المركزية لصيقة بالنموذج الحضاري الغربي منذ العصر الروماني الذي رأى أصحابه أن الإنسان هو الروماني الحر وحده، وما عداه برابرة، وأن ما يتدين به الروماني هو الدين الوحيد، وما عداه واجب الاستئصال، ثم واصلت هذه النزعة المركزية الغربية صراعها مع الآخر طوال عصر استعمار الغرب للأمم والبلاد والحضارات غير الغربية، وتم هذا الصراع والاستئصال على مختلف الصعد والميادين والجبهات بتحويل العالم إلى هامش للأمن الأوروبي الغربي، وتسخير الشعوب المستعمرة وإمكاناتها وقودا في هذه الحروب الاستعمارية، كما كان الرومان والفرس يصنعون قديما مع الغساسنة والمناذرة في النظام العالمي القديم.

    مفهوم العولمة:

    ويتساءل الدكتور عمارة: إذا كان هذا هو مفهوم العالمية في الرؤية الإسلامية، وفي الرؤية الغربية، فما هو الجديد المفاهيمي الذي يطرحه مصطلح العولمة الذي طرأ على الساحة الفكرية منذ سنوات؟

    ويجيب بالقول: إن الجديد في العولمة الغربية عن العالمية الغربية هو جديد في الدرجة، وليس في النوع، فنحن أمام تصاعد في درجة النزعة المركزية الغربية، وتصاعد في حدة التطبيق الغربي لها، وأسباب هذا الجديد هو التطورات الموضوعية الجديدة التي طرأت على العالم، ومن ثم على علاقة النظام الغربي بالعالم غير الغربي.

    فالعولمة الغربية هي طور جديد على طريق النزعة المركزية الغربية والعالمية بمفهومها الغربي، إنها طور الاجتياح الذي يطمع في صب العالم داخل القالب الغربي على مختلف الصعد والميادين الاقتصادية والسياسية والقيمية والثقافية والعسكرية والتشريعية...إلخ إلخ.

    إنها مرحلة الطوفان الغربي الذي هو - في الدعاوي الغربية - نهاية التاريخ، ومن لم يركب في سفينة النموذج الحضاري الغربي طوعا، فخطوط الصراع والإكراه معه وضده تحددها خطوط الثقافات والحضارات.

    ويذكر أن العالمية - حتى بمفهومها الغربي - ونظرا لملابسات التناقضات التي صاحبتها لم تكن تحرمنا من هامش الاختيار أن هذه العولمة التي مثلت وتمثل طور وحدة القبضة الغربية، وثورة التقنيات التي جعلت العالم أشبه ما يكون بالقرية الكونية، مما يؤدي إلى تصاعد مخاطر الاختلالات في موازين القوى على حساب الأمم والحضارات المستضعفة.

    ويؤكد الدكتور عمارة أن العولمة - زعامة أمريكية الآن - تسعي لصب العالم في قالب الحضارة المهيمنة، فيما يشبه الاجتياح الطوفاني الذي لا يترك ميدانا من الميادين إلا ويريد أن يطاله ويحتويه، وخاصة إذا وجد فيه فراغا يغري بالاحتواء.

    ففي الاقتصاد: يذكر الدكتور عمارة أن هناك عولمة الخلل الفاحش الذي تمثله الليبرالية الرأسمالية المتوحشة بين الشمال والجنوب، والذي بلغ في الظلم الاجتماعي أفقا غير مسبوقة، فأبناء حضارة الشمال والذين يمثلون 20% من سكان المعمورة يملكون ويستهلكون 86% من الإنتاج العالمي، حتى أن 225 فردا منهم يملكون ما يوازي ملكية 2.5 مليار ا من أبناء الجنوب أي قرابة نصف البشرية، بل إن ثلاثة أفراد في أمريكا تبلغ ثروتهم مثل ثروة 48 دولة من أعضاء الأمم المتحدة أي نحو ثلث أعضاء المنظمة العالمية.

    وإذا كانت ديون العالم الثالث أي 80% من البشرية قد بلغت سنة 1997 حوالي 950 مليار دولار تقتطع فوائدها - مجرد الفوائد - أربعة أضعاف ما تنفقه دول العالم الثالث، على الصحة والتعليم مجتمعين، فإن صورة هذه المأساة لا تفهم إلا إذا علمنا أن الشركات متعددة الجنسيات التي تعولم هذا الاقتصاد تقترض الدولارات من "وول ستريت"هي المال والأعمال في نيويورك بفائدة قدرها 6%، ثم تقترض هذه الدولارات لبلاد الجنوب بفائدة تتراوح ما بين 20% و50% الأمر الذي جعل استدانة الجنوب من الشمال تبلغ حد تمويل الجنوب للشمال لا العكس، وتنمية الجنوب للشمال بدلا من العكس، فقرض قصير الأجل لمصر بلغت قيمته 4 ملايين دولار أصبحت قيمته الإجمالية مع الفوائد عند اكتمال سداده 25 مليونا، فضلا عن قصر المعونات على المشروعات غير الإنتاجية، وبالذات تلك التي تخدم تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ناهيك عن أن هذه الديون ترهن إرادة الأمة لدى صانع القرار الأمريكي، وتحول الاستقلال الوطني إلى مجرد علم ونشيد، تلك هي المعضلة الاقتصادية التي يريدون عولمتها.

    العولمة السياسية

    ويؤكد الدكتور عمارة أن العولمة في بعدها السياسي، إنما تسعى إلى تهميش دور المنظمات الدولية لحساب تعظيم الهيمنة العالمية لمؤسسات الدولة الأمريكية، فمجلس الأمن القومي الأمريكي يكاد أن يحل محل مجلس الأمن الدولي، وقضايا شئون العالم الإسلامي قد عهد بها إلى لوبي صهيوني أمريكي، والسيادة الوطنية تتآكل لحساب التدخل الأمريكي، وفي انتقاض هذه السيادة الوطنية للدول تستغل أوراق الأقليات في العالم الإسلامي، وتحول شرائح من غلاة العلمانيين في بلادنا للتبشير بهذه الاتجاهات حتى ليكتب كاتب نصراني في صحيفة يسارية مجاهرا بتأييده للتدخل الأمريكي الدولي في شئون مصر الداخلية بدعوى أن ممارسة ضغوط خارجية على الدولة كي تحافظ على حقوق مواطنيها واحترام المواثيق الدولية هو أمر مشروع تمام ا، بل ويدافع عن التفريط في السيادة الوطنية وليس في سيادة قوى الهيمنة التي احترفت العنصرية واضطهاد الأمم والشعوب، وهذا نموذج واحد لما يحدث عندما تتحول السياسة الأمريكية إلى السياسة العالمية، ويصبح لعولمة السياسة وانتقاص السيادة والتدخل في شئوننا الداخلية دعاة وكتاب ودراسات وأدبيات.

    العولمة التشريعية

    ويذكر الدكتور عمارة أن هذه العولمة السياسية يدعمها ويقنن لها عولمة تشريعية يمارسها الكونجرس الأمريكي الذي لم تعد تشريعاته وقفا عند حدوده الوطنية، كما هو شأن كل برلمانات العالم، وإنما أصبح هذا الكونجرس يشرع للعالم بأسره، فيصدر القوانين التي تصنف الدول دولة مارقة ودولة طيبة، ودول محاصرة، وأخرى غير محاصرة، ودول يجوز فيها الاستثمار، وأخرى تفرض عليها المقاطعة، ودول تضطهد الأقليات الدينية فتستحق العقاب الأمريكي والعالمي ودول بريئة من هذا الاتهام، ودول يستحق إنسانها التمتع بحقوق الإنسان، ومنها حق تقرير المصير حتى ولو كان تعدادها أقل من مليون - في تيمور الشرقية - وأخرى لا يستحق إنسانها شيئا من ذلك حتى ولو بلغ تعدادها عشرات الملايين، كما هو الحال في كشمير والفلبين وبورما والبوسنة وكوسوفا وفلسطين. بل وتصل هذه العولمة التشريعية إلى حد إصدار القوانين الأمريكية واعتماد الميزانيات العلنية لتغيير نظم الحكم التي لا ترضى عنها العولمة الأمريكية مثل إصدار الكونجرس الأمريكي لقانون تحرير العراق أي قلب نظام الحكم في بلد عضو بالأمم المتحدة.

    العولمة العسكرية

    وغير هذه العولمة الاقتصادية والسياسية والتشريعية هناك العولمة العسكرية التي تفرض كل ألوان وأبعاد العولمة على من تحدثه نفسه بالتمرد أو العصيان، فمن لم تردعه التحذيرات والعقوبات تردعه الصواريخ والمقاتلات.

    وإذا كان شاذا - بكل المقاييس - أن تأتي الطائرات الأمريكية والبريطانية عبر القارات، ومن وراء المحيطات لتضرب شعب العراق ومنشآته بحجة الدفاع عن النفس، نفس الذين وطنهم وراء القارات والمحيطات، فإن هذا الشذوذ يتم تقنينه وعولمته عندما تجتمع دول حلف شمال الأطلنطي في عيد تأسيسه الخمسين بأمريكا، في أبريل سنة 1999، فهذا الحلف الذي تكون في أبريل سنة 1949 في ظل النظام العالمي ثنائي القطبية، قد نص ميثاقه على أن مهامه خاصة بالدفاع عن أرض الدول المشتركة فيه لكن العولمة العسكرية قد غيرت مهام هذا الحلف وطورتها فجعلتها الدفاع عن مصالح، ليس فقط أرض الدول المشتركة فيه.

    وهكذا امتدت الذراع العسكرية للعولمة الغربية تحت القيادة الأمريكية إلى حيث يريدون، وأصبحت مبررات من مثل الأصولية الإسلامية، والتطرف، واضطهاد الأقليات المسيحية، وأسلحة الدمار الشامل، وبرامج التسلح النووي، والتي جعلتها العولمة من خصائص الدول العربية والإسلامية دون غيرها من الدول، أصبحت هذه المبررات أبوابا مشروعة للتدخل العسكري والعولمي في شئون الدول المتمردة على بيت الطاعة الأمريكي.

    عولمة القيم الغربية

    ويقول الدكتور عمارة: إنه إذا كانت العولمة العسكرية هي أداة التأييد للعولمة الاقتصادية والسياسية والتشريعية، فإن عولمة القيم والثقافة هي سبيل التأييد لذوبان الحضارات غير الغربية في النموذج الحضاري الغربي، فاحتلال العقل كان دائما وأبدا السبيل لتأييد احتلال الأرض ونهب الثروة دونما حاجة إلى نفقات القواعد العسكرية وتكاليف الجيوش.

    ويضرب د. عمارة الأمثلة بالقول: إن الأسرة قيمة من القيم الإسلامية - بل الإنسانية - وصلاحها يبني صلاح الأمة والاجتماع، ولكن وثيقة مؤتمر السكان تسعي لعولمة التحلل والتفكك الأسري الذي نخر ونخر في عظام المجتمعات الغربية التي عزفت عن الزواج واستبدلته بالرفقة، وتسعي هذه الوثيقة لعولمة منظومة القيم الغربية المدمرة للأسرة، وتدعو صراحة وبإلحاح الحكومات والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية المعنية، ووكالات التمويل والمؤسسات البحثية إلى إعطاء أولوية للبحوث الحيوية المتعلقة بتغيير الهياكل الأسرية.

    وإذا كان الإسلام قد سن سنة المساواة بين الإناث والذكور في الخلق والتكريم والتكليف والحساب والجزاء مع الحرص على توزيع للعمل يحافظ على فطرة التمايز بين الذكورة والأنوثة، فجعل هذه المساواة هي مساواة الشقين المتكاملين، وليس الندين المتماثلين فإن وثيقة مؤتمر السكان تسعي إلى انقلاب في علاقات المرأة بالرجل فبدلا من تبني مصطلح المساواة تتحدث عن تمكين المرأة.

    وإذا كانت العفة قيمة من القيم الإسلامية - بل والإنسانية - وإذا كان الإحصان بالزواج الشرعي هو السبيل لتحويل الغرائز الجنسية والأشواق العاطفية إلى حياة بناءة وراقية في المجتمع السوي، فإن وثيقة مؤتمر السكان تتحدث عن المتعة الجنسية المأمونة، والمسئولة وليس عن المتعة الجنسية الشرعية والمشروعية والحلال مع اعتبار هذا النشاط الجنسي البشري حقا طبيعيا وإنسانيا عاما من حقوق الجسد كالغذاء وغير مقصور على المتزوجين زواجا شرعيا.

    عولمة الثقافة الحداثية

    وإذا كان الإسلام يعتمد للتطور والتقدم - في الفكر والثقافة - منهاج التجديد الذي يصحب الثوابت الإسلامية (يجدد في المتغيرات وفقه الواقع وفقه الأحكام والنظم والمؤسسات على النحو الذي يجعل ثقافة الأمة إسلامية دائما وأبدا عبر الزمان والمكان، ويجعلها كذلك متطورة ومواكبة لكل المستجدات، حتى لقد جعل الإسلام من هذا المنهاج التجديدي سنة من سنن الفكر لا تبديل لها ولا تحويل، فقال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" [رواه أبو داود].

    إذا كان هذا هو منهاج الإسلام في الفكر والثقافة، فإن العولمة الأمريكية تعولم وتعمم وتعرض ثقافة الحداثة الغربية التي أقامت وتقيم قطيعة معرفية مع الموروث، والموروث الديني على وجه الخصوص، فمنذ عصر التنوير الغربي - الوضعي والعلماني والمادي - أقامت ثقافة الحداثة قطيعة مع الله والغيب والدين عندما تمحور حول الإنسان بدلا من الله، وعندما جعلت الإنسان طبيعيا بدلا من أن يكون ربانيا نفخ الله فيه من روحه واتخذه خليفة له للنهوض برسالة العمران.

    ويذكر الدكتور عمارة أن علماء المسلمين قد كشفوا هذه النزعة اللادينية - الدهرية في ثقافة الحداثة الغربية منذ فجر يقظتنا الحديثة، والاحتكاك مع هذه الحداثة الوافدة على بلادنا في ركاب الاستعمار مثل: عبد الرحمن الجبرتي الذي كتب بعمق وعبقرية معلقا على دعاوى بونابرت فقال:" وإن إسلامهم نصب، فلقد خالفوا النصارى والمسلمين، ولم يتمسكوا من الأديان بدين، وهم دهرية معطلون، وللمعاد والحشر منكرون وللنبوة والرسالة جاحدون".

    ولقد صاغ الطهطاوي ثقافة القطيعة مع الله والغيب والدين والبراعة في العلوم الدنيوية شعر ا قال فيه:

    أيوجد مثل باريس ديار .... شموس العلم فيها لا تغيب

    وليل الكفر ليس له صباح ....أما هذا وحقكم عجيب

    أما جمال الدين الأفغاني فقد أفاض في الحديث عن دهرية هذه الثقافة الحداثية التنويرية الأوروبية التي أحيا فلاسفة تنويرها، وخاصة فولتير وروسو دهرية أبيقولا الأمر الذي جعل الثورة الفرنسية وبالا على الثقافة الفرنسية المتواصلة مع النصرانية، ولقد كشف عبد الله النديم الطابع الإلحادي لهذه الثقافة الحداثية، وتحدث عن هذا الفريق من كتاب "المقتطف"، واصفا إياهم بأنهم أعداء الله وأنبيائه.

    ويقول الدكتور عمارة: إذا كان الاستعمار الغربي في مرحلة الغزو المسلح قد حاول فرض هذه الثقافة الحداثية علينا بحد السيف وبحق الفتح، فإن هذا الفرض لثقافة الحداثة والقطيعة مع الإسلام هو ما تسعي إليه العولمة الغربية هذه الأيام ليس بواسطة الفتح المسلح، كما كان الحال إبان الاستعمار التقليدي، وإنما بواسطة شرائح الغلو العلماني في بلادنا.

    العولمة اللغوية

    ومع عولمة القيم الغربية وثقافة الحداثة تتم أيضا عولمة اللغات الغربية لتزيح اللغات الوطنية والقومية عن عروشها، وإذا كانت الفرنسة والجلنزة والروسنة قد بدأت مع الاستعمار الغربي الحديث ولازالت بصماتها السوداء باقية في ثقافتنا وإعلامنا ولغة خطابنا وشركاتنا ولافتات متاجرنا، فضلا عن مدارسنا وجامعاتنا، فإن العولمة الاقتصادية التي تحولنا إلى عمالة في الشركات الغربية عابرة القارات والجنسيات، وإلى مستوردين وموزعين ومستهلكين لمنتجات تلك الشركات ستفرض علينا بحكم العمل والاستهلاك إحلال لغات تلك الشركات، وأسماء سلعها محل لغتنا الوطنية والقومية حتى تصبح بلادنا سوبر ماركت لا علاقة لما فيه بلغاتنا بما في ذلك العربية لسان الإسلام ولغة القرآن الكريم.

    العولمة الدينية

    ويلفت الدكتور عمارة الانتباه إلى أن هذه ليست جميع أبعاد العولمة، حيث يتبقى هناك - وهذا هو الأخطر - العولمة الدينية التي تعمل على تنصير المسلمين طموحا إلى إلغاء أمتنا الإسلامية وحضارتنا، وطي صفحة الإسلام من سجل الوجود.

    وإذا كان الوعد الإلهي قد جعل ويجعل هذا الهدف المجنون مستحيلا " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [الحجر:9]، فإنه يجب أن نفرق بين حفظ الدين وبين إقامة الدين، فالله تعإلى قد وعد بحفظ القرآن ديوان الدين الإسلامي لكن إقامة هذا الدين هي تكليفنا نحن ومهمتنا نحن، وهذا هو الذي يتعرض لامتحان عسير للعولمة على جبهة التنصير، وإذا كانت الأرثوذكسية السلافية الغريبة تمارس هذه المهمة غير المقدسة عن طريق الإبادة والتطهير العرقي - الديني، والمقابر الجماعية التي تدفن فيها المسلمين من البلقان إلى القوقاز، فإن الكنيسة الكاثوليكية الغربية قد أعلنت الحرب لتنصير المسلمين، بدلا من تنصير بيتها الأوروبي الذي انحدر إلى الإلحاد واللأدرية، فرفعت شعار أفريقيا نصرانية سنة 2000، فلما خيب الله آمالها لم ترعوي، وإنما زحزحت التاريخ إلى سنة 2025م.

    أما البروتستنتية الغربية فإن بروتوكولات قساوسة التنصير فيها قد تبلورت في مؤتمر كلورادو بأمريكا في مايو سنة 1978 تلك التي تقول: "إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تتناقض مصادره الأصلية مع أسس النصرانية والنظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعيا وسياسيا، ونحن بحاجة إلى مئات المراكز للتركيز على الإسلام لفهمه ولاختراقه في صدق ودهاء".

    هكذا تتم العولمة والاجتياح على كل الجبهات، ومختلف الميادين من الاقتصاد والسياسة إلى القيم والثقافة، وحتى الدين مرور ا بالعسكرية والتشريعات واللغات.

    والآن .. ما العمل؟

    وفي الجزء الخاتم من الكتاب يتحدث الدكتور عمارة بروح مؤمنة مستبشرة قائلا : إن أعظم المخاطر وشراسة التحديات لا تعني أن الصورة قاتمة، ولا أننا أمام طريق مسدود، وإنما تكون نقطة البداية في مواجهة مخاطر العولمة، والتعامل معها هو أن تعي قوى اليقظة والأصالة الوطنية والقومية الإسلامية في عالم الإسلام حقائق الموقف دونما تهوين ولا تهويل، وأن تحدد نقاط قوتها والفرص المتاحة أمامها في مواجهة هذه التحديات، أي أن تعي حقائق وقوى وتضاريس الموقف الداخلي والخارجي على السواء.

    ويؤكد الدكتور عمارة أن مشكلتنا ليس مع الغرب، وإنما مع المشروع الغربي والأمريكي بالدرجة الأولى، وقفازه الصهيوني على أرض فلسطين، وبذلك يمكننا الاستعانة على المشروع الغربي، وبالذات جوانبه المعادية، بما في الغرب من إمكانات وطاقات يمكن الاستفادة منها والاستعانة بها أو على الأقل تحييدها.

    ويضيف أن عالم الإسلام ومعه حضارات الجنوب تملك من الإمكانات ما يغري المخلصين والواعين بترتيبها وتعظيمها، والعالم الإسلامي وحده يمتلك وطنا مساحته 37 مليونا من الكيلو مترات المربعة تعيش فيه أمة يبلغ تعدادها نحو ربع البشرية 1.384.800.000 نسمة غير الإمكانات الروحية الحضارية والثقافية التي يملكها العالم الإسلامي.

    أما الخطوة الأولى على هذا الطريق الشاق، والذي هو الطوق الوحيد لنجاة هذه الأمة فهي الوعي بحقائق الواقع، وما في هذا الواقع من فرص ومن مخاطر، واستخدام هذا الوعي في تجديد الفكر الإسلامي، وفي الإبداع بمختلف ميادين هذا الفكر ليكون لأشواقنا النهضوية (دليل العمل) الذي ينير لطلائع الأمة الطريق.

    وإذا كانت العولمة تعني صب العالم في قالب الحضارة الغربية المهيمنة اقتصاد ا وسياسة وقيم ا وثقافة، فإن العالمية الإسلامية والإنسانية تريد العالم منتدى حضارات تتفاعل فيما هو مشترك إنساني عام، وتتمايز في الهويات الحضارية والخصوصيات الثقافية لتتدافع الأمم، وتتسابق وتتعارف بدلا من الصراع والهيمنة والقهر والاستغلال وصدق الله العظيم: " ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " [يوسف:87].


    المصدر:
    موقع الشبكة الاسلامية
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 09:12 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الموسوعة الاسلامية الميسرة:البنيوية منهج فكري نقدي مادي ملحد غامض (Re: osama elkhawad)

    نموذج للكتب الإقصائية والتكفيرية التي تطبع في المملكة

    حـول الـمـوسـوعـة الـمـيـسّـرة

    محمد بن علي المحمود

    قبل أن أذكر رأيي في هذه الموسوعة، أشير إلى أن عنوانها الكامل (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة) صدرت عن الندوة العالمية للشباب الإسلامي في طبعة خامسة (2003/1424) بإشراف الدكتور مانع بن حماد الجهني. وقد ظهرت في هذه الطبعة، بعد تنقيح! وزيادة، بحيث بلغت صفحاتها (1224) في مجلدين كبيرين.

    وجدير بالذكر؛ أن الخلل الذي تضمنته هذه الموسوعة، ليس بأكثر مما تتضمنه كثير من الكتب التي تكتسح سوق الكتاب الإسلامي. بل إن كثيرا من تلك الكتب (الإقصائية!) التي راجت، أكثر خطلاً، وأوضح اضطراباً، وأشد ضرراً، وأقل فائدة، من هذه الموسوعة بما لا يقاس.

    لكنني أرى ان هذه الموسوعة أولى من غيرها بالنقد؛ لأنها تختلف عن غيرها من كتب الإقصاء التي يكتب لها الرواج. وهذا الاختلاف الذي يستدعي مزيداً من الاهتمام ظاهر في أمور، أهمها:

    1- هذه الموسوعة ليست معنية بتتبع ظاهرة معينة، ولا نقد مذهب محدد، ولا توصيف دين من الأديان، وإنما أخذت على نفسها - كما يشهد بذلك العنوان - أن تتناول كل ما له حضور واضح، من الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة كافة. بمعنى أن المشهد الإنساني المعاصر بكل تنويعاته الدينية، والمذهبية والطائفية يقع تحت طائلة تصنيفها، فهي بهذا، ستأخذ ميداناً فسيحا لها في الحراك السلوكي المتعين، كنتيجة طبيعية لاتساع دائرة الاهتمام.

    وهذا الاتساع في ميدان الاهتمام، سيجعل من الأخطاء المنهجية والعلمية - وإن كانت ضئيلة وخافتة - ذات أثر كبير في توجيه الفكر والسلوك؛ لكونها تطرح كمرجع معتمد فكرياً، ولكونها عملاً في التصنيف قبل الوصف، ما يستدعي سلوكاً ما، تجاه المصنف. خاصة وأنها - لحيثيات كثيرة، ليست العلمية من بينها - تأخذ حظاً وافراً من الرواج.

    2- أنها بصدورها عن الندوة العالمية للشباب الإسلامي تصبح خطاباً موجها - بالدرجة الأولى - إلى الشباب. وإذا كان بديهياً أن الطرح ليس موجها - على سبيل القصر - إلى فئة الشباب، فإن بنيتها (الميسرة/ المختصرة) تجعل من هذه الفئة - وما تقاطع معها في مستوى الوعي - هدفاً استراتيجياً لهذه الموسوعة.

    إذن، فهي ليست رصداً توثيقياً فحسب، ولا توصيفاً لماض قد اندثر، ولم يعد له فاعلية في الحراك الراهن، وإنما هي عمل للحاضر والمستقبل، تأخذ في حسبانها صياغة الأجيال القادمة على نحو مؤدلج، وتطمح من خلال هذا الطرح الى المساهمة في صناعة المستقبل للأمة الإسلامية جمعاء، فضلاً عن طموحها في أن تقدم (إسلامها الصحيح!) إلى الآخر، بحيث تنجر من إحراجات واقعية التنوع الإسلامي.

    3- هذه الموسوعة منتج مؤسساتي، تتبناه مؤسسة ذات كوادر مؤهلة، تأخذ على عاتقها مراجعة ما يصدر عنها، كما أنها - كما صرح المشرف بذلك في المقدمة - تأليف جماعي، تجاوب مع تنبيهات كثيرة على الطبعات السابقة. ومن ثم، فهي ليست عملاً فردياً، لا من حيث تبني العمل ككل، ولا من حيث العمل التأليفي البحت.

    وبما أن العمل الفردي إنما يعبر عن الرأي الخاص لمنتجه - مهما ادعى لنفسه الحديث باسم العام - فإن هذا المنتج الفردي لا يخضع للمحاسبة نفسها التي يخضع لها المنتج الجماعي؛ لأن المتلقي يدرك ان المنتج الفردي يخضع لمستوى منتجه العلمي من جهة، ولتحيزاته العاطفية المتلبسة بظروف واقعه العام والخاص من جهة أخرى. وبهذا، فالقصور، والزلل، والتحيز، وعدم التراجع عن الآراء التي تظهر مباينتها للحقيقة في الطبعات السابقة، كل ذلك ليس بمعزل عن المنتج الفردي، بل هو مظنة أن يتلبس به، والمتلقي (الواعي) يعي هذه الحقيقة، ويتعامل مع كل منتج فردي على هذا الأساس.

    لكن، إذا كان العمل جماعيا، ويصدر - في الوقت نفسه - عن موسسة تتبناه، بحيث لا تخرج الآراء المطروحة فيه إلا وهي تعبر عن رأي المؤسسة، بعد مساهمة الجميع - عبر آليات العمل الجماعي وشروطه - في صياغته، بحيث لا ينفرد أحد ببلورة رأي، ولا تشكيل رؤية، إذا كان العمل كذلك فإن مستوى الصوابية (الصواب معضلة في التفكيك، ولكن المراد هنا: القرب من التوصيف الدقيق للواقعي، وظهور مستوى مقبول من الحياد) لا بد أن يكون عاليا، ولا بد أن تكون المنهجية العلمية المحايدة مقبولة لدى أكثرية الباحثين، شرط أن يكون من هؤلاء الباحثين من يختلف ايديولوجيا مع من يصوغ العمل بحياد!.

    إن الخطورة في العمل الموسوعي ذي الطابع الجماعي (خاصة إذا كان يصدر عن جهة تمنحها الجماهير ثقتها) تكمن في أن المتلقي يتعامل معه وكأنه صورة من صور الإجماع. أي يعبر عن آراء مرجعيات علمية محل ثقة في كفاءاتها العلمية، فضلاً عن ثقته المعرفية فيه، باعتبار المعلومة قبل تظهر على صفحات الكتاب تكون قد خضعت - كما يفترض - لخطوات اجرائية عديدة، بدءاً من الاستقصاء الشامل وانتهاء بالتحقيق والمراجعة، كما هو المفترض في أي عمل موسوعي. ومن ثم، فعلى كل عمل يطمح في أن يكون مرجعية علمية لشرائح عريضة من المجتمع الإسلامي أن يكون مستوى الجهد المبذول فيه، ومستوى الحياد - النسبي على الأقل - على مستوى الطموح الذي تستدعيه العنونة من جهة، ويستدعيه طابع الإصدار المؤسساتي من جهة أخرى.

    وإذا كان ليس قصدي - هنا - أن أتتبع كل ما في هذه الموسوعة من تحيز وقصور معرفي، ولا أن أصرح برأي خاص؛ لأسباب كثيرة ليس أقلها السياق المتاح، فإنني سأعمد الى الإشارة - والحر تكفيه الإشارة - إلى ما يلي:

    1- الموسوعة تصدر عن الرؤية السنيّة، ولا ضير في ذلك من الناحية المعرفية؛ لأنه قد تم التصريح بذلك في المقدمة بوصفها (الميزان الضابط، والحكم العدل على ما عداه من فرق ومذاهب) (15/1). لكن عند التعرض للمذاهب والأحزاب السنية تمت مؤاخذتها على (مآخذ!) انطلاقا من مذهب إقليمي، باعتباره معيار الحقيقة الخالصة، ولم تتم مؤاخذة هذا المذهب بشيء إلا شدة في بعض الأتباع، وإغفال للمعاصرة تم تداركها قبل أن تصبح تهمة!.

    وعند عرض مذهب أهل السنة، بوصفه التصور الصحيح للإسلام تم الحديث عن أن منهجهم أنه (يجوز قتال أهل البدعة والبغي وأشباههم، إذا لم يمكن دفعهم بأقل من ذلك، وقد يجب بحسب المصلحة والحال) (41/1) ولاشك أن إطلاق هذه العبارة من غير تفصيل لماهية البدعة، ومستوياتها، والـ (أشباه) الذين لم يتم تحديدهم، فيه خطورة كبيرة، خاصة في كتاب موجه للشباب ومتوسطي الثقافة، اضافة أنه كتاب رائج (ومروج) في الوقت نفسه.

    إن قسوة الحكم (قتال) وشرعنته كانت تستلزم سكوتا عنه في هذا الطرح (الميسر!) أو تفصيلاً للموضوع وللحكم؛ حتى لا يغترّ بهذا الطرح أحد، وليكون من الممكن مناقشة ما فصل من أحكام؛ لأن هذا الحكم الخطير، مع عدم تحديد المستهدف على نحو دقيق، يؤسس لمشروعية قتال المخالف، حتى عند أدنى مخالفة، إذ يستطيع من شاء - بدعوى محاربة أهل البدع وأشباههم! - قتال (إرهاب) من شاء، وباتكاء منه على موسوعة (علمية!) معتمدة، ذات طابع مؤسساتي.

    ولعل من الحسنات التي تحسب للموسوعة ما جاء فيها من أنه (لا يجوز تكفير أو تفسيق أو حتى تأثيم علماء المسلمين لاجتهاد خاطئ أو تأويل بعيد خاصة في المسائل المختلف فيها) (43/1) وهذا بلا شك يؤسس لتعدد الرؤى، وتفهمها في الوقت نفسه.

    وهذا التقبل المتسامح للاختلاف يظهر حتى في الاختلاف المذهبي، أي خارج المذهب الواحد، فقد جاء في الموسوعة أن (الشيعة الإمامية الاثنا عشرية هم تلك الفرقة من المسلمين الذين زعموا أن علياً أحق في وراثة الخلافة) (51/1). وظاهر أن جملة (من المسلمين) تبعد شبح التفكير الذي يطغى على الخطاب التقليدي. ولكن - للأسف - يأتي الاتهام للمختلف المذهبي من ناحية أخرى، عندما تقول الموسوعة عن الشيعة الإمامية (ومن شخصياتهم البارزة تاريخياً عبدالله بن سبأ وهو يهودي من اليمن) (52/1) هكذا، اتهام بلا دليل، مع توثيق جازم لدور هذه الشخصية في الهامش، واتهام المشككين بها بالتأثر بالاستشراق!.

    2- كما يظهر الابتسار في هذا العمل، ذي الطابع الموسوعي!، وكأن المقصود به مجرد اتهام فحسب، وليس قراءة لمشروع، تقول الموسوعة: (وهكذا نجد أن المعتزلة حولوا الدين الى مجموعة من القضايا والبراهين المنطقية وذلك لتأثرهم بالفلسفة اليونانية وبالمنطق الصوري الأرسطي خاصة) (69/1). ومع اختلافنا مع المشروع الاعتزالي في بعض مناحيه - الرؤية العقدية خاصة - إلا أن اختزاله في هذا الاتهام ينبع من تصنيف مذهبي فحسب، لا يأخذ المعاينة الموضوعية في حسابه.

    ولا تظن أن هذا اتهام لأمة منقرضة!، أصبحت في ذمة التاريخ، ولم يبق منها إلا تراثها الفكري. بل هو تأسيس لاتهام الحراك الفكري الحر، وتنويعاته المعاصرة، وهذا ما يظهر في اتهامها للفكر الجديد، إذ تقول: (يحاول بعض الكتاب والمفكرين في الوقت الحاضر إحياء فكر المعتزلة من جديد بعد أن عفا عليه الزمن أو كاد.. فألبسوه ثوبا جديدا، وأطلقوا عليه أسماء جديدة مثل.. العقلانية أو التنوير أو التجديد أو التحرر الفكري أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي) (72/1). وبهذا دخلت جميع أطياف المعاصرة الإسلامية في دائرة الاتهام الاعتزالية!، ومن ثم، فلا عجب حين تتم الإشارة بعد ذلك إلى رموز الفكر الإسلامي الحديث باعتبارهم امتداداً للاعتزال المتهم سلفاً، مثل: محمد عمارة، وهويدي، والعوا، وحسن الترابي.. الخ، انظر ( 73/1و74).

    3- الحداثة كأدب وكرؤية فكرية شمولية ذات طابع تعددي، كانت ضحية الجهل والكسل العلمي والرؤية الضيقة، والعداءات الشخصية ربما، وإلا فكيف يتم تعريف الحداثة في هذه الموسوعة بأنها (مذهب فكري أدبي علماني، بني على أفكار وعقائد غربية خالصة مثل الماركسية والوجودية والفرويدية والدارونية) (867/2). ما كان لهذا الخلط العجيب أن يكون لولا الجهل الفاضح بالحداثة، بحيث لا تتعدى محاولة الفهم الجمع والتلفيق.

    وإذا كان هذا هو مفهوم الحداثة لدى صانعي الموسوعة فإن أهداف الحداثة لديهم تأتي وفق هذه العلمية المميزة، في هذه القصيدة الهجائية العصماء، التي قالوا فيها: (تهدف الحداثة إلى إلغاء مصادر الدين، وما صدر عنها من عقيدة وشريعة وتحطيم كل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية، بحجة أنها قديمة وموروثة، لتبني الحياة على الإباحية والفوضى والغموض، وعدم المنطق والغرائز الحيوانية، وذلك باسم الحرية والنفاذ إلى أعماق الحياة. والحداثة خلاصة مذاهب خطيرة ملحدة) (867/2). وقالوا ايضا: (إن الحداثة خلاصة سموم الفكر البشري كله، من الفكر الماركسي إلى العلمانية الرافضة للدين، إلى الشعوبية، الى هدم عمود الشعر، إلى شجب تاريخ أهل السنة كاملا، إلى إحياء الوثنيات والأساطير) (869/2).

    ثم يذكرون بعد ذلك أهم خصائص الحداثة، فيكون منها:

    - محاربة الدين بالفكر والنشاط.

    - الحيرة والشك والقلق والإرهاب.

    - تمجيد الرذيلة والفساد والإلحاد.

    - الهروب من الواقع إلى الشهوات والمخدرات والخمور... الخ الخصائص! (871/2).

    أظن أن الجهل واضح هنا لأدنى قارئ في الثقافة المعاصرة، ولكن ليس هذا هو المهم، وإنما المهم أن هذه الموسوعة المعتمدة كمرجعية سيأخذ منها شبابنا تصوراتهم عن الحداثة، ولك أن تتصور شاباً - فضلاً عن باحث أكاديمي متأدلج - يأخذ تصوره عن الحداثة من هذه الجمل، ثم يرى أو يسمع من أدبائنا أو نقادنا من يقول عن نفسه: إنه حداثي، أو يتهمه الآخرون بذلك. لا شك أنه سيراه متصفاً بكل تلك الصفات السابقة التي عرفت بها الموسوعة الحداثة، وهل سيبقى الحداثي في نظره - إذا اعتمد هذه الموسوعة كمرجع علمي - مؤمناً أم كافراً؟!

    وقد ذكروا في آخر الكلام على الحداثة مراجع للتوسع! فكانت أربعة مراجع، ثلاثة منها ألفها أعداء للحداثة، واثنان منهم خاضا معارك حامية الوطيس مع الحداثة المحلية. وإذا كانت هذه هي المراجع التي يطلب فهم الحداثة من خلالها فلا تستغرب نتيجة البحث، إذ كيف تريد للحقيقة أن تأتي من مؤلفات الخصوم، فقد أصبح الخصم حكماً، وللأسف فهم خصم لم يفهم الحداثة أصلاً.

    ولن أختم إلا بنادرة من هذه الموسوعة، ستضحك كل من كان ذا إلمام بالنقد الأدبي الحديث. لقد قالوا عن البنيوية: (ويمكن تصنيفها ضمن مناهج النقد المادي الملحدة) (897/2) وقالوا: (يتضح مما سبق: أن البنيوية منهج فكري نقدي مادي ملحد غامض) (899/2) وبدون تعليق، ولا أقول إلا: اضحك الآن بملء فيك.

    (عن الرياض، 6/5/2003)

    العدد السادس عشر - مايو
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
15-10-2004, 09:17 PM

Ehab Eltayeb

تاريخ التسجيل: 25-11-2003
مجموع المشاركات: 2820
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
Re: الموسوعة الاسلامية الميسرة:البنيوية منهج فكري نقدي مادي ملحد غامض (Re: osama elkhawad)

    استاذنا الخواض:
    رمضان كريم..

    والف شكر علي هذه اللمحات الجميلة عن جاك دريدا..

    كل التحايا.. والود,,
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 02:14 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    رمضان كريم ايهاب
    شكرا على كلماتك اللطيفة
    واتمنى ان اوفق في اكمال البوست الذي جعل دريدا مناسبة للتعرف على مفاهيم مثل الحداثة وما بعدها والبنيوية وما بعدها ووجهة النظر المختلفة حولها في الخطاب العربي والاسلامي والماركسي والقومي

    ونواصل
    المش================================
    اء
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 02:30 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الاسلام والحداثة (ملف)-عن "بلاغ دوت كوم"-المقدمة (Re: osama elkhawad)


    المقدمة:
    عندما نواجه قضية الحداثة ونريد أن نحدد موقفنا منها كمسلمين، أي من ننتسب إلى الاسلام وتعاليمه وقيمه دون أن نكون بالضرورة آخذين بزمام الحضارة ـ كما كنا في السابق ـ على أساس هذه التعاليم والقيم، سيكون لزاماً علينا أن نفهم أولاً أبعاد هذه القضية أي الحداثة وبالتحديد الحداثة الغربية ومدى ما تحمله من قيمة معرفية وحضارية تتعلق بشأن مهم أي مواكبة الواقع والتطور في الزمان.
    هذا الفهم لا نحتاجه فقط حينما نريد استنساخ مفاهيم الحداثة وقيمها في واقعنا وإنما نحتاجه حينما نريد أن نعرف من خلال عملية الفهم ما يميز مشروعنا التحديثي ـ إن كنا قد امتلكنا أدواته المعرفية على الأقل ـ عن مشروع الحداثة الغربي.

    وكذلك نحتاج هذا الفهم حينما نريد أن ندرك ونتعرف أكثر على العيوب والنواقص والأزمات والمآزق المعرفية والحياتية التي تفرزها الحداثة بجوهرها الغربي لنتجنب المنطلقات الأولية الخاطئة ونحن نسعى في مشروعنا التحديثي قبل أن نحصد النتائج المريرة للمشروع الأول.
    وبالطبع لا تتم عملية الفهم هذه بالسهولة التي تقدمت وإنما تحمل صعوبات جمة لأننا أولاً لا ننظر إليها من موقع محايد أو من خارج التجربة حيث إننا أصبحنا كالآخرين محاطين بكل مظاهر الحداثة ومفاهيمها وقيمها وتقنياتها واجتاحنا مشروعها الأكبر وهو العولمة حتى إن مشاريعنا في التحرر ونيل الاستقلال وتحديد الأصالة والهوية وسائر ما يدخل في جغرافيتنا السياسية والفكرية باتت تتعرض هذه المشاريع للتشكيك في مصداقيتها بعد أن تحول الاستعمار العسكري في بلادنا إلى ظاهرة استعمار العقول والأفكار لا سيما تلك التي تقود المجتمع.
    وهي أي عملية الفهم صعبة كذلك لأننا لم نبدأ التفكير بالتحديث الا عندما كان الغرب قد طوى أشواطاً مهمة في هذا الجانب وشعرنا بعمق التخلف حينما غزانا الاستعمار في عقر دارنا ولم يخرج من فكرنا وعقلنا رغم خروجه من بلادنا.

    على هذه الخلفية نشأت رؤى وأفكار وما زالت تنشأ في إطار فهم الحداثة والسبيل الذي يحقق لنا مواكبتنا الحقيقية للتطور في الواقع والزمان.
    فبينما اعتبر البعض الحداثة أمراً خارج الدين ولا تستطيع أن تتمثل في فكر وحياة الجماعة الدينية إذا ظلت هذه الجماعة وفية لقيم الدين وتعاليمه الأخلاقية قال آخرون إن الظروف التاريخية والاجتماعية هي التي حرمت أو تحرم الجماعة الدينية أو المجتمع الذي يؤمن نظرياً بقيم الدين من امتلاك المشروع التحديثي واعتبر هؤلاء إن للاسلام مشروعه التحديثي الخاص به حينما تتجلى قيمه في الفكر والوجدان والعمل الفردي والجماعي, وربما حاول البعض أسلمة مصطلح الحداثة حتى باستعارته مفهوم الاجتهاد وهو اعمال العقل في ربط النصوص الدينية بالواقع ، بل ويذهب جماعة من أصحاب الفكر الاسلامي إلى أن مشروع التحديث الاسلامي إذا ما تم تبنيه بوعي ومسؤولية سيكون بمنأى عن الأزمات والمآزق التي يتعرض لها المشروع الحداثي الغربي.

    وبالتالي كان على هؤلاء أن يعوا أسس المشروع الاسلامي من جهة ويدرسون بإمعان الأزمات الحقيقية للحداثة الغربية كما تبدو حالياً للناظر أو التي ستظهر في المستقبل عاجلاً أم آجلاً من جهة أخرى.
    ولا تنتهي الرؤى والأفكار إلى هذا الحدّ فهناك من يرى لا سيما من الغربيين إن الاسلام يعارض الحداثة ولا ينسجم معها وليس فقط لا يمتلك قيمها وأدواتها المعرفية وبالتالي فإما اسلام وإما حداثة في مجتمع مسلم.
    وقد يرفض البعض الاخر هذه الصرامة فيقول إما اسلام متطرف أو اسلام معتدل يقبل بالحداثة.

    في مقابل هؤلاء يقف أصحاب الرأي القائل بأنه لا تعارض ولا تنافي بين الاسلام والحداثة وبينهم من يتهم الغرب وأحد أهم إفرازات حداثته أي الاستعمار ومخلفاته بأنها العائق الأكبر أمام عملية التحديث الذاتي من خلال مشروع التغريب الذي يرعاه دعاة الحداثة الغربية في المجتمعات المسلمة الذين "لم يستطيعوا أن يفهموا أن قوة العالم الغربي لا تكمن في أسلوب حياته وإنما في أسلوب عمله "(علي عزت بيغوفيتش/ الرئيس البوسني الأسبق) والذين يقول عنهم الدكتور مراد هوفمان( المفكر المسلم الألماني): "ما أسهل أن نفهم استمرار افتتان كثير من المستعمرين سابقاً بالثقافة الغربية وتكنولوجيتها وسر الصنعة لديها... ولكن الأمر الأكثر صعوبة أن نفهم لماذا نجد كثيراً من العرب المحبين لأسلوب الحياة الأمريكية يتجاهلون عيوبها.. على الرغم من الإشارات التي تنذر بوقوعها في أزمة حضارية.."

    ويبقى لنا أن نقول إننا ينبغي أن نتعلم من الحداثة كيف نواكب الواقع ونتطور في الزمان وفقاً لمشروعنا الحضاري وأن نعتبر من أخطاء الحداثة وعيوبها ومآزقها. عدم التعلم سيمعن في تخلفنا وعدم الاعتبار سيوقعنا في الاغتراب وأسر العولمة.

    الموضوعات والبحوث التي عرضها ملف الاسلام والحداثة تمثل تلك الرؤى والأفكار التي تحدثنا عنها و لكي تساهم في تعميق الوعي لدينا تجاه الحداثة ومشروع التحديث الاسلامي.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 02:34 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
خواء الذات والأدمغة المستعمرة-ملف الاسلام والحداثة (Re: osama elkhawad)

    نواصل ملف الاسلام والحداثة بتقديم رؤية كاتب الماني مسلم.

    د.مراد هوفمان
    شهد القرن التاسع عشر صعود ثلاث مشروعات، ذات أهمية عالمية في التاريخ:
    ـ ازدهار ((مشروع الحداثة)) (يرجن هابرماس)، المميز بالتقدم العلمي والتكنولوجي، وأيديولوجيات العقل والمادية والليبرالية.
    ـ صعود الشيوعية، والاشتراكية، والفوضوية اليسارية، المميزة بالمادية الجدلية والتاريخية، وتعبئة حشود البروليتاريا في صراع طبقي بهدف القضاء على الملكية الخاصة في العالم، وصولاً في النهاية إلى عالم بلا دولة.
    ـ استعمار معظم دول العالم الثالث بواسطة قوى أوروبا الاستعمارية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بلجيكا، هولندا، البرتغال) والولايات المتحدة.
    شهد القرن العشرون انقلاب كل تلك الاتجاهات:
    ـ عندما أخفقت الحداثة في تحقيق وعودها الانسانية، وأنتج العلم بعد النيوتوني شكوك أكثر من حلول، أصبحت (بعد الحداثة) المميزة بالنسبية والشكوك العلمية، واشكال جديدة من التصوف، والرفض لأجوبة عالمية، الأيديولوجية السائدة في الغرب، بل بدأ الناس يتحدثون عن ضرورة عكس تحديث أوروبا (ريمي براج).
    ـ بعد الوصول للسلطة في الاتحاد السوفيتي، أوروبا الشرقية، ألمانيا الشرقية، الصين الحمراء، فيتنام، كوبا، أخفقت الماركسية، اللينينة، الستالينية والمادية، بشكل مخز في المجالات السياسية والاقتصادية، حتى إن الاشتراكية كنظرية ذات مصداقية، اختفت تقريباً من العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
    ـ أدى انتهاء الاحتلال ـ على الأقل من الوجهة الرسمية ـ إلى الاستقلال السياسي لكل الدول المحتلة في جميع أنحاء العالم.
    ومن الغريب، أن تستمر المستعمرات (سابقاً) في الافتتان بالحداثة والاشتراكية الغربية، كما لو لم تكن كل منها قد فقدت مصداقيتها في الغرب في كل من الحرب العالمية الأولى والثانية!.
    لا يمكن تبرير ذلك إلا بوقوع كثير من العقول القائدة في آسيا وأفريقيا في أسر الافتتان بتعاليم أسيادهم السابقين، حتى أصبحوا غربيين أكثر من العديد من مفكري الغرب!.
    أقل ما يقال، إن هؤلاء المفكرين العلمانين في العالم الثالث (بما في ذلك البلاد العربية) عملوا لاستقلال بلادهم من داخل حدود الحضارة الغربية، وبهذان اكتملت الحلقة النهائية لاستعمار الأمة، بمجرد استقلالها.
    عملية الاختراق تلك، المسماة بالعولمة، لا تتعلق باختراق حدود جغرافية، ولكن بـ ((السيطرة على العقول)) (نادية مصطفى).
    وفي الحقيقة ((لم تفطم معظم البلاد العربية والاسلامية نفسها من سادتها المستعمرين)) (ماهر رشدان).
    بل حتى حركات الإصلاح والإحياء الاسلامية لم تستطع بشكل حاسم حتى الآن تغيير ذلك الوضع البائس.
    بالطبع عملت القوى المستعمرة بأقصى ما تستطيع لتحديث التعليم من مسارات غربية في المستعمرات لتربى قادة محليين يرعون مصالحهم. أفرخت الأنظمة الشيوعية طبقة محلية مثقفة ماركسياً، وأفرخت الأنظمة الغربية طبقة محلية مثقفة غربياً، واستمرت الطبقتان في قيادة بلادهم ـ بعد التحرر ـ كما تعلموا تماماً في موسكو وكمبريدج والسوربون.
    ليس من الصعب رؤية حدوث ذلك، ولكن الأصعب رؤية استعمار الأدمغة يستمر لمدة خمسين عاماً بعد إنهاء الاستعمار العسكري.
    لماذا لم يتعلم أولئك المثقفون حتى من أخطائهم في تجاربهم الاشتراكية والحداثية، ناهيك عن تعلمهم من أخطاء مستعمريهم؟
    نشأت بواعث النهضة الاسلامية التي أثرت على كل العالم العربي والاسلامي منذ منتصف القرن العشرين من تكرار الحكومات المستقلة حديثا ـ غير المفهوم ـ لأخطاء الغرب.
    ضاقت وسئمت الشعوب الاسلامية ـ التي غربتها القوى الاستعمارية عن تقاليدها ودينها ـ من حكوماتها المستقلة التي غالت في إبعادها عن جوهر دينها، ربما مثل ـ أو أكثر في بعض الأوقات وبعض الحالات ـ من حكومات الاستعمار. ولو لم تفرض حكومات الاستقلال الحلول المستوردة الفاشلة، لما رفعت الشعوب شعار (الاسلام هو الحل). ومن الناحية الأخرى، لم تضع الحركات الاسلامية برامج فعالة، ولم تستطع تأمين وجود قانوني لها في معظم البلاد الاسلامية
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 02:39 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ملف الاسلام والحداثة-رؤية البوسني علي عزت بيغوفيتش (Re: osama elkhawad)

    دعاة الحداثة من المستغربين وكيف تحكموا في بلاد المسلمين

    بقلم:
    محمد يوسف عدس

    في تشخيص (علي عزت) لمحنة الامة الاسلامية نلمح ومضة تلفت النظر اليها بقوة ، فهو لا يحدثنا فقط عن الصراع التقليدي القائم بين تيار الاسلام الاصلاحي الوسط الذي يحظى بقبول الغالبية العظمى من المسلمين وبين التيار العلماني لدعاة الحداثة الذي لا يرى لنفسه مرجعية سوى الحضار الغربية بخيرها وشرها جميعا ، لا يحدثنا (علي عزت) عن هذين التيارين فقط وإنما يضيف طرفا ثالثا في معادلة الصراع يرجح كفة دعاة الحداثة ، وتعجب ان يتمثل هذا في فئات من دعاة الاسلام والمنتسبين اليه ، يتميزون بنشاط غير عادي ولهم حضور بارز على الساحة الاعلامية يطغى على صوت التيار الاسلامي الاصلاحي الرصين ، وهو حضور عالي النبرة تفسح له السلطات المحلية والعالمية مجالا اعلاميا اكبر من حجمه كثيرا ، تريد بذلك اشغال الجماهير به من ناحية ، وتختزل به الحركات الاسلامية والاسلام نفسه ليسهل التصويب عليهما وتفريغهما من محتواهما الحقيقي ، من ناحية اخرى .

    هذه العملية في ادارة الصراع الفكري أود ان أسميها باسمها الحقيقي ، فهي عملية اختطاف رهائن لا تقل عن اي عملية اختطاف اجرامية اخرى ، والرهينة هنا هي تيار الاسلام الاصلاحي الرصين الذي ينأى بنفسه عن العنف والغوغائية ومع ذلك يسقط ضحية سهلة لسلطات القمع الغاشمة وتنهال عليه الاتهامات فلا يجد لنفسه منبرا اعلاميا متاحا له يدافع عن نفسه خلاله إلا بشق الأنفس وعلى أضيق نطاق .

    أقول إن وسائل الاعلام المحلية والعالمية لا تجد لديها مانعا بل ترحب بتيار اسلامي يقصر الاسلام على الشعائر الدينية من تطهير البدن وتطهير النفس على المستوى الفردي ، بحيث ينأى بخطابه عن المشاركة في الحياة العامة ولا يرى في اصلاح المجتمع والاقتصاد والسياسة أمرا يعنيه ، مثل هؤلاء في نظر (علي عزت بيجوفيتش) يدخلون في فئة من يعتقدون : (انه لا ينبغي للدين ان يسعى لتنظيم العالم الخارجي) ، وهم في هذا يدعمون اتجاه العلمانيين من دعاة الحداثة والمستغربين الذين يرون (ان الاسلام لا يستطيع تنظيم العالم الخارجي) ، يقصد خارج نطاق الحياة الفردية الشخصية للمسلم ، بمعنى ان تقتصر ممارسة الاسلام على الجانب الروحي فقط ، وفي هذه النقطة يلتقي كل من التيار الاسلامي المختزل والتيار العلماني المهيمن .

    من جهة اخرى يكشف (علي عزت) عن علة خطيرة في فهم دعاة الحداثة ، فهم لم يستطيعوا ان يفهموا ان قوة العالم الغربي لا تكمن في اسلوب حياته وإنما في اسلوب عمله ، وأن قوة الغرب ليست في الموضة والإلحاد وأوكار الليل وتمرد الشباب على التقاليد ، وإنما تكمن في العمل والكدح الذي لا مثيل له وفي المثابرة والعلم والشعور بالمسئولية التي تتميز بها شعوبهم .
    المشكة اذن - كما يقول (علي عزت) - ليست ان مستغربينا قد استخدموا اساليب اجنبية وإنما في انهم لم يعرفوا كيف يستخدمونها أو يضعونها في موضعها الصحيح ، وانهم لم يفلحوا في تطوير حس قوي يكفي للتمييز بين ما هو صحيح وما هو زائف ومن ثم أخفقوا في اختيار المنتج الحضاري المفيد ، واستعاروا لمجتمعاتهم بدلا من ذلك عرضا مرضيا من اعراض هذه الحضارة فكان منتجا ضارا بل قاتلا ) .
    (ومن بين السلع المشكوك في قيمتها - مما يجلبه مستغربينا معهم إلى اوطانهم - افكار ثورية وبرامج اصلاح مختلفة ومذاهب انقاذ موصوفة لعلاج جميع المشكلات ، فاذا تأملناها مليا نجد - لدهشتنا - انها نماذج لا يصدقها عقل في قصر النظر والارتجال) .

    يضرب (علي عزت) لهذا امثلةبما فعله كمال أتاتورك في تركيا ويقارنه بما فعلته اليابان ، فقد استطاعت اليابان ان توحد بين تقاليدها وقيمها الثقافية الخاصة وبين متطلبات التقدم ، بينما اتجه دعاة الحداثة في تركيا إلى سلوك طريق معاكس فتخلوا عن تقاليدهم وانطلقوا في طريق التغريب .. ويتساءل (علي عزت) : ماذا كانت النتيجة؟ يقول : أصبحت تركيا التي كانت في الماضي هي العالم الاول دولة من الدرجة الثالثة بين كثرة من الدول المتخلفة ، بينام صعدت اليابان إلى قمة العالم الاول .. انطلق الياباني بتوازنه الروحي والعقلي متحمسا في بناء حضارة جديدة طبعها بخصوصيته الثقافية ، في حين وجدت الاجيال التركية نفسها بلا دعامة روحية تقوّم بها حياتها ، وهالها ذلك الفراغ الروحي الذي أطبق عليها بعد ان فقدت ذاكربتها التاريخية وتوازنها النفسي فانهارت وقد خسرت ماضيها ومستقبلها معا !

    لم يكن المستغربون ودعاة الحداثة في العالم المسلم من الحكماء الذين انبثقوا من صميم شعوبهم ويفخرون بالانتماء اليها .. يعرفون كيف يطبقون بأسلوب جديد الافكار والقيم التقليدية على الظروف المتغيرة ، إنما ناصبوا هذه القيم العداء .. فعلوا ذلك بسخرية باردة وبقصر نظر رهيب ، وسحقوا بأقدامهم كل ما كان عزيزا مقدسا عند الناس فدمروا الحياة الحقيقية واستزرعوا بدلا منها حياة مصطنعة غير حقيقية ، ونتيجة لهذه البربرية التي سادت تركيا كما سادت وتسود كل مكان بالعالم المسلم ظهرت دول مزيفة اصابها الاضطراب الروحي وفقدت ملامحها العريقة كما فقدت حاسة الاتجاه الصحيح فتخبطت في مسارات معوجة .. كل شيء فيها اصبح سطحيا وزائفا وفقد الانسان فيها القوة والحماسة .
    وهكذا أصبحت الامة مسخا مشوها يشبه مدنها الحديثة ذات البريق المصطنع الذي يخفي وراءه باطنا خربا . وهنا يتساءل (علي عزت بيجوفيتش) مستنكرا : (هل تستطيع دولة لا تعرف هويتها ولا تعرف اين تمتد جذورها ان تكوّن لنفسها صورة واضحة عن الموقع الذي تنتمي اليه والاهداف التي يجب ان تسعى لتحقيقها؟!).

    وينتهي (علي عزت) إلى خلاصة حيث يقول:
    (قد يبدو النموذج التركي الذي جاء به مصطفى كمال أتاتورك مفجعا ، ومع ذلك فانه يمثل النمط الغربي لفهم مشكلات العالم المسلم ، كما يمثل الطريقة التي يفكر بها الغربيون والمستغربون في معالجة هذه المشكلات .. وقد أدى بنا هذا إلى مصير واحد ، هو التغريب والانسلاخ أو الهروب من المشكلات الحقيقية ، ومن العمل الجاد للارتفاع بالناس اخلاقيا وتعليميا ، كما أدى بنا إلى الخارج والسطحي والمصطنع) .
    فما الذي يعنيه استقلال دولة مسلمة وقعت أدارتها وتسيير حياتها العامة في أيدي هذا النوع من الناس المستغربين ودعاة الحداثة؟! ما قيمة هذا النوع من الاستقلال .. وما الذي استفاده شعبها من هذا النمط من الاستقلال والتحرر؟
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 02:44 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ملف الاسلام والحداثة-الحداثة ورائحة البارود (Re: osama elkhawad)

    بقلم‏:‏ د‏.‏ عبدالوهاب المسيري

    زاد الحديث في الغرب‏(‏ وفي بلادنا أيضا‏)‏ عن التحديث في جميع المجالات‏:‏المجال السياسي‏(‏الديمقراطية‏)‏ ــ المجال الاقتصادي‏(‏مزيد من الخصخصة‏)‏ ــ المجال التربوي‏(‏تعديل المقررات الدراسية بما يتفق مع المعايير الغربية الحديثة‏).‏ وبدأ بعض يتحدثون عن أن الإسلام بطبيعته معاداة الحداثة‏,‏ فانبري بعض المفكرين العرب والإسلاميين للدفاع عن الاسلام ولإثبات العكس‏,‏ مبينين بالبرهان القاطع أن الإسلام بطبيعته ليس معاديا للحداثة‏,‏ بل يرحب بها‏,‏ ويمكنه أن يتبني مناهجها وقيمها.

    وهذا الحوار يفترض أن مصطلح الحداثة مصطلح محدد المعني والدلالة‏,‏ وأن الحداثة ليس لها تاريخ وأن تبدياتها لاتختلف من حضارة لأخري‏,‏ أو من حقبة تاريخية إلي أخري‏,‏ وأن هناك حداثة واحدة‏,‏ وعادة مانعود للمعاجم الغربية لنعرف المعني الدقيق لأي مصطلح وماهد منه علي وجه الدقة‏,‏ وبعد أن نقرأ التعريفات المختلفة للمصطلح ونتقبلها كلها أو بعضها بأمانة بالغة‏,‏ تصبح الإشكالية هي كيف نترجمه دون أن نختبر هذه التعريفات ومدي مطابقتها للواقع‏,‏ سواء كان واقعنا أم الواقع الغربي‏,‏ ودون أن ندرس المراجعات التي تمهذا المصطلح في الغرب‏,‏ ودون أن ندرس تاريخ تطور الظاهرة الذي يشير إليها هذا المصطلحومصطلح التحديث لايشكل أي استثناء لهذه القاعدة‏,‏ فتوجد تعريفات كثيرة لمفهوم الحداثة‏,‏ لكن ثمة ما يشبه الإجماع علي أن الحداثة مرتبطة تماما بفكر حركة الاستنارة الذي ينطلق من فكرة أن الإنسان هو مركز الكون وسيده‏,‏ وأنه لايحتاج إلا إلي عقله سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو للتمييز بين الصالح والطالح‏,‏ وفي هذا الإطار يصبح العلم هو أساس الفكر‏,‏مصدر المعني والقيمة‏,‏ والتكنولوجيا هي الآلية الأساسية في محاولة تسخير الطبيعة وإعادة صياغتها ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته.

    هذا التعريف قد يبدو للبعض تعريفا جامعا مانعا أو علي الأقل كافيا‏,‏ ولكننا لوفحصنا الأمر بدقة أكبر لوجدنا أن الحداثة ليست مجرد استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا‏,‏ بل هي استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة‏,‏ أو كما يقولون بالإنجليزية ــ فاليوفري
    ‏Value-free,وهذا البعد هو بعد مهم لمنظومة الحداثة الغربية‏,‏ ففي عالم متجرد من القيمة تصبح كل الأمور متساوية‏,‏ ومن ثم تصبح كل الأمور نسبية‏,‏ وحين يحدث ذلك فإنه يصعب الحكم علي أي شيء‏,‏ ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر وبين العدل والظلم‏,‏ بل وبينالجوهري والنسبي‏,‏ وأخيرآ بين الإنسان والطبيعة أو الإنسان والمادة‏.‏ وهنا يطرح السؤال نفسه كيف يمكن أن تحسم النزاعات والصراعات‏,‏ وكيف يمكن أن نسوي الخلافات‏,‏ وهي كلها من صميم الوجود الإنساني؟ في غياب قيم مطلقة‏,‏ يمكن الاحتكام لها‏,‏ يصبح الإنسان الفردالعرقية مرجعية ذاتها‏,‏ وتصبح ماتراه في صالحها هو الأساس وماليس في صالحها هو الطالح‏.‏ وقد أدي هذا إلي ظهور القوة والإرادة الفردية كآلية واحدة لحسم الصراعات وحل الخلافات‏ .

    هذه هي الحداثة التي تبناها العالم الغربي والتي جعلته ينظر إلي نفسه باعتبار أنه هو‏(‏وليس الإنسان أو الإنسانية‏)‏ مركز العالم‏,‏ وأن ينظر للعالم باعتباره مادة استعمالية يوظفها لصالحه باعتباره الأكثر تقدما وقوة‏,‏ ولذا فإن منظومة الحداثة الغربية هي في واقع الأمر منظومة إمبريالية داروينية‏.‏ هذا هو التعريف الحقيقي للحداثة كما تحققت تاريخيا‏,‏ وليس كما عرفت معجميا‏,‏ وهذا هو التعريف الذي يمكننا من قراءة كثير من الظواهر الحديثة‏.‏

    كانت الظاهرة الغربية الحديثة تؤكد أنها حضارة إنسانية‏(‏ هيومانية‏)‏ جعلت من الإنسان مركز الكون‏,‏ وكانت المجتمعات الغربية مجتمعات لاتزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية‏,‏ ولم تكن كثيرا من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في صحفهم ومجلاتهم‏,‏ والتي أصبحت نمطا ثابتا وظاهرة محددة‏,‏ كانت مجرد حوادث متفرقة لاظواهر دالة‏,‏ ومن ثم كان من السهل تهميشها‏.‏ واذا كان دعاة الإصلاح‏(‏ من الليبراليين والماركسيين والإسلاميين‏)‏ كلهم ينادون بضرورة اللحاق بالغرب‏(‏أي تبني منظومة الحداثة الغربية‏).‏ ولم يكن هناك أي أصوات تعارض الحداثة أو تنتقدها‏,‏ بل كان الجميع يسبح بحمدها‏,‏ وقد كانوا محقين إلي حد كبير في هذا‏,‏ فشكل الحداثة الذي أدركوه آنذاك كان أمرا يثلج القلوب‏.‏

    ولكن تدريجيا تكشف الوجه الدارويني حين أرسلت الحداثة الغربية لنا جيوشها الاستعمارية لتهلك الأخضر واليابس‏,‏ وتحول بلادنا إلي مادة استعمالية كمصدر للمواد الخام والعمالة الرخيصة‏,‏ وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية‏,‏ ويبدو أن المفكرين الإصلاحيين الأول لم يربطوا بين الحداثة الغربية والإمبريالية الغربية‏,‏ فقد ذهبوا إلي العواصم الغربية ولم يروا سوي النور والاستنارة‏,‏ في الوقت الذي كانت المدافع الغربية تدك بلادنا دكا‏,‏ ولذا فهؤلاء الذين بقوا في بلادهم رأوا ألسنة النيران المندلعة‏,‏ وسمعوا قعقعة القنابل‏,‏ وشموا رائحة البارود‏.‏
    يقول أحد كتب التاريخ إنه قيل لأحد الشيوخ الجزائريين إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية الحديثة في ربوع الجزائر‏,‏ فجاء رده جافا ومقتضبا ودالا‏,‏ إذ قال ولم أحضروا كل هذا البارود إذن؟ لقد رأي هذا الشيخ علاقة الحداثة الغربية بالإمبريالية من البداية‏,‏ وهو ما أدركه الكثيرون بعد ذلك‏.‏ فعصر الاكتشافات الجغرافية وعصر النهضة في الغرب‏(‏القرن السابع عشر‏)‏ هو أيضا العصر الذي بدأت فيه إبادة الملايين‏,‏ وكما يقول الزعيم بن بيلا‏:‏إن هذا الإله الصناعي الحديث إغتال عرقا بأكمله‏(‏العرق الأحمر‏),‏ أي السكان الأصليين في الأمريكتين‏,‏ وأخذ زبدة عرق اخر‏(‏العرق الأسود‏)‏ عن طريق النخاسة واستعباد ملايين‏(‏مما يضع عدد ضحايا هذه العملية نحو مائة مليون إنسان‏)‏ باعتبار أن عبدا واحدا يحتفظ به النخاسون الغربيون كان يقتل مقابله تسعة عبيد‏.‏ثم يشير بن بيلا إلي سكان المكسيك الذين تمت إبادتهم وإلي سكان الجزائر الذين أبيدت منهم الملايين في أثناء هباتهم المتكررة ضد الاستعمار الفرنسي‏,‏ ويمكن أن نضيف إلي ذلك حرب الأفيون في الصين والمجاعات التي أصابت الهند بسبب تطبيق قوانين الملكية الغربية الحديثة‏,‏ وحربين عالميتين كلفت الأولي الإنسانية‏20‏ مليون قتيل‏,‏ والثانية‏50‏ مليون قتيل‏,‏ وقنابل هيروشيما ونجازاكي‏,‏ وضحايا معسكرات الجولاج في الاتحاد السوفيتي‏.‏ إن بطل رائعة الطيب صالح موسم الهجرة إلي الشمال قد لخص الموقف ببساطة حين قال‏:‏إنني أسمع‏..‏ صليل سيوف الرومان في قرطاج‏,‏ وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس‏.‏البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز‏,‏ وسكك حديد أنشئت أصلا لنقل الجنود‏,‏ وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول نعم بلغتهم

    وقد جاءت هذه الجيوش الاستعمارية ففتت العالم العربي والإسلامي‏,‏ وأخضعت شعوبه لكل أنماط الاستعمار‏:‏استعمار عسكري في مصر وسوريا ولبنان والمغرب والسودان والعراق وليبيا‏,‏ واستعمار استيطاني في الجزائر‏,‏ واستعمار استيطاني إحتلالي في فلسطين‏,‏ وقد تعاون هذا الاستعمار مع القوي التقليدية والرجعية في المجتمع‏,‏ وحاول إعاقة تحديث عالمنا الغربي فقام بتحطيم تجربة محمد علي‏,‏ أول تجربة تحديثية خارج العالم الغربي‏,‏ ثم قاموا بقمع ثورة عرابي الشعبية‏,‏ وساندت الجيوش الغربية الحديثة الخديو ودعمته وساندته‏.‏ ثم انتهي الأمر بأن أقامت هذه الجيوش الدول الحديثة التي لاتعرف من الحداثة سوي الأجهزة القمعية والأمنية‏.‏ ثم زرع العالم الغربي الحديث في وسطنا بقوة السلاح مجموعة من المستوطنين الذين ادعوا أن فلسطين أرض بلا شعب وأنهم شعب يهودي يعود إلي أرض أسلافه حسب الرواية التوراتية‏.‏

    ويطالب الصهاينة والأمريكيون في الوقت الحاضر بتحديث مؤسسات السلطة الفلسطينية‏,‏ مع أنه من المعروف أن الصهاينة ــ شأنهم شأن كل المستعمرين ــ رفضوا من البداية التعامل مع القطاعات الحديثة في المجتمع الفلسطيني مثل نقابات العمال والأحزاب السياسية‏(‏بل قاموا باغتيال أحد زعماء نقابات العمال الفلسطينية قبل عام‏194,‏ وفضلوا التعامل مع القطاعات التقليدية في المجتمع الفلسطيني‏,‏ ظنا منهم أن هذه القطاعات قد تكون أكثر مرونة في التعامل معهم نظرا لعدم فهمها لطبيعة الهجمة الاستعمارية البريطانية‏/‏الصهيونية عليهم‏,‏ ولكن خاب ظنهم‏,‏ فحينما تحاور معهم بعض القيادات التقليدية‏(‏برئاسة الشيخ رشيد رضا‏)‏ أبدي الفلسطينيون رغبتهم في تحديث مجتمعهم‏,‏ ولم يجدوا أي غضاضة في الاستعانة برأس المال الأجنبي‏,‏ والخبرة الأجنبية علي أن يتم تطبيق المبادئ الديمقراطية‏,‏ أي إجراء انتخابات حرة بحيث يكون لكل مواطن صوت‏,‏ باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتحقيق السلام‏.‏ فعلق حاييم وايزمان بقوله هذا هو سلام القبور‏,‏ وهو كان محقا تماما في ذلك‏,‏ فتطبيق المثل الديمقراطية في فلسطين كان يعني أن المستوطنين الصهاينة سيكونون أقلية‏,‏ ولن يتحكموا في مصائر الفلسطينيين‏,‏ ولن يقيموا دولتهم اليهودية الخالصة التي يصرون عليها‏,‏ والتي يدعمها الغرب الديمقراطي الحديث بكل ما أوتي من قوة‏,‏ وقد قال أحد المعلقين الإسرائيليين إن الدولة الصهيونية لم تعد دولة ديمقراطية‏,‏ وإنما دولة ديموجرافية‏(‏أي ذات أغلبية يهودية‏).‏وهم الآن يطالبون بتحديث النظام السياسي العربي والنظام التربوي الإسلامي‏,‏ ولكن التحديث هنا يعني في واقع الأمر تقويض المنظومات القيمية والثقافية التي تضفي علينا قدرآ من التماسك يمكننا من مقاومة محاولات الغزو العسكري والثقافي‏,‏ ولذا فقد وصف أحد المعلقين هذا النوع من التحديث بالتحديث الطبيعي‏,‏ أي التحديث الذي يجعلنا نقبل الظلم الواقع علينا‏,‏ والاستغلال الذي ينزفنا ويثقل كاهلنا‏,‏ والآثار السلبية للحداثة الداروينية لم تلحق بنا وحسب‏,‏ بل ظهرت علي الكرة الأرضية‏,‏ علي الجنس البشري بأسره‏.‏ فهذه الحداثة قد طرحت فكرة التقدم اللانهائي باعتباره الغاية النهائية للإنسان‏,‏ ولكن التقدم دائما هو حركة نحو غاية‏,‏ فلم تعرف هذه الغاية في المعاجم‏,‏ ولكن في التطبيق نعرف كلنا أن غاية التقدم هي تسخير العالم بأسره لصالح الإنسان الغربي‏,‏ وأصبحت أهم مؤشرات التقدم هو الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك‏,‏ إستهلاك الإنسان الغربي للموارد الطبيعية اللامتناهية‏,‏ وانتهي الأمر بأن الشعوب الغربية التي تشكل‏20%‏ من شعوب العالم تستهلك‏80%‏ من موارد الكون الطبيعية‏,‏ ويبلغ حجم مااستهلكه الشعب الأمريكي في القرن الماضي أكثر مما استهلكه الجنس البشري عبر تاريخه‏,‏ ولكن المصادر الطبيعية محدودة‏,‏ الأمر الذي تسبب في الأزمة البيئية التي ستودي بنا جميعا‏,‏ وقد جاء في إحدي الدراسات أنه لو عم التقدم بأسره علي النمط الغربي فإن الجنس البشري سيحتاج إلي ست كرات أرضية ليستخلص منها المواد الخام‏,‏ وكرتين ليلقي فيها بنفاياته‏,‏ كل هذا يعني أن المشروع الحداثي الدارويني الغربي مشروع مستحيل لايستفيد منه سوي العالم الغربي‏,‏ وبعض أعضاء النخب الحاكمة في العالم الثالث‏,‏ وما العربدة الأمريكية الداروينية ضد العراق سوي تعبير عن إدراك المؤسسة الحاكمة الأمريكية لهذه الحقيقة‏,‏ فهي تود الهيمنة علي مصادر الموارد الطبيعية في عالم تتناقص فيه هذه الموارد حتي يمكنها الاحتفاظ للإنسان الأمريكي بمعدلاته الاستهلاكية العالية‏,‏ فهذا هو وعد الحداثة الداروينية له‏.‏

    وقد اتضح لنا جميعا أن الثمن المادي والمعنوي لمنظومة الحداثة الداروينية مرتفع للغاية‏,‏ ولنأخذ الجانب المادي أولا‏:‏ تتحدث بعض الدراسات عما يسمي رأس المال الطبيعي الثابت
    ‏fixednaturalcapital‏
    أي العناصر الطبيعية التي لايمكن استبدالها‏,‏ وثمة إحصائية تذهب إلي أنه لو تم حساب التكاليف الحقيقة لأي مشروع صناعي غربي‏(‏أي حساب المكسب النقدي المباشر مخصوما منه الخسارة الناجمة عن استهلاك رأس المال الطبيعي الثابت‏)‏ لظهر أنه مشروع خاسر‏,‏ وأن المشروع الصناعي الغربي قد حقق ماحقق من نجاح واستمرار لأن الجنس البشري بأسره قد دفع الثمن‏,‏ وقام الإنسان الغربي وحده بأخذ الغنيمة‏,‏ وقد أدي هذا إلي فداحة ثمن التقدم الذي تنادي به الحداثة الإمبريالية الداروينية‏:‏تآكل طبقة الأوزون ــ تلوث البحار ــ التصحر الناتج عن قطع الغابات ــ النفايات النووية ــ تلوث الهواء ــ تزايد سخونة الغلاف الجوي‏.‏

    والحداثة الداروينية لها أثرها علي نسيج المجتمع‏,‏ وعلي منظوماته الحاكمة‏..‏ ولنذكر بعض الظواهر الاجتماعية السلبية المختلفة‏:‏تآكل الأسرة ــ تراجع التواصل بين الناس ــ الأمراض النفسية ــ تزايد الإحساس بالاغتراب والوحدة والغربة ــ ظهور الإنسان ذي البعد الواحد ــ هيمنة النماذج الكمية والبيروقراطية علي الإنسان ــ تزايد العنف والجريمة‏(‏يعد قطاع السجون هو أسرع القطاعات توسعا في الاقتصاد الأمريكي‏)‏ ــ الإباحية‏(‏ التكاليف المادية لإنتاجها والتكاليف المعنوية لاستهلاكها‏)‏ ــ السلع التافهة‏(‏التي لاتضيف إلي معرفة الإنسان ولاتعمق من إحساسه‏,‏ والتي تستغرق وقتا إجتماعيا في إنتاجها واستهلاكها‏)‏ ــ تضخم الدولة وهيمنتها من خلال أجهزتها الأمنية والتربوية علي الأفراد ــ تضخم قطاع اللذة والميديا وغزوها حياة الإنسان الخاصة ودورها الضخم في صياغة صورة الإنسان وطموحاته وأحلامه‏,‏ برغم أن القائمين علي هذا القطاع لم يتم انتخابهم ولاتتم مساءلتهم ــ تزايد الإنفاق علي التسلح وأدوات الدمار الشامل‏(‏يقال إنه لأول مرة في التاريخ البشري ينفق الإنسان علي السلاح أكثر مما ينفق علي الطعام والملبس‏)‏ ــ ظهور إمكانية تدمير الكرة الأرضية إما فجأة‏ (‏من خلال الأسلحة النووية‏)‏ أو بالتدريج‏(‏من خلال التلوث‏),‏ وكل مايسببه هذا من قلق للإنسان الحديث‏,‏ وعند هذه النقطة تلتقي الآثار المادية بالآثار المعنوية بحيث لايمكن التفريق بين الواحد والآخر‏.‏

    وقد أدرك كثير من المفكرين الغربيين هذه الجوانب المظلمة للحداثة الداروينية‏,‏ فعبارات مثل أزمة الحداثةوأزمة المعنى والأزمة الأخلاقية كلها عبارات تتواتر في علم الاجتماع الغربي‏,‏ وتدل علي تنامي هذا الإدراك‏,‏ وفكر الخضر تماما مثل رفض العولمة والرأسمالية المتوحشة وفكر مدرسة فرانكفورت‏,‏ ونظريات التنمية الجديدة التي تتحدث عن التنمية المستديمة والدعوة إلي تطوير عولمة تراحمية هي كلها محاولات لرفض الحداثة الداروينية التي تهدد سكان الكرة الأرضية‏,‏ وتهدد إنسانية الإنسان‏,‏ وفي مجال نقده للحداثة الداروينية قال روجيه جارودي‏(‏قبل تحوله للإسلام‏):‏إن معركة عصرنا هي ضد أسطورة التقدم‏,‏ والنمو علي المنوال الغربي‏,‏ فهي أسطورة انتحارية‏,‏ وهي أيضا معركة ضد الأيديولوجية التي تتسم بالفصل بين العلم والتكنولوجيا‏(‏تنظيم الوسائل والقدرة‏)‏ من جهة‏,‏ والحكمة‏(‏التبصر بالغايات وبمعني حياتنا‏)‏ من جهة أخري‏.‏

    هذه الأيديولوجية تتسم بأنها تؤكد فردانية متطرفة تبتر الإنسان عن أبعاده الإنسانية‏,‏ وفي نهاية الأمر خلقت قبرا يكفي لدفن العالم‏.‏
    وهو محق في ذلك تماما فالحداثة علي النمط الغربي بدأت بادعاء أنها تري الإنسان مركزا للعالم وانتهت بكلمات ميشيل فوكوه‏:‏لايسع المرء إلا أن يقابل بضحك فلسفي كل من لايزال يريد أن يتكلم عن الإنسان وعن ملكوته وعن تحرره‏..‏ فسيضمحل الإنسان مثل نقش علي رمال الشاطيء تمحوه أمواج البحر‏,‏ بدأ العالم بدون الإنسان وسينتهي بدونه‏,‏ ومايتأكد في أيامنا هذه ليست غياب الإله أو موته بقدر ماتتأكد نهاية الإنسان‏.‏
    إن وعد الحداثة الغربية كان هو تأكيد مركزية الإنسان في الكون‏,‏ ولكن تحققها تاريخيا يسير بنا كلنا بخطي حثيثة نحو موت الإنسان بل وموت الطبيعة‏.‏

    والموقف الإنساني من الحداثة الداروينية المنفصلة عن القيمة هو جزء من هذه الثروة العالمية ومن المحاولة الرامية إلي مراجعة المفاهيم المعادية للإنسان التي سيطرت علي الحضارة الحديثة‏.‏
    ولذا‏,‏ فقد يكون من الأجدي أن يوحد الجميع قواهم وأن يتعاونوا علي توليد المشروع الحداثي العربي والإسلامي كجزء من المحاولة الإنسانية العامة التي تحاول تجاوز الحداثة الداروينية‏,‏ المنفصلة عن القيمة‏,‏ المبنية علي الصراع‏,‏ والتنافس والتقاتل والاستهلاك المتصاعد حتي نتوصل إلي حداثة إنسانية‏,‏ تنطلق من إنسانيتنا المشتركة‏,‏ حداثة تدير المجتمع بطريقة مختلفة‏,‏ فهي لاتري الإنسان مادة محضة‏,‏ ولاتنفصل عن القيمة‏..‏ وإنما تدور في إطار منظومة قيمية تري أن تحقيق السعادة لايكون بالضرورة عن طريق زيادة الثروة ونهب الطبيعة‏,‏ واستغلال الإنسان‏,‏ وانما عن طريق تبني قيمة إنسانية تبني مثل العدل والتكافل والتراحم‏,‏ والتوازن‏(‏مع الذات ومع الطبيعة‏)..‏وفي ذلك خيرنا‏..‏ وخير الإنسانية كلها‏.‏
    والله أعلم‏.‏
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 02:49 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ملف الاسلام والحداثة-من الحداثة إلى الاجتهاد (Re: osama elkhawad)


    مفهوم الحداثة ابتكره الغرب ويعبر من خلاله عن تجربته الفكرية والتاريخية، التي هي بلا شك تعتبر من أضخم التجارب الفكرية في التاريخ الحديث والمعاصر، ويعبر كذلك عن رؤيته للتقدم والحضارة. هذا المفهوم حاول الغرب أن يحتكره لنفسه، ويربطه بتاريخه وجغرافيته، ويلحقه بمنظومته الفكرية والفلسفية. وبطريقة تصور الحداثة هي الغرب، والغرب هو الحداثة، وليست هناك حداثة خارجة عنه، لأن الغرب حسب (فوكوياما) هو نهاية التاريخ، وهو الذي يقود حضارة العصر، وما بعد الغرب هوبربرية ووحشية وتخلف، أو حسب الزعم الذي يرفضه (راينهارد) بأن الحداثة شأن غربي، والتقليد شأن شرقي. والغربيون يسجلون تاريخ الحداثة في تحولاتها ونهضاتها وخطاباتها بحيث لا تتجاوز حدود أوروبا، وكن البشرية لم تشهد حضارة وتقدماً في تاريخها إلا في الغرب. فالحداثة تبدأ من الغرب وإليه تنتهي.

    والفكرة التي أود لفت النظر إليها باهتمام، هو أن مفهوم الحداثة الذي ابتكره الغرب قد عبرت عنه كل التجارب الحضارية التي مرت على التاريخ الانساني، من حيث مضمونه وجوهره، فكل تجربة حضارية ينبثق عنها مفهوم يعبر عن تلك التجربة، وإن كان يختلف في تركيبه اللغوي والبياني واللساني، عن تركيب لفظ الحداثة عند الغرب، بسبب اختلاف المنظومات الفكرية واللغوية نفسها. لأن كل حضارة في زمن صعودها وتقدمها تبتكر لها، بكفاءة عالية، منظومة من المفاهيم تكون على درجة من الفاعلية والدينامية لارتباطها الشديد بالروح العامة لتلك الحضارة في انبعاثها ونهوضها.

    ولقد وجدت أن المفهوم الذي يقارب مفهوم الحداثة عند الغرب في تجربة المسلمين الحضارية هو مفهوم الاجتهاد، والذي يقارب مفهوم التقدم في التجربة الاسلامية هو مفهوم العمران. ويعد (ابن خلدون) في طليعة الذين عرفوا بمفهوم العمران، حيث قدمه كعلم له نسقه المعرفي وحقله الدلالي وتجربته التاريخية والحضارية، وأطلق عليه علم العمران البشري في كتابه المعروف بالمقدمة، واكتسب هذا المفهوم شهرة وتداولاً على نطاقات واسعة، الأمر الذي يبرهن على حقيقة قصدت التأكيد عليها، وهي ان مقدمة (ابن خلدون) التي عدت فتحاً مهماً في تكوينات العلوم الاجتماعية، وقدمت أكثر الأفكار والمفاهيم تطوراً وتقدماً في وقتها، واحتلت موقعاً مرجعياً نادراً، ما وصل إليه كتاب آخر. هذه المحاولة المتقدمة في الكشف والتحليل المعرفي والمنهجي هي التي تبلور فيها مفهوم العمران واكتسب منها نضجاً وعمقاً وتماسكاً.

    أما مفهوم الاجتهاد فيمكن اعتبار أحد أهم المفاهيم الذي ابتكرته المنظومة الاسلامية، وانفردت به الحضارة الاسلامية. فقد نشأ وتطور في الإطار الزمني والتاريخي لهذه الحضارة، وترك تأثيراً مهماً في منظومة الثقافة الاسلامية، وفي تكويناتها وتشكيلاتها، وعلى حركتها ومساراتها. هذا المفهوم بحاجة إلى حفريات معرفية جديدة لاستظهار مدلولاته ومكوناته ومفاعيله، فهو من المفاهيم العميقة والمتجددة والفاعلة.

    وكنت أتصور إنني أنفرد بهذا الرأي الذي سعيت إلى الإشهار به، وفتح مجال التفكير والنظر حوله، إلى أن وجدت من يتبنى مثل هذا الرأي، وهو الدكتور (حسن حنفي)، إذ يرى أن (الاسلام عن طريق الاجتهاد هو أكبر دين حداثي، لأنه يعطي الفرع شرعية الأصل، ويعترف بالزمان والمكان وبالتطور، وإن إجماع كل عصر غير ملزم للعصر القادم.. لدينا الاجتهاد وهو اللفظ الذي أفضله، ولا أفصل لفظ الحداثة، فحداثتي من الداخل).

    الاجتهاد مبدأ الحركة في الاسلام

    لقد أطلق الدكتور (محمد إقبال) مقولة في كتابه الشهير (تجديد التفكير الديني في الاسلام) الصادر سنة 1929م، اعتبر فيه أن الاجتها
    هو مبدأ الحركة في الاسلام. هه المقولة توقف عندها العديد من الباحثين والمفكرين، والذين رجعوا إليها وجدوا فيها مضموناً ودلالات مهمة، فالمستشرق البريطاني المعروف في حقل الاسلاميات (هاملتون جيب) يرى في كتابه (6عوة تجديد الاسلام) إن إغلاق باب الاجتهاد وضع حداً فعالاً لمبدأ الحركة في الاسلام.

    أما محاولة (محمد أركون) في كتابه (من الاجتهاد إلى نقد العقل الاسلامي) فهي تندرج في سياق نقده الحاد والصارم للفكر الديني والتراث الفكري الاسلامي بالطريقة السجالية المعهودة في الغرب. فأركون غالباً ما يصور حله وكأنه في نزاع وصدام مع الفقهاء والعلماء الدينيين، الذين يشتغل على تراثهم ومقولاتهم واجتهاداتهم، ولعله يريد أن يتمثل دور المثقف الأوروبي في نزاعه مع سلطة رجال الكنيسة الدينيين في كسب الشرعية لصالحه، هكذا في الدفاع عن العلمانية التي يريد أن يبحث لها عن مخرج تتوافق فيه مع الدين، فحين يريد تفسير لماذا لم يشهد الوعي الجماعي الاسلامي المعاصر تلك القطيعة النفسية والثقافية بالدرجة نفسها التي شهدها الغرب المعلن منذ القرن التاسع عشر على الأقل، فإنه لا يريد أن يعزو هذا الاختلاف إلى مقدرة الاسلام على مقاومة حركة العلمنة بفعالية أكثر من المسيحية، لذلك فهو يدعو إلى تصفية ما يصفه بالمواقع التبجيلية والافتخارية التي تزعم أن الاسلام قادر على مقاومة العلمنة بفضل تعاليه الإلهي وحده. ويعلن (أركون) عن هذه السجالية في أول ما يفتتح به كتابه إذ يرى (أن مسألة الاجتهاد معتبرة داخل تراث الفكر الاسلامي بصفتها امتيازاً يحتكره الفقهاء) لذلك فهو يدعو إلى تجاوز المفهوم التقليدي للاجتهاد والممارسة العقلية المحدودة والمرتبطة به، وذلك عن طريق النقد الحديث للعقل. لأنه كما يضيف، لم يعد ممكناً للفكر الاسلامي أن ينغلق على نفسه وينعزل داخل إطار العقل الأصولي والاطلاقي الذي يلم يتح له أن يشهد حتى أصولية النقد الكانتي وإطلاقية الديالكتيك الهيغلي.

    مع ذلك لم يكن العنوان الذي اختاره (أركون) لكتابه بتلك الدقة، حيث يوحي بتجاوز مفهوم الاجتهاد إلى اللا مفهوم أو ما قبل المفهوم، لأن عبارة (نقد العقل الاسلامي) لا تعبر عن مفهوم محدد ومنضبط، بقدر ما تعبر عن وصف للعملية الفكرية التي يفترض أن ينبثق عنها مفهوماً. وبعبارة أخرى فإنها تعني ممارسة النقد الذي يفترض أن يولد مفهوماً، لكن ما هو هذا المفهوم؟ فهذا الذي لم يتضح أو يتحدد.
    لذلك فنحن نتمسك بمقولة (إقبال) ونجد أنها تعبر عن جوهر وروح الحداثة، ونتحفظ من جهة أخرى على مقولة (أركون) لغربتها ومغالاتها.
    الاجتهاد، دلالات ومكونات

    الاجتهاد إذن هو المفهوم الذي ينتسب إلى الحضارة الاسلامية، ويقارب مفهوم الحداثة الذي ينتسب إلى الحضارة الغربية. وهو بحاجة إلى إعادة اعتبار وإحياء جديد لينهض بوظيفته النقدية والتأصيلية والتجديدية. ومن مكونات هذا المفهوم ودلالاته وعناصره:
    أولاً:
    إعطاء العقل أقصى درجات الفاعلية باستفراغ الوسع وبذل أرفع مستويات الجهد الفكري والعلمي والبحثي في مجال دراسة الأفكار والمفاهيم والنظريات والأحكام، وبالشكل الذي من المفترض أن يحقق قدراً من الاكتشاف والابتكار والتجديد. وهذا ما يدل عليه أو ما نستيده من المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة الاجتهاد. فالاجتهاد لا يصدق دلالة ومضموناً إلا بعد استكمال شرائط البحث وأعمال النظر بالطرائق والأدوات المنهجية بما يوفر الإحاطة التامة قدر الإمكان، وبما يوفر الاطمئنان النفسي والعلمي والمنهجي.

    والحداثة إنما بدأت في الغرب من مقولة الانتصار للعقل وإعلاء شأنه والتمحور حوله، وعلى أساس القطيعة مع الدين أو الوحي أو الغيب أو الميتافيزيقا كما يصطلحون، وحسب رأي (آلان تورين) كان المفهوم الغربي الأشد وقعاً والأكثر تأثيراً للحداثة، قد أكد بصفة خاصة على أن التحديث يفرض تحطيم العلاقات الاجتماعية والمشاعر والعادات والاعتقادات المسماة بالتقليدية، وإن فاعل التحديث ليس فئة أو طبقة اجتماعية معينة وإنما هو العقل نفسه، والضرورة التاريخية التي مهدت لانتصاره.. وترتبط فكرة الحداثة إذن ارتباطا وثيقاً بالعقلية والتخلي عن إحداهما يعني رفض الأخرى.

    من هنا يتحدد الفارق الجوهري بين العقلانية الغربية التي نهضت وانتصرت لنفسها بإقضاء الدين وكل ما يرتبط بالغيب، وبين العقلانية الاسلامية التي أسست العلاقة التواصلية والتكاملية بين الدين والعقل، ومن أكثر المقولات دلالة على ذلك هي تلك التي تبلورت وتحددت في أصول الفقه الذي هو منظومة الاجتهاد، مثل مقولة ما حكم به العقل حكم به الشرع، واعتبار الشرع سيد العقلاء، إلى غير ذلك من مقولات.

    ثانياً:
    التحريض المستمر والدؤوب على البحث العلمي والمعرفي، فالاجتهاد هو دعوة نحو مضاعفة الجهد العلمي بلا انقطاع أو توقف وإنما بتواصل وتراكم. وهو صياغة ذهنية يتولد منها فعل الاجتهاد صورة مستدامة لا تتهاون في تحصيل العلم والمعرفة والتقدم ما هو إلا حصيلة تراكمات العلم واستخداماته في مجالات الحياة المختلفة.

    والحداثة التي ربطت العلم بالتقدم، هذا الربط نتوصل إليه من خلال مفهوم الاجتهاد الذي هو انتصار للعلم بما يحقق التمدن والعمران الانساني من غير تصادم أو تعارض مع القيم والأخلاق. وقد جسد علماء المسلمين هذا النشاط الدؤوب في تعاملهم مع العلم والبحث العلمي في التعليم والتحصيل وفي الكتابة والتأليف وفي البحث والتحقيق، في ظل ظروف شاقة وصعبة تحملوا فيها التعب والسهر والمرض والفقر والسفر، لقد أخلصوا للعلم ونذروا أنفسهم له وانقطعوا إليه فكانوا قدوة في العلم.

    ثالثاً:
    مقاومة عناصر الجمود والتفكير السطحي والنظر القشري والإعوجاج والشلل الفكري. فهذه الحالات هي من أشد ما يناقض ويعارض مفهوم الاجتهاد. وما ظهرت هذه الحالات وتفشت إلا في زمن التراجع الحضاري الذي أصاب حركة الاجتهاد بالجمود والانغلاق والتوقف لحد ما.
    من جهة أخرى إن الاجتهاد يفترض تعاملاً مع النص يتصف بشدة الفحص وتعمق النظر وبصورة دائمة ومستمرة، مما يعجل النص مفتوحاً للمعنى في كل زمان ومكان وحال، بشكل يتعارض مع احتكار الفهم على طبقة أو جيل من الناس، أو أن يتحدد الفهم في زمان أو مكان ما، فليس في الاسلام كهنوتية أو ارثذوكسية تفرض فهماً أو معرفة جامدة أو نمطية أو أحادية الاتجاه. وحسب التشريعات الفقهية والعلمية في الفكر الاسلامي الشيعي أن المجتهد لا يجوز له أن يكون مقلداً لمجتهد آخر وإلا سلبت منه صفة الاجتهاد، بل يتوجب عليه أن يكون صاحب قدرة على الاكتشاف والابتكار.

    رابعاً:
    مواكبة تجددات الحياة ومتغيرات العصر وتحولات الزمن ومقتضيات التقدم وشرائط المستقبل. فالاجتهاد مجالاته القضايا والموضوعات الجديدة والمعاصرة. وفي نظر بعض الفقهاء المعاصرين لا معنى للاجتهاد بالانشغال بالقضايا والموضوعات التي ترتبط بالماضي وقد أشبعها السلف بحثاً ونظراً أو استقر عليها رأي السلف. ينقل الشيخ (مرتضى مهري) كلاماً للسيد )محمد باقر حجة الاسلام) يصفه بالجيد، إذ يعتبر أن الاجتهاد الواقعي هو انه لو عرضت مسألة جديدة على شخص لم تكن له سابقة ذهنية عنها، ولم تطرح في أي كتاب لاستطاع أن يطبق عليها الأصول بشكل صحيح ويستنتج على ضوء ذلك. أما إذا تعلم الطرائق كلها من كتاب (جواهر الكلام) ثم أخ5 يردد: أنا أعلم أن صاحب الجواهر يرى كذا في هذه المسألة، وأنا أوافقه على رأيه، فإن هذا ليس اجتهاداً فالاجتهاد ابتكار، بحيث يرجع الانسان بنفسه الفرع إلى الأصل، وهذا هو المجتهد الواقعي في كل علم.. سواء كان في الأدب أم الفلسفة أم المنطق والفقه والأصول وحتى الفيزياء والرياضيات.
    ويتفق مع هذه الرؤية للاجتهاد ما تحدد في الفقه الاسلامي الشيعي من أحكام وتشريعات، مثل عدم جواز تقليد الميت ابتداء، على رأي المشهور، وشرطية جواز البقاء على تقليد الميت برخصة من مجتهد حي، وإذا عدل عن المجتهد الميت إلى الحي لا يجوز له الرجوع بعد ذلك إلى الميت. ذلك لأن الاجتهاد هو منهج الاسلام العلمي في تطبيق الشريعة على واقع الحياة، وتنزيل الثوابت على المتغيرات، وربط المتغيرات بالثوابت، وتطبيق الأصول على الفروع، وإرجاع الفروع إلى الأصول في علاقة منهجية منضبطة ومتوازنة من جهة المنهج، وفي علاقة دائمة ومتحركة من جهة الواقع. والمقولة التي اشتهرت في الأدبيات الاسلامية المعاصرة، بأن الشريعة الاسلامية صالحة لكل زمان ومكان، هذه المقولة الصادقة والبالغة الأهمية هي التي جاء الاجتهاد كمنهج علمي لتحقيقها. كما إنها المقولة التي تدافع عن فكرة المعاصرة في الفكر الاسلامي. المعاصرة التي تعني أن الشريعة لها من القدرة المعرفية والمنهجية ما يؤهلها لأن تطبق في كل عصر بحسب شروطه ومقتضياته، ووفق منهج الاجتهاد الذي يحمي الشريعة من أن تصاب بالجمود والتوقف.

    لا شك أن هذه الدلالات تعطي قيمة متعاظمة لمفهوم الاجتهاد، تؤكد الحاجة إليه في هذا العصر، فالاجتهاد هو ثورة في التفكير ودعوة للتقدم.
    وأخيراً لست بصدد خلق ثنائية جديدة إلى جانب الثنائيات القلقة والسجالية في الخطابات العربية والاسلامية المعاصرة، وهي ثنائية الحداثة والاجتهاد، وإنما قصدت إعادة الاعتبار لمفهوم لا يقل قيمة وفاعلية عن مفهوم الحداثة. ووجه العلاقة المفترضة بينهما في اتجاهها العام، هو النظر إلى الحداثة باعتبارها تمثل تجربة الغرب في التقدم والتمدن، والاجتهاد يمثل منهج للنظر للتجربة الاسلامية في التقدم والتمدن.
    -----------------------
    المصدر: رسالة التقريب / 34 و 35 / خريف 1423
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 02:54 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ملف الاسلام والحداثة-مفهوم الحداثة-محمد أركون / لوي غارديه (Re: osama elkhawad)

    مفهوم الحداثة

    إن تعريف مفهوم الحداثة في القاموس (أنظر قاموس روبير) يجرّده من كل مدلول عملياتي في علم الاجتماع التاريخي. وإذا كانت كلمة "حداثة" تُردّ إلى كل "ما هو من زمن المتكلم" يصبح من المستحيل تخصيص "الحداثة" بزمن وبفضاء تاريخي محدد. والساعي وراء فهم كيف تتحد علاقة "الاسلام بالحداثة" يتعين عليه بصورة أساسية أن يعرف كيف يدرك ظاهرة الحداثة دون أن يتحيز لتجلياتها في الغرب. ويبدو لنا أن هناك خطين يفرضان نفسيهما في مسار البحث هما:
    1_ لابد في المنطلق، من تصحيح المنظور التاريخي حول نشأة الحداثة في النطاق الأغريقي السامي.
    (2) ثم إنه من الضرورة بمكان، اخضاع الحداثة الراهنة _في مكوناتها التكنولوجية والفكرية الاساسية _ لتحليل نقدي في ضوء ما يسميه ج.بالانديه بـ "انثروبولوجيا التنازع والخصام".
    هذه المهمة المزدوجة المشار اليها هنا هي من اللزوم إذ أنها تتضمن استباق اعتراض شائع ومحق من جانب المسلمين، خصوصاً في الاوضاع الراهنة: فهؤلاء المسلمون يرفضون بشدة، كل اولئك الذين يقولون، بتبسيط، بتعارض اسلام متداخل مع تقليد القدماء وتراث تكراري ونزعة محافظة، مع الحداثة المنبثقة والنامية في الغرب، باعتبارها مسيرة حثيثة نحو التقدم، وقبول لا تحفظ فيه للتجديد، ودينامية تاريخية. كثير من المفكرين المسلمين أقرّوا ويقرّون بالتمثيلات المفروضة بفعل مناورات أو الاعيب ايديولوجية حول العلاقة بين التراث والحداثة.

    ولهذا يجب أن نوضح، أن ادراك هذه العلاقة محكوم إلى حد بعيد، ومنذ القرن التاسع عشر، بوعي متنام، للاختلال الفاضح، في كل مستويات الوجود التاريخي، بين المجتمعات الاسلامية والمجتمعات الغربية. وبدلاً من أن تعمل المقالات الاسلامية على ادراك الظروف الواقعية لوجود الاسلام، في اطار من العداء لا تتكافأ فيه الأسلحة، عمدت هذه المقالات الى الاسترسال في التقريظ الدفاعي أو إلى الهجوم، تغذيها مقالات في علم الاسلاميات تحوي الكثير من الاطروحات العرقية. وسوف نرى كيف نستطيع وكيف يجب أن نتجاوز عصوراً من الخصومات ومن سوء الفهم.
    _
    مقاربة للحداثة في المجال الاغريقي السامي

    إن الموقف الذي وقفه الغرب من خط نموه التاريخي الخاص، كان له آثار أكثر ظلماً فيما يتعلق بالتصور التاريخي للحضارة العربية الاسلامية. إذ لم يُكتفَ بطرح هذه الحضارة ضمن "ظلمات" العصر الوسيط، بل كان عليها أن تتحمل الآثار المتفاعلة للأحكام المسبقة المسيحية، وللأهواء المغرضة التي خلقتها "عملية الاسترداد" الاسبانية، ولتعصب الفرق (الاخويات) المتكاثرة داخل الاسلام عقب القرن الثالث عشر. وانمحت الوظيفة الابداعية والتوسطية للحضارة العربية الاسلامية التي قامت بين القرنين السابع والثاني عشر، بصورة تدريجية من المؤلفات التاريخية الغربية: وكانت النتيجة أنه حتى في أيامنا هذه، قليلون هم المفكرون والعلماء العرب المسلمون الذين يُشار إليهم حتى في الكتب الأكثر توثيقاً وإسناداً".
    ويصبح من المفهوم، ضمن هذه الشروط، سخط العرب _المسلمون عندما يكتشفون أن الحقبة المنتجة "الحديثة" من عدة اعتبارات، في تاريخهم، تُدرس تحت الاسم "المهين": العصر الوسيط. وتتجلى ردة الفعل الأعنف في المغرب وبصورة خاصة في الجزائر، ضد هذا المفهوم، لأن عدداً كبيراً من المغاربة تمثّلوا في المدرسة، وفي الكلية، مقتطفات وتعاريف التأريخ الرسمي الفرنسي المختصر في كتاب "ماله وايزاك" الشهير. ولكن في المناخ السياسي للصراع ضد الامبريالية، تصل ردة الفعل، المبررة علمياً، إلى درجات مفرطة ومسرفة في ايديولوجيتها أو في تقريظها الدفاعي: إن فورة الحداثة الفكرية، والعلمية، والتقنية، في الغرب، انطلاقاً من القرن السادس عشر، تجد أصولها في الجهد الخلاق للفكر وللعلم العربيين، خلال "العصر الذهبي". بل إن الثورة الاجتماعية ذاتها، وبواكير الديمقراطية قد تحققت أو دوّنت في القرآن، وفي سُنّة النبي، وفي نهج الصحابة.

    إن التجديدات التي ولّدت الحداثة في الغرب، لم تتوصل حتى اليوم الى الاستبعاد الكامل لكل مسلمات المدرك الاغريقي السامي (الميتافيزيقية الكلاسيكية بمكوناتها المتعددة منذ أفلاطون + الميتافيزيقا التوراتية بصيغها اليهودية المسيحية والاسلامية). لقد ظلّ علم الاثنولوجيا يعتقد أنه يستطيع أن يميز المجتمعات الغربية بأنها ذات تاريخانية دينامية عن المجتمعات البدائية الجامدة المتقوقعة ضمن اعادة الانتاج الطقوسي لميكانيزماتها. واليوم، نكتشف تاريخانية ضمن المجتمعات الأكثر قدماً، ونشهد، بدهشة أو بخيبة أمل، احياء للاعقلاني، وللنزعات المهدية الخلاصية والخرافات والأوهام، والفرق. الخ في المجتمعات حيث تكون جميع صفات الحداثة هي الأعرق والأكثر نشاطا. في حين أن ما نلحظه ونصفه اليوم بفضل ما قدمته أوجه العلوم المرنة، والفعالة والمنفتحة، يصح، بصورة اولى، بالنسبة إلى كل مراحل المجتمعات السابقة.

    وإذا كانت كل هذه الاشارات صائبة، فلا بدّ من التسليم بأن الحداثة ينبغي أن تُحدّد في المناخ الاسلامي كما في المناخ الغربي المسيحي، بالنسبة إلى قطبين: قطب الماضي وبه يتعلّق، العتيق والقديم، والتقليدي، والعرفي، والكلاسيكي؛ ثم قطب المستقبل وبه يتعلّق التجديد، والمبادهة، والقرار التطلعي الاستكشافي.

    من وجهة النظر التي تهمنا، يجب أن نعلم أن من آثار القرآن وتعاليم محمد، التاريخية، وضع وتطوير، (في اللغة العربية اولا، ثم في اللغات الاسلامية الأخرى كالفارسية والتركية، والاوردية، الخ) النواة الميتافيزيقية للتحالف القديم: فالشعوب التي تأثرت قليلاً أو لم تتأثر، حتى القرن السابع، بتيارات الفكر الأغريقي _ اليهودي _ المسيحي، تحوّلت بدورها، إلى هذه "الحداثة" التي يمكن تعريفها كارادة القضاء على الانسان القديم (الموصوف بالكافر = الخائن للميثاق الأساسي في القرآن) لصالح الانسان الجديد أو المؤمن.

    مرفوض في الاسلام عموماً، وما يزال، التمثل التاريخي والسوسيولوجي، الذي بموجبه يُعتبر الشرع المسمى بالاسلامي بأنه قانون وضعي أضفيت عليه الشرعية بنظرية من نظريات أصول الفقه، ربطت الحلول العملية التي وضعها القضاة الأول (خلال القرن الأول للهجرة)، بمنابع دينية أصولية (القرآن والحديث). وكذلك، ما يزال بعض المؤلفين من السنة والشيعة، يقدّمون الخلافة أو الامامة وكأنهما مؤسستان ترتكزان منذ البداية، على أساس ديني أصيل، في حين أن إضفاء هذه الشرعية، هنا أيضاً، هو عمل لاحق. وقد نجد في اليهودية وفي المسيحية المعاصرتين، مواقف وممارسات مشابهة. وينعقد التوتر بين لغات العصر الكلاسيكي واللغات التي تحاول أن تفرض نفسها، في، وبواسطة العلوم الانسانية، من جراء صراع الايديولوجيات المتحاربة: فهذه تطرح مزيجاً ناشطاً ومحركاً، من الرسيمات التفسيرية الكلاسيكية ومن بديهيات جدلية اجتماعية تحاول اعادة توزيع السلطات والممتلكات. وهذا ما يبدو بوضوح، من خلال أدب كاسح حول لاهوتية الثورة، والتحرير، والثقافة... الخ، عند المسيحيين. ولاهوتية الأرض الموعودة، والشعب المختار، والهجرة، عند اليهود؛ واضفاء الشرعية على الاشتراكية، وعلى معارك التحرير، وعلى السلوكات العصرية، بالقرآن، وسنة النبي وصحابته عند المسلمين. وينتج عن ذلك مناخ من الفوضى الفكرية وحرب توصف بأنها أيديولوجية في الأوساط السياسية، وبالابستيمولوجية في الأوساط "العلمية".

    من المهم التعمق أكثر في تحليل هذه الظروف الجديدة، حيث تُدعى كل فكرة إلى التطبيق اليوم. يجب أن نفهم تماماً بأن المعارضات والخلافات، والانشقاقات التي نقوم بوصفها، لا تُعزى فقط إلى مفكرين أسرهم التفكير والبحث المجرد. إن العلم والتكنولوجيا الحديثين يفرضان في كل مكان الاضطراب الذي يلامس الوجود البشري بالذات: فالراديو الترانزيستور، والتلفزيون، والطائرة، والصواريخ العابرة للقارات، وحبة الدواء، وأسلوب الانتاج الصناعي، والمطالبة بنظام اقتصادي جديد وعالمي.. الخ. تحطم بنيات نفسانية وسيكولوجية، واجتماعية وسياسية رافقت، حتى الآن، نوعاً من اللغة الدينية، وبعض الممارسات الثقافية. ووفقاً لوتائر مختلفة بحسب المجتمع المدروس يقوم الانسان المعاصر بتجربة، وإن لم تكن جديدة، بصورة أصلية، في تاريخ الحضارة، ولكنها تفرض نفسها بزخمها، وعمقها، وتعميمها السريع على كل المجتمعات، وعلى كل طبقات المجتمع، وكل الأفراد: والأمر الذي ظلّ، لقرون معروضاً ومعاشاً، ومدموجاً، سيكولوجياً على أنه واقع محكوم بقواعد طبيعية تكشف بعنف، وكأنه امكانات محتملة، متكررة بصورة تحكمية (سلطة سياسية، لاهوتية، فلسفية، علمية...) محكومة بتقنينات ثقافية.

    ولهذا يتم البحث حالياً في فكفكة كل الثقافات التقليدية من أجل كشف أوالياتها التمويهية، وقناعها الواقعي الحق وبمقدار ما لعبت الأديان دوراً مؤثراً في نمو ومراقبة الثقافات مراقبة ادراكية، أصبح من المحتم أن تكون مستهدفة بصورة خاصة من قبل الاستقصاء التفكيكي. في الاسلام، مثلاً من الضروري المستعجل تبيان، لأول مرة، كيف تحولت مجالات تحقيقية في الوجود الانساني، أي مظاهر معنوية، إلى مقولات أيديولوجية، متراتبة، بحسب اختيار طبقة حاكمة، وبحسب مقتضيات، ظروف تاريخية، أو ثقل تراث نموذجي: تلك هي حالة الروحي والزمني، وحالة المقدس والمبتذل، وحالة الخرافة والتاريخ، واللاعقلاني والعقلاني، والخيالي والواقعي والأصيل والدخيل.
    إن المعطى المسيطر أكثر من غيره على الفكر الاسلامي هو أن الاسلام أسمى من غيره من الديانات كلها. وبالامكان إن طبقنا تعاليمه بدقة، فبالامكان تفادي كل الضلالات، وكل أزمات الحضارة الغربية المزعومة. بل وبالعكس بالامكان بناء حضارة مثالية بالنسبة إلى البشرية جمعاء. وكل محاولة تهدف إلى حصر الاسلام ضمن مشكلة كالتي يعاني منها الغرب بصورة خصوصية، هي بالتالي مرفوضة قبل أي فحص أو تدقيق.
    -----------------------------
    المصدر : الاسلام.. الأمس والغد
    * محمد أركون / لوي غارديه / ترجمة : علي المقلد
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 03:04 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ملف الاسلام والحداثة-مفاهيم الحداثة في رأي المفكر السيد محمد باقر الصدر (Re: osama elkhawad)


    أزمة القيم والحل البديل
    مفاهيم الحداثة في رأي المفكر السيد محمد باقر الصدر

    تبنى الصدر بعض مبادئ الحداثة كالعقلانية والحرية والتقدم لا كمبادئ الحداثة بمفهومها الغربي، بل كمبادئ تعبر عن أبعاد خلافة الانسان في علاقتها مع حركة التاريخ. إنّ الفكر الإسلامي ـ في نظر الصدر ـ لا يرفض هذه المبادئ في حد ذاتها بل يرفضها، لأنها اتخذت معنى خاصاً من جراء انفصالها عن الله، فهي تتخذ صورة أخرى ومعنى جديداً لما يتم ربطها بالغيب. فالاسلام لا يرفض التقدم، بل مفهوم التقدم في الرؤية الاسلامية أقوى وأوسع من مفهوم التقدم في الرؤية الغربية، التقدم في الفلسفة الغربية هو مفهوم صاغه العقل، أو يتصوره الإنسان المحدود بنسبيته المادية والمكانية والزمانية في حين أنّ مفهوم التقدم في الرؤية الإسلامية وكلّ المفاهيم الأخرى كالعقلانية والحرية وغيرهما هي مفاهيم وقيم لا تستطيع الرؤية الغربية إلى الإنسان والتاريخ أن تتحملها، لأنها رؤية ضيقة، ولأن هذه المبادئ والقيم تنتج عن محاولة الإنسان التخلق بصفات الله وأسمائه.
    غلطة المحدثين

    وهكذا فالمسألة ـ في فلسفة الصدر ـ ليست مسألة رفض الحداثة أو تحديث الاسلام كما يرى المحدثون في العالم الاسلامي، بل المسألة مسألة رد قيم الحداثة إلى حجمها، أي ردّها إلى الظروف الاجتماعية والتاريخية التي أنتجتها، والنظر إلى القيم ومفاهيم الحداثة حسب متطلبات الاسلام. ومن هنا يرى الصدر بأنّ المحدثين في العالم الاسلامي الذين يقولون بتحديث الاسلام قد ارتكبوا خطأً شرعياً ومنهجياً في نفس الوقت.
    الخطأ الشرعي: نظروا الى الحداثة كحقيقة مطلقة بدلا من الشريعة التي اعتبروها كمجرّد حقيقة نسبية.
    الخطأ المنهجي: وظّفت السلطات في العالم الاسلامي الدين لتدعيم مواقفها القبْلية في المجال السياسي والاجتماعي، فلجأت إلى التوفيق بين الاشتراكية والاسلام وبين القومية والاسلام وبين الاشتراكية والقومية لكي تتقبل الشعوب الاسلامية هذه المفاهيم الغربية (الاشتراكية والقومية وغيرهما) التي أريد لها أن تطبق في أرضيه غير أرضيتها لكن هذه العملية فشلت، فنماذج التنمية قد فشلت والعلاقة بين السلطة والشعب في العالم الاسلامي هي علاقة صراع وتنافر، هذه العملية ليست عملية توفيق بين الفكر الغربي والإسلام بل هي مجرد تلفيق في نظر الصدر.

    الحداثة موقف غربي من الكنيسة

    لقد حلل الصدر الحداثة في الفكر الغربي تحليلا علمياً أي حللها من خلال أسسها التاريخية، وبيَّن بأنّ أكثر جوانبها هي جوانب خاصة بالتاريخ الغربي، لقد ظهرت الحداثة في الغرب كتمرّد ضد الماضي وضد القيم المرتبطة بالكنيسة. يقول المفكر الاجتماعي ألان تورين (A. Touraine):
    " لقد نظر الغرب إلى الحداثة وعاشها كثورة، أصبح العقل لا يعترف بأي شي بصورة مسبقة سواء في ميدان العقيده أو في ميدان التنظيم الاجتماعي والسياسي ما لم يكن قائماً على أدلة علمية. فمن العناصر الجوهرية لإيديولوجية الحداثة أنّ المجتمع هو مصدر القيم وأنّ الخير هو ما ينفع المجتمع، والشر هو ما يضر بوحدة المجتمع."

    عيوب الحداثة

    انتقد الصدر البعد المادي للحداثة، وما ينتج عنه من سعي وراء المنفعة واستغلال للشعوب... لقد كانت الحداثة في بداية ظهورها ثورة محرّرة للإنسان إلا أنها ـ في نظر الصدر ـ وبدلا من أن ترتبط بالجانب الروحي الذي تصبح بفضله مفتوحة على المطلق، بدلا من ذلك ألهّت الحداثة الانسان والواقع، فلا مرجعية خارج الانسان وخارج الواقع. فالقيم كلّها تستمد وجودها من الانسان ومن الواقع، لذلك أصبحت المنفعة هي الغاية القصوى، كما أصبح الانتاج والاستهلاك غاية تطلب لذاتها، وأصبح التقدم ـ في سياق هذا البعد المادي ـ هو معنى الوجود والقيمة القصوى والمثل الأعلى في نظر الصدر، فالإنسان أصبح لعبة في يد حركة التاريخ التي تتمحور حول البعد المادي المتمثل في الانتاج والاستهلاك، فالانسان بدلا من توجيه حركة التاريخ نحو أهداف أخلاقية وإنسانية أصبح فريسة لهذه الحركة، فهي التي توجهه حسب منطقها الذي أنتج الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، كما أنتج منطق حركة التاريخ المنقطع عن الله استغلال الغرب للشعوب المستضعفة.

    الحداثة صورة منحرفة عن حركة التأريخ

    يرى الصدر أنّ علاج الأزمة يكمن في تحويل الانسان من فريسة لحركة التاريخ إلى موّجه لحركة التاريخ عن طريق ربط الانسان بالقيم الأخلاقية ذات المصدر الإلهي، ومن هنا فالحداثة ليست لها ـ في نظر الصدر ـ صورة واحدة حتى تشكل مرحلة تاريخية حتمية يجب أن تتجه نحوها كلّ الشعوب، فالحداثة كما تحققت في الغرب هي مجرد صورة من صور حركات التاريخ الممكنة، إنها تمثل الصورة المنحرفة لحركة التاريخ، لذلك يجب التمييز ـ في نظر الصدر ـ بين الحداثة كتقدم وبين التغريب، أي تقليد الحضارة الغربية بصورة آلية دون إعادة النظر في أسس وقيم هذه الحضارة، فالعقلانية والحرية والعدالة واحترام إنسانية الانسان ليست قيماً غربية، بل هي قيم كونية تستمد وجودها من تطلع الانسان عبر التاريخ إلى الكمال، وهكذا فالغرب قد أعطى للحداثة صورة خاصة انتهت إلى أزمة حضارية شاملة، ويمكن لحضارة أخرى أن تعطي صورة أخرى واتجاهاً آخر للحداثة وللتقدم. والاسلام هو البديل الوحيد في هذا المجال في نظر الصدر.

    احساس الغرب بالحاجة للأخلاق وعجزه عن الحل

    يقول ألان تورين:
    إن حركة التاريخ جعلت من هذا العصر عصر طرح التساؤلات عن الأساس الأخلاقي للمشاكل الناجمة عن التقدم المنفصل عن القيم الروحية. لقد بدأ الفكر الغربي يتساءل عن معنى التقدم ومعنى الحياة نتيجة للأزمات الاجتماعية الملازمة لأزمة الحضارة المعاصرة. فكثير من المفكرين الغربيين يرون أن رجوع الفكر الغربي إلى الأخلاق أصبح مسألة حياة أو موت: خطر الاسلحة النووية والكيمياوية، التلوث... الخ هذه المظاهر كلها تدفع بالبشرية نحو الفناء، لذلك أصبح تقييم التقدم حالة ضرورية بالنسبة للمفكرين في الغرب.
    إلا أن هذا اللجوء إلى الأخلاق لا يكفي لحل الأزمة في نظر الصدر، فالفلسفة الأخلاقية في الغرب هي بدورها انعكاس لأزمة الحضارة. وهنا يطرح الصدر مشكلة مصدر القيم الضرورية لتجاوز الأزمة الشاملة للحضارة الغربية، فالفلسفة الأخلاقية والاجتماعية التي يسعى الغرب عن طريقها لحلّ الأزمة هي فلسفة تفصل الأخلاق عن التعالي، ولذلك فكونية هذه القيم التي تطرحها الفلسفة الغربية هي كونية مزيفة، والقيم والمفاهيم التي تطرحها هذه الفلسفة هي في كثير من جوانبها مجرّد انعكاس للأزمة، يقول الصدر محللا تحليلا نقدياً لاتجاهات الفكر الغربي: " إنّ كلّ هذه الاتجاهات ذات الطابع العلمي أو الفلسفي هي قبل كلّ شي تعبير عن واقع نفسي عام، وشعور حاد لدى إنسان الحضارة الحديثة بالصراع ".

    علم الاجتماع لا يملك الحل

    هذه الأسئلة أصبحت موضوعاً لعلم الاجتماع، وهو علم يدرس الواقع كما هو. التفكير الوضعي أصبح مجرّد انعكاس للواقع، ولا يطرح مشكلة مصير الإنسانية في كل أبعادها، فمشكلة المصير عندما تطرح فهي لا تتعدى المصير الدنيوي. لقد انتقد نتيشه بصورة جذرية الفكر الغربي خاصة القيم الأخلاقية، وتساءل عن مصير الانسان عن غاية الحياة الإنسانية، ولكنه بسبب انقطاع فلسفته عن الغيب، بقي منحصراً ضمن معطيات الفكر الغربي، فالمثل الأعلى الذي تصوره نيتشه هو الانسان الأعلى، وليس هذا المثل الأعلى إلا رد فعل للأخلاق المسيحية كما تجسدت في الكنيسة، فنيتشه أعاد النظر في القيم الأخلاقية، ولكنه انتهى إلى قيم وكأنها ليست قيماً، انتهى إلى قيم ضد القيم.

    الحل لا يؤخذ من الواقع

    إنّ الواقع كما يتجلّى في الفلسفة الغربية من حيث هي انعكاس للظروف، إنّ هذا الواقع لا يستطيع ـ في نظر الصدر ـ أن يقدم الحلّ لأزمة القيم، فالواقع فاسد والادوات الفكرية التي تستمد منه ستكون غير صالحة هي الأخرى، فالفلسفة الغربية اصطدمت بالعجز نتيجة لواقعيتها هذه، وهذا لا يعني أنّ الواقعية في حدّ ذاتها غير صالحة، ولها نتائج سلبية في مجال التنظير الأخلاقي والاجتماعي، إنّ النقص لا يكمن في الواقعية بل في صورة الموقف من الواقع، فالمذاهب الأخلاقية كالنفعية والبرجماتية بدلا من الانطلاق من الواقع لتغييره، حجزت القيم الأخلاقية داخل هذا الواقع، وهذا تناقض، لأنّ الواقع يعبر عمّا هو كائن، في حين أن القيم الأخلاقية تعبر عمّا يجب أن يكون، فما هو كائن لا يمكن أن يصبح معياراً لما يجب أن يكون، فالواقع لا يمكن أن يكون مصدراً للقيم الأخلاقية، والعقل كذلك عاجز عن صياغة حل لأزمة القيم في نظر الصدر، فالعقل بالمفهوم الغربي هو عقل منقطع عن الميتافزيقيا، فليست له أبعاد مستقبلية، وليست له إمكانيات تُمكنه من تجاوز ماهو معطى لصياغة رؤية مستقبلية تُمكن الانسانية من تجاوز أزمة القيم في الحضارة المعاصرة.

    نظرة الصدر الى العقل

    إنّ هذه النظرة إلى العقل التي طرحها الصدر لم تنته إلى ما انتهى إليه الفكر الغربي عندما انتقد العقل وانتقد القيم وانتقد الدين. فكانت النتيجة مأساوية: زوال الانسان كنتيجة ملازمة للرؤية الوضعية، التي تنفي وجود الله وتنفي بالتالي وجود الانسان كخليفة لله في الأرض. فالنقد عند الصدر لا يعني نفي العقل أو رفض العقلانية بل يعني إدماج العقل في الرؤية الشمولية إلى الإنسان من حيث هو وحدة مادية وروحية وذاتية واجتماعية، لذلك يرى الصدر بأنّه لا يمكن للفلسفة وحدها أن تجد علاجاً لازمة القيم، فالفلسفة مهما كانت قوتها ومهما كان تماسكها المنطقي فهي من إنتاج العقل المرتبط بالظروف الزمانية والمكانية، فحتى الفلسفات التي لا تنكر ما يتجاوز العقل فإنها تبقى مجرّد فلسفة صاغها الانسان، فالفلسفة ظاهرة اجتماعية وثقافية وليست وحياً، فهي لا تتمتع بالعصمة أو بقوة تُمكنها من التعالي على الأوضاع النفسية والاجتماعية والفكرية والتاريخية التي ساهمت في نشوئها، فلا يمكن للفلسفة وحدها أن تغير وضعية الانسانية في عصر معين خاصة في مرحلة تاريخية مثل المرحلة الراهنة وما تتميز به من أزمة حادة وخطيرة في مجال القيم وفي المجال الاجتماعي والحضاري، فالأزمة الحضارية والقيمية الراهنة يتمثل علاجها في مستوى يتجاوز مجرد عملية التفلسف كما تتمّ في الفلسفة الوضعية والمادية، فعلاج الأزمة يحتاج إلى قيم متعالية وإلى رؤية فلسفية ترتكز على قيم ومبادئ ومفاهيم متعالية، أي علاج الأزمة يحتاج إلى فلسفة لا تتم في إطار التوفيق بين الدين والفلسفة على حساب إطلاقية الدين وتعالي مصدره، فالعلاج يحتاج إلى فلسفة تستمد رؤيتها من الدين بصورة تعبدية واجتهادية، وهذا ما حاول الصدر تقديمه لا كمجرّد فيلسوف فحسب، بل كمجتهد فلسف عملية الاجتهاد وصاغ لها منهجاً للتعامل مع الواقع المتحرك.
    هذا المنهج ـ بدوره ـ ليس من إنتاج العقل وحده، فإطاره العام مستمد من الشريعة، لذلك فهو يملك بعد النظر الذي يُمكنه من معالجة أزمة القيم وأزمة الحضارة.
    فالفلسفة الاجتهادية التي صاغها الصدر هي فلسفة متحررة إلى درجة كبيرة من العوامل الذاتية ومن ثقل الواقع. هذا في إطارها العام على الأقل وهو إطار تستمده من الدين لا من العقل وحده أو من العوامل الاجتماعية والتاريخية.

    أزمة الحضارة الغربية

    إنّ أزمة الحضارة الغربية في هذه المرحلة الأخيرة من القرن العشرين ليست كسائر الأزمات التي تتطلب حلولا جزئية في نظر الصدر، فالأزمة شاملة وهي ناتجة عن أزمة المرجعية في الأساس: المرجعية في الميدان المعرفي، الذي تعتمد عليه العلوم الاجتماعية في الغرب والمرجعية في الميدان الأخلاقي، فالحضارة الغربية مدفوعة ـ في نظر الصدر ـ في صيرورة عمياء غابت فيها كلّ القيم المنظمة لحركة التاريخ.

    إنّ هذه الأزمة الشاملة هي أزمة الانسان، وليست مجرّد أزمة اقتصادية أو ثقافية. وقد حلل الصدر هذه الأفكار السابقة في كلّ كتاباته حيث نظر إلى المشكلة الاجتماعية والأخلاقية خارج الإطار السوسيولوجي الوضعي الضيق، واعتبرها كامتداد ونتيجة لأزمة الانسان الذي فقد معنى وجوده. فالحضارة الغربية أصبحت ـ في نظر الصدر ـ بدون أفق مستقبلي يمكّنها من طرح مشروع اجتماعي قادر على أنّ يعيد للإنسان إنسانيته، وهذا راجع إلى أنّ هذه الحضارة دخلت في مرحلة تأريخية يصفها الصدر
    " بالمثل العليا التكرارية " بسبب انقطاعها عن الغيب، أي انقطاعها عن المثل الأعلى الحقيقي، لذلك انتهت الفلسفة الغربية إلى نهاية الفلسفة ونهاية التاريخ ونهاية الانسان.

    لا شك أنّ هذه المفاهيم تؤولها الفلسفة الغربية (ماركس، هيجل، فوكوياما) انطلاقاً من اعتبار الحضارة الغربية حضارة كونية، ونموذجها الفكري والسياسي نموذجاً كونياً لا يمكن أن يتجاوزه أي نموذج آخر، في حين أنّ الصدر ينظر إلى مفهوم النهاية كنهاية لنموذجية الحضارة الغربية، التي نفدت طاقاتها، لأنّها ارتبطت بمثل عليا نسبية كالجمهورية والقومية والشيوعية إلى غير ذلك من الأهداف التي يتصورها الانسان، ويعتبرها بديلا عن المطلق الحقيقي، لذلك تاهت الحضارة الغربية ـ في نظر الصدر ـ في الجزئيات وفي النظرة التجزيئية، التي فتتت وحدة الانسان. فالسياسة المنقطعة عن القيم الدينية والأخلاقية أصبحت محددة في الإطار الضيق للسلطة والحكومة والمواطن. في حين أنّ السياسة في فلسفة الصدر تدمج في حركة البشرية عبر التاريخ، أي تدمج في أُفق مصير الانسان وتطلعه إلى الله.
    وقد تحققت توقعات الصدر في واقع الحياة الغربية، فالصدر يرى أنّ الانسان مدفوع بفطرته إلى الارتباط بمثل أعلى حقيقي أو مزيف، وهذا ما وقع وما يقع في هذه السنوات في الغرب حيث إنّ الغربيين بدأوا يلجأون الى النزعات الروحية الشرقية كالبوذية وغيرها لإشباع تطلعهم إلى المطلق، وتعتبر هذه الظاهرة تأكيداً لفلسفة الصدر، فالإنسان يسعى ـ في نظر الصدر ـ إلى إعطاء معنى لوجوده، فلجوء المجتمعات الغربية إلى النزعات الروحية هو إرضاء لتساؤل الإنسان حول معنى الوجود.

    ويرى الصدر في هذا السياق أنّ النزعة الانسانية (Humanisme) التي حرّرت الانسان من ظلمات القرون الوسطى وفتحت أمامه مجالا واسعاً للأخوة الانسانية، إن هذه النزعة الانسانية كانت منذ البداية تحمل في ذاتها أسباب أزمتها، لأنّها لم تكن مؤسسة على أساس يعطيها معنى. إنّ أزمة النزعة الانسانية تعبر ـ في نظر الصدر ـ عن أزمة الرؤية إلى الانسان ودوره في الوجود، فالأزمة هي أزمة الإنسانية التي سلمت نفسها ومصيرها لحركة التاريخ.

    الحل موجود خارج الانسان وخارج التأريخ

    إنّ أزمة الإنسان تتطلب ـ في نظر الصدر ـ حلاًّ يستمد أساسه المعرفي والأخلاقي خارج الانسان وخارج التاريخ، فالدين هو الذي يحلّ المشكلة الاجتماعية والأخلاقية، التي تتخبط فيها البشرية في نظر الصدر، فالبشرية عجزت عن إيجاد الحل، فهي تنتقل في المجالين النظري والعملي من أزمة الرأسمالية إلى أزمة الاشتراكية الماركسية، إلى أزمة النزعة العلمية والنزعة الإنسانية إلى أزمة الكنيسة، التي جعلت من المسيحية ديناً كونياً، في حين أنها جاءت لتعالج وضعية معينة في مرحلة تاريخية معينة وفي مكان معين.

    ويرى الصدر أنّ الأزمة التي تعاني منها الحضارة الغربية هي أكبر وأخطر أزمة في تاريخ البشرية، والأخطر من ذلك أنّ الحلول التي قُدمت لهذه الأزمة هي مجرّد انعكاس لها، فالتغيير الجذري مستحيل في نظر الصدر، لأنّه لا يمكن عن طريق مثل عليا تكرارية.

    أن تتصور الفلسفة الغربية واقعاً آخر غير الواقع القائم، فضعف الفلسفة الغربية المعاصرة يكمن ـ في نظر الصدر ـ في عجزها عن استيعاب الواقع، فهي انطلاقاً من أساسها المعرفي مجرّد انعكاس للواقع وللتاريخ، لذلك لا يمكن لهذه الفلسفة أن توجه التاريخ.
    ويطرح الصدر في هذا السياق نظرية المعرفة التي تتمتع بالقوة الاستيعابية، والتي تسمح لها بتوجيه التاريخ، وهي نظرية للمعرفة تربط العقل بالغيب، لا من موقع لاهوتي بمفهوم النظرية اللاهوتية، بل من موقع انفتاح العقل على المطلق، كما أنّ نظرية المعرفة عند الصدر تعتمد على المبادئ والمفاهيم الدينية كأدوات استكشافية توجه العقل في تنظيره للحياة الاجتماعية.

    لقد قلب الصدر نظرية ماركس رأساً على عقب عندما ركز كلّ التغيرات الاجتماعية على معنى الوجود. فإذا كانت الماركسية ترى بأنه يجب تغيير العالم بدلا من تفسيره، فالصدر يرى بأنّ تغيير العالم ملازم لمعنى الوجود، أي يجب إعطاء معنى للعالم لنتمكن من تغييره، ومعنى الوجود هنا له جوانب معرفية وميتافزيقية وأخلاقية، فتغيير العالم من هذا المنظور هو جانب أساسي من جوانب معنى الوجود.

    وهكذا ففكرة تغيير العالم في حاجة إلى قيم أخلاقية تستمد منها عملية التغيير معناها وإلزاميتها، ويعتبر هذا الموقف إعادة نظر جذرية للعلوم الاجتماعية ولمفهوم التقدم ومفهوم التنمية كما طرحت في الفكر الغربي، وإعادة النظر هذه ليست ـ في نظر الصدر ـ مجرّد ترف فكري، فالبشرية أصبحت في مفترق الطرق، ومصيرها أصبح معلقاً بإعادة النظر ـ بصورة جذرية ـ في رؤيتها إلى الانسان والمجتمع والتاريخ.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 03:12 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ملف الاسلام والحداثة-الإسلام والحداثة والفرص الضائعة (Re: osama elkhawad)



    قضايا


    منذ عدة سنوات اختفى من التداول أو كاد, مصطلح (حداثة) الذي كان أكثر المصطلحات شيوعاً في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.
    لم تكن الحداثة حركة فكرية أو أدبية فحسب, بل كانت حركة قوى اجتماعية وتاريخية, انطلقت من أوربا لتنتشر في العالم, وقد عرفها المسلمون والعرب خلال احتكاكهم الطويل بالقارة الأوربية, فسعوا إلى تحديث مجتمعاتهم ومؤسساتهم وآدابهم.

    فما الذي أوقف هذا التيار في سبعينيات القرن العشرين, فحل مكانه تيار (ما بعد الحداثة) في أوربا, وما الذي جعل العرب والمسلمين يتخلون عن التحديث مستبدلين بذلك البحث عن الهوية والأصالة والخصوصية?
    ما هذه الحركة التاريخية التي عُرفت باسم الحداثة, وما علاقتنا نحن المسلمين والعرب بها, وهل أضعنا فرصة التحديث, أم أن علينا أن نستدرك ما فاتنا إذا ما أردنا أن نستعيد دورنا في العالم?

    تاريخ الحداثة

    الحداثة تيار قديم في أوربا, يمكن تعقّب جذوره في نهضتها ونشوء المدن البرجوازية التي استقلت عن سلطة الإقطاع وانطلقت منها حركة التجارة الحرة. وعلى مستوى المفاهيم فإن هذا التيار عبر عن نفسه مع الأفكار التي عبرت عنها الفلسفة التي عُرفت باسم (الفلسفة الحديثة). ومن أبرز روّادها فرنسيس بيكون (1561-1626) الذي دعا إلى منهج جديد للتفكير يقوم على التجربة وسيطرة الإنسان على الطبيعة, ورينيه ديكارت (1596-1650) الذي يعتبر أو يعتبره الفرنسيون أباً للفلسفة الحديثة. الذي كتب من بين العديد من المؤلفات رسالة قصيرة تحت عنوان (مقالة الطريقة) وفيها منهج جديد للعقل في سبيل تقدم الفكر والعلم.

    والفلسفة الحديثة هي التي عبرت عن هذا التيار الجديد الذي يريد أن يقطع مع أفكار وفلسفات القرون الوسطى, ويريد أن يتحرر من منطق أرسطو الشكلي أو الصوري, لتفتح آفاق جديدة أمام العقل وأمام الإنسان. وقد يكون باروخ سبينوزا (1632-1677) من بين أبرز مَن عبّر عن هذه النزعة الجديدة, وكتابه الموسوم (رسالة اللاهوت والسياسة) الذي يشتمل على نقد تاريخي وموضوعي للتوراة هو الكتاب الذي عبّر فيه عن تلك النزعة التحررية بدعوته إلى الخضوع لقوانين العقل وإشراك الناس في الحكم عن طريق الديمقراطية. وفي نهاية القرن السابع عشر, كتب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632-1704) (مقالتان في الحكم المدني) نجد فيهما تصوراً جديداً لعالم سياسي يقوم على الحرية الشخصية, حيث لا سيادة لأحد على آخر, من هنا يعتبر لوك من مؤسسي المذهب الليبرالي الجديد.

    لم تبق (الحداثة) أسيرة المؤلفات الفلسفية, إذ إن الأفكار التي عبر عنها تيار الفلسفة الحديثة كانت تتحول إلى حركة تمتد إلى الاجتماع والسياسة. وكان القرن الثامن عشر مسرحاً لتحوّلات اجتماعية واقتصادية كالثورة الصناعية التي أوجدت علاقات عمل جديدة وأطلقت حرية الاختيار وحرية رأس المال, فزادت الاختراعات والاكتشافات التي نمت عن قدرة الإنسان على إخضاع الطبيعة وإمساكه بمصيره الاجتماعي, وقد عبّر عن كل هذه التحوّلات الموسوعيون الإنجليز والتنويريون الفرنسيون, ولم ينته القرن الثامن عشر إلا بقيام الثورة الفرنسية (1789) فانفتح أمام أوربا عالم جديد وعصر جديد, وسرعان ما امتدت أفكار أوربا لتنتشر في أنحاء العالم.
    كان المشروع التحديثي مشروعاً كونياً, والأفكار التي أطلقتها الفلسفة الحديثة كانت تخص الإنسانية جمعاء. والحق أن أفكار الحرية والمساواة سرعان ما وجدت صداها في أرجاء المعمورة, فبلغت الهند والصين كما وصلت إلى الأمريكتين, حتى أن الانقلابيين في اسطنبول الذين خلعوا السلطان عبدالحميد سكوا عملة جديدة زيّنوها بثلاث مفردات: عدالة - حرية - مساواة.

    الإسلام والحداثة

    لم يتأخر المسلمون في إدراك هذه التطورات, ولو أن هذا الإدراك قد اقتصر في بداية الأمر على فئة ضئيلة من الإداريين العثمانيين الذين تنبّهوا في وقت مبكّر من القرن السابع عشر إلى أمرين مترابطين, الأول: تدهور أوضاع الإدارة والاقتصاد في الدولة العثمانية, وهذا ما أشار إليه اثنان من العاملين في الإدارة السلطانية, قوجي بيك وكاتب حلبي, في النصف الأول من القرن السابع عشر, وذلك في رسائل موجّهة إلى السلطان. كما أن المتنوّرين العثمانيين أدركوا أن الدول والممالك الأوربية المتفرقة, بالرغم مما تبديه من ضعف عسكري نسبي أمام الجيش والأسطول العثمانيين, فإن هذه الدول تطوّر فنونها وإدارتها وبحريتها وتجارتها, بحيث إن الوقت سيمضي سريعاً وستتمكن من ارتياد البحار البعيدة وتحيط بدول الإسلام.

    والحق أن العثمانيين الذين كانوا يمثلون الدولة العثمانية الكبرى في ذلك العصر, لم يشعروا بأن العالم قد تغير حقيقة إلا بعد الهزيمة المنكرة في السنة الأخيرة من القرن السابع عشر (1699) حين انكسرت الجيوش العثمانية (الانكشارية) أمام النمسا وروسيا.
    وإذا كان السلطان العثماني أحمد الثالث (1703-1730) قد أدرك ضرورة التحديث, فإن إدراكه هذا لم يشاطره إياه سوى العدد القليل من معاونيه. ثم إن هذا الإدراك كان مقصوراً في ذهن الطبقة الحاكمة على الجوانب العسكرية فحسب.

    ومع ذلك فإن أحد العاملين في الإدارة العثمانية ويُعرف باسم (إبراهيم متفرقة) وهو الذي كلف بتأسيس أول مطبعة في اسطنبول عام 1727 مع ما يعنيه ذلك من ضرورة إدخال هذا الإنجاز والعمل به. كتب رسالة تحت عنوان: (أصول الحكم في نظام الأمم) وطبعها عام 1731 في المطبعة على أن يشرف على أعمالها, أظهر فيها فهماً عقلانياً للعالم المحيط بالدول العثمانية, مشيراً إلى تقدم العلوم والأفكار والأنظمة في الدول الأوربية, شارحاً أن روسيا البدائية لم تقدر على هزيمة الدولة العثمانية, لو لم تأخذ بالترتيبات الحديثة, ومن بين أهم ما يذكره متفرقة قوله: (إن الشعوب الأوربية تتعلق فقط بقوانين وتشريعات بشرية ناتجة عن نور العقل وحده), مما يدل على أن التغيير العميق الذي أصاب أوربا لم يكن يقتصر على تراكم العلوم بل في تبني قيم الحداثة.

    إن العلاقات بين العالم الإسلامي وأوربا في القرن التاسع عشر معروفة تبدأ مع سليم الثالث الذي ارتقى العرش في السنة التي قامت فيها الثورة الفرنسية, وأراد أن يؤسس مشروعاً تحديثياً متكاملاً تحت اسم (النظام الجديد), لكن القوى المحافظة في الداخل ومطامع فرنسا التي كان يأمل أن تساعده في مشروعه, قد أحبطت مساعيه فخُلع وقُتل العام 1808, ثم تبنى السلطان محمود الثاني مشروعاً تحديثياً شمل التعليم والعسكرية والإدارة, وتمكن من القضاء على أبرز علامات النظام القديم ممثلة بقوات الانكشارية, فأنشأ بديلاً عنها قوات عسكرية منظمة ممهداً لعصر جديد من التحديث العثماني.

    في فترة معاصرة للسلطان محمود الثاني قام عاهل مصر محمد علي باشا بجهد مواز لتحديث اقتصاد مصر وجيشها ومعاهدها وإدارتها, معتمداً على خبراء أوربيين وعلى أفراد البعثات العلمية من المصريين الذين تلقوا تعليماً متخصصاً في أوربا وخصوصاً فرنسا. ولكن إحدى العلامات الفارقة لذلك العصر هو أن العاهلين المسلمين محمد علي ومحمود الثاني قد خاضا حرباً لا هوادة فيها مما أجهض التحديث, حين تدخلت الدول الأوربية لحل النزاع بين الدولتين.

    الفرص الضائعة

    عرف العالم الإسلامي والعربي حقبتين تاريخيتين سعى خلالهما بشكل واع إلى اكتساب الحداثة: الحقبة الأولى تشغل ثلاثة عقود من وسط القرن التاسع عشر بين 1840 و1870, وهي الحقبة التي تعرف بعهد التنظيمات في تركيا والولايات العربية التابعة لها. وقد استقر آنذاك في أذهان الحكام المصلحين مثل السلطان عبدالعزيز والسلطان عبدالمجيد في تركيا والخديو إسماعيل في مصر وأحمد باي ومحمد الصادق باي في تونس, أن التحديث صار ضرورة لتعويض ما فات الأقاليم الإسلامية من علوم وتنظيمات جديدة. ولم يقتصر الأمر على الحكّام, فقد عبّر مفكرو ومتنوّرو تلك الحقبة مثل نامق كمال وضياغو قالب التركيين والطهطاوي وعلي مبارك المصريين, وخير الدين باشا التونسي عن الأفكار الملائمة للتحديث.

    في تلك المدة من الزمن لم ير أحد من هؤلاء تعارضاً بين الإسلام والحداثة, بل على العكس من ذلك, فقد رأوا أن أوربا قد اعتمدت في تطور علومها على ما استعارته من المسلمين أصلاً. وقد نفذ خير الدين التونسي بخبرته إلى أمرين جوهريين. الأول: إن مبدأ المصلحة يحتم اختيار ما هو أصلح لعموم المسلمين, ويذهب إلى (تحذير ذوي الغفلات من عوام المسلمين عن تماديهم في الإعراض عمّا يُحمد من سيرة الغير الموافقة لشرعنا فور أن انتقش في عقولهم أن جميع ما عليه غير المسلم من السير والترتيب ينبغي أن يهجر).
    أما الثاني فهو حتمية انتشار التحديث: (إن التمدن الأوربي قد تدفق سيله في الأرض فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوة تياره المتتابع فيخشى على الممالك المجاورة لأوربا من ذلك التيار, إلا إذا حذوا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية, فيمكن نجاتهم من الغرق).

    لكن هذه الفترة القصيرة من التحديث انتهت بإخفاق مدوٍ, لأسباب ذاتية داخلية وأخرى خارجية.
    فمن جهة العوامل الداخلية, اعتقد الحكّام أن التحديث في الاقتصاد والإدارة والتعليم يمكن أن يتم دون تبديل في السلطة القائمة وآليات عملها. فالتحديث الأوربي ترافق مع تحديث السلطة وتقييدها, وإطلاق المبادرات الفردية عن طريق إطلاق الحرية الشخصية. فكان الحكّام في اسطنبول أو في مصر يعتقدون أن إرادتهم تكفي, ولهذا فإن مشاريعهم انتهت إلى الإخفاق, ومن جهتها فإن الدول الأوربية التي كانت تحض هؤلاء الحكام على التحديث والاستدانة, كانت تضمر نوايا استعمارية سرعان ما تكشّفت مع احتلال مصر من جانب الإنجليز, وتونس من جانب الفرنسيين, ودخل بعدهما العالم الإسلامي في دوامة المطامع الاستعمارية, واكتشف المفكرون من المسلمين أن أوربا التحديثية والليبرالية هي غير أوربا الاستعمارية التي لا تسعى إلا إلى مصالحها.

    إهمال الديمقراطية

    انتهت المرحلة الاستعمارية الطويلة مع نهاية الحرب العالمية الثانية, وبدا أن عالماً جديداً في طور البناء, فقد نالت بعض الدول العربية والإسلامية استقلالها قبل نهاية الحرب الثانية مثل سوريا ولبنان, وعقدت بلدان أخرى معاهدات تفضي إلى الاستقلال الناجز. أما الهند وباكستان, فقد نالت كل منهما الاستقلال عام 1948, ونالت إندونيسيا استقلالها في 1949. وهكذا بدا العالم الإسلامي وكأنه ذاهب إلى الحرية والرخاء.
    ومع الخمسينيات, برزت مرحلة جديدة من التفاؤل, وخلال عقدين من الزمن تحرر العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه, وباتت المهمة بناء الدولة ومؤسساتها واكتساب العلوم وتأمين الازدهار للشعوب.
    واندفعت الدول الوطنية الناشئة في تحديث انتقائي غير آخذة بالاعتبار التغيرات الديمغرافية. وبدل أن تتعلم من دروس الماضي, لم تعر الديمقراطية اهتماماً, بل ضيّقت على رجال الفكر من أجل الترويج لفكر أحادي لا يقبل النقد والاعتراض, باسم البناء والتنمية, لكن مشاريع التنمية تكشّفت عن خطط عشوائية وإدارات فاسدة وإخفاقات مدوية وهزيمة للدول والشعوب.

    هل مازال التحديث ممكناً?

    إذا تجاوزنا العوامل التي أدت إلى إخفاق المشروع التحديثي في العالمين الإسلامي والعربي, وهو ما يحتاج إلى بحث مفصل, يمكننا أن نتساءل عن فكرة الحداثة كمشروع كوني أطلقته أوربا ونشرته في أرجاء العالم, فهل مازال هذا المشروع قائماً?

    مع نهاية الحرب الثانية المدمّرة, بدا أن أوربا تتجه للانكفاء على ذاتها, كأنها لم تعد مهتمة بمشروعها التحديثي الكوني الذي رعته على امتداد قرون من الزمن. وخلال الخمسين سنة الأخيرة, انصرف الأوربيون إلى ترتيب البيت الأوربي (حتى اعتماد نقد موحد مع مطلع عام 2002). وقد انعكس ذلك على العقلانية الأوربية التي لم تعد تنتج الأفكار والمذاهب الكبرى, بل على العكس من ذلك, فقد تراجعت العقلانيـــة أمام التيارات الفـكرية والأوربية اللاعقلانية, وأخذ الفكر الأوربي يتفحص جذوره وأسباب التدهور. فالمؤرخون ينـــكبّون على دراسة القرون الوسطى, والفلاســـفة ينصرفون إلى تفــكيك الخطابات الفلسفية الكبرى. ومع السبعينيات, بدأ الحديث عن تيار جديد هو تيار ما بعد الحداثة الذي يعيد النظر في إنجازات الحداثة وينقدها, ويغلب التعبير على المعنى والذاتي على الموضوعي والخاص على العام.

    إن أوربا التي أنجزت حداثتها, والتي استعمرت العالم بدلاً من تحديثه كما كان يعد مشروعهاً, يحق لها أن تعيد النظر في إنجازاتها وإخفاقاتها, ولكن العالم الإسلامي بدل أن ينكب على إنجاز مشروعه الذاتي للحداثة, انصرف عامته ومفكّروه بحثاً عن الأصالة والهوية والخصوصية.
    لكن هذا البحث المضني عن الخصوصية والهوية خلال عقدين سابقين أضاع الأولويات التي يتعلق بها مصير ملايين المواطنين على امتداد العالم الإسلامي الذين لا يمكنهم أن يضحوا بمشاريع التنمية والبناء وتحسين عيشهم لقاء البحث المضني عن هوية تتعلق بالأشكال والتعابير وتهمل المعنى العميق للكرامة الإنسانية.

    لا مفر أمام المسلمين والعرب من أن ينجزوا مشروعهم التحديثي النابع من واقعهم وتجاربهم التاريخية وثقافتهم, وبذلك يكتسب الإسلام هويته المعاصرة.

    * خالد زيادة
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 03:22 AM

خالد عويس

تاريخ التسجيل: 14-03-2002
مجموع المشاركات: 6332
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
Re: ملف الاسلام والحداثة-الإسلام والحداثة والفرص الضائعة (Re: osama elkhawad)

    عزيزي أسامة
    كل سنة وأنت طيب

    عودة أخرى للميثولوجيا البيضاء دريدا ونقاده في العقل والبلاغة
    - تأليف برنارد هاريسون
    - ترجمة رشاد عبد القادر
    برنارد هاريسون أستاذ الفلسفة في جامعة سوسكس حتى عام 1992 ومذّاك شغل كرسي إ.إ. إريكس في قسم الفلسفة في جامعة يوتاه Utah. اشتغل في حقلي الفلسفة والدراسات الأدبية. من أعماله في الفلسفة: Meaning and Structure‏
    (1972) وForm and Content (1973)، وفي الدراسات الأدبية: Tom Jones': The Novelist as Moral Philosopher (1975). يعمل حالياً مع باتريشا حنا على كتاب حول مفهوم الإحالة. كما يعمل على كتاب آخر يتعلق بتطور فكر فتغنشتين إضافة إلى كتاب عن فكرة القراءة الخاطئة أو المنحازة بتأثيرها في الدراسات الأدبية.‏
    تمهيد:‏
    في البداية نُشِرَتْ مقالة "الميثولوجيا البيضاء" عام 1971 في مجلة "البويتيك"، وصدرت ثانية- بوصفها المقالة الأطول من بين إحدى عشرة مقالة- في "هوامش الفلسفة" 1972؛ وهي مقالات "تشق طريقها" بمناحٍ واتجاهاتٍ متعددة "عَبْر تناول صارم مترابط للبقع العمياء، مناطق القلق، والتناقضات المتنوعة التي تميِّز خطاب العقل الفلسفي".1 إنّ ما تتناوله الميثولوجيا البيضاء معالجةً هو، بشكل عام، موقع الاستعارة في الخطاب الفلسفي. وقد اقْتُبِس العنوان عن الحوار اللاذع والذكي بين "آرِيْستْ Ariste وبوْلِفِيل Polyphile، أو لغة الميتافيزيقيا" في كتاب حديقة أبيقور لـ أناتول فرانس. حيث يكتشف آرِيْست الميتافيزيقي بوْلِفِيل وهو يتصفح "أحد الكتب الصغيرة التي تضع حكمة العصور بين يدي القارئ، مُسْتَعْرِضاً جميع المذاهب، الواحد تلْو الآخر، من اللإيليين السالفين إلى الانتقائيين المتأخرين، مُنْتَهياً إلى لاشليير M.Lachelier".2 بَيْد أن بولفيل غير مبالٍ بنيل الحكمة. فهو، مستبقاً بذلك على نحو لافت اهتمامات دريدا، لا يُعْنى إلا بـ"الشكل اللفظي" للمنطوقات المميزة للميتافيزيقيا التي عرضها في ملخص صغير وعلى نحو عشوائي عبر حواره، فأوصلته إلى المثال الرائع: "تتملَّك الروح الله باتِّساق إذ تشترك في المطلق."3‏
    يسأل آريست بولفيل، بعد أن يلاحظ بحذر: أن "كل شيء يشير‏
    [إلى...]3 ،4 وأنه يمكن تأسيس استنتاج من هذا القبيل على نحو راسخ في المحاجة،5 يسأله إلام أفضت به أفكاره عن "الشكل اللفظي" للقضايا الميتافيزيقية.6 يرد هذا الأخير على سؤاله عبر وصف لغة الميتافيزيقيا باستعارة مسهبة مطولة. فالميتافيزيقي يشبه شاحذ السكين الذي يختار سن العملة المعدنية والأوسمة بدلاً من المقصات والسكاكين. بعد أن يمحو حاشية القطعة المعدنية النقدية؛ التاريخ والصورة، بحيث لا يبقى أثر لـ فكتوريا أو وليم أو الجمهورية، يقدم قطعه المعدنية النقدية المشوَّهة، بما أنها لم تعد تملك أية قيمة أو أصل قومي يميزها، على أنها سك عملة قد تحرر من قيود الزمان والمكان، عملة ذات قيمة لا تثمَّن وتداول لا حدود له.7 إذن، بحسب بولفيل، ومع سيرورات التجريد التي تولد المفردات الميتافيزيقية: "كل مصطلح أولي للغةٍ يمثّل في الأصل شيئاً حسياً معيناً".8 حتى في أعلى مستويات التجريد يبقى خطاب الميتافيزيقي مسكوناً بالدلالات المجسدة المادية الممحوَّة والأصلية لمصطلحاته، إذ تستقي الادعاءات الميتافيزيقية من هذه الفحاوي المتآكلة المتنصلة وحدها أياً يكن المعنى الذي لم تزل تمتلكه. التجريد نفسه احتيال لأنه استعارة مقنَّعة؛ فالفلسفة الأخلاقية، مثلاً، تبدأ في تضاد الصور، في تضاد السبل القويمة والملتوية.9 وبدلاً من أن تحررنا من الاستعارة باسم العقل، تمارس الميتافيزيقيا باسم التجريد والعبارات العامة أسلوباً في التفكير لم ينجح إلا في أن يحجب عن نفسه استعاريته العميقة بإبعاده الاستعارة إلى هوامش نشاطها "الرسمي". وبدلاً من مناصرة العقل والحقيقة في حرب أفلاطون بين الشعراء والفلاسفة و"بِقَدَر غريب، يُجبَر الميتافيزيقيون الذين يفكرون في الهرب من عالم الظواهر على العيش أبد الدهر في المجاز. شعراء يرثى لهم إذ يجعلون ألوان الحكايات الرمزية القديمة باهتة، وهم أنفسهم ليسوا إلا جامعي الحكايات الرمزية، صُنّاع الميثولوجيا البيضاء".10 وكما يعبر دريدا، إن مجرد خطأ مطبعي، وما يلمح إليه يظهر في نسخته فعلاً، كفيل بتحويل آريست Ariste، المدافع عن الميتافيزيقيا، إلى آرتيست 'Artiste' [فنان].‏
    يقدم آريست وبولفيل الثيمات الرئيسة لمقالة دريدا الذي يفترض أن يكون القارئ متآلفاً مع مقالته. وتعد مقالته أيضاً مصدر نوعين من اللعب بالكلمات التي يستخدمها دريدا على نحو مميز، هنا كما في أمكنة أخرى، ليبني تضمينات محاجَّته ويعرضها، وكلتا اللعبتين غامضتان بما فيه الكفاية، وهذا يتطلب شرحاً للقارئ الذي يتناول المقالة للمرة الأولى، على الرغم من أن الأمر قد يقع تحت طائلة الحذلقة. الهم الأول: العنوان. إذ ثمة نسق من ظلال المعاني لمفردة Blanche في الفرنسية يمتد عبر المفردات التي لها الأصل ذاته كـ blanchir (يبيّض [قماشاً]، يبيض [بمادة مبيضة]، يحل، يعتق) blanchisserie (المصبغة)، وblanchiment (تبييض الجدران، تبييض أوراق النبات [منعها من الاخضرار]، وغيرها). يوحي السياق أن هذا النسق وحده هو ما كان قد وضعه مؤلف آريست وبولفيل نصب عينيه، رغم أن بعض ظلال المعاني التي يحتوي عليها- كتهميش وحجب مظاهر نشاط المرء، ودس الأشياء تحت البساط- ستكون أيضاً في المركز من محاجة دريدا. غير أن Blanche تنطوي أيضاً على ظلال معان عرقية (العرق الأبيض، وغيره)، ويتخذ دريدا خطوات يفعِّل فيها هذا النسق أيضاً في ذهن القارئ. إن الميثولوجيا التي يجمعها "شعر" الميتافيزيقيا "الكئيب" هي، في نظر دريدا، الميثولوجيا المميِّزة للغرب وللعرق الأبيض. وكما أسلفنا، ليس ثمة بيِّنة في السياق أن أناتول فرانس، صاحب العبارة الأصلي، قصد أن يتم تناولها هكذا. لكن يمكن للمرء أن يجيب بروح نقد جامعة ييل في الثمانينيات: إن دريدا، في دفعه لظلال معانيها [الميثولوجيا البيضاء] في ذلك الاتجاه المبرر لغوياً بأكمله، إنما يقيم الدليل على قوة رأي من آرائه الأكثر مركزية وهو أن اللغة تفوق القصد، فالمتكلم لا يمكنه، بوضع توقيعه على نص ما، أن يؤسس أي حق في أن يستبعد نسقاً ثانوياً من القراءات المحتملة بوصفه غير مقبول ومتنافراً مع مقاصده؛ وفي نهاية الأمر، لا تستند الكيفية التي نفهم بها ما نقرؤه إلى مقاصد الكاتب الخاصة، بل إلى القدرات المتأصلة في اللغة التي اختار الكاتب أن يكتب بها.‏
    مصدر دريدا الآخر للعب بالكلمات في المقالة هو مفردة exergue (حاشية القطعة المعدنية). وهي مصطلح تقني في علم النُّمِّيّات4. يقدمها قاموس أكسفورد بوصفها ذات أصل فرنسي، وهي مصوغة بوضوح من اليونانية X (خارج) و?pyov (العمل): "قد يقصد بها، كونها شبه يونانية حولت إلى الفرنسية hors-d'oeuvre (المشهّي)، شيء ما يقع خارج العمل". ومن حيث معناها النُّمِّي التقني، حاشية العملة النقدية هي "الحيِّز الصغير الذي يكون عادة على قفا العملة المعدنية أو الميدالية، في أسفل الصورة أو الرسم الرئيسي، المخصص للنقش الثانوي كالتاريخ والحرف الاستهلالي من اسم النقاش، وغيرها. والنقش المدرج هناك أيضاً."11 إن ما ينطوي عليه هذا التعريف، سنرى أنه عنصر أساسي في لعب دريدا على المصطلح، هو أن محتويات الحاشية تحدث صدعاً في الاكتفاء الذاتي للقطعة، إذ تربطها بالزمن، تربطها بصانع وبأصل وبمكان في التاريخ. بمعنى ما، لا تمثل محتويات الحاشية جزءاً إضافياً للنقش بقدر ما تمثل ما وراء النقش، تمثل تعليق العملة النقدية على فشلها في أن تفسِّر نفسها بنفسها بقدر ما يتعلق الأمر بوجودها ومنابعها، وتمثل تعليقاً على فشلها في أن تظل شيئاً "متحرراً من الزمان والمكان"، شيئاً ذا قيمة لا تُثمّن وتَداوُل لا حدود له.‏
    محاجَّات دريدا‏
    يطلق آريست غير المقتنع طلقة الوداع، بانسحابه المفاجئ، قائلاً: "لو أنك ساجلت وفق الأصول، لتمكنت من تفنيد محاجاتك بسهولة تامة".12 وقد وُجِّهت التهمة نفسها إلى دريدا. الحق، بات متعارفاً عليه أن لا يتهم أفراد الدوائر الفلسفية التي تتحدث اللغة الانكليزية دريدا بأنه لا يساجل "وفق الأصول" فحسب، بل حتى لا يملك محاجّات البتة ليقدمها، ويعلل التأثير الهائل لأعماله، حسب الذائقة، إما بوصفه ضلال دُرْجة أدبية، أكثر مما هي عقلية، أو بوصف [هذا التأثير] نتاج جيل جديد من الفلاسفة والنقاد الذين لم يعودوا يأخذون المحاجة على محمل الجد أكثر مما يفترضون أن دريدا يأخذها.‏
    يندرج معظم الفلاسفة التحليليين في المعسكر الأول. أما ريتشارد رورتي، الذي يندرج، إن لم يكن يكوّن، في المعسكر الثاني، فيعتبر أن دريدا يعمل بدرجة أقل من خلال المحاجة مقارنة بسيرورات "إعادة بناء النص سياقياً" recontextualization تشبه تلك التي يتبين بها جابي ضرائب "مبدع" إمكانية جدولة وجيهة لمادة ما في جدول مفضلاً إياه على جدول آخر.‏
    يبدو لي أن كلتا الاستجابتين لا تملكان الكثير لينصح بهما. إذ لا أجد في دريدا مقلداً فرنسياً لـ رورتي ولا أجده مشعوذاً. إن أحد الأسباب التي تكمن وراء الصعوبة التي يجدها الفلاسفة المثقفون تحليلياً في فهم تفكيكية دريدا بوصفها محاجة، أو ما يفهمونه على أنه محاجة، هو أنهم يجدون مشقة في تحديد الآراء الفلسفية التي يهاجمها على وجه التحديد. تقدم الميثولوجيا البيضاء حالة وثيقة الصلة بهذه النقطة. يبدو أن دريدا يهاجم إمكانية وجود خطاب غير استعاري بذاته. إلا أن معظم الفلاسفة التحليليين سيؤكدون أنه من العبث افتراض أن هجوماً كهذا قد ينجح. إن لم يكن بمقدورنا التمييز في الممارسة بين ما هو حرفي [ظاهر اللفظ] وما هو استعاري في استخدامات المصطلحات، فلن نضمر مثل هذا التمييز في استعمالنا لها؛ لكن إن استطعنا التمييز بين الاستعاري والحرفي يمكننا آنذاك أن نقوم بإبعاد الاستعارة عن أنواع الخطاب التي ليس للاستعارة فيها وظيفة، أو لها وظيفة تشويشية وتحريفية ليس إلا. والدافع وراء استبعاد الاستعارة من الخطاب العلمي قديم قدم مقالة جون لوك واستمر هذا الاستبعاد بنجاح إلى حد كبير طوال العقود الثلاثة التالية من خلال المناهج التي يوصي بها لوك في التحديد الدقيق للمصطلحات وإواليات اشتغالها. من الواضح أن الدور المتزايد لعلم الرياضيات في العلوم الطبيعية ساعد هذه السيرورة في بداياتها؛ ولا شك أن تساؤل دريدا عن احتمال وجود الاستعارة في علم الرياضيات وثيق الصلة هنا.13 إن كان الخطاب غير الاستعاري ممكناً في علم الرياضيات، وبالتالي في الفيزيقا، فلِمَ لا يكون ممكناً في الفلسفة، لا سيما في فلسفة ذات أهداف ومناهج مرتبطة عن كثب مع أهداف العلم؟‏
    إذا لم يغرر بنا تضييق الخناق على دريدا بهذه الطريقة، من الضروري التذكر أن ثمة أكثر من طريقة لتأسيس التمايز بين ما هو حرفي وما هو استعاري. تبرز مشكلة الاستعارة في الموروث التحليلي بوصفها نتيجة تحدٍّ مُدْرَك طرحته المنطوقات الاستعارية على مبدأ فريج Frege ومفاده أن معنى تقرير ما، وليكن S، هو صدق شروطه [الشروط الضرورية والكافية لحقيقته]. ويقتضي مبدأ فريج- في أبسط أشكاله- مبدئياً على الأقل، كشرط لكمال المعنى إمكانية رؤية كيفية البت فيما إذا كان S [شيئاً] حقيقياً أم مزيفاً. ما يراود ذهن معظم الفلاسفة التحليليين حين يقولون إن تقريراً ما، كـ"الثلج أبيض"، حقيقي حرفياً أو أنه مستخدم حرفياً، هو أن هذا الشرط قد تحقق. والتقرير أو السياق أو استخدام الكلمات الاستعاري، كـ"الوقت، مهووس يُذرّي التراب"،14 هي إحدى الحالات التي يظهر فيها الرابط الفريجي مفصوم العرى بين المعنى والحقيقة. فهل حقيقةً الوقت مهووس يذري التراب؟ يعجز السؤال عن أن يكون ذا فحوى. لكن لا يبدو أن أبيات تنيسون تعجز عن أن يكون لها فحواها. فهل ثمة، إذن، نوع من المعنى؛ معنى استعاري، لا يمكن فهمه في علاقته مع افتراضات صدق الشروط الآنفة الذكر؟ إن أكثر المجادلات انتشاراً (في الوقت الحاضر)، تلك الدائرة بين بلاك ودافيدسون، بخصوص الاستعارة تتعلق تماماً بهذا السؤال الأخير.‏
    العقبة الحقيقية التي يواجهها الفيلسوف التحليلي في فهم آراء دريدا في الاستعارة لا تكمن فقط في أن دريدا لم يكن مهتماً بتاتاً بتلك المشكلة، بل تكمن أيضاً في عدم اهتمامه بالكيفية التي يتم بها تأسيس التمايز بين ما هو استعاري وما هو حرفي؛ الأمر الذي تقوم على أساسه تلك المشكلة. إن فكرة المعنى بعامة، في حالة دريدا، تفسر دائماً بطريقة لا فريجية، أو ما قبل فريجية؛ أي ليس من حيث صدق الشروط، بل من حيث العلاقة بين الدال والمدلول (signifiant and signifie) التي يأخذها دريدا- وإن كان لا ينفك يفككها- عن سوسير؛ ويصدق الأمر نفسه على مفهوم الاستعارة، أو بالأحرى على التضاد المؤسِّس بين ما هو استعاري وما هو حرفي. فالخطاب الحرفي، في نظر دريدا، هو في الواقع خطاب نستطيع فيه تعيين مدلول كل عبارة، ولتكن E، دون إحالة إلى العلاقة بين E والعبارات الأخرى في اللغة. وعلى النقيض من ذلك، الخطاب الاستعاري هو خطاب يقتضي تعيين مدلول لكل عبارة فيه الإحالة إلى العلاقات بين E والعبارات الأخرى.‏
    إن هذه الطريقة في رسم التمايز بين الاستعاري والحرفي متأصلة، بالسبل التي يتعقبها دريدا في القسم الثالث من الميثولوجيا البيضاء،15 في تعريف أرسطو للاستعارة: "الاستعارة هي تحويل إلى شيء ذي اسم يدل على شيء آخر"5.16 ما يريده دريدا منا أن نلاحظ في هذا التعريف: هو افتراضه الضمني أن دلالة الاسم تبقى ثابتة تناسباً مع سيرورة "التحويل" أو "النقل" الاستعارية. وفي غمرة نقاش المعرفة، يرى أرسطو، في كتابه "فن البلاغة"، وفقاً لترجمة فريز J.H. Freese أن "الكلمات تعني شيئاً ما".17 وفي تتبعه ترجمة غارنيير الفرنسية، يعطي دريدا هذا التعريف تحويراً يجر به أرسطو إلى نطاق الفلسفة العقلانية لما بعد النهضة: "إن الخاص6 في الأسماء أن تدل على شيء ما،"18 ومن هنا يورط دريدا أرسطو في نظرية من نظرية المعنى، مع أن فتغنشتين يستمدها من أوغسطين، فهو يعيّنها أيضاً بوصفها جذراً عميقاً: "لكل كلمة معنى. والمعنى مترابط مع الكلمة. إنه الموضوع الذي تمثله."19 إذا كان معنى الاسم هو ما يدل عليه، فإن ما يتم "نقله" في الاستعارة هو تلك الدلالة. والآلية اللفظية التي تؤثر على النقل تصبح، على نحو مترابط، مجرد وسيلة نقل تدخل في أي حال من الأحوال في جوهر، بوصفه معنى، ما يتم نقله. هكذا يصل المرء إلى ما وصفه دريدا سابقاً بكونه "الأطروحة الفريدة للفلسفة" في أن الفحوى الذي تنقله الاستعارة (يتكلم دريدا هنا عن تضادات مؤسسة معينة للميتافيزيقيا يعتبرها استعارية بالضرورة في صفتها)" هو جوهر مستقل بصرامة عما ينقله."20؟‏
    إن تحديد الاستعارة بهذه الطريقة، أي بوصفها تضاداً بين استخدام مفردة للإبانة عن الكيان الذي تدل عليه على نحو صحيح أو دقيق (المصطلح الأرسطي الذي يبدو لدريدا أنه يساند هذا المعنى هو [proper] kurion) وبين استخدامها "على نحو خاطئ" بخصوص كيان آخر لإظهار شيء من التشابه بين ذاك الكيان أو تماثله مع الكيان الأول، إن هذا التحديد للاستعارة، يقترح دريدا، يقلل تلقائياً من مرتبة اللغة اليومية كما وصفها سوسير- حيث تستند إمكانية تعيين موقع دلالة أي مصطلح إلى العلاقات بينه والمصطلحات الأخرى للغة- نقول، إنه يقلل من مرتبتها إلى دور ثانوي بوضعها مقابل فكرة لغة أكثر ملاءمة وأكثر فلسفية يُستخدم فيها كل مصطلح ليَسْتجمع دلالته "الخاصة"، وتصبح الاستعارة مجرد اسم آخر لاستخدام خاطئ للمصطلحات. حيث (يبدأ "أرسطو" دريدا في أن يتبدَّى مرتاباً مثل هوسرل)" المثل الأعلى لكل لغة... (هو)... أن يحمل إلى المعرفة الشيء عينه."21 ولإنهاء هذه المرحلة من إعادة بناء محاجة دريدا، نقول بإيجاز: في محاجته ضد إمكانية وجود "خطاب يقدّم نفسه بكونه غير استعاري"،22 لا يساجل دريدا، على نحو مناف للعقل، أن ليس ثمة قضية علمية أو فلسفية تملك صدق شروط أنقى من "الوقتُ مهووسٌ يذرّي التراب"؛ بل يساجل ضد إمكانية وجود لغة "فلسفية" تستطيع، بالمعنى السابق، أن "يحمل إلى المعرفة الشيء عينه."‏
    إننا مطالبون، إذن، بالتركيز على المحاجة، أو عقدة المحاجات المترابطة التي تقول بـ:1.أن "الأفكار" أو "المفاهيم" تستطيع أن تكون ملائمة أو غير ملائمة للواقع؛ 2.وبالتالي، يجب أن يكون ثمة نسق ما من المفاهيم الصحيحة والمخلصة، إذا جاز التعبير، ميتافيزيقياً للوجود على ما هو عليه؛ 3.أن معظم العلامات الأساسية للغة ملائمة ميتافيزيقياً ستختار مفاهيم من هذا القبيل بحيث تمتلك كل علامة معنى بمعزل عن أية علامة أخرى، بما أن معناها سيكون المفهوم الذي يمثلها ليس إلا؛ 4.أنه من الممكن إنجاز مثل هذه اللغة، على الأقل على نحو متشظّ ومن حيث المبدأ، وبالتالي فهي بمثابة الهدف "الخاص"، والحق الهدف الذي لا مفر منه للتنظير الفلسفي؛ 5.إن اللغة اليومية هي أداة لا تلائم الفلسفة لأن 6.الاعتماد المتبادل لعلاماتها يجعل من المتعذر إنجاز وضوح الإحالة وأحادية معناها التي تجعل من كل علامة أساسية للغةٍ واضحة منطقياً (بمصطلحات رسل) "الاسمَ "الخاص" لشيء فريد"؛23 أي، لإنجاز المثل الأعلى الأرسطي الذي "لم تنكره" أية فلسفة مخلصة لطبيعتها بوصفها فلسفة. "إن هذا المثل الأعلى هو الفلسفة."24‏
    وقد أدت مجموعة الأفكار هذه، في زعم دريدا، وظيفة الدافع الأساس للميتافيزيقيا الغربية منذ أفلاطون، رغم أن دورها، مع تطور فلسفة ما بعد النهضة منذ ديكارت، بات أكثر مركزية وأقل تحدياً. ولتبديد الانطباع السائد، لغاية الآن لدى جماعات معينة في أن غرض دريدا الأساسي هو الظاهراتية، إن لم يكن مقتصراً عليها، يحتاج المرء أن يتذكر فقط الدور المركزي الذي لعبته مثل هذه الأسئلة في المجادلات الدائرة بين برادلي ورسل، حيث كانت أصلاً باعثاً على الموروث التحليلي. ولأن برادلي إلى حد ما يقول بأطروحة- الأمر الذي يذكرنا بشدة بآراء دريدا- أن أي حكم "يستند إلى الشروط التي لا يتضمنها" فهو يعدّ أن الحقيقة يمكن لها آخر الأمر أن تُمنح للعقل، أو بتعبير دريدا "تُحمل إلى المعرفة" على مستوى المطلق.25 وبالمقابل، يعتبر رسل، وهو يقف هنا بوصفه نمطاً للميتافيزيقي عينه الذي يتصوره دريدا، بأن معنى علامة أساسية إنما هو مقوم بسيط منطقي ونفسي نوعاً ما من مقومات التجربة، يُمنح مباشرة للعقل دونما إحالة إلى معنى أية علامة أخرى في فعل اكتساب المعرفة.‏
    الاعتقاد بأن المعنى علاقة دلالية تقوم بين علامة توقيفية ومظهر من مظاهر الواقع أو مقوم من مقوماته يُمنح للعقل ببساطة ووضوح مطلقين كان، بطبيعة الحال، موضع انتقادات واسعة في هذا القرن ومن منتقديه فتغنشتين، سوسير ومارلوبونتي. على الرغم من استناد دريدا بعض الشيء بدرجات متباينة إلى آراء الناقدين الأخيرين، إلا أن آراءه النقدية تبقى متفردة به في خطوطها العامة. وقد يكون أحد سبل فهم هذه الآراء، على الأقل في الشكل الذي تأخذه في الميثولوجيا البيضاء، هو أن نرى إليها على أنها تفصح عن هجوم على "التقابل الكلاسيكي بين المفهوم والاستعارة".26 وبحسب مصطلحات ذاك التقابل، إن استخدام اسم للدلالة على مفهوم يحضر مظهراً من مظاهر الواقع؛ جزءاً من حقيقة الأشياء، أمام العقل؛ في حين أن استخدام اسم استعارياً يؤسس مجرد رابط مبني على أساس تشابه مُدَرك بين اسمين أو تماثلهما. بعبارة أخرى، إن الرابط الذي تؤسسه الاستعارة هو ترابط بين كيانات لغوية؛ أي ترابط ملفق تماماً داخل مجال اللغة. ورابط الاسم/المفهوم، من جانب آخر، ليس جوهرياً علاقة لغوية مطلقاً. إنه رابط بين العقل والعالم الذي تمثله اللغة أو تعبر عنه. قد يكون للخطاب الاستعاري قيمة ما ولكن قيمته تكمن فقط في مساعدته أن يضعنا على مسار مفهوم جديد (يقدم القسم الأخير من مقالة دريدا نقداً لهذه القصة المألوفة لدى نيتشه وغاستون باشلار). فالاستعارة، إذن، مسلمة بها في الفلسفة طالما أنها تعد بالرجوع إلى حرفية المفهوم ومعها مصادر إضافية:‏
    تحدد الفلسفة الاستعارة على أنها خسارة مؤقتة للمعنى، اقتصاد للخاص من دون تلف يتعذر إصلاحه، التفاف لا مفر منه بلا ريب، لكنها أيضاً تاريخ وقد وضع نصب عينيه إعادة استيلاء دائرية على الحرفي ضمن أفق المعنى "الخاص".27‏
    إذن، نحن نقف قبالة مثال عن نمط تفكير يستدعي على نحو مميز تفكيكية دريدا: إذ ثمة مفهومان، في هذه الحالة هما الاستعارة والمفهوم، متقابلان بطريقة تنطوي ضمناً على منح امتياز لأحدهما دون الآخر وذاك بجعل الأول يتبدى مركزاً والآخر هامشاً (من هنا جاء عنوان كتابه "هوامش الفلسفة"). إن تفكيك مثل هذه التراتبية المفهوماتية، وفق فهم دريدا للمصطلح، ليس مجرد مسألة قلب علاقة المركز والهامش. إنه بالأحرى تبيان أن التمايز بين المركز والهامش الذي نحن بصدده يمكنه أن يصبح واضحاً عبر استناد خفي إلى مكونها الهامشي ليس إلا. هدف دريدا من تضاد المفهوم/ الاستعارة إظهار أن هذا التضاد بأكمله يستند إلى الاستعارة، بالمعنى الثاني من المعنيين اللذين ميزناهما آنفاً. ولكي يكون التضاد واضحاً من حث رؤية العلاقات بين الخطاب "الخاص" والاستعاري اللذين يدمجهما هذا التضاد، ينبغي على مصطلحات المفهوم والاستعارة نفسها أن تكون مصطلحات في لغة "خاصة"؛ أي، لغة تكتسب فيها المصطلحات معنى بمعزل عن العلاقات فيما بينها، وذلك باتصالها المتكافئ مع مقومات واقعٍ خارج اللغة وتعادلها معه. محاجة دريدا، في الواقع، أنها ليست كذلك وأن ليس ثمة مصطلحات تستمد من لغة كهذه. يستند هذا الاستنتاج جزئياً، بطبيعة الحال، إلى تطبيق أوسع للتفكيكية المنخرطة في زعم أكثر شمولية بأن فكرة لغة كهذه هي عينها فكرة متصدعة؛ فهي لا تستطيع أن تتسم بالإقناع إلا من خلال نزع التشديد عن سمات محددة وتهميشها، ويصنف هذا الزعم في مكان آخر تحت المصطلح الدريدي "الاختلاف والإرجاء" Différance الذي ينتمي إلى لغة بذاتها. غير أن ذاك الزعم الأوسع ليس في مركز الاهتمام المباشر للميثولوجيا البيضاء. ويمكن أن نوجز محاجات دريدا المركزية في مقالته فيما سيأتي:‏
    1.إن مفهوم الاستعارة ليس دخيلاً على الميتافيزيقيا. بل إنه مفهوم ميتافيزيقي.‏
    ويستهل القسم الثاني من المقالة، Plus de Metaphore7، ببيان من هذا القبيل: "تبقى الاستعارة، في خصائصها الأساسية كافة، فلسفة كلاسيكية، ومفهوماً ميتافيزيقياً".28‏
    2.وهو [مفهوم الاستعارة] في حد ذاته، شأنه شأن المفاهيم الميتافيزيقية الأخرى، ينبثق من شبكة من مثل هذه المفاهيم: نظام من المصطلحات حيث تفسر معانيها، في علاقاتها بعضها ببعض، الواحدة الأخرى على نحو تبادلي.‏
    إذن، الهدف الذي يضعه دريدا لنفسه في مناقشته لأرسطو، بادئ الأمر في القسم الثالث من المقالة، هو إظهار كيف أن التمايز بين الخطاب "الخاص" والحذفي، وهو مركزي في حد ذاته في زعم الفلسفة بأنها تشكل خطاباً من النوع الأول، ينبثق من شبكة التمايزات، التي "يبدو أنها تنتمي إلى سلسلة أنطولوجيا أرسطو الطويلة عديمة الحركة، بنظريتها في قياس تمثيل الوجود، بمنطقها، ونظريتها المعرفية، وبمزيد من الدقة بشعريتها وبلاغتها".29‏
    3.من هنا، أن أية محاولة لإقامة التضاد بين الاستعاري والحرفي (أو "الخاص") في لغة تتعالى على ذلك التمايز الذي يميز، من وجهة نظر خارج اللغة، ما بين العلاقة المباشرة بين الاسم وحامله وبين العلاقة غير المباشرة بين اسم واسم متورط في الاستعارة والعبارات الملتوية، نقول، ستفشل هذه المحاولة لأن المصطلحات التي تشتغل بإوالياتها ستبرهن أنها نفسها قابلة للتأويل فقط، عند نقطة ما، من خلال قوة الاستعارة والعبارات الملتوية.‏
    في الواقع هذه هي الحركة التي تسود مناقشة دريدا للمحاجة في القسم الثاني من المقالة، [أسباب] فشل محاولات محددة أن تقدم تصنيفاً يفترض فيه أن يكون غير استعاري لاستعارات أرسطو. بعد ذلك، في "حذف الشمس"، يتناول دريدا الثيمة نفسها بالبحث في مناقشته اشتقاق أرسطو، في كتابه "الشعر"، اسماً لفعل الشمس، الغفل من الاسم في حالات أخرى، في "قذف لهبها" من الفعل "يبذر"8 [speirein].30 وتتمثل فكرة دريدا هنا: بما أن قياس التمثيل بين أشعة الشمس والبذر غير "مرئي" [vu]، ولا تفرضه الطبيعة علينا على نحو لا مرد له، إن تبدى لنا بوصفه إكراهاً، فهو يستطيع فعل ذلك لأنه ينبثق من "السلسلة الطويلة التي نادراً ما تكون مرئية"31 لقياسات التمثيل التي سيكون مصطلحها الأول صعباً على أي امرئ أن يظهره، هذا إذا تجاوزنا ذكر أرسطو. بعبارة أخرى، يتصدى أرسطو لإمكانية أن التسمية- المجتزأة والهامشية من خلال مناقشته الكاملة للاسم بحسب دريدا- من جانب، والتعبير الملتوي وقياس التمثيل من جانب آخر، قد تُثبت في آخر الأمر استحالة انعتاقها. ترجع هاتان المحاجتان إلى زعم مركزي: لكي يقول الميتافيزيقي ما يريد قولـه، يحتاج إلى أن يرى الأمور من وجهة نظر خارج اللغة، وجهة نظر مبدئياً منيعة عليه. مثلما يقول دريدا، "تستحيل السيطرة، من الخارج، على الاستعارة الفلسفية في حد ذاتها باستخدام مفهوم استعارة يظل نتاجاً فلسفياً".32 من الواضح هنا أن تعليل دريدا لاستناد الميتافيزيقيا إلى الاستعارة يمضي عميقاً أكثر من تعليل أناتول فرانس. إذ أن محاجة "آريست وبولفيل" ترتد إلى النزاع الوضعي المعهود: إذ ثمة استخدام أساسي بدائي للكلمات حيث تستمد، بمعزل عن علاقة بعضها ببعض، معانيها من الترابط مع مظاهر الخبرة البسيطة المجسدة المادية، لكن، وعلى وجه التحديد، ما يطعن دريدا في صحته هو إمكانية أن يظهر في التجريد هذا الترابط البدائي بين اللغة والعالم [الخارجي] من "سلسلة" العلامات.‏
    4.ومن ثم ليس ثمة شيء بوصفه "جوهراً"؛ أي أن معنى مصطلح ما "مستقل بصرامة عما ينقله." فما يدل عليه تعبير ما، وليكن E، هو أمر داخلي في اللغة التي ينتمي إليها E.‏
    من هنا،‏
    5.يكف "التفاف" الاستعارة أو العبارات الملتوية، تلك السفينة التي تصورها عادة الميتافيزيقيا الغربية على أنها تعود محملة بمعنى حرفي جديد، يكف عن أن يكون ممكناً تصوره وكأن المرء يسلك منعطفاً مسدوداً. والحذف، كما يظهر المصطلح في عنوان القسم الثالث من المقالة، هو، في البلاغة، بين أشياء أخرى، إسقاط كلمة أو أكثر تكون ضرورية للتعبير عن معنى كامل لجملة ما. لكن- هذه هي فكرة دريدا- إذا كان المعنى الكامل لجملة ما لا يجب أن يمنح بربط مصطلحاتها واحداً تلو الآخر بجواهر ممنوحة خارجياً إلى اللغة، فإن فكرة معنى معبر عنه تماماً، معنى غير حذفي تتلاشى إلى فراغ؛ وبما أن سلسلة مثل هذه التأويلات لا نهائية، فإن تراكم طبقات المعنى الملحقة (أحد العبارات المفضلة لدى دريدا) قد تكون لا نهائية أيضاً.‏
    ويستتبع هذا أن جميع الخطابات، بما فيه الخطاب الميتافيزيقي، تقع في أحبولة الإمكان، السلطة الزمنية والعرف المكاني التي يتمنى شاحذ بولفيل الميتافيزيقي أن يحرر قطعها المعدنية النقدية المتآكلة كيما يخلع عليها قيمة غير محدودة وتداول لا حدود له. إن الخطاب الميتافيزيقي خطاب مشتق من الاستعارة، وليس ما تُرك وقتما طهرت اللغة نفسها من آثار الاستعارة والعبارات الملتوية والحذف على اختلاف أنواعها.‏
    السياسة والهومانيزم‏
    إن أحد أهداف الميتافيزيقيا الغربية، ابتداء من أفلاطون وأرسطو إلى هيغل، ماركس، هوسرل، هايدغر أو سارتر، كان توصيف الجوهر أو الطبيعة المتطابقة مع مفهوم الإنسان. وهو المشروع الذي يضعه دريدا نصب عينيه حينما يتكلم عن الهومانيزم ويناشد نهاية الإنسان كشأنه في مقالة أخرى في "هوامش الفلسفة".33 يستند هذا المشروع، بطبيعة الحال في نظر دريدا، إلى قوة اللغة، من جانب، في خلق معنى جديد وذاك بتحويل العلاقات بين العلامات كيما تنتج التفسير المتعلق عن بعد ولكن الدخيل تماماً على جوهر الإنسان الأمر الذي كان ميزة لأرسطو وهايدغر على التوالي، ويستند من جانب آخر إلى إنكار وتهميش تلك القوة لصون معقولية الزعم القائل أن ثمة مثل هذا الجوهر وينبغي نشدانه. جوهر أصلي، وحدي، كفيل بأن يُمنح للفكر بنهائية [وإلى الأبد]. إن حركة الاستناد والتهميش المزدوجة هذه هي، في نظر دريدا، في الصميم من دافع الثقافة الأوربية على مر السنين في أن تقدم نفسها على أنها محددِّة لطبيعة الإنسان بذاته. ما يقصيه هذا الدافع هو الاختلاف بفحواه الثقافي وبالمعنى الذي يقصده دريدا بـ(الاختلاف والإرجاء)؛ أي، قوة العلامات في أن تنمو ملتحمة مع المعاني الملحقة التي تختلف عن تلك المعاني الملحقة سابقاً وترجئ إلى أجل غير مسمى توطيد معنى وحدي نهائي. ويمثل تجمع الثقافات غير الغربية سياسياً، داخل الغرب وخارجه، القوة المهمشة لـ "الاختلاف والإرجاء" الذي "يثقل، بوطأة صامتة متنامية مهدِّدة، على السياج الذي أقامه كلام الغرب [حول نفسه]."34 تتعلق لعبة الاستعارة الاقتصادية التي تستفتح الميثولوجيا البيضاء بهذه الثيمة. وقطع بولفيل النقدية المشوهة هي موضوع لـusure بمعنييها- الاستعمال (الكشط) usage (abrasion) [استهلاك القيمة بالبلى والاستعمال] والمراباة (usury)- بما أنها تفتح إمكانية أن تكون اللغة نفسها، في اللعبة اللامتناهية للاستعارة والحذف، قادرة على منح فائدة لـ"الميتافيزيقيا؛ الميثولوجيا البيضاء التي تعيد حشد ثقافة الغرب وتعكسها".35 وما نقش على حاشية القطعة المعدنية أو الميدالية- التاريخ واسم النقّاش- هو الذي يحمل، على وجه الدقة، الإحالة إلى احتمال [حدوث شيء ما]، وإلى التاريخية، والآخر، أي ما يجب إقصاؤه إن كان ينبغي على الكسب الاقتصادي الذي وعد به الـusure أن يتحقق. من المغري بطبيعة الحال، أن نربط هذه الثيمة؛ أي استغلال وتهميش الآخر غير الغربي في الآن نفسه، بباكورة تجربة دريدا، حينما كان طفلاً لأسرة يهودية جزائرية، في الاستبعاد السياسي والشخصي في ظل قوانين حكومة فيشي العنصرية التي يرصدها دريدا بمشاعر مؤثرة في نص عن السيرة الذاتية يشغل ذيل صفحات (أي، هوامش) كتاب جاك دريدا لـ جيوفري بنينغتون‏
    ودريدا.36‏
    بعض اعتراضات قياسية‏
    إن أكثر اعتراض ماثل للعيان يثار ضد التفكيكية، من قبل الفلاسفة والنقاد غير المبالين على حد سواء، هو أنها تستلزم تبعات عبثية أو تبعات لا تصدق. والأكثر شيوعاً في هذا الزعم المعلن بصراحة وفظاظة شديدتين هو: 1.أن محاجات دريدا تلغي التمايز بين اللغة والواقع خارج اللغة بإذابتها هذا الأخير في الأول؛ 2.أطروحته في أن محاولة تأسيس معنى ممتلئ لتعبير ما يخضع من حيث المبدأ لإرجاء غير محدود، تستلزم أن ليس ثمة تعبير له معنى في أية حال (عدمية لغوية)؛ 3.ومع التخلص من فكرة أن أي تعبير له معنى محدد ومن إمكانية التمييز بين اللغة والعالم، بدد دريدا إمكانية أي تصور واقعي (أي، غير نسبي وغير براغماتي) للحقيقة؛وأخيراً 4.بتبديل النقد العقلاني للميتافيزيقا بما يبدو أنه توجه بلاغي للنقد خان دريدا التزام حركة التنوير الفلسفية بالعقل وأسبغ غشاوة على التمايز المنهجي بين الفلسفة من جانب وبين الأدب والنقد الأدبي من جانب آخر.‏
    من الواضح، بطبيعة الحال، أنه لن ينظر كل امرئ إلى 1 و4 على أنها تكوّن "اعتراضات". والحق، أن إحدى أكثر السمات المميزة واللافتة للمناقشة الغزيرة- غالباً يكون ملؤها الحنق- في الثلاثين سنة التي مضت لعمل دريدا هو ميل مؤيِّديه في أن يلوحوا باكتشافات تصنع عهداً جديداً هي نفسها التي يلوح بها المنتقصون من قيمته بوصفها سخافات.‏
    كما سيتكشف البحث في كتابات دريدا بيسر (على المرء الحذر نوعاً ما للتمييز هنا بين كتابات دريدا وملخصات مشايعيه وشروحهم لأعماله)، فقد أنكر دريدا غير مرة أن تكون آراؤه تستلزم أياً من التبعات الآنفة. وبالمثل كما يعلق بنينغتون بعد تعيين سلسلة استشهادات كهذه، "لا يكفي إثارة هذه الفقرات التي قد تكون دائماً مجرد تنصل أكثر من كونها تفنيداً".37‏
    بقدر ما يتعلق الأمر بـ1 و2، كما ساجلت بإسهاب في مكان آخر،38 ليس ثمة ضرورة للتفنيد بما أن كليهما استنباط خُلْفيّ [استنباط غير متفق مع المقدمات]. جلي من محاجة الميثولوجيا البيضاء في تلخيصنا لها، أن دريدا لا يساجل ضد القناعة المألوفة العادية أن ثمة كيانات بذاتها خارج اللغة، بل يساجل ضد الأطروحة الفلسفية أن ثمة معاني (دلالات) يتم تصورها بوصفها كيانات خارج اللغة. إذا كان هناك مثل هذه الكيانات، ممنوحة لحضور الوعي الهوسّرْلي المحض، أو لاكتساب المعرفة الرسلي [من رسل]، كان بمقدور سائر مصادر المعنى المتضمنة في المفهوم المتطابق أن تُمنح بإسهاب إلى العقل المتأمل في مثل هذا الكيان (فكرّ، مثلاً، في "الفطرة البسيطة" الديكارتية التي تعزز ابستمولوجيا "الإدراك الواضح والمميز" الديكارتي). مؤكد أن إصرار دريدا على الاختلاف والإرجاء بوصفهما أمرين أساسيين للعلاقة القائمة بين العلامة والمدلول يتبع كنتيجة له إنكار الأطروحة الفلسفية، على اختلاف أنواعها، أن المضمون الدلالي الممتلئ لمفهوم ما، يمكنه أن يُمنح وبإسهاب إلى فعل معين خاص، غير لغوي أو خارج اللغة، للوعي. ويتبع كنتيجة أبعد له، أن المرء لا يستطيع أبداً أن يكون على يقين في أنه استخلص كامل المعنى المضمر باستخدام معين للكلمات في سياق معين (هذه هي، دون شك، النتيجة التي يضعها بعض شراح دريدا نصب أعينهم عندما ينسبون طابعاً تلمودياً إلى عمله). ما لا يتبعه هذا الإصرار كنتيجة له هي أطروحة- تحال إلى دريدا على نحو غير محكم- أننا لا نستطيع أن نميز في سياق معين من الاستخدام بين ما قد يعنيه تعبير ما في ذاك السياق، وما لا يمكنه أن يعنيه في السياق عينه؛ لذا لا نستطيع أن ننسب أي معنى محدد إلى أي تعبير في أي سياق مهما يكن. الحق، أن الأمر ليبلغ درجة العدمية الدلالية. إن إعادة صياغة مبدعة ستخدم، من دون شك، في استخلاص مثل هذه الأطروحة من الجمل وأشباه الجمل القصيرة المقتطفة من عمل دريدا وتقدَّم، مجردة من سياقها، بوصفها دليل إدانة. غير أني على ثقة أن ليس ثمة إمكانية استدلال على مثل هذه الأطروحة تترتب على تحليل متأنٍ، مهما يكن، لمحاجة دريدا كما حاولنا منذ وهلة، وبطبيعة الحال، لا تترتب على المحاجات المقدمة هنا. هذا فضلاً عن أن هذه الأطروحة ستكون متناقضة مع أمر هو قطعاً زعم مركزي في فلسفة دريدا، أعني، الأطروحة التي تقول إننا لسنا بحاجة مَنْفَذٍ إلى المقاصد الواعية للكاتب أو المتكلم أو أحوالهما كي نكون قادرين على فهم ما يكتبه أو يقوله.‏
    دريدا والبراغماتية الأمريكية الجديدة‏
    إن معرفة معنى تعبير هي، للوهلة الأولى، معرفة الكيفية التي ينبغي للمعنى أن يستخدم في الخطاب. أخذت مجموعة كبيرة من الكتابات الفلسفية واللغوية، ولم تزل، ذاك الفكر البين لتدل ضمناً أن معرفة المعاني هي معرفة القواعد [النحوية]. وقد كانت إحدى الوظائف التقليدية للاعتقاد بالمعاني أو المفاهيم الفعليين؛ بمعنى خارج اللغة، التي يهاجمها دريدا في الميثولوجيا البيضاء، أن توضح ما الذي يضفي سمة المصداقية على القواعد التي نحن بصددها. أُضفِيَت المصداقية على القواعد، على حد قولهم، لأنها تقوم، خارج اللغة، على أساس طبيعة الأشياء. هنا يكمن السبب في أن الخطاب بمقدوره أن يمثل بصدق طبيعة الأشياء. وإذن، يستمر الخطاب في تتبعه مسار الواقع من خلال واقعة أن المفاهيم التي يمضي بها الخطاب حثيثاً ليست مجرد بنيات لغوية، بل سمات، أو كما كان الراحل رسل سيقول: "مقومات" الواقع عينه. إذا نبذنا المعاني فإننا بالتالي، هكذا يزعم، ننبذ الحقيقة نفسها، أو أقله ننبذ أي تصور للحقيقة غير نسبي وغير براغماتي. من ثم نصل إلى المجادلات بشأن الواقعية، اللاواقعية والنسبية، التي غذّت حديثاً الموروث التحليلي في الفلسفة.‏
    على النقيض مما يظن عادة، يبدو ليس ثمة سبب للافتراض أن دريدا قد حازب، سواء أكان عمداً أم سهواً، في هذه المساجلات. ويبدو أنه ليس ثمة ما يمنعه من أن يتخذ موقفه على أساس الزعم السلبي المحض في أن التفسير التقليدي للمعاني بتحويله لها إلى صنف من الكيانات الميتافيزيقية إنما هو تفكيك ذاتي. بالمثل، لو سأل سائل عما يمنحنا السيطرة، إذن، على فكرة الجزم الحقيقي، ليس هناك ما يمنعه من الإجابة على نمط فتغنشتين أو أوستين أن ليس ثمة شيء ميتافيزيقي واحد يمنحنا السيطرة على فكرة الحقيقة بوجه عام، بل هناك كثرة هائلة من الأشياء غير الميتافيزيقية تمنحنا سيطرة عليها في حالات مجسدة متنوعة من الحياة اليومية، ولصياغة هذه النقطة بتعابير أكثر دريدية نقول: إن مفهوم الحقيقة يتشكل داخل اللغة مثله مثل أي مفهوم آخر، ينتثر داخلها، كأي مفهوم، إلى ما لا نهاية استجابة لقوى الاختلاف والإرجاء.‏
    في الواقع أعتقد أن هذه المواقع هي التي يستند إليها دريدا، رغم أن المكان ليس مناسباً لجمع التأييد النصي لهذا الزعم. كما لا توجد مراوغة بخصوص هذه المواقع. لكن عدها قراء عديدون، القراء المتحدثون باللغة الانكليزية خاصة، مواقع مراوغة. في حين صعب على آخرين الاعتقاد بأن محاجات دريدا لا تحيله بالضرورة إلى موقع نسبي شكوكي جذرياً عن القواعد والمعنى اتخذه كواين Quine وكتاب آخرون من ضمن إطار تأثير الأفكار الكواينية كدافيدسون Davidson، رورتي، أو كريبك Kripke. أشار صاموئيل ويلر Samuel C. Wheeler III في دراستين له إلى الحركة المؤسسة لأسرة الآراء الأخيرة هذه، وقد اعتبرتا إلى حد بعيد بكونهما تقيمان رابطاً وثيقاً بين فكر دريدا‏
    وفكر دونالد دافيدسون.‏
    بدون النظرية الجوهرية [الماهوية] بخصوص المعاني والقواعد الدلالية، ثمة فحسب جمل مقبولة في متن معين للخطاب. الجمل المقبولة في متن الخطاب هي، على مختلف أنواعها، أجزاء من "نظرية" تتباين أجزاؤها بطرق متعددة في الدرجة لا في النوع. توجد "الأشياء"، إذن، بوصفها افتراضات نظرية ما. وما يحل محل الضرورات والجواهر الموضوعية هي فكرة الوجود وفقاً لنظرية؛ أي، تعهد أنطولوجي.39‏
    ما ينيط بدريدا، في نظر ويلر، الإمساك بالاختيار بين "الجوهرية بخصوص المعاني والقواعد" والبرغماتية الدافيدسونية وشكوكيتها بوصفه اختياراً لا مفر منه هو محاجته أن معنى علامة ما، مع غياب المعاني الممنوحة لحضور الوعي بأكمله وبكليته، يستند إلى الآثار التي تربطه بعلامات أخرى، التي بدورها تحدث آثاراً هكذا إلى ما لا نهاية. وفي قوله: "إن هذا التصور السوسيري في أن المنظومات المفهوماتية أنظمة اختلافات، يشبه شبكة اعتقاد كواين"،40 يعتبر ويلر أن محاجة دريدا تستلزم أطروحة كواين الشهيرة في "عدم تحدد الترجمة":‏
    إن الصورة التي يتطلبها إنكار الحضور... هو أنه هناك نزعات المؤول لما ينبغي عليه قوله ومتى ينبغي قول ذلك (نظريته) ونزعاتنا لما ينبغي علينا قوله ومتى ينبغي قول ذلك. الترجمة أو التأويل هي مجرد ترسيمة تقوم على أساس هذه العناصر. والتساؤل عما يعنيه حقاً منطوق ما بلغة في لغة أخرى مثله مثل السؤال أي مواقع كرة القدم هو موقع الدفاع.41‏
    هذا الفهم هو في حد ذاته مثار جدل، فهو يتجاهل التباين، المشار إليه، بين التحليل الفريجي للمعنى من حيث صدق الشروط الذي يتقاسمه عملياً سائر الأطراف المشاركة في المجادلات التي أثارها ويلر في الفلسفة التحليلية، وبين تصور دريدا السوسيري جوهرياً عن المعنى بوصفه متورطاً في علاقة بين علامة (دال) ومضمون مفهوماتي (مدلول). ومحاولة البرهان، شأن دريدا، على أن الميتافيزيقيا الغربية ليس بمقدورها الزعم أنها رسخت على نحو قاطع مضمون مدلول معين، مفهوم "الإنسان" مثلاً، لاستحالة إقصاء الانجراف المنتثر في مضمون هذا المفهوم أو أي مفهوم آخر، ذاك أن إمكانية مثل هذا الانحراف متأصلة في طبيعة أية لغة يمكن للميتافيزيقيا (لا أن تُنطق أو يُفكر، بل) أن تُكتب بها، نقول إن محاولة البرهان هي، من دون شك، أن يلتزم المرء بإنكار "الجوهرية بخصوص المعاني والقواعد". لكن من الصعوبة بمكان أن نفهم لم ينبغي لهذه المحاولة أن تلزم المرء بأطروحة كواين في عدم التحدد، إلا إذا أخذ الاختيار بين الجوهرية بخصوص المعاني وعدم تحدد الترجمة الكوايني [من كواين] كي تستنفد الخيارات النظرية المتاحة، إذ أن هذه الأطروحة هي بلا ريب، رغم الرواج الهائل حديث العهد لطريقة كواين في النظر إلى المسائل، مثار جدل.‏
    يبدو واضحاً، على أية حال، أن تضمينات موقع دريدا تتعارض مع التضمينات الدافيدسونية، أقله من جانب بارز. وقد لاحظ آيرن هارفي Irene Harvey أن دريدا يعير دور الأمثلة في الميتافيزيقيا اهتماماً مركزياً:‏
    ابتداء من عمله عن هيغل، على نحو بارز في Glas [نواقيس]، توخى دريدا تعيين حدود "بقايا" الـAufhebung9 [بديل، إبطال]. فبدءاً من مكان اليهود فيما يتعلق بالأسرة، الدولة، النصرانية، والفلسفة، يتعقب دريدا المسالك التي يقصي بها هيغل اليهود فقط كيما "يتضمنـ"هم "في مستوى أعلى"؛ أعني، ليس بوصفهم يهوداً، بل بوصفهم النصرانيين الأصليين، في-الـ-طريق ليكونوا ما هم ليسوا عليه... وما هو بمثابة المجازفة بالنسبة (لدريدا) هو توضيح حدود هذا الإقصاء والتضمن في الآن نفسه لـ اللا-مثال non-example بكل ما للمصطلح من معنى- داخل المذهب الفلسفي الهيغلي. فاليهود ولا-مكانهم ليسا إلا مثالاً عن هذه الطريقة لكونهم على علاقة مع الـAufhebung. فبما أنهم مستبعدون بمقدورهم أن يكونوا متضمنين؛ على أن الآخر راديكالياً، يجب إقصاؤه في حد ذاته.42‏
    ما تعززه هذه الفقرة هو التشديد مرة أخرى على مركزية غرض كتابة دريدا في تسليط الضوء على استناد زعم الميتافيزيقيا الغربية أنها تعبر عن آراء الإنسانية بعامة إلى آخر مستبعد مهمش حيث إمكانيته، إذا جاز التعبير، متأصلة في طبيعة علاقة الدال/المدلول تبعاً [للشكل الذي] أسست به في الاختلاف والإرجاء. كيما يكون هذا موقفاً واضحاً، يجب أن يكون ثمة إواليات اشتغالِ مجانسةٍ لمبدأ الوضوح الذي اقترحه ميشيل دوميه Michael Dummett في سياق آخر.43 وكي يُفهم الآخر بوصفه ما "يجب إقصاؤه في حد ذاته" ينبغي أن يكون ممكناً للآخريّة أن تظهر نفسها في الكتابة من خلال إواليات اشتغال الاختلاف والإرجاء. إن كان بمقدورها فعل ذلك، فعلى الأقل، أحد أحلام حركة التنوير الفلسفية قد مات: إذ لا يمكن أن يكون ثمة "تاريخ عالمي للإنسانية". في فقرة لافتة للنظر ينحاز رورتي للموروث الكوايني البراغماتي الجديد ونصب عينيه ذاك المشروع [تاريخ عالمي للإنسانية] تماماً:‏
    إن إجابة البرغماتي على السؤال الذي يطرحه ليوتار Lyotard في "التاريخ العالمي والتباينات الثقافية": "هل يمكننا الاستمرار في تنظيم الأحداث المتراصة فوقنا من عوالم الإنسان وغير الإنسان على يد فكرة تاريخ عالمي للإنسانية؟" هو أننا نستطيع وينبغي... علينا نحن الديوويين [من جون ديووي] أن نمتلك تاريخاً لنعرف ارتقاء جنسنا البشري، تاريخ تشدد وقائعه الحديثة على الكيفية التي تطورت بها الأحوال في الغرب طيلة قرون قليلة مضت، ويخلص إلى اقتراحات عن الكيفية التي يمكن لها أن تتقدم أكثر في القرون القليلة القادمة. لكن لو سأل سائل عن التباينات الثقافية، عما ينبغي لتاريخنا أن يفعله مع الصينيين والكاشيناهو، لا يمكننا الرد سوى أن التواصل، على حد علمنا، مع هذه الشعوب قد يفيد في تعديل أفكارنا الغربية عن أفضل المؤسسات التي يمكن لها أن تجسد روح الديمقراطية الاجتماعية الغربية... إن هذا الضرب من التمركز العرقي هو، نعتقد نحن البرغماتيين، أمر لا بد منه ولا اعتراض عليه... ليس بمقدورنا أن نسلخ جلد الديمقراطية الاجتماعية الغربية عن أنفسنا حينما نواجه ثقافة أخرى ولا ينبغي علينا أن نحاول. كل ما علينا فعله هو أن نمكث ما فيه الكفاية داخل قاطني تلك الثقافة لنحصل على بعض الأفكار عن الكيفية التي ننظر بها إليهم، ونرى إن كان لديهم أفكار نستفيد منها.44‏
    من بالغ الصعوبة تلفيق فقرة أكثر بعداً، في ثقتها بنفسها وغلبتها الثقافية العرضية، عن روح عمل دريدا. لكن الموقف الذي تجسده ليس مشدوداً إلى نير زعم كواين وحده، بل تبعة ضرورية لهذا الزعم مثلما يعبر عنه ويلر: "ثمة فحسب جمل مقبولة في متن معين للخطاب". إن توسيعاً ملائماً لهذا الزعم وإضفاء صبغة أكثر راديكالية عليه، كفيلان بأن يفسحا الطريق لتفسير دافيدسون "للتأويل الراديكالي" الذي بدوره سيخلي الطريق للنتيجة التي يستكشفها دافيدسون في فكرة منظومة مفهوماتية بالذات أن ليس ثمة "أساس واضح يمكننا بناء عليه القول أن المنظومات مخلتفة".45 ففي حين أن اللغة في نظر دريدا تسلمنا من انجراف مستمر للمألوف إلى الاختلاف والإرجاء، إلى الآخرية، نجد أن طبيعة التأويل البراغماتية في نظر دافيدسون تجعل من المستحيل مبدئياً لأية آخرية راديكالية أن تظهر نفسها في "اللغة" التي تصبح بناء عليه وعلى نحو قاطع وأبدي لغتـ"نا". وندلف من هنا إلى إعادة تقديم رورتي، من الباب الخلفي للبراغماتية، إذا جاز التعبير، وفي ظل يافطة الديمقراطية الغربية المطامنة، من دون شك، لبعض الأسماع، وعلى وجه التحديد مزاعم الميتافيزيقيا الغربية التي قضى دريدا حياته مُجدّاً في قتالها، نقول إعادة تقديمه لكيفية الوصول إلى "التاريخ العالمي" وحتمية علاقة مع الآخرين تأنف أن تواجههم- في حين أنها قد تبحث فيهم وتستفيد منهم- بوصفهم أفراداً متخلصة بذلك من فهم غريب غير أنه مكافئ لما ينبغي أن يكونه الإنسان كي يكون إنساناً.‏
    دريدا وهابرماس في الأدب والفلسفة‏
    الاعتراض الرابع في أن دريدا يخون قضية العقل بإسباغه غشاوة على التمايز بين الخطاب الأدبي والخطاب العلمي، يفصح عنه يورغن هابرماس ويوضح حدوده بقوة. شأنه شأن رورتي، وعلى نحو سديد من دون شك، ينظر هابرماس إلى دريدا، بوصفه يخاطب المشكلة التي تمخض عنها كامل "خطاب الحداثة" في ما إذا كان ممكناً إضفاء سمة المصداقية على معايير العقل الغربي وكيف يتم لها ذلك؟ مثل رورتي أيضاً، يرغب هابرماس في أن يحتفظ بشيء من السيطرة على فكرة التاريخ العالمي، مع أنه سيسلم ورورتي بأنه لا يمكن لها أن ترتكز على البراغماتية سواء أكانت براغماتية ديووي، كواين أم براغماتية دافيدسون على مختلف أنواعها، كما لا يمكن الزج بفكر دريدا في خدمة مثل هذا المشروع. إذ أن دريدا، في رأي هابرماس، عدو العقل بصراحة؛ فهو أحد الأشخاص الذين يريدون "بسط سلطان البلاغة على دائرة المنطقي".46 وخطأ دريدا، وفق هابرماس، هو ما يراه رورتي وويلر بكونه فضيلته الرئيسة إذ لا يرى بديلاً ثالثاً، من جانب، للإحالة إلى خارج النص Logocentrism التي تقرن الدفاع عن المعايير العقلانية بميتافيزيقيا الحضور، ومن جانب آخر، لا يرى بديلاً ثالثاً للنسبية التي تجعل من ثوابت الصحة والنقد العقلاني داخلية في الممارسات اللغوية والمتعلقة، في نهاية الأمر، باحتمالات الافتراض، التاريخ والمصالح العملية المشتركة التي حدث أنها وسمت مجموعات بشرية معينة بسمة مميزة. يقترح هابرماس خياراً ثالثاً يبلغ، في الواقع، مصاف الاستدلال المتعالي لمعايير العقل لكونها شروطاً مسبقة لإمكانية التواصل:‏
    إن ألعاب اللغة لا تفعل فعلها إلا لأنها تسلم جدلاً بـ"أوضاع مثالية" Idealizations تتعالى على أية لعبة لغوية محددة؛ ولكونها شرطاً ضرورياً لاحتمال بلوغ الفهم، تحدث هذه الـ"أوضاع المثالية" منظور اتفاق متاح للنقد على أساس مصداقية المزاعم... واستناداً إلى هذه الحاجة لإقامة الاختبار ضمن الممارسة العادية يمكن للمرء التمييز، مع أوستين وسيرل Searle، بين الاستخدامات "المعتادة" للغة واستخداماتها "الطفيلية".47‏
    ومن طريق الاحتكام إلى الـ"أوضاع المثالية" المختلفة والمعايير المقترنة بالمصداقية التي تحكم الأنماط المختلفة للمشروع اللغوي، يمضي هابرماس حثيثاً في إقامة تمايز بين "لغة الفلسفة والعلم"، ولكونها مخصصة إلى حد بعيد لـ"أغراض معرفية فهي مطهرة من كل ما هو استعاري ومجرد بلاغي، منعتقة من الاختلاطات الأدبية"، وبين اللغة الأدبية المتصورة بوصفها لا تُعنى إلا بإمكانية "العالم التوليدية" للغة نفسها.48 لا يعير هابرماس بالاً، على ما يبدو، لما قد تكونه فكرة النشاط الأدبي المتصورة في هذه المصطلحات؛ الحال، أنه يذكر ها بعبارات- مثل "لا تواصل شؤون العالم"، تخول "الأفعال الإنشائية"- بـ"خلق لعوب لعوالم جديدة، أو بالأحرى بإثبات قوة العبارات المبتكرة للغة في الكشف عن العالم"- توحي بأنها قد لا تملك أية فكرة أساسية على الإطلاق.49 إن وجود الأدب في نظر هابرماس شيء من الأحجية، وقد كان كذلك ولم يزل بوجه عام بالنسبة للمنظرين في أوساطنا. إلا أنه صريح في أن الأدب لا يملك دوراً في تكوين هوية المرء سواء أكانت شخصية أم ثقافية، كما لا يملك دوراً في تشكل وجهة النظر أو مصطلحات ترابط المجتمعات، إذ أن هذه المهمات تقتضي ضمناً وظائف معرفية هي ميدان مقصور على "العلم والفلسفة".‏
    إن السيرورات التي تجري لغوياً كاكتساب المعرفة، توارث الثقافة، تشكل الهوية الشخصية، إضفاء السمة الاجتماعية، والدمج الاجتماعي منخرطة جميعها في التغلب على مشاكل يطرحها العالم... وهذه السيرورات التي تجري لغوياً ضمن العالم هي، في نظر دريدا، مطمورة في سياق مكون للعالم يضر بكل شيء: إذ تستسلم بنوع من القدرية للحدث المتعذر ضبطه لإنتاج النص.50‏
    قد يكون الدفاع عن دريدا ضد هذا الهجوم من طريق التنويه إلى المدى الذي يقترب فيه هابرماس من المغالطة المنطقية. إذا كان دريدا على حق لتوقع المرء أن الحدود بين العقل والبلاغة ستبدأ في التدفق والاندماج عندما تتجلى الاستنادات المتبادلة الغامضة المبيتة في تعقد هذه المقولات المستقلة والمتضادة جذرياً في الظاهر فحسب. يسلم هابرماس جدلاً أن هذا لا يمكنه أن يحدث بما أن الطلاق بين العقل والبلاغة الذي يتعالى على دفق اللغة هو فوق لعبة الاختلاف والإرجاء ووراء نطاقها. غير أن هذا في حد ذاته يثبت ما ينكره دريدا في أن مثل هذه المقولات المميزة لطريقة التفكير "الغربية" على الأقل منذ حركة التنوير الفلسفية ليست مجرد نتاج موضعي لإمكان تاريخي آخر، بل تحررات أبدية للعقل الأزلي الثابت. من المحتمل، بطبيعة الحال، أن أطروحة رفيعة وإيجابية كهذه قد تتوقف على دفاع سلبي متواضع. فالحد الفاصل بين العقل والبلاغة قد يتجاوز التمايزات المألوفة والواضحة تماماً مما يجعلها وراء نطاق قوة المحاجة، مهما كانت بارعة ودقيقة، لتحل محلها. بيد أنه من الغامض ثانية ما الذي ستكونه هذه التمايزات. إن أكثر الطرق حصافة ووضوحاً لتمييز تقارير "العلم والفلسفة" عن مثيلاتها في الأدب تركز على التخييل الجلي لهذا الأخير. على أن، ليس ثمة ما يقتضي في موقع دريدا، بقدر فهمي له، أن ينكر التمايز بين تقرير أدبي كـ: "لا بد أن أحداً ما كان يلفق الأكاذيب عن جوزيف ك، فمن دون أن يسيء إلى أحد اعتقل في صبيحة يوم جميل"، والتقرير الواقعي كـ"تبعد الأرض قرابة 93000000 ميلٍ عن الشمس "الناشيء عن واقعة أن هذا الأخير يدعي الحقيقة وهو في الواقع حقيقة. لا يقول دريدا، بأي معنى تافه مناف للعقل، بأن العلم "مطمور" في الأدب. ولا يتعهد، كما أشرنا، بالزعم المنافي للعقل على السواء كسابقه في أنه من المتعذر تطهير الخطاب العلمي، على الأقل ضمن حدود معينة وفي الأقسام المحكمة على نحو معقول للعلوم الطبيعية، من الاستعارة بالمعنى العادي للمزاعم التي تكون صدق شروطها إما مصمتة أو غير أساسية لوظائفها في الخطاب.‏
    لكن إذا كان الإخفاق مصير الدفاع السلبي المتواضع لمقولات هابرماس فلا خيار لديه، إذن، إلا أن يقدم دفاعاً أكثر إيجابية ورُقيّاً، ويجب على المحاجة المتعالية التي أشرنا إليها آنفاً أن تتبوأ كامل أهمية المحاجة. فهل يمكنها فعل ذلك؟ إن دعوى دريدا المضادة هي، في الواقع، أن مصطلحي العلم والأدب، كباقي المصطلحات، لا يضفى عليهما المعنى من خلال وضع الواحد منهما تلو الآخر، إذا جاز التعبير، بالاشتراك مع المضامين المفهوماتية المعطاة بكمال ونهائية مطلقين للوعي، بل هي مصطلحات مفهومة فقط من خلال علاقاتها مع بعضها البعض في لغة هي نفسها لغة محتملة، كيان تاريخي، لغة شعب من الشعوب، لغة قبيلة أو ثقافة، ولكونها كذلك فهي عاجزة عن مقاومة القوى التي تقشر معاني جديدة وظلال معان من القديمة في سيرورة ليس لها نقطة أصل محددة ولا نهاية.‏
    إن أقٌوى ورقة يمكن لهابرماس اللعب بها الآن هي الزعم أن تقسيم معين لوظائف "الأدب"، من جانب" ووظائف "العلم والفلسفة"، من جانب آخر، أمر لا بد منه لأن "الأوضاع المثالية"، معايير تحديد نجاح مزاعم الشرعية أو إخفاقها التي تعين هذه الوظائف، هي "شرط ضروري (لاحتمال) بلوغ الفهم". قد تنشأ الأوضاع المثالية التي نحن بصددها خارج اللغة، بما أنها "مفترضة مسبَّقاً" من قبل "ألعاب اللغة، وبما أنه كيما تفعل محاجة هابرماس فعلها، يجب أن تكون هذه الأوضاع المثالية منيعة على "الحدث المتعذر ضبطه لإنتاج النص" الذي يسيطر على جوانية اللغة.‏
    من المؤكد أنه ينبغي على المرء أخذ الحقيقة على أنها حالة واضحة ومركزية لمثل هذا الوضع المثالي. وبمقدور المرء الآن استدعاء فتغنشتين لمساندة دريدا. لكي يكون ثمة استخدام عام للمصطلحات بأية حال، يجب أن يمتلك المتكلمون منفذاً مشتركاً إلى المعايير التي تفرق بين تطبيق صحيح لمصطلح وبين استخدامه على نحو خاطئ أو فارغ. ذلكم، هذه المعايير التي توضح جوهرياً أن ما يصل إليه التمايز بين حقيقة أسرة هذه التأكيدات وزيفها أو تلك في الممارسة يجب أن تكون داخلية في اللغة؛ إذ لا يمكن لها أن تكون أوضاع مثالية تطبق "من خارج اللغة" على لغة يتم تصورها على أنها تؤدي وظيفة بطريقة أو بأخرى، على اعتبار أنه لا يمكن أن تكون هناك لغة تقوم بوظيفتها إلى أن توطد طبيعتها وإواليات اشتغالها.‏
    الحقيقة، باختصار، فكرة داخلية في لغة بذاتها، وليست وضعاً مثالياً مقترنة مع ضروب معينة من المشاريع تتم مواصلتها عبر لغات يمكن لها أن توجد بوصفها لغات بين متكلمين محرومين على نحو لا يمكن إنكاره من إمكانية "بلوغ الفهم" من دونها. من هنا، فإن تفسير هابرماس ما بعد النهضوي المعين تاريخياً وثقافياً إلى أبعد حد للوظائف النسبية للعلم- مشارك- الفلسفة والأدب لا يمكن الدفاع عنه بوصفه تعالياً أزلياً على "أية لعبة لغوية خاصة"، ذاك أن تقسيم الوظائف التي ينطوي عليها تتولد من طبيعة الأوضاع المثالية التي يفترضها مسبقاً بالضرورة إمكانية طرائق الفهم غير المنصوص عليها سابقاً من قبل لغة ينظر إليها بوصفها حاصل "لعبة لغوية خاصة".‏
    الحق، يبدو ثمة شيء توقيفي، مع أنه مألوف تماماً، حول تقسيم العمل بين العلم/الفلسفة والأدب الذي يقترحه هابرماس. لم ينبغي، مثلاً، أن يمنع الأدب من التأثير في "تشكل الهوية الشخصية"؟ الهوية الشخصية هي لا محالة مسألة نزعات متأصلة إلى حد بعيد، تستجيب بطرق معينة لأنماط معينة من المواقف. إن نزعات استجابة، كهذه، كثيراً ما تترافق مع الميول المعتادة على حد سواء؛ لتفسير أنماط المواقف التي نحن بصددها بطرق تخطيطية، إن لم نقل مقولبة، إلى أبعد حد. فالرواية والمسرحية قد تطور تضمينات مواقف بطرق، هي على نحو مقنع حقيقية لتجربة القارئ في الحياة، تُفْقِد على نحو خطير استقرار طرائق التفسير التخطيطية المألوفة له وتشوش على نحو خطر استتباب طرائقه المعتادة في الاستجابة لمثل هذه المواقف. بذاك، سيعتقد المرء، أن الأدب يؤثر حتماً على "تشكل الهوية الشخصية". يتوافق هذا التسليم مع الخبرة الشخصية لغالبيتنا التي تحتفظ، من بين التأثيرات العديدة التي جعلتنا على ما نحن عليه، بمكان مهم للروايات والقصائد والمسرحيات التي كانت مصدر خبرة لكل امرئ.‏
    والغريب، يبدو لي، أن المرء بمقدوره الاقتراب من لب ما يفصل دريدا عقلانياً عن هابرماس، وبالتالي الاقتراب للسبب نفسه من غالبية نقاد دريدا، من خلال تركيزهم هنا على بلاغة محاجة هابرماس. لنأخذ مثالاً عبارة "الحدث المتعذر ضبطه لإنتاج النص". فهابرماس يستخدمها لتوصيف ما يجري في الأدب، على النقيض من "السيرورات التي تجري لغوياً" التي تكون حياة العلم والفلسفة. فالتضاد الذي تنقله الكلمات عاطفياً (لكن، هل مفردة عاطفي هي المفردة السليمة؟ هل يمكن للمرء، بأية حال، أن يميز بوضوح بين عاطفية ما يقوله هابرماس هنا، بلاغيته، نغمته وفحواه؟) هو بين استخدام اللغة لتنفذ "السيرورات" التي تتعالى على اللغة، من جانب، وبين انغماس مسكر في اللغة التي تتنازل عن كامل السيطرة الواعية للذات فوق طبيعتها نفسها إلى المقتضيات المترنحة لعباب الكلمات المتناثرة على نحو يتعذر ضبطه.‏
    إن ثيمة الأدب والفن هذه بشكل عام بوصفها تقتضي ضمناً تنازل الذات عن نفسها من طريق الهجر عن العقل وضبط النفس الأبولوني إلى القوى الديونيسوسية هي، كما يذكرنا هنري ستيتن Henry Staten، ثيمة في غاية القدم. إنها، كما يقترح ستيتن على نحو لافت، الخوف من فقدان هوية الذات، الذي يحث توصيف أفلاطون لـ"أداء أيون Ion راوية القصيدة الملحمية بوصفه أداء ميكانيكياً آلياً": "إن التحكم العقلاني الواعي تماماً للمنطوق الذي يبتغي- الحقيقة هو الوقاية الوحيدة ضد تشظي الذات التي تخبو في عباراتها."51‏
    غير أنه، إلى أي مدى يستطيع "التحكم العقلاني" أن يمضي؟ إن الفكر الذي يوحّد هابرماس (ومن ورائه، بطبيعة الحال، كامل الجناح العقلاني لحركة التنوير الفلسفية) مع أفلاطون عن طريق تلك المفردة المكروبة "المتعذر ضبطه" هو أن "تشكل الهوية الشخصية" ينبغي أن يمضي قدماً على نحو مثالي في ظل تحكم السيرورات التي، مهما كانت مبتكرة، تستبقي عند مستوى عميق معين صفة الاختيار العقلاني. بعبارة أخرى، إذا كانت الذات تتغير وجب عليها فعل ذلك لأنها، على مستوى معين أعمق، تقرر لأسباب وجيهة أن تتغير وبذا لا تتغير على ذلك المستوى بل تبقى هي نفسها على نحو منيع. يبدو من وجهة نظر هذا النموذج أنه على البديل أن يقر أن الذات لا تملك وحدة وبالتالي لا تملك وجوداً، بل تتكسر إلى ما لا نهاية وعلى نحو لا عقلاني في محاذاة تصدعات نص دريدا ولا نهائيته. يبدو لي أن الرعب الذي يميل بعض القراء إلى الشعور به في قراءتهم دريدا، شأنهم في قراءة نيتشه، ينشأ من واقعة أن دريدا، مثل نيتشه، يستحضر تهديد قصور الذات في النواة المنيعة للمداولة العقلانية التي تكوّن وفق النموذج العقلاني وحدة الذات.‏
    وبَعدُ، عندما تُعلَن نظرية العقلاني عن الذات بهذه الصراحة الشديدة، أيمكن الدفاع عنها عن بعد؟ لنفترض، ملتفتاً إلى الماضي، أني تغيرت، بت شخصاً مختلفاً نوعاً ما، لنفترض أيضاً أنه يمكن أن نعزو ذاك التغيير إلى اللحظة التي انتهيت فيها إلى تقدير تلك القوة العقلانية لمحاجة معينة حق قدرها؟ فهل يمكن القول دائماً أنني اخترت عن عمد، من خلال نسق محاجات مضمرة على نحو أبعد نوعاً ما، لأصل إلى أن المحاجة التي نحن بصددها مقنعة؟ مؤكد لا؛ أو بالأحرى، ألن يكون مثل هذا الافتراض في غالبية الظروف هو نفسه افتراضاً توقيفياً؟ إذ يجب أن تنتهي الأسس التي تجعل من محاجة ما مقنعة في مكان ما. إن سأل سائل عما نجده مقنعاً في الأسس المقدمة لاستنتاج معين، فإننا ننتهي أن نصرح ثانية بهذه الأسس على نحو كسيح فقط. لأنها هي، وحدها، الأسباب التي تجعل لتلك المحاجة وزناً بالنسبة لنا. لقد ترنحت ثملاً مبتعداً عن نفسي ليس إلا، على جهل بالأنواع الأبولونية للسعار الديونيسوسي، على أثر الحدث المتعذر ضبطه لإنتاج المحاجة! في هذا السياق الذي هو، بطبيعة الحال، بوضوح طريقة جنونية في التعبير عن الأشياء. ولكن هل الأمر أقل جنوناً في سياق تغير طريقة نظر المرء إلى الأشياء التي يحدثها الأدب؟ حينما يتحدث المرء عن مثل هذه التغييرات التي تحدثها البلاغة، بالمعنى الحديث للمصطلح، يكون الإيحاء، بالطبع، أنها أنجزت بوسائل لا عقلانية أو ما دون عقلانية، من خلال الإقناع أو غسل الدماغ. ولكن، أيمكن صون ذلك جدياً، بالنظر إلى غنى العلاقات بين التخييل الأدبي الجاد والواقع؟ ولمّا يقيم وليم بليك في قصيدته لندن علاقة بين:‏
    كَمْ مِنْ صَرْخَةٍ كنّاسِ مَداخِنٍ‏
    أرْعَبَتْها كُلّ كَنِيسَة مُسْوَدَّة؛‏
    وتنهيدة الجندي المَنْحُوس‏
    دَماً تنحدر على جُدْرانِ القَصْر.52‏
    فهل ينبغي لنا أن نقول إنه ينقلنا إلى أرض أحلام مؤلفة من كلمات (حيث أعدُّها هي ما يتحدث هابرماس عنها على أنها "قوة العبارات المبتكرة للغة في الكشف عن العالم" التي تتحول إلى معناها الحقيقي في لغة واضحة)؟ أم أنه من باب أولى يقدمنا إلى تجميع قسري غاشم للأشياء التي نعرف تماماً أنها مترابطة في العالم الواقعي، على أننا نتمكن من أن نبقيها بعيدة عن بعضها ما فيه الكفاية في تفكيرنا ومشاعرنا اليومية إذ أن هذه الارتباطات تصبح غير واضحة ومخففة إن بقيت لافتة للنظر بأية حال؟ أجد صعوبة في إنكار أنه عندما يجبر المرء، كما تجبره الأبيات السابقة، على تذكر هذه الارتباطات والتأمل فيها، تكوّن التجربة ما لا يمكن للمرء إلا أن يدعوه محاجة بسبب من نوعية راديكالية بليك السياسية. يبدأ العقل والبلاغة، المحاجة والإحساس المعمق- مقولات لا يألو هابرماس جهداً أن يحجب فيما بينها- في أن تغشي الواحدة الأخرى في مثل هذا الشعر، لتكشف عن التواطؤ والاستنادات الخفية من النوع الذي سيقود المرء إلى أن يتوقعه في قراءته دريدا. الحق، أن هذه التغشية من صفات (أريد أن أقول) الأدب العظيم.‏
    إذا كان على المرء أن يتحول إلى الراديكالية (ليطور ضرباً مختلفاً للذات إلى حد ما) كنتيجة لقراءته بليك، فمن الواضح، إذن، أن أي فعل أو خيار، سوء أكان عقلانياً أم فعلاً حراً، لن يتسبب في أن تنشأ تلك الذات من السابقة؛ الذات قبل- تاثير- بليك. من وجهة نظر الذات السابقة قد تكون آراء الذات الجديدة لعنة. ولعله لا يمكن للمرء أن يتنبأ من معرفة الذات القديمة إمكانية انبعاث الذات الجديدة. بعبارة أخرى، من وجهة نظر الذات "القديمة"، يوضح التغيير فقط أنماطاً من القلقلة واللانهائية هذه التي يجدها قراء دريدا العقلانيون مروعة. أمر لا يدعو إلى الدهشة، فما نتعامل معه هنا هو حدث النمو الشخصي حيث أن عقلانيته أو عدمها هي مسألة بعض تحكم ضمني تبذله الذات "القديمة"، بل هي قدرة الذات "الجديدة" في أن تبني من جديد سيرورة التغيير من حيث التصور المعدل الخاص بها عما يعد عقلانياً؛ بعبارة أخرى، تصور قد يكون أحد ثمرات التغيير بعينه الذي يجعله واضحاً. يبدو لي، الآن، للأسباب التي وضعت لها مخططاً هنا، والتي أسهبت فيها في مكان آخر،53 أن إعادة البناء ليست أصعب في حالة تغيير النظرة الشخصية الذي يسببه الأدب منها في حالة تغيير النظرة الشخصية الذي تسببه المحاجة العلمية أو الفلسفية. ويبدو لي، إلى ذاك الحد، أن مقولات العقل والبلاغة التي يتهم هابرماس دريدا بأنه يخلط فيما بينها هي، إن لم تكن زائفة، على الأقل مقولات تظهر بتعمق الأنواع الدريدية للاشتراك الضمني.‏
    قد تبدو هذه الطريقة في الدفاع عن دريدا ضد هابرماس أنها تجعل فكره يتبدى أقل راديكالية، وأقل فوضوية مما أُظهِرَ عليه غالباً في المجادلات بين النقاد الأدبيين التفكيكيين ومن هم ضدهم، التي احتكرت نقاش عمله حتى الآن.لكن أعتقد أن ظهور صراع الخندق الأخير بين العقل والفوضى الذي يسم هذه المجادلات انبثق جزئياً من سمة النظريات والمناهج النقدية- النقد الجديد الأمريكي بالدرجة الأولى- التي قاومها التفكيكيون. يرى النقد الجديد- موضوع سلسلة من التحذيرات لسنا في حاجة للخوض فيها هنا- أن العمل الأدبي يمتلك معنى من شأن الناقد أن يشرحه، ولكن لا تستطيع أية إعادة صياغة نقدية للنص أن تمنح ذلك المعنى بأكمله، ولكن تجربة قراءة كلمات النص، مع فهم كامل ودقيق، تستطيع أن تمنح المعنى بكامله ونهائياً. جادل النقاد التفكيكيون في الواقع، على غرار دريدا، أن فكرة المعنى الكامل للنص في اشتقاقه من تجربة قراءة رفيعة الثقافة ومطلعة على نحو مثالي (حتى لو فسر بوصفه معنى تعددياً يعانق الاحتمالات المتقابلة للتأويل) كانت أضغاث أحلام: ذاك أنه في طبيعة نص ما بوصفه نسيجاً من كلمات ذات علاقات حرون من اختلاف الواحدة مع الأخرى وإرجائها ومع علاقاتها مع النصوص الأخرى، لا يمكن الحيلولة دون انتثار المعنى من دون حدود. وقد رد النقاد ضد- التفكيكيون، بالطبع، أن هذا كان معادلاً للقول أنْ ليس ثمة نص يملك أي معنى، أو أي معنى واقعي، على الإطلاق. لكن، هل يمكن للمناقشات الجدلية أن تظهر الاختيار بين هذه الخيارات بوصفه حقاً أمراً حتمياً، والخيارات نفسها بوصفها مستنفدة؟ ولِمَ ينبغي أن نعتقد بنص أدبي له معنى فوق معاني كلماته وجمله ووراءها؟ لماذا لا نعتقد بدلاً من ذلك بقوة كل من إفقاد استقرار استجابات القراء وإثارتها، بدون وضع أي حد لسلسلة الاستجابات التي قد تثار بطرق غير متوقعة بربط كلمات النص مع بعضها أو مع كلمات من نصوص أخرى؟ إن مثل هذه القيود غالباً ما يفترضها المقصد الخاص بالمؤلف. ولكن هنا، أعتقد أن دريدا على حق في أن ينكر، ليس ما نفهمه من أن المقصد الخاص بالمؤلف يصنع اختلافاً في التأويل، بل بأننا نستمتع بالوصول إلى المقصد الخاص بالمؤلف مهما يكن؛ إذ هو نفسه أكثر من مجرد شيء يصنعه التأويل (أي "تأثير الاختلاف والإرجاء"). فرضاً، قد نحتاج الكثير من إعادة التأويل لتحويل، لنقل، ستيرن Sterne من فاسق تنويري ساخر كما رأى فيه الفيكتوريون إلى نصراني ساخر ولكنه مخلص تماماً، غير أن، كما حاولت أن أبرهن في مكان آخر، هذا التحول في وجهة نظرنا نحو مقاصد ستيرن يستطيع أن ينظم محاجات قوية تماماً لصالح [التحول].54‏
    خاتمة: دريدا، فتغنشتين، وأرسطو‏
    لا يمكننا التغاضي عن الفكرة الأخرى التي يطرحها هابرماس ضد دريدا ومفادها أنّ التفكيكية بتقديمها نقداً مَحْضاً سلبياً للميتافيزيقيا ليس بمقدورها أبداً أنْ تَنْعَتِقَ بِصرامة منها. على حدّ تعبير هابرماس: "يرث دريدا نقطة ضعف نقد ميتافيزيقي لا ينفلت من مقاصد الفلسفة الأولى. "فالإخفاق، بالطبع، سمة حتمية لموقع دريدا. لا انعتاق من الميتافيزيقيا لأنه لا انعتاق من اللغة ولأن الدافع إلى الميتافيزيقيا، إلى التسليم بالتماثل بين المقومات الأولية للواقع والمدلولات الأساسية للغتنا، مضمّن في التصوّر السوسيري للعلامة بوصفها توحيداً بين دال ومدلول.‏
    والمرء يمكنه دفع ذاك النقد إلى مدى أبعد. حقاً، قد لا يكون ثمة طريقة، كما يجادل دريدا، في أن نؤسّس أساليب كلامنا على صنف معيّن من المدلولات، الممنوحة من خارج اللغة للوعي أو لأيّما شيء آخر، إذ ليس من طبيعة المدلول أن يُمْنَح من خارج اللغة. لكن، لم ينبغي على المرء أن يبيح لفكره التّقيّد، والحال أن دريدا كثيراً ما يبدو عليه، بتحليل سوسير للعلامة؟ لِمَ لا ينبغي على المرء أن يحذو حذو فتغنشتين في تأسيس طرقنا في استخدام الكلمات على الممارسات المفهومة ضمناً؟ ربما تكون القضية الـ 84 في النحو الفلسفي نصّاً فاصلاً هنا:‏
    إنّ دور الجملة في الحساب التحليلي هو فحواها.‏
    فمنهج لقياس - الطول، مثلاً- له علاقة بالنسبة لصحّة تقريرٍ ما عن الطول تماماً كنفس علاقة فحوى جملة ما بصدق هذه الجملة أو زيفها55-.‏
    وبخلق ممارسة، للقياس في هذه الحالة- وهي لا تحتاج إلى أكثر من مقارنة الحيز الذي تشغله أشياء متباينة على نحو نظامي عبر رؤية عدد المرّات التي نمدد فيها شيئاً آخر، موظّف قياسياً لهذه الغاية، قبالة الحيّز من أقصاه إلى أدناه - نقدّم أسلوباً لتحديد صدق أو زيف أيّ طرف من صنف القضايا التي لها شكل: طول m n A على أنّ A هو ما سنقارنه بشيء آخر و m معامل القياس (ما يُستخدم بانتظام في تأسيس مقارنات من هذا القبيل). إننا، بعملنا هذا، نستحضر مجموعة من العبارات الجديدة إلى الوجود بوصفها عناصر ممتلئة المعني في لغتنا: الطول، أطول من، مُعامِل الطول، وغيرها. مع ذلك، لم يستلزم منح معنى لكل عبارة من هذه العبارات ربط أيّ منها بكيان، مدلول، سواء أمُنِحَ هذا الكيان للوعي أم كوّنته اللغة. لقد استلزم ببساطة منح كلّ تعبير دوراً أو استخداماً معيّناً في سياق ممارسة هي بدورها لم تؤسّس على القواعد أو المقاصد بل ببساطة تأسّست على ما نفعله.‏
    إنّ هذه الرؤية إلى الأشياء، كما بيّن هنري ستيتن، تقدّم عناصر متعادلة [وحدات متماثلة في تركيبها] لعدّة استنتاجات في فكر دريدا، بما فيها الميثولوجيا البيضاء. فبما أنّ المعنى يؤسّس على ما نفعله، وبما أنّ ما نفعله يمكنه أن يتغيّر وهو غير "مقيّد في كلّ مكان، مهما كان، إلى القواعد"، ليس ثمة جواب نهائي للسؤال عمّا هو المعنى "الخاصّ" لتعبير ما56. المعاني، في نظر فتغنشتين ودريدا، يتمّ التوسّع فيها داخل اللغة، إذ ليس ثمة علامة لها معنى مستقل عن باقي العلامات: "لفهم جملة ينبغي فهم لغة"57-. والممارسات التي تنتج صدق الشروط، حينما تفصل عن تلك الوظيفة، قد تنتج أيّ عدد استعارات -من النمط الذي يميّزه أرسطو بوصفه "من طريق القياس"58- لن تنتج أبداً، من خلال السيرورة التي يسخر دريدا منها بتورية على أنها الـ USURE، أيّة عودة لـ "الخاصّ"، ولن تنتج أبداً المعنى المشروط بصدقه59.‏
    إلاّ أنّ فتغنشتين ليس نسخة كامبردج أو فيينا عن ديريدا، والتباين المركزي بينهما هو أنّ تصوّره عن الارتباط بين المعنى والممارسة، في المرحلة المتأخرة من فكره، قد حرّره من قبول أية نسخة من فكرة أنّ المعنى علاقة بين عبارة، علامة، وشيء آخر: مفهوم، مدلول، نسق صدق شروط. وحرّره أيضاً من الدائرة الفلسفية؛ "قارورة الذباب" إذا استخدمنا إحدى استعاراته، التي نطَنْطِن فيها سدىً عن فكرة وجوب أن يكون من الممكن أن نلصق معنى محدداً بكل عبارة قائمة بذاتها في لغةٍ بناء على رأي مفاده أن هذه الغاية يمكن بلوغها من خلال التفاف عبر اللغة برمتها، والعودة ثانية. أشرنا آنفاً إلى إواليات اشتغال ثنائي الأفكار ذاك في ذهن المثالي برادلي. تلك الثنائية التي أصبحت، من طريق كواين، البديهة المؤسّسة للكثير من تفسيرات الفلسفة الأمريكية المعاصرة في محاولاتها الحديثة لربط دريدا بالموروث الكوايني. يحاول هذا الموروث التخفيف من حدّة المفارقة في المكوّن الثاني من الدائرة عبر جعل المهمة المعينة للمعنى إمبيريقية وشرطية، مجرد مسألة إمكانات التفسير على ضوء التصديق أو المخالفة الفطري. ويفعّل دريدا من جهته المفارقة لأهميتها قلت أم كثرت من خلال التشديد المستمر على أنّ الالتفاف عن طريق اللغة التي يمكنها وحدها أن تقودنا إلى معنى حاسم لعبارة قائمة بذاتها هو التفاف غير محدّد أو أقلّه التفاف طويل على نحو غير محدّد. لن تعود سفن المعنى محمّلة بغنى جديد للحرفيّ، للمعنى "الخاصّ" لأنها لن تعود البتّة.‏
    أما في نظر فتغنشتين، فإنّ السفن ليست بحاجة لأن تشرع في الرحلة منذ البداية. نحن نعرف ما تعنيه طول 3X سنتيمترات إذْ نعلم أنّه بمقدورنا تحديد صدق أيّة جملة لها هذا الشكل أو زيفها بإنفاق مال ووقت متواضعين لشراء مقياس وحدة طول والكشف عن الكيفية التي نقيس بها. وما قد يحدث بالتالي لكلمة طول في رحلتها اللاحقة عبر الأدب والحياة لا يعنينا لأن هذه الرحلات ليست رحلات بحث عن معنى حاسم للكلمة يأخذ على عاتقه ثمناً ينبغي دفعه فقط بسبب من عودته الإشكاليّ، بل من بابٍ أولى هي بعثات لإقامة فرع منافذ وصناعات جديدة للمعنى مولّتها المصادر الأصلية للممارسة المؤسّسة.‏
    إن الحركة التي تحرر فتغنشتين من المفارقة التي ولّدتها فكرة أن الكلمات يجب أن تصل إلى شيء ما غير ذواتها، ولكن تستطيع فعل ذلك فقط من خلال بعضها بعضاً، تحرره أيضاً من مشروع الميتافيزيقيا الغربية المتصوّر بوصفه سعياً وراء الحضور الممتلئ للمعنى ونهائيّته. بعبارة أخرى، أنّه متحرّر من الاشتراك شبه الطفيلي الذي، كما يشير إليه هابرماس عن حق، يربط التفكيكية بما تفككه وقد يربط بالطريقة نفسها مشاريع تحليلية معينة، مهما تكن علميّة في طموحها، إلى مشاريع عتيقة للميتافيزيقيا الغربية تنظر إلى نفسها بوصفها قد تجاوزتها.‏
    تقود هذه الفكرة إلى أخرى. إن بقي فكر فتغنشتين خارج مشروع الميتافيزيقيا الغربية ألن يكون ثمة بعض، أو كثير، ممّا اعتبر تقليدياً بوصفه فلسفة خارج هذا المشروع ضمن مدى سواء أقلّ أم كثر؟ إلى أيّ مدى يتوجّه عمل دريدا، ليس إلى الفلسفة الغربية، إنّما إلى اتّجاهات معينة في الفلسفة الغربية التي باتت لها الغلبة في القرن السابع عشر، في المقام الأول بفضل زخم الديكارتية، وبقيت على ما هي عليه إلى القرن الحالي؟ كيف يكون الغرب، في الواقع، فلسفة غربية، إلى أيّ مدى صمّم حصن لتهميش الآخر غير الغربي ولإقصائه، وإلى أيّ مدى هي نفسها خليط من سائر ضروب التأثيرات: النصرانية، العربية، اليهودية، الهندوسية؟ إنه موضوع ضخم لتقديمه في هذا المقام الأخير ممّا بدأ على أنّه مقدمة غير أنّه مضى، ربما، إلى أبعد من حدود دراسة من هذا القبيل. لعلّه بمقدور المرء الإشارة إلى أنّ مثل هذا الموضوع يمكن البدء به عبر إمعان الفكر عن قرب أكثر لمعالجة دريدا لأرسطو في الميثولوجيا البيضاء. إنّ هذا الـ أرسطو هو سلف الميتافيزيقيا الغربية؛ أعني، أنه في نظره، يملك إحساس القرن السابع عشر الفرنسي. وقد ظهرت طرق متباينة لقراءة أرسطو في أواخر الستينيات، عبر عمل جون جونز John Jones60-، مارتا ناسبوم Martha Nussbaum، مايلز بيرنيت Myles Burnyeat، هيلاري باتِنم Hilary Putnam، وغيرهم61. فباتنم مثلاً في مقالة لها بعنوان أرسطو بعد فتغنشتين62 تنفخ الحياة في أرسطوٍ يبدو، في استعداده أن يجعل الشكل تغزوه تقلّبات التجربة، قريباً من دريدا - أو فتغنشتين في مرحلته المتأخرة- أكثر مما هو عليه في ميتافيزيقيا الحضور.‏
    وهؤلاء الكتّاب جميعهم على حدّ سواء، بتذكيرهم لنا بشعور من الغرابة الشديدة تجاه الطرق القديمة في التفكير مقارنة بنافذتنا المفتوحة، مثل فتغنشتين، على الآخر المهمش بطريقة لا تفعلها كتابة دريدا تماماً رغم استكشافها الساخط النفيس للحيل وخداع النفس في سيرورة التهميش.‏
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 07:36 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    الصديق خالد
    شكرا على ايداعك هذا المقال المهم

    المش===================اء

    ونواصل ملف الاسلام والحداثة
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 07:41 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ملف الاسلام والحداثة:الاســلاميون والحــداثة على أعتاب القرن الحادي والعشري (Re: osama elkhawad)

    لانريد في هذه الاطلالة السريعة أن نستقصي هذه الموضوعات الحساسة والمهمّة بحثاً ، وانما نريد إثارة المشكلة والتعرّف على أبعادها مع الاشارة إلى بعض الحلول ، والتي تتوقّف بشكل كبير على استيعاب الواقع وإدراكه .

    مشـكلة الحـداثة :

    شهد العالم في النصف الثاني للقرن الماضي وحتّى يومنا الحاضر تقدّماً هائلا على المستوى العلمي والعملي في شؤون الحياة المختلفة ، خصوصاً في مجال المكتشفات العلمية والتقنية والنمو المدني ... ورافق هذه التطوّرات بروز نظريات سياسـية واجتماعية وثقافية متعـدِّدة ، كان أبرزها ظهور الماركسية والرأسمالية كأيديولوجيا ومنهجية حياتية .
    ولا شك بان هذا التطور الكبير في مجال العلم صحبه انبهار العالم جميعاً ، والعالم الثالث ـ بشكل خاص ـ الذي كان يغـرق في التخلّف ويعاني من الاسـتعمار ، انبهار اقترن باستقبال ما اقترن بالعصر الجديد من نظريات وأفكار فلسـفية وسياسـية واجتماعيـة ، فنشأت في العالم الثالـث تيارات وأحزاب تتبنّى أشكال الفكر الغربي المستورد رغم التناقض والتضاد الذي يعيشه هذا الفكر بين مدارسه ومناهجه المختلفة .
    فنشأت عندنا الأحزاب الماركسية إلى جانب الأحزاب العلمانية والليبرالية والقومية والديمقراطية .
    وكان ردّ فعل قطاعات كبيرة من المتحفظين والمحافظين في العالم الثالث ، ومنهم التيارات الدينية يتمثّل بما يلي :
    1 ـ الاصرار على التمسك بالتراث والقيم الدينية .
    2 ـ التعصّب والالتزام بالمظاهر الدينية والثقافية حتّى لو كانت سطحية وشكلية ، كالإصرار على شكل الملبس والمظهر وغيرهما .
    3 ـ مقاطعة بعض مظاهر المدنية الحديثة كما هو الحال في عدم التعامل مع المدارس العصرية ، ومنع تعليم البنات ، والتحفّظ ـ عند البعض ـ من كل جديد حتّى من بعض الوسائل التقنية كالقطار ... فضلا عن الراديو والتلفاز .
    4 ـ عدم الاشتراك في الحياة السياسية الجديدة ، بل تحريم الاشتراك في الوظائف الحكوميـة ، وكذلك المجالس النيابية ، واقتصار الحركة السياسية على الأحزاب والتيارات الجديدة .
    5 ـ اقتصار العمل الديني على الاشـكال القديمـة ، كالكتاتيب والزوايا والتكايا ، والأعمال الخيرية ، في وقت كانت تسيطر الخيبة واليأس فيه على عموم القطاعات الدينية .
    ورغم كل هذه التحفّظات ووضع العراقيل والبراميل في طريق الموجة العلمية والمدنية الحديثة ، فان هذه الموجة استطاعت ولفترة قصيرة ان تستحوذ تماماً على القطاعات المتعلمة والنخبة السياسية التي تمسك بزمام الاُمور بعد الاستقلال وقبله ، وان تدفع بالقطاعات المحافظة ومنها الدينية إلى التقوقع في زوايا المجتمع ، بعيداً عن أية قدرة أو نفوذ .
    ومن ثمّ فاننا نشهد ومنذ منتصف القرن العشرين نهضة وحركة جديدة في العالم الإسلامي تختلف عمّا سبق ، إذ تتبنّى هذه النهضة نمطاً جديداً في التعامل مع العلم والمدنية الحديثة تتمثّل بـ :

    1 ـ تبنِّي العلم والتعليم والتمكّن من التقدّم العلمي والتقني ، باعتبار وسائل مادية مجرّدة وحيادية (غير مذهبية) .
    2 ـ رفض المذاهب الفلسفية المستوردة ، كالماركسية والرأسمالية .
    3 ـ نقد الأفكار والنظريات الحديثة المتولّدة في عرض المدنية الحديثة ، بما فيها المدرسـية والمنهجية مع استمرار التحفّظ منها ، ووصمها بصفات : المادية ، الوضـعية ، الجاهلية ، وأحياناً بالكافرة واعتبارها من نتاجات الصهيونية والاستعمار .
    4 ـ تأسيس الجمعيات والجماعات ، ومن ثمّ الحركات والأحزاب ذات الطابع الوطني أوّلا ، إذ بادر الاسلاميون إلى الاشتراك فيها ، ثمّ الحركات الدينية التي تتبنّى الحل الإسلامي لعموم المجتمع .
    5 ـ وشكّلت هذه الخطوة الأخيرة حافزاً كبيراً للنهوض الفكري عند المسلمين من حيث محاولة اكتشاف واستنباط حل ديني لمختلف المشاكل والقضايا المطروحة آنذاك ، ولذا فانّ أكثر ما أنتجه العلماء والمفكِّرون والكتاب المسلمون يدين إلى هذه النهضة السياسية والتي تحرّكت لتأمين فكرها وثقافتها من خلال المؤسسات الدينية القائمة في تلك المجتمعات .
    6 ـ بعث الأمل والنشاط من جديد في القطاعات الدينية وتحفز هذه القطاعات للعمل الجاد والمواجهة مع الانظمة والتيارات الجديدة بالاستعارة من مفاهيم الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
    استطاعت التيارات الدينية أن تهضم أدوات الحداثة ووسائل التقنية العلمية الجديدة ، وظهر جيل من العلماء المسلمين في مختلف الحقول الحياتية ، كالطب والهندسة والفيزياء والذرة والكيمياء وعلوم الفلك وغيرها .

    إلاّ انّ الاسلاميين ـ بشكل عام ـ شارفوا على نهاية القرن العشرين ، ولم يستطيعوا هضم الكم الهائل من النظريات والاكتشافات الفكرية والثقافية الحديثة في المجالات غير المادية ، كعلم النفس وعلوم التربية وعلم الاجتماع وعلم التاريخ ، والنشوء والارتقاء المتأخر لعلوم اللسانيات وكذلك في مجالي الأدب والفن .

    ولا زال الموقف العام من هذه النتاجات المذهلة في هذه الحقول متحفظاً بل سلبياً على أساس أنّ هذه الافكار ليست علمية محايدة وانما صدرت عن رؤى مادية وإلحادية ، وبالتالي فهي افكار ونظريات مذهبية تتعارض مع الدين الذي له رؤاه وآراؤه الخاصة في سـائر شؤون الحـياة والتي فيها الغِنى عن غيرها ، ممّا يحمل التلوث بالأهـواء المضلّة والأفكار البشرية الناقصة .
    ولم يتمكّن الكثيرون منهم التمييز بين ما هو نظريات علمية بحتة ، تبحث وتناقش، في حقول علم النفس مثلا، كما نناقشها في علم الطب ، وبين ما هو علمي وتجربي وبين ما هو مذهبي وعقيدي .

    كما لم يمكن التفريق بين النظر في الافكار ونقدها وبين الموقف من القائل وعقيدته الخاصة ، ولذا كان موقف «الاسلاميين» ـ في الأغلب ـ سلبياً من كل ما نسب إلى فرويد ، رغم ابداعاته وانجازاته الكبيرة في مجال علم النفس ، حتّى أنّ البعض يعتبر تاريخ علم النفس منقسماً إلى ما قبل فرويد وما بعده.

    ولم يتعامل الكثيرون حتّى مع أفكار هيغل وماركس على أساس الصحة والخطأ في الآراء المختلفة ، بل كان اللجوء عادة إلى الاحكام الكلية من خلال نقد فكرة صارخة في معارضتها للدِّين ، والاستهزاء من طلابها بسائر أفكارهما ، ونجد في منهج التعامل السـليم ـ وهو غير عام ـ عند الشهيد الصدر في كتاباته الذي كان يتعامل بموضوعية مع الآراء المختلفة فيقبل منها ما يراه صحيحاً ويرفض ما يثبت خطأه عنده بغض النظر عن القائل أو العامل بها .

    وتوقّف الكثير من الاسـلاميين عند البحث الاصطلاحي في رفض ما جاءت به النهضة الأوربية الحديثة ، دون الاستفادة من المضامين الإنسانية التي حملتها، كالموقف من الانتخابات عموماً والبرلمان والديمقراطية ، وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، والمصطلحات الحزبية والسياسية، وأخيراً في التعامل مع مصطلح العلمنة والجدل المنطقي في التسمية لا الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي تهدف إليها .
    وقد نجد من معالم الموقف السلبي المطلق من النتاجات الفكرية والثقافية الإنسانية هو وصف كل نتاج بشري بالمادية والوضعية ، مع ان النتاجات البشرية الصحيحة هي من نتاج العقل الذي هو اعظم ما أنعم به الله تعالى على البشرية ، وكان من أعظم خصائص الإسلام دعوته إلى التفكّر وطلب العلم والسـير في الأرض ودراسـة الآثار واكتشاف آيات الله تعالى في الانفس والآفاق .

    ومن معالم هذا الموقف أيضاً محاولة زجّ الدين في كل امر حياتي ونسبة رأي له فيه ، ناسـين أنّ في الإسلام مساحة فراغ تركها للناس ليملأوها بجهدهم الفكري وكفاحهم العملي ومن خلال المصلحة العامّة لهم .
    وقد كان من نتاج هذا الزجّ التحـميلي للدِّين ، أن ظهرت ألوان من التفسير العلمي ، الذي تُحمِّل آيات القرآن معان ونظريات لا تتضمنها الآيات القرآنية ، فكان لوناً من ألوان التفسير بالرأي المنهي عنه .
    كما وجدنا البعض كتب في : الطب في الإسلام ، علم الفلك في الإسلام ، بناء المستشفيات في الإسـلام ، بالاستناد إلى روايات لم يثبت سندها ، او آراء لمسلمين عاشوا زمانهم لا عصرنا الحاضر .

    ولم يعِ هؤلاء انّ القرآن كتاب هداية ، رغم ما تضمّـنه من حقائق علمية ، وان الإسلام منهج حياة ، لا بديل للعلوم ولا معطل للجهد البشري الخلاق الذي حث عليه الإسلام وشجّع عليه ، وأنّ معنى «ما من واقعة إلاّ وللاسلام فيها حكم» ، لا يعني أنّ له رأياً تفصيلياً في سائر الشؤون بل أن يعطي خطاً عاماً ويترك التفاصيل للجهد البشري والفكر العلمي ، مع وجود مساحة الإباحة الواسعة واصالة الحلية في الكثير من الامور الحياتية . ولذا فلا داعي للتكلف ونسبة آراء للاسلام في امور تفصيلية وبعضها متغيرة ، حتّى وجدنا ان البعض ينسـب للاسلام القول بنظرية علمـية سرعان ما تتغيّر ، او يزج الإسلام في أمور تفصيلية تركها الإسلام لحكمة وعظمة فيه .
    كما أنّ الكثيرين لم يدركوا أنّ الكثير من نتاجات النهضة العلمية الحديثة كانت بفعل الآراء الإسـلامية ، التي انتقلت إلى أوربا من خلال الأندلس وغيرها ، بواسطة حركة الترجمة التي نشطت في أواخر القرون الوسطى ، وإلاّ فانّ أوربا كانت تئن من التحجّر والجمود حتّى القرن السابع عشر ـ حيث حكم على غاليلو بالموت ، لأ نّه قال بكروية الأرض وحركتها ـ ويعود الفضل في حرية البحث العلمي فيها إلى بحوث المسلمين القائمة على التعليل والتجربة بعيداً عن الخرافة والتي كانت غالبة على أوربا آنذاك .
    ولذا فانّ كثيراً من ابتكارات أوربا العلمية هي تكامل وامتداد لحضارتنا العلمية التي تمثّلت في عمالقة اخذوا موقعهم في تاريخ العالم العلمي كجابر بن حيان والخوارزمي وابن سينا والفارابي وغيرهم .
    كما أنّ الدارسين لتاريخ الحضارات في العالم لا يقرّون بالفصل التام بين الحضارات المختلفة ، وانّما الحضارات في حوار وتكامل تنتقل فيه النهضات من مكان لآخر ومن زمان لبعده حسب الظروف وقوانين بروز الحضارات والمدنيات وضمورها .
    فلم يكن ما أنتجه العلماء المسلمون مفصولا ومنقطعاً عمن سبقهم من الروم والفرس وحضارة مصر والرافدين والهند والصين وغيرهم، ولا الأوربيون ابتدأوا من ساكن، وانّما هي حركة العلم والفكر في تكامل واضطراد، فإذا ضمرت هنا ظهرت هناك .
    الاسلاميون والحداثة اليوم :
    تختلف موجة الحداثة في نهاية القرن العشرين عن موجة الحداثة أوّله ، فربّما كانت أوائل الحداثة تتمثل أكثر شيء بما جاءت به المكتشفات العلمية الحديثة التي غيرت وجه الحـياة المدنية وأدخلت فيها ما كان لا يحلم به الناس في السابق . وبالتالي تأثرت حياة الناس الاجتماعية بهذه التطورات التي قرّبت البعيد ، ويسّرت الصعب ، وربّما ما كان يعدّ من المستحيل .
    ولكن موجة الحداثة أواخر القرن العشرين ورغم ما اشتملت عليه من تجديد وتطوير هائل في وسائل الاتصال والنظريات العلمية وغيرها ... رغم كل هذا فانّها حملت معها هذه المرة أفكاراً وآثاراً واسعة على صعيد الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية ، إذ ان التغيير شمل النظم الاقتصادية وحركة الرأسمال ونمط العلاقات الاقتصادية ، كما شمل التغيير بشكل واسع الأوضاع الاجتماعية على صعيد الأسرة والعلاقات العامة ، وحملت هذه الموجة معها أيضاً الكثير من الأفكار السياسية التي غيّرت وتغيِّر الواقع السياسي في معظم دول العالم .
    وكانت هذه الافكار والآثار على ضربين ، منها ما هو نتيجة طبيعية لتغير الواقع المادي للإنسان والذي يستتبع بطبيعة الحال تغير نظم العيش ويبرز الحاجة إلى افكار وبرامج جديدة ، كما هو الحال في تغيّر المجتمعات من الحالة الزراعية إلى الحالة الصناعية ، وتغير الحياة من الحالة الريفية إلى منظومات المدن الكبيرة المزدحمة ذات الحياة التجارية والصناعية ، إذ حلّت فيها قوانين التنافس التجاري والسباق العلمي وقوانين العرض والطلب العالمية الصارمة محل الاستقرار والركود الحاكم على الحياة الريفية المحكومة بالأعراف والقيم .
    وبعض هذه التغـيّرات كان نتيجة لارتقاء الحـياة من حيث تأمين متطلّباتها الرفاهيـة وتطـوّر وسـائل التعليم والثقافة وبالتالي نمو الفكر السياسي والثقافة العامة ، فإن المجتمعات التي تفتقد إلى الأمن ـ وهو أوّل وأهم متطلّبات الحياة ـ أو التي تستنزف أوقات ابنائها في طلب لقمة الحياة الأوّلية لا تجد المتسع من الوقت والاهتمام لمتابعة الحياة السياسية أو التفرغ للفكر والثقافة .
    ولذا فانّ هذه التغييرات ستشمل العالم الثالث النامي ـ شئنا أم أبينا ـ وستصلنا الموجة بأسرع ما يمكن سواء بالمعايشة المباشرة بين المهاجرين إلى الغرب ، أو بواسطة وسائل الاتصال ، أو مع واردات التكنولوجيا والنظم العلمية والإدارية والتي تتضمّن ـ بصورة طبيعية ـ بعضاً من هذه الأفكار والبرامج الحياتية الجديدة .
    ولن تنجح كل محاولات العزل أو الانغلاق أو سدّ النوافذ ـ مهما كانت حديدية أو شـديدة ـ في إيقاف زحـف هذه التغـيّرات وورود الأفكار الجديدة ، نعم قد تضيّع هذه الاجراءات بعض الوقت أو تبطئ الموجة ، ولكن حال المجتمعات المغلقة سيكون شأن أصحاب الكهف ، فهم على الرغم من إيمانهم العالي والكبير ، إلاّ انهم قد يكونون فضلوا العودة إلى الكهف لأنهم وجدوا أنفسهم ينتمون إلى الماضي ولا يستطيعون العيش في مجتمع جـديد ، لم يعايشوا نموّه وتطوّره .
    ولذا فإنّ على الاسلاميين مواجهة هذه الحقيقة كما هي ، وهي انّ الحداثة قادمة لكل المجـتمعات لا محالة ، بما تحمل من نظم وبرامج وافكار ، وعليهم طرح الحلول المناسبة والبدائل الصحيحة لا لمواجهة الحداثة والدخول في معركة مع العصر ... ولكن لاستيعاب الحداثة وهضمها والتعايش بالاسلام في هذا العصر بكل ما فيه من تطوير وتنمية وتحديث .
    * احسان امين

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 07:51 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ملف الاسلام والحداثة:فوكوياما:هل الاصولية الاسلامية صورة من الفاشية؟؟؟ (Re: osama elkhawad)

    كتب فرانسوا فوكويوما مقالاً حول العالم الإسلامي والأحداث الأخيرة التي وقعت في 11 سبتمبر/أيلول 2001م في مجلة نيوزويك الأسبوعية في طبعتها العربية بتاريخ25 ديسمبر/كانون لأول 2001م تحت عنوان "هدفهم: العالم المعاصر"، فالمقال جدير بالتعليق والمتابعة والتحليل لأن كاتبه ذو مكانة علمية وعملية في الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، ولأن المقال يرصد آخر تطورات عالمنا الإسلامي من جهة ثانية.

    حلّل فوكويوما علاقة العالم الإسلامي بالحضارة الغربية، وانتهى إلى أن المشكلة ليست محدودة مع عدد من الإرهابيين كما يتصور بعض سياسيي الولايات المتحدة، بل هي مع مجموعة أكبر كثيراً من الراديكاليين الإسلاميين ومن المسلمين الذين ينضوون تحت ظاهرة سمّاها "الأصولية الإسلامية"، وأنا سأستخدم في مقالي المصطلح ذاته الذي استخدمه فوكويوما كعلم للإشارة إلى الظاهرة التي يدور حولها الكلام، مع ضرورة الانتباه إلى عدم الاستسلام لكل المعاني التي ينطوي عليها هذا المصطلح الذي يعبّر عن جانب من الحياة الفكرية في الحضارة الغربية.

    قرّر فوكويوما في مقاله أن حل مشكلة العالم الإسلامي تكون بتعميق الحداثة والعلمانية، ولكنّه جهل أو تجاهل أن الحداثة والعلمانية ليستا أمرين جديدين على العالم الإسلامي، بل كانتا أمرين مطروحين منذ قرن على الأقل، وجرت محاولات عديدة لترسيخهما في المنطقة، وحمل رايتهما شخصيات وأحزاب وهيئات وفئات متعددة، وأبرز من حملهما الحركات القومية على اختلاف أنواعها: العربية والسورية والفرعونية، ويمكن أن نمثّل بعلمانيين وحداثيين بارزين في نطاق كل من الحركات القومية السابقة، ففي المجال القومي العربي كان ساطع الحصري، وفي مجال القومي السوري كان أنطون سعادة، وفي المجال الفرعوني كان سلامة موسى، وقد اعتبر الخديوي اسماعيل في القرن التاسع عشر مصر قطعة من أوروبا، كما دعى طه حسين في القرن العشرين إلى أخذ الحضارة بكل ما فيها من حلو ومر، ولم تبق العلمانية والحداثة في نطاق الدعوة بل انتقلت إلى التطبيق عندما استلمت بعض الحركات القومية العربية قيادة عدة دول من العالم العربي في فترة مبكرة من القرن العشرين، وقد لعب ساطع الحصري دوراً بارزاً في كل من النظامين العراقي والسوري من أجل ترسيخ القومية العربية ذات التوجه العلماني الحداثي منذ العشرينات حتى الخمسينات من القرن الماضي، ثم ارتبط الفكر القومي العربي بالاشتراكية في الستينات، وتعمّقت الدعوة إلى الحداثة والعلمانية في معظم أقطار العالم العربي: مصر، سورية، العراق، الجزائر، اليمن، السودان إلخ... وحاولت القيادات القومية العربية الاشتراكية أن ترسخ الحداثة والعلمانية في المجتمعات العربية التي حكمتها ومع ذلك لم تفلح في ذلك، والسؤال الآن: لماذا لم تنجح محاولات تلك القيادات القومية العربية الاشتراكية في ترسيخ الحداثة والعلمانية وجعلهما جزءاً من كيان المنطقة؟ ولماذا كانت "الصحوة الإسلامية" التي جاءت بعد كل هذه المحاولات في ترسيخ الحداثة والعلمانية؟ السبب في ذلك واضح: أن تلك المحاولات لم تراع خصوصية المنطقة، لذلك فإن أي محاولة لتطبيق الحداثة والعلمانية في المستقبل ستكون مصيرها الفشل إن لم تراع خصوصية المنطقة وشخصيتها الحضارية التاريخية.

    رجّح فوكويوما تشابه الدين الإسلامي مع الأديان الأخرى الكبرى كالمسيحية، والهندوسية، والكونفوشية إلخ... وتصّور كل الأديان عبارة عن نظام شديد التعقيد تطور بطرق متعددة، لا أريد أن أناقشه في نظريته الخاطئة التي تضع كل الأديان في سلّة واحدة وعلى صعيد واحد ومسار واحد، لكني أريد أن أشير إل نقطة خلاف رئيسية بين الدين الإسلامي والمسيحية، وهي أن الإسلام استطاع أن يكوّن أمة مسلمة منذ اللحظة الأولى التي نجح فيها الرسول r بالهجرة إلى المدينة، وامتد وجود تلك الأمة الإسلامية إلى وقتنا الحاضر، في حين أن المسيحية لم تستطع أن تكوّن تلك الأمة، بل قامت الأمم الغربية بعد سقوط المسيحية كالأمة الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والهولندية ... إن تجاهل قيادات الفكر والرأي والسياسة في الغرب لهذه الحقيقة وهي أن هناك أمة إسلامية ذات وجود مادي على أرض الواقع جعلهم لا يتعاملون تعاملاً سليماً مع منطقتنا، بل يتعاملون تعاملاً خاطئاً، فهم يتعاملون مع منطقتنا كشرق أوسط أي كجهة خالية من أي مضمون، وعليها أن تستقبل، وتتكيّف مع كل ما ينقل إليها، وعندما تأتي النتائج على عكس ما يتوقّعون يتهمون المنطقة بأنها تفرز "أصوليات" متعددة على غير ما وقع في المناطق الأخرى. إن التعامل السليم مع المنطقة يكون من الانطلاق بأن هناك أمة موجودة ذات تشكل حضاري خاص هو الذي يحدد الأفكار والقيم المناسبة التي يجب أن تتفاعل معها.

    علّل فوكويوما نشوء "الأصولية الإسلامية" بنفس عوامل نشوء الفاشية في أوروبا بعوامل اجتماعية منها: اجتثاث أعداد كبيرة من السكان من قراهم التقليدية أو حياتهم القبلية، وانتقالهم إلى المدن، كما ذكر سبباً آخر لنشوء "الأصولية الإسلامية" هو الفقر والركود الاقتصادي، إن هذا التعليل قاصر وغير صحيح، وإن التعليل الأصح لنشوء ظاهرة "الأصولية الإسلامية" إنها تعبير عن رفض حركة التغريب والاستئصال الثقافي التي مارستها الأنظمة القومية الاشتراكية في منتصف القرن العشرين، وتعبير عن الانتماء إلى الأمة الإسلامية ذات الثقافة والواحدة، ومما يؤكد هذا التعليل وجود ظاهرة "الأصولية الإسلامية" على امتداد العالم الإسلامي، فوجدت في بلدان غنية وفقيرة وذات تركيبة اجتماعية متنوعة مثل تركيا والجزائر ومصر والخليج وفلسطين إلخ...

    أشار فوكويوما إلى أن "الأصولية الإسلامية" تعتبر الغرب فاسداً بسبب الإباحية، وبسبب المثليّة الجنسية، ووضع المرأة فيه إلخ... لكن الحقيقة أن مشكلة "الأصولية الإسلامية" مع الغرب ليست إباحيته بالدرجة الأولى، لكن المشكلة الأولى تكمن معه في نسبية الحقيقة التي يقوم عليها والتي تتصادم مع بعض الجوانب الثابتة في الدين الإسلامي: كالعقائد، والعبادات، والحدود، والتشريعات المتعلقة بالأسرة مثل أحكام الزواج والطلاق إلخ...

    شبه فوكويوما "الأصولية الإسلامية" بالفاشية التي برزت في أوروبا في الثلاثينات من القرن العشرين، والتي قادت العالم إلى الحرب العالمية الثانية، وبيّن فوكويوما إلى أن الجامع بين الأصولية والفاشية هو عدم التسامح مع الآخرين، ولا أريد الخوض مع فوكويوما في مدى صحة تشبيهه "الأصولية الإسلامية" بالفاشية والفوارق بينهما، لكن أشير إلى تناقضه عندما امتدح الخلافة العثمانية التي كانت تطبق نظام الملل الذي يحقق التسامح الديني الذي امتد من القرون الوسطى إلى القرن التاسع عشر في حين أن أوروبا كانت غارقة في اضطهاد الفرق الدينية لبعضها البعض في تلك الفترة التاريخية.

    لام فوكويوما الدول العربية جميعها بأنه لم يحدث فيها تطور نحو الديمقراطية خلال القرن الماضي، وأشار إلى أنه لم تتطوع أية حكومة عربية للتخلي عن السلطة لمصلحة الديمقراطية، ليس من شك بأن لوماً كبيراً ومؤاخذة واسعة توجه إلى كثير من ممارسات الحكومات العربية السلبية في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية إلخ...، لكن لوماً آخر و بشكل أكبر يوجّه إلى الولايات المتحدة التي كان تدخلها في العالم الإسلامي من أجل ترسيخ ديكتاتوريات عسكرية، أو ممارسة سياسة ضارة بالمنطقة، ويمكن أن نمثّل على الأمر الأول بالانقلاب العسكري الذي قادته المخابرات المركزية الأمريكية (C.I.A) وأوصلت فيه حسني الزعيم إلى حكم سورية عام 1949م، والذي افتتحت به سلسلة الانقلابات في منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، ويمكن أن نمثّل على الأمر الثاني بالحرب العراقية الإيرانية التي كانت أمريكا وراء إطالة أمدها لمدة ثماني سنوات، وكانت نتيجة ذلك تدمير المنطقة، واستنـزاف طاقاتها، وترسيخ ديكتاتورية صدام حسين، وتضخيم آلته العسكرية التي كانت سبباً رئيسياً في نشوء حرب الخليج الثانية حيث أكملت هذه الحرب تدمير المنطقة.

    امتدح فوكويوما نظام تركيا الديمقراطي، لكن ألا يحس معنا فوكويوما أن الديمقراطية لا تعدو كونها عنواناً وليس حقيقة؟ ألا يشعر معنا بأن نظام تركيا أقرب إلى الديكتاتورية منه إلى الديمقراطية؟ كيف يمكن أن يكون نظام تركيا ديمقراطياً وهو الذي انقلب جيشه على برلمانات منتخبة؟ كيف يمكن أن يكون نظام تركيا ديمقراطياً وهو الذي حل مجلسه العسكري عشرات الأحزاب؟ كيف يمكن أن يكون نظام تركيا ديمقراطياً وهو الذي أبطل جنرالاته عشرات القرارات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الصادرة عن مجلسي الوزراء والنواب الشرعيين؟ وفي النهاية: كيف يمكن أن يكون نظام تركيا ديمقراطياً وهو الذي يمارس كل هذه الممارسات المعادية لرغبات الشعب؟

    إن المتفحّص لمقال فوكويوما يرى أن الغرب مازال يريد أن يفرض نموذجه الحضاري الذي فشل في فرضه خلال القرنين الماضيين، فهل ينجح في المستقبل القريب فيما فشل في تحقيقه منذ الماضي البعيد؟ أشك في ذلك.
    -غازي التوبة-
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 07:58 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ملف الاسلام والحداثة:مواجهة ام معايشة؟؟الترابي ,فوكوياما و هنتغتون (Re: osama elkhawad)

    الاسلام .. والحداثة .. المواجهة ام المعايشة ؟؟ من وجهة نظر د. فوكاياما .. د. الترابي .. د. هنتغتون !!

    هذه مجموعة من ثلاثة من المفكرين.. اثنان منهم من الولايات المتحدة الامريكية.. وواحد منهم في الشرق الاسلامي .. وقد عبر كل من الرجال الثلاثة عن رأيه في الذي حدث من التفجيرات التي طالت الولايات المتحدة في 11 سبتمبر سنة 2001م وآثارها . . هدفنا في هذا المقال القاء الضوء على الفكرة الاساسية التي خرج بها كل منهم حول تداعيات الاحداث المذكورة.. والمقارنة بين ما جاءت به عقلية كل منهم . ثم اعمال رأينا في ما توصل اليه الرجال الثلاثة على ضوء المرحلة التي وصلها تطور الاحوال على مستوى الفكر والواقع المعيشي.

    فوكاياما مفكر امريكي من اصول شرقية يعمل الآن استاذاً للاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة جون هوبكنز بمركز جون اولين الملحق بجامعة شيكاغو .. وهو مهتم بالفكر السياسي والاقتصادي وله أسهامات مقروءة في تطور الفكر والواقع الانساني في هذا المجال .. واشهر مساهماته كتابه الذي طوره من مقال في العقد الماضي تحت عنوان «نهاية التاريخ والانسان الاخير» قال فيه ان الديمقراطية الليبرالية التي توصلت اليها المجتمعات الغربية هي نهاية نظم الحكم المثلى للانسان .. كما أن الرأسمالية الليبرالية هي نهاية النظام الاقتصادي الامثل التي يمكن للانسان ان يتوصل اليها .. وفي هذين النظامين ينتهي تاريخ الانسان في الادارة والنظم الاجتماعية ..

    د. الترابي من ناحية اخرى استاذ القانون السابق بجامعة الخرطوم .. ترك الاكاديميات متفرغاً للعمل السياسي ولكنه رغم ذلك منشغل بالهم الفكري .. مساهمته الاساسية على مستوى الفكر والتطبيق .. تدور حول ان الاسلام باعتباره خلاصة الاديان السماوية هو غاية ما على الانسان تطبيقه في واقع الحياة على مستواها الفردي والحياة العامة .. فيرد الانسان الامر كله الى مبدعه وهو - الله - فيعيش في سلام عالمي . وتوازن روحي.. وسعادة مادية .. وفي سبيل اطروحته هذه دخل د. الترابي سجون بلاده ومكث فيها فترة تتراوح ما بين 7-8 سنوات وهو الآن رهين السجن .

    أما د. هنتغتون فهو أستاذ للعلوم السياسية أمريكي الجنسية يعيش في الساحل الشرقي للولايات المتحدة ويعمل في جامعة هارفارد . له اسهامات عديدة في الفكر السياسي - الاجتماعي وقد ذهب في مقالة له مشهورة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال الحرب الباردة.. ان العالم يدخل مرحلة صراع الحضارات .. وان عالم ما بعد الحرب الباردة عالم تتلاشى فيه الاحتكاكات بين «الدول» .. وان الحروب والصدامات سوف تكون بين الحضارات .. وعلى ذلك فسوف تتلاقى الحضارات الشرقية ضد الحضارة الغربية . هذه هي بعض ملامح خلفيات المفكرين الثلاثة الذين سوف يخلط هذا المقال اطروحاتهم لعالم ما بعد احداث 11 سبتمبر سنة 2001م ويهزها هزاً شديداً امعاناً في الخلط مثل خلط عدد من الفواكه المختلفة في «خلاظ كهربائي» ثم النظر إلى «الناتج - المادة المخلوطة» .. وبعد ذلك الخروج ببعض العبر الاساسية . ولعلني لا اتسارع بالقاريء الى محصلة المقال ان قلت ان كل من الرجال الثلاثة يعتقد بقوة ان فكرته الاساسية ستظل كما هي بعد احداث 11 سبتمبر .. فوكاياما مثلاً قال ان فكرة «نهاية التاريخ والانسان الاخير» ستبقى كما هي وسوف يأتي العالم كل العالم صاغراً اليها.

    د. الترابي لم تزده هذه الاحداث إلا قناعة بحتمية تداعي الانسان الى منهج الله وأن هذه الاحداث وامثالها ما هي الا محاولات لتأخير وصول الانسان الى منهج خالقه بالطريق السلمي مما سوف يضطره الى اللجوء - وقد بدأ فعلاً - الى طريق القوة ليصل الى منهاج ربه وخالقه اما البروفسير صمويل هنتغتون فقد ذكر في آخر مقال له نشرته مجله النيوزويك العدد (81) بتاريخ 25/12 أن احداث تفجيرات امريكا من الداخل ما هي إلا مقدمة وبداية لتحقق أطروحته الاساسية «صراع الحضارات» .. إذ سوف تتداعى الحروب الامريكية على الارهاب فتفضي الى صراع عنيف بين الحضارات . خاصة الحضارات الشرقية والحضارة الغربية .. هل بدأت فعلاً معركة عسكرية بين الاسلام والحداثة ؟؟

    * بين فوكاياما ود. الترابي

    يذهب فوكاياما الى ان الاسباب التي تقف خلف التفجيرات التي تعرضت لها امريكا من قبل الذين قاموا بها تتعلق أساساً برفض الحركة الاسلامية الحديثة لمنهاج الحداثة الغربي .. واساسه القوى المتمثل في التسامح الديني هذا بالاضافة الى السياسات الغربية .. هذا ويطال الرفض الاسلامي الفاشي الجديد يطال المجتمع الغربي لأنه في نظرهم مجتمع فاسد من جذوره ولم يكن هذا الفساد يقتصر على الاباحية والمثلية الجنسية وحقوق المرأة كما هي موجودة في الغرب بل يتمثل في العلمانية الغربية نفسها لأن دولتها تكريس التسامح الديني والتعددية بدلاً عن خدمة الحقيقة الدينية. د. الترابي يخالف كلية د. فوكاياما إذ يذهب الى ان الاسباب التي تقف وراء هذه الضربات التي تلقتها أمريكا جاءت نتيجة منطقية لمواقف امريكا من الاسلام والمسلمين «ففاعلوها لم تطرأ منهم مبادرة طائشين بغير سياق من سابق مظالم يستشعرونها، ولا نزوة غاضبين متوترين لاختلاف الملة والهوية ولاعدوة حاسدين اهاجهم ترف الثروة يريدون ايقاع عرمة لها واستلاب غنمة لأنفسهم وانما بذلوا عزيز النفوس واقتحموا ازيز المخاطر بدافع شعور محتدم من شاهدين من قريب لسلطان امريكا ، ولمواقفه المناوئة للاسلام الناهض الممالئة لكل الطغاة الجبابرة الذين يكتبونه ، المتغاضية لأجلهم عن دعاوي الحرية والديمقراطية مثلاً عالية ، ولنفوذه العالمي الذي يسخره لمحالفة الظالمين المحاربين لشعوب الاسلام والعروبة لا سيما اليهود في فلسطين ولمكايدة بلاد كلها اتفاقاً مسلمة عربية كانت او افريقية أو أسيوية» انتهى نص د. الترابي . وهكذا نرى تفاوتاً شديداً بين د. فوكاياما ود. الترابي دوافع واسباب الضربات التي طالت امريكا اذ بينما عزاها د. فوكاياما الى رفض الفاعلين للمجتمع الغربي وما يمثل من فكرة الحداثة والتعددية الدينية والعلمانية وما تمثل ما يظنه الفاعلون من انحطاط أخلاقي .. يذهب د. الترابي الى ان دوافع هذه الضربات هي المواقف الامريكية المناوئة للاسلام والمسلمين ونصرة اعداء المسلمين مثلما تقدم امريكا من دعم معنوي ومادي لليهود في فلسطين . يذهب د. الترابي الى ان هذه الضربات لا صلة لها ابداً باختلاف في الملة بين الفاعلين والمجتمع الذي تعرض لضرباتهم ولا عدوة حاسدين اهاجهم ترف الثروة يريدون ايقاع عرمة لها واستلاب غنمة لأنفسهم. اختلف الرجلان ايضاً حول احوال الذين قاموا بهذه الضربات من هم ؟ وماذا يمثلون ؟ .. د. فوكاياما يرى أنهم فاشيون اسلاميون سددوا ضربات ضد العالم الحديث فيما يمثل حركة ارتجاعية يائسة موجهة لما يمثله هذا العالم الحديث من نهضة علمانية تقودها فكرة الحداثة . والفاشية الاسلامية كما قال فوكاياما ما هي الا حركة الصحوة الاسلامية الحديثة التي يمثل انصارها في كل العالم الاسلامي ما بين 10% - 15% من سكانه حسب ما أورد..

    أما د. الترابي فيرى ان الفاعلين «ثقافتهم لها اصول اسلامية تقليدية ينحسم فيها فرقان جهادي بين المسلمين والكافرين لا يصلهم حوار وعليها اثر من تراث العنف التقليدي في الثقافة الامريكية ، وفيها كسب تربية علمية غربية ودربة على فنون التدابير الفاعلة الواقع . وما كان لأولئك المتبرمين من مجال حر ليصابروا ويفرجوا غم النفوس مجاهدين باللسان والحركة، فهم بين طريد ومحصور ومكبوت لدرجة الانفجار . ولئن لم تكن المصيبة المباغتة تعدياً وتسدياً بغير اصل مستفز فهل بقى فاعلوها على حد المدافعة وتقوى المجاهدة؟؟» هكذا يصل د. فوكاياما ود. الترابي الى رؤى مختلفة كلية عن احوال الذين قاموا بهذه التفجيرات الاول يذهب إلى انهم من عناصر الشر الارهابية ينبغي أن يقتلوا .. مثلما قال عن «الفكرة» التي يحملونها .. اذ لأول مرة اقرأ لمفكر يقول ان الفكر يمكن ان يموت اذا قتل حاملوه .. ففي مقامنا ذكر فوكاياما ان «اسامة بن لادن قد كسب شعبية هائلة لنجاحه في الهجوم على البرجين التوأمين . واذا علق ، مجازاً ، على عمود كهربائي في ميدان عام من قبل القوات الامريكية ، مع من حماه من طالبان ، فإن جاذبية حركته ستقل كثيراً . وبالعكس اذا استمرت المواجهة العسكرية بشكل غير مؤثر فإن الفاشية الاسلامية ستحصل على مزيد من التأييد» . والترابي من جانب آخر يرى في الذين قاموا بهذا التفجير شباب يحملون ثقافة ذات جذور اسلامية لم تلح فرصة بينهم وبين اعدائهم للحوار .. كما ضيق عليهم رحيل بينهم وبين التعبير الحر عن رأيهم .. والخيار الوحيد الذي ترك لهم هو الذي قاموا بفعله، د. الترابي لا يوافق على الطريقة التي تم بها الهجوم والتدمير في امريكا كما يرفض السياسة الامريكية الحالية باعتبارها انها المتسبب في كل هذا الذي حدث ويحدث .. من هنا نعلم ان د. الترابي يلوم الطرفين الطرف الامريكي والطرف الفاعل للتفجيرات .. ولكن لومه للطرف الفاعل للتفجيرات ينصب حول الطريقة التي تم بها الرد على السياسة الامريكية من قبل هؤلاء . وليس حول مبدأ الدفاع عن النفس .. أو مبدأ الرد على التجاوزات الامريكية.

    * بين د. الترابي .. ود. هنتغتون

    يختلف د. الترابي ود. هنتغتون اختلافاً أساسياً حول سلوك الحضارات في ما بعد الحرب الباردة .. إذ يرى الاول ان الفرصة متاحة للحضارات للتعايش .. والحوار .. والوصول إلى اراضي مشتركة وهو من أوائل المفكرين الذين اعلمهم على نطاق الغرب والشرق الاسلامي ان لم يكن الاول بينهم حين دعت الى الركون الى (الدين الابراهيمي) .. او القيم والمثل الابراهيمية رجوعاً الى نبي الله إبراهيم .. باعتباره كان حنيفاً مسلماً .. وفي تقديره ان هذا(هو نفع حوار الحضارات) (ومآل سلام العالم وعيشه تعايشاً سلمياً) . لقد بدأت بعض المنظمات المهتمة بحوار الاديان وحوار الحضارات تأخذ هذه الفكرة ساعية لاجراء حوار في اطارها بين الغرب والعالم الاسلامي ومن مثل هذه المؤسسات «المركز العالمي للدين والدبلوماسية» ومقره الولايات المتحدة .. ويقوم عليه البروفسير جوغستون . بينما يذهب د. الترابي هذا المذهب يحمل د. هنتغتون فكرة صدام الحضارات وله كتاب في هذا الصدد تقول فكرته الرئيسية ان العالم مقدم على صراع بين الحضارات خاصة الاسلام والغرب .. وكان هذا الرأي الذي قال به د. هنتغتون وقد واجه انتقاداً شديداً قبل عقد من الزمان. ولكن يبدو ان الرجلين قد قربا من بعضهما البعض بعض الشيء بعد الضربات التي نالتها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر سنة 2001م ..

    يشعر د. هنتغتون بان احداث سبتمبر ما هي الا بداية صدام الحضارات اذ يتعدى عنده الامر «مجرد مفهوم الارهاب» . هذه في تقديره هي البداية يقول د. هنتغتون: «ان بذور صدام عام بين الحضارات باتت منثورة . فردود الفعل على احداث 11 سبتمبر وردة الفعل الامريكية جاءت وفقاً لمنظور حضاري .. وكلما ازداد وطال استخدام الولايات المتحدة وحلفائها للقوة العسكرية ضد أعدائهم ستتوسع ردة الفعل الاسلامية وستمسي اكثر حدة .. فاعتداءات 11 سبتمبر ولدت الوحدة في صفوف الغرب والضربة الطويلة رداً عليها قد تولد وحدة في صفوف المسلمين» ..

    د. الترابي في تعليقه حول هذه الاحداث قال: «ان ذلك كله- يعني تداعيات الاحداث المذكورة - اخباراً ومشاهد استفز المسلمين فعبروا وظاهروا وازدادت كراهيتهم لامريكا ومن والاها واحتد ضيقهم وضجرهم بالذين نافقوها ووالوها وهم يرون ما يصيب المسلمين . فالوقود في العالم يتعاظم لنيران الصراع بين حضارة الغرب القوية المغرورة وصحوة الاسلام المتصاعدة ولو بوقع المصائب ، واذا احتدم هذا الصراع وفشت روحه فإن اعراضها ستنفجر في كل الارض». د. الترابي لم يزل على موقفه من امكانية بل وضرورة حوار الحضارات ولكنه يحذر ان الحضارات قد تقدم على صراع وصدام بينها فعلاً إذا أحتدم هذا السلوك اي رد الفعل الامريكي وتكثف . ان د. الترابي لا يخالف الرأي العام الذي يقول ان العدل يستدعى السعي للظفر بالمتورطين في التخطيط لهذا الحادث وتقديمهم للعدالة .. لأنه من الظلم النيل من كل العالم الاسلامي او بلد ما بسبب هذا الحادث الذي قامت به مجموعة محددة .

    والفرق بين رؤية د. هنتغتون . ورؤية د. الترابي لهذا الموضوع الخطير «صراع الحضارات» هو ان موضوع «صراع الحضارات عند هنتغتون» أمر تمليه ظروف سير التاريخ .. عالم ما بعد الحرب الباردة عنده هو عالم صراع الحضارات لأن «الدولة الوطنية» لم تعد المجسد للفوارق بين بني الانسان .. الفوارق تجسدها الثقافات والاديان .. الاسلام والحداثة مثلاً، من ناحية اخرى يرى د. الترابي انه ليس بالضرورة ان يقود عالم ما بعد الحرب الباردة الى صراع حضارات .. ولكن قد يحدث ذلك اذا تمادت الحضارة الاقوى مادياً في افعال الظلم والاعتداء .. ومناصرة فئة على فئة كما هو الحال من مناصرة امريكا لاسرائيل على حساب الحقوق العربية المشروعة .. فالصراع بين الحضارات ليس حتمية تاريخية ولكن قد يحدث ! أما فوكاياما فيرى أن الاسلاميين هم «الجهة» الوحيدة التي ترفض «الحداثة الغربية» علماً بأن الاسلام المعتدل لا يرفض ذلك .. وعليه أن «يوفق» اوضاعه ليساير فكرة الحداثة الغربية كما فعلت المجتمعات المسيحية وإلا «فهذا أو الطوفان» .. اما ان يخضع الاسلام لفكرة الحداثة وأما الصدام.

    * الشاهد الاخير :
    من خلطة رأي المفكرين الثلاثة يخرج هذا المقال برأي يقول: ان الحضارات سوف تصطرع في المستقبل ونحن ندخل عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001م وليس بالضرورة ان يكون هذا الصراع حرباً ساخنة .. ولكنه الى حد كبير «صراع فكري» لأن الذي يؤرق مضاجع الغرب في هذه الفترة من التاريخ هو انتصار الاسلام على المستوى الفكري حتى صار الدين «رقم واحد» في العالم بجانب المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية . فالحرب التي تشنها امريكا القصد منها تأخير وصول الاسلام إلى انتصاره التاريخي وذلك حادث لا محالة !!
    د. عبد الله الشيخ
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 08:14 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
نصر أبوزيد: الحداثة خادم للتراث والقران نص تاريخي ثقافي (Re: osama elkhawad)


    ملحق النهار الثقافي
    الخميس 17 أكتوبر 2002
    أجرى الحوار: مـحـمـد عـلـي الأتـاسـي

    هذه المقابلة الدمشقية مع الدكتور نصر حامد أبو زيد حملتها بين أوراقي شهورا عدة وكنت أتمني ان تنشر في مصر التي يحملها ابو زيد في قلبه، رغم المنفى. أما الجولة الصغيرة في أحياء دمشق القديمة وصولا الى مقبرة باب الصغير حيث يرقد جثمان الشاعر نزار قباني، فآهٍ لو أنها كانت ممكنة في شوارع مدينة القاهرة. لكن مصر النهضة والثقافة والمؤسسة الجامعية باتت اليوم تضيق ليس فقط بفكر نصر حامد أبو زيد، بل بوجوده الجسدي على أرضها وحتى بكتبه التي سحبت من المكتبة العامة في الجامعة. قد يقول قائل ان الفكر الحر والنقدي محكوم عليه أن يبقى أقلويا، لكن المصيبة الكبرى أن عناصر التخلف والتقليد الأعمى واللاعقلانية صارت اليوم ثقافة تلفزيونية جامعة يروجها في أوساط الملايين أشخاص من أمثال الداعية عمرو خالد ومن قبله الشيخ محمد متولي الشعراوي. هذا في الوقت الذي تغلق فيه أبواب المؤسسات الأكاديمية العربية وعلى رأسها الجامعة المصرية في وجه آخر ممثلي تيار النهضة العربية الذي بدأ بالشيخ محمد عبده وطه حسين ويجب أن لا ينتهي مع نصر حامد أبو زيد. لكن هذا الأخير لم يحرم فقط من بلده وأهله ومنصبه الاكاديمي، لكنه حرم ايضاً من طلابه ومنع زورا وبهتانا من أن يزرع في عقول الأجيال الجديدة الفكر النقدي العقلاني الذي أخذه وطوره عن الذين سبقوه. والذي بدونه لا قيامة للعرب والمسلمين من سباتهم الطويل.

    محنة نصر حامد أبو زيد هي محنة الثقافة العربية في عصرنا الراهن. وكرامة استاذ الجامعة الجريحة هي كرامة البحث العلمي واستقلاليته المستباحة على مذبح الإيديولوجيا القروسطوية بمكونيها الرئيسين: السلطة السياسية المستبدة والسلطة الدينية المتحجرة. ورهان نصر حامد ابو زيد هو رهان المستقبل والاسلام المنفتح والتسامح الديني والحرية المستعادة. يبقى رجاء أخير عند قراءة هذه المقابلة، أن لا يستل جند الظلمات والتكفير سيوفهم من أغمادها ويصرخون مجددا وإسلاماه. ولعلهم يقبلون ولو لمرة أن يفتحوا عقولهم للتأمل والنقاش، فالقلم ينادي القلم، والفكر ينادي الفكر، وأين للسيوف الصدئة أن تنال من هذا الفكر المتألق.

    * يعتبر الكثيرون ان الشيخ امين الخولي هو رائد التجديد في الدراسات القرآنية، وأنه اول من حاول تطبيق المنهج الادبي في مقاربة القرآن، ما طبيعة علاقتك بفكر امين الخولي وهل تعرفت اليه شخصياً؟

    - لم اعرف الشيخ امين الخولي شخصياً، لكنه كان اول من نشر لي في مجلة "الادب" مقالة حول ازمة الاغنية المصرية، وكنت يومها لا ازال يافعاً. من هنا نشأت العلاقة الروحية مع هذا الاستاذ الكبير. بعد دخولي الجامعة وموت الخولي قرأت كتبه وكذلك ابحاث محمد احمد خلف الله، وكنت تالياً واعياً ازمة الدراسات الاسلامية في قسم اللغة العربية وواعياً مشكلة الجامعة المصرية. احد الاساتذة الذين درسوا لي وأثّروا فيّ تأثيراً عظيماً في الجامعة كان شكري عياد وهو تلميذ أمين الخولي وكان قد حصل على درجة الماجستير برسالة عن "يوم الحساب في القرآن" تحت اشراف الخولي، ولكنه اضطر الى تغيير تخصصه من الدراسات الاسلامية الى الدراسات النقدية عندما الغيت رسالة اخرى تحت اشراف الشيخ امين الخولي هي رسالة الدكتوراه لمحمد احمد خلف الله.

    هذا الخط في الدراسات القرآنية يبدأ مع الشيخ محمد عبده الذي تكلم عن التمثيل في القرآن واعتبر ان القصص القرآني تمثيلات بما فيها قصة آدم وخروجه من الجنة. والتمثيل هنا مفهوم بلاغي. الشيخ محمد عبده، وان استخدم لغة تقليدية، فقد وضع الاساس لهذه التوجه وجاء بعده طه حسين ودفع المنهج الى الامام في كتبه كلها طبعاً، لكن في الاخص كتاب "في الشعر الجاهلي"، عندما اشار الى القصة القرآنية عن ابرهيم واسماعيل ليس من الضرورة اعتبارها واقعة تاريخية. وواصل بعده امين الخولي عندما اعتبر ان ادبية القرآن هي السمة الاساسية التي تسبق اي سمة اخرى، وان التحليل الادبي وفن القول يسبقان اي تحليل فلسفي او فقهي. هذا المنهج طبقته عائشة عبد الرحمن في "التفسير البياني" ومحمد احمد خلف الله في رسالته "الفن القصصي في القرآن" وشكري عياد في رسالة الماجستير، وأنا اعتبر نفسي تواصلاً مع هذا الخط، في سياق تطور النظرية الادبية وعلم النصوص. عندما كتبت "مفهوم النص" كان الشيخ امين الخولي مرجعية بالنسبة اليّ في ما يسمى ادبية القرآن.

    * ما هو في رأيك سبب فشل هذا المنهج في تثبيت أقدامه داخل الجامعة وتحقيق نوع من استمرار المؤسسات؟ هل السبب سياسي من خارج الجامعة، ام ان هناك ازمة داخل هذا الفكر نفسه؟

    - هناك اسباب معقدة، ويجب ان نبقى على بصيرة الى ان اي إقتراب من القرآن هو في الضرورة مخاطرة. وهذا قائم منذ القرن الثالث الهجري، العصر الذي اضطلعت فيه السلطة السياسية بدور اساسي في حسم الجدل الفكري الذي نشأ حول فكرة خلق القرآن. فالخليفة المأمون تدخل في البداية وحاول فرض فكرة "خلق القرآن" بقوة الدولة، واضطهد من لا يؤمنون بهذه العقيدة، ثم جاء المتوكل وقام بعكس ذلك واضطهد المعتزلة. ومنذ صدور الوثيقة المتوكلية في ذلك الزمن حول العقائد الصحيحة لأهل السنة، والتي تتضمن ان القرآن ازلي قديم، تجمدت المشكلة وأوقفت الاسئلة لصالح مؤسسة لاهوتية هي الى حد كبير اشعرية حنبلية. وبقي الامر على هذه الحال الى عصر النهضة ومشروع محمد عبده الاصلاحي الذي حاول ان يقترب من هذا السؤال لكن يبدو ان بعض المخاوف جعلته يتراجع.

    * لكن بعد الشيخ محمد عبده جاء طه حسين والشيخ امين الخولي وغيرهما كثيرون لكنهم تراجعوا عن هذا الطريق ولم يطرحوا الاسئلة حتى نهاياتها، ما هي الاسباب في رأيك؟

    - يجب ان لا ننظر هنا الى كلمة تراجع في معناها السلبي، وان لا ننظر الى الفكر باعتباره يدور في فراغه الخاص بمعزل عن حركة المجتمع.
    اسباب عدة يمكن ايرادها في هذا السياق، اولها ان الجامعة الاهلية كمؤسسة مدنية نشأت ضعيفة، فمشروع النهضة ومشروع تحديث المجتمع قاما على بنية مزدوجة: هناك تحديث، لكن ليس هناك حداثة. لقد تم استيراد مؤسسات مثل الاوبرا والسكك الحديد والجامعة والبرلمان، لكن الممارسات استمرت وفق المنطق القديم. المجتمع المدني ومنه الجامعة بقي مجاوراً للمجتمع التقليدي ولم يتم تطوير المؤسسات التقليدية التي بقيت ممتنعة عن الحداثة التي جاءت في سياق اشكالي جعلها ملتبسة كونها حداثة غربية. وهذا واضح في اشكاليات مشروع الاصلاح الديني، كونه ولد مشروعاً ملتبساً يريد ان يحدث الاسلام حتى يتقبل الحداثة الغربية. وكأن التراث هنا خادم للحداثة وفق عناصر منتقاة من التراث. في اعقاب حرب 1967 اختلفت الصيغة وانقلبت المعادلة بين المتن والفرع، ولم تعد الحداثة مرجع تأويل التراث، بل صار التراث هو مرجع تأويل الحداثة، وأصبح التراث هو المتن الذي يؤول عليه.

    اذاً، مشروع محمد عبده وبعده مشروع طه حسين، كان يحمل من داخله ازمة، هي ازمة ناتجة من ازمة النهضة نفسها ووقوعها في التباس "الأنا والآخر". طه حسين عندما حذف العبارات الملتهبة من كتابه "في الشعر الجاهلي"، لم يتنازل عن منهج الشك الديكارتي وخط البرهان الذي اتبعه، لكنه بقي مسكوناً بهاجس دفاعي في ظل هجوم استشراقي. والمجال الذي يمكن ان نقيس فيه هذا التوتر، نجده في ترجمة الموسوعة الاسلامية في الثلاثينات من القرن المنصرم (امين الخولي كان احد المشرفين على هذا المشروع). فالمنهجية الصارمة والدقيقة للمستشرقين حظيت بالاحترام والتقدير عند علماء ذلك الزمن، الا اذا اقترب الامر من قداسة القرآن ومن شخصية النبي محمد، اذ ان الامر كان يُفهم آنذاك على انه عداء للاسلام ونبيه. هذا مع العلم ان المستشرق كان ينطلق من اطار مرجعي ناقد لكتابه المقدس ولشخصية المسيح وفق منهج النقد التاريخي.

    اذاً اقترب الامر من النص القرآني، تولِّد نقاط الاحتقان حساسية تتبع من تماهي القرآن مع الذات والأنا. ومشكلة الهوية هنا، في ارتباطها الميكانيكي بالدين، لا يمكن فهمها بمعزل عن الالتباس الحداثي وقضية الاستعمار.

    * فلنبتعد قليلاً عن مشكلة الهوية في علاقتها بالنص القرآني، من اجل اعادة صياغة بعض الاسئلة التي يطرحها المستشرقون، والتي لا تزال بعيدة عن النقاش والنقد لدى المختصين بالدراسات القرآنية داخل اطار الفكر العربي والاسلامي. كمثال: لماذا لم يأمر الرسول خلال كل فترة الوحي وحتى مماته بجمع ايات القرآن وحفظها داخل كتاب، بل تم ذلك في عهد الخليفة عثمان بن عفان؟ كيف تحوّل القرآن من نص شفاهي تحفظه الالباب الى نص موثق ومكتوب؟ ولماذا؟ وماذا يمكن القول عن حال اللغة العربية في ذلك الزمن وخلوها من التنقيط؟ وعن منزلتها كلغة بشرية لم تتوقف عن التطور والتبدل وعلاقة ذلك بقدسية النص القرآني باعتباره كلام الله المنزّل بلسان عربي؟ ما رأيك ألا يجب على المفكرين الاسلاميين ان يخوضوا في هذه القضايا ام يجب تركها حكراً على المستشرقين؟

    - بالتأكيد يجب عودة الباحثين العرب الى هذه القضايا، وتغطية تاريخ القرآن وكيف تحوّل من نص شفاهي الى نص موثق ومكتوب، وليس فقط في عصر الخليفة عثمان حيث لم يكن النص مقروءاً بسهولة لكونه كان خالياً من التنقيط ومن علامات الحركات، وصولاً الى النسخة التي هي اليوم في ايدينا، بنقطها وعلامات الحركات. لكن هذا كله لا يزال يدخل في اطار اللامفكر فيه. وأنا كنت واعياً لهذا تماماً عندما كتبت "مفهوم النص"، لكنني استبعدته موقتاً، لأنني كنت مشغولاً ببلورة مفهوم للنص وبالقيام من داخل علوم القرآن التقليدية بمحاولة قراءة حديثة لهذه العلوم. وقد ظهر لي مفهوم التاريخ بمعنى ان القرآن نص تاريخي وثقافي، وهذا ولّد لدى البعض ازمة لا تزال مستمرة. اذ فهم من التاريخي انه زماني، ومن الثقافي فهم ان المقدس قد تأنسن. ومع ذلك هناك في كتاب "مفهوم النص"، اشارات واضحة لاحتمالات دراسة اوسع في المستقبل. فهذه الاسئلة عن تاريخية النص ولغته وتوثيقه، اقوم اليوم بدراستها من خلال منهج النقد التاريخي، بدون احساس بالخوف او الخطر، لكن بمحاذير لا يمكن ان نقلل من شأنها،
    لقد انفتح امامي أفق يفكك الأسطرة التي ربطت ربطاً عضوياً تاماً بين لغة القرآن ورسالة القرآن، متوهمة ان لغة القرآن هي نفسها مقدسة ومنزلة.
    n نصل الى نقطة اساسية أشرت اليها في احدى مقالاتك الاخيرة من خلال ايراد رأي جلال الدين السيوطي بأن القرآن أوحي الى سيدنا محمد بالمعنى فقط وانه هو الذي وضع صياغته باللغة العربية. هذا الرأي يفتح على آفاق واسعة ويحيلنا على فكرة جوهرية تقول ان القرآن مكتوب بلغة بشرية وهذه اللغة تتطور قبل القرآن وبعده وهي بمثابة كائن حي يتبدل بالاحتكاك مع الواقع من خلال تبدل دلالات الألفاظ ومعانيها واستخداماتها. لكن رغم ذلك تبدو اللغة العربية اليوم للبعض وكأنها اللغة الوحيدة في العالم التي تتمنع في قواعدها النحوية على التغيير، فكأنها شيء مقدس؟
    - هذا وهم وغير صحيح، فالتركيب العربي اختلف وتبدلت بنيته، وان كان النحو المعياري قد بقي على حاله.

    * انا متفق معك تماماً، ويكفي ان نقارن لغة الصحافة والادب اليوم بلغة النصوص القديمة لندرك الكم الهائل للتبدل والتطور الذي عاشته وتعيشه اللغة العربية، وهذا خير دليل على كون اللغة كائناً حياً ومتغيراً. ولكن، لنعد الى السؤال الأساسي فأنت من خلال السيوطي وضعت يدك على جوهر المشكلة، ومع ذلك لدي احساس انك لا تزال متردداً في الذهاب بالاسئلة الى منتهاها، وهذا ما نلاحظه ايضاً عند مفكر آخر هو محمد أركون، وكأننا نطرق الأبواب ولكننا لا نعبرها الى صلب الاسئلة الحارقة، والتي بدونها لا مجال للخروج من النفق؟

    - لا استطيع أن أنكر الذي تقوله. التردد موجود في داخلي، لكنه لا ينبع من خوف على شخصي، بل يأتي من كونك تعمل في اطار انموذج (براديغم) ثقافي تحاول اختراقه. ومهمة اختراق النظام المعرفي السائد والمستقر تتطلب ان تؤسس لنظام معرفي جديد. هذه المهمة لا يقوم بها شخص بمفرده بل تتأسس من خلال التراكم، ونحن حتى هذه اللحظة نعمل على النظام المعرفي الذي أسسه الشافعي في القرن الثالث الهجري. هذا النظام المعرفي قائم على ان النص مقدس لأنه لغة ورسالة ليسا من صنع البشر، ومحاولة اختراق هذا النظام معناها ان تبيّن انه اذا كانت الرسالة إلهية فان اللغة ليست إلهية بل هي بشرية، وهذا ليس شأن القرآن وحده بل شأن الكتب المقدسة كلها. أما الوحي فهو مفهوم مرتبط تماماً بنظام من التواصل غير اللغوي، وتالياً فوحي القرآن للنبي محمد لم يكن عبر النظام اللغوي. وعليه، فان صياغة الرسالة انسانية. الآن، من أجل تأسيس فهم كهذا لا يكفي ان نتناول لغة القرآن ولكن يجب العودة الى تأسيس القواعد اللاهوتية التي تسمح بذلك.

    * لكن تأسيس قواعد لاهوتية كهذه، هل يدخل في اطار دور الباحث، أم هو منوط برجال الدين؟ ولماذا لا يزال منهج النقد التاريخي عاجزاً عن الدخول باسئلته الى داخل الفكر الديني، اذ نراه احياناً أسير محرّمات هذا الفكر؟

    - بالنسبة الى الشق الأول من السؤال، فان تأسيس قواعد لاهوتية جديدة هو بالتأكيد من مهام الباحث. نحن نخرج هنا من دائرة الاصلاح الديني وندخل في دائرة النقد التاريخي، وهذا الفرق حصل منذ .1967 أما في ما يخص الشق الثاني من السؤال، فالصورة تبدو كذلك، لكنها صورة خاطئة، وسأعطيك نموذجين لفكر ديني تقليدي يعمل وفق آلياته الخاصة لكنه متأثر بالتحدي الذي يطرحه منهج النقد التاريخي، وان لم يعترف بذلك. المثال الأول هو فتاوى الشيخ يوسف القرضاوي في خصوص علاقة الرجل بالمرأة وما يرتبط بحياة المسلم في اوروبا. فالقرضاوي، وان كان لا يسلّم بفكرة التاريخ لكونها خارج اطار وعيه، متأثر بالتحدي الذي تطرحه هذه الفكرة وهي فاعلة رغماً عنه في نطاق الفتاوى التي يصدرها من خلال المجلس الاوروبي للفتاوى. وهذا ما دفعه الى القول انه يجوز للمرأة غير المسلمة التي تحوّلت الى الاسلام ان تبقي زواجها من غير المسلم. واذا كان القرضاوي لم يبنِ اجتهاده على قاعدة ثورية في اللاهوت او على قاعدة الحرية، بل على قاعدة الدعوة ومن أجل تحبيب الناس بالاسلام، فان داخل قاعدة الدعوة التي يعلنها وداخل هذه الفتوى توجد كل اجراءات النقد التاريخي.
    المثال الثاني، هو رد شيخ الازهر الطنطاوي على مرشد "الاخوان المسلمين" مصطفى مشهور حول موضوع الأقباط والجزية. فالشيخ الطنطاوي قال ان الجزية كانت ممارسة تاريخية. واذا انتَ جلستَ مع الشيخ الطنطاوي وسألته: "ممارسة تاريخية ازاي، ده قرآن؟"، بمعنى أن تسأله: هل تقول ان هذا النص القرآني اصبح غير صالح؟ فأنت تكشف له هنا ان مفهوم القرآن كنص تاريخي تسلل الى لاوعيه. ان العلاقة التي تبدو ساكنة بين الخطاب الديني ومنهج النقد التاريخي في افق الخطاب العام، مردها الى ان هذا الخطاب في يده مؤسسات وفي يده سلطة وهو متماه مع السلطة؟ مع ذلك، فالاسئلة التي تقول أنت بامتناعه عليها، هي نافذة اليه. وعلينا هنا ان نرى قدرة الهامش على اختراق المركز واحداث حراك فيه. بعد 11 ايلول، اصبح هناك حمّى اسمها تجديد الخطاب الديني. طبعاً داخل هذه الحمى، قد يكون هناك خطاب سجالي او دفاعي او اعتذاري، لكن على الاقل هناك تسليم بأن الأمر لم يعد يحتمل هذا الجمود.

    * اذا كان الأمر لم يعد يحتمل هذا الجمود، فلماذا تردد الباحث الذي اشرت اليه قبل قليل؟

    - السؤال الذي يطرحه البعض عليّ باستمرار، في هذه اللحظة، هو: ان الناس تموت باسم الاسطورة، وعدوك يوظف اسطورته في شكل أو آخر، فكأنك تريد ان تفكك لنا اسطورتنا، من أجل ان يهزمنا الآخر باسطورته؟ ويقولون: اننا الآن في خطر لا يحتمل ترف الاشتغال على النص والتأويل.
    طبعاً، جوابي ان هذا ليس بالترف، وان الفشل الذي نحن فيه، عائد في جزء منه الى تجمّد وعينا. واذا كنا نريد ان نحارب بأسطورتنا، فأسطورتنا قائمة على اسطورة العدو، وهي تالياً أضعف لأنها قائمة على أسسه. فهو يحاربك بالاسطورة ايديولوجياً، لكنه يحاربك بالعلم والعقل والوعي فعلياً.
    إذاً، أنا معك ان طرح الاسئلة يجب أن لا يتوقف ويجب ان نذهب بالاسئلة الى منتهاها. واذا كنت أنا أحد المترددين، وهذا ما لا أنكره، فلأني لست بالمدعي. ففي النهاية أنت تعمل في مناخ ثقافي لا تسلّم به كلية، لكنك لا تستطيع ان تتجاهل انك تريد ان تنتج خطاباً يجد قبولاً، وينفذ، وان كان لا يجد اعجاباً. وهذا ما يسمّيه محمد اركون بالترضيات الضمنية، أي ان تنتج نقداً لفكر، أنت تنتمي اليه في الضرورة. بمعنى أنك تنتج نقدك من داخله، وانت محكوم بقواعد انتاج المعرفة فيه، حتى لو كنت رافضاً القواعد. اذاً، نحن هنا في مأزق، وما أسهل الذي يكتبه صادق جلال العظم، على أهميته، لأنه يأتي من الخارج، أي من خارج دائرة الايمان.
    نحن نتكلم هنا عن مجتمع وثقافة ومؤسسات، وانت تطلب من المفكر ان يخترق المؤسسات بكتاب او بمحاضرة او ببرنامج تلفزيوني يتكلم فيه خمس دقائق يحذف منها نصف الذي قاله، ومع ذلك فهو يقوم بهذا عملياً ولكن بامكانات هي أقل بكثير من امكانات هذه المؤسسات. فلنقل ان اي كتاب لا يمكنه ان يحدث اختراقاً اذا لم يتحول ثقافة عامة من طريق وسائط نقل المعرفة من مستواها الى مستوى وعي الناس. وهذا غير متحقق لنا، بسبب غياب الديموقراطية وغياب الحرية وغياب مؤسسات وسيطة حاملة وناقلة للمعرفة، وبسبب سيطرة السلطة في أشكالها المختلفة على وسائل الاعلام. طبعاً انا هنا لا أضع معوقات لنفسي، ولكن أكشف لك حدود تأثير ما أكتبه.

    * أعود لقولك بتاريخية النص القرآني وبأنها لا تعني زمنيته ولا تعني انكاراً لألوهيته، بل تعني ان القرآن نزل في التاريخ وهو يتفاعل معه تفاعلاً حراً وسيستمر عمله في التاريخ، وانه يحمل ملامح القرن السابع الميلادي ويدل على ممارسات العرب في ذلك القرن وعلى موقعهم في العالم القديم ويعكس لنا حالة التاريخ قبل نزوله ولحظة هذا النزول. قولك هذا، يدعو الى التأسيس عليه ويفتح أفقاً واسعاً للنقاش ويسقط الكثير من الحواجز أمام العقل، فكيف لك بعد ذلك ان تطلب منا التروي في طرح الاسئلة؟

    - اذا اتفقنا على اننا نشتغل من داخل دائرة الايمان، فاننا نخوض في مسلّمات راسخة يحتاج تحريكها الى التحلي بالصبر والى وقت طويل والى عدد كبير من الباحثين. تاريخية النص القرآن مثلاً، تعني ايضاً ان هناك اجزاء منه سقطت بحكم التاريخ واصبحت شاهداً تاريخياً، أي انها تحولت من مجال الدلالة الحية المباشرة الى مجال الشاهد التاريخي. مثال ذلك تحوّل آيات الرق والاحكام المتعلقة بها الى آيات للعبرة بعد زوال نظام الرق من حياتنا. هذه الخطوة لا يكفي ان تقولها وتمضي. انها هنا عملية خلق للوعي، وعليك ان تعمّق هذا الوعي في استمرار بأمثلة وشواهد، وان تكرر في استمرار ما كتبته. اذاً، تاريخية النص وانتماؤه الى الثقافة وانفتاحه على التأويل في ثقافات مختلفة، هذه القضية كسبت ارضاً ولكنها لم تصبح مستقرة داخل الوعي العام. طبعاً أن لا أقول ان عليّ الانتظار، فأنا أتحرك، ولكني الآن اتحرك وحدي بعدما حُرمت تلامذتي وموقعي داخل الجامعة المصرية.

    * في السياق نفسه، أنت من الذين يشددون على ان القرآن هو مجموعة من النصوص التي رُتّبت ليس وفقاً لترتيب نزولها الزمني، ولكن وفقاً لتراتيب اخرى لم تُكتشف بعد، وان التساؤل لماذا لم يترتّب القرآن بحسب زمن نزول آياته، هو أمر مشروع في البحث العلمي لأنه لا يشكك في الحكمة الالهية ولا بقدسية النص.

    - الحقيقة التاريخية الأكيدة، هي ان ترتيب القرآن الحالي، ليس هو ترتيب النزول. وان ترتيب القراءة الحالي احدث تغييباً للسياق، وتالياً فان أي مقاربة منهجية لتفسير القرآن عليها ان تستعيد هذا السياق. في تحليل القرآن هناك مقاربتان الـتعاقب Diacronic والـتزامن Syncronic، وجمع الاثنتين مهم جداً في أي مقاربة. فلو حلّلت القرآن فقط وفق ترتيب النزول، سأكون أتعامل مع القرآن على انه كتاب في التاريخ، وهو ليس كذلك. أما اذا رضيت فقط بترتيب القراءة فأكون قبلتُ باهمال الجانب التاريخي في التعامل مع القرآن. في عبارة اخرى، اذا كنا نقول ان القرآن تاريخي (بشري) وإلهي، فان بنيته نفسها توضح هذه الازدواجية وينعكس فيها هذان البعدان. فترتيبه المجزأ والمنجّم يعكس انه جزء من التاريخ وان هناك تطوراً داخلياً، أما أعادة ترتيبه وفق قواعد مغيّبة للتاريخ لم نكتشفها بعد، فتؤكد فكرة انه رسالة مقدسة.

    اجراء أي مقارنة بين بنية القرآن التاريخية وبنيته اللاتاريخية، يحتاج الى دراسات واسعة ومعمقة والى فريق عمل جماعي يشترك فيه عدد كبير من الباحثين. هناك 114 سورة بينها المكي والمديني، عمل عليها في السابق المستشرقون، لكن لا بد من العمل على الآيات والرجوع الى المادة التاريخية والعمل على نقد المرويات الخاصة باسباب النزول، ولا بد من الاشتغال على البنية الداخلية للآيات، لأن الكشف لا يكون من خلال الوثائق الخارجية وحدها ولكن من خلال البنية الداخلية كذلك.

    واذا كان طرح الاسئلة الجوهرية يمكن ان يتم بواسطة افراد، فان انتاج المعرفة في حاجة الى بنية علمية مؤسساتية. ويجب عدم تناسي ان النقد التاريخي للكتاب المقدس تحقق بثورة من داخل مؤسسة الكنيسة، اما مؤسساتنا الاسلامية فلا تزال تنتج ملايين الكتب عن الاعجاز العلمي للقرآن والسنة النبوية. ثم، هل عندنا فعلاً في العالم العربي والاسلامي دراسات اسلامية في المعنى العلمي للكلمة؟ لا. ليس هناك مؤسسة واحدة تدرس القرآن في اعتباره موضوع دراسة، بل في اعتباره موضوع ايمان ووعظ. الازهر، كمؤسسة، لا يدخل في نطاق مهمته ان يدرس القرآن تاريخياً ويحلله. ومهمته ان يعلّم القرآن ويفسره. لذا يجب علينا ان لا نطلب من مفكرين فرادى ان يقوموا بالمعجزات.

    * في العودة الى اسباب النزول نجد ان القرآن لم ينزل نصاً واحداً، بل نزل على الرسول خلال ما يزيد على العشرين سنة، واذا كنت أنت تذهب الى ان كل نص من القرآن يتعلق بواقعة وبسؤال نشأ من الواقع، فان ما يزيد على 80 في المئة من الآيات لا يوجد فيها اسباب نزول. فكيف يمكن الوصول اذاً الى هذه الوقائع التاريخية المرتبطة بسياق نزول الآيات؟

    - دعنا في البداية نخرج من اطار المصطلحات الملتبسة، علينا التفريق بين أسباب النزول كمصطلح مستقر في المعنى الفقهي الوارد في المرويات التراثية، وما يمكن ان أسمّيه السياق التاريخي للوحي. هذا السياق لا يمكنه ان يتجاهل مفهوم اسباب النزول في المعنى الفقهي، لكنه يتعامل معه تعاملاً نقدياً، لأن بعض هذه الاسباب متناقض، وبعضها الآخر يأتي تبريراً لمعنى معيّن يريد المفسّر ان يفرضه. كما يجب عدم الاكتفاء باسباب النزول، لأنها كما ذكرت قليلة.

    مثلاً عندما تبدأ سورة "البقرة" بالآية: {ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه}، فهذا جواب عن سؤال لا نجده في الآيات التي تتبعها مباشرة، بل نجده في ما بعد حين يتكلم عن سؤال اليهود للنبي محمد ان يأتي بكتاب كألواح موسى. اذاً، فكرة الكتاب موجودة في النص القرآني ولها سياق نزول، لكن يصعب ربطه بالآية في افتتاح السورة، لأن السؤال موجود في آية أخرى وُضعت في مكان آخر وتالياً عملت تغييباً لسياق الآية الأولى. نقطة اخرى هي ضرورة التعامل مع النص القرآني ليس فقط من خلال اسباب النزول ولكن من خلال سياقه التاريخي في معناه الأشمل، ومن خلال شخصية النبي محمد وعلاقته بالمجتمع والثقافة، وهذه كلها لا تزال في اطار المحرمات.

    * كيف تفهم اليوم علاقتنا بالسنّة النبوية، وميل البعض الى تقديسها واعتبارها جزءاً من الوحي؟

    - أظن ان هذا الكلام تم تحليله في اسبابه التاريخية في شكل كاف، فمنذ اللحظة التي اعتبر فيها القرآن غير كافٍ وحده، تم تدشين السنّة ليس كنص ثان او كنص شارح، بل كنص يتمتع بالقيمة المعرفية نفسها التي يتمتع بها القرآن. حتى ان البعض يذهب الى حد القول ان القرآن أكثر حاجة الى السنّة من حاجة السنّة الى القرآن. اعتقد ان هناك جانباً مشروعاً في هذا، وجانباً تمت المبالغة فيه، فلو انت اقتلعت السنّة من تاريخ الفكر الاسلامي لما بقي هناك شيء.

    *مع ذلك، لا يعتبر اهل السنّة ان الاحاديث النبوية هي وحي، لأنها ليست كلام الله.

    - لا، هذا غير صحيح، فهي تعتبر بمثابة الوحي الذي صاغه النبي محمد، اي انها كلام الله بلغة محمد. فالامام الشافعي يعتبر ان السنّة هي الحكمة المذكورة في القرآن. والفرق بين القرآن والسنّة المتجسدة اصلاً في الحديث، ان السنّة هي كلام الله الموحى الى محمد، لكنها ليست لغة الله بل لغة محمد. اي ان الفرق لدى الشافعي هو ان القرآن متعبد في قراءته لأن اللغة من عند الله، اما السنّة فهي قرآن لا يتعبد في قراءته لأن الصياغة هي صياغة محمد. والسؤال هنا: هل كان القرآن، قبل ظهور هذا التمييز، كلام الله ولغته في الوقت نفسه، ام لا؟ لذلك فان طرح السؤال عن لغة القرآن مرتبط بطرح السؤال عن السنّة، ومتى تكوّنت المفاهيم الاساسية داخلها، وهذا في رأىي سابق على الشافعي، الذي صاغها بشكلها النهائي.

    * اذاً، الباحث في تعامله مع نصوص السنّة هو ايضاً امام مشكلة قداسة، كحاله مع القرآن؟

    - طبعاً، فالمشكلتان مرتبطتان الواحدة بالأخرى كونهما وحياً، وهذا يتطلب منا ان نستعيد ايضاً مفهوم الوحي. وهل الوحي وفق المفهوم الديني اغلق بقوله تعالى: "خاتم الانبياء"؟ ولماذا يؤمن المتصوفة بغير ذلك، ويقولون ان الختم هو ختم وحي التشريع وليس وحي الفهم؟ حتى ان ابن العربي في تناوله حديث الرسول "لا نبي بعدي"، يقول: "ليس اشد على اهل الله من هذا الحديث"، لكنهم ذهبوا الى ان لا نبي يشرّع من بعد النبي محمد. الحال مشابهة لذلك عند الشيعة الذي يعتبرون ان توارث العلم عند الائمة معناه استمرار انكشاف معنى الوحي في التاريخ.
    مفهوم الوحي له مكانه ايضاً داخل الفلسفة الاسلامية، وهو قائم على مفهوم الخيال الذي يشترك فيه النبي مع الفيلسوف. فالفيلسوف يتصل مع العقل الفعال او العقل الاول مثلما يتصل النبي مع الوحي. والفرق بين النبي والفيلسوف ليس في الوحي ولكن في تعبيرات الوحي، اي اللغة التي تعبر عنه من خلالها. حي بن يقظان وصل الى كل المعرفة التي وصل اليها الوحي الذي آمن به سلمان. لكن اللغة التي يعبّر فيها عن الحقيقة مختلفة وهذا يحيلنا على ابن رشد.

    كل هذا يبين لنا ان المسلمين كانوا مشغولين بالاسئلة نفسها وحاولوا ان يجدوا حلولا لها. في عودتنا الى جذور المشكلة لا نتبنى هذه الحلول ولكن نتعامل مع المشكلة في سياقها التاريخي، ونربط هذه المفاهيم بتاريخها الثقافي، المقموع والمهمش، ونحن اليوم عندما نجد حلولا، لا نكون بدورنا خارج اطار الثقافة.

    * لكنك في بعض كتاباتك تستدعي المعتزلة بحثا عن مشروعية تاريخية، وتتبنى احيانا الحلول التي يطرحونها كفكرة ان الوهية القرآن لا تعني ازليته. لأنه لا يمكن ان يقال ان القرآن ازلي بجانب الله، قديم مثل الله فهذه الفكرة معتزلية بامتياز.

    - لا، هنا يجب ان تقرأ اعمالي في شكل تاريخي. ففي الاول كان هذا صحيحا لكني لا اعتقد ذلك الآن. انا اليوم استشهد بهم فقط على قرائن ومواقف تاريخية، اكثر مما استشهد بهم بحثا عن مشروعية لفكرة اريد ان اطرحها. اما فكرة ازلية القرآن فانا لا اتبناها في صيغتها الدينية وغالبا ما استخدمها في السياق السجالي، كما في كتاب "التفكير في زمن التكفير"، لأن الذي يحاججك يضرب بقوة التراث، وانت في ردك تحاول ان تبين تناقضه كونه يرتكز على تراث واحد. لذلك لا اعتقد ان العودة الى خلق القرآن وقدم القرآن في الاطار المعرفي للمعتزلة يمكن ان يحل لنا اي مشكلة، لأننا اليوم داخلون في قضية لغة القرآن نفسها التي لم يتطرق اليها المعتزلة ابدا.

    *في اطار موضوع اللغة ومدلولاتها، هناك بعض النظريات البراغماتية في الفلسفة الانغلوساكسونية، وفي مقدمها الابحاث المتأخرة لفيتكنشتاين، وانت تحاول ان تبرهن ان الكلمات والتراكيب اللغوية لا تجد معناها الاول والحقيقي داخل بنية النص نفسه، ولكن في اطار الاستخدامات العملية التي يصنعها بها البشر داخل سيرورة واقعهم الاجتماعي.

    - اللغة في مجال تداولها هي بمثابة عملة متداولة لكن النص يتم تداوله ايضا كدال وكعلامة ومجالات تداوله تختلف وهذا يعدد المعاني فيه. واذا كان اصحاب نظرية النص الخام يتصورون انهم يستطيعون العودة الى النص في مجال تداوله الاصلي، فان هذا مستحيل لأن اللغة كعملة تداول لا تصاب بالتلف كالاوراق المالية. وتاليا فهي تقوم بتحولات في المعنى وتتجدد. مثال: في التداول الاولي للنص القرآني لم يكن هناك تناقض بين "لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوء احد" وبين "يد الله فوق ايديهم". اي لم يكن هناك تناقض داخل البراديغم الثقافي لدى الجيل الاول بين اله منزه تماما ليس كمثله شيء وبين اله له عين ويد، يحب ويكره ويبغض. عندما تغير هذا البراديغم لاسباب كثيرة جدا وتغير معه مجال التداول (العلاقة مع غير العرب وترجمة الفلسفة والاحتكاك مع الفكر اللاهوتي المسيحي، الخ) انكشف التناقض.

    الفكرة هنا انك يجب ان تكون مسلحا بنظرية في اللغة وبنظرية في النص وبنظرية في علم العلامات. لأن النص يتحول ككتلة الى علامات مثلا: كلمة السماء داخل العبارة القرآنية، "السموات والارض"، في تداولها الاصلي تعني اي شيء علا، اما كلمة السماء في تداولها اللاحق فباتت تحيل على عالم غني بالملائكة والجن والعرش الخ. اي تحولت المفردة اللغوية من خلال مجال التداول الى مفردة علاماتية.
    اذا، النصوص الدينية هي في عملية تداول مستمرة وهي قادرة على اعادة انتاج معناها، ليس في معنى التكرار، ولكن في معنى التجدد والتطور. والاكيد انها لا تقوم في ذلك بنفسها ولكن من خلال ما يصنعه المؤمنون بها من خلال التداول.

    * استخدامك لمصطلح "البراديغم"، يحيلني على علاقتك الاكاديمية ببعض النظريات الغربية وببعض المفكرين الغربيين، فنادراً ما نراك تستشهد بهم او تدخل في حوار مع بعض اطروحاتهم، رغم الانطباع المتولد لديّ بحضورهم الخفي في اعمالك.

    - اذا كنت استفيد في ابحاثي من بعض النظريات في نصوصها الاصلية او في ترجماتها، فأنا في الحقيقة حريص أن أتمثل هذه المفاهيم الغربية في سياق الثقافة العربية، وأنا اكتبها باللغة العربية فلا يشعر القارئ بالرطانة التي تحيل على لغة اكاديمية عالية. وما أسهل أن أقوم باستشهادات من فوكو ودريدا مثلاً، لكن هذا يصبح قصاً ولصقاً.

    *لكن مصطلح "البراديغم" الذي استخدمته، يحيل على ابحاث كون T.S Kuhn عن القطائع العلمية داخل فضاء الفكر الغربي، وأنت تسحبه من سياقه الى سياق آخر. والسؤال هنا، هل أنت تستخدمه بمعنى القطيعة العلمية لدى كون؟ ولماذا لا تحيل قارئ كتبك على مراجعك النظرية؟

    - لا، ليس في الضرورة أن أكون استخدمت "براديغم" في المعنى نفسه، ولكن في معنى التغاير في الأسس المعرفية على الاقل، اي ان "البراديغم" بالنسبة اليّ هو الانتقالة الاساسية في مجال الثقافة والمعرفة، ولا يهمني كثيراً بعد ذلك مسائل تاريخ استخدام المفهوم النظري داخل الثقافة الغربية. أنا لا اشتغل بتاريخ الفكر الغربي او بتاريخ الفلسفة فأدخل في نقاش حول المفاهيم والاطروحات، واذا استخدمت بعض هذه المفاهيم، فأنا لا استخدمها قبل أن تصبح واضحة.

    اما في موضوع المرجع، فأنا في الحقيقة لا أملك مرجعاً محدداً، لأنها قراءة تحولت الى جزء مني. والقارئ الواعي بالمصطلح يعرف مراجعه، وخصوصاً أنني لا أستخدم اي مصطلح وهو لا يزال في حال التباس داخل مجال اللغة العربية. وأنت هنا تلزمني في شكل او آخر ان أنخرط في هذه القضايا النظرية. محمد أركون مشغول بهذه القضايا، ويجب أن اقول لك اني مدين له كثيراً في موضوع المنهج. لكن انشغال أركون بهذا الموضوع، لا يسمح له بالاشتغال كثيراً بما وراء ذلك. أنت يمكن ان تبذل عمرك كله في الكلام عن الوصفة والمقادير، أنا أحب أن ادخل المطبخ وأجرّب.

    * هذا يحيلنا على وجودك منذ سنوات خارج العالم العربي كاستاذ زائر في جامعة ليدن يدرّس طلابه باللغة اللانكليزية، رغم ذلك معظم كتاباتك لا تزال تصدر باللغة العربية وتندرج في فضاء مسائل الثقافة العربية. وكأنك، روحاً وفكراً، لم تغادر قط العالم العربي.

    - لا أرغب أن أبعد عن المجال الثقافي العربي، وخوفي الرهيب أن أبقى في الغربة فأنتمي الى المجال الثقافي الغربي. عمري كله أمضيته في القضايا الساخنة داخل الثقافة العربية، وأنا حريص جداً أن تبقى معظم كتاباتي باللغة العربية وأن لا أكتب الا القليل باللغة الانكليزية. رغم اني على اطلاع على القضايا الساخنة في الفضاء الفكري الغربي، لكني لست طرفاً فيها ولست جزءاً من حل مسائلها.

    * غالباً ما تستغل بعض الاوساط الثقافية والاعلامية في الغرب قضية التعاطف مع المثقفين المسلمين المضطهدين في بلادهم بسبب آرائهم النقدية من الفكر الديني، كغطاء من اجل شن حملات عنصرية ضد الاسلام كدين. ألم تتوجس حال وصولك الى اوروبا من أن تستخدم قضيتك في هذا الاتجاه؟

    - هذه نقطة مهمة جداً، لكن دعني اقول أن السياق الذي سافرت فيه الى هولندا خلق عندي تخوفاً شديداً من أن يحتفي بي الغرب باعتباري ناقداً للاسلام كدين. هناك اغراء حقيقي بالنسبة الى اي انسان مضطهد ومظلوم تحت خيمة الحماية، ان يستطيب حكاية الاضطهاد والظلم هذه، وأنا كنت واعياً وحذراً جداً حيال هذه النقطة الى درجة انني رحت ابدأ محاضراتي هناك وأنهيها بطقوس الخطاب الاسلامي، الامر الذي لم أكن أفعله في العالم الاسلامي. وهذا ليس تظاهراً، بل عائد الى اني كنت متخوفاً حقيقة في البداية ان يحتفي بي الناس ويقدّروني لأنهم يرون اني أنقض الاسلام من خارجه، في حين كنت حريصاً ان أؤكد لهم اني ناقد للفكر الاسلامي من داخل الاسلام واني مسلم، وأن القضية ليست قضية دينية ولكنها قضية سياسية في الجوهر.

    ثمة جانب آخر يتعلق ببعض الباحثين، فبمجرد أن يكون الواحد منهم في الغرب يصبح لديه ميل الى أن تعترف به المؤسسات الاكاديمية الغربية وتحتفي به وكأنه واحد منها. فتراه لا هو ينتمي تماماً الى المجال الثقافي الغربي، ولا هو قادر على المحافظة على انتمائه الى مجاله الثقافي الاصلي (اذا استثنينا طبعاً ادوارد سعيد). اما بالنسبة اليّ، فأنا هنا استاذ زائر وهي صفة تجعلك جزءاً من المؤسسة الاكاديمية ولكنك في الوقت نفسه تنتمي الى فضائك الثقافي الخاص. واذا كنت أنا نفسي ضد فكرة ان أعيش بإحساس الضحية، فإن سعادتي كانت كبيرة لأن الجسم الاكاديمي في جامعة ليدن لم يتعامل معي كأستاذ ينشد الحماية بل كأستاذ زائر له شرفه الخاص كمفكر وكإنسان، ولا يرضى أن يتاجر بقضيته.

    * في كتابك الاخير، "دوائر الخوف في خطاب المرأة"، نلاحظ تداخل الهم الذاتي مع الهم الجماعي. ترى هل أثرت الازمة التي اصابت زوجتك إبتهال يونس واصابتك في مسارك الفكري؟

    - الهم الذاتي كان دائماً موجوداً في ابحاثي، لكنه في هذا الكتاب اصبح مفصحاً عنه في شكل أوضح، وخصوصاً أنه كتاب عن المرأة. الازمة التي تعرضنا لها، زوجتي وأنا، لا تزال تسمّى قضية نصر حامد أبو زيد. حتى القوى الثقافية والوطنية التي تعتبر نفسها تقدمية في مصر، تناولت القضية على أنها قضية رجل تعرض للاضطهاد، مع أنها في الاساس والجوهر ظلم فادح أرتكب في حق امرأة. نحن هنا امام شرف امرأة امتهن وهي لم تؤلف اي كتاب عن الاسلام، ومع ذلك لا تزال القضية تُطرح في الخطاب العام على انها قضية نصر حامد أبو زيد وحده، وهذا دليل على أننا نعيش داخل ثقافة ذكورية. السؤال هو لماذا لم ينفذوا في حربهم ضد ابحاثي، الا عبر الحلقة الضعيفة التي هي قانون الاحوال الشخصية والطلاق؟ ولنفترض جزافاً ان ذلك المسمّى نصر حامد أبو زيد يجب أن يعاقب لأنه حسب ما يقولون اقترف منكر الردة. حسناً ليعاقب! لكنهم، كما قالت ابتهال، يتعاملون مع المرأة على أنها دمية الرجل، وافضل عقاب له هو حرمانه دميته، مستغلين وجود جناح ضعيف في المجتمع والمؤسسات والقوانين. رغم ذلك كله لا أريد ان أتعامل مع هذه القضية على أنها قضية شخصية، فأنا لو عشتها على هذا الشكل وعشت آلامها فردياً لكنت انتهيت منذ زمن.

    * بالتوازي مع قضية الطلاق والتفريق، هناك قضيتك كاستاذ جامعي ومكانتك داخل الجامعة، وكأن معركتك الاساسية هي ايضاً دور الجامعة المصرية ومكانة الاستاذ الجامعي وحريته داخل هذه المؤسسة المدنية؟

    - (صارخاً) طبعاً، هذه قضيتنا كلنا. وقد كتبت في مقدمة "التفكير في زمن التكفير" عن دور الجامعة والاسباب التاريخية التي أدت بهذه المؤسسة، المفترض أنها مدنية وعلمانية، الى أن تصبح ضعيفة وهشة وأن تستسلم منذ بدايتها امام اي هجوم تشنه عليها المؤسسة التقليدية.
    وعلى الرغم من عدم وجود عائق قانوني يحول دون عودتي الى مصر، فأنا لم أعد حتى الآن، وقلت في شكل صريح أني لن أعود ثانية الى مصر الا كعضو في لجنة مناقشة رسالة ماجستير او دكتوراه من الجامعة المصرية. لكن الواضح ان الجامعة وصلت الى درك باتت لا تتحمل فيه حتى هذا الطلب لاستاذ لا يزال مسجلاً كعضو في طاقمها التدريسي. وفي المناسبة، حتى جامعة دمشق لا تتحمل ذلك، فقد حاول الدكتور صادق جلال العظم ان يدعوني كعضو في لجنة مناقشة رسالة ماجستير او حتى للمشاركة في اسبوعها الثقافي وفشل في ذلك.

    *يقول البعض انه لو كان لبيروت دورها الثقافي والجامعي الذي اضطلعت به في مرحلة الستينات لاستضافت الدكتور نصر حامد ابو زيد في جامعاتها، بدل ان يذهب الى هولندا. ما رأيك بهذا الكلام وهل انت مستعد للعودة الى العالم العربي اذا عرض عليك التدريس في احدى جامعاته؟

    - انا في انتظار دعوة من الجامعة المصرية اولا، ولكن ايضا من اي جامعة عربية. ولو عُرض عليّ منصب استاذ في اي جامعة عربية، فسأترك هولندا في اليوم الثاني، لاني سأكون مع ناسي واهلي. لكن اذا تحقق هذا، فمعناه ان الجامعة مختلفة والمكان مختلف، لانهم لن يدعوني لاصمت ولكن لأعبّر بحرية عن خطابي وتفكيري.

    * هل تعتقد ان هناك املا في ان تربح معركتك داخل الجامعة المصرية؟

    - يعني ايه اربحها؟ انا اليوم داخل على الستين وسأحال قريبا على التقاعد بحسب قوانين الجامعة المصرية. يعني خلاص مفيش معركة، وعلى الاجيال الجديدة ان تخوض معركتها. الجامعة المصرية خربت بفعل عوامل الفساد المنتشرة في المجتمع ككل، والفساد يسند بعضه بعضا. انا لا اتوقع ان تقوم قائمة للجامعة المصرية في المستقبل القريب، ولا حتى للجامعات العربية، فالوضع ليس احسن حالا هنا في دمشق. والمفارقة انني هنا في سوريا بمعنى ان المجتمع قبل بي وحتى السلطة السياسية ليست ضدي والدليل انها سمحت بقدومي، بما يعني ان الجامعة اكثر تخلفا من السلطة السياسية المستبدة، والاثنان اكثر تخلفا من المجتمع. هذه ظاهرة خطيرة، فالمفروض ان تكون الجامعة هي رأس رمح التقدم في اي مجتمع. الامر اصبح عندنا مختلفا. في السابق لم يكفّر طه حسين داخل الجامعة، انا كُفّرت في الجامعة وحوكمت خارج الجامعة.

    * هذا يقودنا الى سؤال عن الواقع الثقافي المتردي في مصر. فأين نحن اليوم من ذلك البلد الذي شهد ولادة فكر النهضة وحضن كبار كتابها؟

    - دعنا من الكلام بمنطق الحنين. الواقع ان انهاك مصر لم يكن فقط لاسباب اقتصادية او عسكرية، انما حصل استنزاف للعقول خلال الحقبة النفطية نتيجة التحالف المصري - السعودي - الاميركي والهيمنة السعودية على المؤسسات الدينية، فتحولت المؤسسة الدينية في مصر الى مؤسسة وهابية بعدما كانت اشعرية. حدثت هجرة للمصريين بأعداد كبيرة جدا الى دول النفط فعادوا بعقول تم غسلها بمنطق ايماني مختلط بالثراء. واذا كان مفهوم النفط نفسه كبنية اقتصادية، معناه ان تتحقق الثروة من دون عمل، اي ان الثروة موجودة تحت الارض ولا يحتاج استخراجها سوى الى الحفر، فان هذا ساهم في ترسيخ بنية معرفية تعتقد ان المعرفة موجودة في الماضي وهي لا تحتاج الى اعمال العقل للوصول اليها، بل تحتاج فقط الى نبش الماضي بحثا عن حلول للحاضر. سيطرة هذه البنية المعرفية المنبثقة من ثقافة البترول، جعلت العمل والتفكير بلا قيمة. حركة المد التي كانت تخرج من مراكز الحضارة الى مراكز البداوة، انقلبت بفعل البترول وازمات الحروب، واصبحت البداوة وقيمها وفقهها تزحف على الحضارة. وهذا في رأيي ساهم في التفكك الثقافي الذي نشهده اليوم، ليس في مصر وحدها، بل في الكثير من البلدان العربية، كسوريا مثلا.

    * من يتحدث معك يشعر ان لديك قلقا ان لا تعود الى مصر.

    - آه طبعا. ليس القلق بل الحزن. كنت اتصور انني تجاوزت هذا الموضوع، لكني صرت افكر فيه كثيرا. هو ليس الحنين الى مصر او القاهرة او حتى الى الجامعة، ولكن رغبتي ان ازور قريتي والتقي اخوتي الذين لم تتح لي الفرصة حتى لوداعهم. عايز اروح اسلّم عليهم وامشي. لكن لن يكون هناك زيارة للقاهرة في برنامج الرحلة. اروح القاهرة اعمل ايه؟ لو كانت الجامعة دعتني، كنت نزلت القاهرة برايتي كأستاذ جامعة. الوطن انحصر في مكان الميلاد، اما الوطن الواسع فلا احد يستطيع ان يحرمني منه غير انني بتّ احمله داخلي.

    * في الحفلة الغنائية التي قدّمها الفنان محمد منير في دمشق ضمن مهرجان دار المدى الثقافي، كنت جالسا في الصف الاول ولاحظ الجميع ان دموعك انهمرت فجأة، ما السبب؟

    - اريد ان اقول لك شيئا، لكن لا اعرف كيف اقوله! انا شخص عاطفي، ولا اخجل من ذلك. عندما شاهدت فيلم "المصير" وسمعت لأول مرة اغنية "علّي صوتك بالغنى"، وجدتها طريفة وضحكت. لكن عندما غنّاها محمد منير هنا في دمشق، ولحظة قال: "لسه الاغاني ممكنة"، انتفضت ولم اعد استطيع ان اتحكم بدموعي، ورحت اسأل نفسي: افعلا هي ممكنة؟
    مرة دعتني جمعية اهلية اسمها "فضاءات ثقافية" الى مدينة طنجة في المغرب، وفي ليلة الوداع اقيم عشاء وراح بعض الاصدقاء يغنّي للشيخ امام فانهمرت دموعي، فتوقفوا عن الغناء واخذوا يعتذروا متخيلين انهم جرحوني. فقلت لهم: لماذا تتصورون انه الالم؟ استمروا في غنائكم، ودعوني في دموعي، هي بمثابة غسيل لي.

    *ما سبب اصرارك على زيارة قبر الشاعر نزار قباني في مقبرة باب الصغير بدمشق؟

    - ان موت شاعر كبير كنزار قباني في انكلترا، بعيدا عن وطنه، وعودته في نعش ليدفن فيه، وما حدث في لندن عندما رفض بعض المتطرفين ادخال جثمانه للصلاة عليه في الجامع، كان له اثر في نفسي، فحدث نوع من التماهي تخيلت فيه ان الامر نفسه يحدث مع زوجتي ان هي قررت اخذ جثماني الى مصر. طبعا، هناك ايضا الالم لفقدان شاعر كبير اغنى وعينا بشعره الانساني العميق جدا والبسيط جدا. شاعر عظيم عاش في الغربة وعندما مات باتت السلطة مهتمة بالجثمان وعرضت طائرة عسكرية من اجل نقله الى وطنه. هذه الحادثة ايضا مست الما في داخلي.

    زرت ايضا قبر ابن العربي وقبر صلاح الدين في دمشق، ولم استطع ان اتوقف من مقارنة تواضع قبر صلاح الدين بأبهة الاضرحة لبعض القادة العرب. لا انكر اني في الآونة الاخيرة رحت اتأمل في مسألة الموت ومعنى القبر وقيمته. وكما قلت سابقا، تمنيت على زوجتي ان تدفنني حيث اموت، ولا تتجثم عناء نقل جثماني الى مصر. الارض كلها ارض الله، ولا اريد لزوجتي الى جانب الحزن الذي ستعيشه، ان يقول احدهم كلمة او يكتب مقالا، يجرحها ويزيد عناءها. وحتى اذا عدت الى مصر ميتا واحتفي بجثماني، فما معنى ذلك اذا كنت سأموت وحيدا وبعيدا عن وطني؟!

    * هل انت مجروح من وطنك؟

    - نعم، بمعنى الغضب، ولا اخجل من ذلك. فمن حقي ان اكون غضبان. اعتقد ان غضبي احيانا يحميني، وهو لم يقل منذ لحظة مغادرتي قبل سبع سنوات. احب مصر الى درجة اني لا اريدها ان تكون مقبرة لي. مصر وطن حرمت العيش داخله فلماذا ادفن فيه. اذا كان وطنك لا يريدك حيا، يجب ان تحرمه منك ميتا.

    انا اميز بين مصر الناس ومصر المؤسسات، لكن مع ذلك هي علاقة غريبة جدا. احيانا افكر بمصر وكأنها امي، لكنها امي التي رفضتني ونبذتني. هذا آلمني جدا الى درجة اني، وكنت لم اغادر مصر بعد، قلت لها: يا مصر انا عاوز افتح للضوء كوة وانت مش عايزة، فبخاطرك يا مصر.
    انا بعيد عن المكان وليس عن الناس، احمل حبي للمصريين وغضبي من مصر... الجامعة. الجامعة جرحي.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 12:12 PM

Agab Alfaya

تاريخ التسجيل: 11-02-2003
مجموع المشاركات: 5015
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
Re:تفكيك حقيقة وفاة جاك دريدا ! (Re: osama elkhawad)

    [? B]Is Derrida really dead


    Rod Liddle: grapples with the life and meaning of the great deconstructionist


    .Jacques Derrida, the famous French philosopher, is ‘dead’
    But as there is no straightforward, one-to-one relationship between the signifier (‘dead’) and the thing signified (the termination or otherwise of the actual person, M. Derrida), we cannot be entirely sure what has happened. We are faced instead with an endless multiplicity of truths, a string of infinite possibilities. I suppose it is entirely up to the reader to decide. It would be logocentric of us all to assume that Jakki’s corporeal remains are in a state of decomposition simply because of the unbidden and puzzling presence, in our newspapers, of that signifier ‘dead’ in relation to the name ‘Jacques Derrida’ — a name which is, of course, itself merely a signifier bearing no straightforward relationship with the actual thing which we have come to call ‘Derrida’. The ‘Jacques Derrida’ which has ‘died’ was, or is, merely a refraction of a refraction of reality. So ‘Jacques Derrida’ might indeed be ‘dead’. After all, he was getting on a bit and had been suffering from that thing which we have come to call ‘cancer’. And then again, he might not be ‘dead’, whatever that is. Take your pick. We have to allow for the possibility that, contrary to the doctor’s notes, which are a refraction of reality again, and contrary to the lamentations of family and friends and admirers and the newspaper obits and the undertaker’s report, what has actually happened might well be this: somebody who isn’t ‘Jacques Derrida’ hasn’t ‘died’. Go on, write that headline.


    ,img>Hell, it’s confusing stuff, isn’t it? I bet it wasn’t like this when a good old dependable British philosopher like Hume, or maybe Bertrand Russell, bit the dust. With them, one minute they were there, alive, without speech marks, and the next minute they were dead, devoid again of speech marks, and indeed breath. You know where you are with British philosophers and, up to a point, German philosophers. Except for Nietzsche, of course. And maybe Habermas. And Hegel.

    Our problem comes, as ever, with the French. You think the ‘death’ of ‘Derrida’ is philosophically problematic? Just wait until Jacques Lacan dies. Believe me, we won’t know whether we’re coming or going. Lacan makes Derrida look like Paul Gascoigne.

    The thing I always loved about Derrida was that all of those people on the Left who loved him never, ever read anything he wrote. This was about the only thing Derrida had in common with Marx: a huge fan club and a great lagoon of unreadness. University courses dedicated to their work; acre after acre of academic library stuffed to the gills with commentaries and revisions; thousands upon thousands of graduates pinning pictures of them on the mildewed walls of their bedsits. And only nine people in Europe actually read their published work. Well, maybe a few of your more intellectual Trots and commies read a couple of pages of Das Kapital or, more likely, the Communist Manifesto or Grundrisse and then, faced with Derrida, managed most of the preface to Of Grammatology. Then, through the conduit of helpful five-page readers and crib notes they would bandy about terms and concepts like the ‘negation of the negation’ (from Marx) and of course ‘différance’ (from Jakki) and start to Change The World. (Philosophers have hitherto attempted to explain the world: the point, however, is to change it. Remember?)

    Reader: I read the stuff. Solely out of adolescent intellectual one-upmanship. There were many other more pleasurable things to be doing when you were 17. I wished I’d done them more and Derrida less, frankly. Although Derrida at least was interesting, from time to time. I’m not sure you can say the same thing of Marx.

    Pleasingly, Derrida became championed by the leading proponents of late 1970s popular culture. He starred in a strange film during which he insisted that the person at whom the camera was pointing was not, actually, Jacques Derrida. I can’t remember the name of the film but I do recall that the soundtrack was not by Dmitri Tiomkin or even Ennio Morricone, but provided instead by a chap playing the drums on a roof to the accompaniment of the Radio Four Shipping News.

    Derrida got into the charts, too. The briefly cool Welsh blue-eyed soul band Scritti Politti recorded a song called ‘Jacques Derrida’. Its first few lines went like this:

    I’m in love with Jacques Derrida,
    Read a page and know what I needta
    Take apart
    My baby’s heart.
    And after a while Jacques began to spread his wings. There is only so far that you can go with lit. crit., after all. So he moved into architecture. There was a deconstructionist house which looked pretty weird and had all the central heating on the outside. Why had nobody thought of that before? Genius.

    So that’s all the funny stuff, the stuff that makes us think the French are suckers where yer bloody intellectuals are concerned. But while the stuff for which Jacques Derrida will be remembered — the death of the author, the absence of such a thing as a single inviolable truth, and an embracing of the beautiful complexity of the linguistic process — may lead to apparent philosophical absurdities, occasional hilarity and the sort of moronic and predictable leader column in the Daily Telegraph which greeted his death, we should not give him up so lightly. Because at the heart of Derrida’s philosophy was a laudable commitment to making mischief and, more than this, a fervent belief in the notion of doubt, something which is intrinsic to our conception of democracy. Without doubt, there’s no democracy.

    Nor was Jacques Derrida necessarily a man of the Left. Sure, along with his sulphurous Francophone fellow travellers — Roland Barthes, Jacques Lacan, Michel Foucault — he considered himself a man of the Left. But by his own lights we are not obliged to take him at his word. Certainly there is nothing very left-wing about the people from whom Derrida drew his philosophical inspiration. Sigmund Freud was a bourgeois liberal. Friedrich Nietzsche, I think we have to concede, was somewhat right-of-centre. And Martin Heidegger, whom Derrida adored and was later forced to become an apologist for, cheerfully supported the Belgian Nazi party. I mean, come on, be honest. As mentors go, it’s hardly William Morris, Gramsci and the Ragged Trousered Philanthropist, is it?

    At heart, Derrida was for the individual, and his brilliance was to question everything in which we believe. So, Jakki, rest in peace. If you are Jacques Derrida. And if you are dead.

    © 2004 The Spectator.co.uk

    (عدل بواسطة Agab Alfaya on 16-10-2004, 07:16 PM)

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 06:33 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
شكرا الفيا (Re: osama elkhawad)

    شكرا الفيا على المشاركة

    فقط كما ترى نحن نفضل المادة العربية ترجمة او دراسة او عرضا جيدا للكتب والمقالات ذات الصلة
    وارجو بعد الفراغ من المادة ان يفتح نقاش في محاور عدة لكنها تتركز حول المقاربات الحديثة والحداثة وما بعدها والاسلام والعالم الثالث والثقافة العربية

    وسنواصل

    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 06:44 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الغرب يحارب الاصولية الاسلامية مثلما حارب الاصولية المسيحية من قبل (Re: osama elkhawad)

    11سبتمبر: الدروس والعبر
    هاشم صالح

    يقال بأنهم سألوا ماو تسي تونغ في الخمسينات عن الثورة الفرنسية ونتائجها، فأجابهم: من السابق لأوانه ان نحكم على الموضوع! فهل يمكن ان نقول نفس الشيء عن 11 سبتمبر؟ هل ينبغي ان ننتظر اكثر من قرن ونصف لكي نحكم عليه ونقيم انعكاساته المباشرة وغير المباشرة، القريبة والبعيدة؟
    كل ما نستطيع قوله هو ان الاحداث التاريخية الكبرى تقسم التاريخ عادة الى قسمين: ما قبلها وما بعدها. بهذا المعنى فإن 11 سبتمبر يمثل ذروة التطورات التي حصلت في اواخر القرن العشرين وادت الى انتقالنا من عصر الى عصر. وقد ابتدأت هذه التطورات بسقوط الشيوعية وجدار برلين، ثم استمرت الامور تتفاعل من خلال حرب الخليج وتحرير الكويت حتى وصلنا اخيرا الى الحدث الصاعق: 11 سبتمبر.

    في رأي المفكر «بنيامين باربر» استاذ العلوم السياسية في جامعة نيويورك وصديق بيل كلينتون ان هذا الحدث لا يمكن فهمه الا على ضوء عدة اشياء. أولها هو ان فلسفة التنوير التي تحكم الغرب تتعارض مع النظام الاصولي الديني سواء أكان اسلاميا ام مسيحيا ام غير ذلك، بل انها قامت على انقاضه.

    فالقيم التي تتحكم بالحضارة الغربية بعد التنوير وانتصار الحداثة هي غير القيم التي كانت تتحكم بها قبل ذلك. وبما ان الانظمة السائدة في العالم الاسلامي تشبه تلك التي كانت سائدة في الغرب ابان العهد القديم فإن الصدام محتوم بين الطرفين. فإذا كان الغرب قد بنى حضارته على اساس القطيعة مع أصوليته الدينية المسيحية بالذات، فكيف يمكنه ان يقبل بأصولية تنتمي الى دين آخر؟ هذه نقطة اساسية لا ينبغي ان نتجاهلها: نقطة الحرب بين القيم المتضادة. ففلسفة التنوير تقبل بالتعددية الدينية والمذهبية داخل المجتمع، وتعتبر الايمان او ممارسة الشعائر شأنا فرديا لا علاقة للدولة، او حتى للمجتمع به. كما تؤمن بقيم التسامح، والحوار الديمقراطي بين العقائد المختلفة. اما النظام الاصولي فلا يقبل بأي شيء من ذلك، وانما يعتبره كفرا وخروجا على الدين. فكيف يمكن الا يحصل الصدام اذن؟
    وبالتالي فالمواجهة بين بن لادن والحضارة الغربية كانت شيئا مبرمجا تقريبا واجباريا. وهي لا تختلف كثيرا عن معارضة الاصوليين المسيحيين في القرن التاسع عشر للحداثة والليبرالية والديمقراطية. فبابا روما عام 1869 اصدر فتوى شديدة اللهجة ضد قيم العالم الحديث وادانها بطريقة لا تختلف في شيء عن ادانة زعماء الاصولية الاسلامية لها اليوم.
    بالطبع لا ينبغي ان ننسى السياق العام لهذه المواجهة كما يقول بنيامين باربر. فهناك حزازات كثيرة بين العالم الاسلامي والغرب. وهي تعود الى زمن الاستعمار وتنتهي بكارثة فلسطين. ولا ينبغي، ايضا ان ننسى الفقر المدقع الذي يشمل شرائح واسعة في كل العالم العربي. فهذا ايضا يؤدي الى تغذية الحقد على الغرب وبطره وجشعه وثرواته الفاحشة.

    ولهذا السبب فإن الفيلسوف الاميركي يدعو الى محاربة اسباب الارهاب العميقة وليس فقط محاربة الارهاب ذاته. واذا لم نفعل ذلك فإننا سنخلق ارهابيين جددا باستمرار.. وهذه نصيحة موجهة الى جورج دبليو بوش وادارته. بالطبع فإن هذا الكلام لا يعني اعفاء المسلمين من مسؤوليتهم. فهم بحاجة الى حركة تنويرية واسعة تجعلهم يفهمون الدين بطريقة عقلانية متسامحة لا بطريقة تقليدية متعصبة كما هو سائد الآن وكما كان سائدا في اوروبا المسيحية سابقا.

    وربما كانت احدى نتائج 11 سبتمبر الاكثر اهمية تكمن هنا. فهي ستجبر المثقفين في العالم العربي والاسلامي كله على اعادة قراءة التراث بطريقة تاريخية مسؤولة. كما ستجبرهم على اعادة النظر في البرامج التعليمية التي تلقن للاطفال منذ الصغر بعض اليقينيات العدوانية التي تنتمي الى القرون الوسطى والتي تؤدي الى تكفير الآخرين، كل الآخرين. وبالتالي يستحيل التعايش السلمي معهم.

    هنا ايضا يكمن السبب الاكثر عمقا لتشكل العقلية الارهابية. ولا نستطيع بعد الآن ان نتجاهل حل هذه القضية او ان نلف حولها وندور. لماذا؟ لأن انظار العالم بعد 11 سبتمبر اصبحت متركزة علينا بكل بساطة. وقد ابتدأ كبار المسؤولين السياسيين والمثقفين العرب يعون خطورة المشكلة ويتخذون بعض القرارات الجريئة التي تمشي في اتجاه التطور والانفتاح العقلاني. انظر ما يحدث في السعودية مثلا، او المغرب، او قطر، او الكويت، او معظم الدول العربية والاسلامية الاخرى.

    فالعرب لهم تراث طويل عريض، وفيه الكثير من البذور العقلانية والقيم الاصيلة، ولكن تيار الجهل والتعصب طغى عليها وغطاها في فترة من الفترات: اي في فترة عصور الانحطاط بشكل خاص.
    ويمكن القول بأن «العراق الجديد» سوف يمشي في هذا الاتجاه الحر والانساني والديمقراطي. وسوف يطوي تلك الصفحة السوداء المرعبة من تاريخ العراق والعرب. وتصريحات وزير خارجيته هوشيار زيباري وبعض كبار المسؤولين في مجلس الحكم الانتقالي اكبر دليل على هذا التوجه العقلاني في مجال السياسة والفكر. وهذا ايضا من نتائج 11 سبتمبر. وبالتالي فرب ضارة نافعة. نفس الشيء يمكن ان يقال عن افغانستان على الرغم من هشاشة الانتصار هناك ومحاولة الطالبان العودة الى الساحة من جديد. ولكن عقارب الساعة لن تعود الى الوراء. وسوف تندحر قوى الشر والظلام في نهاية المطاف.

    في الواقع ان هناك الرهان الاكبر لـ 11 سبتمبر يكمن هنا. والسؤال المطروح هو التالي: هل سيؤدي هذا الحدث الكبير الى تسريع حركة التاريخ في العالم العربي خصوصا، والاسلامي عموما؟ هل سيؤدي الى حصول تلك المصالحة التاريخية المنشودة بين الاسلام والحداثة؟ اذا ما حصل ذلك فإن 11 سبتمبر لن يذهب سدى. وهكذا نلاحظ ان التاريخ يحتاج احيانا الى فاجعة كبرى لكي يتقدم خطوة واحدة الى الامام. قد يبدو هذا الكلام «وقحا» او غير لائق في حق الضحايا الذين اطبقت عليهم النيران في ذلك اليوم المشؤوم. ولكن التاريخ البشري مليء بالشيء وضده، مليء بالفواجع بقدر ما هو مليء بالمسرات. ويبدو ان جدلية المتناقضات ضرورية لتقدم التاريخ.

    مهما يكن من امر فإن 11 سبتمبر جعل من مسألة التطرف او الغلو في الدين مسألة كونية بعد ان كانت محلية محصورة بمجتمعات معينة. لقد اصبحت مشكلتنا بحجم العالم بعد ان كانت محصورة بالجزائر، او السودان، او مصر، او سوريا.. الخ. وبعض المثقفين الغربيين يعتقدون ان هذه المشكلة سوف تشغل القرن الحادي والعشرين كله، مثلما ان مشكلة التوتاليتارية الفاشية او الشيوعية شغلت القرن العشرين كله. من هنا خطورة الآيديولوجيات المغلقة او المفعمة باليقينيات المطلقة.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
16-10-2004, 07:24 PM

Agab Alfaya

تاريخ التسجيل: 11-02-2003
مجموع المشاركات: 5015
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    اين رؤيتك انت وتقييمك الخاص للتفكيك وما بعد الحداثة ؟

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 04:08 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الاستبداد الحداثي (Re: osama elkhawad)


    يعاني العرب أزمة شاملة ومتعددة الوجوه والشخوص ليست الحالة الاستبدادية إلا مظهرا من مظاهرها وعرضا من أعراضها، ومثلما يحتاج الطبيب عند معالجة مرضاه إلى متابعة الشخوص والأعراض للوصول إلى الأسباب العميقة للمرض فكذلك هو الأمر بالنسبة لأهل الفكر والنظر، فهم في حاجة ماسة إلى تجاوز المعارف الأولية البسيطة التي تكتفي بالوقوف عند ما هو مرئي وقريب إلى التنقيب في أعماق الظواهر بما يساعد على تلمس سبل العلاج والتصحيح. ثمة جملة من الأسئلة المحورية التي يحتاج كل باحث وسياسي نزيه وحصيف إلى المجازفة بطرحها، من ذلك: ما الذي يجعل من الدولة العربية المسماة تجاوزا في أدبيات بعض الكتاب "بالدولة الوطنية الحديثة"، ما الذي يجعلها عنيفة ومتجبرة؟ ما الذي يجعلها عصية على الترويض والضبط؟ ما الذي يجعلها واهنة وعاجزة عن دخول بوابة الحداثة السياسية والاقتصادية، رغم ما تثيره من جلبة وضجيج الشعارات الحداثية والتنويرية؟

    الجواب هو أن هذه الدولة العربية ولدت مأزومة وواهنة منذ تكوينها، واستمرت تحمل في ذاتها عوامل الإعاقة والخلل سواء من جهة علاقتها بالجسم المحلي الأهلي أو من جهة علاقتها بالجوار العربي، فهي دائمة التوتر والاشتباك مع مواطنيها في الداخل، ودائمة المناكفة في علاقتها بجوارها العربي، ما أن تخمد نار من نيرانها المستعرة حتى تلتهب في مواقع أخرى أو في أوقات لاحقة، من معارك الحدود، إلى معارك المحاور العربية، إلى معارك مشاريع الإصلاح، إلى منازعات الأقطار "الصغرى" و"الكبرى" والحبل على الجرار، بما جعل النظام السياسي العربي تركة ثقيلة من الأعطاب وسلسلة متناسلة من التوترات والأزمات، فالدولة العربية بسبب الوهن التاريخي المزمن الذي لازمها منذ صيرورة التكوين والميلاد كانت ومازالت تشكو خللا مزمنا في علاقتها بالقوى الوطنية المحلية، ثم بالجوار العربي الأوسع. وفي محاولة للتغلب على أزمة الشرعية هذه تلجأ الدولة العربية إلى الإسراف في استخدام العنف والمبالغة في استعراض القوة إلى الحد الذي يتماهى فيه إدارة السياسي في إدارة العنف، ولذلك كثيرا ما يستغرب المرء من حالة الهوس الأمني والشراسة البوليسية التي تبديها الدولة العربية سواء في التعاطي مع مطالب المجتمع، فبمجرد رفع بعض المطالب السياسية الإصلاحية، أو بمجرد كشف اللثام عن تجاوزات وخروقات الحاكم العربي في هذا الملف أو ذاك، حتى يتحول الأمر إلى ضرب من الاتهام "بتهديد نظام الحكم"، هذا إذا لم تدمغ هذه القوى بمحاولة الانقلاب والانقضاض على الحكم.


    وليس ثمة شك في كون برانويا الخوف (أو حالة الخوف االمرضي) هذه دليلا قاطعا على ضعف شرعية الحاكم العربي بما يجعله يحسب كل صيحة عليه، فكلما قلت مقادير الشرعية عنده كلما اشتدت وساوسه ومخاوفه ازدادت شراسته وعنفه أكثر فأكثر. صحيح أن الدولة الحديثة وعلى نحو ما بين ذلك عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر تتسم بمركزية واحتكار أدوات العنف، ولكن ثمة بون شاسع بين العنف المشروع الذي تلجأ إليه الدولة المشروعة والذي غالبا ما يكون مقننا ومنضبطا بحدود "المصلحة العامة" وحماية الأمن العام، وبين العنف الأهوج الذي لا يخضع لأي روادع أو ضابط عدا الإرادة التحكمية والأهواء المزاجية لشخص الحاكم، فضلا عن ذلك غالبا ما يكون العنف الشرعي استثنائيا وعارضا ضمن الخط العام لحالة السلم والاستقرار المدني، وكثيرا ما يستعاض عنه بآليات الترويض الناعمة والخفية التي تلجإ إليها الديمقراطيات عادة، في حين أن العنف غير المشروع يكون فجا ومرئيا، وهو إلى جانب ذلك يشكل القاعدة لا الاستثناء، وهذا ما ينطبق على الدولة العربية التي هي عند التمحيص تكاد تتماهى في الوظيفة العنفية.

    ومن المفارقات الغريبة والعجيبة أن هذه الدولة بقدر ما تبدي من حزم وشراسة بالغين في التعاطي مع مواطنيها في الداخل بقدر ما تبدو خامدة وطيعة في التعامل مع الخارج، وربما يعود ذلك إلى كون مصدر إسنادها واستمرار وجودها يتموضع في الخارج لا في الداخل، وبقدر ما تبدي من حرص على انتهاج الترضيات والتسويات مع القوى الدولية بقدر ما تبدي من صرامة وانغلاق في التعامل مع المطالب الداخلية ومع القوى المحلية، حتى لكأن نخب الحكم عندنا تبدو مجرد وكيل على تدبير المصالح الأجنبية وليس أكثر من ذلك.



    مظاهر الاستبداد الحداثي

    1. دولنة المجمتع

    تعاني الدولة العربية التحديثية من خلل رئيسي يطال علاقتها بالجسم الشعبي والسياسي عامة، هذا الخلل متأت مما يمكن تسميته بعلاقة التخارج والانفصال بين الدولة والمجتمع الأهلي، وما نتج عن ذلك من توجس وارتياب متبادل بين نخبة الحكم المتسلحة بأدوات العنفية الأمنية والعسكرية وجهاز بيروقراطية ضارب، ممزوجة بأيدولوجيا استعلائية واحتقارية للشعب، وبين عموم المجتمع الذي يقابل بدوره نخبة الحكم بقدر غير قليل من التوجس وعدم الثقة مع ما يطبع ذلك غالبا من علاقة تظاهرية ونفاقية في إبداء الولاء والطاعة، فليست تلك المشاهد الحماسية والصاخبة من الجماهير التي تهتف بحياة الزعيم والمتفانية في إبداء الولاء والطاعة ليست في حقيقة الأمر إلا محاولة للتحايل على الطاقة العنفية للدولة العربية عبر المراسم الشكلية والنفاقية، أي هي عند التدقيق ولاء ودفاع عن الذات أكثر مما هي ولاء ودفاع عن الحاكم.

    فالدولة العربية لا ترى نفسها مجرد وكيل معنوي لإدارة الشأن العام بقدر ما ترى نفسها وصية على مجتمع قاصر وعاق، مجتمع قاصر لا يقدر على إدارة شؤونه وبلوغ مرحلة الرشد السياسي التي تؤهله لامتلاك ناصيته أمره والتحكم في مصائره، ومجتمع عاق لا يمكن ائتمان جانبه أو الاطمئنان إلى ما يبديه من طاعة وسكون ظاهرين، الأمر الذي يتطلب فرض الرقابة الأمنية والاستخبارية عليه لائتمان غضبته وقومته المحتملة، وهي إلى جانب ذلك تعتبر نفسها صانعة ومجسدة للإرادة العامة، وكثيرا ما تتماهى الدولة العربية في شخص الحاكم -الزعيم- فينتهي الأمر إلى اختزال الدولة والإرادة العامة والمجتمع السياسي في شخص الحاكم وليس أكثر من ذلك.

    لا ننسى هنا أن الدولة العربية على نحو ما نشهده اليوم وما شهدته الأجيال التي سبقتنا هي مولود طبيعي للحقبة الكولونيالية سواء كان ذلك من جهة حدودها وامتداداتها الجغرافية التي خضعت في الغالب للعبة القضم، أو الضم والرتق بحسب المصالح والحسابات الإستراتيجية لقوى الهيمنة الدولية، أو من جهة تشكيل شخوصها وبناها الفاعلة، فقد تميزت هذه الحقبة بتركيز الجهاز الإداري وقوات الأمن والشرطة للدولة العربية الوليدة، وبناء النظام التشريعي والقضائي إلى جانب منحها علما وطنيا وحدودا إقليمية محمية ومعترف بها دوليا، وقد ورثت النخبة الاستقلالية هذه العناصر السابقة وعملت على تعميقها ودفعها إلى نهاياتها القصوى، وهكذا تميزت حقبة الاستقلال بتقوية الجهاز الإداري المركزي للدولة وتعظيم الأجهزة العسكرية والبوليسية وتوحيد الجهاز القضائي وبسط اليد على النظام التعليمي ومختلف المؤسسات الثقافية وإلحاقها بالدولة، توازيا مع تفكيك الوحدات الاجتماعية والأهلية المستقلة سواء ما كان منها ذا ملمح تقليدي أو ملمح حديث، أو في الحد الأدنى العمل على تجييرها لصالح تقوية النواة المركزية للدولة، وذلك في إطار مسعى النخب الاستقلالية لتشكيل هوية اندماجية متجانسة تتعالى على التمايزات العرقية والطائفية والقبلية، مع ثفكيك مختلف الحواجز الكابحة لسلطانها وتفردها بإدارة الشأن العام، ولعل هذا ما أعطى الدول العربية ذات التوجهات التحديثية قدرة فائقة وغير مسبوقة على النفاذ إلى أعماق البنية الاجتماعية بما في ذلك العائلة والعلاقات الأسرية، فبينما عملت الدول الملكية والإماراتية التقليدية على توظيف العصائب والبنى القبلية لصالح السلطة المركزية للدولة فإن الدول العربية الحداثية تراوح وضعها بين التفكيك الأهوج لمختلف الوحدات التضامية لصالح سلطة إطلاقية مركزية كما هو واقع الحال في مصر وتونس والجزائر، وبين الادعاء الأيدولوجي بالتعالي عما ينخر الجسم الاجتماعي من انقسامات قبلية وطائفية وعرقية ولكن مع الخضوع واقعا لأجندة طائفية ومذهبية، مع ما يتبع ذلك من إذكاء هذه الانقسامات وزعزعة أسس الاستقرار الأهلي كما هو واقع الحال في العراق وسوريا.

    تعاني أغلب الأقطار العربية خاصة تلك التي مرت بتجارب تحديثية هوجاء، ضربا من الاختلال الهائل بين الدولة والمجتمع السياسي والمدني، وذلك بسبب عملية الفراغ والتجويف الهائل التي خلفتها عملية التحديث الفوقي والمشوه، فقد عملت الدولة التحديثية على تقوية نواتها الصلبة ومد أذرعها الاستحواذية وأعينها الرقابية إلى مختلف مناحي الجسم السياسي، توازيا مع تفكيك مختلف الروابط والعصائب التقليدية التي كانت على سلبياتها توفر ملاذا وحماية للمجتمع من شرور التسلط السياسي، وهكذا وجد المجتمع نفسه كمّا من الأفراد المبعثرين والمنفصلين عن بعضهم البعض مقابل دولة شديدة المركزية والجبروت، فقد انخرطت الدولة التحديثية في تفكيك مختلف الروابط الأهلية لصالح الفردية المتذررة دون أن تتيح المجال أمام تشكل روابط مدنية حديثة تشد الأفراد إلى بعضهم البعض، وتسد الفراغ الذي خلفته الهياكل التقليدية المغيبة.

    2. الاستعمال الذرائعي للقاموس الحداثي

    إذا كانت الدول العربية المنعوتة بالتقليدية والمحافظة قد أسست شرعيتها استنادا إلى مسوغات دينية فإن أختها المنعونة بالحداثية والتنويرية تعمل على تغطية وجهها التسلطي باستدعاء القاموس الحداثي السياسي، ومن ثم أضحت مقولات الحداثة والتقدم والمجتمع المدني وما شابه ذلك عناوين متداولة ومعهودة في الخطاب السياسي الرسمي العربي للتغطية على أكثر ألوان الاستبداد السياسي وطأة، ومن المفارقات الغريبة والعجيبة أن هذه الدولة العربية التي كثيرا ما تقدم نفسها في الخارج باعتبارها أنموذجا طلائعيا في العلمانية والتقدم الحداثي في محيط عربي محافظ ومحكوم بالمواريث الدينية، لا تتورع في نفس الوقت عن الاستحواذ على الدين ومؤسساته، بل أكثر من ذلك ادعاء تمثيله والنطق باسمه إلى الحد الذي تصادر فيه مجالات التعبير الديني والثقافي الحر والمستقل عن الدولة، ولعل هذا ما يعطي الدولة العربية قدرات استحواذية وشمولية غير مسبوقة عبر استثمارها النفاقي والمزدوج لما يمكن تسميته بالرأسمال الرمزي الحداثي والديني على السواء، فهي عند مواجهة تحديات المعارضات الليبرالية والعلمانية مثلا، أو عند التعاطي مع الخارج تقدم نفسها باعتبارها المؤتمن الوحيد على قيم الحداثة والتقدم، وفي مواجهة معارضيها الإسلاميين في الداخل لا تتردد في تأكيد انفرادها بتمثيل الدين والقيمومة على شؤونه، بل لا تتردد في الاستنجاد بالعسس الديني لشن حملات تشويه سمعة المعارضين واتهامهم بالمروق الديني، مع المطالبة بطاعة "أولي الأمر" وعدم الخروج عن سلطتهم، فالدولة العربية الحداثية كثيرا ما تختار المخاتلة والمخادعة واستبدال جلود غير جلودها بحسب مصالحها وبحسب لعبة العرض والطلب، ولا يهمهما كثيرا نوعية العناوين والشعارات التي تتدثر بها بقدر ما يعنيها تثبيت مواقعها التسلطية والانفرادية وعلى رأس ذلك العصب الحي للسطلة ممثلا في أجهزة الجيش والشرطة ومصادر الثروة العامة، وفعلا وجدت النخب العسكرية والبوليسية الحاكمة المتوارية خلف شعارات الاستنارة والتحديث، وجدت في بعض بقايا الليبراليين واليسارييين سندا قويا لإعادة صياغة مقولاتها وشعاراتها، فتسلل هؤلاء إلى مواقع الحكم وتصدروا منابر التوزير وكتابة الدواوين مدفوعين بغريزة الطمع والتلهف على السلطة ومستغلين في ذات الوقت الهواجس الأمنية المستبدة بالحاكم العربي، وهكذا استدار هؤلاء القوم على كعوبهم وغيروا مسارهم بين عشية وضحاها من معارضين مشاكسين إلى موظفين رسميين وأصبحوا تبعا لذلك منظرين ومستشارين في دولة "الحداثة والتقدم"، ووقع حلف غير مقدس بين النخب الحداثية والاستبداد الحداثي العربي.

    وهنا يجب أن يتحلى المرء بقدر من الجرأة في تشخيض ظاهرة الاستبداد السياسي العربي ويقول دون لف أو مواربة إن بعض النخب الفكرية والسياسية العربية تتحمل وزرا غير قليل في صناعة الاستبداد وتقوية أنيابه الدامية، سواء عبر انخراطها المباشر في مؤسسات الحكم، أو عبر تسترها على مواقع الاستبداد والمستبدين وتغليف ذلك بادعاءات الاستنارة والتحديث والديمقراطية، كلنا يذكر كيف كانت بعض النخب الأيدولوجية الجزائرية تستثير مخاوف العساكر وتستحثهم على التدخل العاجل للانقلاب على إرادة الناخبين ووأد أول تجربة انتخابية حرة منذ استقلال الجزائر بحجة الدفاع عن قيم الحداثة والمجتمع المدني المهددة من طرف "الأصولييين الدينيين"، وكيف كانت تستغيث بالخارج للتدخل بحجة ما يتهدد مصالحه الإستراتيجية من خطر بسبب صعود القوى "المعادية للديمقراطية". ومن عجائب الأمور هنا أن تصبح الجيوش والأجهزة الأمنية الحارس الأمين للديمقراطية والمجتمع المدني المزعوم
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 04:57 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الحداثة كمخرج من الحداثة (Re: osama elkhawad)


    سعيد المتدين

    وعلى الجملة، فالحداثة مفهوم صلب ومتجذر في منظومة المفاهيم، وليس سهلا تجاوزه أو الانفصال عنه. إن الحداثة لحظة مستمرة وصيرورة تاريخية لا تعرف الانقطاع، إنها مشروع لم يكتمل بعد، أو مشروع للحاضر والمستقبل معا

    من موقع اشتغال محمد سبيلا على مفهوم الحداثة ومن منطلق ملامسته، عن كثب، لمختلف التحولات التي تطال هذا المفهوم، يرى بأن ما بعد الحداثة لا تشير إلى تتابع زمني يأتي فيه واقع بدل آخر أصبح مستنفذا، بل هي تعمق لمسار الحداثة، أو هي سرعة ثانية للحداثة(ص: 70). فالمؤلف ينهج ذات الاتجاه الذي رسمه هابرماس والذي ينطلق من القناعة بأن "مشروع الحداثة لم يكتمل بعد"، إلا أنه يختار منحى مميزا في سياق الانتصار لهذه الأطروحة، إذ يميز في كل من الحداثة وما بعد الحداثة بين مستويين: مستوى سوسيولوجي ومستوى فكري، لينتهي إلى مقاربة تحاول ما أمكن رفع الالتباس والإبهام الذي يطال مصطلح ما بعد الحداثة الذي هو من صميم وصلب الحداثة ذاتها.

    يقع كتاب الحداثة وما بعد الحداثة في 108 صفحة متضمنا أربعة فصول هي: 1) الأسس الفلسفية للحداثة، 2) الحداثة وما بعد الحداثة، 3) الحداثة والتقنية، 4) العرب والحداثة. وهذه الفصول يجمع بينها التماسك والتوليف لتنتهي إلى مقاربة فلسفية لمفهوم الحداثة تنطلق من الحداثة لتعود إليها. وليس سهلا أمر حصر المضامين والأبعاد التي يفتح عليها هذا المؤلف بمقتضى شساعتها وتعقد فهمها، لذلك سنحاول بذل جهد في تقريب الأفكار والدلالات التي ترتبط به وتعبر عن محتواه.

    1 – الأسس الفلسفية للحداثة:

    ينطلق الدكتور محمد سبيلا من رصد مجمل التحولات الفكرية الكبرى التي ترتبط بلحظة الحداثة في شتى الميادين مركزا على قياس درجة التغيير التي طرأت على هذه الميادين، ليخلص إلى أن الحداثة تتميز بكونها تحولا جذريا على كافة المستويات، في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي معنى التاريخ، هذه التحولات أفرزت حالة من الفصام والصدمة والصراع بين التقليد والحداثة.

    وفي سياق النبش في الأصول الفلسفية للحداثة، يؤكد المؤلف بأن الحداثة قد دشنت الوعي الفلسفي بذاتها منذ اللحظة الهيجيلية التي رسخت تقليدا فلسفيا اضطلعت خلاله الحداثة بوظيفة إيجاد التوازن والبحث عن المشروعية انطلاقا من ذاتها كمرجعية أساسية، ويندرج ذلك كله ضمن فكرة عامة دعاها هيجل بالحاجة إلى الفلسفة.

    وإذا كانت للحداثة جغرافيتها وديناميتها الخاصة، فإن المؤلف لا يجد حرجا في بسط تصنيف جغرافي خرائطي للحداثة، تقترح فيه الحداثة الأوروبية نفسها كحداثة مرجعية بموجب كونها المظهر الأول لتجليات الحداثة التي أخذت تكتسب بشكل تدريجي طابعا كونيا. في حين تظهر الحداثة الأمريكية كحداثة موازية متسارعة، أو كحداثة ليس لها أجداد ولا تاريخ، إذ هي حداثة لا تستند إلى نظام قديم وأرضية صلبة، لكنها في المقابل حداثة تجد خصوصيتها في التجربة الأمريكية التي اعتبرت مثالا فعليا ونموذجا واقعيا. أما الحداثة اليابانية فقد استلهمت معطيات الثقافة الغربية في سياق تمثلها بشكل مرن، ويصف د.محمد سبيلا هذه الصيغة بالتمرير اللطيف للحداثة الغربية (ص47). وبموازاة مع ذلك تقدم التجربة الروسية نموذجا آخر للحداثة، وهي الحداثة الاستدراكية التي تفتقر إلى مرجعية ماضوية ولا تلتزم بحتمية التطور التاريخي.

    وإذا كان الشك قد انسحب تاركا مكانه لليقين بخصوص تمظهر الحداثة كفعل ومفعول، فإن الحديث عنها (أي الحداثة) كفاعل، لم يخرج بعد عن دائرة الجدل والسجال ولم يستقر على رأي يغطي مساحة الإجماع والاتفاق. لذلك لا يتردد المؤلف في اقتراح تصور بنيوي لثلاثية الفعل والفاعل والمفعول التي تجتمع تحت سقف التماهي والتداخل متجاوزة الأطروحة الانعزالية. ولعل ظهور الفاعل في شكل مستتر وضبابي ومعتم هو ما يعطي الانطباع بأن الحداثة صيرورة بدون ذات فاعلة.

    وكتذييل لهذا الفصل يقدم المؤلف تشخيصا عرضيا لأزمات المشروع الحداثي الغربي والتي ارتبطت أساسا بالمجال الإنساني والاجتماعي، بحيث لم توفق الحداثة بين الواقع والمأمول، ولم تنطبق شعاراتها الداعية إلى التحرر والتقدم مع الواقع الذي يكرس طقوس الاستبداد والإمبريالية والهيمنة.

    وإذا كان "هنري لوفيفر" يرى بأن الحداثة لا يمكن أن تواصل مسيرتها بدون أزمات، وينعت أزمة الحداثة بأنها أزمة خصبة تهيئ الحداثة لمراجعة ذاتها وتصحيح مسارها، فإن المؤلف ينهج ذات الاتجاه معتبرا أن الأزمة لا تغير شيئا ما دامت الحداثة مليئة بالوعود والآمال، وهذا هو المعنى الضمني الذي تفتح عليه مقولة هابرماس الشهيرة "مشروع الحداثة لم يكتمل بعد"، أي مشروعا قابلا للتعديل والتصحيح والتوجيه، ولاستبدال الوجه الكالح بابتسامة ملأى بالبشائر(ص52).

    2 – الحداثة وما بعد الحداثة:

    يتناول المؤلف في هذا الفصل إشكالية الحداثة وما بعد الحداثة مساهمة منه في بلورة موقفه الرامي إلى كسر حدود النهاية أمام الحداثة ووضعها في سياق لا متناهي، إذ هي دائما ذلك المشروع الذي لم يكتمل بعد. ويأتي هذا الجهد ضمن منحى نقدي لأطروحة ما بعد الحداثة التي تجعل من موت الحداثة نقطة لبدايتها ومؤشرا على شرعيتها الفلسفية، أي أنها تتوسل بأخلاقيات الموت والنهاية لتستشرف مستقبلها.

    يقسم المؤلف هذا الفصل إلى ثلاثة محاور هي: 1) هل ما بعد الحداثة ضد الحداثة؟ 2) بين فكر الحداثة وفكر ما بعد الحداثة، 3) الحداثة وما بعد الحداثة: قطيعة أم استمرار.

    1) هل ما بعد الحداثة ضد الحداثة؟

    يرى المؤلف بأن مصطلح ما بعد الحداثة ينطوي على لبس وخدعة في الدلالة، إذ أن المصطلح يوحي بنهاية الحداثة وتحقق عملية الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحداثة. في حين أن الأمر يتعلق فقط بسرعة ثانية للحداثة يطلق عليها المؤلف اسم "الحداثة البعدية"، وهي شق ضمن الحداثة يسعى إلى إعادة التوازن الداخلي في الحداثة واجتزائها من دائرة الأزمة.

    يحاول المؤلف في هذا المحور إبراز تهافت التيار ما بعد الحداثوي الراديكالي، وذلك بإخضاع أطروحة ما بعد الحداثة للنقد والتفكيك متوسلا ترسانة من الأفكار والأطروحات النابعة عن استيعابه الشامل والدقيق لفلسفة وماهية الحداثة.

    2) بين فكر الحداثة وفكر ما بعد الحداثة:

    يعتبر المؤلف أنه بالرغم من امتزاج الحداثة بصور التوتر والنفور والنفي المستمر والتجديد من أجل التجديد، فإن ذلك لا يمثل عائقا أمام إمكانية تحديد سماتها الأساسية. ويرى د.محمد سبيلا أن الحديث عن الحداثة بصيغة الإجمال أمر لا يستقيم، لذلك يكون من الأوفق الحديث عن مستويات الحداثة. ولا يفوت المؤلف هنا إخضاع التقسيم الثنائي للحداثة للنقد باعتبار أن هذا التقسيم الذي يقترح نوعين من الحداثة: حداثة مادية وحداثة فكرية، لا يخرج عن دائرة الاختزال والتبسيط وطمس العلامات المميزة للحداثة. من هنا جاء مبرر تقسيم الحداثة إلى حداثات، وهي كما أوردها المؤلف: الحداثة التقنية، الحداثة السياسية، الحداثة الاقتصادية، الحداثة الاجتماعية والأخلاقية. وإذا كانت هذه المستويات من الحداثة تشكل قاعدة أو بنية تحتية للحداثة، فإن الحداثة الفكرية تشكل بنيتها العليا "فالحداثة الفكرية هي بمثابة الروح من كل هذه الحداثات"(ص65).

    وإذا كان المؤلف يرى أنه من الضروري التمييز بين المكونات الأساسية لفكر الحداثة وبين فكر ما بعد الحداثة، فإنه بهذا يخطو خطوة أخرى في اتجاه نقد ما بعد الحداثة وترسيخ أطروحته القاضية بأن فكر ما بعد الحداثة ليس إلا شقا ضمن الحداثة، أو هو ذلك الجانب النقدي التفكيكي في الحداثة الذي يقوم بدور المراجعة وتصحيح المسار، وتعميق فلسفة الحداثة وفكر الحداثة.

    3 – الحداثة وما بعد الحداثة: قطيعة أم استمرار؟

    ينطلق المؤلف في هذا المحور من نقد التصور الذي ينظر إلى ما بعد الحداثة كحقبة تعقب الحداثة معلنة عن موتها ونهايتها، معتبرا أن طبيعة العلاقة بين الحداثة وما بعد الحداثة أعقد بكثير من هذا التصنيف السريع والتحقيب المتعجل. ولتعميق السجال حول هذه النقطة يطرح المؤلف السؤال التالي: هل ما بعد الحداثة هو عصر آخر مختلف نوعيا عن عصر الحداثة؟ أم هو مرحلة أخرى من مراحل الحداثة؟

    يميز المؤلف في كل من الحداثة وما بعد الحداثة بين مستويين: مستوى سوسيولوجي، ومستوى فكري. فعلى المستوى السوسيولوجي عرف المجتمع الغربي الحديث تحولات شاملة طالت كافة مستويات الكل الاجتماعي ومنها مثلا: ظهور "المجتمع الاستهلاكي" و"المجتمع ما بعد الصناعي" و"المجتمع الإعلامي والمعلوماتي"، وهذا ما أعطى الانطباع بأن المجتمع الغربي دخل مرحلة جديدة من تاريخ تطوره. وإذا كان التحول أمرا متفقا عليه، فإن الاختلاف يبقى واردا في مرجعية تسميته والنظر إليه، وكذا في طبيعة العلاقة بين المرحلة الجديدة والمرحلة السابقة.

    كما ظهرت تسميات جديدة تعكس الخليط الاجتماعي الذي عرفه المجتمع الغربي الحديث ومنهما: "مجتمع الفراغ" و"عصر الشك" و"عصر سيادة المحاكاة"، إلا أن هذا النزوع يكشف –حسب المؤلف- عن ضلوع في الإبهام والغموض وإعادة إنتاج الالتباس.

    أما على المستوى الفكري فإن الطابع العام الذي يميز فكر ما بعد الحداثة هو افتتانه بأخلاقيات الفوضى والتشابك، فهو ينكر النظريات الشمولية الكبرى، ويتبنى تصورا انفصاليا وفوضويا للزمن، ومنظرو براغماتيا للحقيقة، وميلا إلى إلغاء الذات(ص 70).

    والخلاصة التي يخرج بها المؤلف، هي أن ما بعد الحداثة عبارة عن شق ضمن الحداثة يضطلع بوظيفة التطعيم والدعم والمراجعة ولا يخرج عن خط الاستمرار والصيرورة الذي رسمته الحداثة لنفسها باعتبارها مفهوما غير قابل للاستنفاذ.

    3) الحداثة والتقنية:

    لقد خصص الدكتور محمد سبيلا لهذا الفصل مدخلا أسماه "في رثاء الطبيعة"، وهو بمثابة توطئة تتجه مضامينها إلى إظهار طبيعة العلاقة بين التقنية والطبيعة، مع التركيز على الخلل والتوتر الذي انسحب على جوانب الاتصال بينهما.

    وفي إطار رصد درجة التغير التي طرأت على الطبيعة، وقياس مدى تأثير التقنية على سياق الطبيعة، ومضمونها، ينهج المؤلف مسلكا تكتسي خلاله هذه التغيرات حلة أكثر جلاء ووضوحا، ويتعلق الأمر بأنسنة الطبيعة وتوظيفها في النص كشخص يتحدث بلسان حاله: "بل اصبح لهذه (أي الطبيعة) رأيها وصوتها وكلمتها" (ص75)، "هذا الحوار العلمي القائم بين الإنسان والطبيعة"(ص75). وهذا ما يجعل رد الفعل من لدن الطبيعة أمرا واردا.لقد جسدت التقنية وساطة حقيقية بين الإنسان والطبيعة في علاقة عدوانية تستند إلى العنف والسلب، فحولتها من غاية إلى وسيلة، ومن مشهد إلى أداة، مما أفقدها وظيفتها الأصلية وعطل دلالتها الأولى. وقد بلغت التقنية في العصر الحديث مرحلة التتويج، وهو العصر العلمي التقني الذي مثل المسرح الزمني لتحولات جذرية وحاسمة في التاريخ البشري. ولعل الحدث البارز الذي ميز العصر التقني هو ذلك التحول المعرفي المحوري الذي جعل الإرادة المعرفية تنفلت من طقوس المعرفة التأملية الخالصة لتسقط في دائرة السيطرة والتحكم. ومحصلة ذلك أن ماهية التقنية هي بمثابة مشروع تنصهر فيه الأوجه الثلاثة للعصر العلمي التقني وهي: إرادة المعرفة وإرادة التحرر وإرادة السيطرة.

    وإذا كان المؤلف يؤكد بأن للتقنية ثقافة ضمنية مصاحبة لها، وتجد أبرز تجلياتها في المجال السياسي والثقافي والاجتماعي في إطار صياغة منظومة تستلهم ثقافة الحداثة بكل مكوناتها، فإن ذلك معناه أن الحداثة والتقنية هما وجهين لعملة واحدة، وأنهما عنصران أساسيان يظهر شكل تلازمهما في صورة ترابط عضوي ووجودي. ولعل الخيط الرفيع الناظم للعلاقة بينهما هو الحداثة التقنية.

    ويختم المؤلف هذا الفصل بعقد باب أسماه "العلم كمعلم أساسي للحداثة"، وهو عبارة عن محاولة لفهم ماهية العلم واستيعاب الفلسفة الضمنية الثاوية خلفه، انطلاقا من النبش في طبيعته واستنباط خلفياته الإيديولوجية والفلسفية والميتافزيقية. لقد سعى البحث الفلسفي المعاصر إلى ردم الهوة بين العلم والتقنية، فبعد أن كانت التقنية هي الوجه التطبيقي للعلم، على مستوى النظريات والنتائج، أصبحت –بموجب كونها موقفا وتصورا- جوهر العلم الحديث الذي هو علم تقني بامتياز.

    وليس من شك في أن العلم التقني قد رسم لنفسه سبل التطور بوتيرة سريعة لم يسبق لها مثيل. لقد حقق العلم التقني الحديث ثورات فكرية هائلة في جميع الميادين، إذ غير صورة الطبيعة وغير مكوناتها في مختلف المجالات، وغير علاقة الإنسان بالكون إلى حد بعيد (ص87). وهذا يجرنا بالضرورة إلى الاعتراف بأن العلم التقني هو السمة البارزة والمعلم الأساسي للحداثة.

    4 – العرب والحداثة:

    يقترح الفصل الرابع نفسه كتتويج للجهود النظرية التي بذلها المؤلف في الفصول السابقة لأجل تعميق النظر في أدبيات الحداثة وما بعد الحداثة، وبلورة رؤية نقدية تستعرض الحداثة في سياق لا متناهي ولا محدود. إن الأمر في إطار الفصل الرابع يتعلق بدراسة حالة، أو بتعطيل الجانب النظري الصرف انطلاقا من القيام بعملية إسقاط المفاهيم المجردة على الواقع المعيش. وقد تضمن هذا الفصل ثلاثة محاور هي: 1) الحداثة الهجينة والهوية الخلاسية، 2) المشروع النهضوي العربي ومخاض الحداثة، 3) نحن والنزعة الإنسانية.

    1) الحداثة الهجينة والهوية الخلاسية:

    يقترح المؤلف تغطية شاملة لصورة التوتر والقلق الذي ترتب عن ارتطام الحداثة الغربية بالواقع العربي المثقل بأسئلة الهوية والتقليد والحضارة. فيرى أنه انطلاقا من الاستراتيجية الجبرية القدرية التي تنهجها الحداثة، استطاعت هذه الأخيرة أن توسع دائرة انتشارها متوسلة العنف تارة واللطف والإغواء تارة أخرى، لتشمل الواقع العربي. لذلك فإن الحداثة العربية هي عبارة عن حداثة خاضعة لعملية التبيئة، مما جعلها تقترن بحالة الصدمة، وتدخل في صيرورة معقدة وملتوية من الصراع مع الهياكل التقليدية التي تؤثث المجتمع العربي.

    لقد تراوحت ردود الفعل التي أفرزتها صدمة الحداثة بين الاندماج التلقائي، الذي يؤدي –حسب المؤلف- إلى الامتساخ وتفكك الهوية وذوبان الخصوصيات، وبين رد الفعل العنيف الذي ينطلق من رفض البنية الفوقية الثقافية والميتافيزيقية للحداثة.

    2) المشروع النهضوي العربي ومخاض الحداثة:

    يطرح المؤلف في هذا المحور فحصا إبستيمولوجيا لمصطلح المشروع الحضاري العربي بغية تحديده وفك رموزه، باعتبار هذا الأخير مصطلحا فضفاضا وضاربا في اللبس والتعقيد. ويقف المؤلف على الدلالات التي تفتح عليها كلمة "مشروع" فيرى أن الأمر يتعلق بطموح العرب النهضوي، وباستشراف المستقبل أكثر من تقديم تقرير عن الحاضر. في حين تعطي كلمة "حضاري" للمصطلح بعدا شموليا، فكلمة حضاري هنا ذات دلالات وصفية شمولية من جهة، كما أنها محملة بشحنة قيمية إيجابية من حيث دلالتها النهضوية.

    لقد استيقظت الأمة العربية على درجة عالية من الوعي الشقي، الذي تشكل بموجب الشطط والخلل الحاصل بين مثالية الذات ودونية الواقع. في الوقت الذي يقترح فيه الطرف الثاني في اللعبة –الذي هو الغرب- نفسه كقوة عظمى ورائدة في التقنية والتقدم والمعرفة وكفاعل كوني مهيمن على كل الميادين والمجالات، وينظر إلى الآخر كتابع ومستهلك على الدوام. كما يرى المؤلف أن انخراط الأقطار العربية في مخاض الحداثة وإن كان قد حقق لها بعض المكاسب المختلفة، إلا أنه أفرز حالة من الشعور بالدونية والتبعية، وكل ذلك نابع من تكريس الحداثة للهيمنة الغربية.

    وإذا كان المشروع الحضاري النهضوي الشامل هو المشروع الكلي الذي ينطلق من الواقع العربي الملموس في اتجاه تحقيق الأهداف الاستراتيجية العربية الكفيلة بوضع العرب على سكة التاريخ الحديث، فإن مفاصل المشروع النهضوي العربي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية لم تجد –حسب المؤلف- طريقها إلى الانطباق في الواقع العربي، بحكم افتقاد هذا الواقع لشرط أساسي وهو ضرورة استيعاب أسس الثقافة الحديثة.

    3) نحن والنزعة الإنسانية:

    ينطلق المؤلف في هذا المحور الأخير من الفكرة التي استهل بها هذا الكتاب، وهي التأكيد على وجود تحولات فكرية كبرى صاحبت مشروع الحداثة محدثة تأثيرات عميقة طالت الطبيعة والتاريخ والمعرفة وتصور الإنسان على الخصوص.

    يندرج تصور الإنسان إذن في سياق بنيوي مترابط لا سبيل إلى فصله. لذلك يكون من غير المنطقي رصد التحولات التي طالت مفهوم الإنسان دون استحضار الطبيعة والتاريخ والمعرفة كعناصر تدخل في سياق شبكي علائقي مع مشروع الإنسان.

    والسؤال الذي صاغه الدكتور محمد سبيلا في سياق تركيز النظر حول هذه النقطة هو: ما هي التحولات التي رافقت حلول العصر العلمي التقني والتي أحدثت تأثيرا على مستوى تصور الإنسان ومفهومه؟

    على سبيل الإجابة عن هذا السؤال، ينهج المؤلف منحى دقيقا وممنهجا يتمثل في محاولة رصد الاستراتيجية التي طبعت مسار الفكر الغربي في سعيه الدائم إلى صياغة مفهوم الإنسان. هذه الاستراتيجية تقوم في مجملها على معطى أساسي وهو الانتقال التدريجي من تصور حول الإنسان إلى آخر، فمن التصور المسيحي إلى النظرية الداروينية إلى أطروحة التحليل النفسي، قطع مفهوم الإنسان أشواطا كبرى وتراوحت تأويلاته بين البعد الروحي والبعد العضوي وكذا البعد السيكولوجي.

    فالنزعة الإنسانية العقلانية الإرادية الحرة هي الصورة المثلى لماهية الإنسان في فجر الحداثة، هذه الصورة مثلت مسرحا لأسهم النقد التي تزامنت مع اكتمال صورة الحداثة عن نفسها ابتداءا من القرن 19.

    لقد شكل كل من نيتشه، ماركس، ماكس فيبر، فرويد، هايدجر، وآلان تورين جبهة قوية تصدت بالنقد والتفكيك لإيديولوجيا الحداثة الغربية، وللنزعة الإنسانية الكلاسيكية كأبرز صورها ومظاهرها، إلا أن هذا النقد والمراجعة قد انطلق –حسب المؤلف- من خلفية الدعم والتعميق والتطوير، وذلك كله لا يخرج عن الطابع العام للفكر الغربي الذي يقوم في مجمله على أسس نقدية وتفكيكية كعامل من عوامل المراجعة وتصحيح المسار.


    خاتمة:

    إن المضامين والدلالات الثاوية خلف أسطر كتاب الحداثة وما بعد الحداثة لا تهب نفسها للقارئ في سهولة ويسر، فالكتاب بحكم اغتنائه وتوسع مادته وآثاره لإشكاليات تملأ مساحة الجدل في الأدبيات المعاصرة، يحتاج إلى عناء فكري وقراءات متعددة لتيسير استيعابه واستلهام أبعاده وإيحاءاته.

    ومهما يكن من أمر، فإن النظر إلى كتاب الحداثة وما بعد الحداثة كنص غير قابل للاستنفاذ لا يقف أمام محاولة رصد المضامين التي ينطوي عليها، ووضعها في سياق تحليلي تساؤلي، وتلك هي خلفية هذا العرض.

    لقد أفضى بنا تقديم هذا الكتاب إلى وضع الخلاصات والاستنتجات التالية:

    1-يقدم المؤلف في هذا الكتاب تقصيا ممنهجا ودقيقا لمفهوم الحداثة كمفهوم حضاري شمولي يطال كافة مستويات الوجود الإنساني، ويظهر ذلك من خلال قيام المؤلف بتأصيل المفهوم، والنبش في الماهية الفلسفية للحداثة، ورصد مجمل التحولات التي طالت المفهوم، مركزا على طبيعة هذه التحولات وانعكاساتها على الحداثة.

    2-يطرح المؤلف تصورا مميزا في معرض مشاركته في النقاش المتعلق بجدل الحداثة وما بعد الحداثة، إذ يضع الحداثة في صيرورة لا متناهية مكسرا حدود نهايتها. كما يستبدل مصطلح ما بعد الحداثة بمصطلح "الحداثة البعدية" باعتبار هذه الأخيرة شقا ضمن الحداثة، يمثل الجانب النقدي في الحداثة ويهدف إلى إعادة التوازن الداخلي إليها.

    3-إن البادئة (ما بعد) في مصطلح ما بعد الحداثة لا تفيد التجاوز والبعدية بالضرورة، ولا يفهم منها دائما أنها تعني القطيعة، بل إنها قد تعني التزامن والقبلية أيضا. إن درجة وصف البادئة (ما بعد) للتغير الطارئ على الحداثة يتوقف على استخدام هذا الناقد أو ذاك. فإذا كان "ليوتار" يوظف البادئة (ما بعد) في كتابه La condition post-moderne بمعنى (ما قبل)، فتصبح ما بعد الحداثة عنده مرادفة لما قبل الحداثة انطلاقا من قوله "لا يمكن لعمل أن يصبح حداثيا إلا إذا كان ما بعد حداثيا أولا، وما بعد الحداثة بناءا على هذا الفهم ليست الحداثة عند نهايتها بل في حالة الميلاد"، فإن الدكتور محمد سبيلا يستعمل العبارة (ما بعد) بمعنى تزامني استدماجي يفيد التضمن والإثبات "إن ما بعد الحداثة هي تعميق لمسار الحداثة، أو هي سرعة ثانية للحداثة، بمعنى أنها استمرار لمنطق الحداثة ولعمقها الصائر حيث هي نقد مستمر وتجاوز مستمر لذاتها"(ص70).

    4-إن نقطة قوة الحداثة هي كونها تتسع لأكثر من تعريف وصياغة، ولا تنضبط في تحديد يغطي مساحة الإجماع بين الباحثين، فهي مفهوم لا يقدم أية إجابة محددة حول معناه، لذلك ظهرت الحداثة كمفهوم لا يستهلك. ولعل هذا التوجه الذي رسمته الحداثة لنفسها يلمز بالرفض إلى كل دعوى لإحلال ما بعد الحداثة محل الحداثة.

    5-يندرج نقد الحداثة ضمن محاولة للدفاع عن الحداثة والدعوة لها، فالنقد هو جزء من الوعي الحداثي ومن تفكير الحداثة، لذلك كانت الحداثة نقدا وتجاوزا مستمرا للذات. والحق إن هذا المنحى لا يخرج عن الإطار العام للفكر الغربي الذي يقوم في مجمله على أسس نقدية وتفكيكية كعامل من عوامل مراجعة مقوماته وأساليب اشتغاله. لذلك لم تتوقف الحداثة عن بذل جهود نقدية على مستوى الذات والأنساق والنتائج، ولعل ذلك نابع بالأساس من طبيعة الحداثة ذاتها والتي تنبني على مفهوم النقد والمراجعة.

    وعلى الجملة، فالحداثة مفهوم صلب ومتجذر في منظومة المفاهيم، وليس سهلا تجاوزه أو الانفصال عنه. إن الحداثة لحظة مستمرة وصيرورة تاريخية لا تعرف الانقطاع، إنها مشروع لم يكتمل بعد، أو مشروع للحاضر والمستقبل معا
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 05:07 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
المؤسسة العربية للتحديث الفكري (Re: osama elkhawad)


    نخبة عربية في الفكر و الثقافة تؤسس لتحرير الحاضر من الماضي و تخليصهما من الممنوعات القاتلة

    المؤسسة العربية للتحديث الفكري، مشروع ثقافي أنشئ في الثامن عشر من الشهر الحادي عشر للعام ألفين و اثنين، بمدينة جنيف، و بحسب القوانين المدنية السويسرية.. و ذلك بنتيجة اجتماع كل من المفكرين و المثقفين و الناشطين العرب التالية أسماؤهم- مع حفظ الألقاب: نصر حامد أبو زيد( مصري- مقيم في هولندا)، ليلى شرف( أردنية)، جورج طرابيشي( سوري- مقيم في فرنسا)، محمد عبد المطلب الهوني( ليبي- مقيم في إيطاليا)، محمد أركون( جزائري/ فرنسي)، محمد عبد المجيد الشرفي( تونسي)- أصالة عن نفسه، و تمثيلاً لكل من المغربيين محمد عبده الفيلالي الأنصاري و فريدة بناني، محمد بن عبد السلام الشرفي( تونسي)، ناصيف نصار( لبناني)، و نيقولا كروازي من نقابة محامي جنيف.. ؛ و من أهداف المؤسسة هذه الإسهام في تطوير فكر و ثقافة عربيين تقدميين و إنسانيين، (... )، و وضع حد لمظاهر النكوص الملحوظ في المجتمعات العربية، و تقليص هوة الفوات التاريخي التي لا تزال تفصل واقع المجتمعات العربية عن واقع المجتمعات الأكثر تجاوباً مع فتوحات الحداثة. و من بين مهماتها: تشجيع البحث في الجامعات و المعاهد و المؤسسات الثقافية في ميادين علوم الإنسان و المجتمع. نشر البحوث و الدراسات و الترجمات من العربية و إليها بما يخدم أهداف المؤسسة. إيلاء أهمية خاصة لنشر الموسوعات تأليفاً و ترجمة. إصدار دورية أو أكثر تعنى بشؤون البحث. الدراسة النقدية لسياسة التربية و التعليم و مناقشة الأنظمة التعليمية في البلدان العربية. و إنشاء مواقع إعلامية باستخدام وسائل الاتصال الحديثة.

    إشهار المؤسسة

    المؤسسة هي فكرة أقدم، إذن، مما تجدي معه التهمة الصادرة عن ذهنية عربية لا تهتم من الأفكار و الأفعال إلا ببعدها التآمري و ارتباطاتها المشبوهة؛ و التي منها النظر إلى المؤسسة بوصفها نوعاً من الاستجابة للدعوات الأميركية في إعادة تكوين ثقافة المنطقة.

    على كل جاء مؤتمر إشهار المؤسسة العربية للتحديث الفكري في موعده المحدد( 30/4- 2/5/ 2004) في بيروت ليمثل احتفالية تهافت فيها الصوت الاتهامي، أو ظهر أكثر ضآلة و هزالاً وسط لاعبين جديين استغرقتهم الطروحات و النقاشات، و الأقوال و الأقوال على الأقوال، (مع أنها جاءت- في المتن و الجوهر على الأقل- تكرارا للأفكار و الطروحات العربية عينها، منذ بدايات عصر النهضة و حتى اليوم)، و التزم المنظمون قواعد شؤون التنظيم و الإدارة و التسيير- حتى أبسطها- لتيسير سبل إنجاح المؤتمر؛ و لعل هذا أن يكون قد تجلى خاصة في الجلسات اليومية، وسط قاعة المؤتمر، و في علاقة التماس المباشر و المستمر بين الضيوف- على كثرتهم- و بين زملائهم المنظمين. ما يفسره وجود صاحب الاختصاص في ميدانه، مع مدعوين يشاطرونه الاهتمامات و أحيانا الاختصاص؛ كل ذلك محمولاً على حالة عميقة من التصديق و الانسجام و التصالح مع الذات في أمر ما- و هو هنا المؤتمر- ربما كانت أخطر أمراضه، و مؤديات فشله في أماكن أخرى، هي معكوس الحالة التي نشير إليها.

    لم يكن نصر أبو زيد وحده " أم العروسة"- كما عبر لي مداعباً- إذ كان جورج طرابيشي هو الأم الثانية، يفور نشاطاً- يثير حسد الشباب- و يحافظ على هدوء و صبر و تفهم الحكيم؛ و كان من الطبيعي أن يذكر هذا المؤتمر- في شكله- بالنشاط السنوي الذي نظمه قسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة دمشق، لمن شهده في حينه، منذ بضع سنوات خلت، و الذي كان أرساه كل من صادق العظم و الراحل حامد خليل، و كان لهما الفضل بأن رعياه عدة سنوات، كانت على قلتها كافية لتعريف المهتمين في سورية بأهم العقول العربية- في البلدان العربية كما في المهجر- و فوق ذلك مناقشتها نقاشاً مفتوحاً لا يقتصر على المختصين، و لا يقف على النخبة.

    و مع أن كل لقاء بين الأفكار يعد مهماً بذاته( بحسب تعبير علي حرب) إلا أن المؤتمر اكتسب أهميته، إلى ذلك، من برنامجه الغني- سواء لجهة محاوره الفكرية المتنوعة، أو لانتهاجه أسلوب الطرح فالتعقيب على الطرح و أخيراً النقاش المفتوح؛ و لعل هذا الأخير، بالتلاقح مع الأفكار التي طرحها المؤسسون في يوم الافتتاح، زرع خلية جنين التحديث الفكري الذي تتغياه المؤسسة، علامة دخول العرب إلى العصر بصورة فاعلة، بالخروج من حالة الموت السريري، التي كانت، إلى حين قريب، حالة " عجز عربي عن دخول الحداثة، أما اليوم فنعاني من رفض عربي للحداثة" ، بحسب تعبير محمد عبد المطلب الهوني، ممول المؤتمر، صاحب المبادرة و الأمين العام لصندوق المؤسسة. و عليه يمكنك أن تجد المبرر لإهداء المؤتمر إلى إدوارد سعيد، ذلك المثقف العضوي العولمي، بحسب تعبير صادق العظم- مع شئ غير قليل من التصرف. و لكي تكتسب الخطوة الأولى على الطريق نسبة من المصداقية فقد كان للحضور دلالة جديدة- إن لم نقل حميدة- على معهود الدعوات العربية التي درج عليها الرسميون و أندادهم: الحضور هنا مثل حشداً عددياً ضخماً، ناف على المئة، توزعته أجيال عدة، و بلدان عدة ، و اختصاصات عدة، و تيارات فكرية/ ثقافية/ سياسية عدة( على أن الحضور جرى بموجب دعوات شخصية، و جرياً عليه فالمشاركة شخصية، و الرأي كذلك..).

    على هامش المؤتمر، و تكريساً لسمته الاحتفالية- باعتباره مناسبة لإشهار مؤسسة من هذا النوع، و بهذا الحجم- فقد تضمن برنامجه أمسيتين فنيتين، مثلت الأولى مطربة شعبية "جاهدة وهبة"، بدت مهتمة بالطرب العربي الأصيل، و كشفت عن صوت قدير مطواع و ذائقة ثقافية جيدة. رجحها حرص هذه الشابة الناضجة على قطع برنامجها الفني لحضور الأمسية الثانية التي أحياها عاشق العود الشرقي، الشاب النسمة " نصير شمة". مع نصير هدأت التصادمات الفكرية المشحونة إلى نوع من التساؤلات. و معه تواضعت اليقينيات، حين اغتنت بالتأملات، و تشابكت فيما يشبه حبلاً مجدولاً من قوس قزح!

    من ألوان الطيف

    إذا أهملنا المحمول الشعري الذي تشي به العبارة، استطعنا بيسر الولوج إلى التباينات التي عادة ما تسم كل سجال أو جدال أو نقاش، لا سيما في قضايا إشكالية، كالتي يدور- وأحياناً يدوخ- حولها الفكر العربي بتياراته: الإسلامي، القومي، الماركسي، و الليبرالي... و لا أعتقد أن جلسات المؤتمر الذي نطل عليه قد أفلحت في إحداث قطيعة مع حالة النوم في المفهوم- إذا جاز التشبيه- و خلق بحوث مجددة، تأخذ صفة البحث- بالمعنى المهني و العملي- للاقتراب من حركة الواقع، و رصد تغيراته ميدانياً، في ضوء علاقته بالقوانين المنظمة أو الضابطة، أو المقيدة أو المعوقة؛ لخلق بحوث مرجعية تفيد في اقتراح خطة عمل تمكن من السير بدلاً من استمراء حرب النيام، و حشد الجهود و الشهود- من هذا الطرف أو ذاك- لإثبات أن الاشتراكية هزمت،أو لإثبات أن ما تبدى على أنه هزيمة للاشتراكية هو مجرد فشل في التأميم، و هو لا يعني بحال فشل الاشتراكية.

    و مثل ذلك أيضاً الموقف من العلمانية و الديمقراطية: هل يمكن الأخذ بالثانية دون الأولى، التي لا تنسجم مع خصوصيتنا؟ أم أن الأولى هذه من متعلقات الثانية؟ و كيف نفهم علاقة التضمن و الاستغراق بينهما؟ ثم ما هذه الخصوصية التي لا تستقر على أرض ملعب المتحاجين: خصوصية نسيجها و نحرسها من التأثير الهدام للحضارة الإنسانية القوية الغازية؟ أم خصوصية ندخل بها تلك الحضارة الإنسانية التي لم يعد يفيد التقوقع دونها، فنتقوى بها مثلما تتقوى بنا، في الزمن العالمي الواحد- زمن ما بعد الأزمان- حيث لم تعد الخصوصيات تمثل أمامه دور العائق، بقدر ما تلعب دوراً مخصباً لتربته الواحدة في تعددها؟ العولمة: ندخلها؟ لا ندخلها؟ و إذا دخلنا، أ نفعل فرادى أم متكتلين؟ و هل التكتل الإقليمي بمغن ٍعن العولمة، أم هو المعبر الأفضل إليها؟ الموقف من التراث: هل تقتضي منا الحداثة أن نقطع معه؟ أم نسخر قدراتنا و أوقاتنا لاستخراج ما في تراثنا من علامات حداثية سبقت كل حداثة أخرى؛ و إثبات أننا آباء الحداثة- كما و غيرها؟ ثم هل يجدينا بعد أن نظل على هذه الحال: نأخذ بالتحديث دون الحداثة؟ بل هل يمكن أن نحتفظ بقابلية الحياة عبر هذه المعادلة؟

    و لعل التمرينات الذهنية على مفهوم الحداثة،التي تداولها بعض المؤتمرين قد أضافت لبساً إلى ما علق بالمفهوم من لبس، راكمته جهود مماثلة، على مدى نحو نصف قرن. تمكنت خلاله بعض الشعوب من مباشرة الحداثة للتو، و عزز بعضها الآخر من تجربته، حتى غدا مضرب المثل؛ و كان الأجدر بالمؤتمر- بحسب البعض- أن يسلط على مثل هذه التجارب، و اعتمادها دليل عمل عبر الفهم و التمثل و إعادة الإنتاج بعقل عملي مثمر، و ذهنية متحررة من قيود التعريفات الجمركية المفاهيمية. و قادرة على الخروج من أسر " الماضي الذي لا يمضي"- بحسب العظم.

    محاور المؤتمر

    ست جلسات المؤتمر تضمنت محاور خمسة، إضافة لجلسة الافتتاح التي أعلن فيها رئيس المؤتمر د. نصر حامد أبو زيد أن المؤتمر " كان مخططاً له أن ينعقد في مثل هذا الموعد من العام الماضي و لكن العدوان الأمريكي و ما تبعه من احتلال العراق أخر هذا الانعقاد". و حذر أبو زيد من أن تسلبنا الدعاوى الأمريكية بالإصلاح و التغيير أسئلتنا الحارة و الحارقة، التي شغلت مفكرينا و مثقفينا منذ أواخر القرن الثامن عشر.. " أسئلة التقدم و الحضارة، الحرية و المساواة، العدل و حقوق المواطن". و هي ذاتها التي تمثل محاور المؤتمر، و التي أمل لها المؤسسون أن تتم مناقشتها انطلاقاً من" نقد الإجابات الجاهزة"، التي تمليها " اللغة المحنطة، لغة الماضي التي تسجننا، أو لغة الديكتاتوريات التي تسحقنا".

    كما طرح فيها الممول و صاحب المبادرة محمد الهوني أسئلته الحارقة واضحة جارحة، على منوال: لماذا نحن على هذا القدر من التخلف؟ لم استعصاء المرض العربي على كل دواء؟ لماذا كلما تراكمت الهزائم و ترادفت الإحباطات تشبثنا بأضابير التراث؟ و الأنكى أن الإنسان العربي يملك عدداً هائلا من المشاجب، يعلق عليها هزائمه... ملغياً قانون السببية، و مراهناً على مبدأ المعجزة و التدخل الإلهي. لم نستطع محو الأمية القديمة حتى داهمتنا أمية جديدة ( مترافقة مع) البطالة المتزايدة و تردي أحوال الإسكان و التعليم و الخدمات الاجتماعية.. و بلغ العسف و الجور و انتهاك حقوق الإنسان أعلى معدلاته، و المرأة العربية لا زالت مقصاة عن الفعل و التربية لا تخلق غير جحافل الإرهاب و عدم التسامح... و ارتأى الهوني أن الإنسان هو الأساس في أية حضارة، و أنه "يجب بادئ ذي بدء أن يحس الإنسان العربي أنه متخلف و يقر بذلك و عندها سيطرح السؤال لماذا.. و كيف الخروج؟". و يرى الهوني أن على المال أن يأخذ خطوة إلى الخلف وراء إمامة الفكر. و يفضح طبيعة البرجوازية العربية القائمة على نهب القطاع العام، و يورد بيتاً للمعري يقول: إثنان أهل العرب ذو مال بلا عقل وآخر عاقل لا مال له"!

    أما موضوع محمد أركون فقد تناول إشكالية اللغة كمجال حيوي أو كفضاء ثقافي، و دورها في تقدم الفكر أو في سحبه إلى هاوية الجمود.

    في المحور الأول (الحداثة و الحداثة العربية من المنظور السياسي) و الذي رئسه د. ناصيف نصار تحدث أستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس بالمغرب د. كمال عبد اللطيف تحت عنوان نحو حداثة عربية مبدعة عن نمط كوني للحداثة، و اعتبره مسؤولية مشتركة بين البشر، و عملية مبدعة يمكن للعرب المشاركة فيها. ذلك أنه لا توجد في التاريخ هوية نقية. إذ الذات مخترقة دائماً، و قوتها تكمن في قدرتها على استيعاب الصدمات و التفاعل الخلاق مع امتحانات الواقع. و انتهى إلى أن الحداثة في الفكر العربي تتطلب الإصلاح الديني، فاللغات( المرجعيات) مختلطة. بعضها قادم من السماء و بعضها من الواقع.. و هذا مكفول بنيل الإنسان لحقوقه، المشروطة هي الأخرى بالإصلاح السياسي.

    و تلاه المفكر اللبناني عادل ضاهر المدرس في جامعات أمريكا، ليتناول الموضوع من الباب الفلسفي، تحت عنوان "أنا ديمقراطي إذن أنا علماني"، و يتحدث عن العلاقة بين هذين الحدين، محذراً من أن اللامبالاة تضعف التحقق الديمقراطي. و منقباً في الخير العام و العدالة السياسية( عدم جواز خضوع أحد لسلطة سواه).

    و في مناخ المناقشة لفت أحمد برقاوي إلى أن الحداثة- إذا اعتبرناها مشروعاً- فلا معنى لهذا المشروع، ما لم يكن مشروع مجتمع ينطوي على إمكانيات إقامة هذا المشروع. و أعلن عن ظنه بأن الإسلام السياسي يمكن أن يكون ديمقراطياً في دولة ديمقراطية. و طرح السؤال/ الإشكال: إذا كانت الحداثة مرتبطة بالحرية، و ما دام الإنسان الحر هو الذي يصنع التحرر، فكيف تحل الحداثة الصراع العربي الإسرائيلي ؟

    ماهر الشريف تساءل ما إذا كانت هذه المؤسسة تحتاج العودة لاستخلاصات سالفة، أم أنه يتوجب عليها البحث في العوائق التي تحول دون تحقيق الإصلاح الديني و الثورة الثقافية في مجتمعاتنا؟ و هل هذه العوائق، و أشكال تجاوزها من طبيعة فكرية أساساً ذات طبيعة فكرية؟ أم مادية؟ و سأل أخيراً: أليس الأهم من وصول كتبنا للجمهور وجود قناة فضائية تسمح لجمهور( المؤمنين العلمانيين)، بالتواصل مع الناس العاديين؟

    و في هذا المجال كان أركون يلح على توسط المدعوين بين المؤتمر و بين الناس، متعللاً بدورهم في نشر شهادتهم عن ذلك الصوت المهم الذي أطلقه المؤتمر. أما تشاؤم العظمة فلم يتوقف عند مأخذه على الحداثة العربية التي حكمت على نفسها بالخيبة و الموت حين ارتضت أن تسجن مع جثة ميتة( يقصد التراث) هو كم من الأساطير و الخرافات؛ بل شمل بمآخذه زملاءه المثقفين الذين يغرق خطابهم في لغة اختصاصية تستعصي على أفهام العامة. و حذر من أنها يمكن أن تهدد- في حال استمرارها- مشروع المؤسسة بالفشل.

    محمد على الأتاسي كان أكثر مباشرة و صراحة في تحديد نقطة ضعف المؤتمر، و المتمثلة بسيطرة الفلسفة على لغة المؤتمرين، الأمر الذي يجعل من محاولاتهم تعريف الحداثة أمراً مستحيلاً، يذكر بحوار الطرشان. و حبذ إمكانية إجراء دراسات ميدانية.

    أما محمد الرميحي فأخذ على الفكر العربي الانطلاق من مسلمة خاطئة، و هي اعتباره أن العرب كانوا في الأصل أمة موحدة. ليصل إلى أن الاستعمار حدث مجتمعاتنا.

    علي حرب بعد تثمينه استثمار المحاضر عبد اللطيف مكتسبات حداثية مختلفة، حيث تحدث عن حداثة منفتحة، سجل مأخذاً واحداً في آن على كل من العلمانية و الدين بوصفهما مصدر البربرية و الاستبداد.

    نصر حامد أبو زيد انتقد في لغة المتحاورين تلك الدرجة العالية من اليقينيات و الينبغيات- بحسب تعبيره- و أن اليقين بالتعريف هو فكر ديني. فحق الفرد في الاختيار مثل في أوروبا جذر الإصلاح الديني . و سجل اعتقاده أن الديمقراطية يمكن تحقيقها بلا حرية و لا ديمقراطيين. فجوهرها حرية الفرد، وهذا قد تحقق قبل الديمقراطيات .

    ميشيل كيلو سأل: إذا كان الديمقراطي علمانياً بالضرورة، فهل غير الديمقراطي لا يستطيع ذلك، حتى و لو أراد؟ و حذر من أن يقودنا هذا إلى مواجهة مع الكتلة الكبرى ( من مجتمعاتنا ) الحاملة للديمقراطية.

    و جرياً على هذا تتالت على مدى الأيام الثلاثة للمؤتمر الجلسات صباح مساء. فجاءت الجلسة الثانية تحت عنوان الحداثة و الحداثة العربية من المنظور الاقتصادي برئاسة ليلى شرف. و قد حاضر فيها كل من حازم الببلاوي، مستشار صندوق النقد العربي، تحت عنوان أين الاقتصاد العربي؟ و سمير مقدسي، وزير اقتصاد سابق، و استاذ في الجامعة الأميركية ببيروت حاضر في الاقتصاد العربي و تحديثه. و طاهر كنعان تحت عنوان الحداثة و الاقتصاد العربي.

    تلتها الجلسة الثالثة عن الحداثة من المنظور الثقافي، و قد ترأستها فريدة بناني، و حاضر فيها فهمي جدعان الباحث الأردني المعروف عن الانسان و الإنسان الشامل في فكر التحديث و النهضة. و ناجية الوريمي عن الحداثة العربية و أزمة الخطاب النقدي. و أحميدة النيفر عن الفقيه و المثقف( الحداثة العربية قراءة من الداخل الثقافي).

    الجلسة الرابعة في الحداثة من المنظور التربوي ترأسها محمد الشرفي، و تحدث فيها عدنان بدران حول نظام تربوي تعليمي في عالم متغير، و تحدث شبل بدران الغريب عن نظام التعليم العربي و الديمقراطية: علاقة غائبة. ثم تليت ورقة العفيف الأخضر، الذي تغيب لأسباب صحية- كما أعلن- و حملت عنوان: كيف ننتقل من المدرسة السلفية إلى المدرسة العقلانية؟

    و في النهاية كانت جلسة الحداثة من المنظور الفكري، ترأسها جورج طرابيشي، و تحدث فيها عزيز العظمة حول بعض إشكاليات جدلية الحداثة و الحداثة العربية. و تلته رجاء بن سلامة، عن الصمت و الغمغمة و التعاويذ في الحداثة العربية. ثم اختتمت الجلسات بورقة صادق جلال العظم التي صاغها تعقيباً على أطروحة العظمة، و حملت عنوان: هاملت و الحداثة العربية، و قد تلاها في غيابه( لأسباب تتعلق بانشغاله) نصر حامد أبو زيد.. و أثارت إلى جانب ورقة زميله العظمة نقاشاً موسعاً و حاراً، دفع المصري محمد حافظ دياب للتطنيب قائلاً: أعترف أنني بعد سماع ما قدم عزيز العظمة لست ما كنت قبله؛ لقد قدم العظمة خطاباً متكاملاً، ليس له ما بعد- رغم أن الما بعد هي سمة عصرنا!

    غطسة تذكر

    تعاودني حكاية نصر حامد أبو زيد، في بداية محنته، في جامعة القاهرة، فأتذكر زميله آنئذ في قسم اللغة العربية؛ الذي كفره، و طالب بتطليقه من زوجته و تجريده من حقوق الملكية، و.. الخ؛ أتذكره الآن، بقليل من الشماتة و كثير من الشفقة- لولا أنه و أشباهه لا يزالوا يمعنون في تخريب الجامعة، و تعطيل عقول طلابها و تحويلهم إلى آلات عمياء تستجيب امتثالاً لغرائز الجشع و الكراهية و العنف، عبر تلقينهم بلاغة الإرهاب و الترهيب، و تلقيمهم وجبات الخوف و التخويف... أتذكر و أتأمل و إخالني أخاطبه و أقول: فعلت خيراً، كنت تقصده شراً- أيها السيد- فشكراً.

    بيروت- متابعة: على ديوب
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 05:14 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
مقاربات في مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة (Re: osama elkhawad)


    علي وطفة(*)

    فالفكر الأوروبي يشكل منطقة يترعرع فيها منطق وفكر ما بعد الحداثة، أما نحن فما زلنا نجوب مخفقين في دائرة الحداثة بمفهومها التنويري المرتبط بفكرة التقدم فقط. وحتى التقدم هنا لا يأخذ معناه النقدي بل صيغته الاقتصادية الإنتاجية البحتة وأحيانا صورته المظهرية، وهو تقدم بائس وحداثة مشوهة


    استقطب مفهوم الحداثة La modernité اهتمام الأدباء والفلاسفة وعلماء الاجتماع، منذ عصر النهضة حتى اليوم، واحتل مكانه المميز في الأنساق الفكرية الكلاسيكية عند كارل ماركس K.Marx، وإميل دوركهايم E.Durkheim، وماكس فيبر M.Weber، واستطاع لاحقا أن يأخذ مركز الأهمية في أعمال المحدثين، ولا سيما هابرماس J.Habermas، وجيدن A.Gidden، وليوتار J.F.Lyotard، وتورين A.Touraine.

    يطلق مصطلح الحداثة بوجه عام على مسيرة المجتمعات الغربية منذ عصر النهضة إلى اليوم ويغطي مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية. لقد أدخل التقدم المستمر للعلوم والتقنيات، وثورة التكنولوجيا، إلى الحياة الاجتماعية عامل التغيير المستمر والصيرورة الدائمة التي أدت إلى انهيار المعايير والقيم الثقافية التقليدية. وفي ظل هذه الصيرورة الاجتماعية بمختلف اتجاهاتها تحدد السياق العام لمفهوم الحداثة بوصفه ممارسة اجتماعية ونمطا من الحياة يقوم على أساسي التغيير والابتكار. وغني عن البيان أن أكثر اللحظات في التاريخ أهمية وإبداعا اللحظات التغييرية الحداثية، وهي اللحظات التي يتم فيها الكشف عن منطق خاطئ مضلل وإبداع منطق جديد. حيث نجد في الفلسفة نقدية كانط التحليلية، ومثالية هيغل الكلية، ومادية ماركس الجدلية، وظواهرية هوسرل التأويلية، وبنيوية فوكو التفكيكية. وهي من أهم اللحظات التاريخية في الحداثة الفلسفية.

    تعريف الحداثة:

    يأخذ مفهوم الحداثة La modernité مكانه اليوم في حقل المفاهيم الغامضة. وإذا كان هذا المفهوم يعاني من غموض كبير في بنية الفكر الغربي الذي أنجبه، فإن هذا الغموض يشتد في دائرة ثقافتنا العربية ويأخذ مداه ليطرح نفسه إشكالية فكرية هامة تتطلب بذل مزيد من الجهود العلمية لتحديد مضامينه وتركيباته وحدوده.

    وبعيدا عن التوظيفات الساذجة والشائعة لمفهوم الحداثة، التي تختزله إلى صيرورته الزمنية الراهنة، حيث يجري الحديث عن الزمن الحاضر، أو المرحلة الراهنة، أو العصر الحديث، أو المجتمع المعاصر، يمكن القول بأن الحداثة هي غير بعدها الزمني، إنها مفهوم فلسفي مركب قوامه سعي لا ينقطع للكشف عن ماهية الوجود، وبحث لا يتوقف أبدا عن إجابات تغطي مسألة القلق الوجودي وإشكاليات العصر التي تثقل على الوجود الإنساني.

    يرى كل من كارل ماركس K.Marx وإميل دوركهايم E.Durkeim، وماكس فيبر M.Weber، أن الحداثة تجسد صورة نسق اجتماعي متكامل، وملامح نسق صناعي منظم وآمن، وكلاهما يقوم على أساس العقلانية في مختلف المستويات والاتجاهات.

    وتتمثل الحداثة كما يحددها جيدن في نسق من الانقطاعات التاريخية عن المراحل السابقة حيث تهيمن التقاليد والعقائد ذات الطابع الشمولي الكنسي. فالحداثة تتميز بأنماط وجود وحياة وعقائد مختلفة كليا عن هذه التي كانت سائدة في المراحل التقليدية حيث عرفت التغيرات التي شهدتها الحداثة بطابع التسارع والتنوع والشمول ولا سيما في مجال التكنولوجيا والمعرفة العلمية التكنولوجية، كما عرفت هذه المرحلة أيضا بتنامي الاتصالات الفعالة بين جوانب الحياة الإنسانية حيث شملت الأقاليم والمناطق المتباعدة في جغرافية الكون. وهذه هي المرحلة التي حدثت فيها تحولات جوهرية في عمق المؤسسات على مدى تنوعها. وقد سمحت هذه التحولات والتغيرات الجوهرية في شروط الوجود للناس من السيطرة على مقدرات وجودهم وشروط حياتهم.

    ويرتكز المفكرون عادة في تعريف الحداثة إلى فكرتين أساسيتين هما: فكرة الثورة ضد التقليد، وفكرة مركزية العقل.

    يعرف جابر عصفور الحداثة "بأنها البحث المستمر للتعرف على أسرار الكون من خلال التعمق في اكتشاف الطبيعة والسيطرة عليها وتطوير المعرفة بها، ومن ثم الارتقاء الدائم بموضع الإنسان من الأرض. أما سياسيا واجتماعيا فالحداثة تعني الصياغة المتجددة للمبادئ والأنظمة التي تنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحرية، من الاستغلال إلى العدالة، ومن التبعية إلى الاستقلال ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن سطوة القبيلة أو العائلة أو الطائفة إلى الدولة الحديثة، ومن الدولة التسلطية إلى الدولة الديموقراطية. "تعني الحداثة الإبداع الذي هو نقيض الاتباع، والعقل الذي هو نقيض النقل".

    "يصوغ أوزفالد شبغلر في كتابه انحطاط الغرب مفهوما للحداثة أطلق عليه حضارة الرجل الفاوستي (نسبة إلى فاوست والفاوستية هي محصلة خصائص الإنسان الغربي الحديث، أما فاوست فهو العملاق المبدع النهم الذي لا يشبع طموحه وظمأه إلى المعرفة، ولا يتوقف عن البحث عن الحقيقة المطلقة، وفاوست عند الشاعر الألماني (غوته) هو العبقري المغامر دوما وبلا هوادة نحو المعرفة".

    "والحداثة مفهوم متعدد المعاني والصور، يمثل رؤية جديدة للعالم مرتبطة بمنهجية عقلية مرهونة بزمانها ومكانها". فهي رفض الجمود والانغلاق والقبول بمبادئ الانفتاح والتفاعل مع الثقافات الإنسانية، وهي تعني إطلاق الحرية وفسح المجال لكل التعبيرات الاجتماعية للقيام بدورها.

    يرى ناصيف نصار في مجال التمييز بين الحداثة والتقليد "أن الحداثة هي المفهوم الدال على التجديد والنشاط الإبداعي، فحيث نجد إبداعا نجد عملا حداثيا، وبهذا المعنى فإن الحداثة ظاهرة تاريخية إنسانية عامة نجدها في مختلف الثقافات. وتتحدد الحداثة في هذا المعنى بعلاقتها التناقضية مع ما يسمى بالتقليد أو التراث أو الماضي، فالحداثة هي حالة خروج من التقاليد وحالة تجديد".

    بين الحداثة والتحديث:

    يعد الفصل بين مفهوم الحداثة والتحديث مدخلا منهجيا لتعريف الحداثة بصورة علمية. وغالبا ما يرسم الباحثون في ميدان العلوم الإنسانية حدودا فاصلة بين مفهومي الحداثة والتحديث. وعلى الرغم من هذا الترسيم العلمي يلاحظ هذا التداخل الكبير بين المفهومين. فغالبا ما يجري استخدام مفهوم تحديث للدلالة على الحداثة وعلى خلاف ذلك كثيرا ما يستخدم مفهوم الحداثة للإشارة إلى ظاهرة التحديث.

    وفي وصف طابع هذه الإشكالية يقول محمد محفوظ: "يبدو أن مصطلح الحداثة وكأنه نص مفتوح على كل مضامين التقدم المعاصر، بحيث أنك لا تفرق بشكل صارم بين مضمون مصطلح الحداثة وبين مضامين مفاهيم التحديث والتقدم والعصرية أو الجديد. ويمتد التداخل ليشمل المعايير والقيم وأنماط السلوك واللباس وطراز السكن أي كل مناحي الحياة في آخر المطاف".

    يتمايز مفهوما الحداثة Modernity عن مفهوم التحديث Modernization في اللغتين الفرنسية والإنكليزية. فالحداثة هي موقف عقلي تجاه مسألة المعرفة وإزاء المناهج التي يستخدمها العقل في التوصل إلى معرفة ملموسة. أما التحديث Modernization فهو عملية استجلاب التقنية والمخترعات الحديثة حيث توظف هذه التقنيات في الحياة الاجتماعية دون إحداث أي تغيير عقلي أو ذهني للإنسان من الكون والعالم. فأنصار التيارات السلفية المتطرفة يوجدون في المعاهد العلمية ويتعاملون مع التقنية الحديثة دون أن يأخذوا بالروح العلمية أو الفلسفية لهذه التقانة. ومن أجل أن نفهم جوهر الحداثة يتوجب علينا أن ندركها كطاقة مجددة متحركة منطلقة تتمثل الماضي والحاضر وتعيد إنتاجهما بروح مستقبلية جديدة.

    التطورات التي تسجل في مستويات الإنتاج والاستهلاك وفي البنية التحتية تشكل صورة لعملية تحديث وشتان ما بين الحداثة والتحديث، فالتحديث يعني مظاهر الحداثة وقشورها بينما تعني الحداثة في الأصل اللحظة الواعية التي تتمثل في انتظام العقلانية والفردية والعلمانية والقيم الحرة في اندفاعة حضارية قادرة على إحداث تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والبنائية للمجتمع. فالحداثة هي حالة تعتمل في بوتقة الروح الاجتماعية وتتجلى في مظاهر الجسد الاجتماعي. أما التحديث فقد يكون حالة من حالات الاستيراد المنظم لشكليات الحداثة مثل: استيراد السيارات والطائرات وأنظمة التعليم وبدع الاستهلاك الاجتماعي.

    والتحديث في التجربة العربية يأخذ طابع المحاكاة الجوفاء لمظاهر المدنية في الغرب ونماذجه الحضارية وهذه المظاهر لا تنم عن حالة حضارية أو حداثية تنبثق من صميم المجتمع وتتكون في رحمه الحضاري. وغالبا ما يظهر أن هذه النماذج الحضارية تتعارض مع النسق الحضاري العربي في أصوله وتجلياته الذاتية. وهذا يعني أن استجلاب مظاهر الحداثة من الغرب قد يؤدي إلى مزيد من الضياع والاحتضار. وقد يعني ذلك، وهذه هي الحالة على الأغلب في عالمنا العربي، تعايش منظومتين اجتماعيتين متنافرتين في آن واحد هما: مجتمع تقليدي يمارس حياته وفق معايير وقيم تقليدية، ومجتمع حداثي يعيش وفق أحدث المعايير العصرية دون أن يتمثل روح هذه المعايير ويتشرب من تدفقاتها الذاتية. ووفقا لهذه التصور فإن التحديث العربي في التاريخ المعاصر يأخذ صورة متناقضة مع الحداثة الحقيقة.

    وفي هذا السياق يميز محمد أركون في كتابه الإسلام والحداثة بين المفهومين: "فالحداثة موقف للروح أمام مشكلة المعرفة، إنها موقف للروح أمام كل المناهج التي يستخدمها العقل للتوصل إلى معرفة ملموسة للواقع. أما التحديث فهو مجرد إدخال للتقنية والمخترعات الحديثة (بالمعنى الزمني للكلمة) إلى الساحة العربية أو الإسلامية، نقصد إدخال المخترعات الأوروبية الاستهلاكية وإجراء تحديث شكلي أو خارجي، لا يرافقه أي تغير جذري في موقف العربي المسلم للكون والحياة".

    يصف محمد أركون هذا بأمثلة مستمدة من واقع الجزائر والخليج العربي. ففي الجزائر وفي صبيحة الاستقلال عام 1962 انخرطت في التحديث في مجال التصنيع الثقيل وذلك عن طريق استيراد المصانع والمعامل والخبرات، وهذه ليست حداثة، فالحداثة كانت ممكنة عن طريق بناء المخابر في مجال الفيزياء والكيمياء والرياضيات. وفي الخليج نشاهد الموقف عينه فبلدان الخليج تستورد مظاهر الحداثة المادية من آليات وسيارات وأجهزة وأنابيب النفط ومصافيه وهي آلات ومخترعات كلفت أوروبا مئات السنين من البحث والتجريب العلمي وفي أصل هذه المخترعات تكمن روح ديكارت وفرانسيس بيكون وغاليلو وكوبرنيكوس وأديسون وغيرهم، وهذه هي الروح العلمية روح العلم الحديث التي تمثل جوهر الحداثة. ونحن ننقل مظاهر هذه الروح وليست روح العلم والمعرفة العلمية الحقة.

    وأريد أنا في هذا السياق أن أشير إلى ظاهر تحديث الأسلحة. فنحن نستورد الأسلحة الحديثة من طائرات ودبابات وصواريخ وبارجات ومدمرات وشبكات ولكننا لم نسع إلى امتلاك الحداثة الحقيقية أي الروح العلمية الكامنة في أصل هذه الحداثة أي القدرة على إنتاجها وتصنيعها أو تعديلها. وهذا على خلاف ما حققه العدو الصهيوني الذي امتلك الحداثة لا التحديث حيث استطاع أن يطور هذه الأسلحة ويعيد إنتاجها بجدة وأصالة متفوقة النظير. وهذا ما حدث في إيران وباكستان والهند حي استطاعت هذه الدول أن تمتلك الروح الحقة العلمية الكامنة في أصل هذا التحديث الذي انتقل بها من مظاهر الحداثة إلى جوهرها ومن ثم إلى عملية الإبداع والابتكار في مجال السلاح والتكنولوجيا.

    فنحن نعيش على فتات الحداثة وقشورها، وبالتالي فإن الروح الحقيقية للحداثة الحقيقية لم تستطع أن تأخذ مكانها في بنية الحياة الاجتماعية والروحية في المجتمع العربي.

    وفي تحديد المضمون الحقيقي للحداثة وفصله عن التحديث، يميز محمد محفوظ بين وجهين للحداثة: خارجي وداخلي، حيث يتجلى الوجه الخارجي بالمنجزات المادية والتطورات العلمية والتكنولوجية أي بالمحيط الإنساني، ويتجلى الوجه الداخلي بالسلوك والشعور والقيم الإنسانية، فالحداثة لا تقوم بذاتها وإنما تتأصل في النسق الاجتماعي الذي يشمل الوجهين المادي والمعنوي".

    "إننا نعيش المدنية كتوسع اسمنتي وتقنيات كمبيوتر متطورة لا نملك من قيمتها إلا احتواءها. كل ذلك على أرضية العلاقات الإقطاعية (الخراجية) والجانب التجهيلي من البداوة، وليس البداوة الإنسانية المؤصلة لقيم إنسانية تضع الإنسان كقيمة أولى".

    وهذا يعني بأننا نعيش قشور المدنية وأن الروح الحقيقية للمجتمع المدني لم تستطع أن تأخذ مكانها في بنية الحياة الاجتماعية والروحية في المجتمع العربي. فنحن نعيش على قشور المدنية وتتأصل فينا البداوة الشرسة التي تغيب معها القيم الإنسانية الأصيلة التي تضع الإنسان في صدارة غاياتها.

    النهضة والحداثة:

    يتشاكل مفهوم الحداثة مع مفهوم النهضة، وبعض الباحثين يطابقون بين المفهومين، حيث يعتقدون بتجانس النهضة الأوروبية والحداثة، فتحقيق الحداثة يعادل تحقيق النهضة، ويعتمد هذا التجانس على تكافؤ مرتكزات المفهومين، فكلاهما الحداثة والنهضة يعرفان بهيمنة العقل والعلمانية والفردية والمدنية وحقوق الإنسان. غير أن بعض الباحثين يحاولون الفصل بصعوبة وحذر بين المفهومين. وفي هذا السياق تطالعنا محاولة برهان غليون الذي يرى أن ما "يميز النهضة عن الحداثة، هو أن الحداثة تجري بشكل تلقائي ويومي، وتتجسد في انتقال أنماط الحياة والسلوك والإنتاج الغربية دون تمييز إلى المجتمع العربي. وليست جميع هذه الأنماط دلائل حقيقية على الحضارة، أو ليست جميعها من جوهر الحضارة وأسسها. فالنهضة كنظرية في الولوج إلى الحضارة تحدد أولويات وتصيغ استراتيجية للعمل الجماعي. وبمعنى آخر أن النهضة كنظرية ليست إلا محاولة لعقلنة هذه الحداثة العامة والداخلة حتما إلى الحياة العربية. ومن الطبيعي أن تعني هذه العقلنة إخضاع الحداثة، إضافة إلى المعايير العقلية، إلى معايير اجتماعية وأخلاقية".

    فالنهضة تؤكد على أولوية التغيير والتحويل، أي التغلب على الانحطاط، وتمثل الإبداعات الجديدة. ويفترض التغيير الثورة على الوعي القائم وعلى منظومة القيم التقليدية السائدة. وسواء تعلق الأمر بالمصلحين الإسلاميين من أمثال محمد عبده أو رشيد رضا، أو بالمحدثين، فإن تغيير هذا الوعي من وعي تقليدي وخرافي إلى وعي عقلي وعلمي هو طريق التطور، وهو بمثابة إعداد التربية الصالحة لكل تغيير إيجابي مقبل.

    "كانت النهضة تعني استيعاب الحضارة ضمن التراث، أي نهضة للذات التراثية نفسها، أما الحداثة فهي تفترض أن هذه الذات تخفي خطر الخصوصية المبعدة عن الحضارة والمبررة للتقاليد. فالحداثة ليست مشروعا تاريخيا اجتماعيا كالنهضة وإنما هي سياسة وممارسة يومية، هي تغيير في كل الاتجاهات لبنى الواقع والفكر العربيين. إنها اندراج دون أوهام في العالمية والحضارة المادية، وأولوياتها هي إنهاء هذه الخصوصية وهذا التراث.

    تأخذ الحداثة طابع الإبداع والتجديد وعلى خلاف هذا يكون التقليد حالة من التكرار وهي إنتاج وإعادة إنتاج ما هو قائم. فالحداثة تعني ظهور الفردية والوعي الفردي المستقل والاهتمامات الخاصة وذلك بالقياس إلى المجتمع التقليدي الذي يتميز بالطابع السحري والديني. فالمجتمع التقليدي يبالغ عادة في احترام وتقديس الطرق والأنماط التقليدية التي توارثها الآباء والأجداد والتي اعتادوا عليها لفترات طويلة، حيث تكون أفضل طريقة يسلكها الفرد أو الجماعة هي الطريقة التي رسمها واتبعها الآباء والأولون، وما هو شرعي ليس سوى كل ما انبثق عن التراث وحفظ عن الماضي.

    وعندما تواجه الأنماط التقليدية طوفان الحداثة المتدفق فإن هذا لا يخلو من مظاهر التوتر والاضطراب، ويرجع هذا إلى استمرارية الأنماط التقليدية، حيث تكون متأصلة عميقا في نفوس الأفراد خلال عملية التنشئة، ومن ثم لا يمكن تغييرها في يسر دون أن يتم تحويل وتغيير أنماط التنشئة السائدة في المجتمع. وهكذا فمع تدفق العناصر الحديثة يتوقع استمرار بعض الأنماط التقليدية.

    وعلى خلاف اللحظة التراثية تتميز اللحظة الحداثية بتفردها، وتأخذ هذه اللحظة خطا تصاعديا ينطلق من الماضي إلى الحاضر ومن ثم إلى المستقبل، خط الأصل والغاية، وهذه اللحظة قابلة للقياس، ولكنها غير قابلة للتراجع، إنها لحظة في البحث الدائم عن الجدة، وفي قلب الزمن اللا محدود والذي لا يعرف معنى للخلود فإن الأشياء في الحداثة تريد أن تأخذ طابع المعاصرة، وهذا ما تتفرد به الحداثة، حيث تأخذ الحالية والفورية واليومية اللحظة الخالصة في الزمن الحداثي. فالحداثة هي صيغة انفصال وإبداع فردي وتجديد يسم الظاهرة الاجتماعية وهي محاولة دائمة لهدم القديم وتدميره (الصيغ الأدبية، وأنظمة التوازن، السلطة والشرعية والأشكال الأدبية القائمة).

    يرى زكي نجيب محمود أن هذا التراث فقد مكانته في عصرنا لأنه يدور أساسا على محور العلاقة بين الله والإنسان، في حين أن محور العلاقة في عصرنا هذا تدور بين الإنسان والإنسان. ومن جهة أخرى يرى زكي نجيب محمود مفكر الجيل أن تراثنا لا يشكل مصدر الثقافة العلمية المطلوبة حيث يتوجب علينا أن نبحث عن قيم هذه الثقافة ومعاييرها في ثقافة الغرب المعاصرة وفي حضارته ويجب أن ننهل منها ما استطعنا إليها سبيلا. أما طه حسين فيرى أن الأعراف والتقاليد وطرائق التفكير هي التي تمنع العرب من بناء حداثتهم وتكوين حضارتهم ولا بد من إزالة هذه العوائق وتغييرها حتى يتاح للوعي الحديث العلمي أن يأخذ مكانه ودوره في حياتنا ووجودنا.

    الملامح التاريخية لمفهوم الحداثة:

    من حيث المبدأ يختلف العلماء في تحديد المرحلة التاريخية التي بدأت فيها الحداثة. ويرى المؤرخون أن العصر الحديث بدأ مع اكتشاف أمريكا من قبل كريستوف كولمبس Cristoph Colombs عام 1492. وينظر المفكرون أن تخوم العصر الحديث تبدأ مع الأحداث التاريخية الكبرى، التي تمثلت بادئ بدء في اكتشاف جاليلو لمركزية الشمس، وسقوط القسنطينية في أيدي الأتراك العثمانيين عام 1453. وإذا كان التحديث أو العصر الحديث يبدأ مع هذه المؤشرات التاريخية فإن مفهوم الحداثة يتجلى في حركة الإصلاح الديني في أوروبا التي قادها مارتن لوثر في عام 1517. ومن ثم بدا هذا المفهوم يأخذ أبعاده الفلسفية والسياسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر حيث تتجلى خصائصه في ولادة التفكير الفردي والعقلاني الذي أرسى مقوماته ديكارت ومن ثم فلاسفة التنوير بعامة.

    وغالبا ما يرتبط عصر الحداثة باختراع الحداد الألماني جوتنبرغ لآلة الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر، هذا الاختراع الذي استطاع أن يبدل ذاكرة الإنسانية، كان سبيل الإنسانية إلى بناء ذاكرة جديدة تعتمد الكتابة سجلا تاريخيا، استندت إليه الأمم، في حركة نهضتها، وبناء تقدمها العلمي والمعرفي. لقد شكل اختراع الطباعة المرحلة التي انتقلت فيها الإنسانية من حضارة المشافهة إلى حضارة الكتابة، وعلى أساس ذلك استطاع الإنسان توظيف التراكم المعرفي في خدمة الثورات العلمية المتعاقبة التي توج في أصل الحداثة.

    ومن المنطقي في هذا السياق أن يشار إلى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت Rene Descartes (1596-1650) بوصفه أب الحداثة ولا سيما في مجال التفكير الفلسفي. لقد كان لعبقريته التاريخية الفذة أن تؤدي إلى اكتشاف المنهج العقلي الذي قدر له أن يبدد ظلام العصور الوسطى، وأن يحرر العقل من عبودية الأنساق الفكرية وهمجية الأفكار والمعتقدات القدسية التي حاصرت العقل ودفعت به إلى زنزانات العبودية والقهر. فكان لمنهج الشك والشك المنهجي أن يشكل معول الهدم الجبار الذي تناثرت تحت صدماته الأوهام التاريخية التي صنعتها الكنيسة ورجال الإكليروس ورجال الإقطاع على مدى أجيال وأجيال، امتدت لتشمل القرون العشرة التي بدأت منذ القرن الخامس الميلادي. فديكارت أكد روح البحث العلمي الحر والقناعة الفكرية الواعية محل المعتقدات العمياء. والشك المنهجي يعتمد لديه على قواعد هامة تقول أولاها: ألا نقبل شيئا ونعتقد بصحته ما لم يتبين لنا بالبداهة كذلك، وألا نضم إلى أحكامنا حكما ما لم يره فكرنا ببينة واضحة متميزة، وما لم يكن في مأمن من كل شبهة وشك. ومثل هذا المبدأ كما يقول عبد الله عبد الدايم: "لا يصلح به العلم ويقلب الفلسفة فحسب بل يهدم مذهب السنة القديمة والطرق الآلية(...) ويوقظ أفكارا ويحرض الحكم والتفكير". وهذا المنهج الذي ينطلق من الشك ويدعو إليه هو الأصل في تبديد ظلام الأفكار والمعتقدات والأوهام الخاطئة التي رفعت إلى مرتبة القدسية في العصور الوسطى المسيحية. وفي هذه المنهجية وفي ذاك التأثير تمثلت واحدة من أهم لحظات الحداثة ومقوماتها في الحضارة الغربية.

    عندما دعا فلاسفة التنوير في أوروبا في القرن الثامن عشر إلى تغليب حكم العقل والاهتداء به في الحكم على الأشياء، كانوا يدركون بأن الإنسانية عبر تاريخها اهتدت بالعقل إلى اكتشافاتها وحضاراتها المتعاقبة. ولكن بيت القصيد أنهم كانوا يقصدون بدعوتهم هذه اعتماد المنهج العلمي التجريبي في النظر إلى الكون والوجود والحياة ومن ثم التحرر من أسر الأوهام والخرافات والتحيزات المسبقة التي تضرب أسس التفكير وتشل قدرة العقل في الكشف عن ماهية الأشياء. دعوتهم هذه كانت حربا ضد كل أشكال السحر والتخريف والشعوذة والتعصب التي فرضتها الأنظمة الكنسية الإقطاعية التي وضعت تاريخ أوروبا الوسيط في دائرة الظلام.

    وفي عصر الأنوار تضاعف ومض الحداثة وبريقها، ولا سيما في نظريات كانط وأعماله الفكرية الفذة. ففي كتابه المعروف ما الأنوار، يحاول كانط أن يحدد طبيعة وماهية عصر التنوير في القرن الثامن عشر. وهو في هذا السياق يبين أن عصر التنوير هو منظومة الوضعيات التي يحاول فيها الإنسان أن يحطم الأغلال التي وضعها هو نفسه في معصمه، إنها الحالة التي يسعى فيها الإنسان إلى تحطيم دائرة الوصاية التي تسبب فيها نفسه بنفسه، إنها في نهاية الأمر العملية التي حقق فيها لعقله التحرر من الوصاية التاريخية التي فرضت عليه من الخارج. هذا ويؤكد كانط في كل أعماله أن شرط التنوير والحداثة هو الحرية، ومن بين الحريات يؤكد على هذه التي تتصل بحرية العقل وحرية التفكير. إن الجوهري في مقولات كانط أن العقل يجب أن يتحرر من سلطة المقدس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل كي يستطيع الإنسان أن يبني نهضته نحو الحضارة والحرية والمدنية والحداثة.

    يعرف الفيلسوف الألماني كانط الحداثة في سياق إجابته عن سؤال "ما الأنوار؟" في مقولته المشهورة: "الأنوار خروج الإنسان من حالة الوصاية التي تتمثل في عجزه عن استخدام فكره دون توجيه من غيره". ولذا كان شعار الأنوار عبارة تقول: "أقدم على استخدام فكرك".

    وفي عصر الأنوار وما يليه بدأت الدولة المركزية بتقنياتها الإدارية تأخذ مكان النظام الإقطاعي والتأكيد على العلوم والفيزياء الطبيعية التي توجد في أصل العطاءات التكنولوجية، وحيث بدأت الفنون تأخذ ظلالها الإبداعية في أوروبا. وفي هذا الصدد يقول بومدين بوزيد: "البداية الحقيقية لكل حداثة هي تفكيك أسس مناهج تفكيرنا والكشف عن العوائق الإبيستمولوجية التي تحجب عنا عيوبنا المنهجية والنظرية".

    وحسب الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل(1770-1831) فإن الحداثة بدأت مع "عصر الأنوار بفعل هؤلاء الذين أظهروا وعيا وبصيرة باعتبار أن هذا العصر هو حد فاصل ومرحلة نهائية من التاريخ". لقد أكدت الثورة الفرنسية في عام 1789 حضور الدولة البرجوازية والقيم الليبرالية والديمقراطية التي سجلت نفسها في منطق الحداثة. لقد أدخل التقدم المستمر للعلوم والتقنيات وتقسيم العمل إلى الحياة الاجتماعي بعد التغيير المستمر وانهيار المعايير والثقافة التقليدية. وبالتالي فإن التقسيم الاجتماعية للعمل أدى إلى اتصالات سياسية واسعة، وإلى إحداث نوع من الصراعات الاجتماعية التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرون. وظهرت على التوالي أهمية النمو السكاني ومركزيات المدن والتطور الهائل لوسائل الاتصال والمعلوماتية، هذه العوامل مجتمعة سجلت انطباعاتها في مفهوم الحداثة وأبدتها على أنها ممارسة اجتماعية ونمط من الحياة يقوم على أساسي التغير والابتكار وعلى أساس القلق واللا استقرارية والحركة الدائمة والأزمة.

    لقد استطاعت الإنجازات الحضارية التي تجسدت بتطور العلوم والتقنيات والتطور العقلاني والمنظم لأدوات الإنتاج أن ترسم حدود الحداثة وتخومها حيث تبدت هذه الحداثة في تكثيف العمل الإنساني، وتأكيد الهيمنة الإنسانية على الطبيعة، وتلك هي خاصة أغلب المجتمعات الحداثية التي أدت إلى تغيير عميق وشامل في شروط الحياة والتفكير في آن واحد، وقد تمثل هذا التأثير في انتقال الحضارة من حضارة العمل والتقدم إلى حضارة الاستهلاك والفراغ.

    أسس الحداثة وخصائصها:

    تستند الحداثة كما يراها محمد محفوظ إلى الخصائص التالية:

    ـ مرحلة تبلغها المجتمعات الإنسانية من خلال عملية التراكم التاريخي، والخروج من دائرة الوصاية التاريخية التي فرضت على العقل الإنساني في عصور الظلام.

    ـ الحرية الإنسانية وتأكيد دور الإنسان الحر في مختلف ميادين المجتمع وقضاياه انطلاقا من حقوق الإنسان وتعزيزا للقيم الديمقراطية.

    ـ العقلانية حيث يتجلى العقل بسيادته وهيمنته في مختلف جوانب الوجود الاجتماعي والسياسي تجليا لمبادئ التنوير وقيمه.

    ويسجل محفوظ في هذا السياق مجموعة من النقاط الهامة حول الحداثة منها:

    ـ أن الحداثة لا يتم استيرادها من الخارج بل هي حالة تنبثق من صميم المجتمع، وهذا يعني حالة تطور وتراكم تاريخي تتم في داخل المعطيات التاريخية للحياة الاجتماعية تمهد لعملية الحداثة وحضورها.

    ـ إن الحداثة كمرحلة تاريخية بحاجة إلى توفير الشروط الثقافية الضرورية لبلوغها، فالحداثة لا تتم وفقا لمبدأ المصادفة وإنما هي عملية فعل إنساني يقتضي منظومة من الشروط الذاتية والموضوعية.

    ـ تأكيد أهمية الوعي الإنساني في فكرة الحداثة وضرورة الحضور الثقافي لهذا الوعي في مختلف مجالات الحياة حضورا يؤكد تنامي العقلانية والتنوير والقدرة على امتلاك اللحظة الذاتية في الوعي الاجتماعي.

    وتسجل الحداثة نفسها في مظاهر متعددة ومن أهم الأسس والمنطلقات التي ترتكز إليها في المستوى الفلسفي يمكن الإشارة إلى المرتكزات التالية:

    ـ يعد العقل ودوره في الحياة مبتدأ الحداثة وخبرها ولذلك فإن هيمنة العقل وسيادته تشكل المنطلق الحقيقي للحداثة وأساسها المركزي.

    ـ يأخذ العلم والإيمان بدوره في الحياة الإنسانية دورا مركزيا في مفهوم الحداثة وهو دور يتكامل مع أهمية العقل ودوره التنويري. فالمعرفة العلمية هي المحور الأساسي في فهمنا للكون وحقائقه وعلله وتجلياته بصرف النظر عن المعارف التراثية والتقليدية التي سادت في العصور الماضية من تاريخ الإنسانية.

    ـ تأخذ الحرية مكانها المميز في صميم مفهوم الحداثة. فالحداثة هي حالة من المغامرة في عالم الضرورة والحتمية وهي من هذه الزاوية تتجلى في صورة إرادة إنسانية حرة تتحدى وتتقصى وتغامر لتصنع مصير الإنسان على مقياس إرادته وعلى أطياف أحلامه الإنسانية. وتتمثل هذه الحرية في إرادة إنسانية تسعى لهدم عالم الوصاية وتدميره بمختلف تجلياته وحدوده ومرتسماته.

    ويأخذ مفهوم الزمن وعلاقة الإنسان بالزمن أهمية مركزية بين أطياف مفهوم الحداثة. فالإنسان في الحداثة يصنع زمنه ويرسم ملامح مصيره بإرادته. فالزمن في الحداثة لا يأخذ صورة دورات متكررة صائرة إلى بداياتها. إنه لحظات متقطعة متنافرة متقدمة، إنه صولة الإنسان وتجسيد لإرادته الخلاقة. والإنسان في هذا التصور يصنع تاريخه ويهندس لحظات وجوده تحددا وابتكارا وإبداعا. وفي أصل هذا التصور للزمن بوصفه حركة إنسانية واعية تجلت فكرة التقدم الإنساني وفكرة المصير الذي تقرره إرادة البشر. إنها الحرية التي تتمثل في الخروج عن وصاية الزمن، إنها الإرادة التي تنتزع نفسها من قبضة الحتمية المتمثلة في دائرة الزمن.

    ويشكل الحق دائرة مركزية في أصل الحداثة. فالحق ينبثق من إرادة البشر وليس من عالم الطبيعة والقوى الخارقة لها. وهذا يعني أن الإنسان يشكل بإرادته وحريته وحجم حضوره في هذا الكون مصدر الحقيقة الأولى وصانعها. والفعل الإنساني في نهاية الأمر صورة إرادة إنسانية تجعل من الإنسان بصورته الاجتماعية مبتدأ الحقيقة وغايتها.

    ـ الإنسان جوهر الحداثة: "إن عملية التحديث السليمة لا تبدأ بالمظاهر والمؤشرات الكمية، وإنما تبدأ بالمضمون والجوهر وهو الإنسان، فبدون تغير الإنسان في ثقافته وقيمه ونظرته إلى الذات والآخر تبقى عملية التحديث ظاهرية، مزيفة، لا تعكس الواقع بأمانة، وهذا ما تشير إليه الآية القرآنية في قوله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" فمربط الفرس في عملية التحديث هو الإنسان والنظام القيمي الذي يتحكم فيه على المستوى الشخصية والاجتماعي".

    وفي هذا السياق يرى قسطنطين زريق أن الحداثة تنطلق من المواقف التالية:

    ـ الإيمان بأن العالم الطبيعي هو العالم الحقيقي. فهو ليس عالما زائلا وليس مجرد جسر نعبره إلى العالم الآخر، إنه عالم يمتلك الجدارة والأصالة وهو قمين بأسباب اهتمامنا وعنايتنا.

    ـ الإيمان بأن الإنسان هو أهم كائن في العالم الطبيعي وأنه معيار الأشياء جميعا وغاية الوجود. ولكونه غاية يتوجب على المجتمع أن يحيطه بكل أسباب الرعاية والحماية وأن يوفر له شروط الإبداع والحياة الحرة الكريمة. وهذا يتأسس من منطلق أن الإنسان هو العامل الفاعل في التاريخ في ميادين التحضر والتطور، إنه سيد قدره وحاكم لصيرورة وجوده إبداعا وعطاءا.

    ـ الإيمان بأن العقل هو مصدر تفوق الإنسان وتفرده في مملكة الكائنات الحية، ومن ثم الإيمان بأن الإنسان يستطيع عبر هذا العقل أن يطور العلوم والمعارف باتجاه السيطرة على الوجود والمصير.

    أما لوي ديمون فيرى الحداثة ترتكز إلى المحاور التالية:

    ـ الفردانية (مقابل حلول الفرد في الجماعة Holisme).

    ـ أولوية العلاقة مع الأشياء مقابل أولوية العلاقة بين البشر.

    ـ التمييز المطلق بين الذات والموضوع.

    ـ فصل القيم عن الوقائع والأفكار.

    ـ تقسيم المعرفة إلى مستويات (فروع معرفية) مستقلة متناظرة ومتجانسة.

    ويحدد هايدغر خمسة مظاهر للأزمنة الحديثة وهي: العلم، والتكنولوجيا، والفن، والثقافة، ومن ثم الانسلاخ عن المقدس.

    يحدد عياض بن عاشور عددا من الأسس المركزية للحداثة ويحددها بأهمية العقل ودوره في الحياة الإنسانية، ومن ثم بأهمية الفردية الإنسانية، والإرادة البشرية، وبالتالي التأكيد على دور الطبيعة وأهميتها، وأخيرا الزمن بوصفه رصيدا يتجدد ويزيد بالتدريج.

    وتعتمد الحداثة على ركيزتين أساسيتين كما يرى تورين A.Touraine هما العقلانية والانفجار المعرفي.

    العقلانية : Rationalisme

    تعد العقلانية مبتدأ الحداثة وخبرها ولا توجد حداثة من غير أساس عقلاني كما يؤكد آلان تورين A.Tourain. والحداثة كما يرى تورين هي عملية انتشار المنتجات العقلية والعلمية والتكنولوجية وهي بالتالي حالة رفض للتصورات القديمة التي تقوم على أساس ديني طوباوي وتمثل في الوقت ذاته حالة قطيعة مع الغائية الدينية التقليدية، إنها انتصار للعقل في مختلف مجالات الحياة والوجود، في مجال العلم والحياة الاجتماعية، وغاية الحداثة هي بناء مجتمع عقلاني. وهذا يعني أن الحداثة هي حالة ولادة جديدة لعالم يحكمه العقل وتسوده العقلانية. وبعبارة أخرى الحداثة وضعية اجتماعية وحضارية تجعل من العقل والعقلانية المبدأ الأساسي الذي يعتمد في مجال الحياة الشخصية والاجتماعية. وهذا يقتضي وجود حالة رفض لجميع العقائد والتصورات وأشكال التنظيم الاجتماعي التي لا تستند إلى أسس عقلية أو علمية. وهذا هو التصور الذي اعتمدته فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر والتي نادت بوجود الإنسان على أساس التوافق مع العقل والعقلانية، وذلك سعيا إلى تحرير الإنسان من العبودية والظلم ومن المخاوف الأسطورية والجهل والعبودية والتسلط وقد اتجهت هذه الحركة إلى إزالة العقبات التي تقف في وجه المعرفة العلمية.

    وتأخذ الحداثة ملامحها الأساسية في الفلسفة الوضعية La positivisme التي أحدثت نوعا من القطيعة مع التصورات الأبوية والكنسية التقليدية مؤكدة أهمية المعرفة العلمية والعقلانية في شتى مناحي الحياة الاجتماعية واتجاهاتها. وفي هذا السياق تتبدى الحداثة أيضا في عطاءات المنهج العلمي التجريبي الذي أخذ هيئة العقلانية الأداتية التي اتسمت بالموضوعية والتماسك والتي بدأت تسجل حضورها العارم في مختلف مجالات المعرفة العلمية بفروعها المختلفة.

    الانفجار المعرفي : L’éclatement de connaissance

    يقول تورين في كتابه نقد الحداثة: تستبدل "الحداثة فكرة الله بفكرة العلم، وتقصر الاعتقادات الدينية على الحياة الخاصة بكل فرد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يكفي أن تكون هناك تطبيقات علمية وتكنولوجية للعلم كي نتكلم عن مجتمع حديث حيث ينبغي أيضا حماية النشاط العقلي من الدعايات السياسية ومن الاعتقادات الدينية.

    شهدت الحداثة وما زالت تشهد أيضا نموا متسارعا في جميع ميادين المعرفة العلمية والتكنولوجية على مختلف المستويات الاجتماعية والإنسانية. وقد تنامت هذه المعرفة بصورة ليس لها مثيل في تاريخ الإنسانية على مدى العصور والأزمنة. لقد تميزت مرحلة الحداثة بظهور عدد كبير من التيارات والنظريات والفلسفات والاختراعات العلمية والتكنولوجية في مجال الفن والنحت والتصوير والموسيقا والأدب والهندسة والكيمياء وفي مجال الذرة والبيولوجيا والشيفرات وفي مجالات أخرى تنأى عن التعداد والحصر. وهذه الاكتشافات المتزايدة والمتنامية شكلت وما زالت تشكل ثورة معرفية حقيقية وجبارة في مجال العلم والمعرفة الإنسانية. وهذه الثورة أو التحولات العلمية تشكل الأساس المحوري والعلامة الفارقة في وضعية الحداثة وذلك إلى جانب العقلانية التي تشغل فضاء الوجود الإنساني في عصر الحداثة.

    نقد الحداثة:

    علماء الاجتماع استطاعوا عبر رؤاهم النقدية أن يكتشفوا مسالب الحداثة ومخاطرها ولكنهم مع ذلك كانوا يرجحون الجوانب الإيجابية لهذه الحداثة على مضامينها السلبية.

    لم تستطع الحداثة بنزعتها العقلانية ومغامراتها العلمية أن تحقق الغايات التي كانت في أصل وجودها. إن مأساة الحداثة كما يقول تورين "أنها تطورت ضد ذاتها". وهذا يعني أنها وجدت من أجل تحرير الإنسان ولكنها وفي سياق تطورها وضعته في أقفاص عبودية جديدة هي عبودية العقل والعقلانية، لقد أصبحت الذات الإنسانية في سياق هذا التطور موضعا للعلم والعقلانية، وتم استلاب هذه الذات من مقومات وجودها الإنسانية.

    لقد أعلن جان جاك روسو J.J.Rousseau (1712-177 زعيم النزعة الطبيعية، في القرن الثامن عشر، عن مسالب الحداثة ومخاطر العقلانية الصارمة التي اجتاحت العمق الإنساني واستلبت المشاعر السامية للإنسان. وقد أكد هذه الملاحظات في مختلف أعماله بدءا من العقد الاجتماعي Le contrat social وانتهاء بكتابه إميل Emile.

    يهاجم روسو بشدة التقدم العلمي الذي أدى إلى تشويه الجانب الإنساني في الإنسان، ونادى بإصلاح التربية والقيم والمؤسسات السياسية والدين من أجل الإنسان في أعمق مضامينه الإنسانية. وإذا كان الإنسان اليوم يحتل مكانا مركزيا في دائرة تصوراتنا فإن هذا يعود بالدرجة الأولى إلى روسو. وعلى أساس ذلك يقول كانط إن "روسو هو نيوتن العالم الأخلاقي". ففي رسالتيه المشهورتين: مقالة في العلوم والفنون Le discours sur les sciences et les arts، ومن ثم مقالته في أصل اللامساواة بين البشر Discours sur l'origine de l'inégalité يؤكد روسو على أن الحضارة المادية العقلانية تؤدي إلى تراجع الأخلاق وتراجع القيم الإنسانية وتدفع الإنسان إلى دوائر الاستلاب والاغتراب. وفي هذا السياق يرى روسو أن المجتمع ليس عقلانيا وأن الحداثة تفسد أكثر مما تقدمه من فوائد. وبالتالي ومن أجل تحقيق الوحدة بين الإنسان والمجتمع فإن الحداثة تؤدي إلى تأكيد السيادة السياسية التي توظف في خدمة العقل وهي سيادة تنمو وتزدهر على حساب الذات الإنسانية المتفردة. وبعبارة أخرى من أجل انتصار العقل والعقلانية يجب التخلي عن الذات الإنسانية بما تنطوي عليه هذه الذات من كرامة وخصوصية. وهنا يجب على الإنسان أن يخضع لعقله وتأملاته العقلية وذلك على حساب عواطفه ومشاعره وقيمه الخاصة. وعلى هذا الأساس يستطيع المرء أن يتدرج وأن يأخذ مكانه وحضوره في سياق وجوده الاجتماعي وذلك بوصفه عاملا أو جنديا أو مواطنا بدرجة أكبر من كونه سيدا لنفسه ولمصيره. وعلى هذا الأساس يتحول العقل إلى طاغية والعقلانية إلى قهر واستبداد تنتهك وجود الإنسان وتستلبه.

    لقد شكلت الحداثة شكلت على مدى القرون الماضية دريئة للنقد من قبل مفكرين أفذاذ مثل ماركس ونيتشه وفرويد واستطاعوا أن يفندوا جميع الأسس التي قامت عليها الحداثة. وفي ظل هذه الانتقادات المتنامية طرحت العلاقة الإشكالية بين الجانب الذاتي في الإنسان (الذاتية الإنسانية التي تمثل الجانب الانفعالي والعاطفي من كرامة وحب وكراهية وأحاسيس ومشاعر وقيم وانتماءات) والعقلانية نفسها بوصفها إحدى أهم التحديات التي واجهتها مرحلة الحداثة. فالحداثة تؤكد العقلانية وهي لا تعير الجانب الذاتي الإنساني اهتماما كبيرا، وإذا كان تجاهل الجانب الذاتي في الإنسان يضع الحداثة في وضعية أزمة فإن تغييب الجانب العقلي لحساب الجانب الذاتي يضاعف من حدة هذه الأزمة. فالإنسان الذي يتجرد من عطاءات العقلانية يضع نفسه في زنزانات الهوية والنزعات الاعتباطية ويذوب في معاصر التعصب والتحيز والانكماش.

    وتلك هي المعادلة الصعبة والحل المناسب هنا ليس في أن يختار الإنسان بين العقل أو الذات بل وعلى خلاف ذلك يتوجب على الإنسان أن يحقق التوافق بين الطرفين والتوازن بين الاتجاهين: بين العقل وبين الذات الإنسانية. وإنه لمن مظاهر الخطر الكبير تنامي هذا الانفصال بين الجانبين: بين العالم العقلي وبين العالم الذاتي في مستوى الإنسان الفرد كما في مستوى المجتمع، بين الحياة الخاصة وبين الحياة العامة للفرد. وغالبا ما تجد هذه المعادلة الصعبة مخرجها عبر عملية ديمقراطية تتميز بالقدرة الحقيقية على تحقيق علاقة التوازن بين الفرد والمجتمع بين المصلحة الخاصة للفرد وبين المصلحة العامة كما يؤكد في هذا السياق المفكر الأمريكي جون ديوي.

    لقد فقدت الحداثة قدرتها على تحرير الإنسان بعد أن أدت دورها التاريخي، وفي هذا السياق يقول تورين: "بقدر ما تنتصر الحداثة بقدر ما تفقد قدرتها على التحرير، إن دعوة التنوير مؤثرة عندما يكون العالم غارقا في الظلام والجهل والعبودية". ومن أجل تفسير هذا التناقض الكبير يشرح لنا تورين هذه الإشكالية، إشكالية التحرير والعبودية فيما بين عصر التقاليد وعصر الحداثة فيقول: "كنا نعيش في الصمت صرنا نعيش في الضجيج، كنا معزولين فصرنا ضائعين وسط الزحام، كنا نتسلم قليلا من الرسائل والآن تنهمر علينا كوابل من نار، لقد انتزعتنا الحداثة من الحدود الضيقة للثقافة التقليدية المحلية التي كنا نحياها وألقت بنا في جحيم الحرية الفردية، لقد ناضلنا ضد نظم الحكم القديمة الفاسدة وميراثها، أما في القرن العشرين فضد الأنظمة الجديدة والمجتمع الجديد والإنسان الجديد".

    يعد الفيلسوف الفرنسي المعروف جان فرانسوا ليوتار Lyotard من كبار المفكرين الذين وضعوا الحداثة في قفص الاتهام وهو من أعلن نهايتها معلنا عن ميلاد عصر ما بعد الحداثة في كتابه المعروف الوضع ما بعد الحداثي La condition Postmoderne عام 1979. وهو في هذا السياق يعلن عن سقوط النظريات والإيديولوجيات الكبرى وعجز هذه النظريات عن قراءة الواقع أو تفسيره لأن هذه الأنساق الفكرية تعاني من الجمود والانغلاق وهي ليست قادرة أبدا كما يذهب أصحابها وروادها على تفسير العالم أو المجتمع ومن هذه النظريات الماركسية والوضعية والوجودية والبرغماتية وغيرها من النظريات الشمولية المعروفة.

    ومن القضايا التي يناقشها جان فرانسوا ليوتار Jean-François Lyotard في هذا الجانب إشكالية الحتمية التي يعلن سقوطها تأسيسا على تطور العلوم الطبيعية والتاريخ. فالحتمية تعلن إفلاسها أمام المستجدات العلمية الجديدة في القرن العشرين. لقد بينت الأحداث المتتابعة، على مدى القرن العشرين، أن التاريخ لا يأخذ خطا حتميا تحركه تتابعات المراحل، وحتميات التتابع التاريخي الذي أنبأت عنه الماركسية وغيرها. فالتاريخ الإنساني قد يأخذ خط التقدم، ولكنه قد يتراجع وقد ينهض من جديد أو يراوح في مكانه، فلا مكان لأقدار الحتمية وأفكار الغايات التي يسعى إليها التطور في منظور الأنساق الفكرية الكبرى.

    مفهوم ما بعد الحداثة:

    غالبا ما يحاصر المفكرون المفاهيم الجديدة بإيقاعات تصوراتهم الفكرية ومن هذا المنطلق نجد أن مفهوم الحداثة قد تشبع بتصورات وحدود عدد كبير من المفكرين العمالقة الذين وظفوا هذا المفهوم في منظوماتهم الفكرية. ومن هذه الزاوية نجد حالة من التنوع والاضطراب في تحديد مفهوم ما بعد الحداثة بصورة واضحة وجلية. لقد شكلت الانتقادات المنهجية التي وجهت إلى مفهوم الحداثة الأرضية العلمية التي تنامى في تربتها مفهوم ما بعد الحداثة ليأخذ صورته النقدية التي تغذيها روح فكرية نقدية نشطة ومتطورة. وقد لا نبالغ إذا قلنا بأن هذه الانتقادات التي تنامت في حقل الحداثة شكلت أيضا ينبوعا للتنظير العلمي المتقدم والإبداعي في ميدان ما بعد الحداثة. وتأسيسا على ذلك يمكن القول بأن مفهوم ما بعد الحداثة لا يأخذ أهميته بوصفه امتدادا زمنيا لحالات حضارية متعاقبة بل هو نسق من التصورات النقدية التي أبدعتها روح العصر المتجدد في مختلف ميادين الحياة الفكرية.

    وفي غمرة الانتقادات التي وجهت إلى الحداثة وفي ملامح الأزمة التي تعيشها الحداثة دفعت بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن الإنسانية خرجت، تحت تأثير هذه الاختناقات الحضارية، من مرحلة الحداثة وبدأت مرحلة جديدة أطلق عليها ما بعد الحداثة. ويقدر فريق من هؤلاء الباحثين أن هذه المرحلة قد بدأت تاريخيا منذ عام 1968 وهي المرحلة التي عرفت بثورة الطلاب في مختلف عواصم العالم، وعلى خلاف ذلك يرى الفريق الآخر من هؤلاء الباحثين أن مرحلة الحداثة قد بدأت مع سقوط جدار برلين تعبيرا عن سقوط المنظومة الاشتراكية.

    وفي هذا الخصوص يشير إيهاب حسن، أحد المنظرين في هذا المجال، إلى صعوبة تحديد مفهوم ما بعد الحداثة، ولكنه مع ذلك يقدم مجموعة من التصورات العلمية التي يمكنها أن تشكل العناصر الأساسية في بنية هذا المفهوم ومنها:

    إن لفظ ما بعد الحداثة يوحي بفكرة الحداثة وهو بالتالي يتضمن بعد التوالي الزمني للعلاقة بين المفهومين.

    لا يوجد إجماع بين النقاد على تعريف واضح لمفهوم ما بعد الحداثة.

    مفهوم ما بعد الحداثة عرضة كغيره للتغير والصيرورة التي نلاحظها في المفاهيم الوليدة حديثا.

    ومن هذا المنطلق يمكن الإشارة إلى موقف يورجين هابرماس Jurgen Habermas من هذا المفهوم في مقالة له بعنوان "الحداثة مشروع لم يكتمل" في عام 1981، حيث يرى بأن لفظة ما بعد الحداثة Post-modernité تمثل رغبة بعض المفكرين في الابتعاد عن ماض متشبع بتناقضات كبيرة وتعبر في الوقت نفسه عن سعي حثيث إلى وصف العصر الجديد بمفهوم لم تتحدد ملامحه بعد وذلك لأن الإنسانية لم تستطع أن تجد الحلول المناسبة للإشكاليات التي يطرحها العصر. ووفقا لهذه الصيغة يرى هابرماس بأن ما بعد الحداثة هي صيغة جديدة لمفهوم قديم (الحداثة) وأن ما بعد الحداثة محاولة لإثراء مرحلة الحداثة ذاتها وإتمام مشروعها حتى النهاية.

    إن السمات الأساسية التي تنطلق منها حركة ما بعد الحداثة تتمثل في عدة اتجاهات أهمها:

    ـ هدم الأنساق الفكرية الجامدة والإيديولوجيات الكبرى المغلقة وتقويض أسسها؛

    ـ العمل على إزالة التناقض الحداثي بين الذات والموضوع بين الجانب العقلاني والجانب الروحي في الإنسان، وذلك من منطلق الافتراض بعدم وجود مثل هذه الثنائية الميتافيزيائية؛

    ـ رفض الحتمية الطبيعية والتاريخية التي كانت سائدة في مرحلة الحداثة ولا سيما مفهوم التطور التعاقبي أو الخطي أو الزمني الذي يسجل حضوره في الأنساق الاجتماعية والحياة الاجتماعية؛

    ويصف إيهاب حسن مرحلة ما بعد الحداثة بالسمات التالية:

    ـ فكر يرفض الشمولية في التفكير ولا سيما النظريات الكبرى مثل نظرية كارل ماركس، ونظرية هيغل، ووضعية كونت، ونظرية التحليل النفسي…إلخ. ويركز على الجزئيات والرؤى المجهرية للكون والوجود؛

    ـ رفض اليقين المعرفي المطلق ورفض المنطق التقليدي الذي يقوم على تطابق الدال والمدلول، أي تطابق الأشياء والكلمات؛

    ـ يلح على إسقاط نظام السلطة الفكرية في المجتمع والجامعة، في الأدب والفن، والإطاحة بمشروعية القيم المفروضة من فوق في الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية كافة.

    وفي هذا السياق، يرفض أنصار ما بعد الحداثة مفاهيم حداثية مثل: العقل والذات والعقلانية والمنطق والحقيقة، فهي مقولات مرفوضة. والحقيقة وهم لا طائل منه، ذلك لأن الحقيقية مرتهنة بعدد من المعايير الخاصة بالعقل والمنطق وهذه بدورها مرفوضة أيضا.

    إزاء هذه التناقضات التي نسبت إلى مرحلة الحداثة وعرفت بها، وفي مواجهة هذه الإشكاليات والتحديات، التي انبثقت عن التحولات التاريخية، في النصف الثاني من القرن العشرين، توجب على الإنسانية أن تبحث عن حالة توازن جديدة لتحقيق التوافق الاجتماعي الثقافي وتحقيق المصالحة بين العقل والروح، بين المظاهر المادية للحضارة والمظاهر الروحية، بين العقلانية والذاتية. وفي إطار البحث الإنساني عن مخارج حضارية جديدة للأزمات المتفاقمة جاءت مرحلة ما بعد الحداثة بأفكار وآراء ونظريات مرشحة لتقديم تصورات ذكية عن المخارج الحضارية الجديدة لتجاوز الاختناقات التاريخية القائمة.

    ومرحلة ما بعد الحداثة لا ترفض عطاءات المرحلة الحداثية بل تأخذها وتعيد إنتاجها بصورة تتساقط معها مختلف التناقضات وتتكامل فيها مختلف جوانب الوجود الفكري والإنساني في لحمة واحدة. ما بعد الحداثة محاولة لإعادة ترتيب الإشكاليات المطروحة ومن ثم العمل على تنظيم تناقضاتها وإدماجه في حركة التطور الإنساني.

    لقد شكلت التحولات الحضارية الجديدة مناخا فكريا لولادة أنظمة فكرية تتسم بطابع الذكاء والتعقيد والتكامل في الآن الواحد. وهذه الولادة الذكية جاءت تعبيرا عن وعي إنساني جديد يتميز بطابعه النقدي المتمرد. وفي هذا السياق يمكن أن نقف عند محورين إشكاليين أساسيين لمرحلة ما بعد الحداثة وهما إشكالية العلاقة بين العقلانية والذاتية من جهة وإشكالية التكاملية من جهة أخرى.


    العقلانية والذاتية: : La rationalisation et la subjectivation

    استطاعت النزعة العقلانية في الحداثة أن تقتحم بوابات الجوانب الذاتية في الإنسان وأن تقوض حصون الروح الإنسانية بكل ما تنطوي عليه هذه الروح من مشاعر وأحاسيس وحدوس وقيم ذاتية. وتحت تأثير تموجات الحضارة المادية تشيأ الإنسان وتحول إلى موضوع لهذه النزعة الحضارية الجارفة. لقد تحول الإنسان إلى موضوع للمعرفة العلمية وترتب عليه أن يخضع لمقتضيات النزعة العقلانية وأن يتخلى عن عناصر الخصوصية التي تتميز بها الروح الفردية لديه.

    وقد تجلت هذه الوضعية في الأنساق التربوية القائمة حيث عملت المدرسة على تأكيد هذا الانشطار بين الموضوع والذات، بين الإنسان باعتباراته الذاتية وبين العقل باعتباراته الموضوعية. فالمدرسة كانت تعلم التفكير العقلاني وتشدد على أهميته وتعارض مختلف مظاهر الذاتانية التي تتصل بالمشاعر والميول والعواطف والحدوس والخيال والقيم الذاتية والجمالية.

    وفي ظل هذه الإكراهات المتنامية التي فرضها منطق العقل والعقلانية ظهرت اتجاهات فكرية واجتماعية تنادي بإعادة الاعتبار للذات الإنسانية بكل ما تشتمل عليه هذه الذات الإنسانية من خصائص ومضامين أخلاقية. واتضح هذا الاتجاه في المراحل الأخيرة من الحداثة وبداية مرحلة ما بعد الحداثة. وفي هذا السياق بدأت الأسرة تأخذ دورها في إعادة الاعتبار إلى الجوانب الروحية والذاتية في الإنسان وبدأت تتنامى أهمية النظرة إلى الإنسان بوصفه ذاتا وبدأت هذه الرؤية تأخذ مداها في مدار الحياة الأسرية. وفي هذه الأجواء لم يعد الزواج مجرد عقد اجتماعي صارم يقوم على أساس من الحقوق والواجبات التي يمليها القانون. وعلى خلاف ذلك بدأت الجوانب الإنسانية في دائرة هذه العلاقة الزواجية تأخذ أهميتها وخصوصيتها. وبدأ الأزواج ينفصلون عندما لا يجدون في دائرة حياتهم الزواجية الأبعاد الإنسانية والعاطفية الضرورية بين الزوجين. فالزواج لم يعد مجرد عقد قانوني بل أصبح عقدا إنسانيا وعاطفيا وانفعاليا يؤكد القيم الإنسانية في أكثر جوانبها خصوصية وأهمية. وبدأ الناس يجدون أنفسهم فيما بعد الحداثة ولا سيما في دائرة الحياة العائلية التي بدأت تغدق على أفرادها ما يحتاجونه من مشاعر إنسانية وقيم عاطفية ملحة وضرورية في حياة الأفراد والمجتمعات الإنسانية.

    هذه التغيرات الجديدة في مجال الأسرة بدأت تطرح أهمية إعادة النظر في مفهوم الأسرة وأهمية تقديم تعريفات جديدة وتحديدات جديدة لهذا المفهوم. وتأتي أهمية هذا الموقف من وجود عناصر جديدة تتمثل في أن الحياة الأسرية بدأت في الغرب تتحرر من سطوة الكنيسة ورجال الدين ومن تأثير حطام الإيديولوجيات القديمة. وفي هذه الأجواء أيضا بدأت الحياة الفردية تتحرر من صيغتها التقليدية وبدأت الحياة الأسرة تتمحور وبصورة متزايدة حول مبدأي الاستقلال الذاتي والتوافق.

    إن ظهور النزعة الذاتانية لا يعني أبدا رفض العقلانية بل بقيت حيث وجب أن تبقى السلاح النقدي الأكثر قدرة وقوة ضد التسلط والشمولية. وهذا لا يعني أبدا أنه يجب علينا أن نتجاهل أن هذه العقلانية كثيرا ما كانت تضع الإنسان الفرد جانبا باسم العلم والموضوعية العلمية.

    إن الخصوصية التاريخية لما بعد الحداثة تكمن في تعزيز هذا التقاطع التكاملي بين ذاتانية الفرد وعقلانيته، بين الجوانب الذاتية والجوانب الموضوعية للحياة الإنسانية. ولا يمكن اليوم إجراء المقابلات القديمة بين هذين الجانبين إلا في سياق الصورة التكاملية والجلية بينهما. فالإنسان يمكن أن يكون موضوعا للمعرفة العلمية دون أن ينتقص ذلك من خصوصيته الذاتية والإنسانية.

    وهذه الخصوصية الذاتية للإنسان بدأت تتجلى في النسق الاجتماعي أيضا حيث نلاحظ تنامي الاهتمام بالجوانب الذاتية والشخصية للأفراد في دائرة حياتهم الاجتماعية. وهذا يعني أن الأنا يأخذ هيئة بناء يتكامل فيها مع الروح الاجتماعية ليتحول إلى فاعل اجتماعي. وفي هذا الخصوص يمكن القول بأن ما بعد الحداثة تعمل على تحقيق التكامل بين الفرد وأدواره الاجتماعية. وهذا التكامل هو الذي يضعنا في صورة الإنسان الذي يستطيع أن يواجه الأنظمة الاجتماعية القائمة، وأن يعمل على تغييرها بصورة مستمرة، وهذا يعني الإنسان الذي يستطيع أن يحدد مصيره وأن يرسم غايات وجوده بصورة عملية. فالإنسان يمتلك ذاتا وهوية شخصية فردية وهو في الوقت نفسه كائن اجتماعي وهو بجانبيه هذين يشكل لحظة واحدة لا تمايز فيها بين مكوناتها الشخصية والاجتماعية. وهذا يعني أنه يجب ألا يضحي بأحد هذين الجانبين لصالح الآخر ويجب ألا يتوارى أحدهما عندما يظهر الآخر في مجتمع ما بعد الحداثة. فمجتمع ما بعد الحداثة يتعارض مع أي صورة للوجود الإنساني يتعالى فيها أحد الجانبين على الآخر أو يؤدي إلى إزاحته. وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن قوى الحضارة لا ترتهن اليوم بعملية النمو المعرفي وتنامي المعرفة العلمية والتكنولوجية فحسب، بل تجد هذه القوة نفسها في الإنسان وتتجلى في طاقاته الذاتية والإنسانية التي يمكنها أن تحرك الطاقة الحضارية للمجتمع.

    لقد سبق لدوركهايم Emile Durkheim أن أعطى هذه القضية جل اهتمامه واستطاع بعبقريته المعهودة أن يميز بين جانبي الشخصية وأن يؤكد الوحدة بين هذين الجانبين. يقول دوركهايم في هذا الصدد: "يوجد في كل منا كائنان لا يمكن الفصل بينهما إلا على نحو تجريدي، أحدهما نتاج لكل الحالات الذهنية الخاصة بنا وبحياتنا الشخصية وهو ما يمكن أن نطلق عليه الكائن الفردي. أما الكائن الآخر، فهو نظام من الأفكار والمشاعر والعادات التي ننتمي إليها، مثل العقائد الدينية والممارسات الأخلاقية والتقاليد القومية والمهنية والمشاعر الجمعية من أي نوع كانت، وهي تشكل في مجموعها الكائن الاجتماعي الآخر. وبالتالي فإن بناء هذا الكائن الاجتماعي في كل منا يشكل في نهاية المطاف هدف التربية وغايتها".

    وفي هذا السياق، يؤكد دوركهايم وهمية التصور بأنه يمكن الفصل بين هذين الجانبين حيث يقول: "إن المعارضة بين الفرد والمجتمع فكرة لا تتوافق أبدا مع معطيات الواقع، لأن هذين المفهومين يتداخلان ويترابطان. وبالتالي فإن الفعل الذي يمارسه المجتمع على الفرد لا يهدف أبدا إلى إفساد الفرد أو إلحاق الضرر به لأن بناء الفرد على نحو اجتماعي ضرورة إنسانية وحضارية.

    التكامل والشمولية : L’intégration

    يرى بعض المفكرين أن الحداثة تضج بمظاهر التجزئة والتشظي والانشطار في مختلف مظاهر الوجود الاجتماعي والفكري. وأمام هذا الواقع تتجه القوى الحضارية لمرحلة ما بعد الحداثة إلى توحيد هذه الاتجاهات وعقلنة وجودها في سياق تكاملي. وهذا يعني البحث عن مبدأ التكامل في نسق الوجود الاجتماعي والإنساني وبالتالي تحقيق النقلة الواعية من مبدأ الفصل والاستبعاد إلى مبدأ الوحدة والتكامل والإنسانية. ومن أجل هذه الغاية يجب التدخل لتحقيق هذه الانسيابية في مستوى المعارف العلمية والتكنولوجية.

    لقد بلغت المعرفة العلمية حالة مزرية من الفوضى والجزئية والتناقض، وقد خضعت هذه المعرفة لمبدأ التعدد المدرسي في كل اتجاه وحدب وصوب. وإذا كانت مرحلة الحداثة تؤكد هذه الوضعية وتعرف بها فإن ما بعد الحداثة تؤكد على أهمية الوحدة والتنسيق والتكامل والتبادل بين مختلف الاتجاهات والتيارات العلمية المتنافرة. وهي وفقا لهذا الاتجاه تبحث عن سياق تتكامل فيه هذه الاتجاهات لتشكل طاقة حضارية متجددة وفاعلة ودافعة إلى تحقيق التطور.

    وفي نسق رؤية نقدية لوضعية التجزؤ والفوضى المعرفية التي شهدتها مرحلة الحداثة يرى موران E.Morin أنه قد حان الوقت من أجل تجاوز وضعية التشتت والتجزئة والفوضى العلمية القائمة وإيجاد لحمة حقيقية بين التيارات والاتجاهات العلمية والفكرية المتنافرة. فالتيارات المتعددة يمكن أن تشكل العناصر الأساسية لنسيج علمي متطور يؤدي إلى بناء تكوينات علمية جديدة قادرة على توفير الشروط الحضارية لعملية إبداع متواصلة وحركة تجديد في مختلف ميادين الوجود والحياة.

    وفي غمرة هذه التصورات الجديدة الداعية إلى الوحدة والتكامل بين عناصر الحياة الفكرية والاجتماعية يحدد ليوتار J.F.Lyotard اتجاه وغاية هذه النزعة إلى التجديد والشمولية. فالهدف من هذه النزعة حسب ليوتار لا يهدف إلى مجرد إحداث القطيعة مع الماضي وتفكيكه وإنما الهدف هو العمل على تطوير الأنظمة القائمة وتغذيتها بطاقة جديدة فاعلة في ميدان الإبداع والتجديد. وفي هذا السياق عينه ينظر ليوتار إلى التعقيد بوصفه صورة متقدمة لعملية التطور. وهذا يعني أن الأنظمة تصبح أكثر تطورا كلما أصبحت أكثر تعقيدا. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن تجاوز الازدواجيات والثنائيات في الفكر والإيديولوجيا والنظريات يعني في الوقت ذاته نهاية الأنظمة الفكرية الشمولية والنظريات الكبرى التي تحجرت وتصلبت تحت تأثير الانغلاق الإيديولوجي والتعصب الفكري.

    وعلى خلاف الأنظمة المغلقة فإن النظام ما بعد الحداثي يبشر بحالة من الانفتاح الواسعة، وهذا الانفتاح يؤسس بدوره لمناخ يحفز على الإبداع وينضج بإمكانيات الابتكار والتجديد في مناحي الحياة المختلفة. فالتجديد يولد ويتوالد في قلب عملية الجدل والصراع والمواجهات والتعارض والتخاصب بين مختلف التيارات والاتجاهات التي يتوجب عليها أن تخرج من دوائر الجمود والانغلاق.

    وهذه التصورات ما بعد الحداثية الجديدة، التي تعبر عن إرهاصات واقع متقدم، يضج بطاقات الإبداع والابتكار، ويسعى إلى البحث الدائم عن آفاق إنسانية جديدة، لا تتوانى عن إظهار بعض التحديات التي تواجه المصير الإنساني في هذه المرحلة المتقدمة من التطور. لقد كان الإيمان بالله في مرحلة ما قبل الحداثة هي الفكرة التي يخلد إليها العقل الإنساني وهي السكون التي تلجأ إليه النفس البشرية. فالإيمان بالله كان يمنح البشر هذا الإحساس الشامل بالأمن الوجودي الخلاق، ويغذيهم بطاقات وجودية خلاقة تمنحهم الاستقرار والسكينة والقدرة على مواجهة مختلف التحديات الوجودية التي تضع الإنسان في دوائر الخوف والقلق. أما فيما بعد الحداثة فإن غياب هذا الإيمان النبيل بوجود الله كقوة عليا حامية يدفع البشر إلى دائرة إحساس عميق لا حدود له بالقلق والخوف والتوتر. وهنا يمكن القول بأن غياب ما هو إلهي يؤدي إلى غياب ما هو إنساني وإلى حالة من القلق الوجودي والعصاب الذي يقهر كل الإرادات ويقض كل المضاجع ويضع الإنسان في حالة اغتراب لا حدود لها.

    وفي دائرة هذا الاختناق الوجودي المفعم بالقلق والتوتر والعصاب يجب على الإنسان أن يواجه عالما يفيض بالخطر الدائم. وهذا يعني أنه يجب على الإنسان أن يتكيف مع هذا الواقع الجديد وأن يتعايش مع هذا الخطر المستمر والألم الوجودي المزمن، كما يتعايش مع أي مرض له طابع الاستمرارية الزمنية. ولا يبقى في جعبة الإنسان المعاصر إلا البحث الدائم عن صيغ جديدة وإبداعات جديدة يمكنها في سياق عملية التطور أن تخفف من حدة هذا الخطر وغلواء الشعور بالقهر الإنساني الذي تولده كل آليات الاستلاب الحضاري القائمة.

    نحن والحداثة :

    يجري الاعتقاد، في أوساط كثير من المثقفين العرب، أن الحداثة عملية يتم من خلالها نقل الأفكار الغربية والتكنولوجيا المتقدمة إلى الأقطار العربية، وعلى أساس هذا المنطق يعرف عبد الغفار رشاد الحداثة بوصفها "الأفكار والمعايير والقيم والمؤسسات ونماذج السلوك الجديدة الوافدة إلى المجتمع من الخارج، أو تلك التي ابتكرها المجتمع من خلال حركة تجديد أو إحياء داخلية". وهذا يعني أن الحداثة يمكن أن تتحقق بكل بساطة مع انتقال المعلومات والمعارف والتكنولوجيا إلى البلدان العربية.

    إن مجرد الحصول على المال والرجال والتكنولوجيا لا يعني في أي حال من الأحوال تحقيق الحداثة. وذلك لأن الحداثة عمل وفعل يجد نفسه في أعماق القوى الفاعلة في المجتمع. الحداثة فعل جوهري يحدث في الروح الدافعة للتطور والوجود، إنها طاقة تنوير هائلة تلامس الروح والعقل بالدرجة الأولى. وهذا يعني أن الحداثة لن تتحقق أبدا عبر المظاهر وأنها رهينة الروح الحضارية التي تتمثل في تفجير طاقات العقل وبناء الروح العلمية التي تستمد نسغ وجودها من القيم الإنسانية الحضارية التي تتعلق بالحرية والإنسان والمدنية والقيم الديمقراطية.

    وفي معرض التمييز بين الحداثة الغربية والحداثة العربية، يقول محمد محفوظ، إشارة منه إلى عقم الحداثة العربية وبقائها في مستوى الشعارات: "الحداثة الغربية كانت وليدة تطور تاريخي-اجتماعي لا يمكننا تجاوزه.. وبالتالي فالحداثة ليست شعارات وأشكالا سياسية، بل هي قبل ذلك كله صيرورة تاريخية-اجتماعية يصل إليها المجتمع بعد حقبة تاريخية من العمل المتواصل والجهد المركز في هذا السبيل".

    وهذا يعني أنه يجب علينا في البداية وفي الجوهر أن نطهر ساحة الفكر العربي من الأوهام والغيبيات والخرافات التي تعطل العقل وتبدد كل إمكانيات التطور والإبداع الإنساني وتدفع بالإنسان إلى دوائر العطالة والجمود. وفي هذا المقام يقول حسن صعب: "إن بطء هذا التغير العقلي المنهجي هو المسؤول الأول عن بطء التقدم في العالم العربي وفي سائر أنحاء العالم الثالث. فالشرط الأول للتقدم هو في عقل الإنسان. والإنسان الواعي لتخلفه وتقدم غيره هو الذي يندفع في طريق التقدم".

    لقد استطاع الغرب أن يحقق اليوم حداثته وأن يتجاوزها في الآن الواحد. والغرب الآن يحاكم مرحلة جديدة من تطوره هي مرحلة ما بعد الحداثة. حيث يواجه تحديات جديدة وقضايا جديدة تختلف كليا عن هذه التي طرحت في مرحلة ما بعد الحداثة.

    فالفكر الأوروبي يشكل منطقة يترعرع فيها منطق وفكر ما بعد الحداثة، أما نحن فما زلنا نجوب مخفقين في دائرة الحداثة بمفهومها التنويري المرتبط بفكرة التقدم فقط. وحتى التقدم هنا لا يأخذ معناه النقدي بل صيغته الاقتصادية الإنتاجية البحتة وأحيانا صورته المظهرية، وهو تقدم بائس وحداثة مشوهة.

    وباختصار إذا كان الغرب اليوم يصول في حقل معرفي جديد وإذا كان يواجه مشكلات ما بعد الحداثة، ومشكلات ما بعد المجتمع الصناعي، فهل يمكننا أن نقول بأننا ما زلنا نواجه تحديات ما قبل المجتمع الصناعي ومشكلات ما قبل الحداثة؟ وأخيرا ألا يحق لنا أن نتساءل عن الوقت الذي تبدأ فيه حركة حداثتنا؟
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 05:17 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الحداثة ومابعد الحداثة:تثبيت الأصول أم كسر النماذج؟ (Re: osama elkhawad)


    سعيد المتدين

    … كما أنه طالما وجدت كلمة "حداثة Modernisme" والبادئة التي تعني (ما بعد) "post" فمن الممكن أن يتحدث البعض عن "ما بعد الحداثة postmodernisme" كمفهوم جديد يعقب الحداثة في الزمان والمكان ويبحث عن كل ما يناقضها ليعلن صراحة عن أطروحته المركزية الضامنة لشرعيته الفلسفية، ألا وهي "موت الحداثة.


    ظهرت فكرة الحداثة كمفهوم فضفاض وكمشروع ضخم ارتباطا بانطلاق العقلانية الغربية وتفاؤلها ونزعتها المركزية، فاقترنت بالتجليات الأساسية لانتصار العقل الأداتي وسلطته، مما أسفر عن جملة من المغالطات والتعسفات كانت أساسا لولوج الحداثة مرحلة الأزمة.

    إن التأمل في ثوابت الحداثة من داخل إطارها المرجعي يفتح مجالا واسعا وخصبا من التساؤلات والإثارات النقدية التي تقف بوضوح شديد على مواضع الأزمة والقصور، وهذا ما يفسر كون الفكر الغربي عاد في المرحلة الثانية وهي مرحلة المراجعة والتصحيح إلى إخضاع المطلقات السابقة للنقد.

    يعتبر التوجه النقدي جزءا من الوعي الحداثي وجانبا مهما من تفكير الحداثة، لذلك كانت الحداثة نقدا ذاتيا يسهم من زوايا متعددة في تصحيح المسار وتثبيت الأصول، ومن ثم فإن هذا النقد الذي تمارسه الحداثة على ذاتها ينطوي على خلفية أساسية تكمن في الدفاع عن مشروعها والوصول به إلى نقطة التوازن.

    ويمكن اعتبار كتاب نقد الحداثة لعالم الاجتماع الفرنسي "آلان تورين" Alain Tourine جهدا نظريا بناءا في السعي إلى إصلاح الحداثة وتطعيمها، بحيث حاول "تورين" إنقاذ الحداثة مطالبا بالعودة إلى الأصول التي انطلقت منها كمرجعية أساسية لتصحيح مسارها الخاطئ الذي أدى إلى التوتر والأزمة. وقد طرح "آلان تورين" الحداثة كمخرج من الحداثة التي انكشفت عن أزمات كبرى(1).

    لا شك إذن في أن النقد الذي توجهه تيارات الفكر الغربي لمسار الحداثة ومقوماتها هو بمثابة محاولة إصلاحية للحداثة التي تبقى في تجدد مستمر وسيرورة لا متناهية, إذ هي دائما ذلك المشروع الذي لم يكتمل بعد(2), والذي لا يمكنه أن يفتح آفاقا لأي مشروع آخر محتمل.

    لقد عمل المفكرون على كسر حدود النهاية أمام تاريخ الحداثة ليصبح ذا سياق تقدمي لا متناهي، تتماهى فيه الحداثة مع أزماتها ليزيدها ذلك سندا وتأسيسا وخصوبة. فالأعمال النقدية التي تصدت لمشروع الحداثة الغربي بتشريحه وتفكيكه لم تخرج في أغلب الحالات عن مقترح ترسيخ مشروع الحداثة ذاته، مما جعل الحداثة تعني ذلك المسار المتواصل واللانهائي التواق إلى الجدة على الدوام. فهي إذن انفتاح على كل الفضاءات وإدماج لكل مستحدث وجديد ولا تكف عن التوسع والاحتواء. ولعل هذا ما يفسر تجردها عن كل تعريف محدد أو مستنفذ لتظل في النهاية مفهوما للحاضر والمستقبل معا.

    ويبقى هذا الموقف تجاه الحداثة الغربية الذي بلوره جملة من المفكرين والفلاسفة أمثال: "هابرماس" و"ألان تورين" على جانب مهم من التفاؤل بمستقبل الحداثة. فإذا كانت أغلب التيارات التي أخضعت مشروع الحداثة الغربي للإجراء النقدي بهدف الحد من الأزمة والتوتر قد نجحت إلى حد ما في رد الاعتبار للحداثة، فإن الأزمة لم تنته رغم كل الجهود المبذولة بل إنها كما يقول "لوفيفر" لم تطرح بعد جميع نتائجها "وهي ستظل تستمر وتتعمق وتنتشر، كما أن عناصر جديدة ستحاول الدخول في خضمها وتعديلها، وفي النهاية فإن حقبة أخرى ستبدأ مع القرن الواحد والعشرين"(3).

    إن موقف "هنري لوفيفر" يضعنا أما التساؤلات التالية: هل يمكن أن نرى في هذه الانتقادات التي أملتها الحداثة انعكاسا لفكر جديد أو لثقافة جديدة تحاول تجذير نقد الحداثة لإيجاد صيغ ملائمة تبرز وجودها كمهيمن جديد على الساحة الفكرية؟ وهل يمكن أن ينبثق من داخل الحداثة ذاتها وجه آخر لها سلبي، يكون إيذانا بنهايتها وإعلانا عن ميلاد مفهوم جديد يمثل آخر مسخ للحداثة؟

    إن تتبع تاريخ الحداثة الغربية وإحالتها إلى بداياتها التأسيسية يقتضي –بمنطق التاريخ ذاته- نوعا من الصيرورة في سلسلة الأحداث يفضي إلى تجاوز ما. فالعصور تترى وتتوالى، والواقع يتغير ويتبدل، والفكر والمعرفة في تطور مطرد بحكم تطور العقل، لذلك فإن ما نعتبره، الآن، حديثا يعطي الانطباع بأنه سيصبح أنقاضا في الفترات اللاحقة. فكما أن للحداثة ما قبلها، ينبغي أن يكون لها ما بعدها، ثم إن البادئة "post" (ما بعد) في مصطلح "post modernisme" (ما بعد الحداثة) تفيد التجاوز والبعدية وتشير إلى تتابع زمني يأتي فيه واقع جديد ووضع جديد خلفا لآخر أصبح مستنفذا ومتجاوزا كما ورد في القواميس والموسوعات الغربية.

    إن نقد الحداثة يقدم نقطة انطلاق هامة للحظة ما بعد الحداثة للمضي أشواطا بعيدة في تجذير هذا النقد وتعميقه، إذ لا يجري نقد الحداثة فقط بل نفيها وتدميرها. ومن تم يذهب "إيهاب حسن" إلى أن لحظة ما بعد الحداثة تمثل نوعا من الانفجار الذي سوف يؤدي بالحداثة وبعقلانيتها وموضوعاتها إلى التشتت إلى وحدات وقطع "pièces" ولهذا يظهر مفهوم ما بعد الحداثة كنبش في الأسس وكسر للقوالب وخروج على النماذج, بل إن ثمة تفجيرا للأشكال وتدميرا للأنساق على نحو خارق مدهش، وخروجا عن خط الصيرورة التاريخية في صورة طرح جديد يعتقد "جياني فاتيمو" بأنه يتم في شكل "الحدوث".

    تنضبط ما بعد الحداثة إذن داخل خريطة مفاهيمية تقوم أساسا على النفي والتدمير والتجاوز والافتتان "بأخلاقيات الموت" والتحرر ودرامية النهاية. فعلى نفس الوتر تماما يحاول "فاتيمو" حصر ظاهرة ما بعد الحداثة على المستوى الفكري في عدد محدد من المبادئ والأسس وهي: موت الفن، وموت النزعة الإنسانية "humanisme", والعدمية، ونهاية التاريخ، وتجاوز الميتافيزيقا(4). ويستخدم "ميشل فوكو" و"جاك دريدا", وهما من البنيويين الجدد, عدة مصطلحات تتجلى فيها أوجه النفي ما بعد الحداثي بوضوح مثل: التفكيك (déconstruction)، والاختلاف (différence) والتشتيت (dispersion) واللااستمرارية (discontinunty).

    وقد كان مجال التشييد والبناء (architecture) سباقا إلى هذا الاتجاه التدميري الذي رسمته ما بعد الحداثة. ففي عام (1949) ظهر مصطلح منازل ما بعد حداثية "post modern-house"(5) إيذانا باحتلال ما بعد الحداثة مكان المباني الحداثية, مستمدة هويتها من خلال إزاحتها لتخطيط المباني الحداثية، ولعل هدم المنازل الحداثية عام (1972) يؤخذ كمؤشر على نهاية الحداثة في البناء.

    إننا أما فلسفتين، أو لنقل مفهومين فضفاضين كل منهما يجعل من نفي الآخر ومناهضته شرطا ضروريا لضمان شرعية الوجود. لقد تضمن خطاب ما بعد الحداثة نبذا صريحا لتقاليد الحداثة جاعلا من نهايتها أساسا لانطلاقه وتضخمه، إن عنصر جدته يمكن في "اللا" التي يعلنها ضد مشروع الحداثة الذي أصبح أنقاضا بالنسبة لما بعد الحداثة، وهذا ما نفهمه من مقولة باشلار: "ينبغي قبل كل شيء أن نعي كون الاختيار الجديد يقول "لا" للاختيار العتيق، ومن البين أنه بدون هذا الرفض لا يكون الأمر متعلقا باختيار جديد"(6).

    وفي معرض الدفاع عن الشرعية والوجود, تنضبط الحداثة في صيرورة لا متناهية وتتجلى في مشروع لم يكتمل بعد، تنفلت من كل تحديد مفهومي نهائي, محاولة البحث في كل مرة عن أساسها المناسب والصيغة الملائمة لتبرير مسارها اللامحدود. فهي (أي الحداثة) تتمجد بانغلاقها لأنه سلاحها الوحيد ضد مفهوم جديد يمثل آخر مسخ لها وبداية لنهايتها. إن الحداثة ككل فلسفة "تطرح أسسها كأنها لا تقبل المساس، وتطرح حقائقها الأولى كأنها حقائق كلية وكاملة"(7).

    أن تنتهي الحداثة أو لا تنتهي، أن تكون ما بعد الحداثة أو لا تكون، ثمة وضع جديد وأفكار جديدة، تحت اسم ما بعد الحداثة اقترحت نفسها كنفي وتجاوز لمشروع الحداثة الذي انبثق من الأزمة وشكل التشخيص العرضي لجملة من الأزمات. كما أنه طالما وجدت كلمة "حداثة Modernisme" والبادئة التي تعني (ما بعد) "post" فمن الممكن أن يتحدث البعض عن "ما بعد الحداثة postmodernisme" كمفهوم جديد يعقب الحداثة في الزمان والمكان ويبحث عن كل ما يناقضها ليعلن صراحة عن أطروحته المركزية الضامنة لشرعيته الفلسفية، ألا وهي "موت الحداثة"n
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 05:24 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
مكانة ماركس:الحداثة وما بعد الحداثة (Re: osama elkhawad)

    مكانة ماركس

    د. جورج جقمان-جامعة بيرزيت-


    يصعب التعرض لمكانة وأهمية ماركس، خاصة ان تم ذلك أمام جمهور غير مطلع وغير قارئ، دون التطرق للسؤال الذي لا بد انه يراود ذهن جمهور من هذا النوع، وهو: لماذا يُقرأ ماركس بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؟ ولإزالة الاختلاط الذي يحتويه هذا التساؤل يمكن بإيجاز الإشارة إلى التالي:

    1
    لقد سعى النظام السوفيتي إلى الاستحواذ على تركة ماركس الفكرية وإلى الإضافة لها بإسهامات لينين وستالين على وجه التحديد، ومن ثَم ظهور "الماركسية اللينينية". من جهة أخرى، وفي خضم الحرب الباردة والدعاية، والدعاية المضادة، دخلت أطراف أخرى حلبة الصراع الفكري خاصة الولايات المتحدة وبعض حلفائها في الشرق والغرب. وسعى هذا التيار أيضاً لعدم التمييز بين تركة ماركس والاتحاد السوفيتي. بالتالي، اقترن ماركس بالذهن وعلى نطاق شعبي، بتجربة الاتحاد السوفيتي.

    غير انه ينبغي الإشارة إلى ان مركز الماركسية كحركة فكرية وكمراس سياسي سابق لظهور الاتحاد السوفيتي، تمحور حول عمل وفكر الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، وحتى أوائل العشرينات من القرن الحالي. وقد شكل ظهور الاتحاد السوفيتي انشقاقا عميقا في الماركسية كحركة فكرية وسياسية. وقد اسهم بروز الاتحاد السوفيتي على الصعيد العالمي في الفقدان النسبي للاهتمام بالتيار الماركسي الآخر، والذي شكل امتداداً للفكر الذي تمحور حول الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني. وقد عرف هذا التيار، لاحقاً، "بالماركسية الغربية". وتميزت "الماركسية الغربية" عن "الماركسية اللينينية" بتنوعها وتعددها والمرونة الفكرية التي تناولت فيها أفكار ماركس، والنقد الصارخ الذي وجهه بعض ابرز مفكريها إلى النظام الشمولي في الاتحاد السوفيتي.

    وتعتبر كتابات كارل كورش (K. Korsch) وجورج لوكاش (G. Lukacs) وانطونيو غرامشي (A. Gramsci) إضافة إلى تأسيس مؤسسة فرانكفورت للبحوث الاجتماعية في عام 1923 ومؤلفات باحثيها، من الينابيع الفكرية للماركسية الغربية. فعلى سبيل المثال، اخذ أهم كتّاب مدرسة فرانكفورت (وهم ثيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر، وهيربرت ماركيوز) منحى النقد الثقافي للمجتمع البرجوازي كمدخل أساسي للتحليل، بما في ذلك هيمنة "العقلانية التقنية" (technological rationality) في ذلك المجتمع، وما يرادفها من "وضعية" (positivism) و"علموية" (scientism) في العلوم الاجتماعية، بدلاً من التركيز فقط على هيمنة الطبقة الرأسمالية. ومن هذا المنطلق ركز هؤلاء الكتاب على تحليل المظاهر المتعددة للاغتراب في المجتمعات الغربية المعاصرة وأبعادها الثقافية والنفسية والفكرية والجمالية. وبهذا المعنى قيل ان "الماركسية الغربية" هي ماركسية "البنية الفوقية".

    2
    إن مكانة ماركس الفكرية في القرن العشرين تتعدى الماركسية بأنواعها، أخذاً بعين الاعتبار دخول بعض من أفكاره وتوجهه في النظر إلى المجتمع وفي تحليل التغيير الاجتماعي والسياسي والفكري، إلى العلوم الاجتماعية بشكل عام. وقد يصعب أحياناً تحديد اثر ماركس بشكل عيني ودقيق في حقول مثل علم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ وعلم الإنسان والعلوم السياسية. ولكنه يصعب أيضاً تصور هذه العلوم كما هي الآن دون ماركس.

    وبهذا المعنى ان لماركس تأثيرا أوسع واعم على الصعيد الفكري مما له على الصعيد السياسي، وان كان هذا التأثير في كثير من الأحيان مرنا وغير عقائدي.

    وتعتمد مكانة ماركس التاريخية أيضاً على إنجازاته الفكرية المتنوعة، نشير منها على وجه الخصوص إلى التحليل النافذ الذي قدمه للنظام الرأسمالي كنظام اقتصادي والمجسد في كتاب "رأس المال"، والذي وفر أساساً نظرياً للعديد من المفكرين الاقتصاديين خلال القرن العشرين بما في ذلك غير الماركسيين منهم.

    إضافة، يجب الإشارة إلى الأهمية الفكرية لنظرة ماركس إلى التاريخ وإلى العناصر الفاعلة فيه، والتي تركت أثراً كبيراً على كتابة التاريخ من بعده وخاصة في القرن العشرين.

    وليس المقصود هنا التبني الحرفي للتفسير المادي للتاريخ من قبل المؤرخين، خاصة بالشكل الفظ والسوقي الذي تم التعبير عنه في بعض المؤلفات الصادرة من الاتحاد السوفياتي، وكعلاقة ميكانيكية بين "أعلى" و"أدنى"، بين بنية "فوقية" وبنية "تحتية" وباتجاه واحد لا حيد عنه ولا إنفكاك منه، من اسفل إلى أعلى!

    وبشكل عام، يمكن القول انه لم يعد من الممكن بعد ماركس كتابة التاريخ بافتراض ضمني أو صريح، ان المحرك الأساسي فيه هو الفكر أو أعمال الملوك والأمراء والحكام، أو إهمال تاريخ من أهمل ذكرهم "مؤرخو البلاط". وبهذا المعنى ان تأثير ماركس على كتابة التاريخ في القرن العشرين واسع جداً ولكن بنفس القدر غير متزمت أو عقائدي، يسمح بالانتقاء والتركيز حسب المعطيات (data) الموجودة لدى المؤرخ من وثائق أو وقائع أو مواد أولية أخرى.

    هذا إضافة إلى تأثير ماركس المباشر على مدارس محددة في كتابة التاريخ من مدارس وتيارات القرن العشرين.

    ويمكن الإشارة هنا إلى الارتباط بين وصف ماركس لظاهرة الحداثة (modernity) وبين بعض عناصر تيارات "ما بعد الحداثة" (postmodernism) التي راجت في نهاية القرن العشرين. وترى بعض هذه التيارات سلالتها الفكرية في أعمال عدد من المفكرين من بينهم نيتشه (توفي 1900). فعندما يقول نيتشه: "ماذا فعلنا عندما اعتقنا الأرض من شمسها؟... إلى أي مكان نتجه الآن... هل بقي ما هو فوق وما هو تحت؟" من: (Gay Science)، يفهم كتّاب ما بعد الحداثة هذا على انه إدراك مبكر لمفكر ذي نظر ثاقب لعناصر أساسية لظاهرة ما بعد الحداثة، والتي يحتفلون بها، كالتجزئة (fragmentation)، والزوال (ephemerality)، وعدم الثبات والتغيير المستمر، سواء كان ذلك في نطاق القيم أو المعايير أو في نطاق المعرفة والقبول بعدم إمكانية اليقين فيها، أو نقد أطر التفسير (explanatory frameworks) التي اُعتُقِدَ انها تصلح عبر الأزمنة ولمختلف الثقافات. ونجد هنا بعض العناصر المشتركة (وان لم يكن جميعها) بين الحداثة وما بعد الحداثة، إذ تشكل الأخيرة امتداداً كمياً ونوعياً للأولى في مضامين متنوعة مثل الفن والعمارة والأدب والفكر بشكل عام، وبشكل متجذر وناقد للحداثة في عناصرها الأخرى خاصة المعرفية منها المتعلقة بتفسير التغيير في المجتمع وفي التاريخ.

    وبقدر أكبر من النظر الثاقب والإحاطة والشمول رصد ماركس أيضا هذه العناصر للحداثة بعد ان وضعها في إطارها التاريخي الذي يفسرها دون بتر أو اجتزاء كظواهر محض ثقافية أو فكرية ذات فاعلية سببية مستقلة.

    يقول ماركس في معرض وصفه للتغيير الجذري الذي حدث بفعل الرأسمالية الصناعية: "... هذا التزعزع الدائم في كل العلاقات الاجتماعية، وهذا التحرك المستمر وانعدام الاطمئنان على الدوام... كل العلاقات الاجتماعية التقليدية الجامدة وما يحيط بها من مواكب المعتقدات والأفكار... تنحل وتندثر؛ اما التي تحل محلها فتشيخ ويتقادم عهدها قبل ان يصلب عودها. وكل ما كان صلباً ثابتاً يطير ويتبدد كالدخان..."

    غير ان ماركس اعتقد بوجود أطر ومنطلقات تصلح لتفسير ما هو متغير في أزمنة وحقب شتى. وبهذا ينتمي ماركس إلى عصره والى العصر الذي ما زال يمكث فيه العديد منا، خاصة من الذين ما زالوا يطمحون إلى الدخول في مرحلة الحداثة.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 05:26 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    التحديث في بلداننا مشروط بالتحويل الجذري للبنيات

    هل يمكن تأسيس الديمقراطية والحداثة في ظل التبعية للأجنبي وفي إطار تفشي الجهل والأمية والفقر ؟ وهل الديمقراطية نموذج كلي وعالمي ولا يراعي الخصوصيات الثقافية والتاريخية ؟ ما هو الطريق الصحيح الذي سيفضي بنا إلي ترسيخ مجتمعات الوفرة الاقتصادية والتحديث العلمي، والعقلنة كمنطلقات أولي للشروع في بناء الانسان الجديد ؟ تلك هي بعض القضايا التي سأحاول أن أتمعن فيها في هذا المقال.
    في مفهوم الأزمة

    تعتبر بلداننا فضاءات لتفريخ الأزمات. ومن المتعارف عليه أن ثمة فرقا بين المرور بأزمة وبين تكريس ثقافة معالجة الأزمة بأخري والدوران في فلكها.
    فالأزمة مفهوما هي عجز بنية، أو بنيات معينة سواء كانت فكرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية أو عقائدية أن تعمل. ربما يكون هذا العجز يمس جزءا عضويا من هذه البنيات أو يمسها جميعا. وهنالك من يعرّف الأزمة بأنها تنشأ عن عدم تجانس النظرية مع آليات الممارسة. وهكذا فإن الخروج من الأزمة يستدعي دراسة العلل التي أصابت البنيات ثم استبدالها ببنيات جديدة تحل محلها مما يستدعي ممارسات تتناظر وتتطابق معها. وبخلاف ذلك فإن الأزمة تبقي في مكانها لأن البنيات التي أفرزتها لم تتغير أو تغيّر. في حين أن المشكل أو العائق يختلفان تماما عن الأزمة. فالأزمة تتربع علي العرش عندما لا يطرح مجتمع ما، أو فرد ما المشكل لايجاد حلّ له، لأن المشكل كما في الرياضيات أو الفيزياء ليس نتاجا لعطب داخلي في داخل المعادلة التي تصنف وبمقتضاها نقول بأننا أمام مشكلة سهلة أومستعصية. والأدهي والأمرّ أن الأزمة تتضاعف بقوة عندما يتم انكار وجود خلل عام في تركيبة البنيات، علما أن البنيات لا تقف بعيدة عن الأخري، وبالعكس فإنها تتبادل التأثير، وتعدي بعضها البعض في حالة مرض إحداها. وفي هذا السياق فإن عدم تحقق الديمقراطية والحداثة ببلداننا بالشكل المرغوب والمطلوب يعود أساسا إلي عدم اعتراف الوعي المسيطر في هرم الحكم، أو في المجتمع المدني أن يكون بمثابة مصدر لدق جرس الخطر والمقاومة والتصحيح معا بوجود أزمة في البنيان العام للدولة مؤسسات وثقافة ونظرية فكرية. وهكذا فإن الانتقال من بنيات متخلفة ماديا ورمزيا، وتسلطية سياسيا، وعاطلة اقتصاديا مشروط أولا وقبل كل شيء بإحداث تغيير وتحويل جذريين في البنيات ذاتها. وفي الواقع فإن بلداننا لم تفعل أي شيء من هذا القبيل. وفي الوقت نفسه فإنها لم تطرح بصراحة وأمام الملأ المشكلات التي تنتظر العمل الفردي والجماعي المتزامنين للتوصل إلي فرز أطراف معادلة تلك المشكلات، وبالتالي الانغماس بكثير من المعاناة والشجاعة لحلها ومن بعد تأتي مرحلة صياغة واستنباط أو استقراء القواعد لاتخاذها كنموذخج لحل المشكلات لحل المشابهة التي نصطدم بها في نشاطنا وعملنا دون أن يتحول ذلك النموذج إلي صنم أو سياخ. إنني أؤمن ايمانا عميقا بأن التخلف السياسي أو الفكري أو الاقتصادي الذي يتحكم في رقابنا هو نتاج لعدم مساءلتنا النقدية للبنيات العاطلة في هياكلنا الاجتماعية أو السياسية أوالدينية، أو العائلية وهلّم جرّا. وهو نتاج أيضا لذلك الفكر الانتقائي الذي يكتفي بتشخيص مكوّن واحد من مكونات البنية الكلية، ويستغرق في ترقيع ذلك المكوّن ترقيعا موسميا. هذا ما يحدث في الفكر المحافظ والجبان الذي لا يزال سيد الموقف في حياتنا. ونظرا لذلك فإن الخطوة الأولي علي طريق تجاوز هذا النمط من الفكر تتمثل في إعادة النظر في مفهوم الأزمة من جهة وتثوير السلاسل الخطابية لفكرنا. وبدون ذلك فإننا سنبقي نعيد إنتاج التخلف بأشكال مختلفة ونكرره، وبالتالي ندور في ركح مسرح تسيير الأزمة دون قلعها من جذورها بغض النظر عن الألم الذي تسببه عملية القلع. سأعطي هناك مثالا للبنية المريضة والبالية التي لم نتحل بالشجاعة لتحطيمها دفعة واحدة ألا وهي العائلة التقليدية، وتقاليد تهميش المرأة فيها وإبعادها عن المسرح الاقتصادي كمنتجة وكصاحبة قرار بخصوص حياتها وخياراتها بما في ذلك اختيارها لشريكها، وكذلك استقلالها الاقتصادي والنفسي والفكري عن الرجل. نحن نعرف بأن ما لا يقل عن ثلث المجتمع الذي يتشكل من القوة المؤهلة للعمل والذي تمثله النساء معطل ومسجون في بيت الزوجية التقليدي. كما نعرف فإن هذا الثلث يعيش عالة وهو مبعد عن ما ندعوه بالفاعلية الانتاجية الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية. و يسبب هذا الإقصاء من قبل العادات، والثقافة الذكورية نفقد عددا من المليارات سنويا، وتفرض جراء ذلك قيم الرجل، وتحدد للنساء مسبقا الممنوعات وغير الممنوعات. وجراء ذلك تعاني مجتمعاتنا من الفقر ومن تضييع فرص النهضة والتقدم.
    وفي الواقع، فإن هذه البنية العائلية التي تتحكم فيها القيم البالية تفرز بنيات اقتصادية واجتماعية منحطة. وبالتالي فإن هذه البنيات في وحدتها العضوية هي التي أفرزت ولا تزال تفرز الأزمات. إنه بدلا من توجيه ضربة قوية لها والقضاء عليها فإن التشريعات الجارية ببلداننا تتجنب إلغاء تهميش المرأة ليس فقط كظاهرة أنثوية، بل كفاعلية في الحياة بشقيها المدني والسياسي. وبسبب ذلك فإن الأزمة باقية، وأن التحويل الديمقراطي المزعوم هو مجرد شعارات لا تجد طريقها إلي الممارسة والتفعيل. ونفس الشيء يحدث علي مستويات أخري في مجتمعاتنا ورغم هذه الترددات فإن الكثير من المحسوبين علي الثقافة والفكر ببلداننا لا يترددون في التنظير للحداثة، علما أن مفهوم الحداثة لا يزال غامضا، وأن العلاقة بين الحداثة والديمقراطية أوبين الحداثة العلمانية والديمقراطية المتحررة من اسر الأيديولوجية التقليدية وسردياتها الكبري والمغلقة لم تؤصل في ثقافتنا المعاصرة. وأرغم بالقول بأن الأغلبية من مثقفينا يجهلون تماما الحداثة كمفهوم وكثقافة وكمؤسسات. وهذا ما سأنظر فيه الآن :
    العلاقة بين الحداثة
    والديمقراطية التحريرية

    يعرّف عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنر الحداثة وذلك في كتابه الذي يحمل عنوان : نتائج الحداثة بأنها تتمثل في أشكال الحياة الاجتماعية أوالتنظيم الاجتماعي الذي انبعث في أوروبا بدءا من القرن السابع عشر فصاعدا، والذي أصبح فيما بعد مؤثرا بشكل تقريبي علي المستوي العالمي .
    وبهذا يكون أنثوني غيدنر قد وضع الحداثة في إطارها الزمني والمكاني. أما الفضاء الذي امتدت إليه الحداثة الأوروبية فهو مستثني من أن يكون مشاركا في انتاجها أو حتي نشرها، بل فهو فضاء يتميز بأنه المتلقي وليس المبادر أوالمبدع. ثم يميز بين الحداثة وبين ما بعد الحداثة بأن هذه الأخيرة هي توصيف لمجتمع المعلومات والمعولماتية وللمجتمع المستهلك أوالاستهلاكي. إن ما بعد الحداثة هي أيضا المناخ، والشرط الذي أفرز بدايات ما بعد التصنيع، وما بعد الرأسمالية إلخ .. علي هذا الأساس فإن "الحداثة" Modernity محكومة بشروط التصنيع، والتعددية الحزبية والسرديات الأيدولوجية الكبري ومن هنا نجد أنثوني غيدنر يري بأن نتائج الحداثة الأوروبية هي العناصر التي تصارعت، وثارت علي نفسها لتمهد بذلك لما يتجاوز ظاهرة الحداثة، وكأنه بذلك يعيدنا إلي الدياليكتيك الذي يسير، أو لنقل، يتحرك وفقا لقانون الأطروحة والأطروحة المضادة فالتركيبة ثم إفراز أطروحة أخري تنتج نقيضها إلي ما لا نهاية. إنه بذلك يؤكد بأن الحداثة في جدليتها هي الأب الشرعي والأم الشرعية في آن واحد لظاهرة ما بعد الحداثة الأوروبية ـ الغربية. ماهي العناصر أو الأبعاد التي تشكل الحداثة في مفهومها الأوروبي ـ الغربي ؟
    من الناحية المؤسساتية يقدم أنثوني غيدنر ما يلي من الأبعاد أو العناصر : في الهرم الأعلي نجد : الرقابة، وضبط أو التحكم في المعلومات والاشراف الاجتماعي ثم يلي ذلك : الرأسمالية وتراكم الرأسمال في سياق العمل التنافسي وأسواق البضائع ومن بعد : القوة العسكرية والتحكم في وسائل العنف في سياق التصنيع الحربي وأخيرا : التصنيع الذي يحول الطبيعة، وتطوير البيئة المبدعة
    إذا كانت الحداثة كمؤسسات هي هكذا فإنها في شقها الثقافي العام المرتبط بتلك المؤسسات، والمتفاعل عضويا معها هي السمة الثقافية والفنية والفكرية لتلك المؤسسات من آداب، وميول وانتاج فني في مجال الفنون التشكيلية والمعمار والموضة، والرقص والمسرح، والصناعات الجديدة التي حولت الصناعات التقليدية تحويلا جذريا. إذا كان الحداثة هكذا مفهوما ومحتوي ومؤسسات فأين حداثتنا نحن ؟ وما هي عناصرها وملامحها ؟ إذا كانت الدولة ـ الأمة من نتائج الحداثة الأوروبية ـ الغربية، وإذا كانت الماركسية، والرأسمالية هما أيضا من عطاءات هذه الحداثة المشروطة بالزمان والمكان الأوروبيين ـ الغربيين. وإذا كانت هذه الحداثة هكذا فماذا فعلنا نحن منذ القرن السابع عشر إلي يومنا هذا ؟ بالتأكيد، فإننا استوردنا التصنيع الشكلي، ووسائل الرقابة علي المعلومات، وعلي الاشراف الاجتماعي. كما أننا استوردنا قشور الرأسمالية بدون أن يكون لنا رأسمال يتمتع بالسيادة الوطنية. كما أننا شكلنا أجهزة الأمن والعسكر، وبعض الأحزاب وفقا للشكل الذي فصلته وحددته الحداثة الأوروبية. ولكننا لم نوفر لها الخلفية الديناميكية، أو لنقل الشروط الفلسفية والعلمية وشكل الحكم التي كانت القوة التاريخية التي فجرتها وأبدعتها في أوروبا ـ الغرب. وفضلا عن ذلك فإننا بقينا طوال فترة الاستقلال، أي في مرحلة ما بعد الكولونيالية الامبراطورية نعيد انتاج شكليات وفضلات الحداثة الغربية دون أن نجدد في مضامينها وأشكالها أو نعدّل فيهما وفقا لخصوصياتنا. كما أننا بقينا أسري التأرجح بين التقليدية والمعاصرة علي نحو أساء لكليهما. وبسبب هذه التركة، وهذا التأرجح، ونقص الشجاعة المبدعة أصبحنا في الوقت الراهن الذي بدأت تتشكل فيه أبنية العولمة نتلقي ونستورد القشور كعادتنا دون أن تكون لنا المساهمة الفعلية والفاعلة في تعديل أو انتاج العناصر المشكلة للعولمة بعيدا عن منطقها الرأسمالي المسيطر والخطير. أعود مرة أخري إلي أنثوني غيدنر الذي اختلف كثيرا مع "الطريق الثالث" و"نظريته" بخصوصه. أعود إلي تعريفه للعولمة التي يحدد عناصرها في : نظام الدولة ـ الأمة، والاقتصاد الرأسمالي العالمي والنظام العسكري العالمي، والتقسيم الدولي للعمل .
    نحن والعولمة

    هذا هو الشكل الطوبوغرافي للعولمة. وهذا يعني أن بلداننا داخلة لا محالة في النظام الرأسمالي الاستغلالي المفروض عليها من الغرب دون مقاومة إلا من بعض الاتجاهات اليسارية المدجّنة، والحركات العقائدية الاسلامية الرافضة للغرب. كما أنّ بلداننا قابلة لنظام الدولة ـ الأمة. مما يعني تبخّر مشاريع الوحدة الاقليمية أو الكلية تحت مظلات الدولة الديمقراطية الاسلامية الكبري، أو الدولة العربية الموحدة والديمقراطية، أو الدولة الافريقية ـ متعددة الأعراق والديانات والهويات الثقافية.
    إنّ بلداننا لا مكان لها في النظام العسكري الدولي الراهن، والدليل علي ذلك أن النزاعات في افريقيا أوفي بقع أخري من العالم لا تتشكل في عمليات حلها سوي من الجيوش الأوروبية ـ الغربية. إن هذا يعني في المجموع الكليّ بأن بلداننا مفعول بها ضمن ما يدعي بالعولمة، وليست فاعلة فيها أري بأن هذه الوضعية الخطيرة التي نحن فيها تمثل العائق الجوهري المتعدد الذيول والتداعيات السلبية هي التي ترسخ الأزمة والتي تعرقل مسارنا المضبب والمتذبذب نحو الديمقراطية الخاصة بنا دون أن تكون نافية أو لاغية للموروث الانساني المقهور. وهي التي تحول دوننا ودون أن يكون لنا سؤالنا المتميز، وجوابنا الخاص بنا في البحث الأصيل عن عناصر حداثتنا التي لا تعيد إنتاج مؤسسات الحداثة الأوروبية ـ الغربية ولا تكون مجرد صدي، ونسخة طبق الأصل للركائز الفلسفية والفكرية والثقافية التي هي جزء لا يتجزأ من البنية الكلية لتلك الحداثة. وفي هذا يكمن رهاننا من أجل تفجير ديمقراطية متميزة يكون لها مكانها اللائق بها في المسرح العالمي الصاخب بالضوضاء.
    ارابأونلاين-بدون مؤلف-
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 05:33 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
حوار مع المفكر محمود أمين العالم (Re: osama elkhawad)


    يسود الآن الفكر السلفيّ الجامد، ولا يصلح الانغلاق على الذات

    الانفتاح على الثقافات الأخرى ضرورة، لكن من زاوية نقدية

    أجرى الحوار: سامح سامي

    محمود أمين العالم مفكر وناقد مصري كبير، تولى عدة مناصب مهمة منها، رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم، ورئيس هيئة الكتاب. عمل مدرساً مساعداً بجامعة القاهرة، وطرد منها في أزمة مارس 1954 ثّم مدرساً بجامعة أكسفورد، و كان أستاذاً مساعداً بجامعة باريس. حصل على جائزة الدولة المصرية التقديرية في الآداب لعام 1999، له عدة كتب تهتم بالنقد الأدبي، والفلسفة منها كتابه" فلسفة المصادفة". وكان لـ"شفاف الشرق الأوسط" معه هذا الحوار حول ثقافة السياسة وسياسة الثقافة وظاهرة العولمة.

    *خلال ندوة "العولمة والديمقراطية والحرب" التي نظمها معهد جوته" المركز الثقافيّ" الألمانيّ بالقاهرة سمعتك تسأل: ما هو البديل للخروج من كابوس العولمة؟ فأجابك المتحدث وهو الدكتور "جودة عبد الخالق" بكلمة واحدة هي:"الاشتراكية"، ولم أسمع تعليقك على هذه الإجابة. هل فعلاً:"الاشتراكية" قادرة على مواجهة العولمة؟

    **إن الاشتراكية قادرة على مواجهة العولمة، ولكن تطبيقها بعيد المنال، فالقضية ليست مواجهة العولمة فقط؛ لأن العولمة ظاهرة موضوعية متحققة بالفعل في الواقع، وهي سيادة النظام الرأسماليّ. القضية الآن هي التخلص من هيمنة أمريكا على العولمة، فالخطر المباشر ليس في العولمة في حد ذاتها وإنّما هيمنة الولايات المتحدة على العولمة. وتلك قضية ومعركة طويلة تحتاج إلى جهد كبير، فيجب السعى من أجل جعل العولمة ذات طابع ديمقراطيّ أيّ وجود نظام رأسماليّ ونظام اشتراكيّ ونظام وطنيّ بشكل عام، وإتاحة فرصة أكبر للشعوب في كيفية اختيار طريقها للتنمية. وأن يكون لكل دولة حقّ التضامن العالميّ مع كل دول العالم في إطار علاقات تستند إلى الديمقراطيَّة واحترام الآخر. وإذا كانت الرأسمالية تقوم على أساس الاستغلال، فالاشتراكية تقوم على إلغاء الاستغلال، وعلينا أن ندرك أن تطبيق الاشتراكية في الاتحاد السوفيتيّ كان مشوباً ببعض الأخطاء، كان به بعض النواقص. ورغم فشل الاتحاد السوفيتيّ وغيره في تطبيق الاشتراكيَّة فليس معنى هذا أن الخطأ كان في النظرية ذاتها، بدليل أن هناك دولاً اشتراكيَّة موجودة حتى الآن، رغم أنها تقلل من قيمة تجربتها مثل دولة كوبا، فلا تزال دولة اشتراكية، وفيتنام أيضاً، والأحزاب الشيوعيَّة لها وجود في كل أنحاء العالم حتى في الدول الرأسماليَّة.

    وفى روسيا، البرلمان في أيدي الشيوعيين، فلا نستطيع أن نقول إن الاشتراكية انتهت. أخيراً علينا نحن والعالم كله القضاء على هيمنة الولايات المتحدة على العولمة من أجل سيادة نوع من الديمقراطية في العلاقات الدوليَّة واحترام الاختلافات في الأنظمة وفى الفلسفات وفى الثقافات.

    العولمة والحداثة

    * من وجهة نظرك هل الحداثة هي العولمة التي يدعو إليها بعض المثقفين أم العولمة ليست هي الحداثة؟. وهل العولمة مع الحداثة أم ضدها؟. وإذا لم تكن العولمة هي الحداثة فماذا تكون؟

    **إن العولمة الآن ضد الحداثة، فالعولمة بدأت مع نشأة النظام الرأسماليّ وكانت العولمة تدعو ، قديماً، إلى العقلانية والديمقراطية واحترام الآخر، وإلى كيفية الاستفادة من التاريخ وتطويره ودفعه إلى الأمام، وإلى إقامة المجتمعات القوميَّة؛ ولكن اليوم أصبحت العولمة على العكس تماماً عن ذي قبل.

    فالرأسمالية الآن دخلت مرحلة الاحتكارات الكبرى والشركات متعددة الجنسية التي تسعى إلى الهيمنة على العالم لمصالحها، وبالتالي فالعولمة أصبحت ضد الاتجاه العقلانيّ والديمقراطيّ وضد احترام الآخر وضد الرؤية التاريخيَّة وضد الحداثة. إنّ الاتجاهات الاشتراكيَّة والاتجاهات الوطنيَّة والديمقراطيََّة هي التي تتبنى الحداثة الحقيقية الآن ، فالعولمة الآن هي مرحلة ما بعد الحداثة أيّ نقيض الحداثة.

    * في تقديرك هل الحداثة في الشعر تعنى الخروج عن المألوف؟

    **ليس كلّ خروج عن المألوف يدعى حداثة، فالحداثة تعني التجدّد المستمر وبعض الخروج عن المألوف، ولكن ليس الإبهام، فالشعر لابد أنّ يكون به بعض الغموض وبعض الخروج عن المألوف، ولكن ليس ذلك أنّ يكون مبهماً غير مفهوم؛ لأنّ هناك فرقاً بين الغموض في الإبداع وبين الإبهام.

    ما بعد نجيب محفوظ

    * البعض يقول إن الرواية العربية وصلت حد الكمال في رواية نجيب محفوظ وليس هناك " تطور" للرواية العربية بعد نجيب محفوظ فهل هذا صحيح؟

    **الرواية لا تقف عن حد. ولابد من أن تكون هناك مرحلة ما بعد نجيب محفوظ مع كلّ احترامي له. فليس هناك نهاية للتاريخ على عكس ما يقول "فوكاياما".

    وليس هناك حدود للتعبير الجماليّ ، والرؤية الإنسانيَّة لا حدود لها والحياة تتطور والتاريخ ينمو ويتطور بكلّ الصعوبات التي تواجهه. وخلال كلّ هذا تتكشف رؤية جديدة وجماليّات جديدة وأشكال فنيّة جديدة.

    * ذكرت في كتابك: "أربعون عاماً من النقد التطبيقيّ" أنّه لا يوجد إضافات نظرية حقيقيَّة في مجال النقد الأدبيّ، فلماذا هذا الضعف ولماذا لا توجد إضافات جديدة في النقد الأدبيّ العربيّ؟

    ** لابد أن نعترف أننا لا نزال نعيش على الفكر النظريّ الغربيّ في مجال النقد الأدبيّ، لهذا ليس لدينا "نظرية عربية"، ولكن في الوقت نفسه نستفيد من النظريات الغربيَّة ونحقق الإبداع على الأقل في تطبيق النظرية، وكلّ هذا حسب ظروفنا ولغتنا وثقافتنا وعندما تظهر نظرية نقدية لناقد فرنسيّ مثلاً فلا يمكن أنّ ندعى نظريته بـ"الفرنسية". ونحن حتى الآن ليس لدينا نظرية عالميَّة في النقد الأدبيّ.

    * ما هو حال الرواية العربية الآن؟

    ** في اعتقادي أنّ الرواية العربية، وخاصة في مصر من أنضج الأشكال الأدبية لأنها تعّبر بشكل إبداعيّ حقيقيّ عن التوتر والصراعات الاجتماعيَّة وعن الرؤية المستقبليَّة وتشخص تشخيصاً رائعاً لأوجه الإنسان العربيّ. وتقدم فعلاً رؤية ذات طابع فيه إحساس بالمستقبل وفيه تعميق ونقد للواقع، فالرواية العربية من أعظم الأشكال التعبيرية عن الواقع العربيّ.

    انشغلت بالفكر أكثر

    * لماذا انقطعت عن النقد الأدبيّ، خاصة في مجال الرواية والقصة القصيرة وانشغلت بالفكر؟‍

    ** أنا لم انقطع عن النقد الأدبيّ، بالطبع انقطعت من 1959 إلى 1964؛ لأني كنت في السجن، وقد أعطى السجن ليّ فرصة للتأمل والتفكير. أمّا بالنسبة لانشغالى بالفكر أكثر من الأدب، فكان سببه انشغالى بالصحافة؛ لأني أدرت "أخبار الأدب" و"أخبار اليوم" ثم المسرح وهيئة الكتاب وعملت أيضاً بدار الهلال، فانشغلت بالجانب الفكريّ أكثر من الجانب الأدبيّ. و عندما سافرت للخارج للتدريس في جامعة أكسفورد أو في جامعة باريس طلبوا أنّ أدرس مادة الفكر، فغلب الهّم الفكريّ والصحفيّ. ولكن أحياناً أكتب في مجال النقد الأدبيّ.

    * تعرفنا على حال الرواية العربية، فما هو حال النقد الأدبيّ، وما أهم الصعوبات التي تواجه النقد الأدبيّ في مصر؟‍

    ** كما قلت لك إن حال النقد الأدبيّ، لا يزال يعتمد على الفكر النظريّ الغربيّ.

    ولكن أهم الصعوبات التي تواجه النقد الأدبيّ في رأيي انعدام الحوار الثقافيّ، وعدم التواصل مع الحضارات الأخرى؛ لأنّ الدولة تحتكر أغلب الصحف والمجلات. واعتقد أنّه عندما ينمو الإنتاج الصناعيّ ويزدهر الاقتصاد فسوف ينمو الإنتاج الإبداعيّ خاصة أن التنمية الثقافيَّة تتأتى من قلب التنميَّة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة.

    تحول المثقف المصريّ

    * في الثلاثين عاماً الأخيرة لوحظ تحولات المثقفين المصريين عن انتمائهم لتياراتهم فانتقلوا إلى تيارات أخرى مناقضة، فلماذا هذا التحول الجذريّ من جانب بعض المثقفين؟‍

    ** لا نستطيع أن نعمّم ذلك، فهؤلاء قلة، وأسباب تحولات هؤلاء المثقفين ترجع إلى اعتقادهم بأنّ فشل التجارب إنّما يرجع إلى فشل النظرية، وهذا ليس صحيحاً. تفشل تجربة ما – مثل انهيار الاتحاد السوفيتيّ- لكن تبقى النظرية صحيحة كما قلت لك. أو يرجع إلى إنهم اقتنعوا من تلقاء أنفسهم بعدم صحة تياراتهم.

    ثقافتنا الذاتية

    *ما تعليقك على عبارة "الغزو الثقافيّ" ؟ وهل تعتقد بوجود "غزو ثقافيّ" ؟.‍

    ** أنا ضد مفهوم "الغزو الثقافيّ"؛ لأنّ السماء الآن مفتوحة. والمهم الآن كيف نقّيم الثقافات الآتية لنا من الخارج وكيف نستفيد منها وكيف ننمي الروح النقدية تجاهها، وكيف نطّور ثقافتنا حيث ندخل في حوار مع الثقافات الأخرى، وللأسف لا يتاح لنا هذه الفرصة لانعدام الديمقراطيَّة الحقيقيَّة، ولعدم وجود حوار اجتماعيّ بناء، ولانعدام حرية التعبير الحقيقيَّة، فالحريات محدودة بما يتفق مع السلطة بشكل عام. ولكن عندما يسود الفكر العقلانيّ، وتنمو روح الحوار فهذا يجعل ثقافتنا قوية ونقدية. والآن للأسف يسود الفكر السلفيّ الجامد. والرد على هذه التيارات لا يكون بالانغلاق على الذات، وإنّما بتنمية ثقافتنا الذاتيَّة. ولابد أيضاً أن تعرف ثقافة "عدوك" حتى تعرف كيف وفيما يفكر، وهذا يتم عن طريق الفكر العقلانيّ أو حتى الفكر الدينيّ العقلانيّ وليس السلفيّ الذي يريد إرجاع الأفكار الماضويَّة إلى الحاضر بل والمستقبل. ويجب التعرف على الأفكار الأخرى وإبرازها من زاوية نقدية.

    رفض العقلانية

    * في تصورك ما أهم المشكلات التي تعيق حركة الثقافة المصرية؟.

    ** من أهم تحديات الثقافة المصرية ثقافة العولمة، وتيار ما بعد الحداثة ورفض العقلانيَّة، ومحاولة التشكيك في رؤية التاريخ، وانعدام الديمقراطيَّة. ولابد لمواجهة ذلك من خلق حوار ديمقراطي، وألا يقتصر هذا الحوار على النخبة فقط، فلابد أن يكون هذا الحوار على جميع المستويات. وأخيراً تنمية المجتمع المدنيّ.

    * عندما قامت ثورة1952 كنت على خلاف معها ولكنك غيّرت رأيك فلماذا، ولماذا ساءت العلاقة بينك وبين عبد الناصر حتى تم اعتقالك الشهير عام1959؟، ولماذا هاجمت مشروع النقطة الرابعة؟.

    ** في بداية الأمر، كنا نظن أنّ عبد الناصر يقف ضد الإنجليز مع أمريكا، خاصة أنه أخذ معونة من أمريكا، والنقطة الرابعة هي معونة سياسية، وكان المشروع الأمريكي المسمى بـ"النقطة الرابعة" سيئ السمعة شعبياً في الدول التي تكافح ضد الاستعمار.

    من ناحية أخرى كنا نحن أيضاً على خطأ في تقييم عبد الناصر حتى رأيناه يتجه إلى باندونج وإلى التصنيع. وعندما قامت الوحدة بين مصر وسوريا، كنا مع الوحدة، ولكن اختلفنا مع عبد الناصر على شكل وأسلوب قيام هذه الوحدة. وقلنا لكل دولة سواء مصر أو سوريا خصوصية، فلابد من احترام خصوصية كل دولة، فمصر تعتمد على النيل في الزراعة، أما سوريا فزراعتها تعتمد على سقوط الأمطار، ومصر صناعتها يومئذ كانت متقدمة قليلاً عن سوريا التي كانت تعتمد على صناعة ما يسمى بـ "الشركات الخماسيَّة"، وقلنا لابد مراعاة هذه الاختلافات عند إقامة وحدة بينهما، طبعاً هذا بخلاف الثقافة والعادات والتقاليد.

    قلنا يومها لعبد الناصر نحن معك في الوحدة؛ لكن ينبغى أن تكون هناك ديمقراطيَّة واحترام لخصوصيات كلّ دولة، فاعتبرنا عبد الناصر أعداءً للوحدة، ودخلنا السجن عام1959. وعندما فشلت الوحدة بين مصر وسوريا، خرجت من السجن عام 1964. هذه هي أسباب الخلاف مع عبد الناصر ودخولي السجن، وخروجي من السجن.

    * بعد خروجك من السجن كانت أمنيتك المفضلة هي أنّ يتم بناء الاشتراكية في الوطن كله، فهل مازالت بناء الاشتراكية أمنيتك حتى الآن؟

    ** الاشتراكيَّة أمنيتي حتى الآن، ولكنها بعيدة حالياً؛ لأنّ الظروف نفسها تغيرت. فأتمنى الآن أنّ ُتبنى قاعدة واسعة من الديمقراطيَّة وأنّ تقوم وحدة عربيَّة تقوم على أساس فيدرالي أو كونفدرالي. وندخل مجال الصناعة ونهتم بها. هذا ما يجعلنا في استقلال عن الغرب ويجعل علاقات القوة بيننا وبين إسرائيل في اتزان، وعلاقة القوة ليست بالسلاح فقط؛ ولكن بالصناعة والاقتصاد، فإسرائيل دولة صناعية ونحن دولة الصناعة فيها سطحية وللأسف مازلنا نعتمد على الآخرين.

    ولابد للعالم العربيّ أنّ يدخل مجال الصناعة الثقيلة التقليدية جنباً إلى جنب مع الصناعات الحديثة، وهي الصناعات المعلوماتيَّة حتى نصبح كتلة موحدة صناعياً في العالم، نضغط بقوة على قوى العدوان وحتى نواجه الهيمنة الأمريكيَّة على العولمة. وأن نسهم في بناء حرية التنوع والاختلاف وحرية التعبير، إذ نحن لا نطمع إلى استعمار الآخرين، وبذلك سنكون كتلة حضارية سلمية. وهذا ممكن.

    أنا ضد التطبيع

    *أثار التطبيع مع إسرائيل جدلاً واسعاً بين المثقفين، خاصة أن بعض المثقفين الكبار يدعون للتطبيع مع إسرائيل، فهل أنت شخصياً موافق على التطبيع مع إسرائيل؟

    ** أنا ضد التطبيع مع إسرائيل من جانبنا؛ لأنّي أعتقد أن التطبيع أولاً يتم بين الفلسطينيين والإسرائيليين فهم يتعايشون مع بعضهم البعض وداخل أرض واحدة. نحن والعرب نرفض التطبيع مع إسرائيل حتى تعترف بحقوق الشعب الفلسطينيّ وتقر حقّ إعادة اللاجئين إلى أراضيهم وتعويضهم. ونحن مطالبون بهذا الموقف من أجل دعم المفاوض الفلسطينيّ حتى يحصل على حقوقه كاملة. أما إذا كان بعض المثقفين يدعون إلى التطبيع مع إسرائيل، ففي رأيي أن الشعب المصريّ كله رافض التطبيع مع إسرائيل الآن.

    * لماذا تأخرت جائزة الدولة التقديرية لك؟

    ** الحقيقة أنا مشاغب جداً فكانوا يحجبون عنيّ الجائزة ولكن بعد هذا العمر الطويل وجدوا أنّه يكفي ذلك فأعطوني الجائزة على أيّ حال أشكرهم. والجائزة الحقيقية هي حب وتقدير القراء ليّ. وأن أكون راضياً عن نفسيّ.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 05:38 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
ثقافة الظل تخلخل سلطة الحداثة (Re: osama elkhawad)

    الفكر الشمولي يمركز فلسفة القوة

    ونقد الحداثة يفتتها ويفتحها على التعددية

    علي ديوب

    يمثل الفكر الشمولي وطأة على الآخر، من طرف، وعلى الذات،من طرف ثان- إذ يشكل تعذيبا خفيا على هذه الأخيرة (الذات) حين تتحمل،مختارة،أعباء النيابة عن الآخر، و مسؤولية الاضطلاع بكل شيء (الفلسفة، العلم، التاريخ، الدين، الجمال، و حتى العلوم الدقيقة) اضطلاعاً مهووسا بالوضوح و التنظيم و الحصر و الضبط و الاختزال و التعيين، و متطيرا من المجهول و المخبوء و الخفي و المختلف (الجديد، بعامة). الأمر الذي يبعد هذا الفكر/ الوهم عن الاتساق الداخلي، مع الذات، و يقربه أكثر من ميدان العنف و القوة و الاستبداد، خارج فضاء التسامح، و الاعتراف بالآخر، و تقبّل نسبية المعرفة.

    سمة أخرى تطبع الفكر الشمولي، و تتجلى بجعله المثقف- مثقفه- مشروعاً سلطوياً، مكتفياً بذاته. بل وفائضاً عنها، يحتاجه الجميع، ولا يحتاج أحداً. الجميع في نقص، وهو في كمال؛ وعلى هذا ينبغي على الآخرين أن يذعنوا له- بالقياس على إذعانه هو لسلطته الشمولية- بأن يوافقوا على أفكاره، و يتطابقوا مع تصوراته. أما بالنسبة إلى العالم فعليه أن يتشكل على مقاس فكرته المسبقة عنه؛ وإلا فالعالم في ظلمة، و الإنسان في جاهلية.. و يتحمل، بذلك، صاحب الفكر الشمولي مسؤولية مزدوجة، تتمثل في تحوله إلى مستبد مسكين، يثير الشفقة، حين يغدو هو نفسه الخالق و صاحب الرأي الأوحد في الخلق. أي أنه يجمع عناصر الخطاب كافة: المرسل، و المرسل إليه، و الرسول، و.. الرسالة ضمناً! مذكراً بقول ابن الفارض:

    إلي رسولا كنت مني مرسلا
    وذاتي بآياتي علي استدلت

    و الفارق بين انعكاس هذه الصورة المكتملة/ الاستغنائية/ الاكتفائية، في الفكر الصوفي، الذي حاول الانتصار بها على النقص و الغربة؛ باستحضار الكمال المطلق- من غير أن يفرضها فرضاً، أو يعممها بالقوة- و بين انعكاسها في الفكر الشمولي، الذي توهم الانتصار على النقص و الغربة، (حين لعب دور مربي ومنظم ومنسق الحقائق - جلادها)؛ الفارق إذن، يتحدد بدرجة و حجم الاعتداء الذي يوقعه هذا الأخير على حركة حياة و تطور البشر، قياساً إلى مثيله عند الأول. ولا يغير في النتيجة نوع الدوافع أو النوايا أو الأسباب التي قد يستند إليها الفكر المستبد، والتي قد تأخذ غالباً طابع الهداية، التي تصطدم ب"جهل البشر لمصلحتهم!"؛ وعليه فهي (الدوافع و النوايا) تنزع- عسفاً و تجبراً- لهدفي التغيير و التخليص: تغيير العالم، و تخليص البشر. و مع اكتشاف استحالة تغيير العالم بالرغبات، ومع العنت الذي يلقاه ذلك النزوع من عناد البشر، يأخذ الهدفان (التغيير و التخليص) سبيلهما الحتمي نحو العنف.

    المعرفة الكلية سلطة كلية- و البقاء للأقوى

    مما سبق يمكن أن نقرأ حاجة المثقف الشمولي إلى سلطة قوية، تستوحي أفكاره، و تطبقها- استيحاءً تاماً، و تطبيقاً حرفياً- فتعوضه عن إحساسه بالعجز المحكم- وهي حاجة تأخذ شكل و محتوى الضرورة. لكن، و نظرا للتوتر الشديد الذي يحكم علاقة الطرفين (المثقف والسلطة)؛ وهو توتر تقع فيه مصلحة الأقوى في المقدمة، فإن قدراً، غير يسير، من التحوير والانتقائية سيطال الفكرة، حال تطبيقها. و لأن المقال هنا يقتضي التركيز، فإن مقتضى القول يلزمنا غض الطرف عن عدد كبير- من عدد لا محدود- من شبكة المؤثرات و العلاقات و الخيارات التي تحكم هذه العلاقة- كما هو حال أية علاقة- لنقف على اللحظة الأخيرة التي تضع طرفها الأول( المثقف الشمولي) أمام خيارين: عقد نوع من القران مع القوة، أو قطع كل الصلات معها؛ و لأن الخيار الأخير يحكم عليه بالتهميش، فإنه يختار الأول. و الاعتبارات كثيرة: الزواج شر لا بد منه.. أو الاستجابة ل"النعم التاريخية"- بتعبير صادق جلال العظم- أو الخيانة الحتمية للفكرة، حال تطبيقها، خير من الاحتفاظ بها (دفنها) في عتم الرأس،أو طيّ غبار الكتب.. أو..!

    و ما يشبه النتيجة هنا أنه تتشكل أمامنا علاقة من حدين: تابع ومتبوع، يقتصر دور التابع فيها، على الاستجابة لإملاءات المتبوع. فيحذف من العلاقة عنصر التناقض، ويزول الاختلاف، و تخمد شعلة التوتر؛ لنقف على علاقة أحادية الاتجاه. تتجسد في حالة سكونية، تجد تعبيرها في حركة ذات اتجاه واحد: إملاء- استجابة.

    من جانب آخر، و فيما يخص العلاقة التي تربط المثقف الشمولي بالفكر، من الداخل، فإنها تمثل إعادة إنتاج علاقة السلطة به: تبقي، أو تستحدث ما يؤكدها، يثبتها، يحميها، و يحقق لها مطلق السيطرة والديمومة. وكما أن السلطة الشمولية لا تجرؤ على التعايش مع قوانين لا تصرح لها بالتحكم الكلي، و بالتالي لا تجرؤ على الاعتراف بها- كقوانين في صالح الفئات الأخرى- كذلك تبدو على غرارها علاقة المثقف بالمفاهيم التي لا تتطابق مع أفكاره، ومع منطلقاته/ مطلقاته الأيديولوجية، إذ يبذل جل طاقاته في الحذف و التحديد و التحريم: يقصي و يثبت، يغيب و يرسخ، يسكت و يعلن.. لا سؤال يمكنه أن يحرج نفسه بطرحه، إلا إذا كانت إجابته جاهزة لديه، سلفاً. ولا بحث يجريه إلا إذا كانت نتائجه حاضرة، عنده، مسبقاً. مساره دائرة، بدايتها معلومة وكذا نهايتها: فكرة- واقع- فكرة. و: نقطة، انتهى؛ أما المجهول فضلال بضلال، لابد من محاربته باليد، أو باللسان، أو بالقلب..أو بالتجاهل، وهذا أشد الخوف!

    و لإن كنا وقفنا كلامنا على المثقف الشمولي، بالتخصيص، فإن هناك من يذهب أبعد معتبراً أن "الاعتقادات والمسلمات الأيديولوجية تغدو عند الإنسان ( على وجه التعميم) معياراً وحيداً يحكم على أساسه كل شيء ويسقط مقولاتها قسرا على الواقع".(1).

    الخصوصية ضد الخصوصية

    لا يزال فكر النخبة متماهياً بفكرة السلطة. و الخطاب التحديثي العربي تحركه، حتى الآن، فكرة المستبد العادل. وعلى هذا، مثلاً، تبدو العلمانية بضاعة غربية، لا تصلح لنا- إذ "لا كنيسة تحكم عندنا ولا أكليروس"، (2)- و توصم العقلانية، كذلك، بأنها بدعة.. و يسود الزعم بأن الديمقراطية "منافسة للخالق (وهو هنا السلطة الشمولية) في سوس العباد". مع أنها عملية يحدد مجالها في علاقات البشر البينية. و تغدو الحرية معصية للخالق/ الحاكم- سواء أكان ميتافيزيقياً، مفارقاً، أو كان محايثاً، ملاصقاً. و..على كل حال نحن في حل من هذه الأباطيل كلها؛ إذ الحق بيننا يحل، و فينا يسكن. فما حاجتنا إلى صورة مزيفة تغوينا و تضللنا؟!
    على أن علاقة الداخل بالخارج تقوم على جدلية، يكون القول الفصل فيها لدور الداخل، و طبيعة استجابته- كما يرى د.طيب تيزيني(3). ولو صحّ أن الانطواء على الذات يحمي الخصوصية، ويرسخ الموروث، ويصون الأصالة.. لما كنا اليوم أمام ثقافات أوربية متعددة، ومتنوعة. تأسست على الحرية، و زادها التفاعل و التواصل و التثاقف خصوبة.
    ولكن هذه الأفكار المحفوظة، التي تنطلق، من مزاعم الخصوصية، و تتمسك بها، تجد كبير تأييد و تشجيع من لدن الثقافة المركزية في الغرب (لا الثقافة الغربية على وجه الإطلاق). ف "الأصالة و الخصوصية، و أخواتهما، تدخل في عداد العبارات المهذبة، التي يتم خلعها علينا، كي تؤكد بضع صفات، يختزلنا الغرب بها - جهلاً أو وعياً- تحمل معاني عدم أهليتنا لتمثّل و تجسيد قيم الحداثة، التي يخص نفسه بها، على نحو ينسف مصداقيتها، كقيم علمية و علمانية، تمثل عصب التطور. إن الثقافة المهيمنة، اليوم، في الغرب تدأب لترسيخ مثل هذه الأضاليل في العقول، لتأبيد استئثارها بقيم العصر، لحفظ الفارق الحضاري بينها وبين باقي الشعوب التي لا ترقى، ويجب ألا ترقى (؟) إلى مستوى قيم مثل حقوق الإنسان، و الديمقراطية وما يرافقها من ممارسات. أو يتخلق عنها من قيم اكثر جدوى. فإذا لزم الأمر شيئاً من التواضع الكاذب، و الخداع، زيّن الغرب لنا بضاعتنا على أنها شيء أفضل بكثير من قيم العصر، و أن السائد في حياتنا من الأصالات أرقى بما لا يقاس.(4).
    الخصوصية التي تعزف لحنها ثقافة الحداثة، بسلطتها الراهنة، هي خصوصية تستخدم لتأبيد حال الضعفاء. و ذلك من خلال تزيين هذا الحال- بعجره وبجره- في عيون أصحابه؛ و ليس الاعتراف بمناطق الجمال والتميز والمغايرة فيه.

    ولقد بررت هذه المعزوفة المكشوفة، لخطاب الحداثة، جرائم عديدة أطلقت عليها تسميات زاهية مضللة- من مثل "تعميم الديمقراطية"، "تعليم الديمقراطية"، "إخماد الحرائق"، "الدفاع عن العالم الحر"، "الدفاع عن حقوق الانسان"..؛ لكن أي إنسان؟؛ إنه حصراً ذلك المخلوق الحداثي بالفطرة!

    و يتناغم مع هذه المعزوفة من يحق وصفهم ب "مرضى الخصوصية" من مثقفي الشعوب المتخلفة؛ إعفاءً للنفس من المشاركة الفاعلة في نشاطات الفكر الانساني، والمساهمة في نتاجات الحضارة البشرية القائمة. و ذلك بذرائع الخوف على الذات من الذوبان، وضرورة التحصن من الغزو الثقافي. كما لو أن الاحتماء بين جدران المنازل كفيل بحماية الذات من تأثير الثقافات الأخرى. وقد أصبحت الحضارة السائدة هي حضارة الجميع. فلأول مرة، في التاريخ، يتم اختراق الحصون، و إلغاء المسافات، و تجاوز الزمن التقليدي، بصورة تجعل من الحياد نوعاً من الموت؛ و من الوجود الإنساني ضرباً من السجن، خارج عملية التشارك و التفاعل المتبادل: فإما منتج ومستهلك معاً، و إما مستهلك، فقط، هالك في المعنى الدقيق للكلمة.

    يكاد الخوف على الخصوصية أن يكون خصوصية الضعيف، الذي يكشف عن خواء في القيمة، بالقدر الذي يلح فيه بالاعلان عن خصوصيته؛ لكأن الخوف على الخصوصية هو خصوصية من لا يمتلك خصوصية ذات أهمية!

    الى أولئك المثقفين الذين يحجمون عن المشاركة في الفكر الانساني ما بعد الحداثي، أو "النقد حداثي" اذا شئنا؛ وحجتهم المعلنة هي خصوصية شعوبهم، التي لم تدخل بعد في عتبة الحداثة، يوجه علي حرب نقده بأن موقفهم هذا هو سبب، أو واحد من أسباب، هذه النتيجة/ الحالة ( = عدم الدخول في عتبة الحداثة). أما الذي عني منهم بنقد الحداثة فقد كشف عن تناقض في عمقها، عبر فضح ممارساتها، وبنائها المعرفي. فتجاوز من لا يزال يعلق عليها كل أمل، و يؤمن بها دواء لكل داء، و وصفة سحرية لكل معضلة.

    ثقافة البحث عن خصم

    ولعل قراءة ل "نهاية التاريخ" التي بشر بها فوكوياما ، في كتابه الموسوم بهذه العبارة/ البشارة، تفك العقدة الأيديولوجية التي تشكل منطلقها وسداها. وتفكك الوهم الذي تنطوي عليه. لتكشف أنها تصلح مقدمة لشقيقها وندّها "صراع الحضارات" الكتاب الذي وضعه هنتنغتون، في الفترة نفسها، و نال كلاهما عظيم شهرة.

    ففي حين يعلن الأول وصول حركة تطور البشر إلى النموذج الأرقى، بحيث لم يعد هناك حاجة للبحث عن حلول لأزمات النظام الرأسمالي من خارجه، ينبه الثاني إلى الخطر الجديد المسلط على، و المحدق بهذه الحضارة الأرقى. و المحدد بالخطرين الإسلامي والكونفشيوسي!

    ولكن هل يعني هذا، في العمق، اعترافاً من هنتنغتون بأن أحد هذين الخطرين،أو كليهما، يمثل تهديداً جدياً لحضارته الأخطبوطية؛ أم انه- على الأرجح- يهدف إلى إسباغ صفات معينة على بنيتي الثقافتين الشرقيتين هاتين.. صفات ثابتة، ناجمة عن "خصوصية" تتحدد بتعذر حلول نظم التقدم وأنساق الفكر المتحرر فيهما، باعتبارهما ثقافتان معاديتان للتحضر بطبيعتهما؟ وهذا نوع من البحث عن خصم، يرمي إلى اعتبار هذا الشعب أو ذاك (بحسب الحاجة) عقبة، أو العقبة الأخيرة، في طريق هيمنة واستتباب عولمة ( ليبرالية أميركية) تبنت تحرير العالم..؛ على

    أن تحرير العالم لا يكون بغير إتاحة المجال أمام كافة الشعوب للاستفادة من ثمرات الفكر الإنساني. الأمر الذي لا يجب، ولا يمكن، أن يظل، ولا أن يكون، من نصيب شعب واحد..؛ ومع ذلك فإن أطروحة هنتنغتون لا تأخذ قوتها من داخلها، بقدر ما نسهم نحن بتسويقها، عبر الفكر المنكفىء على خوفه، أو ذاك المنعم بأوهام القبور، وما بعد القبور( مقابلا للحداثة، وما بعد الحداثة!!)، الذي يؤكد خصوصياتنا على تلك الصورة المعممة..؛ حتى أن القاريء قد يصاب ب"عارض الحذر"جراء تعاظم التحذيرات من خطر تطبيق المناهج والحلول التي طبقها الغير (الآخر) في حيز ما، وفي فترة تاريخية ما، دون الإشارة، بالمقابل، إلى أشكال الإفادة التي تتم اليوم، أو تم تحصيلها سابقا، من تجارب البشر في تصريف هذه المفاهيم، و استثمارها.

    إنه مرض الانطواء على عنصرية متمركزة على ذاتها، متنابذة مع الغير. و هو مرض لا يختص به عرق دون سواه، أو ينحصر في عصر من العصور. لكأن الفارق بين عدوانية فرد القبيلة البدائية، تجاه أفراد القبائل الأخرى( و التي كانت تجد مبررها في اختلاف اللغة، أو الزي- كما يذكر شتراوس في كتابه العرق و التاريخ)، و بين عدوانية مواطن الدولة الحديثة، تجاه أبناء الشعوب الأخرى، اليوم( و التي تستند إلى مبررات جديدة- مثل الاختلاف الثقافي)، هو فارق في الدرجة، و ليس في الكيف.

    ثقافة الظل تخلخل سلطة الحداثة
    لا خير يرتجى، إذن، من التعصب في أمر أو شأن أو نمط عيش أو مذهب تفكير. و لعل أفضل المناهج التي ابتكرتها عبقرية الإنسان، هي تلك المنفتحة على سواها؛ و قد تكون تلك القراءات التي تنزع من الانحباس في أي المناهج الجاهزة- بما فيها تلك التي ابتكرتها هي- أكثر غنى. فالعلاقة الجدلية بين الفكر و المنهج، هي علاقة حركة و سكون. فمن حيث يسعى المنهج إلى وضع القاعدة/ القانون، تنزع الحركة إلى هدم هذه القاعدة، وخرق هذا القانون. ولهذا فإن التعامل مع الحياة، بطرق القولبة المسبقة والأفكار الجاهزة، يولد نتائج غير مرجوة دائما. بل نتائج أكثر مأساوية كما يذهب علي حرب، في القول بأن: "التعامل مع المعنى بصورة ماهوية و مفارقة، أو مع الحقيقة بصورة أحادية و تطابقية يفضي، على الأرض، إلى الفشل والإحباط، أو يترجم إلى عنف وإرهاب".(5).

    و لأن الرغبة في الاعتراف هي محور و محرك الصراع في تاريخ البشر- بحسب هيغل. و لما كان الاعتراف يتحصل، سابقاً، بالقوة المجردة، و هو اليوم يتحصل عن طريق المعرفة؛ و ذلك مع تحول مفهوم السلطة من القوى المجردة (التي كان يقف الجيش على رأسها) إلى القوى الرمزية، التي تحتل المعرفة بينها المرتبة الأولى- كما يذهب ألفين توفلر، في كتابه تحول السلطة(6)؛ إلا أن المعرفة،هي الأخرى، راحت تحمل شحنات القوة (التسلط والعنف..الخ) بذاتها، أي دون وسيط. و بدورها اكتسبت قيمة "الاعتراف" وظيفة مختلفة، ولدت دلالة جديدة له، كشفتها القراءة الحديثة الحية،التي لم تعد تجد في الاعتراف هدفا بذاته بقر ما تنظر إليه بوصفه "ضرورة لشرعية ممارسة السلطة (…) وابتكار السيطرة، يقتضي إبعاد و إقصاء و سحق كل ما من شأنه إضعاف سطوة هذا النزوع إلى الاحتكار".(7).

    فمذ راح العصر الحديث يشهد تصالحا بين طبقتين،ظلتا على تناقض، إلى أن أوجدت المسيطرة بينهما(الرأسمالية) أسباب ووسائل نزع الفتيل، مستفيدة من تجارب التاريخ؛ وأيضا من قدرتها على تجديد دمائها، عبر صيانة كافية لعربة البروليتاريا، و ليس بالضرورة عبر إخضاعها بالعنف السافر..؛ مذاك، إذن، بدأت حركة فكرية نقدية جريئة، حتى الوقاحة، تمد مجساتها إلى كل مناطق نفوذ الحداثة، بما فيها الأكثر استقراراً و استتباباً.. لتعمل فيها، عبر الفكر النقدي، حفراً ونبشاً في الأعماق، وكشفاً في المهمشات والمقصيات.. تفكك المنطوق عن مسكوتاته- إذا صح القول- و تستكشف المجاهيل المستورة خلف الحجب المصمته، و تنقب في القول عن مهملاته؛ بل تنقب أيضاً وسط الضوء الساطع للمناطق المنارة بأشعة العقل، حيث الخديعة يسترها الوضوح البالغ، ويلغيها الحضور، وتحميها البديهة.. يماثل ذلك- على ضفة الواقع- الإنسان المهمش، الفئات المقصية، و الجماعات المحجورة.. و ما الى ذلك مما لفظته أمواج الحداثة العتية إلى الشط، مطروداً بفعل حركة- مشرعنة- لقانونها الصارم والعنيف.

    في هذه الحركة الفكرية التي يأخذ اشتغالها بالنقد السمة الأميز- إن لم تكن السمة الوحيدة- إذ كادت ترهن شغلها و تحصر جهدها في نقد ثقافة الحداثة، و خلخلة ثوابتها القارة.. حتى أنها استمدت منها اسمها ( ما بعد الحداثة)؛ في هذه الحركة تمكن الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو من شغل موقع مميز و مؤثر، كان من علاماته الأبرز اكتشاف ثقافة ظل أطلق عليها مصطلح "المعرفة المضطهدة"، تنتجها فئات بشرية عديدة، تتلقى الآثار الضارة لتكنولوجيا السلطة الحديثة. و تدخل في عداد هذه الفئات- كما يعدد- سجناء المشافي النفسية، الممرضون، الجانحون، المراقبون، ضحايا وحراس معسكرات الاعتقال، السود، اللواطيون، النساء، الساحرات، المشعوذون، المشردون، و الأطفال..الخ. مما أكسبه شهرة ربما فاقت معظم مفكري هذا التيار.

    و بواسطة أداة (وظيفة) الحفر (النبش) راح فوكو يفكك مفهوم السلطة المعقد، لأول مرة، ويدعو إلى مقاومته، و الظفر ب "حق جديد متحرر" لا من أشكال الانضباط، وحسب، بل وأيضا من "مبدأ السيادة".(.

    و رغم اعتبار الخصوم لهذه النقطة( التحرر من مبدأ السيادة)، و لأساسها المعرفي، و مهادها النظري، أي التفكيك، من المآخذ التي تكفي لأن ننسب ما بعد الحداثة، نفسها، إلى قائمة النهايات( الموت) التي أعلنتها بخصوص المفاهيم ( موت الأيديولوجيا، موت المثقف، موت المؤلف..الخ)، إلا أن ما بعد الحداثة، وحدها، تضطلع بالاشتغال النقدي، بكل اتجاه، و بكل جرأة. الأمر الذي يجعل من موضوعة المعرفة/ السيطرة موضوعة على غاية من الخطورة و الأهمية، في سيرورة الحداثة. بل و ربما تكون الموضوعة الحاسمة، أو لحظة النهاية في الموت الذي ينتظرها، في الدرجات الأولى لسلم القرن الجديد.

    في ما يخص تناقض الحداثة، بين دافعي "إرادة المعرفة" و "ارادة السيطرة"، يركز محمد نور أفاية نقده على ذلك التناقض الذي يحكم علاقة البعدين التقني و المدني (السياسي)، بالبعد السيكولوجي الذي شرع للفردانية، و قيم الشخص الفرد بوصفه كائنا يحوز عقلا مستقلا، و ما يكشف عنه (التناقض) من "صراع بين نزوع الفرد نحو الحرية المطلقة وبين الحصار المحكم الذي تضربه حوله الحضارة الحديثة ذات النسيج المتين المترابط المهيمن الراسخ"(9)؛ و ذلك بعد أن يكشف زيف ادعاء الحداثة باحاطتها بكل الموضوعات، تفسيرا ونقداً و تعريفاً..الخ.

    من هنا تتجلى ثقافة ما بعد الحداثة بصورة تفتح آفاقا انسانية أرحب أمام الخصوصية، بما تحمله (الثقافة) من مفاهيم تتأسس على حق التعدد، و حرية الاختلاف؛ و تنتعش بالتسامح- بما هو اعتراف بالآخر، عبر الطلاق مع مبدأ احتكار الحقيقة؛ و اطلاق ملكة النقد من كل قيد؛ بما في ذلك قيد منتجها (العقل)، و عبر التنازل عن عرش السيادة على حقوق الآخر، الروحية والمادية، و الخضوع و الاحتكام الى عقد التفاهم بين البشر، وحرية الحوار، واختيار أساليب العيش و التعايش..؛ وهي حقوق من دونها لا تستقيم علاقات البشر، ولا تغتني بمعانيها الانسانية، ودلالاتها الأنبل؛ وبالتالي تلغى تلك الجماليات الناعمة لدى الضعفاء (خصوصياتهم)، وتجعل الحياة تأخذ لونا واحدا هو لون القوة.

    الهوامش:

    (1) خالد غزال: في سجال الأسس الفلسفية للعلمانية، الحياة، 23/9/1996.

    (2) محمد عابد الجابري: المشروع القومي العربي، محاضرة في الأسبوع الثقافي الثاني لقسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية الذي أقامته كلية الآداب بجامعة دمشق 1995.

    (3) طيب تيزيني: الصراع مع التراث في الفكر العربي المعاصر، الأسبوع الفلسفة (1995).

    (4) صادق جلال العظم: حوار منشور في جريدة السفير البيروتية، 11/10/1996.

    (5) علي حرب: أوهام الموضوعية وسبات الحداثة، الحياة 2/9/1996.

    (6) ألفين توفلر: تحول السلطة، ترجمة حافظ الجمالي وأسعد صقر، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1991.

    (7) علي مصباح: الحداثة المخذولة، مجلة المدى، العدد23، السنة الرابعة 1996.

    ( هبرماس: القول الفلسفي للحداثة، وزارة الثقافة السورية، دمشق 1995، ص428.

    (9)محمد نور الدين أفاية،الحياة17/1/1996.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 05:42 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الحداثة حين يربكها اضطراب المصطلح:في توطين دريدا؟؟؟؟؟ (Re: osama elkhawad)





    يختتم عبدالله الغذامي أحدث كتبه "حكاية الحداثة" بالعبارة هذه: ... ومن هنا فإننا لسنا أمام نهاية للحداثة بقدر ما نحن على مشارف عصر "ما بعد الحداثة" (ص 28. سوف أعود الى هذا المقطع الذي يحمل مصطلحين مهمين جداً لاحقاً. هنا أود التذكير أولاً أن الغذامي يعتبر واحداً من أكبر النقاد العرب في الوقت الراهن وله مجموعة كتب ومحاضرات ومقالات وقد حصد جوائز عدة... والاختـلاف معـه أمر وارد, وعندما يتعلق الأمر بالمصطلحات والمفاهيم التي يستخدمها في نصـوصـه نقـع في مشـكلة. سننظر هنا في بعض المصطلحات التي استخدمها الغذامي منذ كتابه المعروف "الخطيئة والتكفير".

    ويعطي الغذامي مصطلح دريدا المعروف بالتفكيك (La dژconstruction) التقويض كما يسميه الدكتور البازعي) اسماً مختلفاً هو التشريح وقد أنتقده البازعي في فهمه هذا المصطلح. ويقدم الغذامي هذا المصطلح على انه التشريح المنتهي بإعادة البناء. حجة الغذامي هي أنه يطبق التشريحية كما طورها وطبقها بارت في كتابه S/Zعندما درس قصة "سارازين" لبلزاك.

    يقول في كتاب الخطيئة والتكفير: ولقد أميل إلى نهج بارت التشريحي لأنه لا يشغل نفسه بمنطق النص (وهو شيء لا يعني الدارس الأدبي بحال), ولأنه يعمد إلى تشريح النص لا لنقضه ولكن لبنائه, وهذا هدف يسمو بصاحبه إلى درجة محبة النص والتداخل معه بكل تأكيد. وأنعم به من هدف (ص 87).

    القول بالميل تجاه نهج بارت يعني أن هناك نهجاً آخر يود الابتعاد عنه وهو التفكيك أو التقويض المتواصل الذي ليست فيه إعادة بناء والذي يشغـل نفسـه بالتمركز المنطقـي في النص ونقضه وهو هنا نهج دريدا. يبين ذلك من جهة وينقضه من جهة أخرى وفي الوقت نفسه كلام الغذامي في الكتاب نفسه: "والتشريحية تعتمد على بـلاغيات النص لتنفذ منها إلى منطقياته فتنقضها, وبذا يقضي القارئ على "التمركز المنطقي" في النص كما هو هدف دريدا. ولكن الغـرض أخيـراً ليـس الهـدم, ولكنه إعـادة البـناء - وإن بـدا ذلك غريبـاً كما يـقـول دي مان (ص 5.

    ويقرر الغذامي هنا أن نهج دريدا هو القضاء على التمركز المنطقي للنص ولكنه يضيف بأن الهدف من ذلك ليس الهدم وإنما إعادة البناء. من كلام الغذامي نفهم أن نهج دريدا ونهج بارت لا يختلفان, فهدفهما ليس الهدم وإنما إعادة البناء, وهذا يجعلنا نطرح السؤال البسيط: لماذا تميل باتجاه بارت طالما انك تقر بأن هدف دريدا لا يختلف عن هدف بارت ؟ الواقع أن الفقرات التي تبين اضطراب الغذامي أمام هذا المصطلح متكررة. منها ما ينقله بتصرف عن ليتش فيقول: "كل قراءة تشريحية هي نفسها مفتوحة للتشريح ولا يمكن أي قراءة أن تكون نهائية... ولكنها مادة جديدة للمشرحة" (ص 57) ثم يضيف عن ليتش أيضاً الذي يلخص أفكار بارت: "يتمثل النص في التحول اللامحدود للمدلولات من خلال التحرك الحر للدال الذي يفلت بطاقة لا تحد, ولذا فهو غير قابل للانغلاق أو التمركز". (ص 62).

    كلام الغذامي المنقول عن ليتش في تلخيص أفكار بارت يناقض قوله بإعادة البناء. إن إعادة البناء تعني التمركز, إيقاف المعنى وقتل تعدديته التي يجب أن يحملها النص والتي يقدمها بارت على فكرة إعطاء معنى محدد للنص: "إن تأويل (بالمعنى الذي يعطيه نيتشه لهذه الكلمة) نص لا يعني إعطاءه معنى وإنما تقييم من أي تعددية تمت صياغته (S/Z ص 11), ثم يضيف بعد ذلك: "القراءة لا تعني بناء حقيقة" (S/Z ص 16). ويجب ألا نتجاوز إشارته إلى تأويلية (Lصinterprژtation) نيتشه بالذات. كان بارت يسعى إلى اللانهائية, والعدمية وهذا شيء لا ينكره. بل ذهب في تفكيكه لقصة بلزاك الى درجة تفكيك بلزاك نفسه, وذلك بإظهار أن النص لم يكن صوته لوحده. لم أجد لدى بارت ما يدل على إعادة البناء (ترى ماذا كان يفعل النقاد قبل دريدا وبارت أمام النص إذا كان الموضوع عند هـؤلاء مجـرد تشـريـح يهـدف إلى إعـادة البناء؟).

    الأثر La trace

    هذا مصطلح يرتبك أمامه الغذامي أيضاً. في كتاب الخطيئة والتكفير يقول: و"الأثر" هو القيمة الجمالية التي تجري وراءها كل النصوص ويتصيدها كل قراء الأدب وأحسبه هو "سحر البيان" الذي أشار إليه القول النبوي الشريف" (ص 53). ثم يقول بعد ذلك مباشرة: "والأثر هو التشكيل الناتج عن الكتابة, وذلك عندما تتصدر الإشارة الجملة...". (ص 53) ثم يضيف: "ومن هنا جاء دريدا ليقدم "الأثر" كبديل لإشارة سوسير. وهو يطرحه كلغز غير قابل للتحجيم, ولكنه ينبثق من قلب النص كقوة تتشكل بها الكتابة.

    ويصير "الأثر" وحدة نظرية في فكرة "النحوية", ترتكز على الفكرة بكل طاقاتها, ومن خلاله تنتعش الكتابة, وإن كان سحراً لا يدرك بحس, ولكنه يتحرك من اعمق أعماق النص متسرباً من داخل مغاوره ليشغل طاقاته بالفاعليات الملتهبة, مؤثراً بذلك على كل ما حوله من دون أن تستطيع يد مسه..." (ص 54). سحر البيان, بديل إشارة سوسير, التشيكل الناتج عن الكتابة, قوة تتشكل بها الكتابة.... أشعر بأن الغذامي ينقل كلاماً فقط من دون فهمه, وهذا يقود حتماً إلى تدمير المصطلح عندما يريد تطبيقه. وهذا ما حدث في كتابه "ثقافة الأسئلة" حين يتحدث عن قصيدة درويش "عابرون في كلام عابر" فيقول: "ومن هنا فإن الأمر بأفعاله الخمسة هو صاحب السيادة والسلطان وهو صانع الأثر ومحدث الفعل والانفعال ولذا سادت أفعال الأمر في سائر مقاطع النص... ومن شأن فعل الأمر أن يجعل الفاعل مفعولاً به..." حتى ينتهي الغذامي إلى القول: "وهذا هو المدخل الذي به نستطيع قراءة قصيدة درويش هذه من حيث ما أحدثته من اثر على الإسرائيليين الذين بادروا إلى ترجمة القصيدة... فثارت بعد ذلك ثائرة الإسرائيليين".

    ثم يضيف: "ولقد ذكرت هذه المعلومات لأنها تصور لنا "الأثر" الذي فعله هذا النص, وهو اثر انفعالي تساوت فيه درجات الانفعال من حيث بلوغها أقصى الغايات لدى كل المستقبلين, وذلك على رغم اختلاف الترجمات..." (ثقافة الأسئلة 72 - 73). ثم يضيف: "لا يجوز لنا أبداً أن نحكم على قصيدة محمود درويش هذه من خلال ترجمتنا لها, ولكن الحكم ينطلق من خلال (أثرها) في نفس متلقيها" (ص 7. ببحثه عن وقع النص في النفس والذي كان يعتقد انه هو الأثر دمر الغذامي مصطلح الأثر (La trace) مما يعنيه هذا المصطلح هو: البقايا من علامات سابقة. يتحدث دريدا عن عدم تشكل المعنى بذاته وأنه عبارة عن جزء من آثار تحيل دائماً إلى آخر. هذه الإحالات الدائمة وكما يوحي مصطلح الأثر تدل على الغياب في الوقت الذي تدل على الحضور بسبب ما بقي من الغائب. فأين هذا من الانفعال والأثر في النفس...؟

    حداثة أم ما بعد حداثة؟

    نعود إلى الفقرة التي بدأنا بها كلامنا والتي يسبقها رد الغذامي على من قال بنهاية الحداثة حيث نجد: "... لا يمكن أمراً كأمر الحداثة أن ينتهي في أي مجتمع كان, مهما بلغت محافظة المجتمع ومهما صار من انكسارات, فالأمر أخطر واعمق من ذلك بكثير, وليس للحداثة أن تنتهي, ومن المحال افتراض ذلك أو تصوره". (ص 285).

    لكن الغذامي لا يتردد في القول بعد ذلك بقليل وبعد أن يبرر كلامه بشواهد من الحداثة (كما يعتقد): "ومن هنا, فإننا لسنا أمام نهاية للحداثة بقدر ما نحن على مشارف عصر "ما بعد الحداثة" حيث الفسيفساء الاجتماعية وحيث التعدد والتجاور وحيث الكشف والإفصاح. وهذه مؤشرات لمرحلة ما بعد الحداثة, وهذا ما أرى أننا على مشارفه". (ص 28. أولاً, اعترف أنني لا أستطيع أن افهم كيف يستحيل أن تنتهي الحداثة وفي الوقت نفسه نقول بأننا على مشارف عصر جديد هو ما بعد الحداثة والذي نعرف أنه مناقض للحداثة ويحاول تدمير مرتكزاتها؟ ثانياً يعتبر الغذامي الكشف والإفصاح من مؤشرات ما بعد الحداثة وهنا لا اعرف من أين استقى ذلك. إن الكشف والإفصاح ليس لهما علاقة نهائياً بما بعد الحداثة وإنما هي مفاهيم حداثية.

    أما مفاهيم أو مصطلحات ما بعد الحداثة التي أتت لتقضي على الحداثة فهي مثل: الغموض وضياع الجوهر وغير الحاسم والتشظي وزعزعة العقل.... ونذكر كيف قيّم بارت الفكرة التي كانت سائدة في فرنسا عن وضـوح اللغة الفرنسية. وأكثر من ذلك, يعرف من يقرأ دريدا وبارت وفوكو... باللغة الفرنسية مقدار الصعوبة في تحديد ما يريدون قـوله والخـروج مـن الغموض الذي يسيـطر على أساليـبهم. ثالثاً حكى الغذامي حكاية الحداثة وقدم كتابه "الخطيئة والتكفير" عـلى أنـه كان المنعطـف فـي تـاريخ الحركة وفي أبعادها (حكاية الحداثة ص 176) في الثمانينات.

    لكن ما يلفت إنتباهي هنا هو أن غالبية المصطلحات التي استخدمها الغذامي في تـلك الفترة ونثرها في كتابـه الخطيئة والتكفير مثل: لا نهائية القراءة, نقض التمركز المنطقي, التشتيت, الاختلاف... ليست لها علاقة بالحداثة وإنما هي مصطلحـات ما بعد الحداثة كما يعرف الجميع. الدكتور الغذامي يقدم لنا مفاهيم الحداثة (الكشف والإفصاح) على أنها مفاهيم ما بعد الحداثة وقبل ذلك قدم مفاهيم ما بعد الحداثة (الاختلاف والتشتت....) أثناء تزعمه لموجة الحداثة في الثمانينات. هل كان الدكتور الغذامي يدافع عن الحداثة في الثمانينات مستخدماً مصطلحات تنقضها من أساسها؟

    فحل الفحول

    كتب الغذامي كتابة المعروف (النقد الثقافي) وتحدث فيه عن فحل الفحول في الثقافة العربية قاصداً بذلك الشخصية المتفردة ذات الأنا المتضخمة النافية للآخر وهي شخصية تسربت من الخطاب الشعري إلى بقية الخطابات كما يقول (انظر النقد الثقافي ص 94). سأهتم هنا بربط فكرتين وردتا في كتابه "حكاية الحداثة". الأولى تدور حول أحكامه على مثقفين مثل سعيد السريحي وهو كما قدمه, "نفعي تصوراته محكومة بالفردية", والبازعي "رجعي يخاف التفاعل الثقافي", ومحمد رضا نصر الله والشباب معه يتصيدون الأخطاء... الثانية نجدها في لقاء ملحق "ثقافة اليوم" معه (الرياض 21/12/1424 هـ العدد 13016) حيث يقول: "بعد حرب الخليج الثانية تغيّر الخطاب الثقافي كله ولم يعد سؤال الحداثة مطروحاً على مستوى الخصومات والرفض واستقر أمر الحداثة". ويقول في كتابه باستقرار الحداثة وعدم قابلية انتهائها (كما رأينا وانظر ص 284 وما بعدها). الرموز الثقافية التي يسميها حداثية كلها أخطاء ومع ذلك استقر أمر الحداثة لدرجة الوصول إلى مشارف ما بعد الحداثة.

    والسؤال: من أسس الحداثة وأقّر أمرها إذاً؟ كتاب الغذامي يقول أنه فعل ذلك وحده. ما نفهمه من كتاب الغذامي أنه الفاعل الوحيد, البطل الواقف في وجه السيل الجارف من النقد والمؤامرات من الخصوم وخيبات الأمل في الأصدقاء. نحن أمام شخصية متمركزة حول ذاتها Egocentrique بطريقة مرعبة لدرجة أنها لا تحكي لنا حكاية من ضمن حكايات بل تحكي الحكاية, والآخرون يقدمون تحت بند: من اتفق معي فهو صادق صدوق خارج النسق, ومن خالفني ففيه خطأ ويتـصـرف بتأثير من النسق.

    السنا هنا أمام شخصية فحل الفحول؟ هل تريدون معرفة كيف تشعرن الغذامي؟ حسناً. يقول الشاعر عبدالله الصيخان إنه عندما كان محرراً متعاوناً مع مجلة "اليمامة" كان الغذامي يراسل صحيفة الرياض, لنشر قصائده, بمعنى انه كان يطرح نفسه كشاعر (الوطن السعودية العدد 1251 في 3 آذار/ مارس 2004)... هل نفهم من هذا أن شخصية الفحل تسربت من قصائد الغذامي الشاعر لترتكز في خطابه النقدي وحكاياته من دون أن يدري؟

    محمد صالح الغامدي - الحياة - 15.03.2004
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 06:09 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
إشكالية الحداثة في عالم ما بعد الحداثة!خالد الحسيني (Re: osama elkhawad)


    يحاول هذا البحث المتواضع إعادة التفكير مرة أخرى في أسئلة محرقة، ما فتئت تتكرر في عدد كبير من الدراسات والمقالات، التي اهتمت بالفكر الغربي الحديث/المعاصر وهي:

    ما الحداثة وما بعد الحداثة؟

    إن إعادة تكرار هذه الأسئلة، لا يعني اجترار ما قيل، وإنما محاولة اجتراح وفتح كوة في بعض مهمشها، واستجلاء مغيبها، وقبل التسلل إلى افتضاض سراديب هذه القارة المعتمة، يبدو أنه من الأحرى الإماءة إلى أن ظهور الحداثة كسؤال فكري، وكمشروع حضاري ضخم، مرتبط ارتباطا أنطولوجيا بالفكر الغربي، وتعبيرا صادقا عن قيمه وتصوراته، وعن موقعه من مفهوم الزمن والمكان والإنسان، كما تعتبر الحداثة نبتة طبيعية أينعت في تربة خصبة مخصصة، ليست دخيلة عليها، الشيء الذي أعطاها شرعية أو مشروعية قوية، لكونها لصيقة بدينامية المجتمع الغربي الحديث التاريخية منذ تشكيله إلى مرحلتنا الراهنة.

    في ظني، قبل أن نلج إلى عتبة السمات العامة التي تميز هذا المشروع الحضاري أو هذا النموذج الكوني كما يحلو للبعض تسميته، لا بد من الارتكاز على القرن 15 الأوروبي، قرن بوادر وإرهاصات الحداثة في أوروبا الغربية. وكما نعلم، فإن للحداثة تواريخها وجغرافياتها، مثلما أن لها سيلانها الخاص، فقد بزغت بذرتها الأولى في إيطاليا، خاصة في عصر النهضة، حيث وقعت ثورة كوبرنيكية في شتى المجالات، وفي كل مظاهر الفنون والآداب والعلوم، وواكبت أحداث تاريخية هامة كالاكتشافات الجغرافية، والإصلاح الديني، كما قامت حركة النهضة باستعادة فكر اليونان وفكر روما القديمة.

    بفضل دينامية الحداثة المتزايدة، وطبيعتها التوسعية بوتيرة سريعة، فدرست إلى كل من فرنسا وألمانيا وإنجلترا، من خلال هذا السيلان الكثيف للحداثة في أوروبا الغربية، أخذت تدريجيا تكتسب بعدا كونيا، وتتخذ بالتالي صورة حداثة مرجعية.

    ولم تشرع الحداثة الغربية في تلمس الوعي بذاتها، إلا بعد انقضاء ما يقارب ثلاث قرون على انطلاق ديناميتها في أوروبا الغربية، أي ابتداء من القرن 18 الأوروبي، الذي عرف بعصر الأنوار أو التنوير، عصر انتصار قيم الحرية والعدالة والديموقراطية والانفتاح أي عصر انتصار الفكر الفلسفي الحر الذي يحاول جادا تعرية واستبانت تهافت المؤسسة الكنسية وتقويض وتفكيك أخلاقيات الميتافيزيقا وما تحمله في طياتها من أساطير وخرافات التي تكبل تفكير الإنسان الأوروبي وتقيد عقله، فنادت فلسفة الأنوار بإعطاء الأولوية القصوى للعقل حيث يقول كانط مجيبا على سؤال ما الأنوار: "إن معنى الأنوار خروج الإنسان من تبعيته وإمعيته، أي أن يملك الإنسان شجاعة استخدام عقله بنفسه"

    وبالقيام بنقد لاذع لكل الأشياء والظواهر والمؤسسات والمفاهيم، وبإخضاع كل هذه الموضوعات لمحك العقل، لأنه سيد العالم حسب هيجل، غير أن فلسفة الأنوار لم تكتف بالإيمان بقدرة العقل على اختراق الحدود التي فرضتها المؤسسة الكنسية والهيمنة اللاهوتية، بل تعترف له بقوته على تنظيم الحياة، ولم تعز مهمة النقد لهذا العقل بصورة عشوائية واعتباطية بل كان "كانط" يرى أنه "يتعين على كل شيء أن يخضع لمحك النقد" إلى درجة أن هناك من اعتبر هذا القرن "قرن النقد".

    هذا النقد ارتبط بحركة دينية وفلسفية شاملة، ابتدأت في أوروبا عامة وفرنسا خاصة، وهذا لا يعني أنها كانت منحصرة على الفلاسفة فقط، مصطلح فلسفة الأنوار، إنما يعني في العمق انبعاث الروح النقدية والتجديدية من رماد العصور الوسطى، تلك الروح التي شملت المقالات الفكرية الفلسفية والتآليف الموسوعية والإبداعات الشعرية الأدبية التي عملت بالشعار الكانطي القائل:

    "لنتسلح بالشجاعة الكافية حتى يعمل كل واحد منا عقله في كل ما هو مدعو إلى بحثه".

    وقد استدعى هذا المطلب من بعض المفكرين الاعتماد على النقد والمحاكمة، وعلى تحرير العقل من الأوهام والأساطير، وهكذا وجدنا "فولتير" يصيح صيحة مزمجرة في وجه الكنيسة ويدعو إلى التمرد عليها، مبلورا مفهوما أو منظومة فكرية سياسية تقوم على مفهوم الحرية، وعلى نفس الخطى نجد "روسو" في كتابه "العقد الاجتماعي" يدعو إلى المساواة و"هيوم" في إنجلترا يدعو إلى التسامح.

    على الرغم من القيم التي غرسها فلاسفة الأنوار بخصوص التحرر والمواطنة والمساواة والديموقراطية وحقوق الإنسان فضلا عن تكريس مقاييس العقل والعلم والنقد، فقد قام الفكر الفلسفي الغربي بتغييب كل الكلمات الإنسانية الطبيعية الأخرى من أهواء وخيال لاعتباره لها مصدرا للخطأ وعنصرا مشوشا على المعرفة الحقة والذي أضحى بتعبير "باسكال" مجنون المسكن أو مجرد أفكار غامضة كما هو الأمر عند "ديكارت".

    من هنا يبدو أن مبدأ العقلانية أضحى البؤرة المحورية والمركز لفلسفة الأنوار وبموازاة مع ذلك ذهب "هيجل" إلى حد تأليه العقل، إن إشكالية الحداثة وما بعد الحداثة أضحت اليوم قطب الرحى في الفكر الغربي المعاصر، كما أفضت إلى نقاشات وجدالات لا تخلو في بعض الأحيان من الاصطدامية والحدة وتارة أخرى تتسم بالهدوء ورباطة الجأش، وتتمحور هذه الجدالات حول تساؤلات ملحاحة منها أولا ما معنى الحداثة وما بعد الحداثة؟ وهل من الممكن وضع تعريف لمفهوم الحداثة أو إعطاء جواب عن سؤالها؟ وهل فعلا انتقلنا من عصر الحداثة إلى عصر ما بعد الحداثة؟ فهل بمقدورنا تحديد الظروف والعوامل التي قادتها إلى هذا التحول؟ وكيف تعاملت الحداثة وغفل الحداثة مع القضايا الكبرى كالإنسان والزمن والطبيعة؟ والمتأمل لهذه الأسئلة يلاحظ أنه بإزاء مشاكل خلافية يصعب حلها فالمفكر الأمريكي "ريتشارد رورتي" يلحق الحداثة بفكر ديكارت القرنان 16 و17 الميلاديان، والمفكر الألماني "يورغان هابرماس" بربطها بعصر الأنوار القرن 18، أما، الناقد الأدبي الأمريكي" فريدريك جامسون" يحدد تاريخ ميلادها في النصف الأول من هذا القرن.

    وإذا كان هذا الأمر يدل على شيء فإنما يدل على التباس مفهوم الحداثة واضطراب معناه وانفراط فحواه، بديهي أن طرح سؤال الحداثة لصيق بتاريخ الأفكار الغربية إلى درجة أن هناك من يعتبر الحداثة مرادفة لفكر الغربي، وتعبيرا بشكل جلي عن قيمه وتصوراته، وعن موقفه من العديد من القضايا الحساسة المحيطة به، فغموض مفهوم الحداثة يؤثر على دلالة مفهوم ما بعد الحداثة، فيرد هذا المفهوم غامضا رخويا علاميا بسبب استناده إلى الحداثة وانبنائه عليها. إذن تبقى ظهور فكرة الحداثة كمفهوم عائم وفضفاض "ترفض كل تعريف أي كل تحديد" وكمشروع ضخم مرتبط ارتباطا وثيقا بالسياق الثقافي للغرب أي بالعقلانية الغربية بحيث لا ينظر إلى تجارب الآخرين إلا صورة مستنسخة لنماذج الغرب، مما جعل الحداثة عبارة عن نموذج كوني لا يعمل الآخرون إلا على إعادة إنتاج عناصره، فالتحديث مع التغريب كما يقال.

    فاقترنت الحداثة بالتجليات الأساسية لانتصار العقل الأداتي وسلطته مما أدى إلى الشطط في استعمال العقل والدعوة إلى حياة ميالة إلى التجريد ونافية كل ما من شأنه أن يذكرها بالرغبات الجسدية والنوازع الطبيعية، الشيء الذي أدى بالحداثة إلى ولوج مرحلة الأزمة والتوتر. ويرى "هنري لوفيفر" أن الحداثة لا يمكن أن نواصل مسيرتها بدون أزمات، لأنها تختزن في ثناياها احتمالات الأزمة، وتبدو وكأنها عناصر مؤسسة للحداثة، وهذا ما يفسر كون الفكر الغربي عاد في المرحلة الثانية إلى مرحلة ما تسمى بمرحلة المراجعة والتصحيح إلى إخضاع المطلقات السابقة للنقد، فمارست النقد الذاتي حتى تستطيع تصحيح المسار وتثبيت الأصول، والسير بالفكر الحداثي إلى طريق النجاة. وقد طرح "ألان تورين" "الحداثة كمخرج من الحداثة التي انكشفت عن أزمات كبرى". حيث همشت الجسد فاعتبرته ثانويا وهامشيا مما أدى إلى الانغلاق على الذات والانكماش عليها وإقصاء الغير، هكذا نشأت نرجسية العقل الغربي التواقة إلى إرادة السيطرة وإرادة القوة، بل إن الرغبة الجامحة والجارفة إلى الهيمنة تقوده وتوجهه مع عدم امتلاك الشجاعة الكاملة للإعلان أن لا وجود لعقل شامل.

    وبالنسبة للمقاربات النقدية التي توجه إلى الحداثة ما هي في الواقع إلا محاولة لتكريس مشروع الحداثة ذاته بسبب انغلاقها على ذاتها وعدم فتحها أفاقا لدى مشروع آخر محتمل، وحتى تستطيع أن تنعم بالديمومة والاستمرارية وأن تبقى معاصرة contemporaine كما يقول "بودريار".

    نجد "هابرماس" حين أقدم على نقد الحداثة باعتبارها لم تستغل كل إمكانياتها استغلالا تاما فإنه يقر بأن الحداثة "مشروع لم يكتمل بعد" فإنه تجدد مستمر وسيرورة لا متناهية. ونلاحظ كذلك "أودماركفارد" يذوذ عن الحداثة بقوة حيث يرى أنه عندما ندعو إلى ترك الحداثة فإننا ندعو إلى ترك مكتسبات عصر الأنوار ومن هنا يقول كفانا من الخطابات الترهيبية والمأتمية، ويحث على المحافظة على مكتسبات عصر التنوير بتنبيه "نظرية التوازنات الاجتماعية" والتي يمكن أن نطلق عليها "نظرية التعويض" بمعنى أن التوازن والتكافؤ والتقليص من حدة الصراع بين الأطراف مبدأ الحكم من العلاقة بين النزاعات الفلسفية في كل عصر.

    هكذا يرى "أود ماركفارد" في عصرنا الحديث الممتد من القرن 18 إلى اليوم، نموذج عصر التوازن وتجسيد النظرية التعويض، من هنا يتضح بجلاء أن التيارات التي أخضعت الحداثة للنقد بهدف الحد من الأزمة والتوتر قد نجحت إلى حد ما من رد الاعتبار للحداثة.

    لكن هناك الإخوان "بومة"، "غرنوت وهارتموت بومة" قد وقفا موقفا وسطا فشبها الحداثة بالعملة إذ هي ذات وجهين متعارضين: وجه إيجابي ووجه سلبي، فالوجه الأول يتجلى في ظهور العقلانية وسيادة قيمها في جل مظاهر الحياة العصرية، وأما الوجه الثاني فيتمثل في تهميش كل ما يمس بصلة بالرغبات الجسدية والأهواء والخيال والمتخيل والنوازع الطبيعية. هكذا تبقى الأزمة مطروحة وبإلحاح "ستظل تستمر وتتعمق وتنتشر كما أن عناصر جديدة ستحاول الدخول في خضمها وتعديلها، وفي النهاية فإن حقبة أخرى ستبدأ مع القرن 21".

    ولهذا السبب برز في تاريخ الأفكار الغربية مفهوم ما بعد الحداثة عند المؤرخ البريطاني "توينبي" 1959 فجعله يدل على علاقات ثلاث ميزت الفكر والمجتمع الغربيين بعد منتصف هذا القرن وهي:

    اللاعقلانية والفوضوية والتشويش. وبعد ذلك نقل هذا المصطلح إلى مجالات متعددة كمجال العمارة والرقص والمسرح والتصوير والسينما والموسيقى ومجال النقد الأدبي للتأسيس على تسطح الحركة الحداثية، وهكذا يأتي هذا المفهوم غامضا فضفاضا بسبب استناده إلى مفهوم الحداثة وبسبب توظيفه وإطلاقه على أمور متناقضة إلى الحد الذي يصير معه فاقدا للمعنى ومستغلقا بكيفية مضاعفة، أكثر من ذلك ترك السؤال مطروحا بإلحاح حول عصر ظهور ما بعد الحداثة وأماراتها معلقا، إلى درجة أن هناك من رفض حتى القول بمجيء عصر ما بعد الحداثة، ومنه من قال بتحققه على مسرح التاريخ.

    فنجد الناقد "جامسون" يصف ادعاء ما بعد الحداثة بالنظرة الفصامية تجاه المكان والزمان، التي أفرزتها هيمنة القوى الرأسمالية المتعددة الجنسيات المستشرية في أعماق الحياة المعاصرة. كما نجد "هابرماس ينحو نفس المنحى فيعتبر عصر ما بعد الحداثة ردة فعل محافظة ويائسة ضد التنوير.

    هذا لا ينفي أن هناك من دافع عن عصر ما بعد الحداثة كما هو الحال مع "جان فرنسو ليوتار"، الذي اعتبر هذا العصر نهاية النظريات أو "الحكايات الكبرى" أي موت المذاهب الكبرى التي تتخذ شكل منظومات مستغلقة أو متقوقعة في شرنقتها نموذجها الإيديولوجيات الكبرى، تفسر الواقع تفسيرا توتاليتاريا.

    كما نجد ثلة من الفلاسفة يعرفون بفلاسفة الاختلاف أو فلاسفة الصوت أمثال: "ميشيل فوكو" و"جاك دريدا" و"جيل دولوز" تتلخص أطروحتهم في الرفض التام لشعار التنوير واعتباره مجرد وهم ليس إلا، يدعو "فوكو" إلى تطوير أنماط جديدة من السلوك والتفكير والرغبة، أنماط تنبني على التعدد والتنوع ويتجلى هذا التصور في تفكيك "فوكو" لميكانيزمات السلطة التي اعتبرها لا نهائية.

    نلمس من خلال نصوص هذا التيار الفلسفي نزعة نحو النفي ما بعد الحداثي مثل مصطلحات: التشتيت dispersion، والتفكيك déconstruction، واللااستمرارية discontinuité، والاختلاف différence، والانفصال disjonction.

    إننا الآن أمام واقع جديد وأفكار جديدة خلفا لآخر أضحى متجاوزا ومستنفذا، أن تنتهي الحداثة أو لا تنتهي؟

    أن تكون ما بعد الحداثة أو لا تكون؟ فإن دينامية الحداثة نشأت واستمرت كحركة دينامية عصفت بكل البنيات والذهنيات العتيقة، وساهمت في إحداث نوع من القطيعة الجذرية مع كل ما هو تقليدي، ومؤدية إلى بلورة تصور جديد للعالم مختلف كليا عن التصور التقليدي، وكما نعلم فإن ما هو حديث يعطي الانطباع بأنه سيصبح قديما، كما أن للحداثة ما قبلها، سيكون لها ما بعدها وهذا ما تبينه البادئة "post" "ما بعد" التي توحي بالنجاوز والبعدية، كما نستشف من مفهوم ما بعد الحداثة تدمير للقوالب الجاهزة، وتقويض كل ما هو نمطي ونمذجي، وتجاوز لمشروع الحداثة الذي انبثق من الأزمة وشكل التشخيص العرضي لجملة من الأزمات.

    فمشروع ما بعد الحداثة يطغى عليه خطاب تهويلي جنائزي، مأتمي، فلا يكف عن القول بنهاية التاريخ وموت الإنسان الشيء الذي أدى "بوهرينجر" الفيلسوف الألماني الاستشهاد برأي أستاذه "أدلر" "إن الناس مجرد أدعياء مهولين يهرجون في سرك مريع، فإذا لم يكن بد من لعب السرك فمن المؤسف ألا يكون هذا السرك ملهاة على الأقل" تنضبط ما بعد الحداثة داخل شبكة من التسميات تتسم بالحلكة: "جان فرنسوا ليوتار" اعتبر هذا العصر نهاية لـ"الحكايات الكبرى" Meta-recits، كما تحدث "جان بودريار" عن عصر سيادة المحاكاة والنسغ الباهتة السيمولاكر simulacre، و"ليبوفسكي" عن مجتمع الفراغ و"سمارت" عن عصر الشك.

    وبالنسبة للرائز لأسلوب الكتابة الفلسفية الحديثة يجدها تحفها غلالة النسقية عكس فلسفة عصر ما بعد الحداثة التي تتسم بالميل الجارف نحو التشظي والتفتت والندرة Aphorisme والشذرة Fragment لأن هذا الضرب من الكتابة حسب "جيل دولوز" يتضمن صورة جديدة للمفكر وللفكر "كما تعبر عن الإنسان في لا استمراريته وهشاشته، وقد وظف صاحب الجنيالوجيا "فريدريك نيتشه" التشذير بشكل لافت للانتباه في جل أعماله، كما نجد البنيوي الأنتروبولوجي "كلود ليفي ستراوس" والفيلسوف "لودفيغ فيتجنشتاين" صاحب كتابي الرسالة المنطقية الفلسفية وأبحاث فلسفية نبذ فكرة النظام سالكين مسلك اللعبة، وطرحا النسق آخذين بالشذرة. فقد ذهب "فيتجنشتاين" بعيدا حين حاول تطويع اللغة في الحياة اليومية، إلى درجة اعتبار اللغة لعبة كباقي الألعاب أو مدينة أحيانا أخرى، والمتمحص في كتبه يستشف عزوفه عن إعطاء تعريف محدد لمفهوم أو توضيحا مبينا لماهية، يرمي إلى البقاء محايدا حتى لا يسقط خطابه الفلسفي في مدارات البحث عن الماهيات أو جواهر الأشياء.

    فإن توظيف أسلوب التشذير يولي الأهمية القصوى للقارئ ويعتبره بمثابة مبدع أول، لا شيء هامشي يستطيع أن يغني النص ويثريه، يتهم المباشر، ينبذ البداهات، ويقوم "بتوليد الاستعارات" كما قال نيتشه، فالنص الشذري نص منفتح ومتفتح يقطنه التنوع والتعدد، نص يفيض لوحده، نص زئبقي لا يمكن الإمساك بتلابيبه بيسر، عكس النص القديم الذي يتسم بالضم والوحدة والتناغم والتطابق والاتصال والتماثل والتشابه، وتملك الحقيقة المطلقة والمعنى الوحيد الأوحد يقول نيتشه: "يجب أن أقول أشياء كثيرة باختصار حتى أسمع أكثر" ولكن بإذن صغيرة كأذن نيتشه لا أذن حمار لأن الشذرة "بؤرة كثافة اقتصادية" أو "فكرة مكثفة" كما يقول الفيلسوف الروماني شيرون Ceron.

    عصر ما بعد الحداثة لا يحفل بالنظريات أو الحكايات الكبرى، ويتحفظ من كلية وشمولية الخطاب، ويأبه بالتشظي واللاتحديد، وإلى المعرفة لأننا أصبحنا نرزح تحت وطأة عالم ضخم من التقنية والتكنولوجية الشيء الذي أدى بالعديد من المفاهيم تتوارى وتتهاوى مثل اعتبار الطبيعة مجالا قاصرا، والجسد مرتبطا بالخطأ والخطيئة، ونفس القول يصدق على الخيال والرغبة والعواطف ما هي إلا أشياء مشوشة على العقل، الأمر الذي يبدي على الطابع الإرهابي لهذه النظريات، فانكشفت إرادة القوة التي تهيمن عليها، مما أدى إلى نبذ القول الكلي للعقل ليأخذ بكل ما له علاقة بالتجزيء والتقسيم والتنويع. تبقى ما بعد الحداثة متحققة على مسرح التاريخ أو غير متحققة، هناك أفكارا جديدا فارضة وجودها بقوة، تحت يافطة ما بعد الحداثة، كمفهوم جديد وكمشروع حضاري كوني، وكبديل حقيقي للسابق الذي ترهل كأرجل صنم نيتشه، يتسم خطاب ما بعد الحداثة بلغة مشحونة بالغرائبي والعجائبي، كما تطغى عليه ملامح كوارث الدنيا وفواجعها، يتميز هذا العصر بالأهمية التي صارت تحظى بها المعرفة في الحياة المعاصرة، والتي جعلت منها بدلا من الإنتاج المادي أي الاقتصاد، القوة الرئيسية للتطور والتقدم. حيث أصبح الاقتصاد تابع يتولى من خلاله مهمة إشباع الحاجات الجديدة للثقافة.

    الجلي هو أن ما بعد الحداثة جاءت كنفي وتجاوز لأطروحة الحداثة فقامت بتعريتها واستجلاء كل مكامن ضعفها حتى أوصلتها إلى الاحتضار فأعلنت "موت الحداثة" لإعطاء المشروعية لأطروحتها الفلسفية الغربية التي تحاول إصباغها بالصبغة الكونية، لأنها توجد في وضعية متقدمة تسمع لها بتجاوز الآخرين وتفرض عليهم بطريقة أو بأخرى ضرورة العودة إليها، والامتياح من ينابيعها الغزيرة، والاقتباس من إنجازاتها وتجاربها المتعددة والمتنوعة التي لا تنضب.

    شتان ما بين عالم يئن تحت وطأة الفاقة والحاجة، لم يحقق بعد المكتسبات البيولوجية، لا زال يكافح من أجل البقاء، وعالم يرفل في النعيم يسمى بعالم الرفاه، يحاول إعادة النظر في الإرهاب الذي مارسه على الطبيعة والبيئة والإنسان، يعي جيدا أنه يعيش مرحلة تاريخية دينامية، تتميز بتحول صاروخي، تتجه بالحضارة الإنسانية إلى الزوال والتلاشي، وبالإنسانية جمعاء إلى الفناء، وخير دليل على ذلك "الذرة" وما شابهها.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
17-10-2004, 06:14 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 7907
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
أزمة الحداثة وعودة ديونيزوس-محمد مزوز (Re: osama elkhawad)


    أمام دعاوي موت الإنسان، وانتهاء الفلسفة، وتفكيك العقل، والانتصار للاعقل، يلاحظ هابرماس، بنوع من الهدوء أنه "في العشر سنوات الأخيرة، أصبح النقد الراديكالي للعقل موضة". هذه الموضة نفسها طالت حتى هوامش الحداثة، وخاصة في الآداب؛ حيث ساد التأثر بكتابات ديريدا المستندة على البنيوية واللسانيات. وبذلك دخلنا في علاقة وحيدة الجانب مع الحداثة، نستقبل ما هو جديد وفاتن ومغر!

    أولا: من هو ديونيزوس؟

    ديونيزوس Dionysos هو إله الخمر والسكارى في الميثولوجيا الإغريقية، وهو من بين أهم الآلهة عند اليونان. كانت ولادته غريبة، كما كانت حياته بئيسة. ولد في ظروف جد معقدة، فهو ابن للإله زيوس Zeus وسيميلي Sémélé (وهذه امرأة وليست إلهة)؛ لذا كانت الولادة من الأب وليس من الأم. أخرج زيوس من أحشائه ديونيزوس الصغير، واحتفظ به في فخده لمدة ثلاثة أشهر لكي تكتمل ولادته بشكل "طبيعي". وقد أثارت ولادة ديونيزوس حقد وغيرة هيرا Hera (زوجة زيوس)، مما اضطر معه زيوس لتحويل ديونيزوس الصغير إلى بنت وسلمه إلى أثاماس Athamas وإينو Ino ليتعهداه بالرعاية والتربية. ولكن الإله الصغير لم يسلم من شر هيرا التي سلطت الجنون على أبويه بالتبني (أثاماس وإينو)، مما دفعه إلى الهجرة بعيدا حيث حوله زيوس إلى جدي –قصد التمويه على هيرا- وهناك تعهدته بعض الحوريات بالرعاية.

    عندما وصل ديونيزوس إلى سن الرشد، لاحقته لعنة هيرا فأصيب هو بدوره بالجنون، وتاه في العالم. وكان عندما يدخل إلى بلد ما، يعلِّم الناسَ طرق غرس الكروم وكيفية صنع الخمور.. استمرت رحلة ديونيزوس التراجيدية في التنقل بين مصر وسوريا واليونان ببلاد تراس Thrace، بعد تحرره من الجنون وتعلمه لأسرار الإلهة سيبل Cybèle حيث أراد أن يدخل تعاليمه (زراعة الكروم وصنع الخمور)؛ ولكنه لقي معارضة من طرف الملك ليكورغ Lycurgue حاكم منطقة تراس. وقد تمكن ليكورغ من سجن الباخانيين Les bacchantes (أتباع ديونيزوس)، وأجبر ديونيزوس على الفرار واللجوء عند ثيتس Thétis. فيما بعد استطاع ديونيزوس أن يحرر الباخانيين، ويسلط الجنون على ليكورغ؛ وحول ثراس أرضا قاحلة.. هكذا راح ديونيزوس ينشر تعاليمه في كل بلد يمر به، حتى أصبحت بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط تدين بتعاليمه. بعد ذلك اتجه ديونيزوس إلى الهند في موكب من الباخانيين، والمتعاطفين مع تعاليمه. وأثناء عودته أظهر الكثير من القوة في البلدان التي فتحها، ودانت كثيرة من الشعوب لسلطته، وتدينت بديانته. قبل أن يصعد ديونيزوس إلى الأولمب لكي يستقبل من طرف الآلهة بعد أن استعاد كامل حقوقه، نزل إلى أعماق الجحيم ليخلص أمه سيملي من العذاب ويصعد بها إلى أعالي السماوات.

    انتشرت تعاليم ديونيزوس في كل بلاد اليونان، وأصبح اسمه رمزا للقوة الحيوية التي تسري في حبات العنب وفي جميع النباتات، كما اعتبر في نفس الوقت إلها للحدائق والغابات، وكذا الماء كعنصر سائل ومصدر أولي للحياة. لقد اتخذ اسم ديونيزوس رمزا للحياة المرحة، والحفلات التي كان يحييها الباخانيون بالأهازيج؛ ونسبة إلى هؤلاء أطلق الرومان على ديونيزوس اسم: باخوس Bacchus. والأهم من هذا أن اليونان اعتبروا ديونيزوس هو الإله الحامي والمحافظ على الفنون الجميلة Les beaux-arts، وبالأخص التراجيديا والكوميديا المنحدرين من حفلاته التي كان يحييها الباخانيون.

    كانت الأعمال الفنية Les œuvres d'art تعكس صورة لديونيزوس كإله شاب، يضع على رأسه إكليلا من أغصان الكروم وعناقيد العنب().

    ديونيزوس هذا الإله الطريد، ساح في البلدان حاملا جنونه، ليعلم الناس كيفية الحفاظ على نسغ الحياة La sève de la vie التي ترمز إليها طريقة صنع الخمور. ومنذ بداية تشرده وهو صغير، دخلت آلهة اليونان في حياة مظلمة أو ما يسميه هولدرلين HöIderlin بـ"ليل الآلهة". لأن الآلهة أصبحت كائنات عاقلة ومعقولة لا تقبل بالليالي الساهرة، وترفض نسغ الحياة، وبذلك قضت على الاندفاع الحيوي l’élan vital إذا استعملنا تعبير برغسون.

    ديونيزوس الإله الشريد هو النقيض الآخر لكل الآلهة: إنه رمز للجنون واللاعقل، رمز للخمر الذي يغيب كل تفكير عقلاني ومعقلن. لهذا السبب هاجر ديونيزوس من بلاد اليونان –كرها ثم طوعا فيما بعد- ليحارب أنظمة العقل، ويحرر الشعوب المستعبدة من الولاء لقيم لا تخدم الحياة. ديونيزوس هو إله غر معترف به من طرف آلهة العقل، لأنه رمز للجنون والتهور، رمز لانحلال القيم السائدة (المثالية)، رمز للاندفاع الحيوي.. باختصار إنه رمز للحياة.

    ثانيا: ما علاقة ديونيزوس بالحداثة؟

    نيتشه Nietzsche هو الذي انتبه إلى هذا الوضع الذي كان يشغله ديونيزوس عند الإغريق، باعتباره ملهما للعبقرية اليونانية في مجال الإبداع الفني. وهو الذي انتبه أيضا إلى سيادة القيم الميتافيزيقية المضادة للحياة، والتي سيطرت على الفكر البشري لمدة طويلة تجاوزت الألفي سنة. هذه السيطرة لقيم "العقلانية" التي تعود جذورها إلى عصور سحيقة، تبدأ مع سقراط وأفلاطون، واستثمرتها المسيحية في العصور الوسطى الحديدية، حيث دخل الفكر الأوروبي في عقم نظري وسبات عميق.

    بدخول أوربا إلى العصور الحديثة دشنت عقلانية جديدة وضع أسسها ديكارت على مستوى التفكير الفلسفي، وفرانسيس بيكون على مستوى التفكير العلمي، ومفكرو الأنوار على مستوى التفكير السياسي والاجتماعي. عصر الحداثة سيغير الإنسان الأوربي من كائن ديني (إنسان القرون الوسطى)، إلى كائن عقلاني (الإنسان الحديث). والحداثة هي هذه الرغبة العنيفة التي لا تعرف حدودا، إنها الرغبة في كشف السر الذي كان معقلا للإيمان: صراع الحداثة مع العصور الوسطى هو صراع العقل ضد الإيمان. لكن المعرفة التي كانت مستهدفة من قبل الحداثة لم تكن معرفة نظرية –كما كانت عند اليونان مثلا- بل كانت معرفة عملية هدفها السيطرة على الطبيعة، وتنصيب الإنسان سيدا بعد أن كان عبدا في العصور الوسطى؛ وهكذا تم التزاوج لأول مرة في تاريخ الفكر البشري بين المعرفة والسلطة. هذا الارتباط بين المعرفة والسلطة سيؤدي حتما إلى نتائج عملية، ستؤطر السلوك والوعي عند الإنسان الغربي، وذلك ابتداء من القرن السابع عشر. في هذا القرن سيظهر أعلام العقلانية الأوروبية، وعلى رأسهم ديكارت وبيكون.

    ديكارت سيحدد معالم هذه العقلانية، ويضع لها منهجا عبارة عن خطوات يضمنها كتابه مقال في المنهج. في بداية الكتاب يعلن ديكارت أن "العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس". وإذا كان الأمر كذلك فإن العقل سيصبح هو المعيار الوحيد للحقيقة. لذا أتت القاعدة الأولى على الصيغة التالية: "لا أقبل من أحكامي إلا ما ظهر لي في وضوح وتميز أنه لا يمكن الشك فيه". ماذا يمكن أن نقرأ في هذه القاعدة؟

    "لا أقبل…"! ديكارت هو أول من علم الأوربي أن يقول: لا. فيما قبل –أي في العصور الوسطى- كان الأوربي يقول: نعم، أي الخضوع للسلطة (سلطة الإقطاع/سلطة الكنيسة/سلطة القيم..). أتى ديكارت فقال: لا! وما المنهج الذي اصطنعه –الشك المنهجي- إلا رفضا للإرث الإقطاعي –الكنسي- المسيحية.

    في نفس الفترة تقريبا ظهر في إنجلترا فرانسيس بيكون F.Bacon ليقول نفس الشيء، ولكن في مجال آخر هو مجال العلوم الطبيعية. لقد دعا بيكون إلى رفض الأوهام التي تمنع العقل من الوصول إلى الحقيقة، أي اكتشاف القوانين الفيزيائية التي تخضع لها الطبيعة والإنصات للطبيعة والخضوع لها من أجل فهمها، قصد السيطرة عليها فيما بعد حين نكتشف القوانين التي تخضع لها هي بدورها.

    باختصار دخلت أوربا إلى العصور الحديثة مسلحة بالعقل وبالعلم. فما هي النتائج التي انتهت إليها؟

    كانت العصور الحديثة تحمل بشرى تحرير الإنسان من الأوهام الوسطوية، ونصبته سيدا على الطبيعة، ورفعت شعارات: الحرية والمساواة والإخاء والعدالة…الخ. وهيمنت العقلانية على جميع الأصعدة، في العلم كما في السياسة والاقتصاد والاجتماع. وتم تحرير الإنسان من سلطة الإقطاع وسلطة الكنيسة. وتحققت الثورات السياسية، وأقيمت الأنظمة الديموقراطية. انتشرت مبادئ العلمانية، وطبقت نتائج العلم على الطبيعة فظهرت التقنية. فتحولت المادة الخام إلى بضاعة، وغزت السوق. ودارت الدورات الاقتصادية بقوة، وتراكم الرأسمال ففاضت القيمة. لم تتمكن الأسواق الداخلية من استيعاب هذه الدورات الهائلة والمتسارعة للرأسمال الأوروبي، فبدأ التفكير في البحث عن أسواق خارجية. وكانت الكشوفات الجغرافية وكذا اختراع البارود والمطبعة، قد ساهمت وسهلت هذا الاندفاع إلى الخارج بحثا عن أسباب الرواج الاقتصادي. برزت الظاهرة الاستعمارية واستعبدت شعوب أخرى من طرف الشعوب "المتحضرة" الحاملة لقيم العقلانية ومبادئ العلمانية، بل حصل النزاع الدموي والصراع العسكري بين شعوب "العقل" حول الاستحواذ والاستيلاء والنهب والاغتصاب والاحتلال. فكان الغالب والمغلوب، وكان القاهر والمقهور، ونتج عن ذلك ردود أفعال عن أزمات حادة خلفتها التطاحنات على أرض العلمانية، فبرزت الفاشية والنازية فوق أرض الحضارة، وتهاوت "قلعة العقلانية".

    لم تنس أوروبا بعد الحربين جراحها الداخلية الناتجة عن صراع أنظمتها من أجل فرض الهيمنة الوحيدة، كما لم تنس أيضا جراحها الخارجية، الناتجة عن سيل الاستقلالات الجارفة التي فرضتها حركات التحرر الوطني في المستعمرات. لهذا راحت الأنظمة تتحصن بترسانة عسكرية، وأنشأت القواعد في كل مكان، وزرعت المفاعلات النووية على طول الخارطة الأوروبية وعرضها، تحسبا للحرب في كل لحظة، وأهبة للدفاع أو الهجوم. ومع بروز المعسكر الشرقي كخصم عنيد وقوة منافسة، أصبح النظام الرأسمالي مهددا.

    أمام هذا المآل الذي وصل إليه المجتمع الغربي، برز مفكرون جدد يشككون في قيم العقلانية، ويضعونها موضع تساؤل. رأى هؤلاء المفكرون أن المآسي التي وصل إليها المجتمع الحديث نتجت عن التزاوج الذي حصل بين العقلانية والعلمانية، أي حين تم تشييد العلم على مبادئ العقل الحديث، وحين طلب من العلم أن يقدم نتائج كشوفاته هدية للتقنية والتصنيع. لقد استغل النظام الرأسمالي لمدة ثلاثة قرون نتائج العلم من أجل خدمة حركة التصنيع وإنتاج البضاعة، وأصبح الهدف الوحيد هو تسريع دورات الإنتاج، وكانت الطبقة العاملة هي كبش الفداء. لقد انعكست النتائج ضدا على المقدمات، فبدل أن يتحرر الإنسان ويصبح سيدا ظهر سيد جديد ليستعبد الإنسان، وهذا السيد الجديد هو الرأسمال. إن الرأسمالي ليس إنسانا بل هو رأسمال مشخص. هكذا قال صاحب كتاب الرأسمال.

    لم تفلح الأزمات في القضاء على النظام الرأسمالي، وكلما نزل مؤشر الرسوم البيانية إلى الحضيض منذرا بنهاية الرأسمالية وقربها من نقطة اللاعودة، بدت بوادر الانتعاش لائـحة في الأفق. كلما تعمقت الأزمة، وحصل التضخم، وتصاعدت أرقام البطالة، إلا وظهرت إصلاحات أو مشاريع للنهوض بالاقتصاد، وتقلصت أرقام البطالة، وصعد التراكم والربح من جديد. وهذه الحالة التي تميز الاقتصاد الرأسمالي، سبق أن وصفها لينين بكونها مجرد مسمار ينضاف إلى "نعش الرأسمالية".

    وبفضل السقوط والنهوض، والمراوحة والثبات، ظل اقتصاد التقنية والربح دينصورا يفرض هيبته على الجميع. حيث أصبح الإنسان بضاعة تسري عليه قوانين الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وفقد إنسانيته لينضاف كسلعة جديدة إلى سوق البيع والشراء؛ ويتحول بذلك إلى وظيفة وإلى رقم يعرف به في سوق السلع. وبحكم تراتبية السلطة أصبح خاضعا للمراقبة، منفذا للقرارات، زرا يضغط عليه لكي يرن.

    إن هذا الوضع الحديث للاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة عموما، خلق تمزقا مأساويا لدى الإنسان. حيث أصبح مفروضا عليه أن يتهافت وراء المتع (جمع متعة) التي تعرضها التقنية في كل مكان، وتمارس عليه عمليات إغراء شعورية أو لا شعورية. كل شيء يقدم على أنه متعة أولا، قبل أن يكون ضرورة: السيارة متعة، علبة السجائر متعة، القميص المعروض على الواجهة متعة، الأزهار المصففة بعناية متعة، صورة المرأة متعة.. هناك فائض في المتع! وبالمقابل هناك ندرة في الزمان، خصوصا إذا حذفنا زمان العمل، وزمان الاسترخاء، وزمان تناول الوجبات. إن الإنسان الحديث الذي وجد نفسه –بغير إرادته- أمام فائض في المتعة وندرة في الزمان، اضطر إلى تقسيم الزمان الضئيل المتبقي لديه إلى وحدات بسيطة تعد بالدقائق والثواني لكي يستغله إلى أقصى الحدود لجلب هذه المتع. لقد وجد الإنسان الحديث نفسه معرضا للإغراء من طرف المتع كقيم خلقها اقتصاد التقنية، فلم يفلح في التوفيق بين إشباعها من جهة وبين الزمان الضروري لذلك الإشباع، ما دام هو نفسه مجرد سلعة من سلع السوق.

    إن الوعي بالزمان عند الإنسان الحديث ناتج عن إغراقه بالمتع مع فقدانه لوسيلة اقتنائها، أعني الوقت الكافي لإشباع كل متعة على حدة. وأمام التعدد اللامتناهي لأنواع هذه المتع –والتي لا يتورع اقتصاد التقنية في تغيير ملامحها وأشكالها مع ابتكار أنواع جديدة- أصبح الإنسان الحديث يتهافت وراء الزيادة في العمل والاشتغال إلى أقصى حد ولو خارج عمله الرسمي من أجل ملاحقة السيل الجارف للمتع. وربما يكون هذا هو السبب في تباطؤ الزمان عندنا نحن الذين نعيش خارج الحداثة أو على هامشها، أعني أننا نعاني من فائض في الزمان مع ندرة في اقتناء المتع.

    إن ضياع الإنسان وفقدانه لإنسانيته وتحويله إلى بضاعة، حيث ينظر إليه كآلة منتجة أو مستهلكة من طرف اقتصاد الربح هو ما دفع لوكاتش إلى الحكم على الإنسان الحديث بأنه تحول إلى شيء، أي أن العلاقات الرأسمالية أسقطته في حالة التشيؤ Réification(). وحين أصبح الإنسان شيئا سقط من مستوى الكائن الاجتماعي إلى مستوى الكائن المتوحد، المنفرد()، إذ تجمدت العلاقات الاجتماعية وغاب الوجود البشري.

    أمام غياب الشرط الإنساني من العلاقات الحديثة، استشعر مفكرو ما بعد الحداثة La post-modernité ضرورة البحث عن الإنسان، ومحاولة استرجاع شرطه المفقود. وهذه الخطوة يلزم القيام بها خارج القيم السائدة –أعني خارج قيم الإنتاج والاستهلاك- وذلك من أجل الصراع ضد سلطة هذه القيم التي أضمرت إنسانية الإنسان. إمكانية استعادة الإنسان المفقود تنبني على محاربة اقتصاد الربح Economie de profit، وإقامة اقتصاد الخسارة Economie de perte؛ واستنفاذ الطاقة Consumation بدل استهلاك البضاعة Consommation. هذه هي دعوة جورج باطاي G.Bataille في ممارسة "التجربة الباطنية". إن محاربة الربح بالخسارة، والاستهلاك بالاستنفاذ، هي الطريق التي ستفضي بنا إلى اكتشاف الإنسان في "تجربته الباطنية". أعني استنفاذ المخزون الغريزي عند الإنسان، وتصريف كل الطاقات المشحونة في الجسد، وذلك بممارسة الشبقية Erotisme والسكر Ivresse والشعر والموسيقى والفن عموما.. إن التجربة الباطنية هي التي ستكشف عن جوهر الإنسان الذي توارى خلف ترسبات التشيؤ، وهذه التجربة هي التي ستكشف أيضا عن الوجود وممكنات الإنسان التي أحبطها اقتصاد الربح والاستهلاك. لذا فاستعادة الإنسان لهويته تتم بـ"السفر إلى أقصى ممكناته" «Voyage au bout des possibles de l’homme». وعند هذه الأبعاد القصوى للتجربة الداخلية ينكشف الوجود، لأن الوجود ليس في مكان ما بل ينكشف بالتجربة. إلا أن هذه التجربة ليست تجربة صوفية ولا تلتقي بها في أية نقطة بل تعارضها تماما، إذا نظرنا إلى منطق اشتغالها. فالتجربة الصوفية تقوم على اقتصاد الطاقة والحفاظ على توتر الغريزة في عمق الذات، في حين تقوم التجربة الشبقية على تصريف الطاقة واستنفاذها بطرق شتى: بالشعر، بالموسيقى، بالفن.. باختصار إن التجربة الباطنية هي دعوة إلى اعتناق تعاليم ديونزوس: ديونيزوس هو القادر على تحرير الطاقات التي أحبطها اقتصاد الربح، ونشر تعاليمه هي التي ستقف ضد العقلانية والعلمانية اللتان حولتا الإنسان إلى "ماهية ميتافيزيقية" منقطعة الصلة بالوجود.

    ثالثا: جذور الحداثة.

    هذا الانشقاق الذي فجر الإنسان إلى ماهية أو جوهر روحي من جهة وإلى جسد محتقر من جهة ثانية، يعود إلى المشروع العقلاني والعلماني الذي تأسست عليه عصور الحداثة. إن فلسفات الذات هي التي أحدثت هذا الشرخ العنيف في الإنسان، وذلك حين تشكل الوعي الحديث طبقا لمقتضيات الأنساق التي "تقول" الحقيقة وتحتويها. فالإنسان أصبح جوهرا ميتافيزيقيا أي "كوجيطو" يتقوقع داخل نسق مغلق على نفسه ولا تربطه أية علاقة بالعالم أو بالآخر. وقد يكون هذا الوعي الماهوي هو الذي خلق شعورا بالانكفاء على الذات وإيثار العزلة، التي يعاني منها إنسان الحداثة. إنها "كارثة ميتافيزيقية" تتمثل في الفصل الحاد بين الأنا والآخر، بين الذات والعالم، بين النفس والبدن، بين عالم المقدس وعالم الطبيعة. وقد أتت العلمانية لتعمق هذه الكارثة الميتافيزيقية، عندما اعتبرت هذا الفصل بين الذات والموضوع ضرورة منهجية للوصول إلى الحقيقة. إن الموضوعية هي معيار إنتاج الحقيقة في مجال العلوم الطبيعية، كما أراد لها الرواد الأوائل لهذه العلوم. وهذه الموضوعية لا تتحقق إلا إذا تم الفصل بين الذات الدراسة وموضوع الدراسة، أي عندما تستقل الطبيعة نهائيا عن الأنا. لقد تواطأت العقلانية مع العلمانية لإنتاج كائن مبتور عن العالم، وكان الإنسان هو هذه الضحية.

    إن إعادة النظر في المسلمات الكبرى التي قامت عليها العلمانية، وتأسس عليها العقل الحديث؛ هي التي ستظهر هذا المسار الذي اتخذته العلوم. كما أنها ستبين توافق النتائج التقنية مع المقدمات التي انبنى عليها العقل العلمي الحديث. تفكيك العقل الغربي الحديث وبيان أغراضه ومقاصده العامة منذ تأسيسه ابتداء من القرن السابع عشر، هي المهمة التي انفرد لها كل من هوركهايمر وأدورنو في كتاب مشترك لهما يقع تحت عنوان جدل العقل().

    ينقل هوركهايمر وأدورنو عن فرانسيس بيكون –أب العلم الحديث- قوله الذي يلخص المشروع الجديد: "إن تفوق الإنسان يكمن في المعرفة، هذا ما لا يقبل الشك". وهذه المعرفة لا تتجلى قيمتها في الحقيقة التي تصل إليها، ولا في الحجج الدامغة التي تنبني عليها "بل في الممارسة والعمل، وفي الكشف عن التفاصيل المجهولة سابقا، والتي تسمح بالتحكم في الوجود"(). إذن، فهدف المعرفة الجديدة ليس نظريا بل هو عملي، أي السيطرة على الوجود وإخضاعه: "المعرفة والسلطة مترادفتان".

    تحرير العالم من السحر والأسطورة: هذا هو مشروع عصر الأنوار. ومن ثم كان الرفض العنيف من طرف العلم الحديث لكل شيء لا يقبل التحديد: "كل ما لا يقبل القسمة على عدد ما –وفي الأخير على الواحد- فهو بالنسبة للعقل ليس إلا وهما"(). الكشف عن التفاصيل المجهولة، نبذ السر، استبعاد الأسطورة؛ وبالمقابل التكميم والقياس: هذا هو المسار الذي دشنه العقل العلمي الجديد بالنسبة لتاريخ الفكر البشري. ولكن تحليل هوركهايمر وأدرونو يذهب إلى أبعد من تقرير هذه الوقائع، إذ يكشف عن كون العقل العلمي الذي قضى على الأسطورة انتهى إلى إنتاجها من جديد. "إن الأساطير التي كانت ضحايا التنوير، هي نتاج لهذا الأخير أيضا". ذلك أن الأسطورة إذا كانت تتحدث عن أصل العالم بواسطة الحكي، فإنها تفسر وتثبت وتتمثل هذا العالم. وإذا كان الإله هو الذي خلق العالم، فإن الإنسان هو الذي خلفه لتحمل المسؤولية الكبرى تجاه هذا العالم، وذلك بهداية من عقله الموهوب! إن دور الإنسان في هذا العالم يشبه دور الإله، ما دام الإنسان يريد السيطرة والتحكم في العالم. هكذا يخلص هوركهايمر وأدورنو إلى التأكيد على أن "الأسطورة أصبحت في العقل"، هذا العقل الذي أصبح "ديكتاتوريا تجاه الأشياء". فرجل العلم لا يعترف بالأشياء إلا عندما تصبح قابلة للقياس، ومن ثم قابلة للمعرفة الدقيقة التي تسهل التحكم في هذه الأشياء وتحويلها لخدمة الإنسان/السيد. والتقنية هي الوسيط الذي أنجز هذه المهمة، أعني تحويل الشيء إلى بضاعة قابلة لأن تصبح قيمة تبادلية في سوق السلع.

    إن تفكيك العقل العلمي يظهر أن النتائج المرعبة والمروعة التي انتهت إليها العلوم، كانت متضمنة في الأسس التي قامت عليها هذه العلوم. فالمعرفة العلمية لم تعد نظرية، ولم يعد هدفها هو تفسير الوجود الطبيعي أو البشري، بل هدفها هو السيطرة على الأشياء. بينما كان هدف التفكير الأسطوري هو الكشف عن تناغم الأشياء، ومحاولة إيجاد نقطة تواصل بين مصير الإنسان ومصير الكون.

    وكرد فعل تجاه الحداثة قام الفيلسوف الألماني هيدجر Heidegger بتفكيك عام للميتافيزيقا الغربية، متمما بذلك مشروع نيتشه في أحد أبعاده. لأن تاريخ الميتافيزيقا الغربية هو تاريخ العقل الغربي نفسه، يعود هيدجر إلى الجذور السحيقة والموغلة في القدم؛ بحثا عن الأساس الذي انبنى عليه هذا العقل. فالكشف عن هذا الأساس هو وحده السبيل الذي سيمكننا من زحزحته. من هذا المنطلق يرى هيدجر أن العقل الغربي تأسس على الصيغة المنطقية-الصورية منذ زمان أرسطو، بل قبله بقليل مع أفلاطون وسقراط. كما أن التمييز بين موضوع المعرفة والذات العارفة، تحدد أونطولوجيا آنذاك. في حين أن الفترة السابقة على سقراط كانت تتأسس على قاعدة مغايرة، وتتحرك ضمن مجال مخالف. كان الحكماء الطبيعيون الأوائل يحاولون تفسير الفيزيس (الطبيعة)، التي لم تكن تعني لديهم ما نفهمه منها نحن اليوم. الفيزيس Physis عند هؤلاء كانت تعني "الكل" الذي يجمع بين الآلة والبشر والكائنات الحية والجامدة… السماء والأرض وما بينهما، وكذا الفكر والروح والأخلاق… كل هذا كان يسمى عندهم: الفيزيس. وحينما نبحث عن الجذور الميتافيزيقية للعقل في تلك الفترة البعيدة، نجد أن دلالته تحيل على شيء آخر ليس هو ما نعرفه اليوم من مصطلح"عقل".

    إن مصطلح العقل يقابله "اللوغوس" Logos في اللغة اليونانية، وهو يتكون من جذر لغوي هو فعل "ليغين" Legein. هذا الفعل كان يعني في زمان أفلاطون وأرسطو: يتكلم أو يخاطب، ومنه تم اشتقاق المصدر: كلام وخطاب. فاللوغوس إذن هو الكلام أو الخطاب الذي يوجه تفكير الإنسان توجيها سويا، من أجل الكشف عن الحقيقة. وقد اجتهد أرسطو كثيرا لصياغة القوانين العامة التي تجعل من الكلام أو الخطاب "آلة تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ". إن الأورغانون Organon الأرسطي يعني تحويل الخطاب إلى منطق، أي تحويل Logos إلى Logique. بينما كان فعل "ليغين" عند الحكماء السابقين على سقراط يعني: يجمع أو يضم، ومنه تم اشتقاق المصدر: الجمع. لقد كان اللوغوس يعني لدى هؤلاء "الجمع" وليس الخطاب أو المنطق. وهذا الأمر يعود إلى سبب رئيسي هو أن الفيزيس كان معناها: الكل أو الكلية Totalité، التي تجمع الكائنات بغض النظر عن طبيعتها وأنواعها().

    لقد تشكل العقل الغربي عندما تأسس على المنطق. ولكن "في أية لحظة بدأ يتكون المنطق؟ في تلك الفترة التي بدأت الفلسفة اليونانية تقترب من نهايتها عندما أصبحت مسألة مدرسية، أي مسألة تنظيم وتقنين"(). لم يظهر المنطق عند اليونان إلا عندما حدث الانشقاق بين الوجود والفكر، هذا الانشقاق الذي دشنه أفلاطون وأكمله أرسطو. هنا تقعد المنطق، وتأسس الفكر على القياس، وظهر العقل الغربي، منذ بداية هذا التقعيد النظري للفكر، لن يسمح للحقيقة باستيطان أي مكان آخر غيره. لقد انتقلت الحقيقة من الوجود إلى القول، من الفيزيس إلى المنطق؛ وأصبحت القضية المنطقية هي مأوى الحقيقة، ومجالها هو الفكر: الفكر هو مصدر الحقيقة. هكذا ظهرت الفلسفات المثالية، حيث تم سجن الحقيقة داخل أنساق محكمة لا يجوز أن تتجول خارج أسوارها. بل أكثر من هذا أصبح الإنسان ماهية فكرية، وذاتا ميتافيزيقية هي هذا الجوهر المفكر: إنه الكوجيطو (أنا أفكر).

    ديكارت Descartes زعيم المذهب العقلاني في الفلسفة الحديثة، هو الذي أسس الكوجيطو، واعتبره بمثابة أرضية صلبة يقوم عليها اليقين. فاليقين الأول هو الأنا-أفكر: Le moi-pensant، وعليه تتأسس كل أنواع اليقين الأخرى. الإنسان انفجر إلى نفس وبدن، حيث سجنت النفس داخل النسق بينما ألقي بالبدن خارج اليقين أي خارج النسق.

    توالت فلسفات الذات بعد ديكارت لكي تعدل من قسوة النسق، وتحاول ردم الهوة بين الذات والموضوع، بين النفس والبدن، بين الفكر والوجود… ولكن بدون جدوى! لهذا يرى هيدجر أن هناك سبيلا وحيدا للخروج من فلسفة تفكيك الأنساق المثالية التي سجنت الإنسان داخلها.

    رابعا: في أفق تجاوز الحداثة

    إخراج الإنسان من النسق الذي حوله إلى ماهية ميتافيزيقية، يمكن أن يتحقق خارج لغة المنطق ولغة العقل. وذلك بالعودة إلى الفن ولغة الشعر، هنا يمكن أن يتجلى البعد الوجودي للإنسان. إن الحكماء السابقين على سقراط لم يكونوا يتكلمون بلغة "المنطق الصوري" للتعبير عن الإنسان وعن الوجود، بل كانوا يعبرون بواسطة القصائد الشعرية وبلغة الرمز. لكن عندما جاء أرسطو صنف الشعر في أدنى مراتب القول، لأن الشعر لا يتحرك في مجال الحقيقة وإنما يتحرك في مجال المجاز. ركبت الفلسفة بعد أرسطو لغة المنطق، وحولت الإنسان إلى قضية منطقية تتكون من موضوع ومحمول. لذا، فتحرير الإنسان لا يمكن أن يتحقق إلا إذا غيرنا الطريق الذي أوصله إلى العبودية، أي أن نستبدل القول المنطقي بالقول الفني: هنا يطل علينا ديونيزوس (إله الفنون الجميلة).

    لم يعمل جاك ديريدا J.Derrida فيما بعد سوى تطوير مشروع هيدجر، كما أن ميشيل فوكو M.Foucault لم يعمل بدوره إلا على تطوير مشروع جورج باطاي، كما يرى ذلك هابرماس J.Habermas. أما فوكو فقد أراد أن ينشئ نظرية عن السلطة le pouvoir، وحاول أن يبين تمفصلات السلطة في علاقتها بالجنون la folie. لأن الجنون هو خطاب اللاعقل، إنه الخصم العنيد للنظام الذي ينبني عليه العقل. أراد فوكو أن يعيد للجنون حق التعبير وحق الكلام، ضدا على الخطاب العقلي الذي يصنف الجنون في إطار ما هو مرضي Pathologique. إعادة الاعتبار للجنون في علاقته بالإنتاج، تبين إلى أي مدى عمل النظام الرأسمالي على خلق قيم السواء والشذوذ للنظر إلى الجنون. إذ بعد نزع صفة القداسة عن الجنون (لم يعد ديونيزوس المجنون إلها)، أدخل النظام الرأسمالي المجنون إلى الملاجئ والمعازل والمستشفيات ليكون موضوعا للطب العقلي La psychiatrie. إن المجنون، كمريض قدمته الشرطة (بعد إلقاء القبض عليه) إلى الطبيب، أصبح موضوعا لعلم جديد. لذا فالعلم الجديد لم يكتشف موضوعه طبقا لشروط إبستمولوجية معينة، بل قدمته له السلطة كقضية/كملف/مرقم/كمرفوض… لقد أظهر فوكو أن السلطة تعاقب من يخرج عن طاعتها وتهمشه باعتباره شاذا، باعتباره آخر، أي أن كل من يخرج عن منطق "العقل الاجتماعي" القائم على قيم الإنتاج، سوف يلقى به في دائرة الشذوذ.

    جاك ديريدا سار في الطريق الميتافيزيقي الذي دشنه هيدجر، أعني تفكيك العقل الغربي اعتمادا على تمظهراته السامية (المجردة). لهذا كانت المهمة التي وجد ديريدا نفسه ملزما بإنجازها هي تكسير الأنساق الميتافيزيقية التي شيدها العقل المحض، وإلغاء الحواجز بين الأنواع التي تميز الخطاب. إذ ليس هناك فارق نوعي بين الخطاب الفلسفي والخطاب الأدبي مثلا، بل نحن أمام نص عام Texte général. والنص له قانون يخضع له هو قانون الكتابة، بغض النظر عن كاتبه. لذا فأهم شيء يجب أن ننتبه إليه ليس هو القائل (الذات)، بل هو المقول (المكتوب/المنطوق) لاستخلاص قواعده العامة. إن قواعد الكتابة La grammatologie هي التي يلزم أن تخلق قواعد اللغة La grammaire، وذلك من أجل القضاء على سلطة الذات وتفكيك النسق. وبدراستنا للأثر La trace، سنتجنب الوقوع في الأخطاء الميتافيزيقية التي يستتبعها إعطاء الأولوية للذات المفكرة أو الأنا على النص المكتوب. والاختلاف Différance() (وليس différence)، هو هذا الأثر الذي يقوم مقام الذات، والذي تخلقه الكتابة. كما أن الممارسة أيضا نوع من الكتابة التي تترك أثرا، فالثورة الروسية هي أثر، والثورة الفرنسية هي أثر، وهذا القلم الذي أكتب به هو أثر.. ليس في العالم سوى الآثار.

    إن هم القضاء على الذات (العاقلة أو القائلة)، هو الذي دفع كلا من فوكو وديريدا إلى اعتناق البنيوية بنوع من الخجل. وسواء كانت الذات عاقلة تمارس الرقابة على الجنون، أو كانت قائلة تمارس السلطة على الأثر، فإنها في كلتا الحالتين ذات فاعلة تلوث المعنى وتخفيه. لهذا كان إعلان "موت الإنسان" ضروريا من أجل الخروج من فلسفة الذات، وتحرير المعنى: ليس هاهنا فاعل، ولا ذات تفعل نسقا أو تقول حقيقة.

    الطريق الميتافيزيقي الذي سار فيه ديريدا مقتفيا "آثار" هيدجر، وطريق الجنون الذي سار فيه فوكو مقتفيا آثار باطاي، لهما جذر واحد ينحدران منه هو نيتشه: كل الطرق البديلة تؤدي إلى نيتشه! ذلك أننا إذا تتبعنا طريق الجنون واكتشاف الأبعاد الأنطولوجية للإنسان بواسطة التجربة الباطنية، فإننا سنصل إلى "زرادشت" و"مجنون الساحة العمومية"، والموسيقى، والشعر، والفن. بمعنى أننا إذا تتبعنا نظرية السلطة عند فوكو، فإننا سنصل إلى "إرادة القوة" عند نيتشه، مارين على مفهوم "السيادة" La souveraineté عند باطاي. أما إذا سرنا على الطريق الميتافيزقي مبتدئين بتحطيم الفروقات النوعية بين الأجناس الأدبية عند ديريدا، مارين عبر الصراع الهيدجري ضد كبار الفلاسفة (أصحاب الأنساق)، فإننا سنصل إلى محاربة نيتشه لسقراط وأفلاطون وأرسطو… وتابعيهم. هذا يعني أن خطاب ما بعد الحداثة هو خطاب يتخذ لنفسه طريقا واحدا رغم تعدد الاجتهادات، هو الطريق الأنطو-ميتافيزيقي الذي يجد في نيتشه مصدره الأساسي.

    خامسا: في أفق تجاوز التجاوز

    هابرماس J.Habermas هو الذي يخرج عن هذا الإجماع، إذ يحاول تأسيس طريق آخر كبديل لأزمة الحداثة، وكحل ممكن للخروج من فلسفة الذات. وهذا الطريق الذي يريد أن يدشنه ناتج عن المأزق الذي آلت إليه الطرق البديلة ذوات الجذر النيتشوي. لأن المآل الذي وصلت إليه هذه الطرق –حسب هابرماس- هو مآل أسوأ من الأزمة التي انتهت إليها الحداثة. ذلك أن رد الفعل العنيف تجاه العقلانية الحديثة التي تزاوجت مع العلمانية، أدى بأصحابه إلى السقوط في الاتجاه المضاد، أي في الطرف الأقصى للحداثة وهو اللاعقل. كما أن محاربة النسق أدى إلى تدمير الذات المسجونة فيه، مما جعل الإنسان يغيب من مشاريع ما بعد الحداثة. لم ينتبه هؤلاء إلى أن سحقهم للأنساق، جرف معه انسحاق الإنسان أيضا: إنهم ألقوا بالطفل والماء معا!

    لهذا يرى هابرماس أن البديل الممكن للعقل الحديث ليس هو اللاعقل، بل هو "العقل التواصلي: La raison communicationnelle" أي يلزم البحث عن بديل لنوعية العقل، وليس إلغاء العقل كليا. فالعقل الخالص الذي حول الإنسان إلى ذرة روحية أو ماهية ميتافيزيقية، يمكن أن نقارنه بعقل آخر قادر على الربط بين هذه الذرات المنعزلة، وهذه الماهيات الراقدة وراء الوجود. إذن فالقضية ليست هي: كيف نسحق النسق؟ بل هي: كيف نحرر الذات من سجن النسق؟

    إن فشل خطاب ما بعد الحداثة ليس دليلا على فشل الخطاب الفلسفي، بل هو دليل على فشل فلسفة الذات. هذا الفشل الذي لاحق العلوم الإنسانية بدورها، لأنها أرادت أن تنتج معرفة "علمية" عن الذات. وهوس معرفة الذات هو الذي أدى إلى فشل الخطاب المعرفي، وأدى أيضا إلى معرفة الذات. لقد انتهت فلسفات الذات إلى سجن الإنسان داخل نسق ميتافيزقي وعزله عن العالم، وسلبت منه الوجود. أما العلوم الإنسانية فقد انتهت إلى استعباد الإنسان –بعد أن كان الهدف هو تحريره- عندما وفرت نتائجها إمكانية إحكام القبضة على الإنسان، وبذلك سهلت عمل السلطة لتتحكم في الرقاب.

    العقل التواصلي –كحل آخر للخروج من فلسفة الذات- لا يهدف إلى إنتاج معرفة علمية عن الموضوع أو عن الذات، بل هدفه هو إقامة أرضية صالحة للتفاهم بين الذوات وإخراجها من عزلتها. هدف العقل التواصلي هو إقامة الجسور القادرة على الربط بين الأنا والآخر، والبحث عن الوسائل الممكنة لتحقيق هذه المهمة(). وذلك بإنشاء وتقوية فضاء المتخيل عند الإنسان، هذا المتخيل الذي تتأسس عليه العلاقات الاجتماعية أو هو الذي يجعل العلاقات الاجتماعية ممكنة بين فرد وآخر. ولهذا يعود هابرماس إلى مرجعية أخرى في الثقافة الغربية تجد في هيجل Heggel منبعها الرئيسي، لأن هيجل هو الذي حاول إقامة التواصل بين الأنا والآخر بواسطة الجدل. فالذات القابعة في عمق النسق يمكن أن تتحول –بفضل المنهج الجدلي- إلى نقيضها أي إلى الموضوع، وبذلك تتمكن من تحقيق حريتها. إلا أن هيجل عندما أوقف حركية الجدل، انغلق النسق من جديد؛ وهذا ما انتبه إليه ماركس Marx فيما بعد حينما اعتبر الجدل الهيجلي مقلوبا يسير على رأسه بدل رجليه. إذ يرى ماركس أن الأفراد قادرون على التحول إلى كائنات تواصلية بواسطة العمل، ومن ثم يتحول الإنسان من ماهية إلى ممارسة، ويتحول العقل إلى تاريخ. هكذا نفهم لماذا كانت المادية تجد لنفسها مأوى في الجدل، لأن الجدل هو القادر على تحرير الذات من النسق بتحويلها إلى نقيضها. وهذا ما يفسر لنا أيضا لماذا يقف أصحاب الخطاب البديل للحداثة عند نيتشه ولا يعودون إلى هيجل، رغم أننا نعثر عنده على نظرية السلطة والسيادة في "جدل العبد والسيد". كما أننا نفهم أيضا لماذا لا يعودون إلى كانط بصدد نقدهم للعقل، لأن كانط هو أول من انتقد العقل الخالص. لقد حاول كانط أن يضع حدودا للعقل لا ينبغي له أن يتجاوزها، وكان ذلك يعني وضع حدود لفلسفة الأنوار التي اندفعت بشكل متهور إلى استخدام العقل في جميع المجالات بدون تمييز بين الإيمان والعلم. لم يعد هؤلاء إلى كانط، لأن هذا الأخير قدم نقدا للعقل بواسطة مفاهيم عقلية أي أنه كان واقفا على أرضية العقل وليس على أرضية اللاعقل.

    أمام دعاوي موت الإنسان، وانتهاء الفلسفة، وتفكيك العقل، والانتصار للاعقل، يلاحظ هابرماس، بنوع من الهدود أنه "في العشر سنوات الأخيرة، أصبح النقد الراديكالي للعقل موضة"(). هذه الموضة نفسها طالت حتى هوامش الحداثة، وخاصة في الآداب؛ حيث ساد التأثر بكتابات ديريدا المستندة على البنيوية واللسانيات. وبذلك دخلنا في علاقة وحيدة الجانب مع الحداثة، نستقبل ما هو جديد وفاتن ومغرٍ!
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع

[رد على الموضوع] صفحة 3 من 7:   <<  1 2 3 4 5 6 7  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:

وداعا جاك دريدا فى FaceBook

· دخول · أبحث · ملفك ·

Home الصفحة الاولى | المنبر العام | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الثانى للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2012م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2012م | مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2012 | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2012م |مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2011م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2011م |
مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2011 | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2011م | نمدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2010م |أمدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2009م |مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2008م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2008م |
مدخل أرشيف العام (2003م) | مدخل أرشيف العام (2002م) | مدخل أرشيف العام (2001م) | مكتبة الاستاذ محمود محمد طه |مكتبة البروفسير على المك | مكتبة د.جون قرنق | مكتبة الفساد| مكتبة ضحايا التعذيب | مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان | مكتبة دارفور |مكتبة الدراسات الجندرية | مكتبة العالم البروفسيراسامة عبد الرحمن النور |
مواضيع توثيقية متميِّزة | مكتبة قضية سد كجبار | مكتبة حادثة يوم الاثنين الدامي | مكتبة مجزرة اللاجئين السودانيين في القاهرة بتاريخ 30 ديسمبر 2005م |مكتبة الموسيقار هاشم مرغنى(Hashim Merghani) | مكتبة عبد الخالق محجوب | مكتبة الشهيد محمد طه محمد احمد |مكتبة مركز الخاتم عدلان للأستنارة والتنمية البشرية | مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان | مكتبة سودانيز أون لاين دوت كم |مكتبة تنادينا,الامل العام,نفيرنا | مكتبة الفنان الراحل مجدى النور محمد |
مكتبة العلامة عبد الله الطيب | مكتبة احداث امدرمان 10 مايو 2008 | مكتبة الشهيدة سهام عبد الرحمن | منبر اليوم الحار لخريجى كلية الهندسة و المعمار بجامعة الخرطوم |مكتبة الراحل المقيم الطيب صالح | مكتبة انتهاكات شرطة النظام العام السودانية | مكتبة من اقوالهم |مكتبة الاستاذ أبوذر على الأمين ياسين | منبر الشعبية | منبر ناس الزقازيق |مكتبة تهراقا الفن الدكتور محمد عثمان حسن صالح وردى | اخر الاخبار من السودان2004 |
اراء حرة و مقالات سودانية | مواقع سودانية | اغاني سودانية | مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد | دليل الخريجيين السودانيين | الاخبار اليومية عن السودان بالعربى|
جرائد سودانية |اجتماعيات سودانية |دليل الاصدقاء السودانى |مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان |الارشيف والمكتبات |
Discussion Board |Latest News & Press |Articles & Analysis |PC&Internet Forum |SudaneseOnline Links |
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها

© Copyright 2001-02
Sudanese Online
All rights reserved.

If you're looking to submit news,video,a press release or or article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de