مكتبة الشاعر اسامة الخواض

صور لصلاة العيد للسودانيين حول العالم.....و عيد سعيد
جالية NYC تدعوكم لحفل عيد الفطر والفنانة سامية العسل وعروض خاصة بالاطفال-الثلاثاء 7/29
دورة الاتحاد السوداني الأمريكي لكرة القدم ساسف الكبرى بفرجينيا، عطلة عيد العمل، 30-31 أغسطس
مكتبة الكونغرس تنظم برنامج لتكريم الراحل الطيب صالح في يوم 4 أغسطس

المنبر العام

آراء و مقالات ابحث

منتدى الانترنت

تحديث المنتدى

المتواجدون الآن

English Forum

تحميل الصور اكتب بالعربى

دليل الخريجين

اجتماعيات

الاخبار

أرشيف المنبرللنصف الثانى05 مكتبةالدراسات الجندرية الارشيف والمكتبات مواضيع توثيقية ومتميزة قوانيين و لوائح المنبر
مرحبا Guest [دخول]
أخر زيارة لك: 26-07-2014, 10:07 AM الرئيسية

مكتبة الشاعر اسامة الخواض(osama elkhawad)وداعا جاك دريدا
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « الموضوع السابق | الموضوع التالى »
أقرا احدث/اخر مداخلة فى هذا الموضوع »
09-10-2004, 02:45 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

وداعا جاك دريدا

    توفي في مستشفى باريس أشهر فلاسفة فرنسا المعاصرين جاك دريدا عن عمر ناهز 74 عاما بعد صراع مع سرطان البنكرياس.

    ويعد دريدا الذي ولد لأسرة يهودية في حي البيار بالعاصمة الجزائرية يوم15 يوليو/ تموز 1930 أشهر فيلسوف فرنسي في العالم, وقد اعتبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك في بيان أن ما قام به دريدا -الذي توفي ليلة أمس- كان بمثابة ملامسة "جذور الإنسان التفكيرية في حركة حرة".

    وتتحدث نظرية دريدا "تفكيك البناء" التي لقت رواجا وأصداء واسعة في الولايات المتحدة والتي استندت إلى نصوص فلسفية كلاسيكية، عن استقلالية المحتوى النصي الذي -حسب هذه النظرية- قد لا يفهمه كاتب النص نفسه.

    واعتبرت النظرية التي أثارت جدلا واسعا أن الاحتمالات التأويلية للنصوص والتي قد يفهمها كل شخص بمفرده تدخل ضمن سياق المقاصد الأخرى للنص اللغوي، بمعنى تفكيك المعنى الواحد إلى المتعدد المتفكك.

    وتشير هذه النظرية أيضا إلى استخراجات نقدية للنص أيا كان في احتمالاته التأويلية.

    وقد واجهت هذه النظرية معارضة كبيرة من مدارس البنيوية اللغوية واعتبرها البنيويون اللغويون غير عقلانية ومنافية للمنطق ووصفوها بالسخيفة، واتهموها بالمبهمة والغامضة.

    وفي بريطانيا لقيت نظرية دريدا أيضا معارضة شديدة حيث قامت هيئة التدريس في جامعة كامبردج العريقة عام 1992 بمظاهرة احتجاج ضد قرار رئاسة الجامعة منح دريدا دكتوراه فخرية.

    كما اعتبره الماركسيون أحد أعدائهم لمواقفه المناهضة لهم، وكانت السلطات التشيكوسلوفاكية قد وضعته رهن الاحتجاز عام 1980 على خلفية محاضرة له عن نظريته اللغوية في براغ.

    نشاطه
    تميز ديريدا في حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر بإدانته المتواصلة لسياسة فرنسا الاستعمارية في هذا البلد. وغادر الجزائر مع عائلته عام 1962, وغالبا ما كان يتحدث بعد رحيله عن الحنين إلى البلد الذي نشأ فيه.

    التحق دريدا عام 1950 بدار المعلمين العليا في باريس قبل أن يصبح مساعدا للتدريس في جامعة هارفارد الأميركية ثم في جامعة السوربون في باريس.

    وعين عام 1965 أستاذ فلسفة في دار المعلمين العليا حيث شغل منصب مدير دراسات. وزاول ديريدا نشاطه التعليمي لفترة طويلة بين باريس وعدد من أبرز الجامعات الأميركية منها جامعتا ييل وجون هوبكنز.

    وفي عام 1983 أنشاء دريدا معهد الفلسفة الدولي الذي تولى إدارته حتى عام 1985، كما أجرى دراسة نقدية معمقة للمؤسسة الفلسفية ولتعليم مادة الفلسفة.

    مؤلفاته
    قدم دريدا للمكتبة العالمية عشرات الكتب ومئات الدراسات التي عنت باللغة والآداب والفلسفة، ومن هذه المؤلفات التي ترجمت إلى اللغات العالمية:

    الكتابة والاختلاف (ليكريتور إي لا ديفيرانس)

    الانتشار (لا ديسيميناسيون)

    هوامش الفلسفة (مارج دو لا فيلوزوفي)


    الحقيقة بالرسم (لا فيريتيه آن بانتور)

    من أجل بول سيلان (بور بول سيلان).
    نقلا عن الجزيرة نت



                   |Articles |News |مقالات |اخبار

09-10-2004, 03:20 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    رحيل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا واضع منهج التفكيكية
    بيروت - محمد علي فرحات الحياة 2004/10/10
    جاك دريدا, الفيلسوف الفرنسي الأشهر في عصرنا, توفي فجر أمس في أحد مستشفيات باريس عن 74 عاماً بعد صراع مع سرطان في البنكرياس.

    وإذا ذكر دريدا تذكر معه التفكيكية, الفلسفة, أو بصورة أدق المنهج, الذي ابتكره وعممه في مجال الفكر والنقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة التي نعيش, واستند في هذا المنهج الى قطيعة سبق أن أعلنها نيتشه تجاه الميتافيزيقا. وتتجلى التفكيكية في أنها تقوض مفهوم الحقيقة بمعناه الميتافيزيقي كما تقوض الواقع بمعناه الوضعي التجريبي, وتحوّل سؤال الفكر الى مجالات اللغة والتأويل. ويردد بعض متابعي دريدا الى أن الأساس الوجداني الذي دفعه الى التفكيكية هو وعيه المغاير منذ طفولته كيهودي فرنسي مولود في الجزائر في 15 تموز (يوليو) 1930.

    لكن منهج دريدا التفكيكي هذا دفعه أيضاً الى الوقوف بحماسة الى جانب تحرر الشعب الجزائري من الاستعمار الفرنسي وتأييد حق الفلسطينيين في دولة خاصة بهم, ومواجهة انفراد الولايات المتحدة في ادارة شؤون العالم بطريقة خاطئة, فكان عنوان آخر كتبه الذي شاركه في كتابته يورغن هابرماس "مفهوم 11 سبتمبر", وسبقه كتاب دريدا ما قبل الأخير "قاطع الطريق" ويعني بذلك السياسة الحالية للولايات المتحدة.

    التحق دريدا عام 1950 بدار المعلمين العليا في باريس وعين استاذاً فيها عام 1965 وزاول التدريس والمحاضرة في فرنسا والولايات المتحدة. وعندما ألقى في جامعة جون هوبكنز في واشنطن عام 1966 محاضرته الشهيرة في نقد البنيوية, كان ذلك إيذاناً بانتشار منهجه التفكيكي في الولايات المتحدة حيث حظي باهتمام يفوق اهتمام المثقفين به في باريس وسائر عواصم اوروبا. يقول الناقد الأميركي ج. هلس ميلر: "لقد فكرت في السبب الذي يجعل اميركياً بخلفيتي البروتستانتية ينجذب الى دريدا مثلاً. وأعتقد انني توصلت الى الجواب, فهناك شبه بين أحد أوجه البروتستانتية اجمالاً والتراث اليهودي, أو التراث العقلاني اليهودي في أوروبا, ذلك ان الاثنين لا يطمئنان الى التماثيل والرموز والصور المنحوتة. انه نوع من ظلام الرؤية الغريزي".

    أشهر مؤلفات دريدا "الكتابة والاختلاف", "الانتشار", "هوامش الفلسفة", "الحقيقة بالرسم", "من أجل بول تسيلان". وعلى رغم ان منهجه التفكيكي أحال الى اللغة والتأويل, إلا أن الإحالة هذه ترمي الى نسبية الحقيقة وتحولها الدائم, حتى لا يتحول رمز الحقيقة الى سيف يرهب مبدأ الحياة في ماديتها وفي اجتماعها البشري. من هنا اهتمامه بالوقائع الكبرى التي تطاول البشرية. يقول في حديث مطول أجرته معه جيوفانا بورادوري في 22/10/2001, في عنوان "ما الذي حدث في "حدث" 11 سبتمبر؟":

    "لا شك في أن "حدثاً" كهذا يتطلب اجابة فلسفية. والأفضل من هذا وذاك, فإن هذه الاجابة تتطلب مراجعة جذرية شاملة لجميع فرضيات أشد المفاهيم رسوخاً في الخطاب الفلسفي. فتلك المفاهيم التي كثيراً ما وظفناها في وصف وتسمية وتصنيف مثل هذا الحدث إنما تنم عن نوع ما من أنواع "التنويم العقائدي", لن يتسنى لنا الاستيقاظ منه إلا بفكر فلسفي جديد, إلا بالتفكير في الفلسفة نفسها, خصوصاً الفلسفة السياسية وتراثها. والخطاب الحالي, خطاب وسائل الإعلام والرطانة الرسمية, إنما يثقان ثقة بالغة السهولة بمفاهيم كمفاهيم "الحرب" أو "الإرهاب", القومي أو الدولي".
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

09-10-2004, 03:26 PM

سجيمان

تاريخ التسجيل: 03-10-2002
مجموع المشاركات: 14875
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)



    اسامة

    ازيك

    شكرا للمعلومات.....غايتو دريدا دا ما عرفتو علا منك حسي...ووقت عرفتو مات......شفت الشقاوة دي؟


    لكن يا اخوي... انت خليت المشي؟
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

09-10-2004, 03:23 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    وكتبت النهار البيروتية الاتي عن الفيلسوف الراحل:
    جاك درّيدا [1930 – 2004]

    “التفكيكيّ” من أجل بناء فلسفيّ حديث
    الفلسفة لا نعلّمها – والقائل جاك درّيدا – بل نجعل كلّ التعليم فلسفياً ونلقّن التفلسف. بمعرفة الفيلسوف قال وبيقين المحاضر والمعلّم تحت قبّة السوربون وفي جامعات أميركا حيث هو الفيلسوف الفرنسي الأشهر بين معاصريه. جلاءُ قول في فضاء “تفكيكية” صعبة المنال عسيرة الإدراك. ألم يُنعت بالفيلسوف الغامض والأصعب؟ ومع ذلك، ظلّ جاك درّيدا مالىء الفلسفة وشاغل المفكرين والدارسين، ينهض نصّه الشاق و”الشقيّ” تفكيكياً في وجه بنيوية [أو ما بعدها] كان أمثال ليي شتراوس وفوكو من أسيادها الحديثين الذين “ انقضّ” درّيدا على نصوصهم تفكيكاً ونقداً ونقضاً، ولم يوفّر قدامى الفلسفة، من أفلاطون الى كانط بلوغاً الى هايدغر، فهو الذي أظهر كيف أن كانط لدى انصرافه الى تخيل الحرية الانسانية تاه في تصوّر تلك الحرية – وهي أكثر الحقائق أثيرية – كأنها موضوع طبيعي عضوي. وفيما اتفق مع فوكو على أن ما يسيطر اليوم على قطاع لا بأس بحجمه من مثقفي الغرب الراديكاليين هو مذهب التشاؤم المتحرّر، خالفه في عدم تحديد موقع سياسي إذ كان فوكو حريصاً على تأسيس خطاب ما بعد حداثويّ ملتزم سياسياً الى حد ما، في حين أن درّيدا لم تؤرقه هذه المسألة وكان التزامه السياسي غير محدد الموقع. علماً أن درّيدا، اليهودي من أصل جزائري، ناضل للعديد من القضايا السياسية العادلة، مثل مناهضة التمييز العنصري في أفريقيا الجنوبية وجعل إطلاق حرية مانديلا إحدى قضاياه. كما التقى مثقفين فلسطينيين في الأرض المحتلة خلال زيارته الثالثة للقدس عام 1998.

    زعزع جاك درّيدا الكثير من المواضَعَات الفلسفية واشتغل على الميتافيزيك مثلما اشتغل على قضايا العصر الراهن مفككاً معانيها، كالدور الراهن للولايات المتحدة والانقلابات التي أحدثتها العولمة، طارحاً التساؤلات حول ما أضحت عليه مفاهيم العقل والديموقراطية والسياسة والحرب والإرهاب، متفاعلا مع زمنه فيلسوفاً ومفكراً ما بعد حداثويّ، مؤثراً الكتابيّ على الشفهيّ. [المكتوب، في تعبيره، أُهمل مديداً لمصلحة الشفهيّ] ومتفاعلا مع فنون العصر، كالصورة التي أولاها شغفاً واهتماماً [ظهر في فيلمين واُنجز عنه فيلمان].

    جاك درّيدا الذي توفى أمس عن أربعة وسبعين عاماً، من سرطان في الپنكرياس، ولد في الجزائر [منطقة البيار] عام 1930 وتفتح وعيه الفكري على روسو ونيتشه وجيد وكامو، وإثر هجرة ذويه الى فرنسا ا لتحق بالـEcole normale supérieure في باريس عام 1950 حيث اكتشف كيركيغارد وهايدغر والتقى إلتوسير واحتك بموريس بلانشو وترجم “أصل العلم الجيومتري” لإدموند هوسرل [نال لترجمته جائزة جان كااييس]. وعقب إنهاء دروسه الفلسفية شرع في إلقاء المحاضرات والمشاركة في المؤتمرات الفكرية والفلسفية، وأولى محطاته الأميركية كانت في جامعة جون هوپكنز وبداية رحلاته المنتظمة الى الولايات المتحدة، ليغدو فيها الفيلسوف الفرنسي الأشهر. وفي 1979 أصدر كتابه الأشهر “الكتابة والاختلاف” [ترجم الى معظم اللغات العالمية] الذي سبقته ثلاثة مؤلفات وتلاه حتى 1999أكثر من عشرين مؤلفاً منها “هايدغر والمسألة”، “وداعاً لإيمانويل لييناس”، “الحق بالفلسفة” والعديد من العناوين المهمة لمتابعي فكر درّيدا ومحاضراته وحواراته في الصحف والمجلات المتخصصة.

    الفكر الفرنسي والعالمي فقد بغياب جاك درّيدا فيلسوفاً مختلفاً، سجالياً وفريداً من الطراز الرفيع، تفكيكياً من أجل بناء فكريّ معاصر يعيد تأويل المفاهيم ومناقشتها الى ما لا نهاية
    .
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

09-10-2004, 03:48 PM

Nagat Mohamed Ali

تاريخ التسجيل: 30-03-2004
مجموع المشاركات: 1244
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    .



    .
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

09-10-2004, 03:49 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    يا صديقي سجيمان
    انا ما خليت المشي
    هسي مشيت من فيلي الى فرجينيا

    وشكرا لتعتيلك للبوست

    المش======================اء
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

09-10-2004, 03:51 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    أحادية لغة الآخر
    جاك دريدا
    ترجمة: عثمان المثلوثي

    7
    ربّما نكون قد انـتهينا للتوّ من وصف دائرة أولى من العمومية. بين النموذج المسمّى أكاديمي، نحويّ، أو أدبي، من ناحية، واللغة المنطوقة، من ناحية أخرى، فالبحر هنالك: بشكل رمزيّ فضاء لامتناهيا لكل طلبة المدرسة الفرنسية في الجزائر، يمثّل شقّ، بل هوّة. أنا لم أعبره، جسدا وروحا، أو جسدا بلا روح (ولكن هل أكون قد عبرته، عبرته بشكل مغاير؟)، حتى، أوّل مرّة، لمّا كنت مبحرا على متن سفينة، قاصدا "مدينة الجزائر"، وكان عمري تسعة عشرة سنة. أول رحلة، وأول عبور في حياتي، أربعة وعشرون ساعة من دوار البحر والتقيّؤ –قُبيل أسبوع من الوجع ودموع الأطفال في المبيت المشؤوم بالمعهد الرديء (في إعدادية معهد لويس الأكبر، في منطقة لم أغادرها فعليا منذ ذلك الوقت). وكما كان يفعل بعض الناس هنا وهنالك، كان بإمكاننا أن "نحكي" إلى ما لا نهاية ما كان "يُحكى" لنا عن "تاريخ فرنسا" بشكل خاص؛ ونفهم بذلك ما كان يُدرّس لنا في المدرسة تحت عنوان "تاريخ فرنسا": فرع لا يُصدّق من فروع المعرفة، قصّة رمزية وإنجيل، بل عقيدة للتلقين تعاليم غير قابلة للمحو بالنسبة للأطفال من جيلي. ودون أن نذكر الجغرافيا: ما من كلمة عن الجزائر، ولا كلمة واحدة تتعلّق بتاريخها وجغرافيتها، في حين كنا نستطيع أن نرسم ساحل بريتاني (مقاطعة في شمال غربي فرنسا ) و مصبّ نهر جيروند وأعيننا مغمضة. وعلينا أن نكون على اطلاع عميق بها، بشكل عام ومفصّل؛ وبالفعل، فقد كنّن نحفظ عن ظهر قلب أسماء كبرى المدن في كل مقاطعات فرنسا، أصغر روافد أنهار السين، والرون، واللوار، أو الغارون، ومنابعها ومصبّاتها. فتلك الأنهار الأربعة غير الخفية لها تقريبا القوة الرمزية التي تتمتّع بها التماثيل الباريسية التي تمثّلها، والتي اكتشفتها بعد فترة كبيرة من بعد بمرح كبير: لقد كنت أواجه حقيقة دروسي في الجغرافيا. ولكن دعنا من هذا. سأكتفي بإشارات قليلة للأدب. لقد كان الأدب أولى الأشياء التي تلقيتها من التعليم الفرنسي في الجزائر، الشيء الوحيد، على أية حال، الذي استمتعت بتعلّمه اكتشاف الأدب الفرنسي، الوصول إلى هذه الصيغة الفريدة من الكتابة التي تسمى "الأدب الفرنسي" كانت تجربة عالم دون أية تواصل ملموس مع العالم الذي نعيش فيه، وتقريبا دون أي شيء مشترك مع مشاهدنا (صورنا) الاجتماعية أو الطبيعية.
    كانت هذه الفجوة (الانقطاع) تصنع فجوة أخرى. وأصبحت، بالنتيجة، موحية بشكل مضاعف . ومن دون شكّ أنها كانت تُظهر الغطرسة التي تفصل دوما الثقافة الأدبية –"النمط الأدبي" literariness كمعالجة معيّنة للغة، والمعنى، والإحالة- عن الثقافة غير الأدبية، حتى وإن كانت هذا الفصل غير قابل للاختزال أبدا في "ما هو خالص و بسيط". ولكن خارج هذا الاختلاف في الأصل (انعدام التجانس) الجوهري، وخارج هذه الهرمية الكونية، نجد أن انقطاعا قاسيا، في هذه الحالة بالذات، كان يشكّل تجزئة أكثر خطرا: تلك التي تفصل الأدب الفرنسي –تاريخه، أعماله، نماذجه، عبادته للأموات، أنماط نقله واحتفاليته، و"أحياءه الراقية"، أسماء مؤلفيه وناشريه- عن الثقافة "الخاصة" بـ"الفرنسيين الجزائريين". فلا يدخل المرء الأدب الفرنسي إلا إذا فقد لهجته [لسانه]. أظنّني لم أفقد لهجتي؛ لم أفقد كل شيء من لهجتي "الفرنسية الجزائرية". فنغمة كلامي تبدو أكثر بروزا في بعض الحالات "العملية" (الغضب أو التعجّب في وسط أسري أو مألوف، وفي غالب الأحيان في الجو الخاص أكثر منها في الجو العام، وهذا معيار موثوق لتجربة هذا التمييز الغريب و المحفوف بالمخاطر). لكنني أود أن آمل، أفضّل كثيرا لو أن ما من شيء يُنشر يسمح ببروز "لهجتي الفرنسية الجزائرية". وفي ذات الوقت، وحتى يثبت العكس، لا أعتقد أنه بمقدور أي شخص أن يكتشف من خلال القراءة ، ما لم أعلن عن ذلك بنفسي، أنني "جزائري فرنسي". فأنا احتفظ، من دون شكّ، بنوع من الاستجابة اللاإرادية المكتسبة من ضرورة هذا التحوّل اليقظ. أنا لست فخورا بهذا، ولا أصنع منه عقيدة، ولكنّ الأمر كذلك: لهجة –أي لهجة فرنسية، ولكن، وفوق كل شيء، لهجة جنوبية قويّة- تبدو لا تتلاءم في نظري مع السمو الذهني للكلام (الخطاب) العام. (أمر غير مقبول أليس كذلك؟ حسنا، أنا أقبله.) غير ملائم، بشكل مسبق، مع وظيفة الكلام الشعري: فلمّا استمعت، على سبيل المثال، لروني شار Rene Char يُلقي أمثاله المكثرة من المواعظ المضجرة بلهجة بدت لي فورا هزلية ووقحة، كخيانة لحقيقة ما، دمّر ذلك الحدث، بشكل كبير، إعجابا كنت أكنه له في شبابي.
    فالنبرة تُشير إلى قتال مباشر مع اللغة عموما؛ وتعني أكثر من مجرّد التنبير accentuation . ويغزو مبحث أغراضها symptomatology الكتابة. وهذا ليس عدلا وإنما الأمر كذلك. ومن خلال الحكاية التي أقوم بسردها على مسامعكم، ورغم كل شيء فإني أبدو وكأني أعلن، أعترف أنني قد تعوّدت على عدم تسامح مُشين ولكنه عنيد: على الأقل بالفرنسية، بقدر ما يتعلّق الأمر باللغة، لا أستطيع تحمّل أو الإعجاب بأي شيء آخر غير الفرنسية الفصيحة (النقيّة). كما أفعل في كل الميادين، لم أتخلّ يوما عن طرح الفكرة الرئيسية "لصفاء اللغة" في كل أشكاله (النبض الأول لما يُسمّى "تفكيكا" يحملها باتجاه "نقد" الصورة الذهنية أو الحقيقة البديهية للصفاء (نقاء اللغة)، أو باتجاه التحلّل التحليلي للتنقية (التطهير) التي ستقود للوراء باتجاه بساطة الأصل غير القابلة للتحلّل)، وما زلت لا أجرؤ على القبول بهذه المطلب المُلزم لنقاوة اللغة ما عدا داخل حدود أكون متأكّدا منها: وهذا المطلب ليس أخلاقيا، ولا هو سياسيا ولا هو اجتماعيا. وهو لا يوحي لي بأي رأي. بل إنه يعرّضني فقط للألم عندما يصادف أن يفشل شخص ما، وقد يكون أنا نفسي، عن بلوغها. وأتألّم أكثر لـمّا أفاجئ نفسي أو أُفاجئ متلبّسا بالجريمة. (ها أننا نتحدّث، من جديد، عن الجرائم رغم ما أنكرته للتوّ). وفوق كل شيء يبقى هذا المطلب عنيدا إلى حدّ يجعله يتخطّى وجهة النظر النحويّة، وتُهمل "الأسلوب" حتى بهدف الانصياع لقاعدة خفيّة أكثر، و"الاستماع" للدمدمة" المستبدّة لأمر يظهر شخص ما بداخلي أنه يفهمه، حتى في الحالات التي أكون فيها الشخص الوحيد الذي يفعل هكذا، وجها لوجه مع اللسان idiom، الغرض النهائي: وصية أخيرة للغة، إجمالا، قاعدة (قانونا) للغة التي ستعهد بنفسها لي أنا فقط. كما لو أنني وريثها الأخير، آخر مدافع ومبرز للغة الفرنسية (من هذه النقطة، أستطيع أن أسمع الاحتجاجات تأتي من جوانب مختلفة: أي نعم، لا تسخر منّا!). وكأنّني أسعى لأن ألعب ذلك الدور، أي أن أعتبر نفسي مطابقا لهذا المشرّع البطل-الشهيد-الرائد-المطارد من العدالة الذي لن يتردّد في أن يبيّن بوضوح أن هذه الوصية الأخيرة في نقاوتها الأساسية والمطلقة، لا تتفق مع أي شيء معطى (متن اللغة، النحو، الأسلوبية، أو الذائقة الشعرية))- والذي لن يتردّد بالتالي في انتهاك كل هذه التعليمات، ليحرق كل شيء بهدف أن يسلّم نفسه للغة، للغته.
    لأنني، اعترفن أنني أسلّم نفسي دائما للغة.
    ولكن للغتي أنا و للغة الآخر كذلك، وأستسلم لها مع النية المسبقة دوما تقريبا بالنظر إليها أنها لا يمكنها العودة: ليس من هنالك، لا من هنا، وليس من هناك، هناك وليس هنا، لا بغرض أن نُضفي تصديق لأي شيء يمنح، بل فقط لما سيأتي، ولهذا السبب فإنني أتحدث عن تراث أو عن وصية أخيرة.
    وبالتالي فإنني أقبل بنقاوة ليست نقية تماما. أي شيء عدا الصفائية purism [الحرص على صفاء اللغة والأسلوب]. فهي، على الأقل، "النقاوة" الوحيدة المهجّنة التي أجرؤ على الاعتراف بميلي لها. إنه ميل صريح لطريقة ما في التلفّظ. لم أتوقف أبدا خاصة عندما كنت أدرّس، عن تعلّم التكلّم بلطف (بأسلوب رقيق)، وهي مهمة شاقة بالنسبة "لأوروبي الجزائر" [ساكن الجزائر من أصل أوروبي] pied-noir ، وخصوصا من داخل أسرتي، ولكن من أجل أن أضمن أن هذا الأسلوب الرقيق في الكلام يكشف عن بديل لما هو محتفظ به هكذا كبديل، بصعوبة، وبمشقة كبيرة، المكبوح عند مجرى الفيضان [بوابة التحكم في التدفق -المترجم]، مجرى فيضان خطير يسمح للمرء أن يخشى الكارثة. فالأسوأ يمكن أن يحدث عند كل منعرج.
    أقول "مجرى الفيضان"، مجرى فيضان الفعل والصوت. لقد تحدّثت كثيرا عن هذا في غير مكان، وكأن مخطط داهية، أو خبيرا في علم ضبط cybernetics النغمة tone ما يزال يحتفظ بوهم آلية تحكّم ويراقب المقياس ليُحدد زمن التشغيل. كان بوسعي أن أتحدّث عن هدير الأمواج التي لا يمكن الإبحار فيها. وهذا الهدير يهدد دوما بالتراجع. لقد كنت أول من يخاف صوته، وكأنه لي صوتي، وأصارعه، بل حتى أمقته.
    وإذا ما كنت دوما أرتجف أمام ما قد أقوله، فذلك بالأساس بسبب النغمة tone وليس الجوهر. وما أسعى إلى إفشاءه بشكل مبهم وكأن ذلك عصبا عني، لأمنحه أو أعيره للآخرين ولنفسي أيضا، لنفسي كما للآخرين، ربّما هو نغمة tone . فكل شيء يُستحضر من التنغيم intonation (في الكلام).
    وحتى من قبل أيضا، فيما يمنح جرسه للنغمة، أي الإيقاع rhythm . أعتقد أنني بشكل عام اعتمد على الإيقاع في مراهنتي بكل شيء.
    وهي بالتالي تبدأ قبل البداية. ذلك هو أصل الإيقاع الذي لا يمكن التنبّؤ به. فكل شيء موضع رهان، ولكن ربّما فاز الخاسر.
    لأنه، من الطبيعي، أن هذا الميل المبالغ فيه لنقاوة اللغة هو شيء تعوّدت عليه في المدرسة. أنا مدرك لذلك، وهذا ما يجب توضيحه. والشيء نفسه ينطبق على المبالغة (المغالاة) عموما. مُغال عنيد. مغالاة معممة. وباختصار فإنني أبالغ. ولكن مثلها مثل الأمراض التي نصاب بعدواها في المدرسة، فإن الفطرة السليمة، والأطباء يذكروننا أن الاحتياطات ضرورية لتقليصها. ويجب افتراض وجود أرضية خصبة. فلا ثورة ضدّ أي انضباط، ولا نقد للمؤسسة الأكاديمية يمكن أن تُخمِد ما بداخلي وسيُشبه دوما نوعا من الوصية الأخيرة، اللغة الأخيرة لآخر كلمة من الوصية الأخيرة:

    ولكن كما اقترحت سابقا، فإن هذا الإفراط ربّما كان أكثر قدما في من المدرسة. لا بدّ أن كل شيء قد بدأ قبل المدرسة؛ ويبقى على إذن أن أحلله بشكل أقرب إلى ماضي السحيق، ولكني ما زلت أشعر أنني غير قادر عن هذا. ومع ذلك، فأنا أحتاج إلى العودة بالتفكير إلى ذلك الماضي الذي يسبق المدرسة حتى أفسّر عمومية نزعة "الإغراق" (الغلوّ) hyperbolism التي اجتاحت حياتي وعملي. فكل شيء يمر تحت تسمية "التفكيك" deconstruction ينهض منه، بطبيعة الحال؛ ومجرّد برقية ستفي بالغرض هنا، بادئة بالإغراق (الغلوّ) hyperbole (مصطلح استخدمه أفلاطون) الذي سيكون قد أمر بكل شيء، بما في ذلك إعادة تأويل Khora، وخاصة، العبور إلى ما وراء عبور العنصر الخيّر أو الواحد ما وراء الوجود (hyperbole…epekeima tes ousias)، إفراط وراء إفراط: منيع. خاصة، نفس الغلوّ الذي كان سيدفع بطفل يهودي فرنسي من الجزائر إلى داخل الاعتقاد، وأحيانا ينادي نفسه، إلى أعماق الجذور، إلى ما قبل الجذور (الأصل)، في ما فوق الراديكالية، فرنسيا بدرجة أكثر وأقلّ ولكن أيضا يهوديا بدرجة أكثر و أقل من كل الفرنسيين، كل اليهود ، وكل يهود فرنسا. وهنا أيضا، [مغاربيا فرنكوفونيا بدرجة أكبر] من كل المغاربة الفرنكوفونيين (الناطقين باللهجة الفرنسية).

    صدقوني، بالرغم من أنني أقيس سُخف ووقاحة هذه المزاعم المؤكّدة (مثل "أنا آخر يهودي" في دائرة الاعتراف circonfession)، فإنني أجازف بها حتى أكون أمينا مع المشتركين في محادثتي ومع نفسي، مع الشخص الذي في داخلي والذي يشعر بالأشياء بتلك الطريقة. بتلك الطريقة دون غيرها. لأنني أقول الحقيقة دائما، بمقدوركم تصديقي.

    بطبيعة الحال، أن كل هذا كان حركة في حركة. والعملية لم تتوقف أبدا عن التسارع. فالأشياء باتت تتبدّل بسرعة أكبر من سرعة إيقاع الأجيال. دامت هذه العجلة قرنا كاملا بالنسبة للجزائر، وأقل من قرن بالنسبة ليهود الجزائر. وبالتالي سيكون هذا التغيّر غير المتزامن diachronic الدقيق ضروريا لهذه الحكاية. لأنه في كل الظواهر من هذا النوع، تقوم الحرب بتعجيل الاندفاع العام. كما فعلت في فترات منح حق المواطنة (الجنسية) وسحبها، وفي تقدّم العلوم والتقنية، والجراحة، والطب عموما، فالحرب تبقى عاملا مسرّعا هائلا. في أواسط فترة الحرب، مباشرة على إثر إنزال القوات الحلفاء في شمال أمريكا في شهر نوفمبر 1942، شهدنا تكوين نوع من العاصمة الأدبية لفرنسا في المنفى وذلك بمدينة الجزائر: غليان ثقافي، وحضور "مشاهير" الكتاب، وانتشار الصحف والمجلات ومبادرات النشر. وهذا يُضفي أيضا وضوحا أكثر زيفا على الأدب الجزائري الذي يُطلقون عليه التعبير باللغة الفرنسية، سواء كان المرء يتعامل مع كتاب من أصل أوروبي (مثل كامو Camus وعدد آخر كثير) أو مع كتاب من أصل جزائري، يمثلون تحوّلا مختلفا جدّا. وبعد سنوات عديدة، في خضم يقظة هذه اللحظة العجيبة من المجد والتي ما زالت تتألق، يبدو وكأنني قد علقت في الفلسفة والأدب الفرنسيين، هذه والأخرى، هذه أو الأخرى: سهام خشبية أو معدنية، جسد مخترِق يتكون من مفردات مرغوبة، هائلة ويتعذّر بلوغها حتى عندما كانت تقتحمني، جمل كان من الضروري تملّكها، ترويضها، ملاطفتها، أي أعشق بإضرام النار، احرق ("الصوفان" amadou ليس ببعيد أبدا)، و دمّر حتّى، وفي كل الأحوال ضع وسما، حوّل، هذّب، أِقطع، شكّل، التحم بالنار، أترك الأمور تأتي بشكل آخر، بعبارة أخرى، لنفسها وبنفسها.

    لنكن أكثر تحديدا. ما من شك أن الملاطفة (التملّق) amadouer كان في هذه الحالة، حلما. وما يزال كذلك. أي حلما هو؟ ليس حلم إلحاق الأذى باللغة (فلا يوجد شيء أجله وأحبه أكثر من اللغة)، وليس تهديدها وجرحها بسبب إحدى دوافع حب الانتقام الذي أشكل منه هنا موضوعي (دون أن أقدر أبدا على تحديد مكان موضع الرفض؛ من يثأر لنفسه ممّن، و أليست اللغة متأثرة بهذه الغيرة الحقودة؟)، ولا يتعلّق الأمر بسوء معاملة هذه اللغة، في قواعدها النحوية، وتركيبتها، ومعجم مفرداتها، وفي مجمل قواعدها ومعاييرها التي تشكّل قانونها، وليست في الانتصاب الذي يجعل منها قانونا في حدّ ذاتها. ولكن الحلم، الذي لا بد أن يكون قد بدأ الحلم به في ذلك الوقت، ربّما كان أن نجعل أمرا ما يطرأ على هذه اللغة. الرغبة في جعلها تصل إلى هنا، بجعل شيء ما يطرأ عليها، هذه اللغة التي بقيت سليمة (بكرا)، دوما مهيبة وموقّرة، تُعبد في صلاة مفرداتها وفي الالتزامات المتعاقدة فيها، وذلك بجعلها تتعرّض لطارئ ما، إذن، شيئا ما يكون حميم جدّا مما يجعلها ليست في موضع الاحتجاج دون حاجة للاحتجاج، وبشكل مماثل، ضدّ فيضها (انبثاقها) الخاص بها، حميم بشكل لا يمكنها أن تعارضه إلا من خلال وصمات شائنة ومخزية، أمرا جد حميم إلى حد أنه يتمكّن من التمتّع بها وفيها، في الوقت الذي تفقد فيه نفسها من خلال عثورها عليها، وبواسطة تحويل نفسها إلى نفسها، مثل الواحد الذي يدور على نفسه، الذي يعود (من نفسه) إلى نفسه، في ذات الوقت لما يجعل ضيف مبهم، قادم جديد من غير أصل معيّن، اللغة المعنية تأتي إليه، ويُكره اللغة عندئذ أن تعبّر عن نفسها بنفسها، بشكل آخر، بلغته. أن تُعبّر بنفسها. ولكن بالنسبة إليه، وبشروطه، تحتفظ في جسدها بأرشيف هذا الحدث الذي لا يمّحي: ليس بالضرورة طفلا بل وشما، شكلا رائعا، يختفي تحت الملابس حيث يختلط فيه الدم بالحبر ليجلي للنظر كل ألوانه. ( الأرشيف المجسّد لطقس ديني لن يُفشي سرّه أي شخص. واحد لا يمكن لأي شخص آخر أن يتملّكه فعلا. ولا حتى أنا، رغم أنني مطلّع على السرّ.

    ما يزال ينبغي علي أن أحلم بذلك، في "حنيني للوطن".
    كان ينبغي علي أن أسمّي ذلك استقلالي عن الجزائر.
    ولكن كما قلت سابقا، لم يكن ذلك سوى حلقة أولى من العمومية، برنامجا مشتركا لكل التلاميذ منذ الوهلة التي يجدون فيها أنفسهم مُخضعين ومشكّلين من طرف بيداغوجية الفرنسية هذه. بإيجاز، منذ الوهلة التي عثروا فيها على أنفسهم.

    داخل هذه المجموعة، المحرومة هي نفسها من الأنماط السهلة وفي المتناول لتحديد الهوية، من الممكن تمييز إحدى المجموعات الفرعية التي كنت أنتمي إليها إلى حدّ ما. بدرجة ما فقط، لأنه حالما يتناول المرء مسائل الثقافة واللغة أو الكتابة، فإن مفهوم الجماعة أو الطبقة لا يبقى يثير موضوعا بسيطا كالإقصاء أو الاحتواء أو الإنتماء. وشبه المجموعة الفرعية هذه، ستكون إذا مجموعة "اليهود الأهليين"، كما كانوا يطلق عليهم في ذلك الوقت. ولكونهم رعايا فرنسيين من عام 1870 إلى قوانين الإقصاء لعام 1940، لم يكن بوسعهم تحديد هويتهم كما يجب، بالمعنى المزدوج "لتحديد المرء لهويّته" و"تماهي المرء مع" الآخر. فلم يكن بوسعهم تعيين هويتهم في النماذج، والمعايير أو القيم التي كان تطورها غريبا عليهم لأنها فرنسية، أسقفية، مسيحية وكاثوليكية. ففي الوسط الذي كنت أعيش فيه، كنا نقول "الـكاثوليك"؛ كنا نسمي كل الناس الفرنسيين غير اليهود "كاثوليك"، وحتى وإن كانوا أحيانا بروتستانتيين، أو ربما أرثوذكسيين: "فكاثوليك" كانت تعني كل شخص غير يهودي، ولا بربري ولا عربي. في ذلك الوقت، لم يكن بإمكان هؤلاء اليهود الأهليين الشبان أن يتماهوا مع "الكاثوليك" ولا مع العرب ولا مع البربر، حيث لم يكونوا عموما يتكلمون لغتهم في ذلك الجيل. ولكن جيلين قبلهم كان بعض أسلافهم ما يزالون يتكلمون اللغة العربية، لهجة معينة من اللغة العربية على الأقل.

    ولكن لكونهم غرباء على جذور الثقافة الفرنسية، حتى وإن كانت ثقافتهم الوحيدة المكتسبة، فإن ثقافتهم التعليمية الوحيدة، وخاصة، لغتهم الوحيدة، لكونهم غرباء، وبشكل أكثر راديكالية، في معظم الأحوال، بالنسبة للثقافة العربية والبربرية* [ونحن نعترض عن هذا التمييز بين الثقافتين، ولنا في هذا الشأن رأي مخالف ليس المجال لمناقشته الآن. -المترجم]، إن الأغلبية الساحقة من هؤلاء "اليهود الأهليين" الشبان بقوا، إلى جانب ذلك، غرباء على الثقافة اليهودية: وهو استلاب لا نهاية له للروح: كارثة؛ في حين يعتبره آخرون فرصة متناقضة. وهذا هو، بأية حال، الانعدام الجذري للثقافة [ inculture حالة اللاثقافة] الذي ما من شك أنني لم أبرز منه بشكل كامل. والذي أنبثق منه دون بروز، من خلال انبثاقي منه بشكل كامل دون أن أكون قد برزت منه.

    هنالك، أيضا، نوع من الحِرْم interdict سيفرض قانونه المكتوب. منذ نهاية القرن الماضي، مع منح المواطنة [الجنسية] الفرنسية، كانت حملة الاحتواء assimilation، كما نقول أو المثاقفة -كانت الدعوة المحمومة "للفرنسة" التي كانت أيضا عملية برجزة * bourgeoisification - نزعة مسعورة جدا وطائشة حدّ أن روح الثقافة اليهودية بدا يستسلم إلى حالة اختناق: حالة من الموت الظاهري، توقف عن التنفّس، نوبة من الغيبوبة، توقف النبض. ولكن ذلك لم يكن سوى أحد علامتين لنفس العدوى، وفي اللحظة الموالية بدا وكأن النبض يتسارع، وكأن نفس "الطائفة" قد تخدّرت أو ثملت، وابتهجت بسبب الترف الجديد. ولنفس السبب أفرغت ذاكرتها، نُقلت، أو أُخليت : وهنالك مليون دليل لإثبات ذلك. لقد كانت تقاوم للتخلّص من الشبح، ولكن فقط لتتقمّص شبحا آخر بأسرع ما يكون. ولو لم تبدأ هذه الحركة في وقت مبكّر، لتعرّت الجماعة اليهودية بشكل مسبق إلى المصادرة الاستعمارية. لست في موقع شرعي وعفوي، لكي أطرح هذا الافتراض الأخير للاختبار: لأنني أحمل الإرث السلبي، إذا جاز لي التعبير، هذه الفجوة في الذاكرة، التي لم يكن لي الشجاعة أبدا، ولا القوة ولا الوسيلة لقاومتها، ولأن عمل مؤرّخ أصيل سيكون ضروريا، وهو ما أحسست نفسي غير قادر عليه. ربّما لهذا السبب بالذات.
    *[برجزة: كلمة نحتها المترجم ليقصد بها نزعة البعض لنشر الذوق البرجوازي ومنح البعض امتيازات شبيهة بالتي تتمتع بها الطبقة البرجوازية المتوسطة أو الحاكمة
    هذا العجز، هذه الذاكرة المعاقة، هي موضوع مرثاتي هنا. هي سبب شقائي لأنني حسب ما أعتقد قد أدركتها خلال سنين مراهقتي، لما بدأت أدرك قيلا مما كان يحدث، كان هذا الإرث قد تحجّر، و تنكرز حتّى [أي أصيب بموت موضعي]، ليُصبح سلوكا شعائريا، لم يعُد معناه واضحا حتى للأغلبية الساحقة من يهود الجزائر. وكنت أعتقد في ذلك الوقت أنني كنت أتعامل مع ديانة يهودية "مكونة من إشارات سطحية ". ولكن لم يكن بوسعي أن أتمرّد -صدقوني، لقد كنت أتمرّد ضد ما أعتبره إيماءات، خاصة أيام الأعياد في المعابد اليهودية- لم أستطع أن أفقد صوابي إلا مما كان ق أصبح الآن عدوى مسيحية ماكرة: الاعتقاد الراسخ في الاستبطانية inwardness [التوجه إلى الباطن، واستغراق المرء في حياته العقلية أو الروحية-المترجم]، تفضيل النية، القلب، والعقل وعدم الثقة بالحرفية literalness [الموضوعية والواقعية والتزام الحقائق بأمانة-المترجم] أو بالفعل الموضوعي الناجم عن آلية mechanicity الجسد [بما فيه من طاقة وقوة، وقدرة على الفعل-المترجم]، وبإيجاز، تنديد، تقليدي جدّ لمذهب الفريسيين pharisaism [معتقداتهم وأخلاقهم التي تتصف بالمراء-المترجم].

    لن أركّز كثيرا على هذه المسائل، المعروفة جيدا والتي شُفيت منها كثيرا. ولكن أثيرها مرورا فقط لكي أشير إلى إلى أنن لست الوحيد الذي تأثر بهذه "العدوى "المسيحية. فالسلوك الاجتماعي والديني، وحتى الطقوس اليهودية نفسها مطبوعة بها، في موضوعيتها الملموسة. فالكناس كانت تُحاكى، والحبر (الحاخام) اليهودي يلبس الغفّارة السوداء (رداء يلبسه الكاهن في الكنيسة)، والقندلفت [شماغ) قبعة نابليونية مرتفعة؛ و "bar mitzvah" أصبح يسمّى العشاء الرباني communion، والطهور اصبح يسمّى "المعمودية" baptism. وقد تبدّلت الأشياء قليلا منذ ذلك الوقت، ولكنني أتحدّث عن الثلاثينيات، والأربعينيات والخمسينيات [من القرن العشرين].
    أما بالنسبة للغة بالمعنى الحرفيـ فلا يمكننا أن نلجأ إلى بديل مألوف، إلى نوع من اللهجة idiom الداخلية عند الطائفة اليهودية، لأي نوع من لغة اللجوء التي، مثل الييدية Yiddish [وهي لهجة من لهجات اللغة الألمانية تكثر فيها الكلمات العبرية والسلافية وينطق بها اليهود في الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الوسطى وتُكتب بالحروف العبرية-المترجم]، تضمن عنصر حميمية، حماية "بيت المرء الخاص به" ضدّ لغة الثقافة الرسمية، مساعد ثاني في أوضاع سوسيو-سيميائية مختلفة. "الأسباعبرية" Ladino [لهجة مزيج من الأسبانية والعبرية -المترجم] لا يتكلّمها الناس في الجزائر، حسب علمي، خاصة ليس في المدن الكبيرة مثل الجزائر العاصمة، حيث حدث أن تركّزت السكان اليهود. (9)
    باختصار، كان هنالك "طائفة" مقطعة ومعزولة. ويمكن للمرء أن يتصوّر الرغبة في محو مثل هذا الحدث، أو، على الأقل، تخفيفه، للتعويض عنه، وأيضا للتنصل منه. ولكن تحقّقت الرغبة أم لم تتحقّق، فإن الصدمة النفسية ستكون قد وقعت، بتداعياتها اللا-محددة، تفكّك وتركّب في آن واحد. هذه "الطائفة" ستكون قد تفكّكت ثلاث مرات بواسطة، ما يمكن أن نسميه، بنوع من العجلة هنا، الموانع interdicts . (1) أولا، فقد انفصلت عن كل من اللغة والثقافة العربية أو البربرية (والأنسب أن نقول هنا اللهجة المغاربية) . (2) فًصلت أيضا عن الفرنسية، وحتى عن اللغة والثقافة الأوروبية، والتي، من وجهة نظرها، لا تُمثل سوى قطبا بعيدا أو وطنا بعيدا، غير متجانس مع تاريخها. (3) وفصلت في الأخير، أو في البدء، من ذاكرتها اليهودية، ومن التاريخ واللغة التي يتعيّن على المرء أن يفترض أنه ملكه، ، ولكن، في لحظة ما، لم تعُد كذلك. على الأقل ليس بطريقة نموذجية بالنسبة للأغلبية الساحقة من أفرادها، وليس بطريقة داخلية "نشطة" بشكل كاف.
    انفصال مضاعف ثلاث مرات لما يتعيّن على المرء، رغم ذلك، أن يستمرّ، من خلال خيال تمثل صورته الزائفة وقسوته موضوعنا هنا، في تسميته نفس "الطائفة"، في نفس "البلد"، ونفس "الجمهورية"، ثلاث مقاطعات من نفس "الدولة-القطرية".
    أين نحن إذا؟ اين نجد أنفسنا؟ مع من يمكننا أن نتماهى لكي نؤكد هويتنا ولنحكي لأنفسنا تاريخنا؟ أولا، لمن نُـعيد سرده؟ على المرء أن يركّب ذاته، عليه أن يكون قادرا على اختلاق نفسه دون نموذج ودون مخاطب مؤكّد. هذا المخاطب يمكن ، طبعا، أن يكون أبدا مفترضا، في كل الحالات في العالم. ولكن صور هذا الافتراض كانت في هذه الحالة جدّ نادرة، مبهمة للغاية، وعشوائية إلى حد أن لفظ "ابتداع" invention يخلو من المبالغة تقريبا.
    إذا ما وصفت هذه المعطيات جيدا، فما هي أحادية اللغة إذا، أحادية لغتي "الخاصة"؟
    إن التصاقي باللغة الفرنسية يتّخذ أشكالا أعتبرها أحيانا "عصبية". فأنا شعر بالضياع خارج اللغة الفرنسية. أما اللغات الأخرى التي أقرأها وأفك شفرتها أو أتكلّمها أحيانا،وبشكل مشوّش، فلن أسكن إليها. حيث أن "السكن" يبدأ في اتخاذ معنى بالنسبة لي. والسكن. لست فقط ضائع، متروك، ودان خارج اللغة الفرنسية، بل لدي شعور بأنني أوفي بتعهداتي وأخدم كل اللهجات، باختصار، بأنني أكتب "الأكثر" و"الأفضل" عندما أشحذ متانة فرنسـتي، "النقاوة" السرية في لهجتي الفرنسية، التي كنت أتحدث عنها سابقا، وبالتالي متانتها، ومقاومتها العنيدة للترجمة؛ الترجمة لكل اللغات، بما في ذلك لهجة فرنسية أخرى كهذه.
    ليس أنني أشجّع ما لا يُترجم. فلا شيء غير قابل للترجمة، بالرغم من الوقت القليل المخصص لإنفاق أو توسيع خطاب كفء يصمد أمام قوّة النص الأصلي. ولكن "غير القابل للترجمة" يبقى -ويجب أن يبقى، كما تمليه علي قواعدي- الإيجاز الشعري في اللهجة (العبارة)، وهي الأهم بالنسبة لي، لأنني سأموت بسرعة أكبر بدونها والتي تعتبر هامة لي، أنا نفسي، حيث يفشل دوما "مقدار" شكلي معين في إعادة الحدث المميز للأصل، أي، أن تتركها تُنسى حالما تُدوَّن، لتحمل بعيدا عددها، الظل العروضي لكمّها [وحدة من الطاقة-المترجم] كلمة بكلمة، إذا أردتم، أو مقطعا. منذ الوهلة التي يتم فيها التخلي عن هذه المعادلة الاقتصادية -وهي مستحيلة تماما على فكرة- كل شيء يمكن ترجمته، ولكن ترجمة غير محكمة، بالمعنى غير الدقيق للفظة "ترجمة". أنا لست بصدد الحديث عن الشعر، فقط عن العروض، عن التفعيلات (النبرة والمقدار في زمن التلفظ). وبمعنى ما، لا شيء غير قابل للترجمة؛ ولكن بمعنى آخر كل شيء غير قابل للترجمة؛ فالترجمة تسمية أخرى للمستحيل. بمعنى آخر لكلمة "ترجمة"، طبعا، ومن معنى لآخر- من السهل لدي دائما أن أظل صامدا بين صيغتي المبالغة هاتين واللتان لا تختلفان أساسا، وتُترجمان إحداهما الأخرى دوما.
    كيف يُعبّر المرء وكيف يعرف، بيقين منسجم مع نفسه، أنه لن يسكن أبدا لغة الآخر، اللغة الأخرى، عندما تكون هي اللغة الوحيدة التي يتكلّمها، ويتكلّم بعناد أحادي اللغة، بطريقة اصطلاحية غيورة و صارمة، دون أن يكون،مع ذلك، أبدا يشعر بالارتياح فيها؟ والحارس الغيور الذي ينصبه المرء على مقربة من لغته، حتى وإن كان يندد بالسياسات القومية للغة (فأنا أقوم بهذا وذاك)، يتطلّب مضاعفة shibboleths كتحديات عديدة أمام الترجمة، والعديد من الضرائب تُجمع على حدود اللغات، العديد من التحالفات مخصصة لسفراء اللغة، العديد من الاختراعات مخصصة للمترجمين: وبالتالي ابتكر في لغتـك إذا استطعت أو أردت أن تستمع للغتي؛ ابتكر إذا استطعت أو أردت أن تجعل لغتي مفهومة، مثلما هي لغتك، حيث أن حدث عروضها لا يقع إلا إذا كان في موطنه، في المكان نفسه الذي هو "كونها في موطنها" يزعج المتعايشين معها، المواطنين، وأبناء البلد؟ أبناء بلد كل بلد، الشعراء المترجمين، الثوار ضد الوطنية! هل تسمعونني! في كل مرة أكتب كلمة، كلمة أحبّها وأحب أن أكتبها؛ في زمن هذه الكلمة، في لحظة مقطع وحيد، تستيقظ في داخلي أنشودة الدولية الجديدة. ولا أقدر على مقاومتها، فأخرج للشارع تلبية لندائها، حتى وإن كنت ظاهريا أعمل جالسا إلى طاولتي بصمت منذ الفجر.
    ولكن فوق كل شيء، و هاهو السؤال الأكثر خطرا: كيف يمكن لهذه اللغة، اللغة التي يتكلّما أحادي اللغة هذا، ومقدر عليه أن يتكلّمها، دائما أبدا، أن لا تكون ملكه؟ كيف بإمكان المرء أن يصدّق أنها تظل دائما صامتة بالنسبة لشخص يسكنها، وتسكنه بشكل حميم، وأنها تبقى بعيدة، متنافرة، غير مسكونة، ومقفرة؟ مقفرة كصحراء على المرء أن ينمو فيها ويزرع الأشياء، ويبني ويعكس ويُبرز فكرة الطريق، وأثر العودة، ومع ذلك فهي لغة أخرى.
    أقول طريق وأثر العودة، لأن ما يميّز الطريق route عن المسرب path أو عن "vis rupta” وهو جذر الكلمة، وأيضا كما تختلف الطريقة methodos عن "Odos"، هو التكرار، العود، المقلوبية، القدرة على التكرار، التكرار المحتمل لخط الرحلة. كيف يكون ممكنا أن هذه اللغة أكانت فطرية received أو مكتسبة learned ، فإن هذه اللغة محسوسة، مستكشفة، مطورة، ويجب أن تتم إعادة اختلاقها دون خط رحلة، ودون خريطة، مثل لغة الآخر.
    لا أدرى ما إذا كنت أجانب التكبّر أو التواضع إذا ما ادعيت أن تجربتي كانت، بشكل كبير، هكذا، أو أنها تشبه قدري قليلا، على الأقل من ناحية صعوبتها.
    لكن سيقال إلي، وليس دون دوافع، أن الأمر دوما كذلك بداهة -وبالسبة لكل الآخرين. فاللغة التي نسميها اللغة الأم لم تكن أبدا في صيغة الجمع، ولا خصوصية، ولا غير مأهولة. السكن: هذه قيمة مربكة وملتبسة في ذات الوقت؛ فالشخص لا يسكن ما تعوّد أن يسميه إقامة. فلا يوجد موطن ممكن دون هذا الاختلاف في هذا المنفى وهذا الحنين. ومن المؤكد، أن هذا معروف كثيرا أيضا. ولكن هذا لا يعني أن كل المنافي متساوية. من هذا الشاطئ، نعم، من هذا الشاطئ أو هذا الانجراف المشترك، كل المنافي (الاغترابات) تبقى شخصية.
    لأن هنالك تحريف لهذه الحقيقة. هذه الحقيقة الكونية البديهية لوجود إنسلاب جوهري في اللـغة -التي هي دوما لغة الآخر- و، وبنفس الشكل، في كل الثقافة. هذه الضرورة يُعاد وسـمها re-marked هنا، وتُكشف مرة أخرى، ومرّة أولى أخرى، في إطار لا يضاهى. إطار يسمّى تاريخي أو مفرد، إطار يبدو اصطلاحي، يحدده ويطرحه كظاهرة من خلال إعادته إلى ذاته.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

09-10-2004, 03:55 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    شكرا للصديقة نجاة على انزال صورة جاك دريدا


    القراءة: جاك دريدا ، ونظرية التفكيك اسم الكاتب : خالدة حامد تسكام التاريخ: 2000م

    --------------------------------------------------------------------------------



    جاك دريدا ، ونظرية التفكيك..ـــ خالدة حامد تسكام

    تعد التفكيك deconstruction أهم حركة مابعد بنيوية في النقد الأدبي فضلاً عن كونها الحركة الأكثر إثارة للجدل أيضاً. وربما لا توجد نظرية في النقد الأدبي قد أثارت موجات من الإعجاب وخلقت حالة من النفور والامتعاض مثلما فعل التفكيك في السنوات الأخيرة، فمن ناحية نجد أن بعض أعمدة النقد مثل ج.هيليس ميلر وبول دي مان وجيفري هارتمن وهارولد بلوم)، هم رواد التفكيك على الصعيدين النظري والتطبيقي على الرغم من تباين أسلوبهم وحماسهم، ومن ناحية أخرى نجد أن الكثير من النقاد الذين ينضوون تحت خانة النقد التقليدي يبدون سخطهم من التفكيك الذي يعدوه سخيفاً وشريراً ومدمراً. ولم يخلو أي مركز فكري في أوروبا وأمريكا من الجدل في قيمة هذه النظرية الجديدة في النقد.‏

    فهل أن التفكيك مدمر حقاً؟ وإذا كان الجواب نعم، كيف يكون، ذلك ولماذا؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا هذا الرعب؟لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة إلا بعد فهم مفاهيم التفكيك الأساسية وتقويمها، ولعل أفضل موضع ننطلق منه لتحقيق غايتنا هو كتاب "في علم الكتابة"(1) Of grammatology الذي يعد لسان التفكيك... العمل البارز الذي أنجزه جاك دريدا، الفيلسوف والناقد الفرنسي.‏

    وأنا أعتقد أن البحث الذي يتقصى دريدا ونظريته في التفكيك تواجهه عقبتان رئيستان، الأولى أوجدها أسلوب دريدا نفسه المتسم بإثارة الحيرة فضلاً عن مصطلحاته ومفاهيمه، أما الثانية فهي سلسلة الآراء النقدية التي تعد تأويلات interpretations غير وافية أو سوء تأويلات misinterpretations محتملة، على الرغم من الضوء الذي تسلطه على بعض المفاهيم الصعبة التي شكلها دريدا، وسوف أعمل أنا على توثيق بعض هذه التعليقات النقدية قبل الشروع بتقديم وصفي وتقويمي لمفاهيم التفكيك.‏

    يؤكد م.هـ.ابرامز أن أبرز جزء في نظرية دريدا هو: "1 ـ أنه ينقل بحثه من اللغة إلى الكتابة، النص المكتوب أو المطبوع، 2 ـ إنه يتصور النص بطريقة محددة غير اعتيادية"(1) . ولم يعمد أبرامز إلى تبسيط مكانة دريدا بوصفه تفكيكاً من خلال مساواته مع البنيويين الفرنسيين الآخرين فحسب، بل أنه شوهد إلى حد كبير حينما حاول تعريف بعض الكلمات الأساسية في النقد التفكيكي مثل "الكتابة" ecriture و"النص" text. وقد بين أن الكتابة عند دريدا هي النص المطبوع أو المكتوب وأن مفهوم النص محدد على نحو غير اعتيادي.‏

    وسأبرهن في معرض تقييمي لدريدا وتعليقي عليه أن ماجاء به أبرامز لا يتعدى كونه حفنة من سوء التأويلات التي لم يحدثنا فيها عن ماهية التفكيك بل عن أمور لا تمت إلى التفكيك بصلة.‏

    أما نيوتن غارفر فهو معلق آخر على دريدا، إذ يؤكد أن دريدا واحد من فلاسفة اللغة، وأنه يشدد على أسبقية البلاغة على المنطق:‏

    ينضوي دريدا تحت لواء الحركة التي تنظر إلى الأثر الذي تلعبه الملفوظات utterances في الخطاب الفعلي على أنه يمثل ماهية اللغة والمعنى، والذي يسبب ذلك يعد المنطق مستنبطاً من الاعتبارات البلاغية(2) .‏

    وقد حظيت الحجة التي تقول إن التفكيك حقل معرفي بلاغي بالدعم من لدن هيليس ميلر الذي يقول: "إن التفكيك بحث في الإرث الذي يخلفه المجاز والمفهوم والسرد في أحدهما الآخر، ولهذا السبب يعد التفكيك حقلاً معرفياً بلاغياً"(3) ، ويعتقد موراي كريغر أن دريدا "بنيوي نقدي قد تغلب على البنيوية وقهرها، وربما يكون قد أبطلها أيضاً، "وأضاف أن الهجوم الذي شنه دريدا يعد "شكلاً أكثر حداثة لذلك الهجوم القديم الذي شنه أفلاطون على الشاعر بوصفه خالق أساطير"(4) ، ويؤكد فريدريك جيمسون أن فكر دريدا ينفي وهم تخطي الميتافيزيقيا والهرب من النموذج القديم لغرض تمحيص الجديد وغير المكتشف(5) .‏

    ومن الممكن أن تكون هذه التعليقات مصدر تضليل إذا عددناها بياناً أو تقييماً سليماً لنظرية دريدا، على الرغم من فائدتها في سيرورة البحث في التفكيك، فنحن حينما نعد دريدا مع بقية فلاسفة اللغة الذين يعتقدون أن المنطق مستنبط من البلاغة، فإن هذا يعني سد الطريق أمام إمكان إدراك حداثة أفكاره، كما أن مساواة دريدا بأفلاطون والتأكيد على أن دريدا يكرر النزاع القديم مع الأسطورة myth يمثل إساءة لمكانة دريدا، والتأكيد على أن دريدا لم يفعل شيئاً سوى نقل الاهتمام من "الكلام" الى "الكتابة"، وبذا فإن حصر النص في حجيرة خاصة، لهو سوء تأويل حقاً. إذ ينبغي على المرء أن يكون حذر عند مقاربة المصادر الثانوية الرامية إلى فهم دريدا والتفكيك. وقد انقسم النقاد إلى فريقين... فهم أما يخفقون في فهم دريدا أو يسيئون تأويل أفكاره، ولهذا السبب لا يمكن الاعتداد بالمادة الثانوية، ولا يمكن أن نعدها مسالكاً سالكة توصل إلى عالم التفكيك، لكن مع ذلك يوجد نقاد آخرون أمثال هارولد بلوم وهيليس ميلر وبول دي مان وجيفري هارتمن الذين هم بقدر أصالة دريدا، إلا أن كل واحد منهم يشكل مدرسة تقريباً ونادراً مايفسر دريدا... المعلم العظيم الأول للتفكيك. ويعد فهم دريدا الخطوة الأولى على طريق فهم التفكيك، ومما لاشك أن الخطوة الأولى تستدعي مماحكة أفكار دريدا.‏

    ويمكن القول أن النظرية التفكيكية بحاجة إلى الكثير من التحليلات الجديدة وأن أية محاولة يقوم بها أي ناقد يحاول تحليل هذه النظرية لا تحتاج إلى التعريف بالتفكيك بالضرورة لأن مثل هذه النظرية المعقدة والشائكة تمتنع عن التعريف. وعلى العكس من ذلك بإمكان المرء محاولة تفسير المصطلحات الأساسية التي شكلها دريدا لتدمير النقد التقليدي وتسهيل فعل التفكيك... وهذه هي الخطوة الأولى التي سأقوم بها هنا، وسأنوي بعد وصف وتحليل المصطلحات التي جاء بها دريدا الإجابة عن السؤال عن الكيفية التي يتمكن بها التفكيك من إعادة توجيه النقد الأدبي، وسأبين في المراحل النهائية من تحليلي أن ما وصف بالسخف هو ليس كذلك وأن للتفكيك مضامين روحية.‏

    ومن الجدير بالذكر أن "الكتابة" و"الكلام" كلمتان محوريتان يمكن أن يبدأ بهما فهمنا. وتتمع هاتان الكلمتان بدلالة خاصة في المفاهيم التقليدية للغة، إذ أن هذه المفاهيم تنص على أسبقية الكلام وأولويته على الكتابة، وأن الكلمة المنطوقة "صوت" phone كلمة غير خارجية ولها القدرة على المحو الذاتي. كما تُعرف الكلمة المنطوقة بأنها صورة صوتية سمعية) وظيفتها هي استحضار المفهوم الذي تمثله الصورة الصوتية. وتتلاشى الكلمة المنطوقة أو الصورة الصوتية في سيرورة استحضار المفهوم، ولهذا السبب فإنها بوصفها دالاً Signifier تطفئ نفسها في سيرورة التدليل على المدلول signified الذي يكون هو الأكثر أهمية من أي شيء آخر. ولا يمكن تصور هذا المدلول إلا من خلال الصورة الصوتية التي هي الدال. ومن الممكن أن نلاحظ هنا أن ثمة شيء أشبه بالثالوث في هذه العلاقة: الذهن الإنساني، الدال الصورة الصوتية)، المدلول المفهوم).‏

    والآن، ما المكانة التي تحتلها الكلمة المكتوبة في الفهم التقليدي للغة؟ تبعاً إلى المفهوم التقليدي للغة تعرّف الكلمة المكتوبة بأنها التمثيل الكتابي للكلمة المنطوقة: وبهذا الصدد فإنها دال الكلمة المنطوقة... وهكذا فإن "الكلمة المكتوبة هي دال المدلول وتعد ثانوية بالنسبة إلى الكلمة المنطوقة"، ولا يمكن أن تقوم الكلمة المكتوبة بأي شيء عدا تمثيل الكلمة المنطوقة في حين أن الكلمة المنطوقة هي الدال. فإذا أردت أنا استحضار مفهوم "زهرة" ينبغي عليّ عندئذٍ أن أنطق صوت "زهرة" زَهَـ رَة)، والدال هو هذه الصورة الصوتية أو الصورة السمعية. لكنني حينما أكتب كلمة "زهرة" فما عليّ سوى تمثيل الصورة الصوتية من خلال بنية كتابية graphic structure ولا ترتبط هذه الصورة الكتابية بأية صلة بالمفهوم، بل إن الصورة الكتابية لا تستطيع تمثيل المفهوم لأنها بنية مرئية للصورة الصوتية غير المرئية فحسب، إنها شيء أشبه بالطيف، وهي ثانوية بالنسبة إلى الصورة الصوتية ومن الممكن إهمالها، بل لابد من إهمالها.‏

    وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الحجج التقليدية التي نسبت مكانة ثانوية إلى الكلمة المكتوبة ومكانة رئيسة للكلمة المنطوقة هي حجج ميتافيزيقية ولاهوتية (6) ، وكتب دريدا في معرض تعليقه على الأساس الميتافيزيقي الذي يرتكز عليه مفهوم الكلمة المنطوقة قائلاً:‏

    .... إن فهم الله هو الاسم الآخر للوغوس logos بوصفه حضوراً ذاتياً، ومن الممكن أن يكون غير متناه وحاضراً ذاتياً،، كما يمكن توليده من خلال الصوت بوصفه صفة ذاتية. حماسة الدال لا يمكن أن تستعير من خارج ذاتها الدال الذي تبعثه وتؤثر فيه في الوقت ذاته. وكذا الحال مع تجربة الصوت، إذ تحيا هذه التجربة وتعلن عن نفسها بوصفها إقصاء للكتابة، بمعنى آخر إقصاء للدال" الخارجي"، "المحسوس"، "المكاني" الذي يعيق الحضور الذاتي(7) .‏

    ويؤكد دريدا أن مفهومي الكلام والكتبة التقليديين هما "متمركزان حول اللوغوس" logocentric، وهذا مصطلح مهم آخر يستعمله دريدا ليعني به ما هو متجه ميتافيزيقيا أو ماهو متجه لاهوتياً(9) ، ولكي أكون أكثر دقة أود أن أوضح أن مفهومي الكلام والكتابة قد شكلتهما واشترطتهما وتحكمت بهما الميتافيزيقا. والحق أن هذا "التمركز حول اللوغوس"، هو "تمركز حول الصوت" phonocentrism.. ذلك الاعتقاد الذي يرد أن الصوت يقارب الواقع المتعالي(9) transcendental. ونجد في نظرية دريدا، أن التمركز حول اللوغوس والتمركز حول الصوت هما مصطلحان مختلفان يمثلان ظاهرة واحدة: النشوء الميتافيزيقي metaphysical genesis لمفهوم الكلام والفهم.ويركز التمركز حول العقل والتمركز حول الصوت على الصوت لأن هذين المفهومين يتولدان من الاعتقاد القائل أن الصوت يتوسط بين العقل الإنساني والواقع المتعالي. ويمكن القول أن هذه الحجة مقاربة للمفهوم الهندي لسلطة الـmantras. ويمكن تعريف الـ"mantra" بأنه صوت أو سلسلة من الأصوات. ونحن نعتقد أن للصوت سلطة لأننا نرى أن بإمكانه إثارة السلطة المتعالية إذ نعزي الأهمية إلى نبرة الكلمات التي ننطقها... فكيف يمكن لصوت كلمة معينة نطلق عليها اسم "mantra" أن يكون متمتعاً بالسلطة؟ أنه يتمتع بهذه الميزة لأننا نرى أن الصوت يعمل كوسيط بين العقل والسلطة المتعالية. وأنا لا أسعى هنا إلىتأكيد أن المفهوم الغربي التقليدي الخاص بالتمركز حول العقل، التمركز حول الصوت هو المفهوم نفسه الخاص بـmantra لكني أؤكد وجود أوجه تشابه.‏

    ونلاحظ في التفكيك أن ثمة عنصراً آخر هو "التمركز حول الكتابة" graphocentrism، وهو مصطلح مهم بحاجة إلى التفسير قبل أن يدخل في صلب نظرية دريدا. ومن الممكن أن نبدأ القول بأن الكتابة writing كتابية grphic، وأن الجرافيم grapheme هو حرف في الأبجدية أو أنه مجموع الحروف أو المجموعات الحرفية التي من الممكن أن تشير إلى الفونيم phoneme الذي يمكن تعريفه بأنه أصغر وحدة كلام تميز ملفوظاً ما أو كلمة ما من ملفوظ آخر أو كلمة أخرى في اللغة). وإذا علمنا أن الكتابة كتابية لذا يمكن القول أن الجرافيم، تبعاً إلى مايذكره المفهوم التقليدي، دال صرف يقصد به أن وحدة الكتابة ليس لها صلة عدا كونها تمثل الصورة الصوتية. ولهذا السبب يمكن القول أن المقصود بالتمركز حول الكتابة هو انتقال الأهمية من الكلام إلى الكتابة، وهو يمثل قلباً للمفهوم التقليدي القائل بأولوية الكلام أو الكلمة المنطوقة على الكتابة أو الكلمة المكتوبة.‏

    وهناك عدد من النقاد يعتقد أن التفكيك الذي جاء به دريدا يعد انتقالاً من التمركز حول العقل إلى التمركز حول الكتابة(10) ، وهذه ليست ملاحظة بريئة ولابد من التعبير عن دلالتها قبل الاسترسال في التفسير، وأنا أرى أن أفضل طريقة لتوضيح هذه المسألة هي محاولة تبسيط الأمر من خلال القياس.‏

    فإذا كان بالإمكان مقارنة الكتابة والكلام والمفهوم الذي يمثلاه بالجسد والروح والواقع المتعالي فعندئذٍ يكون التركيز على الكلام هو التركيز على الروح والتركيز على الكلام هو التركيز على التمركز حول الصوت والتمركز حول العقل). أما التركيز على الكتابة فهو التركيز على الجسدوالتركيز على الكتابة هو التمركز حول الكتابة). فإذا كان التفكيك تمركز حول الكتابة، وإذا كان التمركز حول الكتابة يعني التركيز على الكتابة فعندئذٍ يمكن تعريف التفكيك بأنه رفض لأولوية الروح وسلطة الوسيط، وأنه تحد لما هو أخلاقي، إنه الانغمار في الحياة الدنيوية، إنه يعني اختفاء الرب... فهل من المقنع أن نقول أن التفكيك عدمي؟ nihilistic ويمكن القول أن جميع هذه التوكيدات صحيحة، والجواب عن الأسئلة أعلاه هو "نعم" عن كل مايقوله دريدا، وكل مايقصده التفكيك. سأعود لهذه المشكلة بعد دراسة مصطلحات دريدا التي تعمل بصفة أدوات تفكيكية.‏

    فبعد أن عرض دريدا الأساس الميتافيزيقي واللاهوتي لمفهومي الكلام والكتابة، شرع في فحص مسألة الوصف اللساني liguistic للغة والمفاهيم التي يحاول الوصف بناءها. والحق أن دريدا يأتي كرد فعل على نظرية سوسير التي تقول أن العلامة sign اللسانية هي وحدة الدال والمدلول. وتزعم اللسانيات الحديثة، التي ترتكز على مفهوم الدال والمدلول، والبنيوية، التي تدين لذلك المفهوم، إنهما جعلتا من دراسة اللغة، وفعل النقد حقلين معرفيين علميين، وقد بين دريدا أن هذا الزعم هو خداع فحسب، لأن مفهوم الدال والمدلول في اللغة الذي جاءنا من اللسانيات هو صورة أخرى لمفهوم الكلام والكتابة التقليدية. وقد لاحظ دريدا في أثناء عرضه للعلاقة المتبادلة بين الميتافيزيقا واللاهوت، ما يأتي:‏

    دائماً ما يوحي مفهوم العلامة داخل ذاته بالفرق بين الدال والمدلول... حتى إن تم تمييزهما بأنهما وجهان لعملة واحدة، ولهذا السبب يبقى هذا المفهوم في ضمن تراث مفهوم التمركز حول العقل الذي هو في حقيقته تمركزاً حول الصوت: التقارب المطلق للصوت والكينونة being، وللصوت ومعنى الكينونة ومثالية المعنى OG،ص 12-11).‏

    ولهذا السبب فإن نسق اللغة الذي يقال أن اللسانيات جعلته علمياً وأن البنيوية استعارته بحماس بوصفه نموذجاً للنقد، هو في حقيقته النسق القديم نفسه، أي نسق التمركز حول اللوغوس ـ التمركز حول الصوت الذي هو نتاج الميتافيزيقا.‏

    ومن الواضح أن دريدا حشر الميتافيزيقا واللسانيات في خانة واحدة وهذا يعني أن الميتافيزيقا فسحت المجال أمام اللساني ليتصور ظاهرة اللغة في ضوء القطبية الثنائية. بمعنى أن المفاهيم الميتافيزيقية... مفهوم الواقعي والمثالي، مفهوم الجسد والروح، مفهوم الخير والشر... قد فسحت المجال أمام اللساني ومكنته من تصور اللغة في ضوء قطبية ثنائية مشابهة. وتعد الحدة اللسانية، التي تقول إن الصورة السمعية تستحضر المفهوم أي أن الدال يستحضر المدلول)، تركيزاً على أولوية الكلمة المنطوقة على الكلمة المكتوبة، وبهذا الصدد فإن اللسانيات البنيوية هي صورة معدلة عن الإهمال التقليدي للكتابة، ذلك الإهمال الذي نتج عن النفور الفلسفي والميتافيزيقي من الطابع الخارجي والمرئي والمجسد للكلمة المكتوبة، ويتضح من ذلك أن خلف مفهوم اللغة التقليدي. وخلف مفهوم العلامة اللسانية عند سوسير كمنت ميتافيزيقا على شكل قوة اشتراطية قوية.‏

    وقد أطلق دريدا تسمية "المفهوم السوقي للكتابة" على مفهوم الكتابة الذي أهمله مفهوم اللغة التقليدي واللسانيات الحديثة، وعدّاه مفهوماً ثانوياً، أي شيئاً ليس له وجود إلا لغرض تمثيل الصوت الذي تجسد الكتابة. ويضيف قائلاً أن الاعتقاد الذي ساد في التراث الغربي بصدد الكتابة هو أنها "الحرف" و"النقش المرئي"، و"الجسد والمادة"، الخارجية بالنسبة إلى العقل. وهذا هو المفهوم السوقي تحديداً. وقد نبذ دريدا هذا المفهوم السوقي الذي كان يوجه فهمنا للغة،على الرغم من أننا لم نكن واعين به تماماً، مثلما وجه أداءنا في ميدان النقد الأدبي من خلال دفعنا إلى الاعتقاد بأن كل شيء يستنبط المعنى ويعطيه فقط حينما يرتبط بفكرة ما، والتي ينبغي أن ترتبط، بالمقابل، بفكرة أخرى وهكذا دواليك بحيث أن هذه الأفكار كلها ستتجمع في فكرتنا عن الكينونة المتعالية، ولهذا السبب أصبحت فكرتنا عن الكينونة المتعالية تعمل بمثابة فكرة تتحكم في أفكارنا عن اللغة، وأفكارنا في النقد.‏

    ... وهكذا أصبح نقد قصيدة ما اكتشافاً لمعناها.. ذلك المعنى الذي يعد فكرة أو مفهوماً يمكن ربطه بفكرة أخرى، وسوف تتجمع عملية ربط الأفكار بعضها بالآخر في فهمنا للكينونة المتعالية. ومن الجدير بالإشارة أن جميع شذرات الأفكار التي يمكن نسجها في نسق واحد، يجمعها مركز واحد تمثله فكرتنا عن الكينونة المتعالية، وإن احتمالية النسق توحي بوجود المجموع. ويمكن تعريف المبدأ الجمعي بأنه فكرة الكينونة التي هي إبداع الميتافيزيقيا، وقد تمثلت محاولة دريدا بتحرير فهمنا للغة وفعل النقد من هذا التأثير الجمعي الذي مارسته الميتافيزيقا، وقد توصل إلى عملية التحرير هذه من خلال صياغته لمصطلحين جديدين من الممكن أن يبطلا مفهوم اللغة القديم وطريقة النقد القديمة. إلا أن أذهاننا خضعت لاشتراطات الفهم التقليدي للغة سواء كنا واعين بذلك الفهم أم لا. فنحن حينما نزعم أننا صغنا أفكاراً جديدة فإننا لم نفعل في حقيقة الأمر سوى تحويل الأفكار القديمة، فعلى سبيل المثال أن المصطلحات اللسانية التي جاء بها سوسير التي يقال عنها بأنها أحدثت ثورة في فهمنا للغة هي نتاج آخر للميتافيزيقا. فنحن نكرر أنفسنا حينما نقول إن نسق اللغة الجديد علمي،، والحق أن بالإمكان أن تتولد أفكار جديدة حينما تكون أذهاننا محايدة. وإن القصد من وراء عرض دريدا للأساس الميتافيزيقي للغة والنقد هو دفع أذهاننا إلى الحيادية لأننا ندرك تماماً أن ظاهرة طبيعية تماماً مثال اللغة تخفي في داخلها بذور الميتافيزيقا، بل حتى التفسير العلمي للغة الذي قدمه سوسير هو في الحقيقة ضحية للميتافيزيقا.‏

    وقد شرع دريدا، بعد عرض الأساس الميتافيزيقي الذي تقف عليه اللغة، في صياغة مصطلحاته الخاصة التي بإمكانها توليد فهم جديد للغة.. وتشكل هاتان الخطوتان بنية التفكيك. وسأبدأ الآن بوصف وتقويم المصطلحات التفكيكية.‏

    لقد استند مفهوم الكتابة الجديد الذي صاغه دريدا إلى ثلاث كلمات معقدة جداً، هي: الاختلاف difference والأثر trace والكتابة الأصلية‏

    arche- writing. وسأعمل على تفسير كل مصطلح من هذه المصطلحات الثلاثة بأوسع قدر ممكن تسمح به محددات هذا المشروع، وسأبين الكيفية التي تؤدي بها هذه المصطلحات إلى فعل التفكيك. فالاختلاف يشير إلى فعلين actions: 1 ـ أن يختلف، أن لا يكون متشابهاً "differ:"، 2 ـ أن يرجئ ويؤجل(11) ، "deffer" وينبغي الانتباه إلى إن الأول مكاني spatial والثاني زماني temporal. ويرى دريدا أن كل علامة تؤدي هذه الوظيفة المزدوجة: أي الاختلاف والتأجيل، ولهذا السبب تكون بنية العلامة مشترطة من قبل الاختلاف والتأجيل، وليس من قبل الدال والمدلول، بمعنى أن بنية العلامة هي الاختلاف الذي يعني أن العلامة شيء لا يشبه علامة أخرى، وشيء غير موجود في العلامة على الإطلاق. ويمكن توضيح ما ذكرناه بالمثال الآتي: فنحن نميز بين كلمتي three وتعني ثلاثة)، وtree وتعني شجرة)(2) ، "في الكلام والكتابة، فهما مختلفان تماماً وتكشفان عن هويتهما identity. ويعد هذا الاختلاف إحدى القوتين الموجودتين في كل علامة. أما القوة الأخرى في العلامة فهي قدرتها على الإرجاء، أي قابليتها على التأجيل، فعلى سبيل المثال إن كلمة "وردة" في قصيدة ما لا تبدأ بكشف المعنى إلا حينما يدرك أنهاليست تلك الوردة التي نراها في الواقع. بل إن لها شيئاً آخر، ذلك الشيء الذي ينبغي اكتشافه. ولهذا السبب فإن العلامة نصفها وافي والنصف الآخر غير واف. وهذه الحقيقة ضرورية لبداية فهمنا إلا إنها غيركافية بسبب نقصها. ومثلما أكد سوسير فإن العلامة هي ليست الدال + المدلول بل العلامة هي الاختلاف + الإرجاء. ويرى سوسير أن العلامة اتحاد في حين يراها دريدا اختلاف.‏

    وبما أن العلامة غير وافية وناقصة لذلك ينبغي أن تفهم على إنها "تحت المحو" under erasure وهو مصطلح صاغه دريدا ليشير إلى عدم كفاية العلامات ونقصها. فهي مكتوبة لكنها مع ذلك مشطوبة، فنحن نشطبها لنشير إلى نقصها. ولهذا السبب تحمل كل علامة هذه الإشارة عليها. فعلى سبيل المثال إن كلمة "مرئي" التي استعملها آنفاً لم تحمل أية إشارة واضحة عليها، لكنها علامة برغم ذلك، لكن إذا نظرنا إليها من زاوية تفكيكية فإنها ستظهر عندئذٍ علامة مشطوبة، على النحو الآتي: "مرئي". وينبغي ألا نأخذ فكرة تشطيب العلامة على نحو حرفي، بل على نحو إيحائي فقط. فهذه الشطبة توحي بنقص العلامات وعدم كفايتها، بل عدم قطعيتها. إذ لا توجد علامة يمكن أن نقول عنها إنها دال لشيء أزلي، فهي لا تتمتع بأية قيمة مطلقة، كما إنها لا تحيل أي شيء متعال... فالعلامة سياقية contextual وهي تخلق سراب المدلول، وإن جل ما تستطيع القيام به أنها ترسلنا بحثاً عما تحتاج هي إليه وتذكرنا بما هو غير كائن فيها، ولهذا السبب أن العلامة "أثر"، فهي ليست التمثيل المرئي أو الكتابي المحسوس للصورة الصوتية بل إنها الأثر الذي يصفه دريدا بأنه ليس طبيعياً، أي أنه ليس الإشارة أو العلامة الطبيعية أو المؤشر index بالمعنى الهوسرلي)، أكثر من كونه ثقافياً، وإنه ليس مادياً أكثر من كونه نفسياً، وإنه ليس بيولوجياً أكثر من كونه روحياً.‏

    إن ماهو كائن في العلامة يحرك الذهن باتجاه ماهو غير كائن فيها، ولهذا السبب فإن ما هو موجود في العلامة يحمل أثر ماهو غير موجود فيها،وتستطيع العلامة أسر الذهن لأن بمقدورنا أن تذكرنا بما هو غير موجود فيها، وتستطيع عبر هذا التذكير تحفيز الذهن ودفعه إلى الحركة. وهكذا نقول أن العلامة أثر، وتحمل في أثرها قوتين هما الاختلاف والإرجاء. وهكذا صار من الضروري أن يتغير مفهوم الكتابة مع ظهور مصطلحي "الاختلاف"، و"الأثر"، إذا ما عاد بالإمكان الإبقاء على تعريفها بأنها "الحرف" و"النقش المحسوس" و"الجسد والمادة"، الخارجية بالنسبة إلى العقل. وعند محاولة دريدا تعريف الكتابة وضح ذلك قائلاً: "... إنها النقش عموماً، سواء كان ذلك حرفياً أو غير حرفي حتى وإن كان ماتم توزيعه في الفراغ المكان) غريباً عن نظام الصوت..."، OGص9)(12) .‏

    وبهذا المعنى يمكن أن نعد التصوير السينمائي والرقص والبالية والموسيقى والنحت جميعها كتابة. وقد لاحظ دريدا عند التوسع بمفهوم الكتابة هذا أن:‏

    المرء قد يتحدث أيضاً عن الكتابة الرياضية أي الرياضة عموماً) أو الكتابة العسكرية أو السياسية في ضوء التقنيات التي تتحكم بهذه المجالات حالياً.وهذا لا يصف نسق الدلالة الذي يرتبط ارتباطاً ثانوياً بهذه الأنشطة فحسب، بل يصف أيضاً ماهية هذه الأنشطة ذاتها ومضمونها. OGص9),.‏

    فاللغة بذاتها هي كتابة ضمن ذلك المعنى OGص. وقد لاحظ غيتاري سبيفاك: أن "ثمة شيء يحمل في داخله أثر التغيير الأزلي، أي بنية النفس، بنية العلامة، ويطلق دريدا على هذه البنية اسم "الكتابة"(13) ، وقد ذكر سبيفاك الملاحظة الآتية في معرض توضيحه لمفهوم الكتابة: "هكذا نجد أن الكتابة هي اسم البنية التي يسكنها الأثر دائماً. وهذا مفهوم أوسع من المفهوم التجريبي للكتابة الذي يشير إلى نسق دلالة تجريبي على جوهر مادي" OGص: XXXIX ).‏

    وقد أطلق دريدا اسم "الكتابة الأصلية" على الفرق بين مفهوم الكتابة هذا ومفهوم الكتابة السوقي الضيق. وتعمل الكتابة القوسية في التعبيرات الكتابية وغير الكتابية. والكتابة بمعناها الضيق تعد كتابة graphic تعتمد مفهوم الجرافيم الذي هو في حقيقته دال صرف. أما في النظرية التفكيكية التي حدد دريدا أبعادها، فقد أصبح لصفة الكتابية معنى مختلفاً عن المعنى الذي كان متداولاً في الاستعمال التقليدي ويمكن القول أن الشكل الكتابي graphe هو "أثر متمأسس" OGص46).‏

    وقد أصبح التوجه نحو التمركز حول الكتابة النظرية التفكيكية دلالة تضمين واسعة بسبب الأثر المتمأسس، ولهذا السبب فإن التغيير الذي أحدثه دريدا لم يكن تغيير بالأهمية التي تمتع بها مفهوم الكتابة على مفهوم الكتابة قدر تعلق الأمر بالفهم التقليدي لهذه المصطلحات. إذ يوحي التمركز حول الكتابة، بالمعنى الذي حدده دريدا، بالتوجه الذي يسلكه الفهم على نحو يدفع الذهن إلى تصور وظيفة الأثر في أنواع التعريف كلها التي تسير الوعي أو الإدراك، فالأثر يبدي عمله في صورة البورتريت الصورة الشخصية)، والملصق الجداري البوستر) واسم العلم. والإيماءة والكلمة المنطوقة والكلمة المكتوبة، وغيرها.ويمثل التمركز حول الكتابة الإدراك الجديد لوظيفة الأثر. فأنا حينما أتصور صورة شخصية يبدأ ذهني أو إدراكي بالعمل رغبة مني في فهم دلالة هذه الصورة، وتعد عملية اشتعال الذهن غير مادية، فالذهن يتحرك بحثاً عن شيء بعيد عما موجود في الصورة بمعنى البحث عن شيء خلف بصماته الشبحية على الصورة)، وتلك هي وظيفة الاختلاف. في حين أن البصمة الشبحية هي الأثر. لأن الأثر بذاته غير موجود OGص167)، ويمكن تعريف التمركز حول الكتابة بأنه هذا الإدراك الحسي الجديد بأن شيئاً ما، شيئاً غائباً، قد ترك بصماته بصماته الشبحية) على الموضوعات التي تخلق حركات معينة في الذهن وتلك البصمات الشبحية هي الأثر). ويبدأ الأثر بالعمل من خلال الاختلاف والإرجاء الاختلاف + الإرجاء = الاخـ "ت" لاف)(3) .‏

    ويتم عرض مفهوم اللغة التقليدي بوصفه أسطورة... فقد كان ينطوي بداخله على شيء غامض: مثل قرب الصوت من المدلول، وغيرها. ونلاحظ أن العنصر الغامض هو العنصر الميتافيزيقي، فقد كانت الميتافيزيقا تسيطر على مفهومنا للغة. وقد صاغ دريدا مصطلحات جديدة وشكل مفاهيم جديدة حتى يتكون فهماً للغة متحرراً من مفهوم الميتافيزيقا. ولهذا السبب يعدتحرير فهم اللغة من الميتافيزيقا إزالة للغموض والحيرة. إذ يتم التخلص من العنصر الغامض تماماً. وإن إزالة الغموض هو في حقيقته إزالة للأسطرة والحيرة، إذ يتم التخلص من العنصر الغامض تماماً. وإن إزالة الغموض هو في حقيقته إزالة للأسطرة الطابع الأسطوري) أيضاً(14) . ومن الصواب أن نقول أن التفكيك يبدأ بإزالة الغموض وإزالة الأسطرة في الفهم التقليدي للغة.‏

    لقد انطوت دراستنا هذه للتفكيك على ثلاث مراحل، تمثلت المرحلة الأولى في تسليط الضوء على مفهومي الكلام والكتابة، واشتملت على مسألتين مركزيتين هما: السبب الذي يكمن وراء الاعتقاد السائد الذي يقول بأسبقية الكلام وأولويته على الكتابة، وما مدى البعد الذي وصلته الميتافيزيقا في تأثيرها. ودرسنا في المرحلة الثانية الزعم اللساني القائل أن اللسانيات الحديثة أضفت طابعاً علمياً على دراسة اللغة وجعلتها حقلاً علمياً. وتمثلت المسألتين المركزيتين اللتين تناولتهما في هذه المرحلة بتأكيد أن المفهوم اللساني للعلامة هو صورة أخرى للمفهوم التقليدي للكلام والكتابة، وعلى أن اللسانيات الحديثة هي ضحية الميتافيزيقا، وتتألف المرحلة الثالثة من وصف مصطلحات دريدا وتقويمها: الاختلاف والأثر والكتابة الأصلية. وقد سلطنا الضوء على دلالة مصطلح التمركز حول الكتابة من منظور دريدا.‏

    وبناء على ماسبق، لقد تغير فهمنا للغة، فما هو مصير النقد؟ يبدأ الجواب عن هذا السؤال بافتراض أن الأدب هو شكل من أشكال الكتابة، وإن القصيدة أو القصة أو أي عمل أدبي هو بنية آثار... تلك الآثار التي تعرف أنها بصمات شبحية لا نعرف ماهيتها إلا إننا واثقون من كينونتها ووجودها. أما النقد، الذي يعرف بالدرجة الأساس بأنه بحث في كلمة، سطر، نص، أو أي شيء يحرك الذهن من نقطة إدراك حسي معينة إلى عوالم البحث بمعية دفع قوي للتأويل، فإنه يبدأ بالشك، الشك الذي يستند إلى الإقناع، فالناقد يشك في مظهر العلامة كأن تكون كلمة، سطراً، قصة تمثالاً، صورة بورتريت،... الخ). وذلك لأنه يحمل قناعة مؤداها أن ما يظهر له هو ليس كل شيء، بل هناك شيء آخر، فنحن لا نكتفي بالأشياء كما هي، بل نرغب بالبحث فيها والتوغل إلى أبعد من حدودها لاكتشاف أسرارها لأننا نشعر أن ثمة شيئاً مفقوداً أو شيئاً غائباً عما نتصوره نحن وندركه حسياً، وإن هذا الشعور الأزلي بأن هناك شيئاً مفقوداً أو غائباً هو الكتابة الأصلية. ويعد الأدب واحداً من أنواع التعبير عن الكتابة الأصلية، بينما يعد الرسم نوعاً آخر، والموسيقى نوعاً آخر أيضاً، وتعمل الكتابة الأصليةبصفة آثار في الموضوعات. فالآثار أشبه ماتكون بطبع الأقدام.... فمن هو الذي مشى على الرمال؟ لقد مشى أحدهم وخلف وراءه آثار أقدامه في كل مكان، وإن كل تلك البصمات الإشارات) التي تركها خلفه تذكرنا به إلا أنه مفقود وغائب. ويمكن تعريف الكتابة الأصلية بأنها إدراكنا حقيقة انه مفقود، وأنه غائب، والذي يرافقه الشعور بالمعاناة المتولد من تجربتنا التي نستشف منها عدم القدرة على اكتشاف هذا الغائب على الرغم من صمتنا المطبق أو عنفنا الصارخ، فكل البصمات الإشارات) التي يخلفها وراءه هي الآثار... البصمات الإشارات)، الشبحية، إذ أن هذه البصمات الإشارات) هي التي تؤكد حضور هذا الغائب على الرغم من غيابه، فياله من موقف غريب حقاً! وربما كان التشخيص ـ أي إضفاء الصفات الشخصية على غير العاقل ـ صيغة من صيغ التبسيط إلا أنه قد يساعد على الفهم.‏

    وقد اعتاد النقد التقليدي الظهور مع فكرة ما عبر المواجهة مع العمل الأدبي، ولهذا السبب يعد نقد القصيدة اكتشافاً لمعناها. ولهذا فإن المعنى فكرة أو مفهوماً يمكن أن يلحق بفكرة أخرى أو مفهوماً آخر والاستمرار بهذا الإلحاق حتى تلتحم هذه الأفكار في فكرة الكينونة المتعالية أو الحقيقة المتعالية. لكننا لا نعي حقيقة أن ما نسميه "المعنى" هو في حقيقة الأمر فكرة تتخذ من الميتافيزيقا ملاذاً لها. ولم تنج البنيوية، التي يقال عنها بأنها سيرورة ثورية،من قبضة الميتافيزيقا، وأن القول أن البنيوية توحي بالنسق، يعني أن هناك مركزاً في مكان ما، وذاك المركز هو المفهوم المركزي الذي من الممكن اكتشافه بوصفه مفهوم الكينونة أو السلطة المتعالية. ويوحي مفهوم النسق أن كل شيء مفهوم على أفضل وجه، أو أنه قابل للفهم في الأقل، فحيثما وجد النسق ينعدم الإرباك أو التشويش الخلط).‏

    وسيؤكد التفكيك على أن هذه أوهام فحسب، إذ كل ما نزعمه بأنه الحقيقة أو الكينونة هي "فبركة" ليس إلا. فهذه الكلمات تمثل فبركات مهولة تشير إلى الفشل في بحثنا عن المعنى، و هذه يعني في مرحلة ما من مراحل تاريخ البحث عن المعنى أن الباحثين أعلنوا، لسبب أو لآخر، أنهم وصلوا إلى آخر نقطة ممكنة من بحثهم وأنه لا ينبغي القيام بأي بحث آخر يتجاوز هذه النقطة، ولغرض حماية ما أسموه "النقطة النهاية" من الإهانة التي يمكن أن تنسبها إليهم البحوث المستقبلية، عزو لتلك النقطة نوعاً ما القدسية وأسموها الحقيقة truth أو الكينونة being أو أي شيء آخر، وقد عملت نقطة البحث النهائية أو المفهوم المقدس بصفة مركز للنقد بنوعيه التقليدي والبنيوي. لذلك كان ثمة خداع كبير سار على هداه نشاطنا النقدي وفهمنا للغة.‏

    وأخيراً ينبغي عليّ العودة إلى قضية النقد. فقد كان النقد، بالمعنى التقليدي، تطبيقاً لنموذج يرمي إلى فهم العمل الأدبي، وربما يكون هذا النموذج فلسفياً أو أخلاقياً أو دينياً أو لسانياً. ومن المحتمل أن الناقد غير واع تماماً بحقيقة أنه يطبق نموذجاً معيناً، فالذي نطلق عليه اسم "التقويم الذاتي" هو في حقيقته غير ذاتي، فنحن نلحق ما هو موجود في العمل الأدبي بشيء ما في سيرورة ذلك الفهم الذي يؤدي إلى التقويم. ومن الممكن أن يكون هذا الـ"شيء ما" هو النسق الأدبي الذي منح الكلمات والأفعال actions والظواهر إمكانية توليد المعنى. فعلى سبيل المثال، إذا حاولت تفسير قصيدة "The Lake Isle Of Innisfree" ، سأتمكن من ذلك أما من خلال ربط مضمون القصيدة بالمعلومات المتوفرة التي تتعلق بحياة الشاعر.. تلك المعلومات التي تخص مزاجه وكآبته وتأملاته في الطبيعة السريعة التغير، وسرعة زوال الأشياء الجميلة، ونفوره من المكاسب المادية وعشقه للحياة الحالمة. ثم أبدأ بربط هذه الأفكار الموجودة في القصيدة بهذه الأفكار الخارجية التي تعمل بصفة نسق لربط الأفكار في القصيدة. ولهذا السبب تصبح الأفكار التي تزخر بها القصيدة ذات معنى فقط، حينما أشرع أنا بعملية ربط هذه الأفكار بما هو خارج عن القصيدة. وفضلاًعن ذلك فإني قد أبدأ بالبحث في سبب كآبة الشاعر وأسباب عشقه للحياة الحالمة، وأسباب دفعه إلى كراهية المكاسب المادية. ونلاحظ في هذا النوع من النقد أن التركيز لا يكون على النسق بحد ذاته لأن التركيز على النسق لدراسة النسق ذاته يؤدي بنا إلى البنيوية. فعلى سبيل المثال: ما المغزى الأدبي من ترك الموطن الرئيس والذهاب إلى جزيرة؟ هل هناك مغزيات أخرى الجواب: نعم بالتأكيد، ونجد في بعض شخصيات شكسبير الكوميدية مثل مسرحية "كما تحبها"، و"حلم ليلة منتصف صيف" أن الشخصيات تغادر المدينة لائذة بالغابات التي يتم فيها حل الصراعات وانتشار الحكمة، وعلى هذا الغرار هناك عدد من الشخصيات في "القصائد والروايات التي تغادر المدن متوجهة إلى الجزر المعزولة، ومثال ذلك شخصية "بروسبيسو" في مسرحية "العاصفة" وشخصية "جيليفر" في رواية "رحلات جيليفر".ولهذا السبب نجد أن رغبة الشاعر ييتس باللجوء إلى جزيرة Innisfree تحاكي رغبة الكتاب السابقين. ونحن نقر بأننا نفهم القصيدة لأننا نألف هذه القناعة، أي الاقتناع بترك المدينة ومباهجها واللجوء إلى الجزيرة ذات معنى كبيرة من الشعر، ذلك لوجود قناعة أدبية أو اتفاق أدبي بأن لهذه الفكرة معنى ما وهكذا نجد أن بإمكان التحليل البنيوي أن يركز على العناصر الأخرى للقصيدة بغية دراسة النسق الشعري. وقد طبقت في المثال الأول، أي مثال التطبيق غير البنيوي، نماذج معينة متعارف عليها في الأدب على القصيدة فقط من أجل فهم القصيدة. أما في المثال الثاني، أي مثال التفسير البنيوي، فقد استعملت القصيدة وعناصرها لدراسة النسق الشعري أو لدراسة نماذج الأدب المتعارف عليها. وينبغي الإشارة هنا أن التفكيك لا يمثل أياً من هاتين الحالتين، أو نقيضهما.‏

    فالتفكيك لا يمنح الناقد أي نماذج، ولا يطبق أي نموذج على النصوص الأدبية، بل إنه يدمر جميع النماذج الموجودة ولا يقدم أي نموذج، ولهذا تسبب الكتابة التفكيكية حيرة كبيرة. فعلى العكس من النقد البنيوي لا يؤمن النقد التفكيكي بوجود نسق يمكن فهمه. إذ توحي فكرة النسق بأن الأشياء منتظمة أو من الممكن جعلها كذلك، إلا أن هذه الفكرة مصدر مواساة حقاً، ونحن نفضل المواساة على الحيرة. وعلى الرغم من أن المواساة قد تنطوي على خداع لكنها أفضل من معاناة الحيرة. وقد أعلن البنيوي، بعد أن واجهته مشكلة تعقيد الأدب والأذهان التي تكمن وراء الأعمال الأدبية، أن التعقيد قابل للتحليل ويمكن فهمه، ويزعم وجود نسق أدبي بإمكانه تفسير التعقيدات. إنه تأكيد الإرادة التي تجعل البنيوي يزعم هذا الزعم، فالبنيوية هي التوكيد لإرادة الإنسان وقدرتها على حل ماهو معقد، وعلى العكس من ذلك يبحث التفكيك في إمكانية النسق، ويتساءل عنها وعن الكيفية التي جاءت بها التقاليد والمواصفات الأدبية إلى الوجود. فالمواجهة القائمة بين الوعي الإنساني ونسق العلامة هي من التعقيد بحيث يصعب فهمها. ولهذا السبب، يؤكد التفكيك، تبعاً إلى ما يذكره ديفيد اليسون، على ضرورة إعادة التفكير بمشكلة اللغة كلها(15) ، وربما كان من الضروري وجود حقل معرفي جديد يستعمل أصول الكلمات etymology ) وعلم النفس معاً بصفة حقل معرفي واحد لأداء هذه المهمة. ونلاحظ هنا أن التفكيك ينبذ الميتافيزيقا والفلسفة بوصفهما من أنماط الإدراك الخادعة، كما أن اللسانيات التي كانت تخفي الميتافيزيقا في نماذجها الخاصة باللغة، لا تلائم التفكيك، وكذلك لا يلجأ التفكيك إلى البنيوية التي ترتكز بقوة على اللسانيات.‏

    قد يبدو التفكيك حقلاً تحكمه قواعد وأنظمة ولغة خاصة يصعب على المبتدئ فهمها، إلا أن الحقيقة مختلفة، فنحن لدينا قواعد وأنظمة ولغة خاصة في النظريات النقدية التقليدية أكثر مما في التفكيك، فالمبتدئ يواجه مصطلحات تقنية كثيرة مثل شخصية، حبكة، موضوع، صورة، رمز، شعر غنائي، قصيدة، و....الخ، وقد استعملناها مراراً وتكراراً حتى أنها أصبحت طبيعية بسبب ذلك. وفضلاً عن ذلك، فإننا إن لم نفهم المصطلحات التي على شاكلة "اختلاف"، "أثر"، "كتابة أصلية"، .... الخ، فإننا لا نتمكن من فهم واستيعاب أي عمل مكتوب ينضوي تحت هذه النظرية إذ من الصعب فهم أي شيء جديد. إلا أن المرء سيفيد من تعلم هذه النظرية كثيراً إذا ما تحمل الجهد أولاً. وتتمثل هذه الفائدة في أننا نتساءل في صلة فهم الإنسان وعالمه بالمعرفة، ويلقي التفكيك ضوءاً جديداً على عملياتنا الفكرية. ويخبرنا أن سلطة الأدب ليست متأتية من سلطة الأدب ولا من سلطة اللغة لأن سلطة اللغة، شأنها في ذلك شأن سلطة الموسيقى والرسم والنحت والطقوس... الخ، ترجع إلى حسّ بدائي أصيل بشيء: مفقود وغائب، وتوجيه إدراك الإنسان بعد ذلك..‏

    الهوامش:‏

    (1) ـ هـ. أبرامز "الملاك التفكيكي" مجلة البحث النقدي 31977)، ص 428.‏

    (2) ـ نيوتن غارفر، تمهيد لكتاب "الصوت والظاهرة"إيفانستون: مطبعة جامعة نورثويسترن، 1973)، صxxii. ويوضح غارفر في معرض تعليقه على مكانة المنطق والنظرية في فلسفة اللغة، قائلاً: "نجد في تاريخ الفلسفة الغربية، إن فلسفة اللغة ـ وبضمنها الكثير من الميتافيزيقا ـ قد اعتمدت المنطق أكثر من اعتمادها البلاغة" التمهيد صxi). لكنه وضع في تعليقه على الحركتين اللتين حدثتا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين، قائلاً: "لقد كانت الحركة الأولى تعزيزاً لفلسفة اللغة التي تعتمد المنطق إلا أن الحركة اللاحقة كانت تدميراً لذلك التراث، تدميراً يتحدث عنه دريدا بوصفه ختاماً للميتافيزيقا"التمهيد، ص xxii).‏

    (3) ـ ج. هيليس ميلر "الناقد مضيفاً"، مجلة البحث النقدي 31977)، ص 41.‏

    (4) ـ موراي كريغر، "نظرية النقد"، بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1972)، ص 220-243.‏

    (5) ـ فريدريك جيمسون، "سجن اللغة"، برنستون: مطبعة جامعة برنستون، 1972)، ص 176.‏

    (6) ـ "لقد اقترن نسق اللغة بالكتابة الأبجدية الصوتية، ذلك النسق الذي تولدت فيه الميتافيزيقا المتمركزة حول العقل اللوغوس)، التي تحدد معنى الكينونة بأنه الحضور. لقد كان هذا التمركز حول اللوغوس مطوقاً دائماً ومضطهداً لأسباب أساسية بعيدة تماماً عن التأمل في أصل الكتابة والمكانة التي تحتلها..."جاك دريدا، "في علم اللغة" ترجمة غياتري تشابرافورتي سبيفاك ـ بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1972)، ص 43، وقد كانت الاقتباسات تلحق بالرمز O.G).‏

    (7) ـ لقد أوضح جاك دريدا في تعليقه على الخلفية الميتافيزيقية لمفهوم الدال ـ المدلول قائلاً: "يعودالاختلاف بين الدال والمدلول إلى الحقبة الأخرى التي شملت تاريخ الميتافيزيقا، هذا إذا نظرنا إلى الموضوع من منظور ضيق وضمني، أما إذا ضيقنا المنظور أكثر فسننظر إلى حقبة الخلق والتنامي المسيحية التي تلائم المفاهيم الإغريقية" OG، ص 13).‏

    ( ـ من الممكن أن نتعرف على التمركز حول العقل بالميتافيزيقا، لأن كلاهما تعبير عن الرغبة بالمدلول، ويجد التمركز حول العقل اللوغوس) المعنى كله في العقل اللوغوس)، تلك الكلمة التي تعكس العقل الإلهي.‏

    (9) ـ يمثل التمركز حول الصوت رفضاً للكتابة بوصفها تقنية فحسب، وكذلك توكيد تقارب الكلمة المنطوقة من المدلول. فالكلمة المكتوبة لا تفيد إلا بصفة مدلول للكلام.‏

    (10) ـ "تنطلق هذه الحركة مما يسميه هو النموذج المغلق"، المتمركز حول العقل للآراء التقليدية أو الكلاسيكية للغة والتي يؤكد هو أنها تعتمد وهم الكينونة المتعالية الأفلاطونية أو المسيحية أو الحضور الذي يضمن المعاني)، وصولاً إلى ما أسميته أنا "نموذجه المتمركز حول الكتابة"، الذي يعد الحضور فيه بمثابة بصمة على البياض"م.هـ. إبراز،"الملاك التفكيكي)" ص، 429).‏

    (11) ـ يقول موراي كريغر إن مفتاح النقاش حول كلمة difference أي الاخـ "ت" لاف)، هي اللعب على الكلمة الفرنسية differ التي تعني المعنيين الآتيين: (1) to differ أي يختلف ولا يشبه) (2) to defer أي يرجئ أو يؤجل)، اعتماداً على الفرق بين الكيانات الحاضرة المختلفة الاختلاف)، الكيانات المتشابهة، إحداهما حاضرة والأخرى غائبة تفصل بينهما فجوة زمنية الإرجاء). وهناك بعض أوجه الخداع في "الاختـ"ت"لاف" وهي أن a) غير مسموعة وإن كانت مرئية، وإن المصطلح لا تقابله أية كلمة، وبدا ؟؟؟؟؟؟؟ يفيد فقط في المساعدة على تذكر الكلمة التي يتباين عنها، ولا تكون موجودة بصفة مفهوم لأنها تختلف عن ذاتها، نظرية النقد، ص 228-231).‏

    (12) ـ يوضح دريدا في "الكتابة والاختلاف"، قائلاً: "إن الكتابة واحدة من الأشكال التي تمثل الأثر عموماً، وليست الأثر نفسه"، OG ص 167)، وإن فكرة الأثر هي أنه يمكن أن يخضع لسؤال الماهية الأونطو ـ ظاهراتي ONTOPHENOMENOLOGICAL. فالأثر هو لا شيء، وهو ليس كياناً، بل إنه يتجاوز السؤال الذي يقول: ما هو؟" OG ص 65).‏

    (13) ـ غياتري تشاكرافورثي سبيفاك، تمهيداً لكتاب "في علم الكتابة" لجاك دريدا بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1974)، ص xxxix.‏

    (14) ـ تعكس ملاحظة ج، هيليس ميلر عن اللغة موقفاً تفكيكياً: إن اللغة، منذ البداية، خيالية ووهمية، ومنزاحة عن أية إحالة مباشرة إلى الأشياء كما هي، وينبغي احتجاز الظرف الإنساني في شبكة من الكلمات تتشابك عبر القرون وتزخر بالأساطير والمفاهيم والقياسات الميتافيزيقية، أي باختصار نسق ميتافيزيقا الغربية بأكمله"، "التراث والاختلاف" في مجلة "داياكرتكس" ، 2،4، 1972)، 11).‏

    (15) ـ ديفيد أليسون، مقدمة كتاب "الصوت والظاهرة"، ص I-xxxvii.‏

    الببلوغرافيا.‏

    ـ ابرامز، م، هـ "حدود التعددية ـ الجزء الثاني: الملاك التفكيكي "مجلة" البحث النقدي"، 31977)، ص 425-438.‏

    ـ أليسون، ديفيد، المقدمة، "الصوت والظواهر ومقالات أخرى في نظرية العلامات عند هوسرل، "جاك دريدا"، ترجمة ديفيد أليسونإيفانستون: مطبعة جامعة نورثويسترن، 1973).‏

    ـ بلوم ، هارولد "خارطة سوء القراءة"، نيويورك : مطبعة جامعة أوكسفورد، 1975).‏

    ـ وآخرون "التفكيك والنقد"، نيويورك : مطبعة سيبيري، 1979).‏

    ـ دي مان، بول "رمزيات القراءة: اللغة المجازية عند روسو ونيتشة وريلكة وبروست"، نيوهيفن ولندن: مطبعة جامعة يبل، 1979).‏

    ـ "العمى والبصيرة": مقالات في البلاغة والنقد المعاصر "نيويورك": مطبعة جامعة أكسفورد، 1971).‏

    ـ دريدا، جاك، الإخـ"ت" لاف)، في "الصوت والظاهرة ومقالات أخرى في نظرية العلامات عند هوسرل "ترجمة ديفيد أليسون إيفانستون: مطبعة جامعة نورثويسترن، 1973).‏

    ـ " في علم الكتابة" ترجمة غياتري سبيفاك بلتيمور، ولندن: مطبعة جامعة هوبكنز، 1974).‏

    ـ "الكتابة والاختلاف"، ترجمة الآن باس شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 197.‏

    ـ غارفر، نيوتن، تمهيد كتاب "الصوت والظاهرة ومقالات أخرى في نظرية العلامات عند هوسرل "جاك دريدا، ترجمة ديفيد أليسون إيفاستون: مطبعة جامعة نورثويسترن، 1973).‏

    ـ هيدغر، مارتن "الكينونة والزمان"، ترجمة جون ماكاوايري وإدوارد روبنسون نيويورك: هاربر ورو، 1962).‏

    ـ "الوجود والكينونة"، شيكاغو: شركة هنري يجنري، 196.‏

    ـ "مدخل إلى الميتافيزيقا" : ترجمة رالف مانهايم نيويورك: دبلدي، 1961).‏

    ـ "مقالات إلى الميتافيزيقا" الهوية والاختلاف، ترجمة كير؟؟؟؟؟؟ ف.ليدكرنيويورك: المكتبة الفلسفية، 1964).‏

    ـ هينرز، ريتشارد س. "الإيديولوجية والتحليل: إعادة تأمين الأونطولوجيا الميتافيزيقية" نيويورك: دسكلي برونز، 1966).‏

    ـ كلين، ريتشارد، مجلة دايكرتكس 2، 41972)، ص 29-34.‏

    ـ كريغر، موراي "نظرية النقد" بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1972).‏

    ـ ميلر، ج. هيلس: "شعاع اريادن: التكرار والمسار السردي: "مجلة البحث النقدي" 31976) ص 57-77.‏

    ـ "الخيال والتكرار"، في "شكل الخيال البريطاني الحديث، تحرير آلان وارن فريد من أوستن: مطبعة جامعة تكساس، 1975)، ص43 -71).‏

    ـ "حدود التعددية الجزء الثالث: الناقد مضيفاً: "مجلة البحث النقدي"، 3 1977)، ص 437-447.‏

    ـ "التراث والاختلاف"، مجلة دايكرتكس، 2، 6، 1972)، ص 6-13.‏

    ـ نيتشه، فريدريك "ماوراء الخير والشر": استهلال لفلسفة المستقبل "ترجمة ر.ج. هولينغديل نيويورك: مطبعة البنغوين، 1973).‏

    ـ "هكذا تكلم زرادشت: كتاب لكل شخص وليس لأي شخص نيويورك: مطبعة البنغوين، 1961.‏

    (1) في الغراماتولوجيا ) سيرمز له المؤلف بالرمز OG م)‏

    (2) تلفظ الأولى "ثري" وتلفظ الثانية "تري" م).‏

    (3) ينبغي أن نلاحظ أن دريدا اشتق كلمة اختلاف differance من الجمع بين الاختلاف difference بمعنى عدم التشابه) + deference بمعنى الإرجاء وتفيد معنى الأثر)، أي أنه استبدل الحرف e) في كلمة الاختلاف بالحرف a) ويبدو الاختلاف واضحاً في هذه الكلمة إلا أن من الصعوبة توضيحه حين نقله إلى العربية لذلك عمد مترجم كتاب "الكتابة والاختلاف"، كاظم جهاد إلى وضع حرف التاء بين معكوفتين صغيرتين.م).‏






    --------------------------------------------------------------------------------
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

09-10-2004, 04:00 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)


    البنيوية والتاريخ: أهمية السر وعلاقته بالمعني - تكرار الوصول إلي روح المعني يقتل سحر البنيوية - ناظم عودة
    يبدو أنّ السحر الكامن في البنيوية هو أحدُ الأسباب الخفية التي جعلتها ذاتَ سيادة في الخطاب النقديّ المعاصر. فالتحليل البنيوي ينطوي بطبيعته علي تقنية (كشف السرّ)، كما هو الحال في الحكايات الغرائبية، إذْ يبدأ الأمر هكذا: تحليل الأجزاء اللسانية تحليلاً يبدأ من الصوت ثم التركيب النحوي، ثم يتصاعد باتجاه تحليل العلاقات، ثم يصل الذروة في الكشف عن سرّ النصّ المتمثل في (النظام) أو (البنية) وما ينطويان عليه من خاصية لسانية. فيقف القارئ مندهشاً حيال هذا الكشف المثير عن التنظيم العقلي للمؤلف، الماثل في البنية اللغوية لنصّه. علي هذه الشاكلة كانت البنيوية تسحر الآخر، وتفعل به نظير ما كانت تفعله حكايات ألف ليلة وليلة من سحر وتشويق في القارئ أو المستمع.
    فتلك الحكايات التي شغف بها الأوربيون أنفسهم كانت تبدأ بحكاية صغيرة هي نواة حكاية كبيرة تُستكمل تصاعدياً مع زمن الحكي، لتصل في النهاية إلي هتك السرّ الذي انتظره الملك بشوق كبير ألف ليلة وليلة. فتقنية كشف السرّ هي تقنية شائعة في الحكايات القديمة وهي تحمل من التشويق السردي الشيء الكثير. وعلينا أن نتذكر هنا أهمية الكشف عن هذا السرّ، وعلاقتهِ بإشكالية المعني، من خلال ما قام به آيزر في تحليله قصة (الصورة في البساط) لهنري جيمس، وما قام به جاك لاكان في تحليله قصة (الرسالة المسروقة) لإدجار آلن بو. فالتحليلان يتضمنان سعياً مشتركاً، هو معرفةُ أهمية السرّ وعلاقته بالمعني الأدبي، ثمّ بعد ذلك معرفة عملية تأويل ذلك المعني، هل هي عملية ماثلة في البناء اللساني للسرّ وحده، أم في الإدراك الجمالي الذي هو فعل من أفعال القراءة والتأويل؟. إنّ الذي قتل السحر البنيوي هو آلية (التكرار)، تكرارِ طريقة الوصول نفسها إلي ذلك السرّ، وكشفِ حجابه. ومن جهة أخري، كان كشف السرّ في حكايات ألف ليلة وليلة يحفظ حياة المؤلف بشخصه، والإنسان بنوعه، ولكنّ كشف السرّ أو النظام في البنيوية لا يتمّ إلا بموت المؤلف أولاً والإنسان ثانياً. وبمقتضي ذلك، فالتحول من البنيوية هو تحول باتجاه المؤلف والإنسان، وما يشكلانه من علاقة معروفة بالزمن وبالتاريخ، كانت قد أغفلت في المقاربة البنيوية.

    مخاض التحول
    إنّ نهاية الستينيات وبداية السبعينيات كانت المخاض الحقيقي للتحول الذي حدث في النظرية النقدية البنيوية. وساهمت عوامل عدة في حدوث هذا التحول، وأنا أعتقد أنّ الذي قام بكشف ظهر البنيوية هو الرواية، بوصفها جنساً أدبياً ذا صلة مرجعية بالعالم الخارجي، فلا يمكن اختزالها إلي مجرد مجال صالح للتطبيقات اللسانية الصرفة. وعلي هذا الأساس، فقد كانت الدراسات الخاصة بتحليل العناصر الشكلية والدلالية للرواية تفعل فعلها في تعرية المنطق البنيوي. إذْ كشفت الدراسات التي تعني بتحليل السرد أنّ الأعمال الروائية تفترض قارئاً أو مؤلفاً ضمنيين. مما يعني أنّ المنطق البنيوي في تجريد النصّ من السياقات المرتبطة به وجعله عالماً مكتفياً بذاته، قد بدأ يتقلقل. وعلي أثر ذلك، فقد استشرت رغبة محمومة للبرهنة علي تهافت المنطق البنيوي الذي ازدهر إبّان الخمسينيات والستينيات في فرنسا بصحبة الدراسات اللسانية وحركة التحليل النفسي الجديد التي يقودها جاك لاكان. لقد قام عدد من النقاد بتفسير الكيفية التي تصاغ بها شخصية المؤلف ضمن النظام النصّي للرواية، وهذا خرق لفرضية أساسية من الفروض البنيوية، وهي فرضية موت المؤلف التي أرادت البنيوية أن تحاكي بها خطاب العلوم الذي تجرد من هيمنة المؤلف منذ القرن السابع عشر علي عكس الخطاب الأدبي، كما يشير إلي ذلك فوكو في جينالوجيا المعرفة(1). ثم انتقلت هذه الدراسات السردية لتفسير قضية أخري ذاتِ روابط يقع بعضها خارجَ النصّ، فيما يقع بعضها الآخر في النصّ نفسه، وهي الطريقة التي تصاغ بها وجهة النظر point of view في العمل الروائي، بوصفها نظام الأفكار المنقول بوساطة الضمائر المستعملة في الرواية، وطريقةَ سردها سرداً فنياً موهماً القارئ بحقيقة ما يجري من أحداث.
    إنّ الأمر الجدير بالانتباه هنا، هو أنّ وجهة النظر تصحب معها بالضرورة أفكاراً وتحيزات اجتماعية أو أيديولوجية. وعلي هذا الأساس كان تطور الرواية يتقدم باتجاه تحديث تقنيـة الراوي، من خلال تعدد الرواة في عمل واحد، لا لمسوّغٍ يتعلق بالبنية اللسانية للنصّ وإنما لغرضِ خلقِ نمطٍ من أنماط التأثير والاستجابة، وكذلك لغرض خلق ضرب من ضروب الحوار مع الخارج ذي العلاقة بالبنية الاجتماعية أو بالتعاقب التاريخي، وما يصاحبهما من تغيرات شاملة. وقد اعترف تودوروف بأنّ وجهة النظر ربما تحمل خطاباً ايديولوجياً يتم عرضه من خلال البنية السردية للرواية. فالقبول، إذن، بفرضية (وجهة النظر) بحسب إشارة تودوروف يعني القبول بفرضية (التاريخ) التي تشكل القيمة الجمالية والدلالية للأعمال الأدبية بعامة. إنّ القارئ يتقمص الشخصية الروائية ذاتَ وجهة النظر، ويسعي إلي كشف الطابع المنطقي لبنائها، وربما تتعارض كثير من اعتقاداته مع اعتقادات تلك الشخصية، ولكنه يبحث في النهاية عن انسجامها مع طبيعتها وأفعالها. وهذا هو المنطق الذي يتحكم بالعلاقة بين القارئ العادي والعمل الروائي. وقد انشغل عدد من نقاد الأدب بالبحث عن معايير تلك العلاقة، التي تربط القارئ بالرواية. وساهم ذلك في خلق جدل نقدي حول الصلة المفترضة والمثيرة للقارئ بالتركيب الفني لعناصر العمل الأدبي. علي النحو الذي تمثل في ما قام به واين بوث في كتابه بلاغة الرواية rhetoric of fiction.
    فقد أراد بوث في العام 1961 أنْ يبحث في مجمل الخصائص الشخصية للمؤلف الضمني الذي اقترحه في كتابه الآنف الذكر، ومعروف أنّ مفهوم المؤلف الضمني هو أحد المفاهيم الأساسية التي أوحت لآيزر في صياغة مفهوم القارئ الضمني implied reader الذي هاجم به الفرضية البنيوية التي تستبعد من النصّ العناصر الخارجية. واشترك هذا المفهوم ومفاهيم أخري في كتاب بوث في زحزحة كثير من الاعتقادات البنيوية السائدة، وفي تحويل مركزية الخطاب النقدي من مركزية نصية إلي مركزية تتعلق بالنص وبأفعال القراءة معاً، وبعمليات التأويل التي زعمت اتجاهات ما بعد البنيوية أنها تضيف إلي النص نصاً آخر تُملأ به الفجوات، التي هي جزء أساسي من بناء العمل الأدبي.
    لقد زعم بوث أنّ النصوص الروائية المتخيلة كلها توحي بـ: مؤلف ضمني يرتبط به القارئ في أثناء القراءة (وقال إنّ المؤلف الضمني لكل رواية هو شخص ما يجب أنْ أتفق، إلي حد كبير، مع معتقداته إذا ما كان عليَّ أنْ أستمتع بعمله.(2) وعلينا أن نعترف هنا، بأنّ عدداً من الدراسات الخاصة ببنية القصة والرواية كانت تجلّي فكرة انفتاح النصّ علي سياقات متعددة، كانت بمثابة البداية لخلق أزمة منهجية في المقاربة البنيوية. فقد ظهرت (أعمال روملهارت 1975، وماندر، وجونسن 1977، وستين وجلين 1979، وآخرون وهي تشدد علي بنية القصة) (3) وهنالك مقالان علي قدرٍ كبيرٍ من الأهمية ينسبان للغوي الاجتماعي الأميركي وليم لابوف (الأول مكتوب بالاشتراك مع جوسيا وولتسكي، ظهر في Helms في العام 1967 تحت عنوان: تحليل السرد، الحكاية الشفاهية في التجربة الشخصية. والثاني ظهر في هيأة الفصل التاسع من لسانيات لابوف في: Inner city وقد عنون بـ: التجربة التحويلية في التركيب السردي... وهما يرغبان في فحص سرود كثيرة، ليشرعا، ويرويا خصائص السرد اللسانية والشكلية ووظائفها).(4) إنّ الشيء المهم في هذه الدراسات هو أنها أظهرت أنّ البنية اللغوية لم تعد وحدها كافية لتجلية المعني الأدبي، فهنالك فجوات في النصّ نفسه بحاجة إلي إيضاحات تأتي من خارج بنيته. وعلي هذا الأساس كانت هنالك عودة منهجية إلي كلّ علمٍ يساهم في إعادة ربط الدلالات البعيدة للنص التي تم إقصاؤها منه حتي لا يكون وثيقة مرجعية خالصة، وإنما بناءً تخييلياً مخصوصاً يأخذ بنظر الاعتبار مسألة تطور الجنس الأدبي.

    صراع ضد البنيوية
    وإضافة إلي العامل الخاص بالرواية التي تمردت علي التقنين اللساني، فثمة عامل آخر جدير بالالتفات، هو الصراع الذي كان يخوضه النقاد اليساريون ضد البنيوية، متمثلاُ بجورج لوكاش، وبتلميذه الناقد الروماني الأصل لوسيان جولدمان في مجموعة من كتبه، ككتاب (الإله الخفي) الصادر في العام 1955 عن دار جاليمار في باريس، وكتاب (من أجل علم اجتماع الرواية) الصادر في العام 1964 عن دار جاليمار أيضاً، وكتاب (علم اجتماع الإبداع الأدبي). لقد ساهم جولدمان كثيراً في مناهضة البنيوية بصورتها الفرنسية، واشترك في الندوة الشهيرة التي أقامتها جامعة جونز هوبكنز في العام 1966 ببحث موسوم بـ(البنية: الواقع الإنساني والمفهوم المنهجي) وهو أحد البحوث التي عمِلت مع بحث جاك دريدا الموسوم بـ(البنية واللعب والعلامة في خطاب العلوم الإنسانية) علي شطر الندوة شطرين: الأول يقوده بارت وتودوروف ولاكان، والثاني يقوده جولدمان ودريدا. وأدي ذلك إلي احتضان (جامعة ييل) جاك دريدا الذي اجتمع حوله عدد من النقاد المناهضين للبنيوية، فأسسوا ما عُرف بـ(مجموعة نقاد ييل) التي ضمت (بول دي مان وجيوفري هارتمان و هيلز ميللر وآخرين). وقد ترك جولدمان أثراً واسعاً في النقد الانكليزي، ففي إحصائية قام بها الدكتور جابر عصفور بيّن فيها الترجمة الواسعة لكتب جولدمان إلي الانكليزية، إذ تُرجمت له تسعةُ كتب من سنة 1964 إلي سنة 1980. ويأسف جابر عصفور علي عدم العناية الكافية من جانب النقد العربي بترجمة أيّ عمل من أعمال جولدمان في ذلك التاريخ.(5) ويبدو لنا أسفُ جابر عصفور مقبولاً لأنّ السبعينيات شهِدت بداية تدهور البنيوية في فرنسا، وبداية ظهور اتجاه جمالية التلقي في جامعة كونستانس في ألمانيا. وفي ميدان الفلسفة كان جاك دريدا يدعو في العام 1966 في ندوة جامعة جونز هوبكنز إلي (تفكيك ميتافيزيقا الحضور التي تنعكس في فكرة البنية نفسها).(6) ولم تكن القراءة التفكيكية سوي تعارضٍ مع (المبدأ الذي يقول بأنّ في لغة النص يكمن الأساس الخاص بالنسق الذي يشتمل علي عمل وظيفي كاف... وان النص يمتلك نسقاً لغوياً أساسياً بالنسبة لبنيته الخاصة، التي تمتلك وحدة عضوية، أو نواةً ذاتَ مدلول قابل للشرح).(7) وقد تنبه البنيويون أنفسهم إلي شيء من تلك الأزمة، فهذا جيرار جينيت يعتقد أنه بما أن الأدب (نتاج لغة، وبما أن البنيوية... منهج لساني بامتياز، فاللقاء الأكثر احتمالاً ينبغي أن يحدث بالتأكيد في ميدان المواد اللسانية: فالأصوات والأشكال والكلمات والجمل تؤلف الموضوع المشترك بين اللساني والفقيه اللغوي الذي يدرس النصوص إلي درجة أنه أمكن في البدايات الحماسية للحركة الشكلانية الروسية تحديد الأدب كلهجة بسيطة والنظر إلي دراسته كملحق بمبحث اللهجات العام)،( فالمنهج البنيوي يعني بتماثلات في النص نفسه ويغض الطرف عن تماثلات مرجعية أخري كان يدافع عنها جولدمان ولوكاش وآخرون. فهذا المنهج يريد أن يعثر (في الشفرة علي الرسالة التي تبرز من خلال تحليل بني ماثلة، ولا تكون (الرسالة) مفروضة من الخارج بأحكامٍ إيديولوجية مسبقة).(9) لقد خلقت تلك التحليلات اعتقاداً باغتراب الإنسان عن النصوص التي صنعها هو، ومن هنا فقد هتف الطلاب، في ثورتهم المعروفة في العام 1968 التي أطاحت بحكومة ديجول، ضد البنيوية، ورفعوا شعار (فلتسقط البنيوية).(10)
    هوامش
    (1) ينظر: سالم يفوت ــ المناحي الجديدة للفكر الفلسفي المعاصر ــ ص41 ــ دار الطليعة ــ بيروت ــ ط1ــ1999
    (3) James E. Seitz, Arhetoric of reading, from: Rebirth of Rhetoric, Edited by Richard Andrews (1992) New York, Routledge P141.
    (3) Ibid. P116.
    (4) Ibid. P116.
    (5) ينظر د. جابر عصفور: نظريات معاصرة ــ ص95 ــ دار المدي ــ دمشق ــ ط1 ــ 1998.
    (6) نظرية اللغة الأدبية ــ خوسيه ماريا بوثويلو إيفانكوس ــ ترجمة د. حامد أبو حامد ــ مكتبة غريب ــ مصر ــ ص 151.
    (7) المصدر نفسه ــ ص 147.
    ( البنيوية والنقد الأدبي ــ جيرار جينيت ــ في كتاب: البنيوية والنقد الأدبي ــ تحرير وترجمة محمد لقاح ــ أفريقيا الشرق ــ المغرب ــ ط1 ــ 1991 ــ ص15.
    (9) المصدر نفسه ــ ص16.
    (10) ينظر: آفاق العصر ــ د. جابر عصفور ــ دار المدي للثقافة والنشر ــ دمشق ــ ط1 ــ 1997 ــ ص224.

    جريدة (الزمان) العدد 1339 التاريخ 2002 - 10 - 16
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

09-10-2004, 04:04 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    لمستقبل 23-08-2004

    الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا الذي يصارع المرض في حوار طويل مع "لوموند":

    إسرائيل "انتحارية" ولم تعد تمثل لا اليهودية ولا شتات اليهود ولا الصهيونية


    الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا صاحب فلسفة "التفكيكية" محط انظار الاعلام والصحافة اليوم ليس فقط لأنه يصارع المرض منذ فترة بل لأنه ومنذ صيف 2003 وتتوالى النشاطات والاعمال الفنية، السينمائية خاصة، التي تناولت حياته وفكره. وهو بدوره، وقع أعمالاً جديدة وشارك في مؤتمرات عالمية عديدة دارت حول أعماله وفلسفته التفكيكية، من لندن الى كوامبرا مروراً بباريس وريو دوجينيرو. كذلك، أخرج آمي كوفمان وكيربي ديك فيلماً عنه بعنوان "دريدا" وذلك بعد الرائعة السينمائية "دريدا من هناك" لصفاء فتحي عام 2000. وتصدر غلافات وملفات عدد كبير من المجلات الأسبوعية والشهرية من "الماغازين الأدبية" الى مجلة "أوروبا" الى "دفاتر الأدب"... الكثير من الاطلالات في عام واحد ومع هذا دريدا لا يخفي مرضه وارهاقه من العلاج الطويل الأمد أو مع هذا رفض ان يتحدث عن مرضه الى صحيفة "اللوموند" التي حاورته منذ أيام، نقتطف بعض المقاطع من الحوار:
    بشكل عام، أنت تجد صعوبة كبيرة في قول كلمة "نحن" ـ "نحن الفلاسفة، او نحن اليهود" مثلاً. ولكن، مع هذا الخراب في العالم الذي يمتد، لا تجد صعوبة في قول "نحن الأوروبيين". وكنت قد ذكرت في كتاب سابق لك "الرأس الآخر" الصادر عام 1991 أثناء حرب الخليج الأولى انك "الأوروبي العجوز" أو القديم مثل "نوع من التهجين الأوروبي".
    ـ أحب ان اذكرك بأمرين: صحيح أنني أجد صعوبة في قول كلمة نحن، لكنني أحياناً كثيرة أقولها. وعلى الرغم من كل المشاكل التي تعذبني في هذا الموضوع، ابتداء "بسياسة اسرائيل الانتحارية واليائسة وصولاً الى الصهيونية (لأن اسرائيل لم تعد تمثل بالنسبة لي اليهودية ولا شتات اليهود ولا الصهيونية العالمية الأصلية التي صار لها وجوه عديدة ومتناقضة) وهناك عدد كبير من الأصوليين المسيحيين في الولايات المتحدة الأميركية يعتبرون انفسهم من الصهاينة "المخلصين". وهذا اللوبي يمتلك القوة والسلطة أكثر من الجماعة اليهودية الأميركية، وإذا تركنا جانباً الموقف من الأزمة العراقية في سياسة الأميركيين واليهود التي لا أوافق عليها الى جانب العديد من المواقف السياسية لهم، فأنا، وعلى الرغم من كل المشاكل مع انتمائي اليهودي، لا أرفضه ولا أتنكر له أبداً.
    قد أقول دائماً، وفي ظروف معينة، "نحن اليهود"، هذه "النحن" التي تؤرقني هي في صلب القلق في فكري، وهي ما وصفته في كتابي "اليهودي الأخير". وسوف تبقى في فكري تماماً كما حدد أرسطو الصلاة في فكره: "انها ليست حقيقية ولا مغلوطة". قد أقول أحياناً "نحن اليهود" وأحياناً "نحن الفرنسيين".
    ثم، ومنذ بداياتي في العمل هي مركز اعادة التخريب او التفكيكية التي كتبت عنها، حتى انني ضد المركزية الأوروبية في المعنى الحديث لها، وكما صورها البعض من فاليري الى هوسرل الى هايدغر، مثلاً. التفكيكية بشكل عام هي مؤسسة اعتقدها البعض موجهة كتحذير عام ضد المركزية الأوروبية. وحين يحدث معي وأقول احياناً اليوم "نحن الأوروبيين"، فالأمر مختلف هنا: كل ما يمكن تفكيكه في التراث الأوروبي لا يمنع وبسبب ما حدث في أوروبا، من انحسار دور هذه القارة والاحساس الهائل بالذنب الذي جعل ثقافتها تنحسر أيضاً (بسبب التوتاليتارية والنازية، والمجازر والاستعمار والانتداب" اليوم وفي الأجواء الجغرافية ـ السياسية الراهنة، أوروبا، أوروبا أخرى ولكن بالذاكرة عينها، تستطيع ـ (وهذا هو التمني الوحيد لدي) ان تتحد ضد سياسة أميركا المهيمنة والمتسلطة (حسب تقارير وولفوويتز وشيني ورامسفيلد) وضد التيوقراطية العربية ـ الإسلامية (أو سلطة رجال الدين) التي لا ضوء ولا مستقبل سياسياً لها (ولكن يجب ألا نخلط بين هاتين السياستين ونحن نتحد مع الذين يحاربون من الداخل هاتين القوتين).
    وتجد أوروبا نفسها اليوم مضطرة الى تحمل هذه المسؤولية الجديدة. وأنا لا أتكلم عن الاتحاد الأوروبي كما هو اليوم أو كما يرتسم لدى الأكثرية الحالية وهو معرض الى العديد من الحروب الداخلية، ولكني أتحدث عن أوروبا جديدة قادمة وتبحث عن نفسها. في أوروبا (جغرافياً) وخارجها. وما نسميه جغرافياً أوروبا عليه ان يأخذ على عاتقه مسؤولية وهي مستقبل الانسانية والحقوق العالمية للإنسان، وهنا ألخص كل ايماني. وهنا لا أتردد في قول "نحن الأوروبيين" فأنا لا أتحدث عن قيام أوروبا جديدة لها سلطة وقوة عسكرية متفوقة لتحمي سوقها وتمارس نزاعها مع الآخرين، ولكن أتحدث عن أوروبا أخرى تأتي لتزرع بذرة السياسة الجديدة التي ستشمل العالم. وهي بالنسبة لي الحل الوحيد. هذه القوة بدأت تعمل. ولكن مع أن عواقب كثيرة تعترضها لكنني أظن انها ستنطلق ولا شيء سيوقفها. عندما أقول أوروبا أقصد بها هذا... ولا أقصد أن تكون سلطة عسكرية للقتال، بل سلطة عسكرية لا مهددة ولا دفاعية ولا احتياطية، بل موجودة وحاضرة دائماً لتنفذ ما تتوصل اليه قوات الأمم المتحدة (مثلاً وبكل حذر، في اسرائيل، وخارج اسرائيل ايضاً). وسوف تكون ايضاً المكان المناسب الى كل انواع العلمنة والعدل والقانون الاجتماعي، أكثر منه موقع الموروثات الأوروبية.
    أتيت على ذكر "العلمنة" هنا. دعني أفتح المزدوجين هنا لأستطرد. العلمنة هنا لا تعني "الحجاب" في المدرسة بل "الحجاب" في الزواج... لو كنت معنياً بنص التشريعات، لكنت اقترحت وبكل بساطة اختفاء كلمة وفكرة "الزواج" في نص مدني وعلماني. "الزواج" هو نتيجة وقيمة دينية ... في الانجاب والتواصل والإخلاص الأبدي، الخ... أرغب في تداخل الحكم العلماني بتعاليم الكنيسة. والزواج في وجهته الأحادية ليس من تعاليم اليهودية (لكنه فرض على اليهود من قبل الأوروبيين في القرن الماضي مع أنه لم يكن يطبق بعد لدى اليهود في المغرب) ولا هو في تعاليم الإسلام، كما نعلم جميعنا. ومع إلغاء فكرة "الزواج"، هذا الخبث المقدس والديني، الذي لا مكان له في الفكر العلماني، قد نستبدله "بالزواج المدني" او "القران المدني" وفقاً لعقد موقع من الطرفين، وهذا العقد يتم تهذيبه وتحسينه مع الوقت وقد يتم هذا العقد بين شخصين أو أكثر، أو بين جنسين مختلفين او متشابهين. أما بالنسبة الى الذين قد يرغبون في "الزواج" بالمعنى التقليدي ـ وأكن له احتراماً لا يزول يمكن لهم ان يقوموا بذلك امام السلطة الدينية التي يختارون ـ تماماً كما قد يرغب بعض المثليين الجنسيين في قيام زواجهم في أي مكان في العالم امام السلطة الدينية. قد يرتبط اثنان امام السلطة الدينية أو المدنية او الاثنين معاً او لا يرتبط احدهم ولا بأي طريقة. هنا أضع نقطة النهاية على موضوع الزواج. (انها طوباوية لكنني على موعد معها".
    اوروبا، ومنذ عصر الانوار والنهضة، وهي تقيم النقد الذاتي باستمرار، وفي هذا الواقع، ثمة امل كبير للمستقبل. على الأقل، انا آمل في ذلك كي تخف نقمتي أمام الاتهامات التي توجه الى أوروبا على انها لم تكن يوماً الا أرضاً للجرائم.
    بالنسبة الى موضوع أوروبا، الا تجد نفسك في موقع حرب مع الذات؟ من جهة، تقول ان أحداث 11 أيلول هدمت القواعد الجغرافية ـ السياسية القديمة للسلطات والقوى الكبرى، وبذلك تركز على مقوله جديدة للفكر السياسي الذي تقوله أوروبياً هذه المرة، ومن جهة ثانية، انت تتعاطف مع الروح الأوروبية ومع المثال الأوروبي...
    ـ حين نقول سياسة نستخدم عبارة اغريقية، مفهوماً أوروبياً افترض دائماً الدولة، الشكل "المهذب" المرتبط بالأرض الوطنية. فأياً كانت أشكال الانقسامات داخل هذا التاريخ، فإن مفهوم السياسي هذا يبقى سائداً، في الوقت الذي نجد فيه قوى كثيرة هي في سبيلها الى التفكك: فسيادة بلد لم تعد مرتبطة بالحدود والأرض، ولا تكنولوجيا الاتصالات والاستراتيجية العسكرية كذلك، وهذا التفكك تضع فعلياً المفهوم القديم للسياسي في أزمة. وللحرب، وللتمييز بين المدني والعسكري، وبين الحدود الوطنية والحدود العالمية (...) انا في حرب ضد نفسي، هذا حقيقي، ولا يمكن ان تعرفوا الى أي درجة قد تصل هذه الحرب، وهي أبعد مما تعتقدون، واحياناً قد أقول وأفكر في أمور متناقضة هي، في الواقع، حقيقية، أحياناً تجعلني أبني ذاتي من جديد، تجعلني اعيش أو أموت.
    هذه الحرب، أراها أحياناً حرباً راعبة وقاسية ولكن أعرف في الوقت ذاته، انها الحياة. ولن أجد السلام إلا في الراحة الأبدية. اذاً لا استطيع الجزم بأني قادر على فهم هذا التناقص، لكني أعرف ايضاً انه هو الذي يبقيني على قيد الحياة، ويجعلني اطرح السؤال، تحديداً، "كيف علي ان اتعلم العيش".

    ترجمة: كوليت مرشليان






                   |Articles |News |مقالات |اخبار

10-10-2004, 06:39 AM

عشة بت فاطنة

تاريخ التسجيل: 06-01-2003
مجموع المشاركات: 4572
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    ( التمتع هل صنع ذلك المصير من اجل الانسان؟ اه لوكنت ذقت ولمرة واحدة في حياتي كل متع الحب في امتلائها، فانا لا اتصور ان وجودي الضعيف سيكون قادرا على الاكتفاء بها ، اذن ساكون قد مت على الفور )
    ( ان الحضور مرغوب فيه ومثير للخشية في نفس الوقت -لان-...المتعة نفسها .. لن تكون سوى اسما اخر للموت )- من قراءت دريدا لاعترافات جان جاك روسو -ع-ك ص223-

    شكرا اسامة لهذا الحضور وربطنا بخبر لدريدا واعلان موته او ربما امتلائه كما يظن ..

    اليكم هذه الدراسة التى تختزل في صفحات قليلة اهم المفاهيم التى طرحها دريدا :
    هذه الدراسة تقديم /لوسيت فيناس
    من كتاب مدخل الى فلسفة جاك دريدا
    فكيك الميتافيزيقا واستحضار الاثر / ترجمة ادريس كثير -عزالدين الخطابي .

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

10-10-2004, 06:50 AM

عشة بت فاطنة

تاريخ التسجيل: 06-01-2003
مجموع المشاركات: 4572
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: عشة بت فاطنة)


    جاك دريد: المفكك

    دراسة


    ان فتح العمل الهام والصعب لجاك دريدا امام جمهور واسع ، ان يتم بدون تشويه ، بدون تخمين ، وبالخصوص بدون افقار .
    بدْا ، لأن الصعوبة ليست أمرا طارئا : انها تتعلق بالطريقة التي تخضع فيها المعرفة للكتابة . ان جاك دريدا كاتب ، وأي تقديم نسقي ، تعليمي ، لما قد نسميه أفكاره ،لا يمكنه تحت طائلة الخيانة ، اعادة التعقد المتكاثر للنص و انسيابه تشابكه وحركيته.
    من الذي يقرأ دريدا فب فرنسا ؟ طلبة ، جامعيون شباب (من تخصصات فلسفية، لسانية وأدبية) أساسا ، و من بين هؤلاء أو خارج هؤلاء ، محللون نفسانيون ، كتاب تشغلهم مسألة الكتابة . وبحجم أقل : رجال علم ، رجال مسرح ، موسيقيون ، رسامون ، عمال مطبعة جمهور مقسّم و مركّب . تقسيم و تركيب يؤكدان من الخارج نوعا ما ، غموض عمل ذي سند فلسفي قبل كل شيء ، يلعب بالفلسفة و يتلاعب بها ، فارضا توسيعا واغادة تقدير لمفهوم الكتابة .
    ان الاستقبال الذي حظي به دريدا في الخارج ، هو على العموم ، افضل من ذلك الذي خصّ له في فرنسا . فمعظم أعماله ترجمت الى عشرات اللغات . وكم من جامعة في المانيا ، انجلترا ، الأرجنتين ، الولايات المتحة الامريكية ، هنغاريا ، ايطاليا ، اليابان ، يوغوسلافيا ، تشتغل حول نصوصه . ان مقاومة قطاع معين من الجامعة الفرنسية يرتبط بشكل متلازم ،بمضمون العمل وبأنماط كتابته التي لا تحترم القوالب البيانية للتقليد ،والتي لا تختزل في المعايير الشرعية للأطروحة . ومع ذلك ، فان الكتاب الأول لدريدا ، المنشور سنة 1962 و عنوانه ((مدخل الى أصل هندسة هوسرل)) (المطبوعات الفرنسية P.U.F ) الذي استقبل بحفاوة ، قد حقق امؤلفه جائزة في الابستيمولوجيا . وهي جائزة جان كافييس Jean Cavailles .
    ان كل المقالات التي ظهرت ابتداء من 1962 قد تم جمعها ضمن الأعمال الستة الأساسية المنشورة بثلاثة بفاصل خمسة سنوات ، في 1967 و في 1972 . ففي 1967 تم نشر (الكتابة و الاختلاف) منشور لوسري ، (في الكراماطولوجيا) منشور مينوي ، (الصوت و الظاهرة) المطبوعات الجامعية الفرنسية P.U.F . و في 1972 تم نشر (التشتت) منشور لوسري , (مواقف) منشور مينوي و (هوامش) منشور مينوي).
    ما هو رهان نص دريدا ؟ انه بشكل تخطيطي , عملية (تفكيك) و هي حركة أقل بساطة من حركة <ال> هدم للجهاز الذي ينظم الفكر المسمّى غربيا منذ أكثر من ألفي سنة ، من أفلاطون الى هيجل ، ولكن أيضا علاوة على هذين الطرفين ، من الماقبل سقراطيين الى هايدجر . هاتة العدّة المنطقية – الخاصة بنا عادة – تعمل ضمن التعارض الرئيسي بين الواقع و العلامة ، وضمن سلسلة شاملة من التعارضات المتكافلة : حضور/ عدم حضور، غياب / تقديم ، شيء / صورة ، داخل / خارج ، مضمون / تعبير، جوهر/ شكل ، ماهية / ظاهر ، عمق / سطح ، عقلي / حسّي ، قبل / بعد ، زائد / ناقص ، أصلي / مشتق ، طبيعة / ثقافة ومئات التفرعات الثنائية الأخرى . و بشكل جوهري ضمن تعارض " اللوغوس " الذي يفهم في نفس الوقت ككلام و كفكر ، و الكتابة التي تفم ك "أثر" للكلام و للفكر . هذا النسق من التعارضات المتراتبة يختزل الأثر المكتوب لكي لا يصبح سوى تمثيلا ( في اللسانيات السويسرية "نقول" الدال) ، سوى معني سابقا للوجود ، مدلولا . و بالعكس ، فان المدلول ضمن هذا النسق هو حضور تتمثل غاية الأثر الدال في استدعائه . ان دريدا يسمّي هذا المنطق " نزعة اللوغوس المركزية"
    و ستكون " نزعة الصوت المركزية " هي الشكل الذي تكتسبه . لأن حضور الوجود عن طريق "الانصات لكلام الذات " le s`entendre parler ، ينكشف لما هو أقرب الى ذاته في الصوت (وهو ما يسمّى حقيقة ، كعنصر نافذ للوغوس ، كأثيره نوعا ما . ان نزعة العقل و الصوت المركزية logo-phono centrisme والتي تمنح للكتابة المأخوذة في معناها الأوسع ، تعيينا معبّرا ، تتحرّك بتواطؤ مع نموذج الكتابة الأبجدية أو الصوتية ، و تصبت من خلال هيمنتها ، الغربية منذ انطلاقها ، على الانتشار في عالمنا بأكمله .


    للدراسة بقية
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

10-10-2004, 07:14 AM

AttaAli

تاريخ التسجيل: 08-03-2003
مجموع المشاركات: 353
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: عشة بت فاطنة)

    شكرا المشاء
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

10-10-2004, 08:27 AM

Sinnary

تاريخ التسجيل: 12-03-2004
مجموع المشاركات: 1392
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: AttaAli)


    شكرا أخ أسامة علي دعم البورد بهذه المتابعات النوعية ، فبالأمس يكتب الخاتم عدلان عن ابن رشد واليوم أنتم تنعون إلينا جاك دريدا وأتمني لو أتيحت لكم الفرصة لاحقا لتناول نظريته الأثيرة (التفكيكية) وعلاقتها بالفلسفة والنقد الأدبي بالشرح والنقاش ، إبتداءاً من الجانب الجزائري في تكوينه ، حيث تكون وعيه الأول علي هذه الارض العربية (ربما حاول دريدا تغييب ذلك بنظره للجزائر كمكان ولادته وليس المكان الأول الذي كون المفكر وتميزه)
    ولد (جاك دريدا) كما ذكرتم سنة 1930 بمدينة البيار بالجزائر حيث قضى في هذا الوطن شبابه،بعد حصوله على الشهادة الابتدائية في البيار انتقل إلى مدرسة ثانوية بجوارها، وتعلم من الأجواء السائدة آنذاك، أثناء الحرب العالمية الثانية، فلقد عانى الطفل (دريدا) من عنصرية شديدة باعتباره يهوديا. في العام 1948 نجح في (البكالوريا)، وكان ينشر في مجلات المغرب العربي الكثير من قصائد الشعر، ويطالع (روسو) و(جيد) و(نيتشه) و(كامو) و(فاليري). تهيأ لمسابقة المدرسة العليا واهتم بالفلسفة خاصة عند (كيركجارد). في العام 1949 سافر إلى فرنسا وتابع دراسته في المدرسة العليا (لويس لوجراند) والتقى ببورديو ومونوري وغيرهما. وبعد دراسته العليا التقى بالتوسير المولود أيضا بالجزائر وانضم إلى مجموعة من المتطرفين اليساريين، في العام 1956 حصل على منحة من جامعة هارفارد الأمريكية وتزوج من مرجريت اوكتيري، وفي العام 1957 عاد إلى الجزائر لتأدية الخدمة العسكرية حتى العام 1959 وقام بتدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية وظل مرتبطا بالواقع الجزائري حتى بلغ من العمر 29 عاما. عاد إلى فرنسا ليدرس الفلسفة، في العام 1967 حصل على الدكتوراه وبدأ يظهر تأثيره في مجتمع الأفكار الجديدة.
    أنجز (دريدا) الكثير من الكتب، وألقى العديد من المحاضرات في الجامعات الأوربية والأمريكية وحصل على الكثير من درجات الدكتوراه الفخرية، كما أنه يسهم بمهمات أساسية فـي إدارة الدراسات في معاهد الفلسفة والعلوم الاجتماعية كما حصل على أوسمة فارس، وضابط، وقائد وكلها في الفنون والآداب.
    وعندما نمعن العقل في فكر هذا الفيلسوف المعاصر نجده أحد الفلاسفة الذين هزوا الفكر الغربي في خصائصه ومكوناته، حيث تبدأ تساؤلاته دائما من موقع الهامش متجهة إلى المركز الأساسي للأفكار، حيث يحول هذه الأفكار إلى موقع ممكن للكتابة، وفضاء يمكن تفكيكه ومساءلته لأنه المفكر الذي قام وبكل جرأة بمساءلة ونقد الأسس الذي يقوم عليهاالفكر الغربي وبالخصوص نقد مركزية العقل الغربي..اتمني لو تتاح فرصة لتبسيط نظريته وعلاقتها بفكر ما بعد الحداثة التذريري وممثلي هذا الفكرالآخرين زي الامريكي ديمان الممثل الحقيقي لهذا المذهب في الإنكليزية.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

10-10-2004, 10:35 AM

عشة بت فاطنة

تاريخ التسجيل: 06-01-2003
مجموع المشاركات: 4572
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: عشة بت فاطنة)


    لوسيت فيناس/ متابعة:

    ان ميتافيزيقا الحضور هاته ، منطق الوجود هذا . أو الانطولوجيا ، كانت دوما في عمقها ، سواء ادركت ذلك او لم تدركه ، ثيولوجيا ، او لكي نختصر نقول (أنطوثيولوجيا ) كتب دريدا : ( ان العلامة والالوهية لهما نفس مكان ونفس زمان الولادة ) (وهناك) جملة لروسو توضح افتراض العقل المتمركز حول ذاته الذي يحكمنا : ( ان الكتابة ليست سوى تقديم الكلام ، ومن العجيب اننا نعطي اهتماما لتحديد الصورة أكثر من الموضوع ) .
    ان موقف دريدا ، (ك) زعزعة لليقين الفلسفي ، يقتضي ( تحرير الال من تبعيته او من تفرعه من اللوغوس وعن المفهوم المتعلق بالحقيقة أو بالمدلول الاولي ، كيفما كان المعني الذي نفهمه ) من غير من ان نحول بذلك الاولوية المنتزعة من الدّال في اتجاه المدلول . تحرير لا يمكنه أن يتحقق بدون اصابة شاملة لمنطق العلامة الذي تَرجع اليه اكتابة (انحطاطها).
    لذك ، فان لتفكير في الكتابة هو رافعة من التساؤلات الحاسمة ضمن مشروع التفكيك ، ان الانشغال الفلسفي هنا يتحالف مع هّم الموضوع الادبي ومع وضعية المكتوب . ان دريدا ، بذكره للطابع المشكوك فيه والمتخيل جزئيا ، للحد الذي يفصل الكتابة الصوتية عن الكتابة غير الصوتية ، وباستدعائه لدوسيسر ضد دوسيسر يقيم الدليل على ان اللغة ، وعموما كل مدلول ، بعيدا ان تكون تلك التى يحب ان تحتمل النقش ، هي دوما مكتوبة سلفا . وبأن القول ليس مكبر صوت للمعنى .

    مواصلة ...
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 03:44 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    شكرا سناري وعشة بت فاطمة على رفدكم للبوست
    والشكر ايضا لعتالي

    المش=============================اء
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 03:47 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

صبحي حديدي:بين جاك دريدا وتفكيك الزرقاوي (Re: osama elkhawad)

    لو كان إدوارد سعيد علي قيد الحياة هذه الأيام، فالأرجح أن النصّ الذي كان سيكتبه في مناسبة رحيل جاك دريدا (1930 ـ 2004) كان سيبدو بين أفضل المراثي، وأرفعها رصانة في الجانب النقدي، وأشدّها توغلاً في فكر وفلسفة ومحاسن ومساويء الفيلسوف الفرنسي الشهير. كان بين الرجلين خلاف عميق، لم يتسنّ له أن يظهر علي السطح للأسف، وإلا لكنّا كسبنا واحدة من أعمق مناظرات النصف الثاني من القرن العشرين. وكان بين الرجلين، غنيّ عن القول، احترام متبادل وصداقة وعلاقات شخصية وحتي عائلية.
    وأذكر أنني، قبل عشر سنوات تقريباً، استوضحت سعيد عن هذه المسألة، مشدّداً علي أنه شخصياً، وفي مطلع مساره الفكري، كان واحداً من قلّة من النقاد أبناء جيله في أمريكا، ممن قدّموا الفلسفة الأوروبية ودراسات النُظُم المختلطة والفينومينولوجيا والبنيوية، وسواها. لماذا كنتَ قاسياً علي دريدا بصفة محددة، سألت آنذاك، وهل تغيّر موقفك بعض الشيء؟ الراحل، الذي كان يعرف أننا لم نكن في حديث مجالس، وأنّني كنت أحاوره لكي ينشر كلامه علي الملأ، أجابني هكذا: أولاً: أعتقد أن دريدا رجل لامع تماماً. لقد أحببته، وقامت بيننا صلات شخصية وطيدة. ولكني مع ذلك شعرت بتلك الحالة الطفيفة من انعدام التوازن بين منهج التفكيك ذي الطابع التشكيكي وربما الفوضوي العالي من جهة، وبين اجتهادات التفكيك المنهجية من جهة ثانية. ولقد بدا لي، علي نحو محتوم ربما، أنّ ما يلوح كنزعة تشكيك تأملية ونيتشوية هي حالة يسهل تطويعها لملائمة مختلف المؤسسات: حقيقة أن دريدا أصبح دريدائياً ، وأن مدرسة كاملة في أمريكا تُعرف اليوم باسم الدريدائيين . وبالمناسبة، أخبرني دريدا نفسه أن شهرته في أمريكا تختلف عن شهرته في فرنسا حيث لا يبدون به اهتماماً واسعاً. ولقد بدا لي أنّ حالة المؤسسة هذه أخذت تفقده حرّيته في الاستكشاف الدائم .
    وتابع سعيد: لقد شعرت، وأذكر أنني ناقشت هذه المسألة مع شومسكي، أنّ أعمال دريدا تنطوي علي الكثير مما يثير البلبلة وإطلاق العنان للأهواء، بدل المحاولة الجادّة للانخراط سياسياً في بعض قضايا الساعة الكبري مثل فييتنام أو فلسطين أو الإمبريالية. لقد شعرت علي الدوام بوجود نوع من المراوغة، فأقلقني ذلك. وحين كنت التقي به، كنّا نتبادل حوارات مفيدة. لقد زارني في بيتي، ودعوته لإلقاء محاضرات في كولومبيا في أواخر السبعينيات. وحين جئت الي باريس لإلقاء بعض المحاضرات في السوربون، دعاني وعرّفني علي زوجته. في المستوي الشخصي كانت الأمور علي مايرام. ولكني شعرت انه بدأ يطوّر حسّ الدفاع عن منطقة وعقيدة جامدة. وكنت أقول في نفسي: ما معني ذلك؟ أضف إلي أنني ازددت انغماساً في السياسة، وخيّل إليّ أنه يزداد ابتعاداً عن السياسة .
    الحال، للإنصاف، تبدّلت جذرياً في ما بعد، لأنّ دريدا أخذ يقترب أكثر فأكثر من موضوعات الساعة، لكي لا نقول موضوعات السياسة بالمعني الحرفي للمفردة. لقد أصدر عدداً من الأعمال الهامّة في سياسة الأبارتيد، وسياسة الصداقة، وسياسة الضيافة، وسياسة ماركس، إلي جانب كرّاسة في تحليل هزّة 11/9. وهذا، في الواقع، ينسجم تماماً مع روحيّة منهج التفكيك التي أطلقها دريدا مطلع الستينيات، معتبراً أنّ جميع النظريات الغربية الخاصة باللغة والاستخدام اللغوي (أي، في عبارة أخري، النطاق الذي يشمل الثقافة الغربية بأسرها) قائمة علي مركزية كلامية. وبين أبرز إجراءاته في كشف (وبالتالي: تفكيك) الفرضيات الراسخة كان قلب الهَرَمية التقليدية التي تقول بأسبقية الكلام علي الكتابة (ومن هنا الأهمية الفائقة للدراسة الشهيرة صيدلية أفلاطون ، التي ترجمها الصديق الشاعر العراقي كاظم جهاد). الإجراء التالي كان استبدال هذه الهرمية المقلوبة عن طريق إدخال كتابة بَدْئية Archi-ژcriture ليست سوي تكوين مُختلق لكنه مع ذلك يمكن أن يدلّ علي الكلام والكتابة في آن.
    غير أنّ انقلاب فكر دريدا إلي فكر دريدائي ، لكي نعيد التذكير بالتعبير الثاقب الذي ساقه سعيد، كان العتبة الأولي لانزلاق منهج التفكيك إلي حيث لم يكن يليق بالمنهج أبداً، ولم يكن دريدا نفسه سعيداً به. لقد أعرب مراراً عن سخطه من اللهو بالمصطلح، واستخدامه كيفما اتفق، وبالتالي رواجه في صيغة موضة فلسفية لم تعد تملك من أدوات التفكيك سوي المعني المباشر للمفردة ذاتها! والمفارقة أنّ شكوي دريدا كانت تنطبق علي حال التفكيكية في الولايات المتحدة، البلد الذي احتضن فلسفة التفكيك ورفعها إلي مصافّ عليا (وأحياناً مقدّسة لا تُمسّ!) في جامعات أساسية مثل ييل وجون هوبكنز.
    وذات يوم غير بعيد اشتكي دريدا، علانية، من أنّ صحيفة نيويورك تايمز استخدمت مصطلح التفكيك للحديث عن تحضير طبق يخنة الأرانب ! وليس مصادفة بحتة أنّ الصحيفة ذاتها نشرت، في يوم رحيل دريدا وإلي جانب مقالة في رثائه، تحليلاً مطوّلاً بعنوان... تفكيك أبو مصعب الزرقاوي !
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 03:51 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    دريدا: تفكيك فلسفة الحضور
    رشيد بوطيب

    لاغرو أن دريدا، أحد أعلام فلسفة الاختلاف بالثقافة الفرنسية، إلى جانب كل من فوكو ودولوز، هو أول من حاول تحرير هايدغر من التأويل الوجودي الذي قدمه سارتر للفلسفة الهايدغرية. إن التفكيكية وكما بين ذلك بننغتون في كتابه عن دريدا(1) هي ترجمة للمصطلح الهايدغري: التدمير. فهذا هايدغر يعلن في بحثه الصغير: "الهوية والاختلاف"(2) يعلن بوضوح أن الفلسفة الأوروبية منذ أفلاطون تأسست على مبدأ الواحد وأنه رغم وجود فلسفات ثنائية وأخرى تعددية وأخرى ثائرة على كل نظام، إلا أن التيار الغالب كان هو التيار المتمركز على مبدأ الواحد. وتمثل فلسفة أفلاطون وعالم مثله خير مثال على ذلك، وفي الفلسفة الحديثة لا تخرج الهيغلية عن هذا النهج وهي تفهم الدولة كمجيء الله إلى العالم، وكل المثالية الألمانية. بل إن دريدا في كتابه الرائع "الصوت و الظاهرة"(3) قد بين بأن هوسرل، المؤسس للفينومينولوجيا ليس سوى امتدادا للفلسفة الأفلاطونية، وبلغة أخرى للمثالية الألمانية.
    في هذه النظرة الأحادية البعد، الامبريالية المعنى، الوعي هو الحضور في ذاته، هو الوجود الذي نطلق عليه عامة اسم الذات. هذا الحضور الذي سماه هايدغر بالتحديد الأنطوـ لاهوتي للوجود. ثار هايدغر على منطق الوعي وفلسفة الحضور، وقبله أيضا نيتشه وفرويد. لم يحاول نيتشه تأسيس حقيقة جديدة، ولم تشغله أبدا أسئلة كانط الترنسندنتالية. لم يعد الوعي أرضا آمنة للمدلولات، أصل ومآل المعنى، لم يعد ذلك الخالق، المكتفي بذاته. لقد كان نيتشه وكان بطله المفاهيمي زرادشت تفكيكا على حد تعبير دريدا "للجراماتيكا الميتافيزيقية بامتياز". دون أن يغفل المرء فرويد الذي رفض هو الآخر نظام الوعي اللاهوتي. وقد بينت ساره كوفمان في كتابها "قراءة دريدا"(4) ذلك بوضوح، حين أعلنت أنه رغم أن فرويد فهم اللاوعي كنظام، فإنه يمكن القول أن اللاوعي لا مكان له وأنه لا يتسم بصفة الحضور، وأنه يبذر اللانظام في عالم الأنا وهو بذلك مثل مفهوم الكتابة أو الاختلاف عند دريدا، يهز بنيان الميتافيزيقا بعنف. نيتشه، فرويد، هايدغر ولكن خصوصا البنيوية كان لها كبير أثر على فلسفة الاختلاف. البنيوية كفلسفة موت الإنسان، تدافع عن فكرة أن الكاتب كشخص وأحاسيس ونظرة إلى العالم قد مات، وأنه لم تعد له سلطة على نصوصه. في كتابها:"اللغة، هذا المجهول"(5) رسمت جوليا كريستيفا معالم الاتجاه البنيوي. إن اللغة حسب هذا الاتجاه، أصبحت موضوعا للعلم. لم تعد تلك الممارسة التي تجهل نفسها، بل ستتكلم منذ الآن قوانينها الخاصة، هذه القوانين التي يمكن تلخيصها بفكرة فصل اللغة عن المتكلم، وهذا من شأنه أن يهز مركزية الإنسان ووحدته، فإذا كانت النهضة قد حملت شعار الإنسان ضدا على الإله القروسطي، فإن البنيوية تحمل شعار اللغة ضدا على الإنسان.. الإنسان كمعنى وأيديولوجيا.

    1- البناء الميتافيزيقي للسانيات سوسير
    يبدأ دريدا الفصل الثاني من كتابه "هوامش الفلسفة"(6) الذي يحمل عنوان:"اختلاف" بكتابة كلمة "اختلاف" بطريقة إملائية جديدة. لا يمثل هذا فقط هدما للإملاء الأورثدوكسي ولكن أيضا لنظام الوعي وتوتاليتاريته. ولا ريب أن سوسير هو أول من فهم أهمية الاختلاف واعتبر ذلك شرط إمكانية عمل الدوال. فاللغة بنظره هي نظام من الاختلافات، ولا وجود لبنية لا يكون الاختلاف وحداتها. وحسب دريدا ليس الاختلاف كلمة ولا مفهوما. و لن يعمل دريدا على تبرير طريقة كتابته لكلمة"اخت(لا)ف"، لأنه ليس حبيس منطق جدلي. إن بإمكان المرء أن يقرأ ويكتب هذا الاختلاف الإملائي و لكن ليس بإمكانه سماعه. "إنه غير مسموع" يقول دريدا. اختلاف لا علاقة له بنظام الوعي ولا بنظام التجربة. إن المركزية الصوتية تخفي دائما مركزية عقلية، ودريدا لا يريد قول شيء. إن فلسفته ليست إرادة - قول. إن الاختلاف يتجاوز كل أشكال الثنائية و الحرف الأول من الأبجدية اللاتينية دائم الغياب، إنه لا يقول شيئا، ليس بطبيعة ولا بوعي، لا يتضمن حقيقة. إن دريدا لا يمارس فلسفة كلاسيكية ومنطق الاختلاف ليس فقط منطقا لا-أنطولوجيا ولكن أيضا لامنطقيا. إنه بلغة دريدا: استراتيجيا ومغامرة. الاستراتيجيا تعني أنه لا وجود لحقيقة ترنسندنتالية تحكم الكتابة، فالكتابة ضد كل أشكال الأنطولوجيا واللاهوت. والمغامرة، لأن الكتابة لا تسجن نفسها بهدف معين أو باستراتيجية تسعى للبرهنة على صحة مقدماتها وامتلاكها من جديد. إنها استراتيجيا غير غائية، استراتيجيا التيه والضياع. لا يهدف دريدا إلى بناء نظام فلسفي جديد، والاختلاف ليس مسكنا جديدا للحقائق والمدلولات، بل مشروعا تفكيكيا، تبرز ملامحه بوضوح في قراءة دريدا لسوسير. إن الدال حسب سوسير يظهر للوجود لحظة غياب الموجود، لذلك فهو ثانوي والاختلاف نتيجة ذلك ليس له إلا وجود مؤقت. وسيحاول دريدا تجاوز هذا الاختلاف المؤقت الذي يظل حبيس الحضور، فلسانيات سوسير، رغم احتفاءها باللغة وبالدليل، تظل حسب دريدا سجينة الميتافيزيقا. وقد بين ذلك بننغتون بوضوح في كتابه السابق الذكر. ويمكن أن نلخص رأيه في نقطتين: أولا: إن مفهوم الدليل الميتافيزيقي ـ ويعني به الدليل عند سوسير ـ الذي يميز بين الدال والمدلول يجد أصوله في الفلسفة الثنائية التي كانت تميز بين المحسوس والعقلاني. وسوسير لم يعمل أكثر من محاولة امتلاك هذه الثنائية من جديد. ثانيا: إن التفكيكية تدافع عن أولوية الدليل ضدا على المرجعية. لا وجود لمرجعية خارج الدليل. إن فلسفة الاختلاف تحتفي بالثانوي، بالدليل. وهكذا سيهز دريدا بعنف سلطة الحضور، هذه السلطة التي ترغمنا على التفكير في الوجود دائما من خلال ثنائية الحضور والغياب. ليس الاختلاف ذاتا ولا أصلا ولا مرجعية، وحتى لو تساءل دريدا عن مفهوم الاختلاف فإنه لا يفعل ذلك إلا ليفكك السؤال في حد ذاته. إن السؤال عن الماهية هو سؤال ميتافيزيقي، وبلغة هايدغر: حجب للوجود. وهكذا سيحتفل دريدا بالكتابة ضدا للوعي. الكتابة أنثى والوعي يخشى كل ما هو أنثوي، يخشى تحويله إلى كتابة، لأن ذلك يفقده قدسيته وتعاليه، فالكتابة إيذان بموت الخالق وتجاوز لمنطق الهوية، إنها تتحقق على حد تعبير ساره كوفمان كإضافة، ككائن هجين، كشجرة بلا جذور، كنص بلا قوانين محددة، مفتوح على النصوص الأخرى، على الآخر.

    2- دريدا و هوسرل: تفكيك المركزية الصوتية
    يؤكد بعض النقاد الألمان بحق، بأن إدموند هوسرل هو أهم فيلسوف عرفته البشرية بعد أفلاطون. ولعل أهميته تبرز أكثر حين مطالعتنا لكتابات ما بعد الحداثة التي يمكن وصف فلسفتها بأنها مشروع نقدي وتفكيكي لنظام الوعي وفلسفة الحضور الهوسرليانية. وكمثال على ذلك، الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، الذي يمكن أن نلخص نقده لفلسفة هوسرل في جملة واحدة، نقتبسها من كتابه "الصوت والظاهرة":

    "المعنى محفوظ للذي يتكلم". المعنى مثال، وعقلانية، ولهذا ليس تناقضا أن يربطه هوسرل بالذات، بذات حاضرة ومتكلمة. بطريقة ساخرة، يمكن القول بأن قدر الذات هو المعنى. إنه محكوم عليها أن تقول، أن تجترح معنى. والمعنى سابق للكلام، ذاتوي، ثابت مرة وللأبد بمكان ما قد نسميه الوعي، وبإمكان المرء أن يستحضره كلما أراد ذلك، كما يستحضر العبد ربه لحظة الصلاة. وتحويل المعنى إلى كلام أو لغة، يظل بنظر هوسرل عملا ثانويا، نوعا من التدنيس، إذا استعملنا لغة دينية. "الإيبوخي" هو نقيض ذلك، الايبوخي أو الاختزال الفينومينولوجي الذي يمثل خروجا من العالم، الذي يضع المعرفة كما الوجود بين قوسين. المنهجية الأخرى للفينومينولوجيا الترنسندنتالية هي الاختزال الصوري، وعن طريقها يتم "شطب وجود الأشياء، حقيقة كل ما هو زمني ومحسوس لصالح نظرة إلى الكل الجوهري. يتم إلغاء وجود العالم لكي يتم الإمساك بجوهره."(7) تبدو الفينومينولوجيا إذن كعلم قبلي. "فقبل الوجود، قبل كل قوانين الواقع، يمثل الجوهر وقوانينه"(8 ) إن الفينومينولوجية الترنسندنتالية هي نوع من الاكتفاء الذاتي الداخلي، وعي مطلق، حذف للعالم الخارجي، في كلمة: أفلاطونية. إن الوعي في هذه الفلسفة ليس نتاجا للطبيعة، بل هو حر من كل طبيعة، في حين لا يمكن للطبيعة أن توجد حال غيابه. إن هوسرل قد عبر عن ذلك بوضوح قائلا:"إذا محونا كل العقول من العالم، لا يبقى هناك وجود للطبيعة، ولكن إذا محونا الطبيعة، فإن شيئا ما يظل على قيد الحياة: العقل، كعقل فردي"(9) وهذه النظرة إلى الطبيعة كشيء ثانوي وتابع للعقل، توضح أيضا اختلاف الفينومينولوجيا عن علم الدلالة التقليدي، الذي يقبل فقط بالكلمات التي تحيل على موضوع واقعي. إن المفهوم المركزي لفلسفة اللغة الهوسرليانية هو: العبارة. والعبارة تنقسم إلى علامة سواء كانت مادية أم صوتية أم كتابية وإلى معنى. ويميز هوسرل بين نوعين من العلامات: العبارة والعلامة أو الإشارة. فالعلامة الأولى لها معنى، في حين أن الثانية هي علامة إشارية. ودريدا سيفهم هذا التمييز كنظام ميتافيزيقي لا يقبل التواصل. إنه يقول:"فقط حين يتم حذف الوظيفة التواصلية تظهر للوجود الوظيفة التعبيرية الخالصة(...) حتى يتم اختزال الإشارة وإقامة العبارة الخالصة داخل اللغة، يجب إذن حذف كل علاقة بالآخر."(10)

    "الأبحاث المنطقية" هي بالنسبة لدريدا النص النواة لكل الفينومينولوجيا. إن دريدا يعالج في كتابه:"الصوت و الظاهرة" مشكلة العبارة كما فهمها هوسرل بالبحث المنطقي الأول. وسيكشف دريدا كما سنرى عن البنية الميتافيزيقية لنظرية المعنى الهوسرليانية. إن هوسرل نفسه يميز في كتابه:"التأملات الديكارتية" بين ميتافيزيقا أصيلة أو فلسفة أولى والميتافيزيقا التقليدية، التي خانت العقل. إن الفينومينولوجيا هي، اعتبارا لمنهجها الحدسي، الحسي ولكن أيضا العقلاني، ضد كل شكل من أشكال الشطط الميتافيزيقي. ولكن رغم هذا الزعم، فإن دريدا يرى بأن الفينومينولوجيا لم تضع موضع سؤال، لا العقل الترنسندنتالي ولا اللغة التقليدية لهذا العقل. إنه يقول:"بين اللغة التقليدية (أو لغة الميتافيزيقا التقليدية) و لغة الفينومينولوجيا، لم يتحقق أي شكل من أشكال القطيعة..."(11)

    إن هوسرل يفهم اللغة ككائن عقلاني. إنه لم يفهم الاختلاف بين اللغة والمنطق. وإذا استعملنا أسلوب فوكو، نقول، إنه يمارس فقط لغة جدلية. فهم غائي للغة، أو بلغة دريدا، فهم لا يميز بين الجراماتيكية (النحوية) والمنطق. إنها جراماتيكا منطقية، تتأسس على الوعي وتجد أصلها ومآلها بالوعي. جراماتيكا ميتافيزيقية، وعي، لا يعبر إلا عن شيء واحد وهو الحضور، وبلغة أخرى: الصوت. الصوت الفينومينولوجي الذي لا يجب خلطه بالصوت الفيزيقي، لأنه صوت ترنسندنتالي وشعوري، صوت يمتلك روحا لا تنتمي إلى العالم. في الفصل الأول:"الدليل و الأدلة" من كتاب دريدا الآنف الذكر، يبدأ الفيلسوف الفرنسي بالحديث عن مفهوم العلامة أو الدليل عند هوسرل. إن هوسرل يعتقد بأن بعض العلامات لا تمتلك معنى. وهي تلك العلامات التي يسميها المرء بالعلامات الإشارية أو باختصار: الإشارة، في مقابل العبارة. الإشارة تنتمي إلى العالم، إلى عالم بلا وعي وبلا أنا وبلا ذات متكلمة. في المقابل فإن العبارة معنى، حدث شعوري، "إرادة قول". ويمكن توضيح هذه الأنطولوجيا اللغوية بالجدول التالي:



    العالم
    الوعي

    الإشارة

    (لا تريد قول شيء)
    العبارة

    (معنى،إرادة قول، ذات، عقل، موضوعية مثالية)

    الامبيريقية
    الحقيقة




    وسوف يوضح هوسرل بأن العبارة ليست إشارة إلى شيء ما. إنها ليست علامة وجود، وحتى لو كانت دائما مرتبطة بخطاب تواصلي. فهذا التواصل يظل دائما بالنسبة لهوسرل سطحيا. إن العبارة تجد أصلها خارج فعل التواصل وبنية الإشارات، خارج العالم، في عالم المثال والمونولوج. إن الفينومينولوجيا الترنسندنتالية لا تسمح بتبادل الكلام، لأنها تفهم التواصل كفعل سطحي، إن أصالتها تتحقق دائما في غياب الآخرين، في غياب الاختلاف، في الحياة المنعزلة للـروح. إن الجدول التالي يوضـح ذلك:



    الذات المستمعة
    وساطة فيزيقية
    الذات المتكلمة

    فهم نية المتكلم
    العبارة الإشارية


    له علاقة مع علامات امبيريقية و ليس مع ذاتية، ليس مع حضور أو إرادة قول.




    العبارة في نظر هوسرل "تجسيد". إنها تعبر عن معنى موجود قبلا بالوعي. وقد نفهم العبارة كمظهر أو تجسيد لمعنى داخلي. التجسيد أو المظهر أو الخارج ليس طبيعة ولكنه معنى، إنه صوت الذات المتكلمة. إن بنية الخطاب لدى هوسرل هي مثالية. دال مثالي، لا يقبل التغير ومدلول مثالي. مثالية لا تعني أكثر من إمكانية دائمة لإنتاج الذات كحضور. الوجود حسب هوسرل وكما بين ذلك دريدا هو تكرار أو عملية استحضار. وهذا التصور يفسر في رأيي هرمية ونهائية النظام الهوسرلياني. إذ أنه نظام لا يكتفي فقط برفض التواصل، ولكنه يدفن الوجود في أصل معين ويختزله بمكان محدد. يقول دريدا:"للتطور التاريخي حسب هوسرل دائما شكلا أساسيا، وهو تكوين المثالية، بحيث أن تكرارها وإذن التقليد يتم الحفاظ عليه للأبد:التكرار والتقليد، يعني النقل وتجديد الأصل. و هذا التحديد للوجود كمثالية هو تقدير أو فعل أخلاقي ـ نظري يؤبد الحكم الأصلي لفلسفة في شكلها الأفلاطوني."(12) الصوت هو تعبير عن هذا الحضور، عن هذا الشكل الأفلاطوني. ويتساءل دريدا لماذا يعتبر الصوت الأكثر مثالية من بين العلامات؟ من أين يأتي هذا التواطؤ بين الصوت والمثالية؟. إن هذا هو السؤال النواة لهذا الكتاب. وعبر طرح هذا السؤال يحاول دريدا تفكيك العلاقة بين المركزية الصوتية والمركزية العقلية. إن دريدا يحاول توضيح أن العلاقة بين الصوت والوعي هي علاقة داخلية. إن الصوت يظل سجين الأنا. لا مكان للآخر، لا مكان للعالم. فنفس الدال ومعنى المدلول هما نفس الشيء، الواحد، المثيل، الأنا، الآن هنا. في الوقت الذي أتكلم فيه، أسمع ما أقول، أحقق نفسي كحضور، كنفس وروح، أحصن حياتي. وقد أشار دريدا في كتابه: De la grammatologie إلى أن تاريخ الميتافيزيقا، ليس فقط من أفلاطون حتى هيغل، ولكن أيضا من ما قبل السقراطيين وحتى هايدغر، اعتبر دائما العقل كأصل للحقيقة. وهذه النظرة نظرت إلى الكتابة دائما كشيء ثانوي وتقني، يقع خارج الحقيقة. الصوت بعكس الكتابة هو مكون من مكونات هذا الاقتصاد الميتافيزيقي، إنه دال لا ينتمي إلى عالم التجربة، إنه الوعي ذاته. إن الكتابة لا تملك معنى ولا تأثيرا، إنه بالإمكان الاستغناء عنها. إن الميتافيزيقا لا تحتاج إلى جسد، إنها نرجسية، نوع من الإصغاء للذات. الصوت والوجود يدخلان في علاقة تقارب. إن الصوت وكما قال هيغل، ينحدر من الروح. إن الكتابة في هذه النظرة الميتافيزيقية اللاهوتية، ليست أكثر من وسيط. إنها لا تتضمن حقيقة، إرادة قول، إنها تجسيد. إن دريدا يوضح بأن مفهوم القصدية سجين ميتافيزيقا إرادية.. إن إرادة القول هي تعبير عن الحضور، وكل ما هو خارج الإرادة أو الذات هو بلا معنى، مثل اللغة والجسد والطبيعة. فالثنائية جسد/عقل تلعب دورا أساسيا في نظرية المعنى الهوسرليانية. العقل إرادة ومعنى، ولكن الجسد مجرد من كل معنى، موت. إن دريدا يفهم الفينومينولوجيا كاختزال إلى المونولوج. إنه يقول:"في الحياة الروحية الوحيدة لا نحتاج إلى كلمات واقعية ولكن فقط إلى كلمات متخيلة"(13) إن العلامة في الفلسفة الكلاسية كما في علم اللغة نوع من الملحق أو المساعد، لا علاقة لها بالحقيقة، إذ أنه يمكن الاستغناء عنها حين الحديث عن الحقيقة. إن العلامة أو اللغة هي مجرد انعكاس للحقيقة المثالية، التي تتأسس خارج العالم. إن العلامة أو اللغة ليس لها معنى، لأن وجودها في العالم يتحقق كجسد. وهذا الفهم للعلامة يقود هوسرل إلى تحقير التواصل، إن الآخر يمثل خطرا بالنسبة له،إنه تنسيب للمعنى الأصلي.الآخر كعلامة أوكتابة أو إنسان أو طبيعة يظل دائما في فلسفة هوسرل ثانويا، إنه نوع من الحشو. ويمكن تلخيص تفكيك فلسفة الحضور كما قام به دريدا في أربع نقط أساسية هي: 1ـ إن دريدا يعتبر بأن العلامة ليست فقط انعكاس لمعنى أصلي ولكنها شرط إمكانية هذا المعنى. وإنها ليست فعل استحضار لمعنى مصنوع من قبل.2ـ في البدء كانت العلامة وليس الذات، فليست الذات هي التي تكون العلامة ولكن نظام العلامة يكون الذات. 3ـ يتجاوز دريدا اختزال الزمن في الآن. الآن أو الحاضر كتحديد أنطوـ لاهوتي للوجود، كأصل للحقيقة وخالق للمعنى هو بالنسبة لدريدا شكل من أشكال الأفلاطونية. 4ـ تجاوز دريدا الهرمينوطيقا التقليدية التي زعمت دائما إعادة امتلاك المعنى الأصلي، هذه الهرمينوطيقا المبنية على الفهم وليس على الاختلاف. إن الغياب يلعب في نظره دورا أساسيا في تكوين المعنى.



    المـراجــع:



    1- „ Jacques Derrida“ Geoffrey Bennington, Seuil, P:252

    2- « Derrida zu Einführung » Heinz Kimmerl, Junius 1922, Seite:16

    3- „La voix et le phènomène : introduction au problème du signe dans la phènoménologie de Husserl » Quadrige/Puf 1967

    4- « Derrida lesen » Sarah Kofman, aus dem Französischen von Monika Buchgeister und Hans-Walter Schmidt, Edition Passagen, Seite :53

    5- „Le langage cet inconnu“ Julia Cristeva, Points 1981,Page: 10

    6- « Marges de la philosophie » Jacques Derrida, Les éditions de minuit, 1972

    7- « Edmund Husserl » Franz Josef Wetz, Campus, Seite :56

    8- Ibid, Seite :57

    9- Dem Zeichen auf der Spur“ Jörg Lagemann und Klaus Gloy, F-V 1998, Seite71

    10- „ la voix et le phénomène » page :6

    11- Ibid, page :59

    12- Ibid, page :23

    13-
    Ibid, page :47

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    * رشيد بوطيب: كاتب مغربي يقيم في ألمانيا rboutayeb@hotmail.com

    نقلا عن مجلة "ألواح"
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 03:53 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    مقاربة نقدية لاستخراج احتمالات التأويل

    رحيل جاك دريدا، فيلسوف التفكيك

    اشهر فيلسوف فرنسي، انطلق من نصوص فلسفية كلاسيكية ليضع نظرية «تفكيك البناء» النقدية.

    ميدل ايست اونلاين
    باريس - توفي الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا عن عمر 74 عاما ليل الجمعة السبت في مستشفى باريسي بعد صراع مع سرطان في البنكرياس، وفق ما اعلن محيطه.


    كان جاك ديريدا اشهر فيلسوف فرنسي في العالم، وقد اشتهر بصورة خاصة في الولايات المتحدة حيث لقيت نظريته "تفكيك البناء" اللغوية اصداء كبيرة.


    ولد ديريدا في 15 تموز/يوليو 1930 في الجزائر. التحق عام 1950 بدار المعلمين العليا في باريس قبل ان يصبح مساعدا في جامعة هارفرد بالولايات المتحدة ثم في جامعة السوربون في باريس. وعين عام 1965 استاذ فلسفة في دار المعلمين العليا حيث شغل منصب مدير دراسات.


    وزاول ديريدا نشاطه التعليمي لفترة طويلة بين باريس وعدد من ابرز الجامعات الاميركية منها جامعتا يال وجون هوبكنز.


    اجرى الفيلسوف دراسة نقدية معمقة للمؤسسة الفلسفية ولتعليم مادة الفلسفة، فانشأ عام 1983 معهد الفلسفة الدولي الذي تولى ادارته حتى العام 1985. وقام فيما بعد بالتدريس في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية.


    من مؤلفاته الكثيرة "الكتابة والاختلاف" (ليكريتور ايه لا ديفيرانس) و"الانتشار" (لا ديسيميناسيون) و"هوامش الفلسفة" (مارج دو لا فيلوزوفي) و"الحقيقة بالرسم" (لا فيريتيه آن بانتور) و"من اجل بول سيلان" (بور بول سيلان) وغيرها.


    ووضع ديريدا انطلاقا من نصوص فلسفية كلاسيكية نظرية "تفكيك البناء" التي تعرض مقاربة نقدية يستخرج من نص ما احتمالاته التأويلية.


    تميز ديريدا في حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر بادانته المتواصلة لسياسة فرنسا الاستعمارية في هذا البلد، وظل يأمل حتى اللحظة الاخيرة قبل ان يغادر الجزائر مع عائلته عام 1962، في شكل من الاستقلال يتيح التعايش بين الجزائريين والفرنسيين المولودين في الجزائر. وغالبا ما كان يتحدث بعد رحيله عن الحنين الى البلد الذي نشأ فيه.


    وكان من اعضاء فريق الدعم للمرشح الاشتراكي ليونيل جوسبان خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 1995. وكان متزوجا من محللة نفسية وله طفل من سيلفيان اغاسينسكي زوجة جوسبان حاليا.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 03:56 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    البيان:اخبار الثقافة

    صدور الطبعة العربية من كتاب جاك دريدا ..ما الذي حدث في 11 سبتمبر


    سبقت الطبعة العربية لكتاب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا «ما الذي حدث في 11 سبتمبر» الصادرة عن المجلس الاعلى للثقافة في مصر غيرها من الطبعات باللغات الاخرى بأربعة اشهر، وذلك للمرة الاولى.


    ويعرض الكتاب في جناح المشروع القومي للترجمة في معرض القاهرة الدولي ويتضمن حواراً اجرته الايطالية جيوفاني بورودري مع دريدا عن أحداث 11 ـ سبتمبر، ومن المتوقع صدوره في العاصمة البريطانية في ـ ابريل المقبل. ويدور الحوار حول الخلفية التاريخية والتداعيات المستقبلية للحدث، ويطرح دريدا افكاره متسائلا في البداية عن فكرة الحدث من وجهة نظر الفلسفة التفكيكية التي يعتبر من ابرز منظريها.


    وقالت المترجمة صفاء فتحي ان دريدا لا يعتبر ما حصل «وفقا للنظرية التفكيكية حدثا لكنه امر يفتح الباب امام احداث اخرى قادمة مستقبلا لا يمكننا الان توقعها او التنبؤ بها او تعريفها».


    وأضافت ان الحوار «يتطرق الى علاقة الولايات المتحدة بالدول الاوروبية والعالم العربي وغيرهما من دول وشعوب الكرة الارضية ضمن سياق تاريخي يحدد ان فكرة الولايات المتحدة تمثل القوى العظمى».


    وأوضحت ان الحوار يظهر «تنصيب الولايات المتحدة نفسها كبطل مدافع عن المؤسسات الدولية الا انها اول من يخترقها ومع ذلك يرى دريدا ان اضعافها قد يؤدي الى اضعاف اعدائها». واكدت ان دريدا يعتبر «العولمة امرا مفيدا وسيئا في اللحظة ذاتها، اذ انها تؤدي الى نتائج سلبية على الواقع العالمي وشعوبه واستبعاد الملايين الذين يكتفون بمشاهدة اغتناء الاخرين على شاشات التلفزيون». وقالت ان الفيلسوف يرى انها في الوقت ذاته قد «تشكل فرصة تتيح للقانون الدولي والمؤسسات الدولية ان تفرض نفسها وان تتدخل من اجل احلال قوى الديمقراطية والسلام». وقالت ان فكرة «الديمقراطية القادمة لدى دريدا تعني احلال العدل، الا انها لن تكف خلال سعيها عن اصلاح نفسها والارتقاء بها الى آفاق انسانية ارحب» ويلقى الكتاب اقبالا من المثقفين العرب والمصريين من رواد المعرض ويقع في 160 صفحة من القطع الكبير.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:01 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    ميشيل لوي يبحث عن الرومانسية في اعمال ماركس: من الصعب أخذ افكار دريدا بجدية -

    عبد السلام باشا
    منذ سنوات يقوم الباحث البرازيلي ميشيل لوي بتحليل العلاقة بين الرومانسية والحركات الاجتماعية والثقافية والسياسية الثورية، داخل وخارج أمريكا اللاتينية. ميشيل لوي يشغل منصب مدير الابحاث في (المركز الوطني للبحث العلمي) في باريس، وقام منذ أيام بالقاء محاضرة في برشلونة بعنوان (الرومانسية في أعمال كارل ماركس) وأجرت معه جريدة (لا بانجوارديا) هذا الحوار الذي يقول فيه ان الرومانسية حركة بدأت في القرن التاسع عشر لكنها ما زالت موجودة حتي اليوم بسبب نقدها للحضارة الرأسمالية. ويشير الي آثارها في اعمال كتاب مثل أندريه جيد وبورخيس والسرياليين وغيرهم..
    û ما هي الحركات الاجتماعية والسياسية والثقافية المعاصرة التي ترتبط بالرومانسية؟
    ــ حركات اجتماعية حديثة بها ملامح رومانسية، لأنها تنتقد تدمير أشكال الحياة والثقافات التقليدية بواسطة الحضارة الرأسمالية ــ الصناعية. المثال الأمريكي اللاتيني علي هذا هو حركة (زاباتيستا) في المكسيك، التي تستند إلي ثقافة المايا، الحياة الشيوعية للسكان الاصليين، وترفض النيوليبرالية ودكتاتورية السوق. جانبها الرومانسي ظاهر في البعد الشعري ــ الخيالي لنصوص القائد ماركوس، التي تحيل إلي الاساطير القديمة. وهذا يفسر التعاطف الذي تحصده في المكسيك والعالم.
    û وخارج امريكا اللاتينية؟
    ــ في فرنسا توجد الحركة الريفية الجديدة التي تناضل من أجل زراعة أكثر تقليدية ضد الانتاج (الزراعي ــ الصناعي) الرأسمالي، بوسائله المدمرة للبيئة. في اطار تطور هذه الكونفيدرالية الريفية ذات الجذور المسيحية اليسارية والفوضوية الاشتراكية، يمكن رؤية عنصر رومانسي واضح. بعض قادته كانوا تلاميذ لجاك إيلول، مؤلف الكثير من الكتب في نقد الحضارة التكنولوجية الصناعية برؤية رومانسية إلي حد كبير. اعتقد في وجود أمثلة اوروبية ولاتينوامريكية كثيرة، ومنها لا يجب ان ننسي الارجنتيني خورخي لويس بورخيس.

    رومانسية بورخيس
    û ماذا يوجد من الرومانسية عند بورخيس؟
    ــ اعتقد ان بورخيس رومانسي اصيل بدأ بأفكار فوضوية، لكنه سرعان ما تحول إلي الجانب المحافظ، لكن هذا لا يمنع ان يكون رومانسياً وناقداً حاداً، شخصية يشعر بالشر في الحضارة الحديثة ويرغب في العودة للماضي. هذا واضح في جميع أعماله التي تستوحي ثقافات الماضي، ثقافات ما قبل الرأسمالية، الثقافات الشرقية، عالم الشعر والسحر والغموص والاساطير.
    û علي الرغم من انه معجب بالفلاسفة التجريبيين الانكليز: هيوم وبريكلي؟
    ــ من دون شك. لكنه يفهمهم علي طريقته: تحت التجريبية، لكن بعلاقة سحرية مع الواقع ارجعها للرومانسية.
    û ما فهمك اذن للرومانسية؟
    ــ لا أعرف الرومانسية كمدرسة أدبية من القرن التاسع عشر، كما تفعل المختصرات، لكنه كحركة اجتماعية وثقافية واسعة، لها حضورها في مجال الفن والأدب، لكن في الفلسفة ايضاً، في السياسة، في الافكار الاجتماعية والاقتصادية، في اللاهوت والدين. أي في كل مجالات الثقافة الاجتماعية. اعتمد في قولي هذا علي اعمال لمؤلفين مثل (لوكاش) أو المخرج (أ. ب. ثومبتوس) لكن هؤلاء لم يقوموا بالتحليل حتي النتائج الاخيرة. الرومانسية كما افهمها، ولدت في النصف الثاني للقرن الثامن عشر، لكنها لم تنته في 1830 أو 1848، وانما استمرت حتي اليوم.
    û ما هو ملمحها الاساس؟
    ــ حسب تحليلي، الرومانسية حركة ثقافية للاعتراض علي الحضارة الصناعية الرأسمالية الحديثة، لانها تدمر قيم الجماعية، لانها تحول الحياة الاجتماعية الي كم. والأهم لانها تسبب تعاسة العالم. هذه هي نظرية ماكس وبر ، الرومانسية اعتراض علي تعاسة العالم. ومحاولة يائسة أحياناً، لاعادة امتلاكه عبر الدين ــ من أكثر أشكال الرومانسية محافظة ــ أو عبر الخيال، والحلم واليوتوبيا أو الحب المجنون.
    û هل تنظر الرومانسية نحو الماضي دائماً؟
    ــ قلب الاعتراض الرومانسي مستوحي من قيم قبل حداثية، قبل رأسمالية، يمكن ان تكون حقيقية أو متخيلة، لكنها دائماً ما تستند إلي الماضي، ومع هذا يوجد منحدر يحول هذه القيم إلي المستقبل: هنا نتحدث عن رومانسية ثورية أو طوباوية. ماركس قال في (رأس المال) انه ما دامت الرأسمالية موجودة، ستوجد الرومانسية والنقد الرومانسي.

    تنوع الرومانسية
    û لكن فهم الرومانسية بهذه الطريقة، ألا يوسع المفهوم أكثر من اللازم؟
    ــ نعم توجد مخاطرة، لكن هذا يعود لتنوع الرومانسية في الواقع. منذ بدء الحركة كان لها طابع عريض، ما زال يحتوي علي المتناقضات: كان هناك ثوريين مثل روسو ولا ثوريون مثل الشاعر نوفاليس . هذا التعارض غير منفصل عن الروح الرومانسية، وهو ما يوجد هذه الاختلافات، هو رفض الحضارة الحديثة والرأسمالية الصناعية. الآن، كما قلت منذ قليل: من المعتاد قراءة الرومانسية في منحاها المحافظ، لكن يوجد تقليد ثوري ويوتوبوي كبير، أهم ملامحه عدم العودة إلي الماضي. لكن الحنين إلي الماضي يرسم المستقبل. علي سبيل المثال، روسو، واليوتوبيون الاشتراكيون والفوضويون الرومانسيون في نهاية القرن التاسع عشر مثل ويليم موريس وفي القرن العشرين مثل أرنست بلوخ وآخرين..
    û وماذا عن النازية، لا علاقة لها بالرومانسية؟
    ــ النازية حركة رومانسية وحداثية في الوقت نفسه، علي المستوي الايدلوجي والثقافي يوجد بعد رومانسي لا يقبل المناقشة: فكرة (عودة الرايخ الالماني) الذي يعود للعصر الوسيط، للاسطورة، لكن هذه الملامح الرومانسية يتم التعبير عنها بايديولوجية علمية، بالداروينية الاشتراكية ونظرة لا علمية حول الاجناس. اللغة النازية حول الاجناس لغة غير علمية. توجد خطب لهتلر يقول فيها اليهود فيروس ويجب القضاء عليهم ، وهكذا نحن أحفاد باستوري، خطاب هذياني، لكنه مصاغ بلغة طبية علمية، بالاضافة إلي هذا فان المصدر الاكبر لمعاداة السامية النازية، ليس معاداة السامية الرومانسية الألمانية في القرن التاسع عشر ــ التي كانت أكثر تديناً وتدرك اليهودية كدين عدو للمسيحية ــ وانما معاداة سامية حديثة، عنصرية، مؤسسها الأول هنري فورد.
    û لماذا تربط فورد بالنازية؟
    ــ لان فورد، مخترع النوردية في كتابه اليهودي العالمي قلب جزءاً كبيراً من موضوعات الدعاية النازية المعادية للسامية. هنا تظهر علي سبيل المثال، شخصية (اليهودي البلشفي)، هذا الكتاب كان في المقدمة لدي هتلر وآخرين من غلاة النازية. ومن المهم الاشارة إلي ذلك المصدر الغربي الحديث الصناعي للنازية، الذي لا علاقة له بالرومانسية. من جانب آخر فقد كرست النازية في آلياتها وأيديولوجيتها عنصرية الآلة الحديثة، في الانتاج العسكري كما في الانتاج العام. وأيضاً في الابادة الصناعية العلمية لليهود والغجر.
    û هل تعد الطليعيات الفنية في بدايات القرن العشرين داخل الحركة الرومانسية وحساسيتها؟
    ــ نعم والسريالية خصوصاً، اندريه بريتون نفسه عرف الحركة بـ(ذيل الطائرة الرومانسية)، مشيراً إلي اتجاهها الادبي، وكحركة سياسية ــ ثقافية، هي اعتراض عنيف علي الحضارة الرأسمالية، التي يتهمها، ليس فقط باستغلال العمال، وانما أيضاً بعنصريتها الفظة وانحطاطها وانها (أتعست العالم) بين كل الحركات الفنية الثقافية في القرن العشرين، السريالية هي أكثرها في طرح اعادة ابهاج العالم.
    û كيف تري اعادة الابهاج هذه؟
    ــ عبر الشعور والخيال، الرسم والشعر السريالي مهتمان بهذا البحث، ولهذا تستند إلي تقاليد الماضي، الكيمياء، والثقافات الافريقية الاصلية بعناصرها السحرية.. من جانب آخر، في حركة معادية للرأسمالية كهذه، معادية للوطنية والتدين، نجد انها أحد اكثر الاشكال الثورية للرومانسية في القرن العشرين.
    û عندما تختار هذه الموضوعات وتحيطها بهذه الاشارات ــ من لوكاش إلي لوثيان جولدمان وهنري لينبري ــ تبتعد عما يسمي بالفلسفة الفرنسية المعاصرة، المرتبطة بما بعد البنيوية. لماذا قمت بهذا الاختيار؟
    ــ بصراحة شديدة لم أتفاءل كثيراً بالبنيوية، وايضاً بما بعد البنيوية. التي تبدو لي مجرد قلب لموضوعات البنيوية، التي تؤكد علي تحديد للبني، بينما ما بعد البنيوية تذيب كل شيء في الاستبطانات المختلفة والعابها اللغوية. انهما وجهان للعملة نفسها، يقودان سياسياً إلي نقطة نهاية. الوحيد من بين هؤلاء الكتاب الذي يبدو لي مثيراً هو باليبار علي الرغم من اعتقادي ان هذا لتجاوزه هذا الاطار وانفتاحه علي أفكار أقل عقماً.
    û وجاك دريدا؟
    ــ دريدا حالة خاصة. أعجبني في كتابه أشباح ماركس . اعترف ان هذا ليس فيما هو فلسفي ــ لكي أكون صريحاً، يشق عليّ ان آخذه مأخذ الجد ــ لكن سياسياً، هو مهم جداً، علي الاخص لتأكيده اننا نحتاج ماركس لفهم عالم اليوم ولانه يطرح الحاج لمقاومة عالمية النيوليبرالية، وبهذا المعني، كان بداية لدورة في الحقل السياسي الثقافي.
    û وهذه الدورة تبعد دريدا عن ريشارد دورتي، مفكر الموضة الآخر.
    ـــ تماماً. بالاضافة إلي هذا فهو يبتعد عن نوع من الفكر قد يقود إلي موقف من الخلاعة السياسية ويقنن النيوليبرالية وخطابها النسبي مثل دورتي فكرة أن كل الافكار تتصارع في سوق الثقافة، وهي النسخة ما بعد الحداثية من الايدلوجية النيوليبرالية.
    û وماذا يقول دريدا في هذا الصدد؟
    ــ دريدا ضد هذا بشكل ايجابي، وعلي الرغم من ان هذا ليس شيئاً لاحقاً، لانه ان كان يأخذ بنظريته التفكيكية حتي آخر النتائج، فيجب عليه ان يفكك كل النظريات، ونظام القيم. دريدا يقول، في ما يتعلق بجنوب أفريقيا: لا يمكننا ان نفكك خطاب الظلم، لانه، كيف يمكن مكافحة العنصرية؟ وهو هنا يناقض نفسه ــ لحسن الحظ في رأيي ــ لأن تفكيكية متماسكة ستنتهي إلي أن تكون أكثر قرباً من دورتي ونسبية (كل شي مباح).

    جريدة (الزمان) العدد 1308 التاريخ 2002 - 9 -10

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:03 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    الإرهاب الدولي يكشف إفلاس الفلسفة الغربية

    * أمير طاهري
    جيوفانا بورادوري تجري حوارات مع يورغان هابرماس وجاك ديريدا حول رؤيتهما لمصير الإنسانية في ظل أزماتها .
    الإنسانية كلها تتكون إما من إرهابيين أو ضحايا للإرهاب. هذه هي النتيجة المدهشة التي يمكن أن يخرج بها المرء من هذا الكتاب الغريب الذي اعده جيوفانا بورادوري تحت عن «الفلسفة في زمن الإرهاب»، والذي يورد سلسلة من الحوارات مع يورغان هابرماس وجاك ديريدا. ويعتبر هابرماس، بصورة عامة، أهم الفلاسفة الألمان الحديثين بعد هربرت ماركوزة. وقد قاده منهجه القائم على «الفلسفة المهمومة بالإنسان»، أي التي تعمد إلى الإنتقال إلى مواقع النزاعات، قاده إلى إيران وإلى الشرق العربي وإلى عدة أقطار إفريقية وآسيوية، حيث يفترض أن الحركات الإرهابية المعاصرة قد وجدت منابعها وألقت جذورها.
    دريدا هو المعبود الفرنسي لفلسفة ما بعد الحداثة والذي يستخدم منهجه في التفكيك لاستخراج أي معنى من أي نص أو سياق. ويتمثل مشروع غيوفانا بورادوري، في ابتداع مفهوم جديد للإرهاب بعد 11 سبتمبر (يلول). وتخرج أسئلتها الحارقة كلا من هابرماس ودريدا من موقعيهما الفلسفيين، المتعارضين، كاشفة عن موقفيهما المتشابهين بصورة مدهشة حول ما يعتبر انه خطوة نحو قانون عالمي كزموبوليتاني شبه كانطي.
    يضاف إلى ذلك أننا نجد في هذه الحوارات، وفي ملاحق بورادوري، إعتمادا كبيرا على شخصيات قليلة نسبيا (كانط، كارل شميدت، هانا أريندت)، للإيحاء بأن النظم الفلسفية التي يصدر عنها كل منهم، أي النظرية النقدية عند هابرماس والتفكيك عند جاك دريدا، ليست متناقضة أو متمايزة بهذا الوضوح الذي كان المرء يعتقد فيه من قبل.
    وتساعد بنية الكتاب، أي حوار تتبعه مقالة تفسيرية، على توضيح الترابط بين أفكار هابرماس ودريدا التي يعبران عنها من دون سابق تحضير، وبين فلسفتيهما المتكاملتين. ويبدو هابرماس هنا أقل محافظة مما يبدو عليه في كتبه الأخرى، رغم أن نقطة تركيزه تبقى، والحق يقال، هي إمكانية التواصل والتفاهم في ظل تزايد خطر الإرهاب، من جانب، وسياسات إدارة الرئيس بوش في واشنطن.
    أما دريدا فيلعب دور الموجه والقائد في رحلة تفكيكية تشير إلى لحظات مهمة وحركات مثل المناعة الذاتية، وهو يقظ دائما وواع وعيا كبيرا بالسياق الذي يتحدث فيه «نهاية الحرب الباردة» والذي وقعت فيه أحداث 11 سبتمبر (ايلول) وشنت فيه الحرب ضد الإرهاب. وبطبيعة الحال فإن هذه الحوارات تكشف ايضا اختلافات الفيلسوفين خاصة في الإجابة على سؤال بورادوري حول 11 سبتمبر كحدث، وحول موقفهما من طريقة تعامل أميركا مع الحرب ضد الإرهاب.
    المقدرة التي تتمتع بها بورادوري للربط بين قضايا الإرهاب، وحرب الولايات المتحدة «الصليبية» ضد عدو مجهول، متوار ودائم الحضور رغم ذلك، وبين قضايا كرم الضيافة والتسامح، تفتح الباب لحوار خصب يفوق التصور. كما أن مقدرتها على توجيه الحوار من دون أن تفرض على محاورها أجندة فلسفية مسبقة، تجعل هذه الحوارات مادة غنية للقراءة.
    فلماذا إذن يتعامل المرء بجدية مع هذا الثنائي العجيب؟ بل لماذا نسخر عرضا كاملا للكتب لما يتفوهان به من كلام؟
    السبب بالطبع ليس هو أهمية ما يدلي به هذان الرجلان. فكثير من الكلام الوارد هنا يمكن أن يسمعه المرء في مقاهي باريس حيث يناقش المثقفون مصائر الإنسانية، وغير ذلك من القضايا غير ذات الموضوع، فوق عدد لا يحصى من أقداح القهوة وشفطات لا تعد من السجائر الفرنسية غير المفلترة.
    ولكن الكتاب يستحق الاهتمام لسببين إثنين على الأقل:
    أولا: هو يمثل شريحة كبيرة من طليعة المفكرين الغربيين حول قضية الإرهاب. ويواجه المرء هنا حضارة مهووسة بالتعريفات والأوصاف. فالظواهر تشرح حتى تموت، إذا سمح لنا بمثل هذا القول. ونلتقي هنا بقدر من الشروحات للإرهاب اسبابه وكيفياته، حتى يصل المرء إلى التعاطف مع الإرهابيين أنفسهم. بمعنى آخر فإن التفسير يتحول بصورة خفية إلى تبرير. وهذا هام لأن حضارة تبرر أسوأ تجاوزات أعدائها لا ينتظر منها أن تعبئ الطاقات الأخلاقية لمواجهة هذا العدو، دع القوة المادية الكفيلة بهزيمته.
    والسبب الثاني وراء اهمية هذا الكتاب هو انه يكشف عن افلاس الفلسفة الغربية المعاصرة، ولاسيما فيما يتعلق بالقضايا المعاصرة مثل البيئة وثورة المعلومات والعولمة، وبالطبع الارهاب الدولي. ويرجع هذا الافلاس بصفة اساسية الى حقيقة واحدة: رفض الفيلسوف الغربي المعاصر اتخاذ مواقف، بل ورفضه الاعتراف بوجود الخير والشر كنوعين متميزين لا ترتبط بتوازن السلطات السياسية والاقتصادية العسكرية.
    وفي هذا المجال فإن كل الاحكام قائمة منطلق اطار القوة: الاقوياء دائما على خطأ، ودائما اشرار، والضعيف على حق دائما.
    ولنبدأ بهذا الجزم لدريدا: «هل يجب تنفيذ الارهاب دائما عن طريق القتل: الا يمكن ان نرهب بدون القتل؟ وهل يعني القتل بالضرورة اماتة الشخص؟ اليس القتل هو «عدم الرغبة في معرفة سماح المرء للاخرين بالموت» مئات من الملايين من البشر يموتون من الجوع والايدز والافتقار الى العلاج الطبي، اليس ذلك جزءا من الاستراتجية الارهابية المتعمدة والواعية، بدرجة ما؟ ربما نخطئ عندما نعتقد بسرعة ان كل الارهاب طوعي، وواعي ومنظم ومتعمد ومحسوب بدقة: هناك مواقف تاريخية وسياسية ينشط فيها الارهاب، كما لو انه يعمل بطريقة ذاتية، كما لو انه نتيجة بسيطة لبعض الوسائل، بسبب علاقات القوة القائمة في المكان، بدون ان يعي أي شخص واي موضوع ضميري واي «آنا» بالامر او الشعور بالمسؤولية».
    وربما يسأل الشخص: هل هذا الشخص جاد؟
    وللاسف فإن الاجابة: نعم.
    وتؤكد جيوفانا بورادوري، التي نظمت الحوار وجمعت الكتاب، للقارئ ان كل من دريدا وهابراماس راجعا تعليقاتهما قبل النشر. وفي الواقع فإن ما يقوله دريدا هو ان كل شخص على وجه الخليقة اما ارهابي او ضحية او الاثنان. وهو يجعل القضية بأكملها عدمية، لانها لا تسمح بأي تفرقة بين تلك القلة التي تتعمد قتل ارواح الابرياء والاغلبية العظمى التي لا تفعل ذلك.
    والحقيقة هي ان الارهاب «طوعي وواع ومنظم ومتعمد ومحسوب وهو ما يجعله ارهابا، وليس شيئا اخر». وبغض النظر عن التبجح السياسي الذي يتردد تحت سطح هذه المقولة، فإن قول مثل هذه الاشياء ربما يكون كافيا لتشويه سمعته كمفكر، بل كفيلسوف، بمقارنة في نفس الوقت النشاط البريء (او عدمه) عن طريق التدمير المتعمد للحياة البريئة والممتلكات بطريقة تدعم الشر بالقول بطريقة ما «انه مقبول، لا شيء يختلف عما يفعله الغرب الشرير كل يوم في حالة اللاوعي التي تتسبب عمدا (بالرغم من عدم معرفتهم بذلك) في الالم والمعاناة في جميع انحاء العالم».
    كما يتجاهل دريدا ايضا حقيقة ان الاغلبية العظمى من ضحايا الارهاب من غير الغربيين. ويعلم الله كم هو عدد الجزائريين الذين قتلوا على يد الارهابيين منذ عام 1991. ولكن من المؤكد ان الرقم اكبر من ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن. هل يجب على المرأ القول بإستحقاق ذبح سكان ضاحية بن طلحة في العاصمة الجزائرية لان القتلة «شعروا بالضعف والحرمان؟».
    أما مساهمة هابرماس في الحوار فهي الأخرى غريبة:
    «بدون الترويض السياسي للرأسمالية المنفلتة فان التراتبية المدمرة للمجتمع العالمي ستبقى صعبة المعالجة. ان التفاوتات في آلية تطور الاقتصاد العالمي يجب على الأقل ان تتوازن في ما يتعلق العواقب الأكثر تدميرا، وأولها الحرمان والبؤس اللذان تعاني منهما مناطق وقارات بأكملها».
    ولكن ماذا يعني هذا؟ هل يمكن لصانع قنبلة في بغداد أو البريدة أن يزعم بأنه يعد لقتل أشخاص أبرياء في سبيل «ترويض الرأسمالية المنفلتة»؟
    مع ذلك ماذا تعني عبارة «الرأسمالية غير المقيدة»؟ أليست الرأسمالية مقيدة بقوانين السوق هذا إذا تجنبنا ذكر الحواجز الكثيرة المفروضة عليها من خلال القوانين المحلية والقومية والعالمية؟
    ما لم يدركه هابرماس هو أن «النتائج المدمرة» التي ذكرها هي نتيجة لغياب حكم القانون وغياب الاحترام الاجتماعي والسياسي للأفراد (خصوصا النساء) والدمار الكبير الناجم عن الأنظمة السياسية التي حكمت بالعنف هذه البلدان ودمرت حياة الناس فيها واقتصادهم.
    يرى هابرماس أن أفرادا مثل صدام حسين وعيدي أمين والخمير الحمر وأناستازيو سوموزا وغيرهم هم ضحايا أكثر من أن يكونوا مبدعين في ميدان الفظائع.
    هذه تحفة أخرى من هابرماس: «...لمحاولات الفهم فرصة تحت الشروط المتناظرة للأخذ ذي المنظور المزدوج. النوايا الحسنة وغياب تجلي العنف هي بالتأكيد مساعدة لكنها غير كافية». بصيغة أخرى ليس بالإمكان تحقيق فهم على المستوى الدولي إلا إذا وصلت كل الأمم إلى نفس المستوى من حيث الاقتصاد والقوة العسكرية وإلى حد ما من حيث النضج السياسي.
    وحالما تصل تلك الأمة إلى ذلك المستوى فإنها أوتوماتيكيا تصبح مؤهلة كي تكون ضحية للإرهاب.
    ويحث هابرماس ودريدا كلاهما القارئ كي «يفكر بطريقة أخرى» وأصبحت هذه الصيغة كليشة متكررة في الكثير من كليات الفلسفة الفرنسية والألمانية. كذلك استخدمت من قبل رئيس إيران محمد خاتمي لوصف نفسه وأتباعه الذين هم على الرغم من إخلاصهم له يستخدمون قاموسا مستعارا من فوكو وهابرماس ودريدا.
    قبل عامين فقط زار هابرماس إيران وتنقل بين جامعاتها وحلقاتها الدراسية الخاصة بالدين لمدة ثلاثة أسابيع، ثم نشر استنتاجاته في سلسلة من المقابلات مع الإعلام الألماني. الشيء الأكثر أهمية من كل ما قدمه هو زعمه بأنه ليس هناك شيء مثل الفلسفة الإسلامية. فهو قد التقى بعدد كبير من رجال الدين الذين كانوا أكثر اهتماما بهيغل وماركيوز من جعفر الصادق.
    يكشف هذا الكتاب تلك الفجوة القائمة في الفهم في العالم الغربي بما يخص الإرهاب فمن جانب هو يمتلك الخبراء الذين صاغوا أنفسهم بأنفسهم والذين يظهرون عبر شاشات الفضائيات لمناقشة الإرهاب ضمن صياغات عسكرية بحتة ومن جانب آخر لديه فلاسفة مثل دريدا وهابرماس الذين يغرقون الأسماك في الماء بسبب كثرة الشروح.
    قد يكون هذا الغياب عن فهم الإرهاب هو الدافع الأساسي للقلق حول المسار المستقبلي لما سماه بوش بـ «الحرب على الإرهاب».
    وإذا كنت لا تعرف لم أنت تحارب فكيف يمكنك أن تتوقع محاربته بشكل فعال ناهيك من تحقيق النصر في هذه الحرب؟
    -----------------------------------------
    * الشرق الاوسط
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:06 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    جاك دريدا في العقل والكتابة والختان


    تأليف: د. امينة غصن


    الناشر: دار المدى للثقافة والنشر ـ دمشق 2002


    الصفحات: 154 صفحة من القطع الوسط


    لعل من ابرز الاصدارات العربية في الشهرين الاخيرين المنصرمين، كتاب الدكتورة امينة غصن، الموسوم «جاك دريدا، في العقل والكتابة والختان». وفي اعتقادنا ان احدا لم يجرؤ قبل الدكتورة غصن على تناول دريدا بهذا العمق وهذه الجرأة في الوطن العربي، على الرغم من شهرة فيلسوف التفكيكية والاكثر اهمية بين فلاسفة العصر، الفرنسي، الجزائري المولد جاك دريدا، رغم ان د. امينة غصن لا تعتبره فلسفيا انما لها وجهة نظر تحددها بالقول «دريدا ليس فيلسوفا ولا السنيا ولا مؤرخاً ولا فقيها انما هو ناقد سريالي مأخوذ بما اخذ به ستيفان ملارميه في نظرية «الخلق من عدم»،


    وهو خلق فني اخطأ دريدا الافادة منه لان ملارميه كان ينزع في مشروعه لتجريد الكلمات من ذاكرتها وشحنها بمدلولات عذراء بكر لا تحيل الى معان سبقتها كي لا يقع في استحواذ اللغة واستملاكها». والدكتورة غصن وهي من ابرز الباحثات في سياق البحث في فلسفة دريدا ومنهجه النقدي التفكيكي، توظف في هذا الكتاب عبر قراءة واسعة مقاربات مهمة لمناهج عدة مثل البنيوية، النيلولوجيا، والتاريخ القديم بالذات والسياسة والادب والدين وهي تحاول ان تبحث في العديد من خبايا دريدا وعلاقته بالمنتج الانساني، بحثا ونقدا وتهديماً.


    ان فيض جاك دريدا ليس فيض المنهج، ولا فيض الابداع، وانما هو فيض النصوص التي لجأ اليها جاك دريدا اما لتسييبها او لهدمها، وهو يفيض النصوص المؤولة، افزع متلقيه بقراءاته الضئيلة، لان ضئيل القراءة او ضحلها، يظن ان لدريدا منهجيات وتفكيكات لا تعد ولا تحصى في حين انه ليس لدريدا إلا التناقض، والادعاء الذي لا يقوم إلا بتكذيب الآخر، سعيا لاخلال خطاب التفكيك والتناص والسرقة محل خطاب هذا الدريدا المخيف هو الدريدا «السهل الممتنع» الذي اجاد لعبة الجدلية التي تراوح بين حدي الحضور والغياب.


    وهكذا نجد ان دريدا يهتم بهدم لغة الآخر ليضع لغته هو، فهو مسحور بالمراوغة والبعثرة وبالتالي فهو يسعى لنسف اي وحدة تجمع ما بين الادب والسياسة والفلسفة، الباحث عن حقيقة الكتابة في الواح التاريخ والدين، وهو الوفي لإله الهدم والتخريب على حد تعبير د. غصن او وصفها له كونه حفاراً للقبور «لا يعني بالحرمات وانما بتعميق الهوات والحفر وسلخ الهويات وانتزاع الشارات من أصحابها وكأنه في مشادة دائمة مع المبدعين الذين يود انتزاع خطابهم منهم ليحل محله خطابه هو».


    دريدا وهو الطامح الى ان يترك اثراً من خلال كتاباته يجد نفسه عاجزاً عن تغيير صورة ختانه وهذا ما دفعه للبحث عن حقيقة الكلام لا في كلام الحقيقة او ان يستحضر توت وثاموس وافلاطون، مثلما يبحث عن نيتشه وهيغل وبيكيت.


    وهنا يبدو دريدا كوريث شرعي لنيتشه المناهض للمنهجية والمعترض على لوغو مركزية الميتافيزياء والطعن في مفهومي الكون والحقيقة، فدريدا يرفض الاعترف بكل حقيقة للكون ليقر بأن اصل المشكلة هو الكتابة، وان الاسلوب الطائش هو الاسلوب المكتوب فقد استسلم الفلاسفة في رأيه لطيش الكتابة التي اصبحت بحاجة ملحة لوجود أب متسلط يراقب طيشها ويحوله الى منهج فكانت مركزية العقل التي اقرها الفلاسفة لتثبيت المعنى والجوهر.


    ولكن هل يستطيع دريدا ان يبريء نفسه من تهمة الفلسفة؟! الدكتورة غصن تجد اجابة لنفي التهمة، ام ترى لالصاق تهمة جديدة به كما تسميها غصن؟


    حيث ينفي دريدا عن نفسه تهمة «الفيلسوف» وتهمة الادب وتهمة علم الجمال فهل يحق لنا ان نتهمه بالفقيه؟ ام بالانثروبولوجي؟ ام بالانتولوجي ام بالألسني، ام بالاركيولوجي الباحث عن اصل اللغة واصل الكتابة واصل الارث واصل الهوية؟ وترى الدكتورة غصن ان دريدا جاء ليطهر اللغة من جرائمها ويحاسب ذاكرتها ويكشف تاريخها المزور، ولكنها سرعان ما تطرح سؤالاً مشروعاً عن مشروعية كتابات دريدا التي تحمل «وشمة» على حد تعبيرها أو «وشم معاصريه واثارهم مثل كولنور، وفوكو، ولاطان، وليفيناس، ليوتار،


    ام انها تحمل وشم اسلافه كافلاطون، وهيراقليط، وهيغل، وهايدغر، وهوسرل وفرويد، وماركس، ونيتشه؟


    إلا ان ما يمكن الوصول اليه بلا جدل هو مشروع الهدم او التفكيك عند دريدا، وهو يجد ان الكتابة لا تخضع الى القوانين لان الكتاب سرعان ما يأخذهم الغياب، وبهذا يخسر المبدع نصه أو بادق تعبير ملكية نصه.


    الدكتورة امينة غصن تحلل شخصية دريدا ابتداء من ولادته مروراً بالاثر الذي لا يمحى في جسده دليلاً على انتمائه الديني الذي حاول ان يغيره بعد ان هاجر وتقول: هذه الفوضى هي التي انسحبت على هوية جاك دريدا اليهودي الجزائري الذي منحته فرنسا الجنسية الفرنسية وهي جنسية تحولت الى نقمة وأزمة، اشعرت جاك دريدا بالاقتلاع والغربة مرتين، الأولي لانه فرنسي اغتصب ارض الجزائريين، والثانية لانه يهودي يبطن يهوديته ولا يعرف منها إلا اثر الختان، ويتظاهر بالكاثوليكية التي يهدمها ولا يؤمن بها، ولا بغفراناتها هذه الفوضى هي التي جعلت دريدا لأن يكون فيلسوف التفكيك الاول فهو نفسه انسان مفكك تماماً.


    وتجد الدكتورة غصن انه فعلا مفكك في حياته وانتماءاته وعقيدته الدينية وهو يشعر بهذه التناقضات التي عاشها دون ان يستطيع ان ينسى اثارها وتصل الى قناعة تامة في وصفه بعد ان درست كل ما يتعلق بحياته وتقول: وان كان هناك دال بلا مدلول، فهو جاك دريدا الفيلسوف الفرنسي الذي ليس هو فرنسيا ولا جزائرياً ولا يهودياً ولا سفارديا، وانما فيلسوف ضدي يقوم مشروعه الفلسفي على انهاء الفلسفة.


    وعلى الرغم من عدم القدرة على جمع كل ما ذهبت اليه الدكتورة امينة غصن عن دريدا، وذلك لارتباط جدلي فيما تكتبه من الحرف الاول في الكتاب الى السطر الاخير منه، يجعل القاريء في ازمة فكرية وهو يتنقل مع د. غصن ودريدا الذي لم تترك جانبا من حياته وفكره واسلوبه وفلسفته إلا وحاولت ان تسبر اغوارها وتتعمق بعيداً في حياته وفلسفته وتجده مراوغاً واحياناً نازياً على الرغم من انه يريد ان يثأر من هذه النازية بما ميزته ساميته، انه كتاب ينبغي ان يقرأ لأن يطرح اسئلته مثلما يستفز القاريء المتعمق لطرح اسئلته ايضا في محاولة يائسة للوصول الى جواب يتناسب وما يطرحه جاك دريدا ويتعايش مع الابداع والحياة الثقافية بشكل عام.


    عبدالاله عبدالقادر

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:07 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)



    رحيل صاحب النظرية التفكيكية الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا


    توفي آخر الفلاسفة المعاصرين، الفرنسي اليهودي، المولود في الجزائر جاك دريدا، السبت في مستشفى باريسي بعد صراع مع سرطان البنكرياس، وبعدما أشبع العالم علماً وفكراً واستفزازاً خلال عقود طويلة.

    فصاحب النظرية الفلسفية المعروفة بنظرية "التفكيكية الإجتماعية" وضع نهجا لها عممه في الأدب وعلم اللغات والفلسفة والقانون والهندسة المعمارية في مرحلة ما بعد الحداثة.

    واستند دريدا في هذا المنهج الى قطيعة كان أعلنها نيتشه تجاه الميتافيزيقا.

    ويقوض نهج التفكيكية مفهوم الحقيقة بمعناه الميتافيزيقي، وكذلك الواقع بمعناه الوضعي التجريبي, لتحوّل سؤال الفكر الى مجالات اللغة والتأويل.

    وألف ديريدا، بحسب وكالة الأسوشيتد برس، عشرات الكتب. إلا أن انطلاقته الفلسفية كانت عام 1967 حين نشر أول كتابين، خط فيهما أسس فكره "الكتابة والإختلاف" و "عن علم النحو" ثم تبعهما "هوامش الفلسفة" وآخر إنتاجه كان "أشباح ماركس".

    نعاه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بقوله "أعطت فرنسا العالم به، واحدا من أبرز الوجوه الثقافية في عصرنا."

    ودرس الفيلسوف الراحل في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة، وكل من جامعة جون هوبكينز ويال.

    وكان يرفض أن يضع نفسه في البرج العاجي حيث يضع بعض الفلاسفة والمثقفون أنفسهم عادة. ولطالما دافع عن حقوق المهاجرين الجزائريين في فرنسا، وقضايا إنسنانية أخرى.

    وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن ديريدا لفظ أنفاسه الأخيرة في مستشفى بباريس ليل الجمعة.

    وتقول كتابات ديريدا الكثيرة إن هناك طبقات متعددة من المعاني في الأدب والفن والموسيقى والمعمار ليست مقصودة بالضرورة أو حتى مفهومة من قبل مبدع العمل.

    ويقول المراسلون إن المجتمع الأكاديمي غالبا ما عارض هذا التفسير.

    وفي عام 1992 احتج عدد من أعضاء هيئة التدريس بجامعة كمبريدج في بريطانيا على خطط منحه درجة شرفية متهمين كتاباته بأنها "معتقدات تافهه تنكر الفرق بين الحقيقة والخيال".

    كما شن جاك ديريدا أيضا حملة لصالح حقوق المهاجرين في فرنسا وضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا ودعما للمنشقين في تشيكوسلوفاكيا الشيوعية.

    وقد تم عمل فيلم وثائقي عن حياة ديريدا العام الماضي.

    وفي أحد المشاهد وخلال التجوال في مكتبة ديريدا يسأله أحد منتجي الأفلام: "هل قرأت جميع الكتب الموجودة هنا؟" فأجاب ديريدا بالنفي قائلا: "لا أربعة منها فقط لكني قرأتها بعناية فائقة".

    شبكة النبأ المعلوماتية - الاثنين 10/10/2004 - 26/ شعبان المعظم/1425
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:10 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)



    ذهنية الإرهاب.. لماذا يقاتلون بموتهم؟
    عرض/ إبراهيم غرايبة
    يقدم هذا الكتاب آراء مجموعة من الكتاب الأوروبيين مثل جان بودريار، وأمبرتو إيكو، وجاك دريدا، وإد فوليامي، وجان لوكاريه، حول ما يتم تعريفه باعتباره إرهابا وتداعيات أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الشهيرة، والحرب الأميركية على العراق، ويفتح آفاقا للقراءة والتأويل والمحاورة حول أهداف الإمبراطورية الأميركية الجديدة وسعيها لتوسيع مصالحها، ومحاولتها لإحاطة نفسها بهالة من الأفكار والشعارات والرموز والاعتقادات، وتحولها إلى سبب للعنف ومصدره.


    غلاف الكتاب
    -اسم الكتاب: ذهنية الإرهاب..لماذا يقاتلون بموتهم؟
    -المؤلف: جان بودريار وآخرون
    -ترجمة: بسام حجار
    -عدد الصفحات: 222
    -الطبعة: الأولى 2003
    -الناشر: الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي


    ذهنية الإرهاب
    يفسر الفيلسوف الفرنسي جان بودريار الفعل الإرهابي وما يترتب عليه في قراءته لأحداث 11 سبتمبر/ أيلول قائلا "نحن (الغرب) الذين أردنا هذه الأحداث وإن ارتكبها (هم)، وإذا لم ندرك ذلك يفقد الحدث كل بعده الرمزي، فيبدو حادثة محضة نفذها بضعة متعصبين يمكن القضاء عليهم وإزالتهم من الوجود، والحال أننا نعلم جيدا أن الأمر ليس كذلك".

    الحادث برأي بودريار يتعدى بكثير مجرد الحقد على قوة عالمية مسيطرة، فمن المنطق أن يؤجج تفاقم القوة الرغبة في تدميرها، وأن تكون شريكة في تدميرها الخاص. فالغرب وقد تصرف كما لو أنه في موقع (الله) ذي القدرة الإلهية الكلية والشرعية والأخلاقية المطلقة يغدو انتحاريا ويعلن الحرب على نفسه، وقد كان انهيار برجي مركز التجارة تواطؤا غير مرتقب.

    فالنظام الذي وضعته هذه القوة العالمية هو الذي أنشأ الشروط الموضوعية لهذا الرد العنيف المباغت، وباستئثاره على كل الأوراق فإنه يرغم الآخر على تغيير قواعد اللعبة، فهو رعب مقابل رعب، ولم يعد هناك أي بعد أيديولوجي، فقد أصبحنا بعيدين عن كل أيديولوجيا وسياسة. فالطاقة التي تغذي الرعب لا تعبر عنها أيديولوجيا، ولا أي قضية، ولم يعد الأمر منوطا بتحويل العالم كما تهدف الحركات الأيديولوجية، ولكن نظام القوة العالمي المهيمن هو الذي يهدف إلى ذلك، ولو كان الإسلام مسيطرا على العالم لنشط الإرهاب ضد الإسلام، ذلك أن العالم هو الذي يقاوم العولمة، والإسلاميون يعبرون عن كل واحد في عالم يناهض العولمة التي تحتكر القوة.

    كانت فكرة مقاومة النظام العالمي أو العولمة بسيطة، فهذا النظام الذي يكره الموت ويتجنبه، يكون السلاح المميت ضده هو الموت، وقد استخدم المنفذون رتابة الحياة الأميركية قناعا للعبة المزدوجة، عاشوا في ضواحي أميركا، وتدربوا في وسط عائلاتها قبل أن يتحولوا فجأة إلى قنابل بشرية، وربما كانت قدرتهم على تدبير هذه الحياة السرية أكثر أهمية وخطورة من العمل الذي قاموا به في 11 سبتمبر/ أيلول.


    ما تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها، وما تزعمه هذه القوى من رعاية للقانون الدولي، وما تتخذه من ذرائع لشن الحرب على بعض الدول تجعل الولايات المتحدة في طليعة الدول المارقة

    سيناريوهات للحرب الشاملة
    من ناحيته يناقش الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو مقولة صراع الحضارات أو الثقافات التي تفسر الحرب الأميركية على العالم الإسلامي وحرب المسلمين عليها، وهل الحرب هي الشكل العادل للعنف؟

    يمكن القول وفق تحليل إيكو إن الغرب هو الذي كانت له الغلبة في تاريخ الصراع الطويل بين الشرق والغرب، فأوروبا لم تحتل من قبل المسلمين باستثناء حالات قليلة في إسبانيا وشرق أوروبا، ولكن المسلمين اضطروا في عقر دارهم إلى القبول بالتكنولوجيا الغربية على نطاق واسع، وكان يمكن أن يعد ذلك انتصارا لولا أن المسلمين تمكنوا من استخدام هذه التقنية في تدمير مركز التجارة العالمي، ولكن هل يعتبر ما يجري صراعا بين الشرق والغرب على غرار الحروب الصليبية؟

    يستبعد إيكو مقولة صراع الحضارات في تفسير ما يجري، ويدعو بقوة إلى مقاومة نزعة العداء الحضاري والثقافي لأن كلفتها تضر بالغرب، وقد تلحق به الهزيمة، فقد تداخل الشرق بالغرب، وتداخلت المصالح والعلاقات على نحو لم يعد ممكنا حمايتها إلا بالتعاون والعمل المشترك.

    ماهية الدولة المارقة
    يتساءل المفكر الفرنسي جاك دريدا حول ما تؤول إليه مفاهيم العقل والديمقراطية والسياسة والحرب والإرهاب عندما تنتهي سيادة الدول أو تنتقص، وهو ما تقوم به الولايات المتحدة مستخدمة قوتها العالمية الضاربة.

    والواقع أن ما تقوم به الولايات المتحدة والدول المتعاونة معها وما تزعمه هذه القوى من رعاية للقانون الدولي، وما تتخذه من ذرائع لشن الحرب على بعض الدول تجعل الولايات المتحدة برأي دريدا في طليعة الدول المارقة.


    العراق لا يشكل تهديدا لجيرانه ولكن سوء حظه يقع في امتلاكه كميات هائلة من النفط مغرية للشركات الأميركية، أما مسألة حقوق الإنسان فمعظم حلفاء أميركا يمارسون انتهاكات بشعة ضد الانسان وحقوقه وحرياته

    الإرهاب والحرب العادلة
    يلاحظ الكاتب والروائي البريطاني جون لوكاريه أن الولايات المتحدة تشهد موجة من الجنون هي الأسوأ بين كل ما شهدته في تاريخها، ويحتمل أن تكون على المدى البعيد أشد وقعا من حرب فيتنام.

    كانت مجموعة الرئيس الأميركي جورج بوش في مرحلة السعي لتبرير حرب شاملة مجنونة، وقد وجدت في أحدث 11 سبتمبر/ أيلول فرصة لهذه الحرب المخطط لها قبل سنوات عدة، وكانت الإدارة الأميركية محاطة بمجموعة من الأزمات الكبيرة، مثل شرعية رئاسة بوش، وانهيار شركة إنرون ذات الصلة بالمسؤولين الأميركان الحاليين، وانحياز الإدارة الأميركية للشركات الكبرى العملاقة، وعدم اكتراثها بفقراء العالم والبيئة والمعاهدات الدولية، ثم الانحياز المطلق لإسرائيل الذي أوقع الولايات المتحدة في خروقات عدة لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها.

    وقد أتاحت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول الفرصة لحرب تريدها الإدارة الأميركية وتخطط لها، وجاءت هذه المرة بدعم شعبي كبير، وبموازنة إضافية هائلة (360 مليار دولار)، ولم تكن الحرب على أفغانستان كافية، ولم تكن هي المقصودة، ونجحت الإدارة الأميركية مرة أخرى في تجييش الرأي العام للحرب على العراق. ويعتقد الأميركان كما في استطلاعات الرأي أن الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين هو المسؤول عن الهجمات على مركز التجارة العالمي، وبقليل من العناية سوف يضمن هذا العصاب المدروس بدراية فائقة أن يأتي نجاح بوش وأعوانه في العودة إلى البيت الأبيض في الانتخابات المقبلة على طبق من فضة.

    ولعل الجانب المقزز في الحرب الاستعمارية الأميركية والهيمنة الأميركية على العالم بما في ذلك أوروبا هو النفاق الديني الذي يغطي به المحافظون الجدد إرسال الجنود إلى القتال، وتعميم فكر سوريالي مثل أن الله أوكل إلى أميركا إنقاذ العالم، وكل من يجرؤ على المساءلة سيجد نفسه في تهمة لا يستطيع الخروج منها كالعداء للسامية، والعداء لأميركا، والإرهاب.

    ولكن مطالعة محدودة في سيرة بوش ومجموعة الإدارة المحيطة به تكشف مدى تورطهم في فساد الشركات الكبرى العملاقة، التي تبحث عن حرب جديدة تنقذ الخسائر التي تتعرض لها، وتغطي على الفضائح والفشل سياسيا وإعلاميا.

    ويميل لوكاريه إلى الاعتقاد أن العراق لا يشكل تهديدا لجيرانه، ولكن سوء حظه يقع في النفط الذي يتوافر في أراضيه بكميات هائلة مغرية للشركات الأميركية، وأما مسألة حقوق الإنسان فهي لا تحتاج إلى نقاش، فمعظم حلفاء أميركا المهمين مثل حكام باكستان وتركيا يمارسون انتهاكات بشعة للحريات والديمقراطية وأبسط حقوق الإنسان.


    كل إستراتيجيات الأمن ليست سوى استكمال للإرهاب، وإنه انتصار فعلي ذاك الذي حققه الإرهاب بإغراقه الغرب في الهاجس الأمني، أي في شكل مقنع من أشكال الإرهاب المستمر

    فرضيات حول الإرهاب
    يعود الفيلسوف الفرنسي جان بودريار مرة أخرى في هذا الفصل، وقد أثارت مقالته الأولى (ذهنية الإرهاب) نقاشا واسعا، ليطرح فرضيات حول العنف والعولمة والإرهاب والغرب والإسلام.

    ويجد بودريار أن النظام العالمي المهيمن يقتضي بالضرورة وجود إرهاب لكي يستمر في العمل والسيطرة، لأنه دون إرهاب سينهار هذا النظام، وهكذا فإن تواطؤا عميقا ينشأ بين الخصمين، حتى إن المحلل يتساءل من يستخدم من؟

    هذا التواطؤ ليس بالضرورة خطة مقصودة تعد مسبقا، ولكن نظام الهيمنة والعولمة والسلطة بحد ذاته يحمل نقيضه، وقد يكون التناقض حاجة بنيوية في النظام نفسه. والأميركيون يحتاجون لأن يكونوا ضحايا ويتعاطف العالم معهم، فالضحية في حل من أي عقدة ذنب تجاه أفعاله وجرائمه، وتحتاج أن تستخدم مأساتها كما لو أنها بطاقة ائتمان! وقد جاءت أحداث مركز التجارة العالمي لتستخدم أميركا قوتها الفائضة التي لم تكن تعرف كيف تتصرف بها وهي مرتاحة الضمير.

    وقد يكون هذا السيناريو مثل حكايات الخيال العلمي، ولكن هذا الموقف الافتراضي القائم على وجود قوة غامضة تهدد بالإبادة كان موجودا بالفعل في الذهن أو اللاوعي الأميركي، وكان قائما لديهم هم فقط، ولا يشاركهم فيه أحد حتى تحول هذا الافتراض إلى حقيقة بفضل الإرهاب والعنف، وتلك هي أميركا كما تحسب نفسها في ظل غياب الغير، وترمق نفسها بتعاطف يكاد يقارب العته.

    وهناك رواية متطرفة مفادها أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول هي مؤامرة إرهابية داخلية نفذها اليمين المتطرف الأصولي في أميركا بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الأميركية، فماذا لو كان هذا الحادث مزيفا ومفبركا؟ الواقع أن هذه الرواية يتواطأ معها الميل الغربي للتقليل من شأن الخصم، فقد تكون أفضل لدى الغرب من الاعتراف بقدرة هؤلاء المجاهدين الغامضين على تكبيد الأميركان هذه الضربة الكبيرة، وقد سبق في قضية تحطم طائرة لوكربي أن ساد لوقت طويل التحليل القائل بترجيح العطل الفني في الطائرة سببا لتحطمها، فالاعتراف بالتقصير حتى لو كان خطيرا هو أفضل من الاعتراف بقوة الآخر.

    ولكن حتى لو كان هذا التفسير حقيقيا، وثبت بالفعل أن الحادث كان من تدبير بعض المتطرفين أو العسكريين الأميركان، فإنه في المحصلة يصب في الافتراض الأول، وهو أن النظام يحمل عناصر تدمير ذاته، ويبقى علامة على عنف داخلي مدمر للذات يؤكد صحة الافتراض الأول.

    ثم إن كل إستراتيجيات الأمن ليست سوى استكمال للإرهاب، وإنه انتصار فعلي ذاك الذي حققه الإرهاب بإغراقه الغرب في الهاجس الأمني، أي في شكل مقنع من أشكال الإرهاب المستمر.

    فشبح الإرهاب يرغم الغرب على إرهاب نفسه، باعتبار أن شبكة الشرطة العالمية تعادل التوتر الذي قد تسببه حرب باردة شاملة، وتعادل الأضرار في الأبدان والعادات التي قد تنجم عن حرب عالمية رابعة.

    لم يؤد هدم البرجين إلى إخفاق النظام العالمي لا سياسيا ولا اقتصاديا، ولكن صدمة الهجوم ووقاحة نجاحه (كما يصفها بودريار)، ثم ما تبع ذلك من فقدان الثقة وإفلاس الصورة، حطم المعادلة، وتحول النظام والإرهاب معا إلى شبحين يتعذر إمساكهما أو تعيين موضعهما، وربما كانت هذه هي ضربة الصميم التي تلقاها النظام.


    عدد المحافظين الجدد في البيت الابيض ليس كبيرا لكنهم الأكثر أهمية في صوغ السياسات الأميركية والتفكير السياسي، وهم الأكثر حماسا للحرب على العراق والأكثر تأييدا لليكود الإسرائيلي

    المحافظون الجدد
    تتحدث مقالة نشرت في صحيفة اللوموند الفرنسية عن المجموعة المحيطة بالرئيس الأميركي بوش، والتي تمثل النفوذ في البيت الأبيض في قضايا العراق، وإسرائيل، والأمم المتحدة، والعلاقات الأوروبية الأميركية، وهم الأشد حماسا للحرب على العراق، ويؤيدون الليكود الإسرائيلي بشدة.

    إن عددهم ليس كبيرا، ولكن البيت الأبيض يصغي لما يقولون، من بينهم بول ولفويتز، الرجل الثاني في وزارة الدفاع الأميركية والباحثة لين تشيني زوجة ديك تشيني نائب الرئيس بوش.

    وهناك ثلاثة شخصيات لا تتحدث عنها وسائل الإعلام كثيرا، ولكنهم الأكثر أهمية في صوغ السياسات الأميركية والتفكير السياسي، وهم إيرفنغ كريستول، وغاري باور، وريتشارد بيرل، وهذا الأخير وقع فترة من الزمن تحت الأضواء الإعلامية، ولكنه هرب منها باستقالة لم تبعده عن التأثير، وإنما أنقذته من التركيز الإعلامي.

    فكريستول يبلغ الثالثة والثمانين من العمر، ويعمل في المعهد الأميركي للمشاريع، أحد أبرز معاهد تيار المحافظين الجدد، ويعتبر كريستول عراب هذا التيار، وكان ماركسيا، ويوصف بأنه من الماركسيين الجدد، ثم تحول إلى التروتسكية، ووصف بأنه من التروتسكيين الجدد، ثم إلى الاشتراكية والاشتراكيين الجدد، ثم الليبرالية والليبراليين الجدد، وأخيرا المحافظين الجدد.

    والواقع أنه يغلب على غلاة اليمين أنهم تحولوا إلى هذا الموقع من التطرف اليساري أو التطرف الليبرالي، وكذلك الأمر في الليبرالية التي استقطبت غلاة اليسار والماركسية سابقا.

    ويقود الأصولية المسيحية حول بوش "غاري باور" رئيس مجموعة القيم الأميركية التي تدير عدة كنائس بروتستانتية متنفذة وقوية، وقد كان باور أحد مستشاري الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ريغان، ويرأس أحد أهم اللوبيات وأكثرها نفوذا في السياسة الأميركية، وهو لوبي حماية الأسر العاملة.

    وكان بيرل يرأس مجلس السياسات الدفاعية، وهي الهيئة الاستشارية لوزارة الدفاع الأميركية، وقد وصفته الصحافة بأنه بطل الحرب الباردة، وكان نائب وزير الدفاع في عهد ريغان، وكان يقود ويوجه سياسات ريغان المحافظة والتي ينتمي إليها المحافظون الجدد المحيطون ببوش، وهو مقرب من الليكود الإسرائيلي

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:14 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)




    جاك دريدا ونظرية التفكيك (1)

    بقلم : س . رافيندران

    ترجمة : خالدة حامد

    يعد التفكيك deconstruction أهم حركة ما بعد بنيوية في النقد الأدبي فضلاً عن كونها الحركة الأكثر إثارة للجدل أيضاً . وربما لا توجد نظرية في النقد الأدبي قد أثارت موجات من الإعجاب وخلقت حالة من النفور والامتعاض مثلما فعل التفكيك في السنوات الأخيرة . فمن ناحية نجد أن بعض أعمدة النقد ( مثل ج. هيليس ميلر وبول دي مان وجيفري هارتمن وهارولد بلوم ) هم رواد التفكيك على الصعيدين النظري والتطبيقي على الرغم من تباين أسلوبهم وحماسهم ، ومن ناحية أخرى نجد أن الكثير من النقاد الذين ينضوون في خانة النقد التقليدي يبدون سخطهم على التفكيك الذي يعدونه سخيفاً وشريراً ومدمراً . ولم يخل أي مركز فكري في أوروبا وأمريكا من الجدل في قيمة هذه النظرية الجديدة في النقد .

    فهل أن التفكيك مدمر حقاً ؟ إذا كان الجواب نعم ، كيف يكون ذلك ولماذا ؟ وإذا كان الجواب لا ، فلماذا هذا الرعب ؟ لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة إلا بعد فهم مفاهيم التفكيك الأساسية وتقويمها ، ولعل أفضل موضع ننطلق منه لتحقيق غايتنا هو كتاب " في علم الكتابة " (2) Grammatology Of الذي يعد لسان التفكيك … العمل البارز الذي أنجزه جاك دريدا ، الفيلسوف والناقد الفرنسي .

    وأنا أعتقد أن البحث الذي يتقصى دريدا ونظريته في التفكيك تواجهه عقبتان رئيستان ، الأولى أوجدها أسلوب دريدا نفسه المتسم بإثارة الحيرة فضلاً عن مصطلحاته ومفاهيمه ، أما الأخرى فهي سلسلة الآراء النقدية التي تعد تأويلات interpretations غير وافية أو سوء تأويلات misinterpretations محتملة ، على الرغم من الضوء الذي تسلطه على بعض المفاهيم الصعبة التي شكلها دريدا . وسأعمد إلى توثيق بعض هذه التعليقات النقدية قبل الشروع بوصف وتقويم مفاهيم التفكيك .

    يؤكد م. هـ. ابرامز M. H. Abrams أن أبرز جزء في نظرية دريدا هو : " 1ـ أنه ينقل بحثه من اللغة إلى الكتابة ، النص المكتوب أو المطبوع ، 2ـ أنه يتصور النص بطريقة محددة غير اعتيادية " (3) . ولم يعمد أبرامز إلى تبسيط مكانة دريدا بوصفه تفكيكياً من خلال مساواته مع البنيويين الفرنسيين الآخرين حسب ، بل إنه شوهه إلى حد كبير حينما حاول تعريف بعض الكلمات الأساسية في النقد التفكيكي مثل " الكتابة " ecriture و " النص" text . وقد بين أن الكتابة عند دريدا هي النص المطبوع أو المكتوب وأن مفهوم النص محدد على نحو غير اعتيادي .

    وسأبرهن في معرض تقييمي لدريدا وتعليقي عليه أن ما جاء به أبرامز لا يتعدى كونه حفنة من سوء التأويلات التي لم يحدثنا فيها عن ماهية التفكيك بل عن أمور لا تمت إلى التفكيك بصلة .

    أما نيوتن غارفر Newton Garvar فهو معلق آخر على دريدا ، إذ يؤكد أن دريدا واحد من فلاسفة اللغة ، وأنه يشدد على أسبقية البلاغة على المنطق :

    ينضوي دريدا تحت لواء الحركة التي تنظر إلى الأثر الذي تلعبه الملفوظات utterances في الخطاب الفعلي على أنه يمثل ماهية اللغة والمعنى ، والذي بسبب ذلك يعد المنطق مستنبطاً من المسوغات البلاغية (4) .

    وقد حظيت المحاجة التي تقول أن التفكيك حقل معرفي بلاغي ، بدعم هيليس ميلر الذي يقول : " إن التفكيك بحث في الإرث الذي يخلفه المجاز والمفهوم والسرد في أحدهما الآخر ، ولهذا السبب يعد التفكيك حقلاً معرفياً بلاغياً " (5) . ويعتقد موراي كريغر Murray Krieger أن دريدا " بنيوي نقدي تغلب على البنيوية وقهرها ، وربما يكون قد أبطلها أيضاً " وأضاف إن الهجوم الذي شنه دريدا يعد " شكلاً أكثر حداثة لذلك الهجوم القديم الذي شنه أفلاطون على الشاعر بوصفه خالق أساطير" (6) . ويؤكد فريدريك جيمسون Fredric Jemson أن فكر دريدا ينفي وهم تخطي الميتافيزيقيا والهرب من النموذج القديم لغرض تمحيص الجديد وغير المكتشف (7) .

    ومن الممكن أن تكون هذه التعليقات مصدر تضليل إذا عددناها بياناً أو تقويماً سليماً لنظرية دريدا ، على الرغم من فائدتها في سيرورة البحث في التفكيك ، فنحن حينما نعد دريدا مع بقية فلاسفة اللغة الذين يعتقدون أن المنطق مستنبط من البلاغة ، فإن هذا يعني سد الطريق أمام إمكان إدراك حداثة أفكاره ، كما إن مساواة دريدا بأفلاطون والتأكيد أن دريدا يكرر النزاع القديم مع الأسطورة myth يمثل إساءة لمكانة دريدا ، والتأكيد على أن دريدا لم يفعل شيئا سوى نقل الاهتمام من " الكلام " إلى "الكتابة " وبذا فإن حصر النص في حجيرة خاصة ، لهو سوء تأويل حقاً . إذ ينبغي للمرء أن يكون حذراً عند مقاربة المصادر الثانوية الرامية إلى فهم دريدا والتفكيك . وقد انقسم النقاد على فريقين … فهم أما يخفقون في فهم دريدا أو يسيئون تأويل أفكاره ، ولهذا السبب لا يمكن الاعتداد بالمادة الثانوية ، ولا يمكن أن نعدها طرقاً سالكة توصل إلى عالم التفكيك ، لكن مع ذلك يوجد نقاد آخرون أمثال هارولد بلوم Harold Bloom وهيليس ميلر وبول دي مان Paul DeMan وجيفري هارتمن Jeoffrey Hartman الذين هم بقدر أصالة دريدا ، إلا أن كل واحد منهم يشكل مدرسة تقريباً ونادراً ما يفسر دريدا … المعلم العظيم الأول للتفكيك . ويعد فهم دريدا الخطوة الأولى على طريق فهم التفكيك ، ومما لا شك فيه أن الخطوة الأولى تستدعي مماحكة أفكار دريدا .

    يمكن القول إن النظرية التفكيكية بحاجة إلى الكثير من التحليلات الجديدة وإن أية محاولة يقوم بها أي ناقد يحاول تحليل هذه النظرية لا تحتاج إلى التعريف بالتفكيك بالضرورة لأن مثل هذه النظرية المعقدة والشائكة تستعصي على التعريف . وعلى العكس من ذلك بإمكان المرء محاولة تفسير المصطلحات الأساسية التي شكلها دريدا لتدمير النقد التقليدي وتسهيل فعل التفكيك … وهذه هي الخطوة الأولى التي سأقوم بها هنا ، وسأنوي بعد وصف المصطلحات وتحليلها التي جاء بها دريدا الإجابة عن السؤال الذي يخص الكيفية التي يتمكن بها التفكيك من إعادة توجيه النقد الأدبي ، وسأبين في المراحل النهائية من تحليلي إن ما وصف بالسخف هو ليس كذلك وإن للتفكيك مضامين روحية .

    ومن الجدير بالذكر أن " الكتابة " و " الكلام " كلمتان محوريتان يمكن أن يبدأ بهما فهمنا . وتتمتع هاتان الكلمتان بدلالة خاصة في المفاهيم التقليدية للغة ، إذ أن هذه المفاهيم تنص على أسبقية الكلام وأولويته على الكتابة ، وإن الكلمة المنطوقة " صوت" phone كلمة غير خارجية ولها القدرة على المحو الذاتي . كما تُعرف الكلمة المنطوقة بأنها صورة صوتية (سمعية) وظيفتها هي استحضار المفهوم الذي تمثله الصورة الصوتية . وتتلاشى الكلمة المنطوقة أو الصورة الصوتية في سيرورة استحضار المفهوم ، ولهذا السبب فإنها بوصفها دالاً تطفئ نفسها في سيرورة التدليل على المدلول الذي يكون هو الأكثر أهمية من أي شيء آخر . ولا يمكن تصور هذا المدلول إلا من خلال الصورة الصوتية التي هي الدال . ومن الممكن أن نلاحظ هنا أن ثمة شيئا أشبه بالثالوث في هذه العلاقة : الذهن الإنساني ، الدال (الصورة الصوتية ) ، المدلول (المفهوم) .

    والآن ، ما المكانة التي تحتلها الكلمة المكتوبة في الفهم التقليدي للغة ؟ انطلاقاً من المفهوم التقليدي للغة تعرّف الكلمة المكتوبة بأنها التمثيل الكتابي للكلمة المنطوقة : وبهذا الصدد فإنها دال الكلمة المنطوقة … وهكذا فإن " الكلمة المكتوبة هي دال الدال وتعد ثانوية بالنسبة إلى الكلمة المنطوقة " ولا يمكن أن تقوم الكلمة المكتوبة بأي شيء عدا تمثيل الكلمة المنطوقة في حين أن الكلمة المنطوقة هي الدال . فإذا أردت أنا استحضار مفهوم " زهرة " ينبغي لي عندئذ أن أنطق صوت " زهرة " (زَهْرَ ة) ، والدال هو هذه الصورة الصوتية أو الصورة السمعية . لكني حينما أكتب كلمة " زهرة " فما عليّ سوى تمثيل الصورة الصوتية من خلال بنية كتابية graphic structure . ولا ترتبط هذه الصورة الكتابية بأية صلة بالمفهوم ، بل أن الصورة الكتابية لا تستطيع تمثيل المفهوم لأنها بنية مرئية للصورة الصوتية غير المرئية حسب ، أنها شيء أشبه بالطيف . وهي ثانوية بالنسبة إلى الصورة الصوتية ومن الممكن إهمالها ، بل لا بد من إهمالها .

    وتنبغي الإشارة هنا إلى أن الحجج التقليدية التي نسبت مكانة ثانوية إلى الكلمة المكتوبة ومكانة رئيسة للكلمة المنطوقة هي حجج ميتافيزيقية ولاهوتية ( . وكتب دريدا في تعليقه على الأساس الميتافيزيقي الذي يرتكز عليه مفهوم الكلمة المنطوقة قائلاً :

    …. إن فهم الله هو الاسم الآخر للوغوس logos بوصفه حضوراً ذاتياً . ومن الممكن أن يكون غير متناه وحاضرٍ ذاتياً ، كما يمكن توليده من خلال الصوت بوصفه صفة ذاتية . إنه ترتيب الدال الذي يمكن للذات من خلاله أن تستعير من خارج ذاتها الدال الذي تبعثه وتؤثر فيه في الوقت نفسه . وكذا الحال مع تجربة الصوت ، إذ تحيا هذه التجربة وتعلن عن نفسها بوصفها إقصاءً للكتابة ، بمعنى آخر إقصاءً للدال " الخارجي " ، " المحسوس " ، " المكاني " الذي يعيق الحضور الذاتي (9) .

    ويؤكد دريدا أن مفهومي الكلام والكتابة التقليديين " يحيلان إلى خارج المعنى" (10) logocentric ، وهذا مصطلح مهم آخر يستعمله دريدا ليعني به ما هو متجه ميتافيزيقياً أو ما هو متجه لاهوتياً (11) . ولكي أكون أكثر دقة أود أن أوضح أن مفهومي الكلام والكتابة قد شكلتهما واشترطتهما وتحكمت بهما الميتافيزيقا . والحق إن هذا " التمركز حول اللوغوس " هو " تمركز حول الصوت " phonocentrism .. ذلك الاعتقاد الذي يرى أن الصوت يقارب الواقع المتعالي (12) transcendental . ونجد في نظرية دريدا أن التمركز حول اللوغوس والتمركز حول الصوت هما مصطلحان مختلفان يمثلان ظاهرة واحدة : النشوء الميتافيزيقي metaphysical genesis لمفهوم الكلام والفهم . ويركز التمركز حول اللوغوس والتمركز حول الصوت على الصوت لأن هذين المفهومين يتولدان من الاعتقاد القائل أن الصوت يتوسط بين العقل الإنساني والواقع المتعالي . ويمكن القول أن هذه الحجة مقاربة للمفهوم الهندي لسلطة الـ mantras . الذي يمكن تعريفه " بأنه صوت أو سلسلة من الأصوات . ونحن نعتقد أن للصوت سلطة لأننا نرى أن بإمكانه إثارة السلطة المتعالية ؛ إذ تعزى الأهمية إلى نبرة الكلمات التي ننطقها … فكيف يمكن لصوت كلمة معينة نطلق عليها اسم " mantra" أن يكون متمتعاً بالسلطة ؟ إنه يتمتع بهذه الميزة لأننا نرى أن الصوت يعمل وسيطا بين اللوغوس والسلطة المتعالية . وأنا لا أسعى هنا إلى تأكيد أن المفهوم الغربي التقليدي الخاص بالتمركز حول اللوغوس ، التمركز حول الصوت هو المفهوم نفسه الخاص بـ mantra لكني أؤكد وجود أوجه تشابه .

    ونلاحظ في التفكيك أن ثمة عنصراً آخر هو " التمركز حول الكتابة " graphocentrism ، وهو مصطلح مهم بحاجة إلى التفسير قبل الدخول في صلب نظرية دريدا . ومن الممكن أن نبدأ القول بأن الكتابة writing كتابية graphic ، وأن الجرافيم grapheme هو حرف في الأبجدية أو أنه مجموع الحروف أو المجموعات الحرفية التي من الممكن أن تشير إلى الفونيم phoneme ( الذي يمكن تعريفه بأنه أصغر وحدة كلام تميز ملفوظا ما أو كلمة ما من ملفوظ آخر أو كلمة أخرى في اللغة) . وإذا علمنا أن الكتابة كتابية لذا يمكن القول أن الجرافيم ، تبعاً إلى ما يذكره المفهوم التقليدي ، دال صرف يقصد به أن وحدة الكتابة ليس لها أية صلة عدا كونها تمثل الصورة الصوتية . ولهذا السبب يمكن القول أن المقصود بالتمركز حول الكتابة هو انتقال الأهمية من الكلام إلى الكتابة ، وهو يمثل قلباً للمفهوم التقليدي القائل بأولوية الكلام أو الكلمة المنطوقة على الكتابة أو الكلمة المكتوبة .

    وهناك عدد من النقاد يعتقد أن التفكيك الذي جاء به دريدا يعد انتقالاً من التمركز حول اللوغوس إلى التمركز حول الكتابة (13) ، وهذه ليست ملاحظة بريئة ولا بد من التعبير عن دلالتها قبل الاسترسال في التفسير ، وأنا أرى أن أفضل طريقة لتوضيح هذه المسألة هي محاولة تبسيط الأمر من خلال القياس . فإذا كان بالإمكان مقارنة الكتابة والكلام والمفهوم الذي يمثلونه بالجسد والروح والواقع المتعالي فعندئذ يكون التركيز على الكلام هو التركيز على الروح ( والتركيز على الكلام هو التركيز على التمركز حول الصوت والتمركز حول اللوغوس) . أما التركيز على الكتابة فهو التركيز على الجسد ( والتركيز على الكتابة هو التمركز حول الكتابة). فإذا كان التفكيك تمركزاً حول الكتابة ، وإذا كان التمركز حول الكتابة يعني التركيز على الكتابة فعندئذ يمكن تعريف التفكيك بأنه رفض لأولوية الروح وسلطة الوسيط ، وإنه تحد لما هو أخلاقي ، إنه الانغمار في الحياة الدنيوية، إنه يعني اختفاء الرب … فهل من المقنع أن نقول أن التفكيك عدمي nihilistic؟ يمكن القول أن هذه التوكيدات كلها صحيحة ، والجواب عن الأسئلة أعلاه هو " نعم " عن كل ما يقوله دريدا ، وكل ما يقصده التفكيك . سأعود لهذه المشكلة بعد دراسة مصطلحات دريدا التي تعمل بصفة أدوات تفكيكية .

    فبعد أن عرض دريدا الأساس الميتافيزيقي واللاهوتي لمفهومي الكلام والكتابة ، شرع في فحص مسألة الوصف اللساني للغة والمفاهيم التي يحاول الوصف بناءها . والحق أن دريدا يأتي كرد فعل على نظرية سوسير التي تقول إن العلامة sign اللسانية هي وحدة الدال والمدلول . وتزعم اللسانيات الحديثة ، التي ترتكز على مفهوم الدال والمدلول ، والبنيوية ، التي تدين لذلك المفهوم ، أنهما جعلتا من دراسة اللغة وفعل النقد حقلين معرفيين علميين ، وقد بين دريدا أن هذا الزعم هو خداع حسب لأن مفهوم الدال والمدلول في اللغة الذي جاءنا من اللسانيات هو صورة أخرى لمفهوم الكلام والكتابة التقليدي . وقد لاحظ دريدا في أثناء عرضه للعلاقة المتبادلة بين الميتافيزيقا واللاهوت ، ما يأتي :

    دائماً ما يوحي مفهوم العلامة داخل ذاته بالفرق بين الدال والمدلول … حتى إن تم تمييزهما بأنهما وجهان لعملة واحدة ، ولهذا السبب يبقى هذا المفهوم ضمن تراث مفهوم التمركز حول اللوغوس الذي هو في حقيقته تمركزاً حول الصوت : التقارب المطلق بين الصوت واللصوت والكينونة being ، وللصوت ومعنى الكينونة ومثالية المعنى . ( OG, p. 112 )

    ولهذا السبب فإن نسق اللغة الذي يقال أن اللسانيات جعلته علمياً وأن البنيوية استعارته بحماس بوصفه نموذجاً للنقد ، هو في حقيقته النسق القديم نفسه ، أي نسق " التمركز حول اللوغوس – التمركز حول الصوت " الذي هو نتاج الميتافيزيقا .

    ومن الواضح أن دريدا حشر الميتافيزيقا واللسانيات في خانة واحدة وهذا يعني أن الميتافيزيقا فسحت المجال أمام اللساني ليتصور ظاهرة اللغة في ضوء القطبية الثنائية ، بمعنى أن المفاهيم الميتافيزيقية ـ مفهوم الواقعي والمثالي ، مفهوم الجسد والروح ، مفهوم الخير والشر ـ قد فسحت المجال أمام اللساني ومكنته من تصور اللغة في ضوء قطبية ثنائية مشابهة . وتعد الحجة اللسانية ، التي تقول أن الصورة السمعية تستحضر المفهوم ( أي أن الدال يستحضر المدلول) ، تركيزاً على أولوية الكلمة المنطوقة على الكلمة المكتوبة ، وبهذا الصدد فإن اللسانيات البنيوية هي صورة معدلة عن الإهمال التقليدي للكتابة ، ذلك الإهمال الذي نتج عن النفور الفلسفي والميتافيزيقي من الطابع الخارجي والمرئي والمجسد للكلمة المكتوبة ، ويتضح من ذلك أن خلف مفهوم اللغة التقليدي ، وخلف مفهوم العلامة اللسانية عند سوسير كمنت ميتافيزيقا على شكل قوة اشتراطية قوية .

    وقد أطلق دريدا تسمية " المفهوم المبتذل للكتابة " على مفهوم الكتابة الذي أهمله مفهوم اللغة التقليدي واللسانيات الحديثة ، وعدّه مفهوماً ثانوياً ، أي شيئاً ليس له وجود إلا لغرض تمثيل الصوت الذي تجسده الكتابة . ويضيف قائلاً أن الاعتقاد الذي ساد في التراث الغربي بصدد الكتابة هو أنها "الحرف " و " النقش المرئي " و " الجسد والمادة " الخارجية بالنسبة إلى اللوغوس . وهذا هو المفهوم المبتذل تحديداً . وقد نبذ دريدا هذا المفهوم المبتذل الذي كان يوجه فهمنا للغة ، على الرغم من أننا لم نكن واعين به تماماً ، مثلما وجه أداءنا في ميدان النقد الأدبي من خلال دفعنا إلى الاعتقاد بأن كل شيء يستنبط المعنى ويعطيه فقط حينما يرتبط بفكرة ما ، والتي ينبغي أن ترتبط ، بالمقابل ، بفكرة أخرى وهكذا دواليك بحيث أن هذه الأفكار كلها ستتجمع في فكرتنا عن الكينونة المتعالية ، ولهذا السبب أصبحت فكرتنا عن الكينونة المتعالية تعمل بمثابة فكرة تتحكم في أفكارنا عن اللغة ، وأفكارنا في النقد … وهكذا أصبح نقد قصيدة ما اكتشافاً لمعناها… ذلك المعنى الذي يعد فكرة أو مفهوماً يمكن ربطه بفكرة أخرى ، وستتجمع عملية ربط الأفكار بعضها بالآخر في فهمنا للكينونة المتعالية. ومن الجدير بالإشارة أن جميع شذرات الأفكار التي يمكن نسجها في نسق واحد ، يجمعها مركز واحد تمثله فكرتنا عن الكينونة المتعالية وإن احتمالية النسق توحي بوجود المجموع . ويمكن تعريف المبدأ الجمعي بأنه فكرة الكينونة التي هي إبداع الميتافيزيقيا . وقد تمثلت محاولة دريدا بتحرير فهمنا للغة وفعل النقد من هذا التأثير الجمعي الذي مارسته الميتافيزيقا ، وتوصل إلى عملية التحرير هذه من خلال صياغته لمصطلحين جديدين من الممكن أن يبطلا مفهوم اللغة القديم وطريقة النقد القديمة . إلا أن أذهاننا خضعت لاشتراطات الفهم التقليدي للغة سواء كنا واعين بذلك الفهم أم لا . فنحن حينما نزعم إننا صغنا أفكاراً جديدة فإننا لم نفعل في حقيقة الأمر سوى تحويل الأفكار القديمة . فعلى سبيل المثال إن المصطلحات اللسانية التي جاء بها سوسير ـ التي يقال أنها أحدثت ثورة في فهمنا للغة ـ هي نتاج آخر للميتافيزيقا ؛ فنحن نكرر أنفسنا حينما نقول إن نسق اللغة الجديد علمي . والحق أن بالإمكان أن تتولد أفكار جديدة حينما تكون أذهاننا محايدة . وإن القصد من وراء عرض دريدا للأساس الميتافيزيقي للغة والنقد هو دفع أذهاننا إلى الحيادية لأننا ندرك تماماً أن ظاهرة طبيعية تماماً مثال اللغة تخفي في داخلها بذور الميتافيزيقا ، بل حتى التفسير العلمي للغة الذي قدمه سوسير هو في الحقيقة ضحية الميتافيزيقا . وقد شرع دريدا ، بعد عرض الأساس الميتافيزيقي الذي تقف عليه اللغة ، في صياغة مصطلحاته الخاصة التي بإمكانها توليد فهم جديد للغة .. وتشكل هاتان الخطوتان بنية التفكيك . وسأبدأ الآن بوصف المصطلحات التفكيكية وتقويمها .

    لقد استند مفهوم الكتابة الجديد الذي صاغه دريدا إلى ثلاث كلمات معقدة جداً ، هي : الاختلاف difference والأثر trace والكتابة الأصلية [الأولى] (14) arche - writing. وسأعمل على تفسير كل مصطلح من هذه المصطلحات الثلاث بأوسع قدر ممكن تسمح به محددات هذا المشروع ، وسأبين الكيفية التي تؤدي بها هذه المصطلحات إلى فعل التفكيك. فالاختلاف يشير إلى فعلينactions : 1 ـ أن يختلف ، أن لا يكون متشابهاً " differ " 2ـ أن يرجئ ويؤجل (15) (11) " defer" . وينبغي الانتباه إلى إن الأول مكاني spatial والثاني زماني temporal . ويرى دريدا أن كل علامة تؤدي هذه الوظيفة المزدوجة : أي الاختلاف والتأجيل ، ولهذا السبب تكون بنية العلامة مشترطة من قبل الاختلاف والتأجيل ، وليس من خلال الدال والمدلول ، بمعنى إن بنية العلامة هي الاختلاف الذي يعني أن العلامة شيء لا يشبه علامة أخرى ، وشيء غير موجود في العلامة على الإطلاق . ويمكن توضيح ما ذكرناه بالمثال الآتي : فنحن نميز بين كلمتيthree [وتعني ثلاثة] و tree [تعني شجرة](16) في الكلام والكتابة ، فهما مختلفتان تماماً وتكشفان عن هويتهما . ويعد هذا الاختلاف إحدى القوتين الموجودتين في كل علامة . أما القوة الأخرى في العلامة فهي قدرتها على الإرجاء ، أي قابليتها على التأجيل . فعلى سبيل المثال إن كلمة " وردة " في قصيدة ما لا تبدأ بكشف المعنى إلا حينما ندرك أنها ليست تلك الوردة التي نراها في الواقع ، بل أن لها شيئاً آخر ، ذلك الشيء الذي ينبغي اكتشافه . ولهذا السبب فإن العلامة نصفها واف والنصف الآخر غير وافٍ ، وهذه الحقيقة ضرورية لبداية فهمنا إلا إنها غير كافية بسبب نقصها . ومثلما أكد سوسير فإن العلامة هي ليست " الدال + المدلول " بل العلامة هي " الاختلاف + الإرجاء " . ويرى سوسير أن العلامة اتحاد في حين يراها دريدا اختلاف .

    وبما إن العلامة غير وافية وناقصة لذلك ينبغي أن تفهم على إنها " تحت الشطب [ المحو] " under erasure وهو مصطلح صاغه دريدا ليشير إلى عدم كفاية العلامات ونقصها . فهي مكتوبة لكنها مع ذلك مشطوبة ، فنحن نشطبها لنشير إلى نقصها . ولهذا السبب تحمل كل علامة هذه الإشارة عليها . فعلى سبيل المثال إن كلمة " مرئي " التي استعملها آنفاً لم تحمل أية إشارة واضحة عليها ، لكنها علامة على الرغم من ذلك . لكن إذا نظرنا اليها من زاوية تفكيكية فإنها ستظهر عندئذ علامة مشطوبة ، على النحو الآتي : " مرئي " . وينبغي ألا نأخذ فكرة تشطيب العلامة على نحو حرفي ، بل على نحو إيحائي فقط . فهذه الشطبة توحي بنقص العلامات وعدم كفايتها ، بل عدم قطعيتها . إذ لا توجد علامة يمكن أن نقول عنها انها دال لشيء أزلي ، فهي لا تتمتع بأية قيمة مطلقة ، كما إنها لا تحيل أي شيء متعالٍ .. فالعلامة سياقية contextual ، وهي تخلق سراب المدلول ، وإن جل ما تستطيع القيام به أنها ترسلنا بحثاً عما تحتاج هي إليه وتذكرنا بما هو غير كائن فيها . ولهذا السبب إن العلامة " أثر " ، فهي ليست التمثيل المرئي أو الكتابي المحسوس للصورة الصوتية بل إنها الأثر الذي يصفه دريدا بأنه ليس طبيعياً ، ( أي إنه ليس الإشارة أو العلامة الطبيعية أو المؤشر index بالمعنى الهوسرلي ) ، أكثر من كونه ثقافياً ، وإنه ليس مادياً أكثر من كونه نفسياً ، وإنه ليس بايولوجياً أكثر منه روحياً .

    إن ما هو كائن في العلامة يحرك الذهن باتجاه ما هو غير كائن فيها ، ولهذا السبب فإن ما هو موجود في العلامة يحمل أثر ما هو غير موجود فيها ، وتستطيع العلامة أسر الذهن لأن بمقدورها أن تذكرنا بما هو غير موجود فيها ، وتستطيع عبر هذا التذكير تحفيز الذهن ودفعه إلى الحركة . وهكذا نقول أن العلامة أثر ، وتحمل في أثرها قوتين هما الاختلاف والإرجاء . لذا صار من الضروري أن يتغير مفهوم الكتابة مع ظهور مصطلحي " الاختلاف " و " الأثر" إذ ما عاد بالإمكان الإبقاء على تعريفها بأنها " الحرف " و " النقش المحسوس " و " الجسد والمادة " الخارجية بالنسبة إلى العقل . وعند محاولة دريدا تعريف الكتابة وضح ذلك قائلاً : "... إنها النقش inscription عموماً ، سواء كان ذلك حرفياً أم غير حرفي حتى وإن كان ما تم توزيعه في الفراغ غريباً عن نظام الصوت..."(OG, p. 9) (17) . وبهذا المعنى يمكن أن نعد التصوير السينمائي والرقص والباليه والموسيقى والنحت جميعها كتابة . وقد لاحظ دريدا عند التوسع بمفهوم الكتابة هذا أن :

    قد يتحدث المرء أيضاً عن الكتابة الرياضية ( أي الرياضة عموماً ) أو الكتابة العسكرية أو السياسية في ضوء التقنيات التي تتحكم بهذه المجالات حالياً . وهذا لا يصف نسق الدلالة الذي يرتبط ارتباطا ثانوياً بهذه الأنشطة حسب ، بل يصف أيضاً ماهية هذه الأنشطة ذاتها ومضمونها. ( OG, p. 9
    عن مجلة "أفق"
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:17 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)


    جاك دريدا ونظرية التفكيك (2)

    فاللغة بذاتها هي كتابة ضمن ذلك المعنى ( GO, p. 8 ). وقد لاحظ غايتاري سبيفاك Gayatri Spivak أن : " ثمة شيء يحمل في داخله أثر التغير الأزلي ، أي بنية النفس ، بنية العلامة . ويطلق دريدا على هذه البنية اسم " الكتابة" (1 . وقد ذكر سبيفاك الملاحظة الآتية في معرض توضيحه لمفهوم الكتابة : " هكذا نجد أن الكتابة هي اسم البنية التي يسكنها الأثر دائماً . وهذا مفهوم أوسع من المفهوم التجريبي للكتابة الذي يشير إلى نسق دلالة تجريبي على جوهر مادي " (OG, p. xxxix) .

    وقد أطلق دريدا تسمية " الكتابة الأصلية " على الفرق بين مفهوم الكتابة هذا ومفهوم الكتابة المبتذل الضيق . وتعمل الكتابة الأصلية في التعبيرات الكتابية وغير الكتابية . والكتابة بمعناها الضيق تعد كتابية graphic تعتمد مفهوم الجرافيم الذي هو في حقيقته دال صرف . أما في النظرية التفكيكية التي حدد دريدا أبعادها ، فقد أصبح لصفة الكتابية معنى مختلفاً عن المعنى الذي كان متداولاً في الاستعمال التقليدي . ويمكن القول أن الشكل الكتابي graphe هو " أثر متمأسس (19) institutionalized " ( GO, p. 46) .

    وقد أصبح لتوجه النظرية التفكيكية نحو التمركز حول الكتابة دلالة تضمين واسعة بسبب الأثر المتمأسس ، ولهذا السبب فإن التغيير الذي أحدثه دريدا لم يكن تغييرا بالأهمية التي تمتع بها مفهوم الكلام على مفهوم الكتابة ، قدر تعلق الأمر بالفهم التقليدي لهذه المصطلحات . إذ يوحي التمركز حول الكتابة ، بالمعنى الذي حدده دريدا ، بالتوجه الذي يسلكه الفهم على نحو يدفع الذهن إلى تصور وظيفة الأثر في أنواع التعريف كلها التي تسير الوعي أو الإدراك . فالأثر يبدي عمله في صورة البورتريت (الصورة الشخصية) ، والملصق الجداري (البوستر) واسم العَلَم ، والإيماءة والكلمة المنطوقة والكلمة المكتوبة ، وغيرها . ويمثل التمركز حول الكتابة الإدراك الجديد لوظيفة الأثر . فأنا حينما أتصور صورة شخصية يبدأ ذهني أو إدراكي بالعمل رغبة مني في فهم دلالة هذه الصورة ، وتعد عملية اشتعال الذهن غير مادية . فالذهن يتحرك بحثاً عن شيء بعيد عما موجود في الصورة (بمعنى البحث عن شيء خلّف بصماته الشبحية على الصورة) ، وتلك هي وظيفة الاختلاف . في حين أن البصمة الشبحية هي الأثر . لأن الأثر بذاته غير موجود ( GO, p. 167) . ويمكن تعريف التمركز حول الكتابة بأنه هذا الإدراك الحسي الجديد بأن شيئاً ما ، شيئاً غائباً ، قد ترك بصماته ( بصماته الشبحية ) على الموضوعات التي تخلق حركات معينة في الذهن (وتلك البصمات الشبحية هي الأثر) .ويبدأ الأثر بالعمل من خلال الاختلاف والإرجاء (الاختلاف + الإرجاء = الاخـ" ت " لاف) (20) .

    ويتم عرض مفهوم اللغة التقليدي بوصفه أسطورة .. فقد كان ينطوي بداخله على شيء باطني [صوفي] : مثل قرب الصوت من المدلول ، وغيرها . ونلاحظ أن العنصر الباطني هو العنصر الميتافيزيقي ، فقد كانت الميتافيزيقا تسيطر على مفهومنا للغة . وقد صاغ دريدا مصطلحات جديدة وشكل مفاهيم جديدة حتى يتكون فهم للغة متحرر من مفهوم الميتافيزيقا . ولهذا السبب يعد تحرير فهم اللغة من الميتافيزيقا إزالة للغموض والحيرة ، إذ يتم التخلص من العنصر الغامض تماماً . وإن إزالة الغموض هو في حقيقته إزالة للأسطرة (الطابع الأسطوري) أيضاً (21) . ومن الصواب أن نقول أن التفكيك يبدأ بإزالة ما هو باطني وإزالة الأسطرة في الفهم التقليدي للغة.

    لقد انطوت دراستنا هذه للتفكيك على ثلاث مراحل ، تمثلت المرحلة الأولى في تسليط الضوء على مفهومي الكلام والكتابة ، واشتملت على مسألتين مركزيتين هما : السبب الذي يكمن وراء الاعتقاد السائد الذي يقول بأسبقية الكلام وأولويته على الكتابة ، وما مدى البعد الذي وصلته الميتافيزيقا في تأثيرها . ودرسنا في المرحلة الثانية الزعم اللساني القائل أن اللسانيات الحديثة أضفت طابعاً علمياً على دراسة اللغة وجعلتها حقلاً علمياً . وتمثلت المسألتان المركزيتان اللتان تناولتهما في هذه المرحلة بتأكيد أن المفهوم اللساني للعلامة هو صورة أخرى للمفهوم التقليدي للكلام والكتابة ، وعلى أن اللسانيات الحديثة هي ضحية الميتافيزيقا ، وتتألف المرحلة الثالثة من وصف مصطلحات دريدا وتقويمها : الاختلاف والأثر والكتابة الأصلية . وقد سلطنا الضوء على دلالة مصطلح التمركز حول الكتابة من منظور دريدا .

    وبناء على ما سبق ، لقد تغير فهمنا للغة ، فما مصير النقد ؟ يبدأ الجواب عن هذا السؤال بافتراض أن الأدب هو شكل من أشكال الكتابة ، وإن القصيدة أو القصة أو أي عمل أدبي هو بنية آثار.. تلك الآثار التي نعرف أنها بصمات شبحية لا نعرف ماهيتها إلا إننا واثقون من كينونتها ووجودها . أما النقد ، الذي يعرف بالدرجة الأساس بأنه بحث في كلمة ، وسطر ، ونص ، أو أي شيء يحرك الذهن من نقطة إدراك حسي معينة إلى عوالم البحث بمعية دافع قوي للتأويل ، فإنه يبدأ بالشك ، الشك الذي يستند إلى الإقناع . فالناقد يشك في مظهر العلامة (كأن تكون كلمة ، وسطراً ، وقصة وتمثالاً ، صورة وبورتريتاً ، …إلخ ) لأنه يحمل قناعة مؤداها أن ما يظهر له هو ليس كل شيء ، بل هناك شيء آخر ، فنحن لا نكتفي بالأشياء كما هي ، بل نرغب بالبحث فيها والتوغل إلى أبعد من حدودها لاكتشاف أسرارها لأننا نشعر أن ثمة شيئاً مفقوداً أو شيئاً غائباً عما نتصوره نحن وندركه حسياً ، وإن هذا الشعور الأزلي بأن هناك شيئاً مفقوداً أو غائباً هو الكتابة الأصلية . ويعد الأدب واحداً من أنواع التعبير عن الكتابة الأصلية ، بينما يعد الرسم نوعاً آخر ، والموسيقى نوعاً آخر أيضاً ، وتعمل الكتابة الأصلية بصفة آثار في الموضوعات . فالآثار أشبه ما تكون بطبع الأقدام .. فمن هو الذي مشى على الرمال ؟ لقد مشى أحدهم وخلف وراءه آثار أقدامه في كل مكان ، وإن كل تلك البصمات التي تركها خلفه تذكرنا به إلا أنه مفقود وغائب . ويمكن تعريف الكتابة الأصلية بأنها إدراكنا حقيقة أنه مفقود ، وأنه غائب ، والذي يرافقه الشعور بالمعاناة المتولد عن تجربتنا التي نستشف منها عدم القدرة على اكتشاف هذا الغائب على الرغم من صمتنا المطبق أو عنفنا الصارخ ، فكل البصمات التي يخلفها وراءه هي الآثار لأنها هي التي تؤكد حضور هذا الغائب على الرغم من غيابه ، فياله من موقف غريب حقاً ! (وربما كان التشخيص - أي إضفاء الصفات الشخصية على غير العاقل - صيغة من صيغ التبسيط إلا أنه قد يساعد على الفهم ) .

    وقد اعتاد النقد التقليدي الظهور مع فكرة ما عبر المواجهة مع العمل الأدبي ، ولهذا السبب يعد نقد القصيدة اكتشافا لمعناها . ولهذا فإن المعنى فكرة أو مفهوماً يمكن أن يلحق بفكرة أخرى أو مفهوماً آخر والاستمرار بهذا الإلحاق حتى تلتحم هذه الأفكار في فكرة الكينونة المتعالية أو الحقيقة المتعالية . لكننا لا نعي حقيقة أن ما نسميه " المعنى" هو في حقيقة الأمر فكرة تتخذ من الميتافيزيقا ملاذاً لها . ولم تنج البنيوية ، التي يقال أنها سيرورة ثورية ، من قبضة الميتافيزيقا ، وإن القول أن البنيوية توحي بالنسق ، يعني أن هناك مركزاً في مكان ما ، وذاك المركز هو المفهوم المركزي الذي من الممكن اكتشافه بوصفه مفهوم الكينونة أو السلطة المتعالية . ويوحي مفهوم النسق أن كل شيء مفهوم على أفضل وجه ، أو أنه قابل للفهم في الأقل ، فحيثما وجد النسق ينعدم الإرباك أو التشويش . وسيؤكد التفكيك أن هذه أوهام حسب إذ كل ما نزعمه بأنه الحقيقة أو الكينونة هي " فبركة " ليس إلا . فهذه الكلمات تمثل فبركات مهولة تشير إلى الفشل في بحثنا عن المعنى ، وهذا يعني في مرحلة ما من مراحل تاريخ البحث عن المعنى أن الباحثين أعلنوا ، لسبب أو لآخر ، أنهم وصلوا إلى آخر نقطة ممكنة من بحثهم وأنه لا ينبغي القيام بأي بحث آخر يتجاوز هذه النقطة ، ولغرض حماية ما أسموه " النقطة النهائية " من الإهانة التي يمكن أن تنسبها إليهم البحوث المستقبلية ، عزوا لتلك النقطة نوعاً من القدسية وأسموها الحقيقة truth أو الكينونة being أو أي شيء آخر . وقد عملت نقطة البحث النهائية أو المفهوم المقدس بصفة مركز للنقد بنوعيه التقليدي والبنيوي . لذلك كان ثمة خداع كبير سار على هداه نشاطنا النقدي وفهمنا للغة .

    ألا توحي هذه التعليقات بأن كل ما كتب هو محض خيال ؟ أنا أعتقد إن التفكيك يوحي بذلك . وهذا يشمل كتبنا المقدسة أيضاً ! (والحق أن التفكيك لا يعترف بشيء اسمه كتاب ، بل بالنصوص فقط). فماذا عن مفهوم " الرب " إذن ؟ وما مصير المفاهيم الأخرى التي لا تعد ولا تحصى مثل : المصدر origin والحقيقة والكينونة والواقع المتعالي و ... الخ ؟ إن دريدا لا ينكر وجود الرب بل إنه يتساءل ، على نحو غير مباشر ، عن مفهومنا للرب ومدى صلته ، ولعلنا كنا نستخدم مصطلح " الرب " god للإشارة إلى إله معين كنظام دفاعي لحماية مفهوم المصدر والحقيقة والكينونة وما يشبهها من مصطلحات . فما المصدر الحقيقي أو الحقيقة الحقة اللذان ينبغي البحث فيهما . ربما تكون هذه المفاهيم وراء نطاق فهم الإنسان . فقد يكون عالم الحقيقة ، أو الرب ، عالماً محرماً على الإنسان الذي لا يستطيع أن يفعل شيئاً بإزائه سوى تخيله ، أو تكوين معنىً واهٍ عنه في أحسن الأحوال . إنه يشعر بغياب الكينونة الأسمى Supreme ولاشك ، وإن هذا الإحساس بالغياب و التوق للحضور هو الكتابة الأصلية ، أما بصمات ذلك الحضور الغائب الذي ندركه في كل مكان فهو الأثر . ومن خلال سعي دريدا إلى عرض الأساس الميتافيزيقي الذي يرتكز عليه فهمنا للغة ، ومحاولة تحرير فهمنا من الميتافيزيقا ، شرع دريدا في إطاحة الأديان عن عروشها في ممالك اللغة . فقد مثلت الأديان حصانات وفرت الحماية للمفاهيم الميتافيزيقية . ومع ذلك ينبغي أن نقر بأن دريدا يوحي ، على نحو غير مباشر ، بأن الرب وراء جميع المفاهيم الإنسانية والمعالجات اللفظية . وينبغي التأكيد عند هذه النقطة تحديداً أن دريدا لا يوحي بأي شيء مهول ، فهو يتبنى منهج البحث الحر في مجال المعرفة ، ويحاول تحرير الذهن من الضغوط والضوابط التي فرضت عليه باسم الرب أو الأديان . ويدفعنا دريدا ، بقوة ، إلى إعادة التفكير بالمصدر أو الحقيقة من خلال عرض الذهن على الحرية الجديدة في البحث ، ولهذا السبب تنطوي جدالات دريدا وحججه على مضامين روحية.

    وأخيراً ينبغي لي العودة إلى قضية النقد . فقد كان النقد ، بالمعنى التقليدي ، تطبيقاً لأنموذج يرمي إلى فهم العمل الأدبي ، وربما يكون هذا النموذج فلسفياً أو أخلاقياً أو دينياً أو لسانياً . ومن المحتمل أن الناقد غير واع تماماً بحقيقة أنه يطبق نموذجاً معيناً ، فالذي نطلق عليه أسم " التقويم الذاتي" هو في حقيقته غير ذاتي ، فنحن نلحق ما موجود في العمل الأدبي بشيء ما في سيرورة ذلك الفهم الذي يؤدي إلى التقويم . ومن الممكن أن يكون هذا الـ" شيء ما " هو النسق الأدبي الذي منح الكلمات والأفعال actions والظواهر إمكانية توليد المعنى . فعلى سبيل المثال ، إذا حاولت تفسير قصيدة The Lake Isle of Innisfree ، سأتمكن من ذلك أما من خلال ربط مضمون القصيدة بالمعلومات المتوفرة التي تتعلق بحياة الشاعر … تلك المعلومات التي تخص مزاجه وكآبته وتأملاته في الطبيعة سريعة التغير ، وسرعة زوال الأشياء الجميلة ، ونفوره من المكاسب المادية وعشقه للحياة الحالمة . ثم أبدأ بربط هذه الأفكار الموجودة في القصيدة بهذه الأفكار الخارجية التي تعمل بصفة نسق لربط الأفكار في القصيدة . ولهذا السبب تصبح الأفكار التي تزخر بها القصيدة ذات معنى فقط حينما أشرع أنا بعملية ربط هذه الأفكار بما هو خارج عن القصيدة . وفضلاً عن ذلك فإني قد أبدأ بالبحث في سبب كآبة الشاعر وأسباب عشقه للحياة الحالمة ، وأسباب دفعه إلى كراهية المكاسب المادية . ونلاحظ في هذا النوع من النقد أن التركيز لا يكون على النسق بحد ذاته لأن التركيز على النسق لدراسة النسق ذاته يؤدي بنا إلى البنيوية . فعلى سبيل المثال : ما المغزى الأدبي من ترك الموطن الرئيس والذهاب إلى جزيرة ؟ هل هناك مغزيات أخرى ؟ الجواب : نعم بالتأكيد . ونجد في بعض شخصيات شكسبير الكوميدية مثل مسرحية " كما تحبها " و " حلم ليلة منتصف صيف" أن الشخصيات تغادر المدينة لائذة بالغابات التي يتم فيها حل الصراعات وانتشار الحكمة ، وعلى هذا الغرار هناك عدد من الشخصيات في القصائد والروايات التي تغادر المدن صوب الجزر المعزولة ، ومثال ذلك شخصية " بروسبيرو " في مسرحية " العاصفة " وشخصية " جيليفر " في رواية "رحلات جيليفر " . ولهذا السبب نجد أن رغبة الشاعر ييتس باللجوء إلى جزيرة Innisfree تحاكي رغبة الكتاب السابقين . ونحن نقر بأننا نفهم القصيدة لأننا نألف هذه القناعة ، أي الاقتناع بترك المدينة ومباهجها واللجوء إلى الجزيرة ذات معنى كبير في الشعر ، ذلك لوجود قناعة أدبية أو اتفاق أدبي بأن لهذه الفكرة معنى ما وهكذا نجد أن بإمكان التحليل البنيوي أن يركز على العناصر الأخرى للقصيدة بغية دراسة النسق الشعري . وقد طبقت في المثال الأول ، أي مثال التطبيق غير البنيوي ، نماذج معينة متعارف عليها في الأدب على القصيدة فقط من أجل فهم القصيدة . أما في المثال الثاني ، أي مثال التفسير البنيوي ، فقد استعملت القصيدة وعناصرها لدراسة النسق الشعري أو لدراسة نماذج الأدب المتعارف عليها . وينبغي الإشارة هنا إلى أن التفكيك لا يمثل أي من هاتين الحالتين ، أو نقيضهما .

    فالتفكيك لا يمنح الناقد أية نماذج ، ولا يطبق أي أنموذج على النصوص الأدبية ، بل أنه يدمر جميع النماذج الموجودة ولا يقدم أي نموذج ، ولهذا تسبب الكتابة التفكيكية حيرة كبيرة . فعلى العكس من النقد البنيوي لا يؤمن النقد التفكيكي بوجود نسق يمكن فهمه . إذ توحي فكرة النسق بأن الأشياء منتظمة أو من الممكن جعلها كذلك ، إلا أن هذه الفكرة مصدر مواساة حقاً ، ونحن نفضل المواساة على الحيرة . وعلى الرغم من أن المواساة قد تنطوي على خداع لكنها أفضل من معاناة الحيرة . وقد أعلن البنيوي ، بعد أن واجهته مشكلة تعقيد الأدب والأذهان التي تكمن وراء الأعمال الأدبية ، أن التعقيد قابل للتحليل ويمكن فهمه ، ويزعم وجود نسق أدبي بإمكانه تفسير التعقيدات . إنه تأكيد الإرادة التي تجعل البنيوي يزعم هذا الزعم . فالبنيوية هي التوكيد لإرادة الإنسان وقدرتها على حل ما هو معقد ، وعلى العكس من ذلك يبحث التفكيك في إمكانية النسق ، ويتساءل عنها وعن الكيفية التي جاءت بها التقاليد والمواصفات الأدبية إلى الوجود . فالمواجهة القائمة بين الوعي الإنساني ونسق العلامة هي من التعقيد بحيث يصعب فهمها . ولهذا السبب ، يؤكد التفكيك ، تبعاً إلى ما يذكره ديفيد اليسون David Allison ، ضرورة إعادة التفكير بمشكلة اللغة كلها (22) . وربما كان من الضروري وجود حقل معرفي جديد يستعمل أصول الكلمات [التأثيل] etymology وعلم النفس معاً بصفة حقل معرفي واحد لأداء هذه المهمة . ونلاحظ هنا أن التفكيك ينبذ الميتافيزيقا والفلسفة بوصفهما من أنماط الإدراك الخادعة ، كما إن اللسانيات التي كانت تخفي الميتافيزيقا في نماذجها الخاصة باللغة ، لا تلائم التفكيك . وكذلك لا يلجأ التفكيك إلى البنيوية التي ترتكز بقوة على اللسانيات .

    قد يبدو التفكيك حقلاً تحكمه قواعد وأنظمة ولغة خاصة يصعب على المبتدئ فهمها ، إلا أن الحقيقة مختلفة . فنحن لدينا قواعد وأنظمة ولغة خاصة في النظريات النقدية التقليدية أكثر مما في التفكيك . فالمبتدئ يواجه مصطلحات تقنية كثيرة مثل شخصية، حبكة ، ثيمة ، صورة ، رمز، شعر غنائي ، سونيتة ، و ... إلخ ، وقد استعملناها مراراً وتكراراً حدّ أنها أصبحت طبيعية بسبب ذلك . وفضلاً عن ذلك ، فإننا إن لم نفهم المصطلحات التي على شاكلة " اختلاف " ، " أثر" ، " كتابة أصيلة " ، ... إلخ ، فإننا لا نتمكن من فهم واستيعاب أي عمل مكتوب ينضوي تحت هذه النظرية إذ من الصعب فهم أي شيء جديد . إلا أن المرء سيفيد من تعلم هذه النظرية كثيراً إذا ما تحمل الجهد أولاً . وتتمثل هذه الفائدة في أننا نتساءل في صلة فهم الإنسان وعالمه والمعرفة . ويلقي التفكيك ضياءً جديداً على عملياتنا الفكرية . ويخبرنا أن سلطة اللغة ليست متأتية من سلطة الأدب ولا من نسق اللغة لأن سلطة اللغة ، شأنها في ذلك شأن سلطة الموسيقى والرسم والنحت والطقوس ... إلخ ، متأتية من حس بدائي أصيل بشيء مفقود وغائب ، وتوجيه إدراك الإنسان بعد ذلك .

    الهوامش :

    (1) هذه المادة مترجمة عن كتاب ( البنيوية والتفكيك ) تأليف س . رافيندران Structuralism & Deconstruction. By: S. Ravindran. (المترجمة)

    (2) يُعرف جاك دريدا هذا المصطلح في كتابه " في الغراماتولوجيا " [في علم الكتابة] بأنه دراسة للأدب ولحروف الهجاء ولمقاطع الكلمات والقراءة والكتابة " قائلاً إنه يستند في ذلك إلى تعريف ليتريه Littre ، وأنه لم يعثر على هذا المصطلح في هذا القرن إلا في كتاب غيلب Gelb الذي يحمل عنوان " درس في الكتابة : أسس الغراماتولوجيا " A Study of Writing: The Foundations of Grammatology (1952) /د. محمد عناني : المصطلحات الأدبية الحديثة / وسيرمز له المؤلف بالرمز OG . (المترجمة)

    (3) م . هـ . ابرامز "الملاك التفكيكي" مجلة البحث النقدي 3(1977) ص 428 .

    (4) نيوتن غارفر ، تمهيد لكتاب " الصوت والظاهرة " ( إيفانستون : مطبعة جامعة نورثويسترن ، 1973 ) ص xxii . ويوضح غارفر في معرض تعليقه على مكانة المنطق والنظرية في فلسفة اللغة ، قائلاً : " نجد في تاريخ الفلسفة الغربية، ان فلسفة اللغة – وبضمنها الكثير من الميتافيزيقا – قد اعتمدت المنطق أكثر من اعتمادها البلاغة " ( التمهيد صxi ) . لكنه وضح في تعليقه على الحركتين اللتين حدثتا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر والجزء الأول من القرن العشرين ، قائلاً : " لقد كانت الحركة الأولى تعزيزاً لفلسفة اللغة التي تعتمد المنطق إلا ان الحركة اللاحقة كانت تدميراً لذلك التراث ، تدميراً يتحدث عنه دريدا بوصفه ختاماً للميتافيزيقا " ( التمهيد ، ص xii ) .

    (5) ج . هيليس ميلر " الناقد مضيفا " مجلة البحث النقد ي 3(1977)ص 41 .

    (6) موراي كريغر ، " نظرية النقد " (بلتيمور ولندن : مطبعة جامعة جون هوبكنز، 1972) ص 220 - 243 .

    (7) فريدريك جيمسون ،"سجن اللغة"(برنستون:مطبعة جامعة برنستون ، 1972)ص176 .

    ( " لقد اقترن نسق اللغة بالكتابة الأبجدية الصوتية ، ذلك النسق الذي تولدت فيه الميتافيزيقا المتمركزة حول اللوغوس ، التي تحدد معنى الكينونة بأنه الحضور . لقد كان هذا التمركز حول اللوغوس مطوقاً دائماً ومضطهداً لأسباب بعيدة تماماً عن التأمل في أصل الكتابة والمكانة التي تحتلها .... " ( جاك دريدا ، " في علم الكتابة " ترجمة غياتري تشابرافورتي سبيفاك - بلتيمور ولندن : مطبعة جامعة جون هوبكنز ، 1972 ) ص 43 ، وقد كانت الاقتباسات تلحق بالرمز ( OG ) .

    (9) لقد أوضح جاك دريدا في تعليقه على الخلفية الميتافيزيقية لمفهوم الدال - المدلول قائلاً : " يعود الاختلاف بين الدال والمدلول إلى الحقبة الأخرى التي شملت تاريخ الميتافيزيقا ، هذا إذا نظرنا إلى الموضوع من منظور ضيق وضمني ، أما إذا ضيقنا المنظور أكثر فسننظر إلى حقبة الخلق والتناهي المسيحية التي تلائم المفاهيم الإغريقية "(OG ،ص 13 ) .

    (10) يستخدم دريدا مصطلح logocentric (التمركز حول اللوغوس )، أحياناً ، بدلاً من مصطلح phonocentric (التمركز حول الصوت ) للإشارة إلى نظم فكرية أو عادات التفكير التي تستند إلى ما يسميه بميتافيزيقا الحضور ـ وهو التعبير الذي وجده عند هيدغر ـ ويعني به الاعتقاد بوجود مركز خارج النص أو خارج اللغة يكفل صحة المعنى دون أن يكون قابلاً للطعن فيه أو البحث في حقيقته( د. محمد عناني : المصطلحات الأدبية الحديثة) . أما جابر عصفور فيذكر ( عصر البنيوية / تأليف أديث كيرزويل / ص274 ) أن اللوغوس لفظ يوناني يشير إلى الكلمة التي تعبر عن الفكر الداخلي ، أو الفكر الداخلي نفسه . وحينما يشير دريدا إلى التمركز حول اللوغوس ( الذي يترجمه عصفور إلى " مركزية اللوجوس ") فإنه يبغي تدمير تأثيره الطاغي ، وتدمير مبدأ الأصل الثابت الواحد ، وما يقترن به من مبدأ الغائية أو العلية ، وتأكيد أهمية الكتابة التي لن تغدو تابعاً بل أصلاً . (المترجمة)

    (11) من الممكن أن نعرف على التمركز حول اللوغوس بالميتافيزيقا ، لأن كليهما تعبير عن الرغبة بالمدلول . ويجد التمركز حول اللوغوس المعنى كله في العقل اللوغوس ، تلك الكلمة التي تعكس العقل الإلهي .

    (12) يمثل التمركز حول الصوت رفضاً للكتابة بوصفها تقنية حسب . وكذلك توكيد تقارب الكلمة المنطوقة من المدلول . فالكلمة المكتوبة لا تفيد إلا بصفة مدلول للكلام.

    (13) " تنطلق هذه الحركة مما يسميه هو " النموذج المغلق " المتمركز حول اللوغوس للآراء التقليدية أو الكلاسية للغة (والتي يؤكد أنها تعتمد وهم الكينونة المتعالية الأفلاطونية أو المسيحية أو الحضور الذي يضمن المعاني ) وصولاً إلى ما أسميته أنا " نموذجه المتمركز حول الكتابة " الذي يعد الحضور فيه بمثابة " بصمة على البياض " ( م . هـ . إبرامز ، " (الملاك التفكيكي " ص ، 429 ) .

    (14) الكتابة الأولى : التعبير مستقى من فرويد ، وقد استعمله للإشارة إلى اللاوعي عندما لاحظ لعبة للأطفال تتضمن ترك اثر الكتابة على الشمع بعد نزع الورقة . وقد استعمل دريدا هذا المفهوم ، مشيراً إلى فرويد مرات عدة في كتابه " الكتابة والاختلاف " . وهو يقول : " إن الكتابة تعد استكمالاً للإدراك حتى قبل أن يعي الإدراك نفسه . والذاكرة أو الكتابة هي فاتحة عملية وعي الإدراك بذاته . أما " المدرَك " فلا يمكن قراءته إلا في الماضي ، تحت الإدراك وبعده " . (د. محمد عناني / المصطلحات الأدبية الحديثة) . (المترجمة)

    (15) يقول موراي كريغر أن مفتاح النقاش حول كلمة difference ( أي الاخـ"ت"لاف) هي اللعب على الكلمة الفرنسية differ التي تعني المعنيين الآتيين : (1) to differ ( أي يختلف ولا يشبه ) (2) to defer ( أي يرجئ أو يؤجل ) اعتمادا على الفرق بين الكيانات الحاضرة المختلفة ( الاختلاف ) والكيانات المتشابهة ، إحداهما حاضرة والأخرى غائبة تفصل بينهما فجوة زمنية (الإرجاء ) . وهناك بعض أوجه الخداع في " differance وهي أن (a) غير مسموعة وإن كانت مرئية ، وإن المصطلح لا تقابله أية كلمة ، وبذا فانه يفيد فقط في المساعدة على تذكر الكلمة التي يتباين عنها ، ولا تكون موجودة بصفة مفهوم لآتها تختلف عن ذاتها.(نظرية النقد،228 –231).

    (16) تلفظ الأولي " ثري " وتلفظ الثانية " تري " (المترجمة) .

    (17) يوضح دريدا في " الكتابة والاختلاف " قائلاً : " إن الكتابة واحدة من الأشكال التي تمثل الأثر عموماً ، لا الأثر نفسه " ( O G ص 167 ) . " وإن فكرة الأثر هي أنه يمكن أن يخضع لسؤال الماهية الأونطو– ظاهراتي ontophenomenological . فالأثر هو لاشيء ، وهو ليس كياناً ، بل انه يتجاوز السؤال الذي يقول : ما هو ؟ "(O G ص 65 ) .

    (1 غياتري سبيفاك ، تمهيد لكتاب " في علم الكتابة " لجاك دريدا (بلتيمور ولندن: مطبعة جامعة جون هوبكنز ، 1974 ) ، ص xxxix .

    (19) التأسس : مصطلح يشير إلى العملية التي تتحول بها المعايير والقيم وأنماط السلوك إلى أنماط ثابتة . ( عصر البنيوية / تأليف اديث كيرزويل / ترجمة جابر عصفور / دار آفاق عربية للطبع والنشر / 1985 / ص 277 ) . (المترجمة)

    (20) ينبغي الالتفات إلى أن دريدا اشتق كلمة اختلاف differance من الجمع بين الاختلاف difference ( بمعنى عدم التشابه ) + deference ( بمعنى الإرجاء وتفيد معنى الأثر ) ، أي انه استبدل الحرف( e ) في كلمة الاختلاف بالحرف ( a ) ويبدو الاختلاف واضحاً في هذه الكلمة إلا أن من الصعوبة توضيحه حين نقله إلى العربية لذلك عمد مترجم "الكتابة والاختلاف " كاظم جهاد إلى وضع حرف التاء بين معكوفتين صغيرتين. (المترجمة)

    (21) تعكس ملاحظة ج ، هيليس ميلر عن اللغة موقفاً تفكيكياً : " إن اللغة ، منذ البداية، خيالية ووهمية ومنزاحة عن أية إحالة مباشرة إلى الأشياء كما هي . وينبغي احتجاز الظرف الإنساني في شبكة من الكلمات تتشابك عبر القرون وتزخر بالأساطير والمفاهيم والقياسات الميتافيزيقية ، أي باختصار نسق الميتافيزيقا الغربية بأكمله " ("التراث والاختلاف " ) في مجلة "داياكرتكس " 2 ، 4 ( 1972 ) ، 11 ) .

    (22) ديفيد أليسون، مقدمة كتاب " الصوت والظاهرة " ص xxxvii – vii i

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:19 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    ذكريات رجل أعمى
    جاك دريدا
    بقلم: حسن شريف

    جاك دريدا فيلسوف فرنسي متخصص في التحليل النفسي ونقد الفن، الف العديد من الكتب منها "حقيقة اللوحة".
    اختار دريدا عدد اربع واربعين لوحة من مقتنيات متحف اللوفر ليتحدث عن افكاره ونظرياته عن "العمى" هذه المادة هي ترجمة مختصرة وبتصرف مني عنوان المقالة "ذكريات رجل أعمى" وبعنوان فرعي "الصورة الذاتية وخرائب أخرى" المقالة ترجمها من الفرنسية إلى الانجليزية توماس وست ونشرت في مجلة "آرت انترناشيونال" العدد 14 – 1991.
    مظهر رجل أعمى.
    الأعمى ليس هو الشخص الذي فقد بصره ولكن الأعمى هو الشخص الذي فقد البصيرة، القصد من الأعمى هنا هو الشخص الذي يمتلك العين ولكن لا يعرف ولا يريد ان يتعلم طريقة الرؤية، لذلك فهو دائما يرفض لأنه يفتقد المعرفة، الفنان يمتلك وجها إلا أن هذا الوجه يفتقد العين بطريقة مجازية، عين هذا الوجه مغلقة في الليل، اعين معصوبة، لأنه يفكر في المشهد الذي جربه بصريا، لهذا السبب الفنان يقدم الاستعارة بدلا من العين الحقيقة كـ "قصة رمزية".
    الفنان هو ذلك الشخص الذي طرد عنه المفهوم السائد لرؤية الاشياء. لهذا السبب هو يتعامل مع حس فوق طبيعي، صد الفنان عن المفهوم السائد يجعله يتذكر قصة "الإخلاص المفقود" لهذا السبب نشاهده بأنه يتلمس طريقه اثناء التجوال، لمسة الرسام لمسة اعجازية وخارقة تشبه لمسة النحات اثناء تعامله مع مادته، ايضا هذه العملية تشبه سماع قصيدة لشاعر اعمى، هنا يتحول اللمس والصوت لتعويض البصر. هذه العناصر التي هي اللمسة الاعجازية للفنان وصوت شاعر اعمى تعكس نوعا من اللغة والتي من خلالها يستطيع الفنان ان يتمتع بـ "القصة الرمزية" وبالتالي هو يتمتع بـ "الاخلاص المفقود" هذه الترجمة تتحول إلى اعادة اكتشاف النور، اي الفنان يكشتف النور من جديد وعن طريق هذه العناصر والتجارب يستطيع الفنان ان يترجم بين المرئي واللامرئي لذلك السبب فهو يتحسس جميع ميادين الفنون، الرسم، الشعر، والنغمة العتيقة للقطعة النحتية.
    بقدر ما تستطيع العين رؤية الصورة الذاتية:
    يجرب الفنان رسم صورة ذاتية لنفسه اي اعادة تقديم نفسه، عندما يلقي الفنان لمحة سريعة على الصورة الغابشة والموجودة في المرآة التي امامه في هذه اللحظة يصاب الفنان بصعق ويصبح غير قادر على الكلام، عن طريق هذه العملية يوقف الفنان اللحظة من خلال التأمل العميق واللامحدود في الصورة الموجودة في المرآة. في هذه الحالة يصاب الفنان بـ "عشى ليلي" بسبب الافراط الزائد للنور الصادر من التأمل العميق واللانهائي من الصورة الصادرة من المرآة، هنا يصاب الفنان بـ "الصمت" المرآة تعكس الصورة المتناقضة ظاهريا وبالتالي تعكس العمى الموهمة للتناقض ظاهريا، الرسام يعتقد بانه نجح في تحقيق غايته والتي هي رؤية صورة ذاتية لنفسه مرسمومة على سطح القماش، ولكن في الحقيقة هو نجح فقط في رسم صورة، وهذه هي بداية الاغراء بالهذيان، هذا الهذيان يشبه هذيان اوديب عندما اقتلع عينيه اعتقادا منه بأنه يستطيع ان يرى اكثر وضوحا. موضوع الصورة الذاتية يحدد المكان المقترح ليعكس الصورة الذاتية وهي عادة ترسم او تتبخر في اكثر من جلسة واحدة، موضوع اللوحة اي الصورة الذاتية تحدق وبطريقة حادة كما هي الحال عند المشاهد الذي يحدق وبطريقة حادة في اللوحة اثناء وقوفه امامها.
    الموضوع والذي يمثل رسم صورة ذاتية للفنان عن نفسه يرى ذاته معالجا ومقدما عن طريق لوحة، الموضوع يرى نفسه اثناء رسم الصورة وبعدها.
    اذن عن ماذا يوحي هذا الوجه وبالتالي عن ماذا يوحي هذا الموضوع؟ وهل موضوع اللوحة يكشف عن ذاته ام عن ذوات أخر؟
    في هذه الحالة الموضوع يشارك المشاهد عملية العمى ويجعل المشاهد يرى الصورة الذاتية للفنان بطريقة رمزية.
    الانفعال والدوافع البصرية:
    الرغبة الرئيسية للفنان هي العرض والمشاهدة وتعويض المشاهد البصر لمعرفة مصدر ابتكاره لهذا السبب اللوحة تقدم النظرة المحدقة، هذه النظرة هي نظرة مجازية عن الانفعالات المفرطة والدوافع المتعذرة كبتها مثل الافتضاحية او الاظهارية، السلوك والتصرفات الصناعية والمتكلفة، النرجسية اي افتتان المرء بجسده. الرسام يجعل ذاته يشاهد من قبل الآخرين بعد ان شاهد ذاته من خلال اللوحة التي رسمها قبل ان يعرضها للآخرين، اي جعل الذات عرضة للمشاهدة وجعل الذات ضحية من قبل نفسه أولا وفيما بعد من قبل المشاهد اي الآخر أي جعل الصورة الذاتية عرضة للتحديق من قبل الرسام نفسه وكأن شخصا آخر يحدق في الرسام. هذه العملية تشبه العملية التي يقوم بها شخص مختلس النظر وهي نوع من الرغبة الشديدة وفضول قوي وبطريقة طائشة في اختلاس النظر، هي نوع من اقتحام الحجاب وكشف المستتر ولكن بحذر شديد اثناء النظرة المختلسة لكي لا تشاهد من قبل الغير، وهي نوع من اشباع الرغبة والتأمل الرمزي بأن الاخر أعمى.
    هذه العملية هي اشباع المتعة الغامضة والمبهمة انها نوع من النظرة الغرامية اي الرسام يرمق بنظرات غرامية على مشهد محظور.
    الدموع تحجب التحديق
    يعتقد ان وظيفة العين هي الرؤية ولكن الوظيفة الحقيقية للعين هي البوح وكشف النقاب عن الاشياء الظاهرة، وظيفتها هي اظهار الذكريات وتسلط النور على هذه الذكريات المكبوتة، العين تناضل وبكل قوتها لسحب هذه الذكريات من الظلمة واظهارها إلى النور. لماذا نعتقد ان العين خلقت للبكاء، اثناء البكاء الدموع تحجب الرؤية، لهذا السبب الدموع ربما تبرهن ان العين في اساسها ليست فقط لها علاقة باليقظة ولكن العين لها علاقة بالحدس لمعرفة الصورة وبالتالي العين تموضع الصورة وتشيئها اي العين تجعل الصورة موضوعياً ولها شكل محس. اذا العين هي البئر في كلتا الحالتين في وجودها او فقدانها، لذلك السبب حضور الدموع في العين هو حالة مختلفة تماما.
    الدموع هي الرطوبة المطفوحة من المنبع اي من البئر، هذه الدموع المطفوحة متفجرة من بئر آخر، هذه البئر تختلف تماما عن "بئر البصر" ببساطة هذه الدموع المنبثقة من العين غرقت في الذات. عندما نشاهد من خلال لوحة وجها يبكي وعادة يكون وجه امرأة، هذا الوجه يذكرنا بالسمة المميزة للعين التي تعتمد على مقابلة النور والعتمة اي النهار والليل، منبع هذه الميزة هو الذكريات القديمة، ذكريات ما قبل الوعي، لهذا السبب هذه الذكريات اقدم من العملية التي تقوم بها العين والتي هي البصر والعمى.

    الاتحاد الثقافي
    27 فبراير – 1997
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:27 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    جينالوجيات ما بعد الحداثة
    بقلم : رشيد بوطيب / ألمانيا *

    جاءت فلسفة ما بعد الحداثة كردّ فعل على أحادية البعد وإمبريالية المعنى وواحدية اللغة والرؤية إلى العالم والحقيقة ، في الفلسفة الحديثة. أو بلغة أخرى ، كرد فعل على مشروع الحضور الهيغلي ، هذا المشروع الذي يمكن تلخيصه في الجملة - الأم التي ضمنها هيجل مقدمة كتابه " أصول فلسفة الحق " :

    " ماهو عقلاني ، هو واقعي . وماهو واقعي ، هو عقلاني "(1) .

    إن هيجل هو مشروع الوحدة بامتياز . وروجيه غارودي يعبر عن ذلك بوضوح حين يقول عنه : " إنه يعتبر أن مهمة الفلسفة هي إعادة تحقيق الوحدة والكلية الأصلية للعالم الممزق بسبب من الخطيئة والسقوط"(2) ، وقبل ذلك عبر الفيلسوف الألماني روزتنسفايغ عن نفس الفكرة حين أعلن أن " مهمة الأزمنة القادمة هي إعادة تحقيق الوحدة الضائعة للإنسان اليوناني ." (3) ولكن مشروع ما بعد الحداثة يرى في هذه الوحدة أو في هذا البحث المحموم عن الوحدة أصل التوتاليتارية . وهو بذلك قد فقد كل مشروعيته ، سواء كان مشروعا فكريا أو تشاركيا كما أعلن ذلك ليوتارد في : La condition postmoderne

    * * * * *
    لعل كتاب المفكر الألماني بيتر برغر ، " جذور فكر ما بعد الحداثة " (4) خير تعبير عن هذه الثورة ضد هيجل وضد فلسفة السرديات الكبرى . ورغم أن صاحب الكتاب يرى أن أول متمرد على المشروع المثالي للحداثة كان هو نيتشه إلا أنه يرى في تأويل كوجيف لفينمنولوجيا الروح لهيجل وخصوصا لفصله عن السيد والعبد ، القشة التي قصمت ظهر البعير . فباالنسبة لفلاسفة مثل بطاي وبلانشو ولاكان الذين تأثروا كلهم بتأويل كوجيف ، كان لا يمكنهم تأسيس مشروعهم دون الدخول في صراع نقدي مع هيجل . أو بالأحرى مع فلسفة الذات الهيجلية . ولا عجب أن يصف بلانشو الأدب كوعي بدون ذات . إن هيجل فهم فلسفته كمشروع توفيقي بين المسيحية وفلسفة الأنوار . ولكن كوجيف فهمها كفلسفة دنيوية جاءت لتحل محل المسيحية . كفلسفة للموت . فحياة العقل لا تخاف الموت . بل إن القدرة على التضحية بالحياة هي التي تجعل من ذات معينة ، ذاتا حرة . وهذا ما يجعله يفرق بين السيد والعبد . إنه يرى أن على الإنسان أن يمتلك شيئا آخر أهم من الحياة حتى يتميز عن الحيوان . وهذا الشيء في نظره هو الاستعداد أو القدرة على اجتراح الموت في معركة الاعتراف . ولعل ذلك ما يميز السيد عن العبد . فالعبد لا يرقى إلى مستوى المغامرة بحياته ، إن السيد هو وعي خالص . أما العبد فمازال سجين جسديته ، يرفل في تراب الحياة . لذلك فالسيد وحده من يحقق اعتراف الآخرين به .

    إن كوجيف لا يرى في فصل " السيد والعبد " مجرد تعبير عن بنية الوعي ولكن الفصل - الأم الذي تتمركز حوله كل فينومنولوجيا الروح . إن كوجيف يصل في نهاية تأويله إلى القول بأن السيادة تعيش مأزقا تاريخيا ، في حين أن العبودية هي حاملة لواء التقدم التاريخي . لسبب بسيط وهو أن العبد ينسج علاقة مباشرة مع العالم ، لأنه يعمل . أما السيد فإنه يستهلك فقط ما ينتجه العبد ولا يتصل بالعالم إلا عن طريق العبد . إن كوجيف يرى أنه إذا كان الصراع الأول بين السيد والسيد قد فتح أبواب التاريخ فإن الصراع الثاني بين السيد والعبد سوف ينهي التاريخ . إن العبد سيعي حريته وسيطالب السيد بالإعتراف بها . إن كوجيف يرى في نهاية التاريخ ، نهاية مفهوم الإنسان نفسه . ويرى بيتر برغر أن احتكاك وتفاعل السورياليين بتأويل كوجيف لكتاب هيجل " فينومنولوجيا الروح " هو الذي تولدت عنه كل أفكارهم المتمردة عن الانتحار والعنف ، والتي تمثل في النهاية احتجاجا على مشروع الحداثة العقلاني ، الذي أقصى الحياة واختزل الإنسان في الوعي . فضدا على سردية السيد- العبد الهيجلية ، يبرز الفعل السوريالي كفعل يرفض الصراع والعمل . إنه سلبية خالصة . والحرية المجردة لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق نفي الآخر أو نفي الذات . إن الأنا السوريالية أنا ممزقة والعقل والأخلاق يعيشان اللا إستقرار . أزمة للوعي عميقة وانهيار للبناء الديكارتي . وهكذا سيثور جورج بطاي في " التجربة الداخلية " على هيجل ، فيحتفل بالضحك والإمكان والاستعارة وتعددية اللغة واللا معرفة . إنه يعلن بوضوح : " أنا أسخر من المعرفة ، أنا أريد أن أعيش " وهو يقول أيضا " هذه الكتابة لا يجب أن تعدنا بشيء ، إنها لا تمنحنا يقينا معينا أو نتيجة ، أو ربحا " وهو يحرر الحقيقة من علاقتها وتبعيتها للواقع ويفهمها كظاهرة لغوية ، تماما كما أعلن ذلك لاكان حين اعتبر أن الكلام هو الذي يصنع الحقيقة .

    أما بخصوص بلانشو فإنه بخلاف بطاي الذي خاض حربا نقدية ضد المشروع الهيجلي ، استفاد كثيرا من كتاب فينمنولوجيا الروح لهيجل ويظهر ذلك بجلاء في كتابه النقدي " الأدب والحق في الموت " ، حيث سيعيد إنتاج فكرة هيجل عن الوعي التجريبي ، عن هذا العدم الذي يشتغل على العدم . ليصف الكاتب أيضا بالعدم الذي يشتغل على العدم ، وليفهم الكتابة كصيرورة تجريبية ، حيث الكاتب والكتاب معا في تغير مستمر . هذا التغير الذي يرفض فكرة الكاتب عن كتابه ، أو فهم الكاتب لكتابه . ولكن إذا كان هيجل يهدف إلى المصالحة والتوليف بين الفرد والواقع ، ليصل بالوعي إلى سلامه ، فإن بلانشو يحتفظ بفعل الكتابة في مرحلة النفي ، التي تعني عدمية الكاتب واختفاء المكتوب . وهو بذلك يقترب من تأويل كوجيف لفينمنولوجيا الروح ، حيت الموت يلعب دورا مركزيا ، وخصوصا لتأويل كوجيف للفصل المعنون " الحرية المطلقة والرعب " ، هذا الفصل الذي يمثل نقدا لما أفرزته فلسفة الأنوار من نتائج ، وخاصة للثورة الفرنسية التي انتهى بها المطاف إلى العنف من أجل العنف ، إلى موت بلا معنى ، يقول هيجل . لكن بلانشو يختلف عن قراءة هيجل للثورة ، ويرى في الكاتب ثوريا جديدا ، يمارس الحياة في الموت ، " فالكلام هو حياة هذا الموت " ، كما يقول ، والأدب تجربة بدون ذات .

    ثم ينتقل بيتر برغر لمعالجة فكر ميشيل فوكو ويبدأ بكتابه المهم " تاريخ الجنون في العصر الكلاسي " . إن السوريالية التي جاءت كرد فعل على إمبريالية العقل وسلطته المطلقة والتي احتفت بالخيال والحلم والجنون ، ستجد طريقها أيضا إلى فكر ميشيل فوكو . فلا أحد ينكر علاقة هذا الفكر بنيتشه وبطاي . ففي التصدير الذي كتبه فوكو لكتابه سنة 1972 يحتفل فوكو بكتاب لا سيد له ولا خالق ، ذي لغة حرة ، متشظية ، مزدوجة . إن كتاب فوكو هذا ، لا يمثل تاريخا للأفكار ولا تاريخا للمؤسسات التي عالجت ظاهرة الجنون ، إنه لا يسجن كتابه بهدف معرفي أحادي البعد ، فالمعرفة في حد ذاتها فقدت كل قدسية . إن بيتر برغر يرى أن فوكو يدافع عن الجنون في كتابه ويحتفي به كفعل تحرير . وفوكو يدافع أيضا عن لغة " لا- جدلية " ضدا على اللغة الجدلية التي سيطرت على الفلسفة من أفلاطون وحتى سارتر . إن اللغة بالنسبة له كالأدب بالنسبة لبلانشو ، وعي بدون ذات ، فهي ليست أبدا ، ذلك المسكن الآمن للفكر .

    أما لاكان الذي تابع هو الآخر بباريس دروس كوجيف عن هيجل ، فإنه سيتمرد هو الآخر على هيجل ، معتبرا أن الأنا ليست أبدا تلك الذات الظاهرة . وهو يعود لأسطورة نرجس اليونانية ليشرح تمزق الأنا . فنرجس الذي أحب صورته المنعكسة على الماء ، لم يستطع قط تملك ما يحب ، تملك نفسه ، أناه . إن الأنا تقع في مكان آخر، لا تطوله يد . ولكي نصل إلى فهم الذات ، يجب أن نحرر الأنا من براثن الوعي التجريبي ، فقط كما علمنا فرويد ، في اللاوعي ، هذا المرفوض من طرف نظام الأنا ، تتكلم الذات .

    * * * * *
    وإذا كان بيتر برغر قد حصر جذور ما بعد الحداثة في تأويل كوجيف لهيغل ، فإنه بإمكان المرأ أن يعود بتلك الجذور إلى الأدب وخصوصا إلى دوستويفسكي ، و روايته " الأبله " . كما يمكن أن نجد تأسيسها الحقيقي لدى نيتشه . دوستويفسكي ونيتشه هي إحدى الجينالوجيات الممكنة ، رغم أن ما بعد الحداثة ضد كل جينالوجيا ، لأن هذا يعني دائما أن هناك خالق ما في أول السلالة . وإذا كان لنا أن نتحدث عن شجرة ما بعد الحداثة ، فيمكن أن نقول بأنها شجرة بلا جذور ولكن أغصانها ممتدة ومتشابكة .

    إن نيتشه يقول في مقدمة كتابه " إتسو هومو" ( قف ، إنه الإنسان) : " إنني مثلا ، وبلا شك ، لست بعبعا ، لست غولا أخلاقيا ، حتى أنني من طبيعة مناقضة لهذا الإنسان الذي تم تقديسه حتى الآن كرجل فضيلة . بيننا ، يظهر لي ، أن ذلك جزء من كبريائي . أنا تلميذ للفيلسوف ديونيسوس . وأفضل أكثر أن أكون شبقا على أن أكون قديسا . ولكن فليقرأ المرء فقط هذا الكتاب . ربما أكون قد نجحت ، ربما لا يكون لهذا الكتاب أي معنى آخر ، غير التعبير وبطريقة صافية وإنسانية عن هذه المفارقة . آخر ما يمكن أن أعد به هو " إصلاح " البشرية . لن أشيد أصناما جديدة . فليتعلم الأقدمون إذن ، ماذا يعني أن يكون للمرء أقدام من طين . الإطاحة بكل الأصنام ( الأصنام ، هكذا أسمي " المبادئ المثالية " ) تلك هي مهمتي . ذلك أنه لما اختلق المرء العالم المثالي ، نزع بنفس الدرجة عن الواقع قيمته ومعناه وصدقيته . " العالم الحقيقي " و " العالم الكاذب " بلغة أوضح : العالم المختلق والواقع ... المبادئ المثالية الكاذبة كانت لحد الآن ، اللعنة المسيطرة على الواقع . الإنسانية نفسها ، من فرط ما توغلت فيها هذه الأكاذيب ، أصبحت مزيفة وخاطئة ، حتى في غرائزها الأكثر عمقا " (5).

    لا يعد نيتشه البشرية بسردية كبرى ولا يدعي امتلاك الحقيقة أو حتى الرغبة في امتلاكها ، وكذلك كان دوستويفسكي . ويؤكد النقاد أن الرواية الروسية قد خرجت من معطف جوجول ولكن لا أحد انتبه إلى أن ما بعد الحداثة كنظرة إلى العالم تجد جذروها بأدب دوستويوفسكي ، خصوصا بروايته " الأبله " ، علاقة وطيدة لا ريب بين فلسفة ما بعد الحداثة والأدب . ربما لأن كلاهما يحتفل باللغة وتعدد الأصوات . إن نبوءة دوستويوفسكي تتمثل في فكرة واحدة ، إن حق لنا أن نسميها فكرة وهي أن الحقيقة لم تعد مرتبطة ذاك الإرتباط اللاهوتي والأنطلوجي بالعقل . إن آجلايا يبانتشينا تقول للأبله ميشكين : " ما تقولونه ليس سوى الحقيقة ، وهو لذلك غير عادل " . أن ميشكين بإمكانه أن يتحمل الحقيقة . كأبله عاش أربع سنوات بالغربة ، يظل دائما غريبا ليس فقط عن طبقته الاجتماعية بل عن المجتمع ككل . إن الإنسان الإيجابي والجميل يظل في المجتمع الواقعي غريبا . محاربة الوهم ، أليست تلك بمهمة الرواية ؟ ألم يكن ذاك بمشروع سرفانتس ورابليه ومن بعدهما دوستويوفسكي ؟ الفلسفة التي كانت في بدئها سخرية من كليانية المعرفة السوفسطائية تتحول مع مرور الوقت إلى نظرة إلى العالم كليانية ، تستسلم لنتائجها ، تعيد هي الأخرى إنتاج أوهامها ، من عالم المثل الأفلاطوني وحتى الفينمنولوجيا الترنسندنتالية الهوسرليانية . إن تاريخ الفلسفة ، هو تاريخ أوهام هذه الفلسفة . ضدا على الوهم تأسست الرواية ، ضدا على فروسية العقل ، تأسست الرواية كلغة وليس كوعي ، ككتابة وليس كفكرة ، كتعبير عن العراء الترنسندنتالي (6). إن حواريتها إذا استعملنا لغة باختينن هي نضال ضد بطليموسية اللغة وأحاديتها (7) . العقل يتكلم لغة وحيدة . في ديوانه الشرق والغرب يقول غوته بأن الأدب الفارسي لم يعرف المسرح لأن الاستبداد لا يسمح بالحوار ، وكذلك الشأن مع العقل ، هذا الكائن الذي سيطر على الحداثة ، أو الذي صنع مشروعها ، إنه لا يقبل بغير الخضوع : " العقل ، إنه الجلاد " قال فوكو . تقنية رواية الأبله عند دوستويوفسكي تقوم على تعدد اللغات وتعدد وجهات النظر إلى العالم ، وليس على تقنية السارد العليم . وذاك ما سمح بتنسيب هذه النظرات إلى العالم ، بل ما أدى إلى ذاك التناقض بين المعرفة والممارسة لدى الكاتب نفسه .

    إن جيل دولوز وفليكس جيتاري في كتابهما المشترك " ما الفلسفة ؟ " قد فهما أيضا أبله ديستويوفسكي كمشروع محاربة للوهم . لقد لخصوا تاريخ الحداثة في أبلهين ، الأبله الأول هو ديكارت ، الذي قال الأنا ، الذي قذف بالكوجيتو إلى الوجود . إنه من يمسك بالمقدمات الذاتية التي ترسم مخططه . إنه المفكر الخاص في مقابل المفكر العمومي ، السكولائي . الأبله الثاني ، أبله دوستويوفسكي ، هو أيضا مفكر خاص ولكنه في مقابل الأول الذي كان يبحث عن الحقائق بنفسه ، الذي كان يريد أن يحرر الحقيقة من الكنيسة ، لا يريد قط أن يفكر ، لا يبحث عن حقيقة ، إنه يريد العبث .

    * * * * *
    يؤكد مؤرخو الفلسفة الألمان بحق ، بأن إدموند هوسرل هو أهم فيلسوف عرفته البشرية بعد أفلاطون . ولعل أهميته تبرز أكثر حين مطالعتنا لكتابات ما بعد الحداثة التي يمكن وصف فلسفتها بأنها مشروع نقدي وتفكيكي لنظام الوعي وفلسفة الحضور الهوسرليانية . وكمثال على ذلك ، الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا ، الذي يمكن أن نلخص نقده لفلسفة هوسرل في جملة واحدة ، نقتبسها من كتابه : " الصوت والظاهرة " : " المعنى محفوظ للذي يتكلم " ( . المعنى مثال ، وعقلانية ، ولهذا ليس تناقضا أن يربطه هوسرل بالذات ، بذات حاضرة ومتكلمة . بطريقة ساخرة ، يمكن القول بأن قدر الذات هو المعنى . إنه محكوم عليها أن تقول ، أن تجترح معنى . والمعنى سابق للكلام ، ذاتوي ، ثابت مرة وللأبد بمكان ما قد نسميه الوعي ، وبإمكان المرء أن يستحضره كلما أراد ذلك . وتحويل المعنى إلى كلام أو لغة ، يظل بنظر هوسرل عملا ثانويا ، نوعا من التدنيس ، بالمعنى الديني للكلمة . " الإيبوخي " هو نقيض ذلك ، الإيبوخي أو الاختزال الفينومينولوجي الذي يمثل خروجا من العالم ، الذي يضع المعرفة كما الوجود بين قوسين . المنهجية الأخرى للفينومينولوجيا الترنسندنتالية هي الاختزال الصوري ، وعن طريقها يتم شطب وجود الأشياء ، حقيقة كل ما هو زمني ومحسوس لصالح نظرة إلى الكل الجوهري . يتم إلغاء وجود العالم لكي يتم الإمساك بجوهره .

    تبدو الفينومينولوجيا إذن كعلم قبلي . " فقبل الوجود ، قبل كل قوانين الواقع ، يمثل الجوهر وقوانينه " (9) ، على حد تعبير هوسرل . إن الفينومينولوجية الترنسندنتالية هي نوع من الاكتفاء الذاتي الداخلي ، وعي مطلق ، حذف للعالم الخارجي ، في كلمة : أفلاطونية . إن الوعي في هذه الفلسفة ليس نتاجا للطبيعة ، بل هو حر من كل طبيعة ، في حين لا يمكن للطبيعة أن توجد حال غيابه . إن هوسرل قد عبر عن ذلك بوضوح قائلا : " إذا محونا كل العقول من العالم ، لا يبقى هناك وجود للطبيعة ، ولكن إذا محونا الطبيعة ، فإن شيئا ما يظل على قيد الحياة : العقل ، كعقل فردي " (10)

    وهذه النظرة إلى الطبيعة كشيء ثانوي وتابع للعقل ، توضح أيضا اختلاف الفينومينولوجيا عن علم الدلالة التقليدي ، الذي يقبل فقط بالكلمات التي تحيل على موضوع واقعي . إن المفهوم المركزي لفلسفة اللغة الهوسرليانية هو العبارة . والعبارة تنقسم إلى علامة سواء كانت مادية أم صوتية أم كتابية وإلى معنى . ويميز هوسرل بين نوعين من العلامات : العبارة والعلامة أو الاشارة . فالعلامة الأولى لها معنى ، في حين أن الثانية هي علامة إشارية . ودريدا سيفهم هذا التمييز كنظام ميتافيزيقي لا يقبل التواصل . إنه يقول في كتابه الصوت الظاهر : " فقط حين يتم حذف الوظيفة التواصلية تظهر للوجود الوظيفة التعبيرية الخالصة (...) حتى يتم اختزال الإشارة وإقامة العبارة الخالصة داخل اللغة ، يجب إذن حذف كل علاقة بالآخر . " (11)

    " الأبحاث المنطقية " هي بالنسبة لدريدا النص النواة لكل الفينومينولوجيا . إن دريدا يعالج في كتابه : " الصوت والظاهرة " مشكلة العبارة كما فهمها هوسرل بالبحث المنطقي الأول . وسيكشف دريدا كما سنرى عن البنية الميتافيزيقية لنظرية المعنى الهوسرليانية . إن هوسرل نفسه يميز في كتابه : " التأملات الديكارتية " بين ميتافيزيقا أصيلة أو فلسفة أولى والميتافيزيقا التقليدية ، التي خانت العقل . إن الفينومينولوجيا هي ، اعتبارا لمنهجها الحدسي ، الحسي ولكن أيضا العقلاني ، ضد كل شكل من أشكال الشطط الميتافيزيقي . ولكن رغم هذا الزعم ، فإن دريدا يرى بأن الفينومينولوجيا لم تضع موضع سؤال ، لا العقل الترنسندنتالي ولا اللغة التقليدية لهذا العقل . إنه يقول : " بين اللغة التقليدية (أو لغة الميتافيزيقا التقليدية) ولغة الفينومينولوجيا ، لم يتحقق أي شكل من أشكال القطيعة..." (12)

    إن هوسرل يفهم اللغة ككائن عقلاني . إنه لم يفهم الاختلاف بين اللغة والمنطق . وإذا استعملنا أسلوب فوكو ، نقول ، إنه يمارس لغة جدلية . فهم غائي للغة ، أو بلغة دريدا ، فهم لا يميز بين الجراماتيكية (النحوية) والمنطق . إنها جراماتيكا منطقية ، تتأسس على الوعي وتجد أصلها ومآلها بالوعي . جراماتيكا ميتافيزيقية ، وعي ، لا يعبر إلا عن شيء واحد وهو الحضور ، و بلغة أخرى : الصوت . الصوت الفينومينولوجي الذي لا يجب خلطه بالصوت الفيزيقي ، لأنه صوت ترنسندنتالي وشعوري ، صوت يمتلك روحا لا تنتمي إلى العالم .

    بالفصل الأول : " الدليل والأدلة " من كتاب دريدا الآنف الذكر ، يبدأ الفيلسوف الفرنسي بالحديث عن مفهوم العلامة أو الدليل عند هوسرل . إن هوسرل يعتقد بأن بعض العلامات لا تمتلك معنى . وهي تلك العلامات التي يسميها المرء بالعلامات الإشارية أو باختصار: الإشارة ، في مقابل العبارة . الإشارة تنتمي إلى العالم ، إلى عالم بلا وعي وبلا أنا وبلا ذات متكلمة . في المقابل فإن العبارة معنى ، حدث شعوري ، " إرادة قول ".

    وسوف يوضح هوسرل بأن العبارة ليست إشارة إلى شيء ما . إنها ليست علامة وجود ، وحتى لو كانت دائما مرتبطة بخطاب تواصلي . فهذا التواصل يظل دائما بالنسبة لهوسرل سطحيا . إن العبارة تجد أصلها خارج فعل التواصل وبنية الإشارات ، خارج العالم ، في عالم المثال والمونولوج . إن الفينومينولوجيا الترنسندنتالية لا تسمح بتبادل الكلام ، لأنها تفهم التواصل كفعل سطحي ، إن أصالتها تتحقق دائما في غياب الآخرين ، في غياب الاختلاف ، في الحياة المنعزلة للروح .

    العبارة في نظر هوسرل " تجسيد " . إنها تعبر عن معنى موجود قبلا بالوعي . وقد نفهم العبارة كمظهر أو تجسيد لمعنى داخلي . التجسيد أو المظهر أو الخارج ليس طبيعة ولكنه معنى ، إنه صوت الذات المتكلمة . إن بنية الخطاب لدى هوسرل هي مثالية . دال مثالي ، لا يقبل التغير ومدلول مثالي . مثالية لا تعني أكثر من إمكانية دائمة لإنتاج الذات كحضور . الوجود حسب هوسرل وكما بين ذلك دريدا هو تكرار أو عملية استحضار . وهذا التصور يفسر في رأيي هرمية ونهائية النظام الهوسرلياني . إذ أنه نظام لا يكتفي فقط برفض التواصل ، ولكنه يدفن الوجود في أصل معين ويختزله بمكان محدد . يقول دريدا : " للتطور التاريخي حسب هوسرل دائما شكلا أساسيا ، وهو تكوين المثالية ، بحيث أن تكرارها وإذن التقليد يتم الحفاظ عليه للأبد : التكرار والتقليد ، يعني النقل وتجديد الأصل . وهذا التحديد للوجود كمثالية هو تقدير أو فعل أخلاقي - نظري يؤبد الحكم الأصلي لفلسفة في شكلها الأفلاطوني . " (13) .

    الصوت هو تعبير عن هذا الحضور ، عن هذا الشكل الأفلاطوني . ويتساءل دريدا لماذا يعتبر الصوت الأكثر مثالية من بين العلامات ؟ من أين يأتي هذا التواطئ بين الصوت والمثالية ؟ . إن هذا هو السؤال النواة لهذا الكتاب . وعبر طرح هذا السؤال يحاول دريدا تفكيك العلاقة بين المركزية الصوتية والمركزية العقلية . إن دريدا يحاول توضيح أن العلاقة بين الصوت والوعي هي علاقة داخلية . إن الصوت يظل سجين الأنا . لا مكان للآخر ، لا مكان للعالم . فنفس الدال ومعنى المدلول هما نفس الشيء ، الواحد ، المثيل ، الأنا ، الآن هنا . في الوقت الذي أتكلم فيه ، أسمع ما أقول ، أحقق نفسي كحضور، كنفس وروح ، أحصن حياتي . وقد أشار دريدا في كتابه e la grammatologie إلى أن تاريخ الميتافيزيقا ، ليس فقط من أفلاطون حتى هيغل ، ولكن أيضا من ما قبل السقراطيين وحتى هايدغر ، اعتبر دائما العقل كأصل للحقيقة . وهذه الميتافيزيقا نظرت إلى الكتابة دائما كشيء ثانوي وتقني ، يقع خارج الحقيقة . الصوت بعكس الكتابة هو مكون من مكونات هذا الاقتصاد الميتافيزيقي ، إنه دال لا ينتمي إلى عالم التجربة ، إنه الوعي ذاته . إن الكتابة لا تملك معنى ولا تأثيرا ، إنه بالامكان الاستغناء عنها . إن الميتافيزيقا لا تحتاج إلى جسد ، نرجسية هي ، نوع من الإصغاء للذات . الصوت والوجود يدخلان في علاقة تقارب . إن الصوت وكما قال هيغل ، ينحدر من الروح .

    إن الكتابة في هذه النظرة الميتافيزيقية اللاهوتية ، ليست أكثر من وسيط . إنها لا تتضمن حقيقة ، إرادة قول ، إنها تجسيد . إن دريدا يوضح بأن مفهوم القصدية سجين ميتافيزيقا إرادية .. إن إرادة القول هي تعبير عن الحضور ، و كل ما هو خارج الإرادة أو الذات هو بلا معنى ، مثل اللغة والجسد والطبيعة . فالثنائية جسد/عقل تلعب دورا أساسيا في نظرية المعنى الهوسرليانية . العقل إرادة ومعنى ، ولكن الجسد مجرد من كل معنى ، موت . إن دريدا يفهم الفينومينولوجيا كاختزال إلى المونولوج . إنه يقول : " في الحياة الروحية الوحيدة لا نحتاج إلى كلمات واقعية ولكن فقط إلى كلمات متخيلة " (14) .

    إن العلامة في الفلسفة الكلاسية كما في علم اللغة نوع من الملحق أو المساعد ، لا علاقة لها بالحقيقة ، إذ أنه يمكن الإستغناء عنها حين الحديث عن الحقيقة . إن العلامة أو اللغة هي مجرد انعكاس للحقيقة المثالية ، التي تتأسس خارج العالم . إن العلامة أو اللغة ليس لها معنى ، لأن وجودها في العالم يتحقق كجسد . وهذا الفهم للعلامة يقود هوسرل إلى تحقير التواصل ، إن الآخر يمثل خطرا بالنسبة لهوسرل ، إنه تنسيب للمعنى الأصلي . الآخر كعلامة أو كتابة أو إنسان أو طبيعة يظل دائما في فلسفة هوسرل ثانويا ، إنه نوع من الحشو ...

    ويمكننا أن نلخص مشروع ما بعد الحداثة في ثلاثة كلمات مفاتيح : موت الإنسان والتاريخ والميتافيزيقا . وهذا يعني رفض كل المفاهيم الجوهرانية والترنسندنتالية للطبيعة البشرية . رفض للوحدة والانسجام والكليانية واحتفاء بالتشظي والفردية والاختلاف .

    هوامش:
    * رشيد بوطيب : كاتب من المغرب ، مقيم بألمانيا
    (Hegel „Grundlinien der Philosophie des Rechts“ Reclam S.56 (1
    (Garaudy, Roger „La pensée de Hegel“ Bordas 1966,p.13 (2
    (Flechtheim „Hegels Strafrechtstheorie“, Dunker 1966 S.16 (3
    (4) Bürger, Peter „Ursprung des postmodernen Denkens“ Velbrück Wisseenschaft 2000
    Nietzsche, Friedrich „Ecce homo“ dtv S.258 (5)
    (6) جورج لوكاتش "نظرية الرواية" ترجمة الحسين سحبان، منشورات التل، الرباط 1988
    (7) ميخائيل باختين "الخطاب الروائي" ت: محمد برادة، دار الأمان.
    (Derrida, Jaques „La voix et le phénomène“ PUF 1967 (8
    (Wetz, Franz Josef „Edmund Husserl“ campus S.57 (9
    (10)Lagemann und Gloy „Dem Zeichen auf der Spur“ Fachverlag 1988. S.71
    (11) الوصت و الظاهرة، ص.6
    (12) نفس المرجع، ص.59
    (13) نفس المرجع، ص.23
    (14) نفس المرجع، ص.4
    7
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:33 PM

Abomihyar

تاريخ التسجيل: 19-03-2002
مجموع المشاركات: 2405
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    سلامات يا أسامة
    حمد لله على السلامة وانشاء الله الديار ترحب بيك.

    من CNN حول رحيل جاك دريدا
    -----------------------------------------------------------


    رحيل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا

    1206 (GMT+04:00) - 10/10/04

    جاك ديريدا

    باريس، فرنسا (CNN) -- توفي آخر الفلاسفة المعاصرين، الفرنسي اليهودي، المولود في الجزائر جاك دريدا، السبت في مستشفى باريسي بعد صراع مع سرطان البنكرياس، وبعدما أشبع العالم علماً وفكراً واستفزازاً خلال عقود طويلة.

    فصاحب النظرية الفلسفية المعروفة بنظرية "التفكيكية الإجتماعية" وضع نهجا لها عممه في الأدب وعلم اللغات والفلسفة والقانون والهندسة المعمارية في مرحلة ما بعد الحداثة.

    واستند دريدا في هذا المنهج الى قطيعة كان أعلنها نيتشه تجاه الميتافيزيقا.

    ويقوض نهج التفكيكية مفهوم الحقيقة بمعناه الميتافيزيقي، وكذلك الواقع بمعناه الوضعي التجريبي, لتحوّل سؤال الفكر الى مجالات اللغة والتأويل.

    وألف ديريدا، بحسب وكالة الأسوشيتد برس، عشرات الكتب. إلا أن انطلاقته الفلسفية كانت عام 1967 حين نشر أول كتابين، خط فيهما أسس فكره "الكتابة والإختلاف" و "عن علم النحو" ثم تبعهما "هوامش الفلسفة" وآخر إنتاجه كان "أشباح ماركس".

    نعاه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بقوله "أعطت فرنسا العالم به، واحدا من أبرز الوجوه الثقافية في عصرنا."

    ودرس الفيلسوف الراحل في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة، وكل من جامعة جون هوبكينز ويال.

    وكان يرفض أن يضع نفسه في البرج العاجي حيث يضع بعض الفلاسفة والمثقفون أنفسهم عادة. ولطالما دافع عن حقوق المهاجرين الجزائريين في فرنسا، وقضايا إنسنانية أخرى.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:37 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    وهنا حوار أجراه الناقد السوري المعروف صبحي حديدي مع ادوارد سعيد.
    وفيه اشارات الى جاك دريدا

    صُــحــبـة إدوارد ســــــعـــيــد

    إدوارد ســـعـيـد: الـحــاجــة الـى الـمـــاركــســـيـة

    حـاوره صـبـحـي حـديـدي

    * واخر الخمسينات ومعظم الستينات شهدت ما يُعرف بـ "تحرير" العلوم الاجتماعية، لاسيما مع أنثروبولوجيا ليفي ـ ستروس وعلم نفس الشعوب البدائية عند ليفي ـ برول. هل كان لهذه الاتجاهات وما يشبهها تأثير مبكّر عليك؟

    - بالطبع. لقد كانت دراستي في اميركا، كطالب جامعي في برنستون ثم مرحلة تحضير الدكتوراه في هارفرد، تقليدية للغاية. لقد تلقّيت تعليماً ممتازاً، وأقصد أنني درست الآداب الانكليزية والفرنسية والايطالية، وآداب الاغريق والرومان، وبعض المسرح، والكثير من الفلسفة، والكثير من الموسيقى. لكن الأمر تمّ بطريقة تقليدية للغاية، وغير نظرية على نطاق واسع. لم أتلق أي درس في النظرية لأن هذه الدروس لم تكن تُعطى، ببساطة.

    في هارفرد كنت أحضّر للدكتوراه في الأدب المقارن، وتوجّب أن أقرأ كل شيء. ولم يكن ثمة تركيز على المنهجية، بل على قراءة مادة واسعة. ومهما كانت طبيعة المنهجية التي اكتسبتها، أذكر انني قرأت وأنا طالب في هارفرد كتاب جورج لوكاش "التاريخ والوعي الطبقي" بترجمة كوستاس أكسيلوس الى الفرنسية. وفي العام ذاته، 1958 أو 1959، قرأت ترجمة ستانلي ميتشل الإنكليزية لكتاب لوكاش "الرواية التاريخية"، وحدي في الحالتين. وبالطبع كنت، في تلك الفترة، قد اكتشفت فيكو.

    ولقد بتّ نهماً الى نصوص النظرية، التي يمكن أن تخرجني، واعتماداً على نفسي أيضاً، من الدرب الشكلاني أو اللاتاريخي أو اللانظري الذي كنت أسير فيه. كنت أحضّر للامتحانات وأكتب أطروحتي عن كونراد، ولكني لم أتوقف عن البحث عن النظرية. وفي عام 1959 أو 1960، على سبيل المثال، اكتشفت هايدغر وميرلو ـ بونتي، وحدي من جديد.

    ثم أنهيت الدكتوراه وغادرت هارفرد في عام 1963 وجئت الى جامعة كولومبيا، وبدأت على الفور أتحسس بعض ما يجري هنا في فرنسا. أولى المحطات كانت لوسيان غولدمان، الذي قادني الى ليفي ـ ستروس، وهذا بدوره قادني الى رولان بارت. وخلال عام 1966 التقيت بهم جميعاً هنا في أميركا خلال مؤتمر ضخم ضمّ جاك دريدا ورولان بارت وجاك لاكان وتزفيتان تودوروف وآخرين. وفي أواسط الستينات كنت قد انخرطت تماماً في أعمالهم، لأنني اكتشفتهم في سياق نوع من "تحرير" الذهن أو التحرر من المناهج الأنغلوـ سكسونية الجامدة، غير النظرية، أو الوضعية، أو ما سمّي آنذاك مقاربة "النقد الجديد" والتي كانت تحت سيطرة ت. س. إليوت الشديدة وتحولت في أميركا الى نوع من العقائدية الجامدة اعتبرتها خانقة.

    ذلك التأثّر، في حالتي، استمرّ نحو عقد من الزمن، بين 1963 ومطلع السبعينات حتى كتاب ميشال فوكو "الانضباط والعقاب"، ثم بلغ نهايته. لقد أدركت انني أخذت منهم ما أردت أخذه، لأنني لم أكن ابن مدرسة قط. ولقد اعتدت لقاء دريدا في هذه القاعة بالذات حيث نجلس، وكان يأتي لإلقاء بعض المحاضرات، وكنّا على ودّ تام. ولكن منهجي نهض دائماً على رفض أنظمة الآخرين، وأدركت أن الفرنسيين كانوا يبنون امبراطوريات ويفتشون عن حَوَاريين. لقد عرفتهم جميعاً بصفة شخصية، ولكني أدركت أن دربي مختلف، وانني أسير في اتجاه آخر. وبالطبع، في أواسط الستينيات وعام 1967 تحديداً، بات العالم العربي مهما بالنسبة إليّ، ولم يكن لدى هؤلاء ما يضيفونه لي على ذلك المستوى. وهكذا أسقطتهم من حسابي.

    أضف الى ذلك انني لم أكن في يوم من الأيام متأثراً بالفيلسوف الفرنسي ألتوسير، رغم أنني قرأته، بل قرأت كل ما كتبه. لكنه لم يحركني وأدركت، في أواخر الستينات، أن اكتشافي لكتابات أنطونيو غرامشي كان أكثر أهمية عندي، فضلاً عن استمرار اهتمامي بأعمال لوكاش الأولى مثل "نظرية الرواية" و"الروح والأشكال" ومقالاته المبكرة عن المسرح. وأعتقد أن لوكاش شخصية فذّة كبيرة.



    *وماذا عن ميشال فوكو؟

    - لقد أثار فوكو اهتمامي، وكنت بين أوائل من قرأوا وكتبوا عن غولدمان وليفي ـ ستروس وميرلو ـ بونتي وفوكو فى أميركا. ولكنهم أثاروا اهتمامي حتى نقطة محددة فقط، لأنهم في نهاية الأمر لم يخاطبوا تجربتي. لقد مثّلوا وجهة نظر فرنسية وجدتها مهمة ومخلصة، وثمة ما يتوجب أخذه منها. لكنها لم تكن تأثيراً من النوع الملازم. ولقد فقدت الاهتمام بالفرنسيين، الذين مالوا الى النزعة الاقليمية شيئاً فشيئاً.



    * في مطلع مسارك الفكري كنت واحداً من قلّة في أميركا قدّموا، وشدّدوا على، الفلسفة الأوروبية، ودراسات النُظُم المختلطة، والفينومينولوجيا، والبنيوية، وسواها. ولكنك كنت قاسياً على دريدا بصفة محددة. لماذا، وهل تغيّر موقفك بعض الشيء؟

    - حسناً، في هذه المسألة كان باعثي على الدوام أمر قد يكون مرتبطاً بواقعة ما، ولكنه يعني الكثير بالنسبة لي:

    أولاً: أعتقد أن دريدا رجل لامع تماماً. لقد أحببته، وقامت بيننا صلات شخصية وطيدة. ولكني مع ذلك شعرت بتلك الحالة الطفيفة من انعدام التوازن بين منهج التفكيك ذي الطابع التشكيكي وربما الفوضوي العالي من جهة، وبين اجتهادات التفكيك المنهجية من جهة ثانية. ولقد بدا لي، وعلى نحو محتوم ربما، أنّ ما يلوح كنزعة تشكيك تأملية ونيتشوية هو حالة يسهل تطويعها لملاءمة مختلف المؤسسات: حقيقة أن دريدا أصبح "دريدائياً"، وأن مدرسة كاملة في أميركا تُعرف اليوم باسم "الدريدائيين". وفي المناسبة، أخبرني دريدا نفسه أن شهرته في أميركا تختلف عن شهرته في فرنسا حيث لا يبدون به اهتماماً واسعاً. ولقد بدا لي أن حالة المؤسسة هذه أخذت تفقده حريته في الاستكشاف الدائم.

    ثانياً: لقد شعرت، وأذكر انني ناقشت هذه المسألة مع نعوم شومسكي، أن أعمال دريدا تنطوي على الكثير مما يثير البلبلة واطلاق العنان للأهواء بدل المحاولة الجادّة للانخراط سياسياً في بعض قضايا الساعة الكبرى مثل فييتنام أو فلسطين أو الامبريالية. لقد شعرت على الدوام بوجود نوع من المراوغة، فأقلقني ذلك. وحين كنت التقي به، كنّا نتبادل حوارات

    مفيدة. لقد زارني في بيتي، ودعوته لإلقاء محاضرات في كولومبيا في أواخر السبعينات. وحين جئت الى باريس لبعض المحاضرات في السوربون، دعاني وعرّفني على زوجته. على المستوى الشخصي كانت الأمور على ما يرام. ولكني شعرت انه بدأ يطوّر حسّ الدفاع عن منطقة وعقيدة جامدة. وكنت أقول في نفسي: ما معنى ذلك؟ اضف إلى ذلك أنني ازددت انغماساً في السياسة، وخيّل إليّ أنه يزداد ابتعاداً عن السياسة.

    ثم هنالك الكثير من نفاد الصبر. لقد بدت لي نصوصه أكثر عدداً مما ينبغي، وكانت تدور في نطاق أكثر إفراطاً من أن يكون مفيدا. وأذكر ذات مرّة أن اثنين من طلابي، وكانا من جنوب أفريقيا، كتبا نقداً لقطعة من دريدا حول الأبارتيد. وتناهى إليّ في ما بعد (أما هو فلم يخبرني) أنه اعتقد أنني أحرضهما على الكتابة ضده. وهكذا أخذت هذه البارانويا تقلقني. انه أكبر منّي سنّاً، ولكني لم أنظر الى نفسي كمؤسسة أبداً. أنا لا أعبأ بما يقول الناس عنّي، وهم يذكرونني بقدر من السوء لم يسبق قط أن تعرّض له هو. أعتقد أنه منمّق على نحو مفرط. لقد أحببته، وأنا معجب به، وهو رجل لامع، الى آخره. ولكني، ربما، أجد حالة التعقيد هذه أكثر تعقيداً مما يتوجب أن تكون عليه.



    *أما زلت تعتقد أنه كاتب مقالات أكثر منه فيلسوفاً؟

    - دونما ريب، ولكني أقصد المديح هنا. نيتشه كان كاتب مقالات، والأمر يعتمد على ما يقصده المرء من كلمة "فيلسوف". لنقل أن تعريفي للفيلسوف يتضمن شخصاً مثل هيغل، الذي لا أحبه ولم يسبق لي أن شعرت بالارتياح مع التراث الهيغلي. غرامشي كان كاتب مقالات، وكذلك تيودور أدورنو. وهكذا فانني أفضّل كاتب المقالات، وأنظر الى نفسي ككاتب مقالات. ولكن ما يقلقني في دريدا هو طابع علاقته بعصره، الأمر الذي كان إشكالياً للغاية في نظري.



    * كتابك الأول "جوزيف كونراد و رواية السيرة الذاتية"، الذي صدر عام 1966 وكان في صيغته الأصلية أطروحتك للدكتوراه في هارفرد، كان أول دراسة تتناول العلاقة بين مراسلات كونراد الخاصة ورواياته القصيرة. وأنت في الكتاب تركّز على نقاط ستصبح موضوعات أساسية في نقدك اللاحق للرواية: الهوية، الذات، فينومينولوجيا الوجود، التوترات الديناميكية بين الأمم والكيانات الفردية، النزعة الأوروبية، "الأدبي" في امتداده في المجتمع والتاريخ، الى آخره. هل كان الكتاب خطوة أساسية نحو ذلك النظام المنهجي الذي ستطلق عليه اسم "القراءة الطباقية"؟

    - هذا الكتاب، وكتاب "البدايات: القصد والمنهج"، كانا مهمين بمعنى تجريب الصواب والخطأ. لقد كنت بطريقة ما أحاول العثور على أرض مشتركة بين المشكلات الأعمق في التجربة المعيشة، وهي في حالة كونراد مشكلة الهوية، أو بالأحرى غياب الهوية أو انخلاع الهوية المنكسرة، ومشكلة اللغة، والاستمرار. ولقد ركّزت على الروايات القصيرة لأنني أحسست انها الموقع الذي تبدّى فيه حرص كونراد على تطوير الروايات القصيرة الى روايات طويلة، أو على الذهاب من الشكل القصير الى الشكل الكبير، الأمر الذي كان مشكلة على الدوام.

    وهكذا تناولت جميع هذه الجوانب الإشكالية عند كونراد، وحاولت وضعها في سياق موضوعي نسبياً عند القارىء: حياة كونراد، مساره، نجاحه، فشله، ناشروه، أصدقاؤه، الإبحار، بولونيا... وبدأت أطور منهجاً لتناول المسألتين معاً، على نحو طباقي. وأعتقد انني نجحت، بطريقة متواضعة. ولكني هنا اعتمدت كثيراً على الفلسفة الوجودية، وفينومينولوجيا ميرلو ـ بونتي، وعلى هايدغر كما ذكرت.

    في "البدايات" كنت، كما هو واضح، أحاول تكوين سبيل جديد لنفسي، واعتقدت أن التشديد الرئيسي يقع على فيكو لأنه كان أول من أوضح ان البدايات لا تُكتَشف، بل تُصنَع وتُخلَق وتُصاغ. أقصد القول انني، وأنا في مطلع الثلاثينات من عمري، كنت قد أكملت الأشياء التقليدية، ووضعت كتاباً وبعض المقالات، والمطلوب الآن أن يكون لي اسم بطريقة ما. ولقد استغرق ذلك زمناً طويلاً. بدأ في عام 1966، وانقطع بفعل الحرب، ثم أحسست أن الضرورة تقتضي الاهتمام بمنهج ما في خلق أي مشروع. اختيار المنهج كان شكلاً من أشكال البداية، لكن المركزي فيه بالطبع كان مشكلة القَصّ أو النص السردي. من أين يبدأ المرء؟ إلى أين يذهب المرء؟ القصّ السردي لا بصفته مسألة معطاة، بل كشكل من التحرّش، وكيف يُقحَم على احساس المرء بنفسه، إلى ما هنالك.

    ثم جاء بعد ذلك سؤال برمّته حول نقد مطابق لتلك الفكرة، وتكثّف الأمر منذ اهتمامي بالبنيوية وميشال فوكو، ومدى ملاءمتها. لقد اعتبرت ان الكتابين تجريبيان أسفرا عن نتائج غنيّة للغاية. وحدث أنهما تضافرا تماماً مع حرب 1967 وعودتي الى العالم العربي. لقد ذهبت الى عمّان في عام 1969، وكنت فيها عام 1970 خلال أحداث أيلول الأسود، ثم بدأت انخرط في الحركة الفلسطينية. وفي العام ذاته تزوجت من امرأة لبنانية، هي مريم قرطاس، وخلال سنتي 1972ـ1973 أنهيت "البدايات" في بيروت حيث أمضيت السنة الأكاديمية متفرغاً. وهناك بدأت أدرس اللغة العربية، إذ لم يسبق لي أن قمت بذلك على نحو جدي في المدرسة، وكنت قد انصرفت عن دراسة العربية منذ سن الخامسة عشرة. تلقيت دروساً يومية على يد أنيس فريحة، وقرأت معه العديد من النصوص الحديثة والكلاسيكية: طه حسين، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ. ثم كنّا نعود إلى التراث، لنقرأ الغزالي وابن خلدون، وكانا بين اكتشافاتي الفكرية الكبرى في تلك الفترة، فضلاً عن العديد من النصوص التاريخية والشعرية.

    ذلك، كما أعتقد، قادني الى مسألة الاستشراق. ولقد خطرت لي الفكرة حين عدت إلى هارفرد كأستاذ زائر في عام .1974 تلك كانت فترة حرب 1973، وبدأت أرى كيف يمكن ربط الأحداث المروية بالتمثيلات الشعبية، وكانت الأحداث المروية هي الشيء الرئيسي، وبعدها تأتي مشكلة التمثيل كمسألة تالية. وهكذا بدأت الاهتمام بما سيتحوّل في ما بعد الى كتاب "الاستشراق".



    *قبل مناقشة كتاب "الاستشراق" توجد نقطة ذات صلة به. في معظم الكتابات التي تدور حول الإسلام أو الشرق عموماً، ينصبّ التركيز على ما يمكن وصفه بمراكز العمران، وعلى المراجع والنصوص. أما المجتمع والحياة اليومية والتراث الشفهي والثقافة الشفهية فهي شبه غائبة. كيف تفسّر هذه الظاهرة؟

    - في مطلع الثمانينات فقط اكتشفتُ مدرسة من المؤرّخين الهنود تدعى "دراسات التابع"، يرتكز عملها بأسره على المصادر غير المكتوبة. انها مدرسة في الدراسة التاريخية تقول بأن تاريخ الهند حتى ذلك العهد هو التاريخ الذي كتبته النخبة القومية تحت تأثير البريطانيين. أما ما أثار اهتمامهم فهو تاريخ الهند كما يُرى من خلال صراع فقراء المدن وجماهير الأرياف التي لا تمتلك أية نصوص.

    وحتى أوان ذلك الاكتشاف لم أكن قد أدركت وجود تواريخ أخرى، شعبية وغير مكتوبة، يمكن ابتكار منهج كامل خاص بها، مثلما يفعل المؤرخون الهنود. ولكنني لم أكتشف الجهد ذاته في العالم العربي. لست معنياً بالفولكلور والطقوس الشعبية، إذ أنني ابن مدينة أساساً. ولكنني معني بوجود أدب آخر عابر لما هو مدوّن، وهو ما لم تركّز عليه كمجموعة أي مدرسة من مدارس المؤرخين العرب. ولا بدّ من القيام بالعمل في إطار مجموعة.

    لقد ظلت الهند مستعمرة بريطانية طوال 400 سنة، وكان التعليم هناك خاضعاً للهيمنة البريطانية. ومع ذلك فان عدداً لا بأس به من المثقفين الهنود تمكنوا، اثر الاستقلال في عام 1937، من استثمار ما تعلّموه على أيدي البريطانيين، وتفرعوا عنه لدراسة ماركس وغرامشي وبارت وسواهم، واستخدموا هذا المزيج الجديد من المقاربات لتكوين مقاربة أصيلة تماماً، وقاموا بتطبيقها على تاريخهم الخاص.

    ويساورني الانطباع بأننا في العالم العربي نقوم بالنسخ المباشر. ما إن يقرأ الواحد منّا كتاباً من تأليف فوكو أو غرامشي حتى يرغب في التحوّل الى "غرامشوي" أو "فوكوّي". لا توجد محاولة لتحويل تلك الأفكار الى شيء ذي صلة بالعالم العربي. نحن لا نزال تحت تأثير الغرب، من موقع اعتبرته على الدوام دونيّاً وتَتَلمُذياً. تأمّل العدد الكبير من الأفراد في شمال أفريقيا، في المستعمرات الفرنسية السابقة، ممن يكتبون وكأنهم تلامذة فوكو أو دريدا أو تودوروف. انها نوع من فانتازيا التكرار التي أجدها مضحكة في معظم الحالات. والقسط الأعظم منها راجع في نظري، وهذا مجرد انطباع، الى فهم ناقص لحقيقة الغرب.

    انهم يركزون على جانب واحد فقط. على سبيل المثال، يبدأ أحدهم بدراسة فرنسا من دون أن يفقه شيئاً عن العالم الأنغلو ـ سكسوني. أنت لا تستطيع دراسة الغرب هكذا، واعتقد أنك لا تستطيع القيام بذلك من دون معرفة الكثير عن الولايات المتحدة أساساً، لأنها صاحبة التأثير الأعظم ليس على العالم الغربي فحسب، بل على العالم الحاضر بأسره. لا توجد كليّة واحدة في أي جامعة عربية تتخصص في الدراسات الأميركية. أمر مدهش! توجد جامعتان أميركيتان كبيرتان، وربما أساسيتان، في العالم العربي: واحدة في لبنان والأخرى في القاهرة. ولكن لم يسبق لهاتين الجامعتين أن درّستا أميركا. هذه ليست اشارة ضدهم بل ضدنا نحن، لأننا لم نطلب أن تضمّ جامعاتنا كلّيات تتخصص بالدراسات الأميركية وتدرّس أميركا على نحو جدّي وعلمي، بالإضافة إلى تدريس ما تبقّى من عالم الغرب. لدينا واحد من اثنين: إمّا شعارات عريضة حول الغرب (استعمار، امبريالية...)، واما مدارس صغيرة من المقلّدين (الهيغليين، الماركسيين، الدريدائيين...) الذين لا يتقنون اللغة نفسها. على سبيل المثال، غرامشي مترجَم الى العربية عن الإنكليزية وليس الإيطالية، ولوكاش مترجم عن الفرنسية وليس الألمانية، وماركس عن الإنكليزية. هذه مسألة إشكالية للغاية.

    ولهذا اعتقد أننا لم ننل قسطنا بعد من سيرورة التنوير والتحرر، بالمعنى الفكري. وأعتقد أن اللوم يقع على المثقفين، إذ ليس وفي وسعنا أن ننحي باللائمة على الإمبريالية أو الصهيونية فقط.



    * أنت تمتدح كثيراً عمل ماركسيين من أمثال لوكاش وغرامشي وأدورنو ورايموند وليامز. وذات مرّة قلت: "لقد تأثرت بالماركسيين أكثر مما تأثرت بالماركسية أو أي نزعة مكرّسة". كيف ترى الماركسية اليوم؟

    - الفقرة التي تقتبسها صدرت عنّي في طور كان يضفي بعض المعنى على اليسار الماركسي الذي أقمت معه صلات طويلة، كشخص متأثر لا كعضو منتسب لأي حزب. منذئذ، في أميركا أساساً، وفى أمكنة أخرى من العالم العربي، اختفى اليسار الماركسي. وانني اليوم أجد نفسي في وضع غريب أحاول فيه إعادة طرح مسألة الماركسية، كشيء يمكن إحياؤه على نحو انتقائي بهدف ادخاله في الخطاب المعاصر، سواء في العالم العربي أو في العالم الثالث عموماً، فضلاً عن الولايات المتحدة في طبيعة الحال.

    هنا أشعر أن الماركسيين، من النوع الذي اقترنت به، قد تخلّوا عن الماركسية هم أنفسهم، فباتوا ما بعد ـ ماركسيين ومحافظين جدداً واستهلاكيين أو تحريفيين، الى آخره. وهكذا فإن المسألة عندي هي نفخ الحياة في خطاب معارض مهم، يقع على عاتقه اليوم واجب العثور على بدائل للإيديولوجيا الماركسية، وللوضعية الجديدة كما يمثلها أشخاص من أمثال ريشارد رورتي، وللنظرة القَدَرية التأملية للعالم، والتي تكتسح العديد من المثقفين هذه الأيام.

    ثمة حاجة ماسة لإحياء الماركسية كمسألة سياسية وأكاديمية ذات صلاحية في الأزمة الراهنة التي تعصف بالتربية والبيئة والقومية والدين وسواها من المسائل. هذا تحدّ رئيسي كما اعتقد، وهو عندي سؤال مفتوح حول ما إذا كان من الممكن القيام به أم لا. وأجد نفسي معنياً بالسؤال على نحو جدّي، ومشدوداً للغاية الى النموذج الذي أرساه أشخاص مثل غرامشي ووليامز. السؤال أيضاً: ألا يزال هؤلاء صالحين اليوم؟ وجوابي الحدسي هو : أكثر من ذي قبل.



    * كنتَ رائداً في عملية مدهشة من قراءة، وإعادة قراءة، وإعادة مَوْقعَة فرانز فانون، خصوصاً في نظريات الأدب والنقد ما بعد الكولونيالي. كيف ترى صلاحية فانون في عصرنا؟

    - حسناً، أشعر ان القراءة الكبرى لعمل فانون لم تتم بعد. توجد أنماط مختلفة من تأويل فانون يجيب كل منها عن اهتمامات مختلفة، ضيّقة الأفق بعض الشيء: القراءة النسوية، العالمثالثية، الماركسية، التفكيكية. لقد بدأت مقالة حول هذا الموضوع تحت عنوان "إعادة النظر في النظرية المترحّلة"، أنظر فيها الى عمل فانون، "المعذبون في الأرض"، من منظور لوكاشي.

    ولكني أعتقد أن قراءة فانون كمفكّر متجانس لم تجر بعد. هومي بابا قام بدراسة لافتة لكتاب "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، وهو كتاب جيد للغاية، ولكنه أيضاً سوسيولوجي وسِيَري. انني اتحدث عن فانون المفكر، الرجل ذي المواهب المتعددة والرؤى الرفيعة التي تبدأ من ميدان التحليل النفسي لكي تعبر الى الوجودي والماركسي والكولونيالي، وهذا ما يتوجب القيام به. أما صلاحيته لعصرنا فهي مدهشة، وأرى أهمية خاصة في طرح السؤال الآتي ومناقشته: أيمكن هذه القراءة أن تتيح لنا اشتقاق نظرية حول التحرّر، أم لا؟.



    * فقرات من حوار مطول جرى في باريس، تموز .1994








                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:40 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

جاك دريدا:الدين في عالمنا (Re: osama elkhawad)

    دريدا وآخرون يتأملون:
    الدين في عالمنا

    ليس من السهل قراءة كتاب مثل هذا.
    لابد من اعادة المحاولة مرات، ليس فقط لأهمية الموضوع أو الأسماء التي ناقشته إنما كذلك للعمق الذي حوته الآراء المقدمة لتلك الحلقة الدراسية التي حملت عنوان¢الدين في عالمنا¢.

    أشرف علي عمل هذه الحلقة جاك دريدا وجياني فاتيمو، والأخير تحدث عن ظروف ميلاد هذا العمل في بداية الكتاب الذي صدر عن دار توبقال بترجمة ل:محمد الهلالي وحسن العمراني.

    يفتتح جاك دريدا المناقشات مثيرا اسئلته تحت عنوان¢ إيمان ومعرفة منبعا الدين في حدود العقل وحده¢ وجزء من العنوان يفصح بالطبع عن رؤية دريدا فهو يقول أنه والمشاركون ليسوا رجال دين تابعين لمؤسسة كهنوتية وفي نفس الوقت فهم ليسوا اعداء للدين مثل بعض فلاسفة عصر التنوير. يقصد دريدا بهذا تحرير الدين من كل سلطة خارجية دون تحريره من كل إيمان، أو بتعبير آخر الالتزام بالموقف الحذر والمعلق للأحكام.
    يستخدم دريدا هذا الحياد لمناقشة مسألة الدين في عصرنا هذا، دون أن يمنعه هذا الحياد من قول ما يؤمن به ويعتقده، خاصة فيما يفرق بين الأديان السماوية الثلاثة.

    ودراسات الكتاب جميعها تحاول تأمل ذلك التعقيد الذي أصاب مسألة الدين في عالم يبدو وكأنه يبتعد كل يوم عن الدين، تلك المفارقة في حاجة إلي جهد فلسفي لفهمها وهو ما حاول المشاركون في الكتاب تقديمه، والذي لم يكن بينهم من يمثل المسلمين، كما أسف دريدا


    --------------------------------------------------------------------------------


                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 04:47 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    تأليف: برنارد هاريسون

    ‏ الميثولوجيا البيضاء

    دريدا ونقاده في العقل والبلاغة

    ترجمة: رشاد عبد القادر

    تمهيد:‏

    في البداية نُشِرَتْ مقالة "الميثولوجيا البيضاء" عام 1971 في مجلة "البويتيك"، وصدرت ثانية- بوصفها المقالة الأطول من بين إحدى عشرة مقالة- في "هوامش الفلسفة" 1972؛ وهي مقالات "تشق طريقها" بمناحٍ واتجاهاتٍ متعددة "عَبْر تناول صارم مترابط للبقع العمياء، مناطق القلق، والتناقضات المتنوعة التي تميِّز خطاب العقل الفلسفي". إنّ ما تتناوله الميثولوجيا البيضاء معالجةً هو، بشكل عام، موقع الاستعارة في الخطاب الفلسفي. وقد اقْتُبِس العنوان عن الحوار اللاذع والذكي بين "آرِيْستْ Ariste وبوْلِفِيل Polyphile، أو لغة الميتافيزيقيا" في كتاب حديقة أبيقور لـ أناتول فرانس. حيث يكتشف آرِيْست الميتافيزيقي بوْلِفِيل وهو يتصفح "أحد الكتب الصغيرة التي تضع حكمة العصور بين يدي القارئ، مُسْتَعْرِضاً جميع المذاهب، الواحد تلْو الآخر، من اللإيليين السالفين إلى الانتقائيين المتأخرين، مُنْتَهياً إلى لاشليير M.Lachelier". بَيْد أن بولفيل غير مبالٍ بنيل الحكمة. فهو، مستبقاً بذلك على نحو لافت اهتمامات دريدا، لا يُعْنى إلا بـ"الشكل اللفظي" للمنطوقات المميزة للميتافيزيقيا التي عرضها في ملخص صغير وعلى نحو عشوائي عبر حواره، فأوصلته إلى المثال الرائع: "تتملَّك الروح الله باتِّساق إذ تشترك في المطلق." ‏

    يسأل آريست بولفيل، بعد أن يلاحظ بحذر: أن "كل شيء يشير‏ [إلى...]، وأنه يمكن تأسيس استنتاج من هذا القبيل على نحو راسخ في المحاجة، يسأله إلام أفضت به أفكاره عن "الشكل اللفظي" للقضايا الميتافيزيقية. يرد هذا الأخير على سؤاله عبر وصف لغة الميتافيزيقيا باستعارة مسهبة مطولة. فالميتافيزيقي يشبه شاحذ السكين الذي يختار سن العملة المعدنية والأوسمة بدلاً من المقصات والسكاكين. بعد أن يمحو حاشية القطعة المعدنية النقدية؛ التاريخ والصورة، بحيث لا يبقى أثر لـ فكتوريا أو وليم أو الجمهورية، يقدم قطعه المعدنية النقدية المشوَّهة، بما أنها لم تعد تملك أية قيمة أو أصل قومي يميزها، على أنها سك عملة قد تحرر من قيود الزمان والمكان، عملة ذات قيمة لا تثمَّن وتداول لا حدود له. إذن، بحسب بولفيل، ومع سيرورات التجريد التي تولد المفردات الميتافيزيقية: "كل مصطلح أولي للغةٍ يمثّل في الأصل شيئاً حسياً معيناً". حتى في أعلى مستويات التجريد يبقى خطاب الميتافيزيقي مسكوناً بالدلالات المجسدة المادية الممحوَّة والأصلية لمصطلحاته، إذ تستقي الادعاءات الميتافيزيقية من هذه الفحاوي المتآكلة المتنصلة وحدها أياً يكن المعنى الذي لم تزل تمتلكه. التجريد نفسه احتيال لأنه استعارة مقنَّعة؛ فالفلسفة الأخلاقية، مثلاً، تبدأ في تضاد الصور، في تضاد السبل القويمة والملتوية. وبدلاً من أن تحررنا من الاستعارة باسم العقل، تمارس الميتافيزيقيا باسم التجريد والعبارات العامة أسلوباً في التفكير لم ينجح إلا في أن يحجب عن نفسه استعاريته العميقة بإبعاده الاستعارة إلى هوامش نشاطها "الرسمي". وبدلاً من مناصرة العقل والحقيقة في حرب أفلاطون بين الشعراء والفلاسفة وبِقَدَر غريب، "يُجبَر الميتافيزيقيون الذين يفكرون في الهرب من عالم الظواهر على العيش أبد الدهر في المجاز. شعراء يرثى لهم إذ يجعلون ألوان الحكايات الرمزية القديمة باهتة، وهم أنفسهم ليسوا إلا جامعي الحكايات الرمزية، صُنّاع الميثولوجيا البيضاء". وكما يعبر دريدا، إن مجرد خطأ مطبعي، وما يلمح إليه يظهر في نسخته فعلاً، كفيل بتحويل آريست Ariste، المدافع عن الميتافيزيقيا، إلى آرتيست [ 'Artiste'فنان].‏

    يقدم آريست وبولفيل الثيمات الرئيسة لمقالة دريدا الذي يفترض أن يكون القارئ متآلفاً معها. وتعد مقالته أيضاً مصدر نوعين من اللعب بالكلمات التي يستخدمها دريدا على نحو مميز، هنا كما في أمكنة أخرى، ليبني تضمينات محاجَّته ويعرضها، وكلتا اللعبتين غامضتان بما فيه الكفاية، ما يتطلب شرحاً للقارئ الذي يتناول المقالة للمرة الأولى، على الرغم من أن الأمر قد يقع تحت طائلة الحذلقة. الهم الأول: العنوان. إذ ثمة نسق من ظلال المعاني لمفردة Blanche في الفرنسية يمتد عبر المفردات التي لها الأصل ذاته كـ blanchir (يبيّض [قماشاً]، يبيض [بمادة مبيضة]، يحل، يعتق، blanchisserie المصبغة، وblanchiment (تبييض الجدران، تبييض أوراق النبات [منعها من الاخضرار]، وغيرها). يوحي السياق أن هذا النسق وحده هو ما كان قد وضعه مؤلف آريست وبولفيل نصب عينيه، رغم أن بعض ظلال المعاني التي يحتوي عليها - كتهميش وحجب مظاهر نشاط المرء، ودس الأشياء تحت البساط- ستكون أيضاً في المركز من محاجة دريدا. غير أن Blanche تنطوي أيضاً على ظلال معان عرقية (العرق الأبيض، وغيره)، ويتخذ دريدا خطوات يفعِّل فيها هذا النسق أيضاً في ذهن القارئ. إن الميثولوجيا التي يجمعها "شعر" الميتافيزيقيا "الكئيب" هي، في نظر دريدا، الميثولوجيا المميِّزة للغرب وللعرق الأبيض. وكما أسلفنا، ليس ثمة بيِّنة في السياق أن أناتول فرانس، صاحب العبارة الأصلي، قصد أن يتم تناولها هكذا. لكن يمكن للمرء أن يجيب بروح نقد جامعة ييل في الثمانينيات: إن دريدا، في دفعه لظلال معانيها [الميثولوجيا البيضاء] في ذلك الاتجاه المبرر لغوياً بأكمله، إنما يقيم الدليل على قوة رأي من آرائه الأكثر مركزية وهو أن اللغة تفوق القصد، فالمتكلم لا يمكنه، بوضع توقيعه على نص ما، أن يؤسس أي حق في أن يستبعد نسقاً ثانوياً من القراءات المحتملة بوصفه غير مقبول ومتنافراً مع مقاصده؛ وفي نهاية الأمر، لا تستند الكيفية التي نفهم بها ما نقرؤه إلى مقاصد الكاتب الخاصة، بل إلى القدرات المتأصلة في اللغة التي اختار الكاتب أن يكتب بها.‏

    مصدر دريدا الآخر للعب بالكلمات في المقالة هو مفردة exergue "حاشية القطعة المعدنية". يقدمها قاموس أكسفورد بوصفها ذات أصل فرنسي، وهي مصوغة بوضوح من اليونانية X خارج و?pyov العمل: "قد يقصد بها، كونها شبه يونانية حولت إلى الفرنسية hors-d'oeuvre (المشهّي)، شيء ما يقع "خارج العمل". ومن حيث معناها النُّمِّي التقني، حاشية العملة النقدية هي "الحيِّز الصغير الذي يكون عادة على قفا العملة المعدنية أو الميدالية، في أسفل الصورة أو الرسم الرئيسي، المخصص للنقش الثانوي كالتاريخ والحرف الاستهلالي من اسم النقاش، وغيرها. والنقش المدرج هناك أيضاً." إن ما ينطوي عليه هذا التعريف، سنرى أنه عنصر أساسي في لعب دريدا على المصطلح، هو أن محتويات الحاشية تحدث صدعاً في الاكتفاء الذاتي للقطعة، إذ تربطها بالزمن، تربطها بصانع وبأصل وبمكان في التاريخ. بمعنى ما، لا تمثل محتويات الحاشية جزءاً إضافياً للنقش بقدر ما تمثل ما وراء النقش، تمثل تعليق العملة النقدية على فشلها في أن تفسِّر نفسها بنفسها بقدر ما يتعلق الأمر بوجودها ومنابعها، وتمثل تعليقاً على فشلها في أن تظل شيئاً "متحرراً من الزمان والمكان"، شيئاً ذا قيمة لا تُثمّن وتَداوُل لا حدود له.‏

    محاجَّات دريدا‏

    يطلق آريست غير المقتنع طلقة الوداع، بانسحابه المفاجئ، قائلاً: "لو أنك ساجلت وفق الأصول، لتمكنت من تفنيد محاجاتك بسهولة تامة". وقد وُجِّهت التهمة نفسها إلى دريدا. الحق، بات متعارفاً عليه أن لا يتهم أفراد الدوائر الفلسفية التي تتحدث اللغة الإنكليزية دريدا بأنه لا يساجل "وفق الأصول" فحسب، بل حتى لا يملك محاجّات البتة ليقدمها، ويعلل التأثير الهائل لأعماله، حسب الذائقة، إما بوصفه ضلال دُرْجة أدبية، أكثر مما هي عقلية، أو بوصف [هذا التأثير] نتاج جيل جديد من الفلاسفة والنقاد الذين لم يعودوا يأخذون المحاجة على محمل الجد أكثر مما يفترضون أن دريدا يأخذها.‏

    يندرج معظم الفلاسفة التحليليين في المعسكر الأول. أما ريتشارد رورتي، الذي يندرج، إن لم يكن يكوّن، في المعسكر الثاني، فيعتبر أن دريدا يعمل بدرجة أقل من خلال المحاجة مقارنة بسيرورات "إعادة بناء النص سياقيا"ًrecontextualization، تشبه تلك التي يتبين بها جابي ضرائب "مبدع" إمكانية جدولة وجيهة لمادة ما في جدول مفضلاً إياه على جدول آخر.‏

    يبدو لي أن كلتا الاستجابتين لا تملكان الكثير لينصح بهما. إذ لا أجد في دريدا مقلداً فرنسياً لـ رورتي ولا أجده مشعوذاً. إن أحد الأسباب التي تكمن وراء الصعوبة التي يجدها الفلاسفة المثقفون تحليلياً في فهم تفكيكية دريدا بوصفها محاجة، أو ما يفهمونه على أنه محاجة، هو أنهم يجدون مشقة في تحديد الآراء الفلسفية التي يهاجمها على وجه التحديد. تقدم الميثولوجيا البيضاء حالة وثيقة الصلة بهذه النقطة. يبدو أن دريدا يهاجم إمكانية وجود خطاب غير استعاري بذاته. إلا أن معظم الفلاسفة التحليليين سيؤكدون أنه من العبث افتراض أن هجوماً كهذا قد ينجح. إن لم يكن بمقدورنا التمييز في الممارسة بين ما هو حرفي [ظاهر اللفظ] وما هو استعاري في استخدامات المصطلحات، فلن نضمر مثل هذا التمييز في استعمالنا لها؛ لكن إن استطعنا التمييز بين الاستعاري والحرفي يمكننا آنذاك أن نقوم بإبعاد الاستعارة عن أنواع الخطاب التي ليس للاستعارة فيها وظيفة، أو لها وظيفة تشويشية وتحريفية ليس إلا. والدافع وراء استبعاد الاستعارة من الخطاب العلمي قديم قدم مقالة جون لوك واستمر هذا الاستبعاد بنجاح إلى حد كبير طوال العقود الثلاثة التالية من خلال المناهج التي يوصي بها لوك في التحديد الدقيق للمصطلحات وإواليات اشتغالها. من الواضح أن الدور المتزايد لعلم الرياضيات في العلوم الطبيعية ساعد هذه السيرورة في بداياتها؛ ولا شك أن تساؤل دريدا عن احتمال وجود الاستعارة في علم الرياضيات وثيق الصلة هنا. إن كان الخطاب غير الاستعاري ممكناً في علم الرياضيات، وبالتالي في الفيزيقا، فلِمَ لا يكون ممكناً في الفلسفة، لا سيما في فلسفة ذات أهداف ومناهج مرتبطة عن كثب مع أهداف العلم؟‏

    إذا لم يغرر بنا تضييق الخناق على دريدا بهذه الطريقة، من الضروري التذكر أن ثمة أكثر من طريقة لتأسيس التمايز بين ما هو حرفي وما هو استعاري. تبرز مشكلة الاستعارة في الموروث التحليلي بوصفها نتيجة تحدٍّ مُدْرَك طرحته المنطوقات الاستعارية على مبدأ فريج Frege ومفاده أن معنى تقرير ما، وليكن S ، هو صدق شروطه [الشروط الضرورية والكافية لحقيقته]. ويقتضي مبدأ فريج - في أبسط أشكاله- مبدئياً على الأقل، كشرط لكمال المعنى إمكانية رؤية كيفية البت فيما إذا كان S [شيئاً] حقيقياً أم مزيفاً. ما يراود ذهن معظم الفلاسفة التحليليين حين يقولون إن تقريراً ما، كـ"الثلج أبيض"، حقيقي حرفياً أو أنه مستخدم حرفياً، هو أن هذا الشرط قد تحقق. والتقرير أو السياق أو استخدام الكلمات الاستعاري، كـ"الوقت، مهووس يُذرّي التراب"، هي إحدى الحالات التي يظهر فيها الرابط الفريجي مفصوم العرى بين المعنى والحقيقة. فهل حقيقةً الوقت مهووس يذري التراب؟ يعجز السؤال عن أن يكون ذا فحوى. لكن لا يبدو أن أبيات تنيسون تعجز عن أن يكون لها فحواها. فهل ثمة، إذن، نوع من المعنى؛ معنى استعاري، لا يمكن فهمه في علاقته مع افتراضات صدق الشروط الآنفة الذكر؟ إن أكثر المجادلات انتشاراً في الوقت الحاضر، تلك الدائرة بين بلاك ودافيدسون، بخصوص الاستعارة تتعلق تماماً بهذا السؤال الأخير.‏

    العقبة الحقيقية التي يواجهها الفيلسوف التحليلي في فهم آراء دريدا في الاستعارة لا تكمن فقط في أن دريدا لم يكن مهتماً بتاتاً بتلك المشكلة، بل تكمن أيضاً في عدم اهتمامه بالكيفية التي يتم بها تأسيس التمايز بين ما هو استعاري وما هو حرفي؛ الأمر الذي تقوم على أساسه تلك المشكلة. إن فكرة المعنى بعامة، في حالة دريدا، تفسر دائماً بطريقة لا فريجية، أو ما قبل فريجية؛ أي ليس من حيث صدق الشروط، بل من حيث العلاقة بين الدال والمدلول التي يأخذها دريدا - وإن كان لا ينفك يفككها- عن سوسير؛ ويصدق الأمر نفسه على مفهوم الاستعارة، أو بالأحرى على التضاد المؤسِّس بين ما هو استعاري وما هو حرفي. فالخطاب الحرفي، في نظر دريدا، هو في الواقع خطاب نستطيع فيه تعيين مدلول كل عبارة، ولتكن E، دون إحالة إلى العلاقة بين E والعبارات الأخرى في اللغة. وعلى النقيض من ذلك، الخطاب الاستعاري هو خطاب يقتضي تعيين مدلول لكل عبارة فيه الإحالة إلى العلاقات بين E والعبارات الأخرى.‏

    إن هذه الطريقة في رسم التمايز بين الاستعاري والحرفي متأصلة، بالسبل التي يتعقبها دريدا في القسم الثالث من الميثولوجيا البيضاء، في تعريف أرسطو للاستعارة: "الاستعارة هي تحويل إلى شيء ذي اسم يدل على شيء آخر". ما يريده دريدا منا أن نلاحظه في هذا التعريف: هو افتراضه الضمني أن دلالة الاسم تبقى ثابتة تناسباً مع سيرورة "التحويل" أو "النقل" الاستعارية. وفي غمرة نقاش المعرفة، يرى أرسطو، في كتابه "فن البلاغة"، وفقاً لترجمة فريز J.H. Freese أن "الكلمات تعني شيئاً ما". وفي تتبعه ترجمة غارنيير الفرنسية، يعطي دريدا هذا التعريف تحويراً يجر به أرسطو إلى نطاق الفلسفة العقلانية لما بعد النهضة: "إن الخاص في الأسماء أن تدل على شيء ما،" ومن هنا يورط دريدا أرسطو في نظرية من نظرية المعنى، مع أن فتغنشتين يستمدها من أوغسطين، فهو يعيّنها أيضاً بوصفها جذراً عميقاً: "لكل كلمة معنى. والمعنى مترابط مع الكلمة. إنه الموضوع الذي تمثله." إذا كان معنى الاسم هو ما يدل عليه، فإن ما يتم "نقله" في الاستعارة هو تلك الدلالة. والآلية اللفظية التي تؤثر على النقل تصبح، على نحو مترابط، مجرد وسيلة نقل تدخل في أي حال من الأحوال في جوهر، بوصفه معنى، ما يتم نقله. هكذا يصل المرء إلى ما وصفه دريدا سابقاً بكونه "الأطروحة الفريدة للفلسفة" في أن الفحوى الذي تنقله الاستعارة (يتكلم دريدا هنا عن تضادات مؤسسة معينة للميتافيزيقيا يعتبرها استعارية بالضرورة في صفتها)" هو جوهر مستقل بصرامة عما ينقله."؟‏

    إن تحديد الاستعارة بهذه الطريقة، أي بوصفها تضاداً بين استخدام مفردة للإبانة عن الكيان الذي تدل عليه على نحو صحيح أو دقيق (المصطلح الأرسطي الذي يبدو لدريدا أنه يساند هذا المعنى هو [proper] kurion وبين استخدامها "على نحو خاطئ" بخصوص كيان آخر لإظهار شيء من التشابه بين ذاك الكيان أو تماثله مع الكيان الأول، إن هذا التحديد للاستعارة، يقترح دريدا، يقلل تلقائياً من مرتبة اللغة اليومية كما وصفها سوسير - حيث تستند إمكانية تعيين موقع دلالة أي مصطلح إلى العلاقات بينه والمصطلحات الأخرى للغة- نقول، إنه يقلل من مرتبتها إلى دور ثانوي بوضعها مقابل فكرة لغة أكثر ملاءمة وأكثر فلسفية يُستخدم فيها كل مصطلح ليَسْتجمع دلالته "الخاصة"، وتصبح الاستعارة مجرد اسم آخر لاستخدام خاطئ للمصطلحات. حيث (يبدأ "أرسطو" دريدا في أن يتبدَّى مرتاباً مثل هوسرل) "المثل الأعلى لكل لغة... (هو)... أن يحمل إلى المعرفة الشيء عينه." ولإنهاء هذه المرحلة من إعادة بناء محاجة دريدا، نقول بإيجاز: في محاجته ضد إمكانية وجود "خطاب يقدّم نفسه بكونه غير استعاري"، لا يساجل دريدا، على نحو مناف للعقل، أن ليس ثمة قضية علمية أو فلسفية تملك صدق شروط أنقى من "الوقتُ مهووسٌ يذرّي التراب"؛ بل يساجل ضد إمكانية وجود لغة "فلسفية" تستطيع، بالمعنى السابق، أن "تحمل إلى المعرفة الشيء عينه."‏

    إننا مطالبون، إذن، بالتركيز على المحاجة، أو عقدة المحاجات المترابطة التي تقول بـ: 1. أن "الأفكار" أو "المفاهيم" تستطيع أن تكون ملائمة أو غير ملائمة للواقع؛ 2. وبالتالي، يجب أن يكون ثمة نسق ما من المفاهيم الصحيحة والمخلصة، إذا جاز التعبير، ميتافيزيقياً للوجود على ما هو عليه؛ 3. أن معظم العلامات الأساسية للغة ملائمة ميتافيزيقياً ستختار مفاهيم من هذا القبيل بحيث تمتلك كل علامة معنى بمعزل عن أية علامة أخرى، بما أن معناها سيكون المفهوم الذي يمثلها ليس إلا؛ 4. أنه من الممكن إنجاز مثل هذه اللغة، على الأقل على نحو متشظّ ومن حيث المبدأ، وبالتالي فهي بمثابة الهدف "الخاص"، والحق الهدف الذي لا مفر منه للتنظير الفلسفي؛ 5. إن اللغة اليومية هي أداة لا تلائم الفلسفة لأن 6. الاعتماد المتبادل لعلاماتها يجعل من المتعذر إنجاز وضوح الإحالة وأحادية معناها التي تجعل من كل علامة أساسية للغةٍ واضحة منطقياً (بمصطلحات رسل) الاسمَ "الخاص لشيء فريد"؛ أي، لإنجاز المثل الأعلى الأرسطي الذي "لم تنكره" أية فلسفة مخلصة لطبيعتها بوصفها فلسفة. "إن هذا المثل الأعلى هو الفلسفة." ‏

    وقد أدت مجموعة الأفكار هذه، في زعم دريدا، وظيفة الدافع الأساس للميتافيزيقيا الغربية منذ أفلاطون، رغم أن دورها، مع تطور فلسفة ما بعد النهضة منذ ديكارت، بات أكثر مركزية وأقل تحدياً. ولتبديد الانطباع السائد، لغاية الآن لدى جماعات معينة في أن غرض دريدا الأساسي هو الظاهراتية، إن لم يكن مقتصراً عليها، يحتاج المرء أن يتذكر فقط الدور المركزي الذي لعبته مثل هذه الأسئلة في المجادلات الدائرة بين برادلي ورسل، حيث كانت أصلاً باعثاً على الموروث التحليلي. ولأن برادلي إلى حد ما يقول بأطروحة - الأمر الذي يذكرنا بشدة بآراء دريدا- أن أي حكم "يستند إلى الشروط التي لا يتضمنها" فهو يعدّ أن الحقيقة يمكن لها آخر الأمر أن تُمنح للعقل، أو بتعبير دريدا "تُحمل إلى المعرفة" على مستوى المطلق. وبالمقابل، يعتبر رسل، وهو يقف هنا بوصفه نمطاً للميتافيزيقي عينه الذي يتصوره دريدا، بأن معنى علامة أساسية إنما هو مقوم بسيط منطقي ونفسي نوعاً ما من مقومات التجربة، يُمنح مباشرة للعقل دونما إحالة إلى معنى أية علامة أخرى في فعل اكتساب المعرفة.‏

    الاعتقاد بأن المعنى علاقة دلالية تقوم بين علامة توقيفية ومظهر من مظاهر الواقع أو مقوم من مقوماته يُمنح للعقل ببساطة ووضوح مطلقين كان، بطبيعة الحال، موضع انتقادات واسعة في هذا القرن ومن منتقديه فتغنشتين وسوسير ومارلوبونتي. على الرغم من استناد دريدا بعض الشيء بدرجات متباينة إلى آراء الناقدين الأخيرين، إلا أن آراءه النقدية تبقى متفردة به في خطوطها العامة. وقد يكون أحد سبل فهم هذه الآراء، على الأقل في الشكل الذي تأخذه في الميثولوجيا البيضاء، هو أن نرى إليها على أنها تفصح عن هجوم على "التقابل الكلاسيكي بين المفهوم والاستعارة". وبحسب مصطلحات ذاك التقابل، إن استخدام اسم للدلالة على مفهوم يحضر مظهراً من مظاهر الواقع؛ جزءاً من حقيقة الأشياء، أمام العقل، في حين أن استخدام اسم استعارياً يؤسس مجرد رابط مبني على أساس تشابه مُدَرك بين اسمين أو تماثلهما. بعبارة أخرى، إن الرابط الذي تؤسسه الاستعارة هو ترابط بين كيانات لغوية؛ أي ترابط ملفق تماماً داخل مجال اللغة. ورابط الاسم/المفهوم، من جانب آخر، ليس جوهرياً علاقة لغوية مطلقاً. إنه رابط بين العقل والعالم الذي تمثله اللغة أو تعبر عنه. قد يكون للخطاب الاستعاري قيمة ما ولكن قيمته تكمن فقط في مساعدته أن يضعنا على مسار مفهوم جديد. يقدم القسم الأخير من مقالة دريدا نقداً لهذه القصة المألوفة لدى نيتشه وغاستون باشلار. فالاستعارة، إذن، مسلمة بها في الفلسفة طالما أنها تعد بالرجوع إلى حرفية المفهوم ومعها مصادر إضافية:‏

    تحدد الفلسفة الاستعارة على أنها خسارة مؤقتة للمعنى، اقتصاد للخاص من دون تلف يتعذر إصلاحه، التفاف لا مفر منه بلا ريب، لكنها أيضاً تاريخ وقد وضع نصب عينيه إعادة استيلاء دائرية على الحرفي ضمن أفق المعنى "الخاص".‏

    إذن، نحن نقف قبالة مثال عن نمط تفكير يستدعي على نحو مميز تفكيكية دريدا: إذ ثمة مفهومان، في هذه الحالة هما الاستعارة والمفهوم، متقابلان بطريقة تنطوي ضمناً على منح امتياز لأحدهما دون الآخر وذاك بجعل الأول يتبدى مركزاً والآخر هامشاً (من هنا جاء عنوان كتابه "هوامش الفلسفة"). إن تفكيك مثل هذه التراتبية المفهوماتية، وفق فهم دريدا للمصطلح، ليس مجرد مسألة قلب علاقة المركز والهامش. إنه بالأحرى تبيان أن التمايز بين المركز والهامش الذي نحن بصدده يمكنه أن يصبح واضحاً عبر استناد خفي إلى مكونها الهامشي ليس إلا. هدف دريدا من تضاد المفهوم/ الاستعارة إظهار أن هذا التضاد بأكمله يستند إلى الاستعارة، بالمعنى الثاني من المعنيين اللذين ميزناهما آنفاً. ولكي يكون التضاد واضحاً من حث رؤية العلاقات بين الخطاب "الخاص" والاستعاري اللذين يدمجهما هذا التضاد، ينبغي على مصطلحات المفهوم والاستعارة نفسها أن تكون مصطلحات في لغة "خاصة"؛ أي، لغة تكتسب فيها المصطلحات معنى بمعزل عن العلاقات فيما بينها، وذلك باتصالها المتكافئ مع مقومات واقعٍ خارج اللغة وتعادلها معه. محاجة دريدا، في الواقع، أنها ليست كذلك وأن ليس ثمة مصطلحات تستمد من لغة كهذه. يستند هذا الاستنتاج جزئياً، بطبيعة الحال، إلى تطبيق أوسع للتفكيكية المنخرطة في زعم أكثر شمولية بأن فكرة لغة كهذه هي عينها فكرة متصدعة؛ فهي لا تستطيع أن تتسم بالإقناع إلا من خلال نزع التشديد عن سمات محددة وتهميشها، ويصنف هذا الزعم في مكان آخر تحت المصطلح الدريدي "الاختلاف والإرجاءDifférance" الذي ينتمي إلى لغة بذاتها. غير أن ذاك الزعم الأوسع ليس في مركز الاهتمام المباشر للميثولوجيا البيضاء. ويمكن أن نوجز محاجات دريدا المركزية في مقالته فيما سيأتي:‏

    1. إن مفهوم الاستعارة ليس دخيلاً على الميتافيزيقيا. بل إنه مفهوم ميتافيزيقي.‏

    ويستهل القسم الثاني من المقالة، Plus de Metaphore، ببيان من هذا القبيل: "تبقى الاستعارة، في خصائصها الأساسية كافة، فلسفة كلاسيكية، ومفهوماً ميتافيزيقياً".‏

    2. وهو [مفهوم الاستعارة] في حد ذاته، شأنه شأن المفاهيم الميتافيزيقية الأخرى، ينبثق من شبكة من مثل هذه المفاهيم: نظام من المصطلحات حيث تفسر معانيها، في علاقاتها بعضها ببعض، الواحدة الأخرى على نحو تبادلي.‏

    إذن، الهدف الذي يضعه دريدا لنفسه في مناقشته لأرسطو، بادئ الأمر في القسم الثالث من المقالة، هو إظهار كيف أن التمايز بين الخطاب "الخاص" والحذفي، وهو مركزي في حد ذاته في زعم الفلسفة بأنها تشكل خطاباً من النوع الأول، ينبثق من شبكة التمايزات، التي "يبدو أنها تنتمي إلى سلسلة أنطولوجيا أرسطو الطويلة عديمة الحركة، بنظريتها في قياس تمثيل الوجود، بمنطقها، ونظريتها المعرفية، وبمزيد من الدقة بشعريتها وبلاغتها".‏

    3. من هنا، أن أية محاولة لإقامة التضاد بين الاستعاري والحرفي (أو "الخاص") في لغة تتعالى على ذلك التمايز الذي يميز، من وجهة نظر خارج اللغة، ما بين العلاقة المباشرة بين الاسم وحامله وبين العلاقة غير المباشرة بين اسم واسم متورط في الاستعارة والعبارات الملتوية، نقول، ستفشل هذه المحاولة لأن المصطلحات التي تشتغل بإوالياتها ستبرهن أنها نفسها قابلة للتأويل فقط، عند نقطة ما، من خلال قوة الاستعارة والعبارات الملتوية.‏

    في الواقع هذه هي الحركة التي تسود مناقشة دريدا للمحاجة في القسم الثاني من المقالة، أسباب فشل محاولات محددة أن تقدم تصنيفاً يفترض فيه أن يكون غير استعاري لاستعارات أرسطو. بعد ذلك، في "حذف الشمس"، يتناول دريدا الثيمة نفسها بالبحث في مناقشته اشتقاق أرسطو، في كتابه "الشعر"، اسماً لفعل الشمس، الغفل من الاسم في حالات أخرى، في "قذف لهبها" من الفعل "يبذر" [speirein] وتتمثل فكرة دريدا هنا: بما أن قياس التمثيل بين أشعة الشمس والبذر غير "مرئي" [vu]، ولا تفرضه الطبيعة علينا على نحو لا مرد له، إن تبدى لنا بوصفه إكراهاً، فهو يستطيع فعل ذلك لأنه ينبثق من "السلسلة الطويلة التي نادراً ما تكون مرئية" لقياسات التمثيل التي سيكون مصطلحها الأول صعباً على أي امرئ أن يظهره، هذا إذا تجاوزنا ذكر أرسطو. بعبارة أخرى، يتصدى أرسطو لإمكانية أن التسمية - المجتزأة والهامشية من خلال مناقشته الكاملة للاسم بحسب دريدا- من جانب، والتعبير الملتوي وقياس التمثيل من جانب آخر، قد تُثبت في آخر الأمر استحالة انعتاقها. ترجع هاتان المحاجتان إلى زعم مركزي: لكي يقول الميتافيزيقي ما يريد قولـه، يحتاج إلى أن يرى الأمور من وجهة نظر خارج اللغة، وجهة نظر مبدئياً منيعة عليه. مثلما يقول دريدا، "تستحيل السيطرة، من الخارج، على الاستعارة الفلسفية في حد ذاتها باستخدام مفهوم استعارة يظل نتاجاً فلسفياً". من الواضح هنا أن تعليل دريدا لاستناد الميتافيزيقيا إلى الاستعارة يمضي عميقاً أكثر من تعليل أناتول فرانس. إذ أن محاجة "آريست وبولفيل" ترتد إلى النزاع الوضعي المعهود: إذ ثمة استخدام أساسي بدائي للكلمات حيث تستمد، بمعزل عن علاقة بعضها ببعض، معانيها من الترابط مع مظاهر الخبرة البسيطة المجسدة المادية، لكن، وعلى وجه التحديد، ما يطعن دريدا في صحته هو إمكانية أن يظهر في التجريد هذا الترابط البدائي بين اللغة والعالم [الخارجي] من "سلسلة" العلامات.‏

    4. ومن ثم ليس ثمة شيء بوصفه "جوهراً"؛ أي أن معنى مصطلح ما "مستقل بصرامة عما ينقله." فما يدل عليه تعبير ما، وليكن E، هو أمر داخلي في اللغة التي ينتمي إليها.‏

    من هنا،‏

    5. يكف "التفاف" الاستعارة أو العبارات الملتوية، تلك السفينة التي تصورها عادة الميتافيزيقيا الغربية على أنها تعود محملة بمعنى حرفي جديد، يكف عن أن يكون ممكناً تصوره وكأن المرء يسلك منعطفاً مسدوداً. والحذف، كما يظهر المصطلح في عنوان القسم الثالث من المقالة، هو، في البلاغة، بين أشياء أخرى، إسقاط كلمة أو أكثر تكون ضرورية للتعبير عن معنى كامل لجملة ما. لكن- هذه هي فكرة دريدا- إذا كان المعنى الكامل لجملة ما لا يجب أن يمنح بربط مصطلحاتها واحداً تلو الآخر بجواهر ممنوحة خارجياً إلى اللغة، فإن فكرة معنى معبر عنه تماماً، معنى غير حذفي تتلاشى إلى فراغ؛ وبما أن سلسلة مثل هذه التأويلات لا نهائية، فإن تراكم طبقات المعنى الملحقة (أحد العبارات المفضلة لدى دريدا) قد تكون لا نهائية أيضاً.‏

    ويستتبع هذا أن جميع الخطابات، بما فيه الخطاب الميتافيزيقي، تقع في أحبولة الإمكان، السلطة الزمنية والعرف المكاني التي يتمنى شاحذ بولفيل الميتافيزيقي أن يحرر قطعها المعدنية النقدية المتآكلة كيما يخلع عليها قيمة غير محدودة وتداولاً لا حدود له. إن الخطاب الميتافيزيقي خطاب مشتق من الاستعارة، وليس ما تُرك وقتما طهرت اللغة نفسها من آثار الاستعارة والعبارات الملتوية والحذف على اختلاف أنواعها.‏

    السياسة والهومانيزم‏

    إن أحد أهداف الميتافيزيقيا الغربية، ابتداء من أفلاطون وأرسطو إلى هيغل، ماركس، هوسرل، هايدغر أو سارتر، كان توصيف الجوهر أو الطبيعة المتطابقة مع مفهوم الإنسان. وهو المشروع الذي يضعه دريدا نصب عينيه حينما يتكلم عن الهومانيزم ويناشد نهاية الإنسان كشأنه في مقالة أخرى في "هوامش الفلسفة". يستند هذا المشروع، بطبيعة الحال في نظر دريدا، إلى قوة اللغة، من جانب، في خلق معنى جديد وذاك بتحويل العلاقات بين العلامات كيما تنتج التفسير المتعلق عن بعد ولكن الدخيل تماماً على جوهر الإنسان الأمر الذي كان ميزة لأرسطو وهايدغر على التوالي، ويستند من جانب آخر إلى إنكار وتهميش تلك القوة لصون معقولية الزعم القائل أن ثمة مثل هذا الجوهر وينبغي نشدانه. جوهر أصلي، وحدي، كفيل بأن يُمنح للفكر بنهائية [وإلى الأبد]. إن حركة الاستناد والتهميش المزدوجة هذه هي، في نظر دريدا، في الصميم من دافع الثقافة الأوربية على مر السنين في أن تقدم نفسها على أنها محددِّة لطبيعة الإنسان بذاته. ما يقصيه هذا الدافع هو الاختلاف بفحواه الثقافي وبالمعنى الذي يقصده دريدا بـ(الاختلاف والإرجاء)؛ أي، قوة العلامات في أن تنمو ملتحمة مع المعاني الملحقة التي تختلف عن تلك المعاني الملحقة سابقاً وترجئ إلى أجل غير مسمى توطيد معنى وحدي نهائي. ويمثل تجمع الثقافات غير الغربية سياسياً، داخل الغرب وخارجه، القوة المهمشة لـ "الاختلاف والإرجاء" الذي "يثقل، بوطأة صامتة متنامية مهدِّدة، على السياج الذي أقامه كلام الغرب [حول نفسه]." تتعلق لعبة الاستعارة الاقتصادية التي تستفتح الميثولوجيا البيضاء بهذه الثيمة. وقطع بولفيل النقدية المشوهة هي موضوع لـusure بمعنييها- الاستعمال (الكشط) abrasion (استهلاك القيمة بالبلى والاستعمال) والمراباة (usury) بما أنها تفتح إمكانية أن تكون اللغة نفسها، في اللعبة اللامتناهية للاستعارة والحذف، قادرة على منح فائدة لـ"الميتافيزيقيا؛ الميثولوجيا البيضاء التي تعيد حشد ثقافة الغرب وتعكسها". وما نقش على حاشية القطعة المعدنية أو الميدالية - التاريخ واسم النقّاش- هو الذي يحمل، على وجه الدقة، الإحالة إلى احتمال [حدوث شيء ما]، وإلى التاريخية، والآخر، أي ما يجب إقصاؤه إن كان ينبغي على الكسب الاقتصادي الذي وعد به الـ usure أن يتحقق. من المغري بطبيعة الحال، أن نربط هذه الثيمة؛ أي استغلال وتهميش الآخر غير الغربي في الآن نفسه، بباكورة تجربة دريدا، حينما كان طفلاً لأسرة يهودية جزائرية، في الاستبعاد السياسي والشخصي في ظل قوانين حكومة فيشي العنصرية التي يرصدها دريدا بمشاعر مؤثرة في نص عن السيرة الذاتية يشغل ذيل صفحات (أي، هوامش) كتاب جاك دريدا لـ جيوفري بنينغتون‏ ودريدا. ‏



    بعض اعتراضات قياسية‏

    إن أكثر اعتراض ماثل للعيان يثار ضد التفكيكية، من قبل الفلاسفة والنقاد غير المبالين على حد سواء، هو أنها تستلزم تبعات عبثية أو تبعات لا تصدق. والأكثر شيوعاً في هذا الزعم المعلن بصراحة وفظاظة شديدتين هو: 1. أن محاجات دريدا تلغي التمايز بين اللغة والواقع خارج اللغة بإذابتها هذا الأخير في الأول؛ 2. أطروحته في أن محاولة تأسيس معنى ممتلئ لتعبير ما يخضع من حيث المبدأ لإرجاء غير محدود، تستلزم أن ليس ثمة تعبير له معنى في أية حال (عدمية لغوية)؛ 3. ومع التخلص من فكرة أن أي تعبير له معنى محدد ومن إمكانية التمييز بين اللغة والعالم، بدد دريدا إمكانية أي تصور واقعي (أي، غير نسبي وغير براغماتي) للحقيقة؛ وأخيراً 4. بتبديل النقد العقلاني للميتافيزيقا بما يبدو أنه توجه بلاغي للنقد خان دريدا التزام حركة التنوير الفلسفية بالعقل وأسبغ غشاوة على التمايز المنهجي بين الفلسفة من جانب وبين الأدب والنقد الأدبي من جانب آخر.‏

    من الواضح، بطبيعة الحال، أنه لن ينظر كل امرئ إلى 1 و4 على أنها تكوّن "اعتراضات". والحق، أن إحدى أكثر السمات المميزة واللافتة للمناقشة الغزيرة- غالباً يكون ملؤها الحنق- في الثلاثين سنة التي مضت لعمل دريدا هو ميل مؤيِّديه في أن يلوحوا باكتشافات تصنع عهداً جديداً هي نفسها التي يلوح بها المنتقصون من قيمته بوصفها سخافات.‏

    كما سيتكشف البحث في كتابات دريدا بيسر (على المرء الحذر نوعاً ما للتمييز هنا بين كتابات دريدا وملخصات مشايعيه وشروحهم لأعماله)، فقد أنكر دريدا غير مرة أن تكون آراؤه تستلزم أياً من التبعات الآنفة. وبالمثل كما يعلق بنينغتون بعد تعيين سلسلة استشهادات كهذه، "لا يكفي إثارة هذه الفقرات التي قد تكون دائماً مجرد تنصل أكثر من كونها تفنيداً".‏

    بقدر ما يتعلق الأمر بـ1 و2، كما ساجلت بإسهاب في مكان آخر، ليس ثمة ضرورة للتفنيد بما أن كليهما استنباط خُلْفيّ [استنباط غير متفق مع المقدمات]. جلي من محاجة الميثولوجيا البيضاء في تلخيصنا لها، أن دريدا لا يساجل ضد القناعة المألوفة العادية أن ثمة كيانات بذاتها خارج اللغة، بل يساجل ضد الأطروحة الفلسفية أن ثمة معاني (دلالات) يتم تصورها بوصفها كيانات خارج اللغة. إذا كان هناك مثل هذه الكيانات، ممنوحة لحضور الوعي الهوسرْلي المحض، أو لاكتساب المعرفة الرسلي [من رسل]، كان بمقدور سائر مصادر المعنى المتضمنة في المفهوم المتطابق أن تُمنح بإسهاب إلى العقل المتأمل في مثل هذا الكيان (فكرّ، مثلاً، في "الفطرة البسيطة" الديكارتية التي تعزز ابستمولوجيا "الإدراك الواضح والمميز" الديكارتي). مؤكد أن إصرار دريدا على الاختلاف والإرجاء بوصفهما أمرين أساسيين للعلاقة القائمة بين العلامة والمدلول يتبع كنتيجة له إنكار الأطروحة الفلسفية، على اختلاف أنواعها، أن المضمون الدلالي الممتلئ لمفهوم ما، يمكنه أن يُمنح وبإسهاب إلى فعل معين خاص، غير لغوي أو خارج اللغة، للوعي. ويتبع كنتيجة أبعد له، أن المرء لا يستطيع أبداً أن يكون على يقين في أنه استخلص كامل المعنى المضمر باستخدام معين للكلمات في سياق معين (هذه هي، دون شك، النتيجة التي يضعها بعض شراح دريدا نصب أعينهم عندما ينسبون طابعاً تلمودياً إلى عمله). ما لا يتبعه هذا الإصرار كنتيجة له هي أطروحة - تحال إلى دريدا على نحو غير محكم- أننا لا نستطيع أن نميز في سياق معين من الاستخدام بين ما قد يعنيه تعبير ما في ذاك السياق، وما لا يمكنه أن يعنيه في السياق عينه؛ لذا لا نستطيع أن ننسب أي معنى محدد إلى أي تعبير في أي سياق مهما يكن. الحق، أن الأمر ليبلغ درجة العدمية الدلالية. إن إعادة صياغة مبدعة ستخدم، من دون شك، في استخلاص مثل هذه الأطروحة من الجمل وأشباه الجمل القصيرة المقتطفة من عمل دريدا وتقدَّم، مجردة من سياقها، بوصفها دليل إدانة. غير أني على ثقة أن ليس ثمة إمكانية استدلال على مثل هذه الأطروحة تترتب على تحليل متأنٍ، مهما يكن، لمحاجة دريدا كما حاولنا منذ وهلة، وبطبيعة الحال، لا تترتب على المحاجات المقدمة هنا. هذا فضلاً عن أن هذه الأطروحة ستكون متناقضة مع أمر هو قطعاً زعم مركزي في فلسفة دريدا، أعني، الأطروحة التي تقول إننا لسنا بحاجة مَنْفَذٍ إلى المقاصد الواعية للكاتب أو المتكلم أو أحوالهما كي نكون قادرين على فهم ما يكتبه أو يقوله.‏

    دريدا والبراغماتية الأمريكية الجديدة‏

    إن معرفة معنى تعبير هي، للوهلة الأولى، معرفة الكيفية التي ينبغي للمعنى أن يستخدم في الخطاب. أخذت مجموعة كبيرة من الكتابات الفلسفية واللغوية، ولم تزل، ذاك الفكر البين لتدل ضمناً أن معرفة المعاني هي معرفة القواعد [النحوية]. وقد كانت إحدى الوظائف التقليدية للاعتقاد بالمعاني أو المفاهيم الفعليين؛ بمعنى خارج اللغة، التي يهاجمها دريدا في الميثولوجيا البيضاء، أن توضح ما الذي يضفي سمة المصداقية على القواعد التي نحن بصددها. أُضفِيَت المصداقية على القواعد، على حد قولهم، لأنها تقوم، خارج اللغة، على أساس طبيعة الأشياء. هنا يكمن السبب في أن الخطاب بمقدوره أن يمثل بصدق طبيعة الأشياء. وإذن، يستمر الخطاب في تتبعه مسار الواقع من خلال واقعة أن المفاهيم التي يمضي بها الخطاب حثيثاً ليست مجرد بنيات لغوية، بل سمات، أو كما كان الراحل رسل سيقول: "مقومات" الواقع عينه. إذا نبذنا المعاني فإننا بالتالي، هكذا يزعم، ننبذ الحقيقة نفسها، أو أقله ننبذ أي تصور للحقيقة غير نسبي وغير براغماتي. من ثم نصل إلى المجادلات بشأن الواقعية، اللاواقعية والنسبية، التي غذّت حديثاً الموروث التحليلي في الفلسفة.‏

    على النقيض مما يظن عادة، يبدو ليس ثمة سبب للافتراض أن دريدا قد حازب، سواء أكان عمداً أم سهواً، في هذه المساجلات. ويبدو أنه ليس ثمة ما يمنعه من أن يتخذ موقفه على أساس الزعم السلبي المحض في أن التفسير التقليدي للمعاني بتحويله لها إلى صنف من الكيانات الميتافيزيقية إنما هو تفكيك ذاتي. بالمثل، لو سأل سائل عما يمنحنا السيطرة، إذن، على فكرة الجزم الحقيقي، ليس هناك ما يمنعه من الإجابة على نمط فتغنشتين أو أوستين أن ليس ثمة شيء ميتافيزيقي واحد يمنحنا السيطرة على فكرة الحقيقة بوجه عام، بل هناك كثرة هائلة من الأشياء غير الميتافيزيقية تمنحنا سيطرة عليها في حالات مجسدة متنوعة من الحياة اليومية، ولصياغة هذه النقطة بتعابير أكثر دريدية نقول: إن مفهوم الحقيقة يتشكل داخل اللغة مثله مثل أي مفهوم آخر، ينتثر داخلها، كأي مفهوم، إلى ما لا نهاية استجابة لقوى الاختلاف والإرجاء.‏

    في الواقع أعتقد أن هذه المواقع هي التي يستند إليها دريدا، رغم أن المكان ليس مناسباً لجمع التأييد النصي لهذا الزعم. كما لا توجد مراوغة بخصوص هذه المواقع. لكن عدها قراء عديدون، القراء المتحدثون باللغة الانكليزية خاصة، مواقع مراوغة. في حين صعب على آخرين الاعتقاد بأن محاجات دريدا لا تحيله بالضرورة إلى موقع نسبي شكوكي جذرياً عن القواعد والمعنى اتخذه كواين Quine وكتاب آخرون من ضمن إطار تأثير الأفكار الكواينية كدافيدسون Davidson، رورتي، أو كريبك Kripke. أشار صاموئيل ويلر Samuel C. Wheeler III في دراستين له إلى الحركة المؤسسة لأسرة الآراء الأخيرة هذه، وقد اعتبرتا إلى حد بعيد بكونهما تقيمان رابطاً وثيقاً بين فكر دريدا‏ وفكر دونالد دافيدسون:‏

    بدون النظرية الجوهرية [الماهوية] بخصوص المعاني والقواعد الدلالية، ثمة فحسب جمل مقبولة في متن معين للخطاب. الجمل المقبولة في متن الخطاب هي، على مختلف أنواعها، أجزاء من "نظرية" تتباين أجزاؤها بطرق متعددة في الدرجة لا في النوع. توجد "الأشياء"، إذن، بوصفها افتراضات نظرية ما. وما يحل محل الضرورات والجواهر الموضوعية هي فكرة الوجود وفقاً لنظرية؛ أي، تعهد أنطولوجي. ‏

    ما ينيط بدريدا، في نظر ويلر، الإمساك بالاختيار بين "الجوهرية بخصوص المعاني والقواعد" والبرغماتية الدافيدسونية وشكوكيتها بوصفه اختياراً لا مفر منه هو محاجته أن معنى علامة ما، مع غياب المعاني الممنوحة لحضور الوعي بأكمله وبكليته، يستند إلى الآثار التي تربطه بعلامات أخرى، التي بدورها تحدث آثاراً هكذا إلى ما لا نهاية. وفي قوله: "إن هذا التصور السوسيري في أن المنظومات المفهوماتية أنظمة اختلافات، يشبه شبكة اعتقاد كواين"، يعتبر ويلر أن محاجة دريدا تستلزم أطروحة كواين الشهيرة في "عدم تحدد الترجمة":‏

    إن الصورة التي يتطلبها إنكار الحضور... هو أنه هناك نزعات المؤول لما ينبغي عليه قوله ومتى ينبغي قول ذلك (نظريته) ونزعاتنا لما ينبغي علينا قوله ومتى ينبغي قول ذلك. الترجمة أو التأويل هي مجرد ترسيمة تقوم على أساس هذه العناصر. والتساؤل عما يعنيه حقاً منطوق ما بلغة في لغة أخرى مثله مثل السؤال أي مواقع كرة القدم هو موقع الدفاع. ‏

    هذا الفهم هو في حد ذاته مثار جدل، فهو يتجاهل التباين، المشار إليه، بين التحليل الفريجي للمعنى من حيث صدق الشروط الذي يتقاسمه عملياً سائر الأطراف المشاركة في المجادلات التي أثارها ويلر في الفلسفة التحليلية، وبين تصور دريدا السوسيري جوهرياً عن المعنى بوصفه متورطاً في علاقة بين علامة (دال) ومضمون مفهوماتي (مدلول). ومحاولة البرهان، شأن دريدا، على أن الميتافيزيقيا الغربية ليس بمقدورها الزعم أنها رسخت على نحو قاطع مضمون مدلول معين، مفهوم "الإنسان" مثلاً، لاستحالة إقصاء الانجراف المنتثر في مضمون هذا المفهوم أو أي مفهوم آخر، ذاك أن إمكانية مثل هذا الانحراف متأصلة في طبيعة أية لغة يمكن للميتافيزيقيا (لا أن تُنطق أو يُفكر، بل) أن تُكتب بها، نقول إن محاولة البرهان هي، من دون شك، أن يلتزم المرء بإنكار "الجوهرية بخصوص المعاني والقواعد". لكن من الصعوبة بمكان أن نفهم لم ينبغي لهذه المحاولة أن تلزم المرء بأطروحة كواين في عدم التحدد، إلا إذا أخذ الاختيار بين الجوهرية بخصوص المعاني وعدم تحدد الترجمة الكوايني [من كواين] كي تستنفد الخيارات النظرية المتاحة، إذ أن هذه الأطروحة هي بلا ريب، رغم الرواج الهائل حديث العهد لطريقة كواين في النظر إلى المسائل، مثار جدل.‏

    يبدو واضحاً، على أية حال، أن تضمينات موقع دريدا تتعارض مع التضمينات الدافيدسونية، أقله من جانب بارز. وقد لاحظ آيرن هارفي Irene Harvey أن دريدا يعير دور الأمثلة في الميتافيزيقيا اهتماماً مركزياً:‏

    ابتداء من عمله عن هيغل، على نحو بارز في Glas [نواقيس]، توخى دريدا تعيين حدود "بقايا" الـAufhebung9 [بديل، إبطال]. فبدءاً من مكان اليهود فيما يتعلق بالأسرة، الدولة، النصرانية، والفلسفة، يتعقب دريدا المسالك التي يقصي بها هيغل اليهود فقط كيما "يتضمنـ"هم "في مستوى أعلى"؛ أعني، ليس بوصفهم يهوداً، بل بوصفهم النصرانيين الأصليين، في-الـ-طريق ليكونوا ما هم ليسوا عليه... وما هو بمثابة المجازفة بالنسبة (لدريدا) هو توضيح حدود هذا الإقصاء والتضمن في الآن نفسه لـ اللا-مثال non-example بكل ما للمصطلح من معنى- داخل المذهب الفلسفي الهيغلي. فاليهود ولا-مكانهم ليسا إلا مثالاً عن هذه الطريقة لكونهم على علاقة مع الـAufhebung. فبما أنهم مستبعدون بمقدورهم أن يكونوا متضمنين؛ على أن الآخر راديكالياً، يجب إقصاؤه في حد ذاته. ‏

    ما تعززه هذه الفقرة هو التشديد مرة أخرى على مركزية غرض كتابة دريدا في تسليط الضوء على استناد زعم الميتافيزيقيا الغربية أنها تعبر عن آراء الإنسانية بعامة إلى آخر مستبعد مهمش حيث إمكانيته، إذا جاز التعبير، متأصلة في طبيعة علاقة الدال/المدلول تبعاً [للشكل الذي] أسست به في الاختلاف والإرجاء. كيما يكون هذا موقفاً واضحاً، يجب أن يكون ثمة إواليات اشتغالِ مجانسةٍ لمبدأ الوضوح الذي اقترحه ميشيل دوميه Michael Dummett في سياق آخر. وكي يُفهم الآخر بوصفه ما "يجب إقصاؤه في حد ذاته" ينبغي أن يكون ممكناً للآخريّة أن تظهر نفسها في الكتابة من خلال إواليات اشتغال الاختلاف والإرجاء. إن كان بمقدورها فعل ذلك، فعلى الأقل، أحد أحلام حركة التنوير الفلسفية قد مات: إذ لا يمكن أن يكون ثمة "تاريخ عالمي للإنسانية". في فقرة لافتة للنظر ينحاز رورتي للموروث الكوايني البراغماتي الجديد ونصب عينيه ذاك المشروع [تاريخ عالمي للإنسانية] تماماً:‏

    إن إجابة البرغماتي على السؤال الذي يطرحه ليوتار Lyotard في "التاريخ العالمي والتباينات الثقافية": "هل يمكننا الاستمرار في تنظيم الأحداث المتراصة فوقنا من عوالم الإنسان وغير الإنسان على يد فكرة تاريخ عالمي للإنسانية؟" هو أننا نستطيع وينبغي.. علينا نحن الديوويين [من جون ديووي] أن نمتلك تاريخاً لنعرف ارتقاء جنسنا البشري، تاريخ تشدد وقائعه الحديثة على الكيفية التي تطورت بها الأحوال في الغرب طيلة قرون قليلة مضت، ويخلص إلى اقتراحات عن الكيفية التي يمكن لها أن تتقدم أكثر في القرون القليلة القادمة. لكن لو سأل سائل عن التباينات الثقافية، عما ينبغي لتاريخنا أن يفعله مع الصينيين والكاشيناهو، لا يمكننا الرد سوى أن التواصل، على حد علمنا، مع هذه الشعوب قد يفيد في تعديل أفكارنا الغربية عن أفضل المؤسسات التي يمكن لها أن تجسد روح الديمقراطية الاجتماعية الغربية... إن هذا الضرب من التمركز العرقي هو، نعتقد نحن البرغماتيين، أمر لا بد منه ولا اعتراض عليه... ليس بمقدورنا أن نسلخ جلد الديمقراطية الاجتماعية الغربية عن أنفسنا حينما نواجه ثقافة أخرى ولا ينبغي علينا أن نحاول. كل ما علينا فعله هو أن نمكث ما فيه الكفاية داخل قاطني تلك الثقافة لنحصل على بعض الأفكار عن الكيفية التي ننظر بها إليهم، ونرى إن كان لديهم أفكار نستفيد منها. ‏

    من بالغ الصعوبة تلفيق فقرة أكثر بعداً، في ثقتها بنفسها وغلبتها الثقافية العرضية، عن روح عمل دريدا. لكن الموقف الذي تجسده ليس مشدوداً إلى نير زعم كواين وحده، بل تبعة ضرورية لهذا الزعم مثلما يعبر عنه ويلر: "ثمة فحسب جمل مقبولة في متن معين للخطاب". إن توسيعاً ملائماً لهذا الزعم وإضفاء صبغة أكثر راديكالية عليه، كفيلان بأن يفسحا الطريق لتفسير دافيدسون "للتأويل الراديكالي" الذي بدوره سيخلي الطريق للنتيجة التي يستكشفها دافيدسون في فكرة منظومة مفهوماتية بالذات أن ليس ثمة "أساس واضح يمكننا بناء عليه القول أن المنظومات مخلتفة". ففي حين أن اللغة في نظر دريدا تسلمنا من انجراف مستمر للمألوف إلى الاختلاف والإرجاء، إلى الآخرية، نجد أن طبيعة التأويل البراغماتية في نظر دافيدسون تجعل من المستحيل مبدئياً لأية آخرية راديكالية أن تظهر نفسها في "اللغة" التي تصبح بناء عليه وعلى نحو قاطع وأبدي لغتـ"نا". وندلف من هنا إلى إعادة تقديم رورتي، من الباب الخلفي للبراغماتية، إذا جاز التعبير، وفي ظل يافطة الديمقراطية الغربية المطامنة، من دون شك، لبعض الأسماع، وعلى وجه التحديد مزاعم الميتافيزيقيا الغربية التي قضى دريدا حياته مُجدّاً في قتالها، نقول إعادة تقديمه لكيفية الوصول إلى "التاريخ العالمي" وحتمية علاقة مع الآخرين تأنف أن تواجههم- في حين أنها قد تبحث فيهم وتستفيد منهم- بوصفهم أفراداً متخلصة بذلك من فهم غريب غير أنه مكافئ لما ينبغي أن يكونه الإنسان كي يكون إنساناً.‏



    دريدا وهابرماس في الأدب والفلسفة‏

    الاعتراض الرابع في أن دريدا يخون قضية العقل بإسباغه غشاوة على التمايز بين الخطاب الأدبي والخطاب العلمي، يفصح عنه يورغن هابرماس ويوضح حدوده بقوة. شأنه شأن رورتي، وعلى نحو سديد من دون شك، ينظر هابرماس إلى دريدا، بوصفه يخاطب المشكلة التي تمخض عنها كامل "خطاب الحداثة" في ما إذا كان ممكناً إضفاء سمة المصداقية على معايير العقل الغربي وكيف يتم لها ذلك؟ مثل رورتي أيضاً، يرغب هابرماس في أن يحتفظ بشيء من السيطرة على فكرة التاريخ العالمي، مع أنه سيسلم ورورتي بأنه لا يمكن لها أن ترتكز على البراغماتية سواء أكانت براغماتية ديووي، كواين أم براغماتية دافيدسون على مختلف أنواعها، كما لا يمكن الزج بفكر دريدا في خدمة مثل هذا المشروع. إذ أن دريدا، في رأي هابرماس، عدو العقل بصراحة؛ فهو أحد الأشخاص الذين يريدون "بسط سلطان البلاغة على دائرة المنطقي". وخطأ دريدا، وفق هابرماس، هو ما يراه رورتي وويلر بكونه فضيلته الرئيسة إذ لا يرى بديلاً ثالثاً، من جانب، للإحالة إلى خارج النص Logocentrism التي تقرن الدفاع عن المعايير العقلانية بميتافيزيقيا الحضور، ومن جانب آخر، لا يرى بديلاً ثالثاً للنسبية التي تجعل من ثوابت الصحة والنقد العقلاني داخلية في الممارسات اللغوية والمتعلقة، في نهاية الأمر، باحتمالات الافتراض، التاريخ والمصالح العملية المشتركة التي حدث أنها وسمت مجموعات بشرية معينة بسمة مميزة. يقترح هابرماس خياراً ثالثاً يبلغ، في الواقع، مصاف الاستدلال المتعالي لمعايير العقل لكونها شروطاً مسبقة لإمكانية التواصل:‏

    إن ألعاب اللغة لا تفعل فعلها إلا لأنها تسلم جدلاً بـ"أوضاع مثالية" Idealizations تتعالى على أية لعبة لغوية محددة؛ ولكونها شرطاً ضرورياً لاحتمال بلوغ الفهم، تحدث هذه الـ"أوضاع المثالية" منظور اتفاق متاح للنقد على أساس مصداقية المزاعم... واستناداً إلى هذه الحاجة لإقامة الاختبار ضمن الممارسة العادية يمكن للمرء التمييز، مع أوستين وسيرل Searle، بين الاستخدامات "المعتادة" للغة واستخداماتها "الطفيلية".‏

    ومن طريق الاحتكام إلى الـ"أوضاع المثالية" المختلفة والمعايير المقترنة بالمصداقية التي تحكم الأنماط المختلفة للمشروع اللغوي، يمضي هابرماس حثيثاً في إقامة تمايز بين "لغة الفلسفة والعلم"، ولكونها مخصصة إلى حد بعيد لـ"أغراض معرفية فهي مطهرة من كل ما هو استعاري ومجرد بلاغي، منعتقة من الاختلاطات الأدبية"، وبين اللغة الأدبية المتصورة بوصفها لا تُعنى إلا بإمكانية "العالم التوليدية" للغة نفسها. لا يعير هابرماس بالاً، على ما يبدو، لما قد تكونه فكرة النشاط الأدبي المتصورة في هذه المصطلحات؛ الحال، أنه يذكر ها بعبارات- مثل "لا تواصل شؤون العالم"، تخول "الأفعال الإنشائية"- بـ"خلق لعوب لعوالم جديدة، أو بالأحرى بإثبات قوة العبارات المبتكرة للغة في الكشف عن العالم"- توحي بأنها قد لا تملك أية فكرة أساسية على الإطلاق. إن وجود الأدب في نظر هابرماس شيء من الأحجية، وقد كان كذلك ولم يزل بوجه عام بالنسبة للمنظرين في أوساطنا. إلا أنه صريح في أن الأدب لا يملك دوراً في تكوين هوية المرء سواء أكانت شخصية أم ثقافية، كما لا يملك دوراً في تشكل وجهة النظر أو مصطلحات ترابط المجتمعات، إذ أن هذه المهمات تقتضي ضمناً وظائف معرفية هي ميدان مقصور على "العلم والفلسفة".‏

    إن السيرورات التي تجري لغوياً كاكتساب المعرفة، توارث الثقافة، تشكل الهوية الشخصية، إضفاء السمة الاجتماعية، والدمج الاجتماعي منخرطة جميعها في التغلب على مشاكل يطرحها العالم... وهذه السيرورات التي تجري لغوياً ضمن العالم هي، في نظر دريدا، مطمورة في سياق مكون للعالم يضر بكل شيء: إذ تستسلم بنوع من القدرية للحدث المتعذر ضبطه لإنتاج النص. ‏

    قد يكون الدفاع عن دريدا ضد هذا الهجوم من طريق التنويه إلى المدى الذي يقترب فيه هابرماس من المغالطة المنطقية. إذا كان دريدا على حق لتوقع المرء أن الحدود بين العقل والبلاغة ستبدأ في التدفق والاندماج عندما تتجلى الاستنادات المتبادلة الغامضة المبيتة في تعقد هذه المقولات المستقلة والمتضادة جذرياً في الظاهر فحسب. يسلم هابرماس جدلاً أن هذا لا يمكنه أن يحدث بما أن الطلاق بين العقل والبلاغة الذي يتعالى على دفق اللغة هو فوق لعبة الاختلاف والإرجاء ووراء نطاقها. غير أن هذا في حد ذاته يثبت ما ينكره دريدا في أن مثل هذه المقولات المميزة لطريقة التفكير "الغربية" على الأقل منذ حركة التنوير الفلسفية ليست مجرد نتاج موضعي لإمكان تاريخي آخر، بل تحررات أبدية للعقل الأزلي الثابت. من المحتمل، بطبيعة الحال، أن أطروحة رفيعة وإيجابية كهذه قد تتوقف على دفاع سلبي متواضع. فالحد الفاصل بين العقل والبلاغة قد يتجاوز التمايزات المألوفة والواضحة تماماً مما يجعلها وراء نطاق قوة المحاجة، مهما كانت بارعة ودقيقة، لتحل محلها. بيد أنه من الغامض ثانية ما الذي ستكونه هذه التمايزات. إن أكثر الطرق حصافة ووضوحاً لتمييز تقارير "العلم والفلسفة" عن مثيلاتها في الأدب تركز على التخييل الجلي لهذا الأخير. على أن، ليس ثمة ما يقتضي في موقع دريدا، بقدر فهمي له، أن ينكر التمايز بين تقرير أدبي كـ: "لا بد أن أحداً ما كان يلفق الأكاذيب عن جوزيف ك، فمن دون أن يسيء إلى أحد اعتقل في صبيحة يوم جميل"، والتقرير الواقعي كـ"تبعد الأرض قرابة 93000000 ميلٍ عن الشمس "الناشيء عن واقعة أن هذا الأخير يدعي الحقيقة وهو في الواقع حقيقة. لا يقول دريدا، بأي معنى تافه مناف للعقل، بأن العلم "مطمور" في الأدب. ولا يتعهد، كما أشرنا، بالزعم المنافي للعقل على السواء كسابقه في أنه من المتعذر تطهير الخطاب العلمي، على الأقل ضمن حدود معينة وفي الأقسام المحكمة على نحو معقول للعلوم الطبيعية، من الاستعارة بالمعنى العادي للمزاعم التي تكون صدق شروطها إما مصمتة أو غير أساسية لوظائفها في الخطاب.‏

    لكن إذا كان الإخفاق مصير الدفاع السلبي المتواضع لمقولات هابرماس فلا خيار لديه، إذن، إلا أن يقدم دفاعاً أكثر إيجابية ورُقيّاً، ويجب على المحاجة المتعالية التي أشرنا إليها آنفاً أن تتبوأ كامل أهمية المحاجة. فهل يمكنها فعل ذلك؟ إن دعوى دريدا المضادة هي، في الواقع، أن مصطلحي العلم والأدب، كباقي المصطلحات، لا يضفى عليهما المعنى من خلال وضع الواحد منهما تلو الآخر، إذا جاز التعبير، بالاشتراك مع المضامين المفهوماتية المعطاة بكمال ونهائية مطلقين للوعي، بل هي مصطلحات مفهومة فقط من خلال علاقاتها مع بعضها البعض في لغة هي نفسها لغة محتملة، كيان تاريخي، لغة شعب من الشعوب، لغة قبيلة أو ثقافة، ولكونها كذلك فهي عاجزة عن مقاومة القوى التي تقشر معاني جديدة وظلال معان من القديمة في سيرورة ليس لها نقطة أصل محددة ولا نهاية.‏

    إن أقٌوى ورقة يمكن لهابرماس اللعب بها الآن هي الزعم أن تقسيم معين لوظائف "الأدب"، من جانب" ووظائف "العلم والفلسفة"، من جانب آخر، أمر لا بد منه لأن "الأوضاع المثالية"، معايير تحديد نجاح مزاعم الشرعية أو إخفاقها التي تعين هذه الوظائف، هي "شرط ضروري (لاحتمال) بلوغ الفهم". قد تنشأ الأوضاع المثالية التي نحن بصددها خارج اللغة، بما أنها "مفترضة مسبَّقاً" من قبل "ألعاب اللغة، وبما أنه كيما تفعل محاجة هابرماس فعلها، يجب أن تكون هذه الأوضاع المثالية منيعة على "الحدث المتعذر ضبطه لإنتاج النص" الذي يسيطر على جوانية اللغة.‏

    من المؤكد أنه ينبغي على المرء أخذ الحقيقة على أنها حالة واضحة ومركزية لمثل هذا الوضع المثالي. وبمقدور المرء الآن استدعاء فتغنشتين لمساندة دريدا. لكي يكون ثمة استخدام عام للمصطلحات بأية حال، يجب أن يمتلك المتكلمون منفذاً مشتركاً إلى المعايير التي تفرق بين تطبيق صحيح لمصطلح وبين استخدامه على نحو خاطئ أو فارغ. ذلكم، هذه المعايير التي توضح جوهرياً أن ما يصل إليه التمايز بين حقيقة أسرة هذه التأكيدات وزيفها أو تلك في الممارسة يجب أن تكون داخلية في اللغة؛ إذ لا يمكن لها أن تكون أوضاع مثالية تطبق "من خارج اللغة" على لغة يتم تصورها على أنها تؤدي وظيفة بطريقة أو بأخرى، على اعتبار أنه لا يمكن أن تكون هناك لغة تقوم بوظيفتها إلى أن توطد طبيعتها وإواليات اشتغالها.‏

    الحقيقة، باختصار، فكرة داخلية في لغة بذاتها، وليست وضعاً مثالياً مقترنة مع ضروب معينة من المشاريع تتم مواصلتها عبر لغات يمكن لها أن توجد بوصفها لغات بين متكلمين محرومين على نحو لا يمكن إنكاره من إمكانية "بلوغ الفهم" من دونها. من هنا، فإن تفسير هابرماس ما بعد النهضوي المعين تاريخياً وثقافياً إلى أبعد حد للوظائف النسبية للعلم- مشارك- الفلسفة والأدب لا يمكن الدفاع عنه بوصفه تعالياً أزلياً على "أية لعبة لغوية خاصة"، ذاك أن تقسيم الوظائف التي ينطوي عليها تتولد من طبيعة الأوضاع المثالية التي يفترضها مسبقاً بالضرورة إمكانية طرائق الفهم غير المنصوص عليها سابقاً من قبل لغة ينظر إليها بوصفها حاصل "لعبة لغوية خاصة".‏

    الحق، يبدو ثمة شيء توقيفي، مع أنه مألوف تماماً، حول تقسيم العمل بين العلم/الفلسفة والأدب الذي يقترحه هابرماس. لم ينبغي، مثلاً، أن يمنع الأدب من التأثير في "تشكل الهوية الشخصية"؟ الهوية الشخصية هي لا محالة مسألة نزعات متأصلة إلى حد بعيد، تستجيب بطرق معينة لأنماط معينة من المواقف. إن نزعات استجابة، كهذه، كثيراً ما تترافق مع الميول المعتادة على حد سواء؛ لتفسير أنماط المواقف التي نحن بصددها بطرق تخطيطية، إن لم نقل مقولبة، إلى أبعد حد. فالرواية والمسرحية قد تطور تضمينات مواقف بطرق، هي على نحو مقنع حقيقية لتجربة القارئ في الحياة، تُفْقِد على نحو خطير استقرار طرائق التفسير التخطيطية المألوفة له وتشوش على نحو خطر استتباب طرائقه المعتادة في الاستجابة لمثل هذه المواقف. بذاك، سيعتقد المرء، أن الأدب يؤثر حتماً على "تشكل الهوية الشخصية". يتوافق هذا التسليم مع الخبرة الشخصية لغالبيتنا التي تحتفظ، من بين التأثيرات العديدة التي جعلتنا على ما نحن عليه، بمكان مهم للروايات والقصائد والمسرحيات التي كانت مصدر خبرة لكل امرئ.‏

    والغريب، يبدو لي، أن المرء بمقدوره الاقتراب من لب ما يفصل دريدا عقلانياً عن هابرماس، وبالتالي الاقتراب للسبب نفسه من غالبية نقاد دريدا، من خلال تركيزهم هنا على بلاغة محاجة هابرماس. لنأخذ مثالاً عبارة "الحدث المتعذر ضبطه لإنتاج النص". فهابرماس يستخدمها لتوصيف ما يجري في الأدب، على النقيض من "السيرورات التي تجري لغوياً" التي تكون حياة العلم والفلسفة. فالتضاد الذي تنقله الكلمات عاطفياً (لكن، هل مفردة عاطفي هي المفردة السليمة؟ هل يمكن للمرء، بأية حال، أن يميز بوضوح بين عاطفية ما يقوله هابرماس هنا، بلاغيته، نغمته وفحواه؟) هو بين استخدام اللغة لتنفذ "السيرورات" التي تتعالى على اللغة، من جانب، وبين انغماس مسكر في اللغة التي تتنازل عن كامل السيطرة الواعية للذات فوق طبيعتها نفسها إلى المقتضيات المترنحة لعباب الكلمات المتناثرة على نحو يتعذر ضبطه.‏

    إن ثيمة الأدب والفن هذه بشكل عام بوصفها تقتضي ضمناً تنازل الذات عن نفسها من طريق الهجر عن العقل وضبط النفس الأبولوني إلى القوى الديونيسوسية هي، كما يذكرنا هنري ستيتن Henry Staten، ثيمة في غاية القدم. إنها، كما يقترح ستيتن على نحو لافت، الخوف من فقدان هوية الذات، الذي يحث توصيف أفلاطون لـ"أداء أيون Ion راوية القصيدة الملحمية بوصفه أداء ميكانيكياً آلياً": "إن التحكم العقلاني الواعي تماماً للمنطوق الذي يبتغي- الحقيقة هو الوقاية الوحيدة ضد تشظي الذات التي تخبو في عباراتها." ‏

    غير أنه، إلى أي مدى يستطيع "التحكم العقلاني" أن يمضي؟ إن الفكر الذي يوحّد هابرماس ومن ورائه، بطبيعة الحال، كامل الجناح العقلاني لحركة التنوير الفلسفية مع أفلاطون عن طريق تلك المفردة المكروبة "المتعذر ضبطه" هو أن "تشكل الهوية الشخصية" ينبغي أن يمضي قدماً على نحو مثالي في ظل تحكم السيرورات التي، مهما كانت مبتكرة، تستبقي عند مستوى عميق معين صفة الاختيار العقلاني. بعبارة أخرى، إذا كانت الذات تتغير وجب عليها فعل ذلك لأنها، على مستوى معين أعمق، تقرر لأسباب وجيهة أن تتغير وبذا لا تتغير على ذلك المستوى بل تبقى هي نفسها على نحو منيع. يبدو من وجهة نظر هذا النموذج أنه على البديل أن يقر أن الذات لا تملك وحدة وبالتالي لا تملك وجوداً، بل تتكسر إلى ما لا نهاية وعلى نحو لا عقلاني في محاذاة تصدعات نص دريدا ولا نهائيته. يبدو لي أن الرعب الذي يميل بعض القراء إلى الشعور به في قراءتهم دريدا، شأنهم في قراءة نيتشه، ينشأ من واقعة أن دريدا، مثل نيتشه، يستحضر تهديد قصور الذات في النواة المنيعة للمداولة العقلانية التي تكوّن وفق النموذج العقلاني وحدة الذات.‏

    وبَعدُ، عندما تُعلَن نظرية العقلاني عن الذات بهذه الصراحة الشديدة، أيمكن الدفاع عنها عن بعد؟ لنفترض، ملتفتاً إلى الماضي، أني تغيرت، بت شخصاً مختلفاً نوعاً ما، لنفترض أيضاً أنه يمكن أن نعزو ذاك التغيير إلى اللحظة التي انتهيت فيها إلى تقدير تلك القوة العقلانية لمحاجة معينة حق قدرها؟ فهل يمكن القول دائماً أنني اخترت عن عمد، من خلال نسق محاجات مضمرة على نحو أبعد نوعاً ما، لأصل إلى أن المحاجة التي نحن بصددها مقنعة؟ مؤكد لا؛ أو بالأحرى، ألن يكون مثل هذا الافتراض في غالبية الظروف هو نفسه افتراضاً توقيفياً؟ إذ يجب أن تنتهي الأسس التي تجعل من محاجة ما مقنعة في مكان ما. إن سأل سائل عما نجده مقنعاً في الأسس المقدمة لاستنتاج معين، فإننا ننتهي أن نصرح ثانية بهذه الأسس على نحو كسيح فقط. لأنها هي، وحدها، الأسباب التي تجعل لتلك المحاجة وزناً بالنسبة لنا. لقد ترنحت ثملاً مبتعداً عن نفسي ليس إلا، على جهل بالأنواع الأبولونية للسعار الديونيسوسي، على أثر الحدث المتعذر ضبطه لإنتاج المحاجة! في هذا السياق الذي هو، بطبيعة الحال، بوضوح طريقة جنونية في التعبير عن الأشياء. ولكن هل الأمر أقل جنوناً في سياق تغير طريقة نظر المرء إلى الأشياء التي يحدثها الأدب؟ حينما يتحدث المرء عن مثل هذه التغييرات التي تحدثها البلاغة، بالمعنى الحديث للمصطلح، يكون الإيحاء، بالطبع، أنها أنجزت بوسائل لا عقلانية أو ما دون عقلانية، من خلال الإقناع أو غسل الدماغ. ولكن، أيمكن صون ذلك جدياً، بالنظر إلى غنى العلاقات بين التخييل الأدبي الجاد والواقع؟ ولمّا يقيم وليم بليك في قصيدته لندن علاقة بين:‏

    كَمْ مِنْ صَرْخَة كنّاسِ مَداخِنٍ‏

    أرْعَبَتْها كُلّ كَنِيسَة مُسْوَدَّة؛‏

    وتنهيدة الجندي المَنْحُوس‏

    دَماً تنحدر على جُدْرانِ القَصْر. ‏

    فهل ينبغي لنا أن نقول إنه ينقلنا إلى أرض أحلام مؤلفة من كلمات (حيث أعدُّها هي ما يتحدث هابرماس عنها على أنها "قوة العبارات المبتكرة للغة في الكشف عن العالم" التي تتحول إلى معناها الحقيقي في لغة واضحة)؟ أم أنه من باب أولى يقدمنا إلى تجميع قسري غاشم للأشياء التي نعرف تماماً أنها مترابطة في العالم الواقعي، على أننا نتمكن من أن نبقيها بعيدة عن بعضها ما فيه الكفاية في تفكيرنا ومشاعرنا اليومية إذ أن هذه الارتباطات تصبح غير واضحة ومخففة إن بقيت لافتة للنظر بأية حال؟ أجد صعوبة في إنكار أنه عندما يجبر المرء، كما تجبره الأبيات السابقة، على تذكر هذه الارتباطات والتأمل فيها، تكوّن التجربة ما لا يمكن للمرء إلا أن يدعوه محاجة بسبب من نوعية راديكالية بليك السياسية. يبدأ العقل والبلاغة، المحاجة والإحساس المعمق- مقولات لا يألو هابرماس جهداً أن يحجب فيما بينها- في أن تغشي الواحدة الأخرى في مثل هذا الشعر، لتكشف عن التواطؤ والاستنادات الخفية من النوع الذي سيقود المرء إلى أن يتوقعه في قراءته دريدا. الحق، أن هذه التغشية من صفات (أريد أن أقول) الأدب العظيم.‏

    إذا كان على المرء أن يتحول إلى الراديكالية (ليطور ضرباً مختلفاً للذات إلى حد ما) كنتيجة لقراءته بليك، فمن الواضح، إذن، أن أي فعل أو خيار، سوء أكان عقلانياً أم فعلاً حراً، لن يتسبب في أن تنشأ تلك الذات من السابقة؛ الذات قبل- تاثير- بليك. من وجهة نظر الذات السابقة قد تكون آراء الذات الجديدة لعنة. ولعله لا يمكن للمرء أن يتنبأ من معرفة الذات القديمة إمكانية انبعاث الذات الجديدة. بعبارة أخرى، من وجهة نظر الذات "القديمة"، يوضح التغيير فقط أنماطاً من القلقلة واللانهائية هذه التي يجدها قراء دريدا العقلانيون مروعة. أمر لا يدعو إلى الدهشة، فما نتعامل معه هنا هو حدث النمو الشخصي حيث أن عقلانيته أو عدمها هي مسألة بعض تحكم ضمني تبذله الذات "القديمة"، بل هي قدرة الذات "الجديدة" في أن تبني من جديد سيرورة التغيير من حيث التصور المعدل الخاص بها عما يعد عقلانياً؛ بعبارة أخرى، تصور قد يكون أحد ثمرات التغيير بعينه الذي يجعله واضحاً. يبدو لي، الآن، للأسباب التي وضعت لها مخططاً هنا، والتي أسهبت فيها في مكان آخر، أن إعادة البناء ليست أصعب في حالة تغيير النظرة الشخصية الذي يسببه الأدب منها في حالة تغيير النظرة الشخصية الذي تسببه المحاجة العلمية أو الفلسفية. ويبدو لي، إلى ذاك الحد، أن مقولات العقل والبلاغة التي يتهم هابرماس دريدا بأنه يخلط فيما بينها هي، إن لم تكن زائفة، على الأقل مقولات تظهر بتعمق الأنواع الدريدية للاشتراك الضمني.‏

    قد تبدو هذه الطريقة في الدفاع عن دريدا ضد هابرماس أنها تجعل فكره يتبدى أقل راديكالية، وأقل فوضوية مما أُظهِرَ عليه غالباً في المجادلات بين النقاد الأدبيين التفكيكيين ومن هم ضدهم، التي احتكرت نقاش عمله حتى الآن.لكن أعتقد أن ظهور صراع الخندق الأخير بين العقل والفوضى الذي يسم هذه المجادلات انبثق جزئياً من سمة النظريات والمناهج النقدية- النقد الجديد الأمريكي بالدرجة الأولى- التي قاومها التفكيكيون. يرى النقد الجديد- موضوع سلسلة من التحذيرات لسنا في حاجة للخوض فيها هنا- أن العمل الأدبي يمتلك معنى من شأن الناقد أن يشرحه، ولكن لا تستطيع أية إعادة صياغة نقدية للنص أن تمنح ذلك المعنى بأكمله، ولكن تجربة قراءة كلمات النص، مع فهم كامل ودقيق، تستطيع أن تمنح المعنى بكامله ونهائياً. جادل النقاد التفكيكيون في الواقع، على غرار دريدا، أن فكرة المعنى الكامل للنص في اشتقاقه من تجربة قراءة رفيعة الثقافة ومطلعة على نحو مثالي (حتى لو فسر بوصفه معنى تعددياً يعانق الاحتمالات المتقابلة للتأويل) كانت أضغاث أحلام: ذاك أنه في طبيعة نص ما بوصفه نسيجاً من كلمات ذات علاقات حرون من اختلاف الواحدة مع الأخرى وإرجائها ومع علاقاتها مع النصوص الأخرى، لا يمكن الحيلولة دون انتثار المعنى من دون حدود. وقد رد النقاد ضد- التفكيكيون، بالطبع، أن هذا كان معادلاً للقول أنْ ليس ثمة نص يملك أي معنى، أو أي معنى واقعي، على الإطلاق. لكن، هل يمكن للمناقشات الجدلية أن تظهر الاختيار بين هذه الخيارات بوصفه حقاً أمراً حتمياً، والخيارات نفسها بوصفها مستنفدة؟ ولِمَ ينبغي أن نعتقد بنص أدبي له معنى فوق معاني كلماته وجمله ووراءها؟ لماذا لا نعتقد بدلاً من ذلك بقوة كل من إفقاد استقرار استجابات القراء وإثارتها، بدون وضع أي حد لسلسلة الاستجابات التي قد تثار بطرق غير متوقعة بربط كلمات النص مع بعضها أو مع كلمات من نصوص أخرى؟ إن مثل هذه القيود غالباً ما يفترضها المقصد الخاص بالمؤلف. ولكن هنا، أعتقد أن دريدا على حق في أن ينكر، ليس ما نفهمه من أن المقصد الخاص بالمؤلف يصنع اختلافاً في التأويل، بل بأننا نستمتع بالوصول إلى المقصد الخاص بالمؤلف مهما يكن؛ إذ هو نفسه أكثر من مجرد شيء يصنعه التأويل (أي "تأثير الاختلاف والإرجاء"). فرضاً، قد نحتاج الكثير من إعادة التأويل لتحويل، لنقل، ستيرن Sterne من فاسق تنويري ساخر كما رأى فيه الفيكتوريون إلى نصراني ساخر ولكنه مخلص تماماً، غير أن، كما حاولت أن أبرهن في مكان آخر، هذا التحول في وجهة نظرنا نحو مقاصد ستيرن يستطيع أن ينظم محاجات قوية تماماً لصالح [التحول]. ‏



    خاتمة: دريدا، فتغنشتين، وأرسطو‏

    لا يمكننا التغاضي عن الفكرة الأخرى التي يطرحها هابرماس ضد دريدا ومفادها أنّ التفكيكية بتقديمها نقداً مَحْضاً سلبياً للميتافيزيقيا ليس بمقدورها أبداً أنْ تَنْعَتِقَ بِصرامة منها. على حدّ تعبير هابرماس: "يرث دريدا نقطة ضعف نقد ميتافيزيقي لا ينفلت من مقاصد الفلسفة الأولى. "فالإخفاق، بالطبع، سمة حتمية لموقع دريدا. لا انعتاق من الميتافيزيقيا لأنه لا انعتاق من اللغة ولأن الدافع إلى الميتافيزيقيا، إلى التسليم بالتماثل بين المقومات الأولية للواقع والمدلولات الأساسية للغتنا، مضمّن في التصوّر السوسيري للعلامة بوصفها توحيداً بين دال ومدلول.‏

    والمرء يمكنه دفع ذاك النقد إلى مدى أبعد. حقاً، قد لا يكون ثمة طريقة، كما يجادل دريدا، في أن نؤسّس أساليب كلامنا على صنف معيّن من المدلولات، الممنوحة من خارج اللغة للوعي أو لأيّما شيء آخر، إذ ليس من طبيعة المدلول أن يُمْنَح من خارج اللغة. لكن، لم ينبغي على المرء أن يبيح لفكره التّقيّد، والحال أن دريدا كثيراً ما يبدو عليه، بتحليل سوسير للعلامة؟ لِمَ لا ينبغي على المرء أن يحذو حذو فتغنشتين في تأسيس طرقنا في استخدام الكلمات على الممارسات المفهومة ضمناً؟ ربما تكون القضية الـ في النحو الفلسفي نصّاً فاصلاً هنا:‏

    إنّ دور الجملة في الحساب التحليلي هو فحواها.‏

    فمنهج لقياس - الطول، مثلاً- له علاقة بالنسبة لصحّة تقريرٍ ما عن الطول تماماً كنفس علاقة فحوى جملة ما بصدق هذه الجملة أو زيفها.‏

    وبخلق ممارسة، للقياس في هذه الحالة- وهي لا تحتاج إلى أكثر من مقارنة الحيز الذي تشغله أشياء متباينة على نحو نظامي عبر رؤية عدد المرّات التي نمدد فيها شيئاً آخر، موظّف قياسياً لهذه الغاية، قبالة الحيّز من أقصاه إلى أدناه - نقدّم أسلوباً لتحديد صدق أو زيف أيّ طرف من صنف القضايا التي لها شكل: طول m n A على أنّ A هو ما سنقارنه بشيء آخر و m معامل القياس (ما يُستخدم بانتظام في تأسيس مقارنات من هذا القبيل). إننا، بعملنا هذا، نستحضر مجموعة من العبارات الجديدة إلى الوجود بوصفها عناصر ممتلئة المعني في لغتنا: الطول، أطول من، مُعامِل الطول، وغيرها. مع ذلك، لم يستلزم منح معنى لكل عبارة من هذه العبارات ربط أيّ منها بكيان، مدلول، سواء أمُنِحَ هذا الكيان للوعي أم كوّنته اللغة. لقد استلزم ببساطة منح كلّ تعبير دوراً أو استخداماً معيّناً في سياق ممارسة هي بدورها لم تؤسّس على القواعد أو المقاصد بل ببساطة تأسّست على ما نفعله.‏

    إنّ هذه الرؤية إلى الأشياء، كما بيّن هنري ستيتن، تقدّم عناصر متعادلة [وحدات متماثلة في تركيبها] لعدّة استنتاجات في فكر دريدا، بما فيها الميثولوجيا البيضاء. فبما أنّ المعنى يؤسّس على ما نفعله، وبما أنّ ما نفعله يمكنه أن يتغيّر وهو غير "مقيّد في كلّ مكان، مهما كان، إلى القواعد"، ليس ثمة جواب نهائي للسؤال عمّا هو المعنى "الخاصّ" لتعبير ما. المعاني، في نظر فتغنشتين ودريدا، يتمّ التوسّع فيها داخل اللغة، إذ ليس ثمة علامة لها معنى مستقل عن باقي العلامات: "لفهم جملة ينبغي فهم لغة"57-. والممارسات التي تنتج صدق الشروط، حينما تفصل عن تلك الوظيفة، قد تنتج أيّ عدد استعارات -من النمط الذي يميّزه أرسطو بوصفه "من طريق القياس"58- لن تنتج أبداً، من خلال السيرورة التي يسخر دريدا منها بتورية على أنها الـ USURE، أيّة عودة لـ "الخاصّ"، ولن تنتج أبداً المعنى المشروط بصدقه.‏

    إلاّ أنّ فتغنشتين ليس نسخة كامبردج أو فيينا عن ديريدا، والتباين المركزي بينهما هو أنّ تصوّره عن الارتباط بين المعنى والممارسة، في المرحلة المتأخرة من فكره، قد حرّره من قبول أية نسخة من فكرة أنّ المعنى علاقة بين عبارة، علامة، وشيء آخر: مفهوم، مدلول، نسق صدق شروط. وحرّره أيضاً من الدائرة الفلسفية؛ "قارورة الذباب" إذا استخدمنا إحدى استعاراته، التي نطَنْطِن فيها سدىً عن فكرة وجوب أن يكون من الممكن أن نلصق معنى محدداً بكل عبارة قائمة بذاتها في لغةٍ بناء على رأي مفاده أن هذه الغاية يمكن بلوغها من خلال التفاف عبر اللغة برمتها، والعودة ثانية. أشرنا آنفاً إلى إواليات اشتغال ثنائي الأفكار ذاك في ذهن المثالي برادلي. تلك الثنائية التي أصبحت، من طريق كواين، البديهة المؤسّسة للكثير من تفسيرات الفلسفة الأمريكية المعاصرة في محاولاتها الحديثة لربط دريدا بالموروث الكوايني. يحاول هذا الموروث التخفيف من حدّة المفارقة في المكوّن الثاني من الدائرة عبر جعل المهمة المعينة للمعنى إمبيريقية وشرطية، مجرد مسألة إمكانات التفسير على ضوء التصديق أو المخالفة الفطري. ويفعّل دريدا من جهته المفارقة لأهميتها قلت أم كثرت من خلال التشديد المستمر على أنّ الالتفاف عن طريق اللغة التي يمكنها وحدها أن تقودنا إلى معنى حاسم لعبارة قائمة بذاتها هو التفاف غير محدّد أو أقلّه التفاف طويل على نحو غير محدّد. لن تعود سفن المعنى محمّلة بغنى جديد للحرفيّ، للمعنى "الخاصّ" لأنها لن تعود البتّة.‏

    أما في نظر فتغنشتين، فإنّ السفن ليست بحاجة لأن تشرع في الرحلة منذ البداية. نحن نعرف ما تعنيه طول 3X سنتيمترات إذْ نعلم أنّه بمقدورنا تحديد صدق أيّة جملة لها هذا الشكل أو زيفها بإنفاق مال ووقت متواضعين لشراء مقياس وحدة طول والكشف عن الكيفية التي نقيس بها. وما قد يحدث بالتالي لكلمة طول في رحلتها اللاحقة عبر الأدب والحياة لا يعنينا لأن هذه الرحلات ليست رحلات بحث عن معنى حاسم للكلمة يأخذ على عاتقه ثمناً ينبغي دفعه فقط بسبب من عودته الإشكاليّ، بل من بابٍ أولى هي بعثات لإقامة فرع منافذ وصناعات جديدة للمعنى مولّتها المصادر الأصلية للممارسة المؤسّسة.‏

    إن الحركة التي تحرر فتغنشتين من المفارقة التي ولّدتها فكرة أن الكلمات يجب أن تصل إلى شيء ما غير ذواتها، ولكن تستطيع فعل ذلك فقط من خلال بعضها بعضاً، تحرره أيضاً من مشروع الميتافيزيقيا الغربية المتصوّر بوصفه سعياً وراء الحضور الممتلئ للمعنى ونهائيّته. بعبارة أخرى، أنّه متحرّر من الاشتراك شبه الطفيلي الذي، كما يشير إليه هابرماس عن حق، يربط التفكيكية بما تفككه وقد يربط بالطريقة نفسها مشاريع تحليلية معينة، مهما تكن علميّة في طموحها، إلى مشاريع عتيقة للميتافيزيقيا الغربية تنظر إلى نفسها بوصفها قد تجاوزتها.‏

    تقود هذه الفكرة إلى أخرى. إن بقي فكر فتغنشتين خارج مشروع الميتافيزيقيا الغربية ألن يكون ثمة بعض، أو كثير، ممّا اعتبر تقليدياً بوصفه فلسفة خارج هذا المشروع ضمن مدى سواء أقلّ أم كثر؟ إلى أيّ مدى يتوجّه عمل دريدا، ليس إلى الفلسفة الغربية، إنّما إلى اتّجاهات معينة في الفلسفة الغربية التي باتت لها الغلبة في القرن السابع عشر، في المقام الأول بفضل زخم الديكارتية، وبقيت على ما هي عليه إلى القرن الحالي؟ كيف يكون الغرب، في الواقع، فلسفة غربية، إلى أيّ مدى صمّم حصن لتهميش الآخر غير الغربي ولإقصائه، وإلى أيّ مدى هي نفسها خليط من سائر ضروب التأثيرات: النصرانية، العربية، اليهودية، الهندوسية؟ إنه موضوع ضخم لتقديمه في هذا المقام الأخير ممّا بدأ على أنّه مقدمة غير أنّه مضى، ربما، إلى أبعد من حدود دراسة من هذا القبيل. لعلّه بمقدور المرء الإشارة إلى أنّ مثل هذا الموضوع يمكن البدء به عبر إمعان الفكر عن قرب أكثر لمعالجة دريدا لأرسطو في الميثولوجيا البيضاء. إنّ هذا الـ أرسطو هو سلف الميتافيزيقيا الغربية؛ أعني، أنه في نظره، يملك إحساس القرن السابع عشر الفرنسي. وقد ظهرت طرق متباينة لقراءة أرسطو في أواخر الستينيات، عبر عمل جون جونز John Jones، مارتا ناسبوم Martha Nussbaum، مايلز بيرنيت Myles Burnyeat، هيلاري باتِنم Hilary Putnam، وغيرهم. فباتنم مثلاً في مقالة لها بعنوان أرسطو بعد فتغنشتين تنفخ الحياة في أرسطوٍ يبدو، في استعداده أن يجعل الشكل تغزوه تقلّبات التجربة، قريباً من دريدا -أو فتغنشتين في مرحلته المتأخرة- أكثر مما هو عليه في ميتافيزيقيا الحضور.‏

    وهؤلاء الكتّاب جميعهم على حدّ سواء، بتذكيرهم لنا بشعور من الغرابة الشديدة تجاه الطرق القديمة في التفكير مقارنة بنافذتنا المفتوحة، مثل فتغنشتين، على الآخر المهمش بطريقة لا تفعلها كتابة دريدا تماماً رغم استكشافها الساخط النفيس للحيل وخداع النفس في سيرورة التهميش.‏



    تيريز. كوم
    17/11/2003

    tirej@tirej.com
    جميع الحقوق محفوظة بـ تيريز. كوم 2004
    ©copyright
    tirej.com,2002










                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 05:00 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)




    جاك دريدا: اسرائيل لم تعد تمثل بالنسبة لي اليهودية ولا شتات اليهود ولا الصهيونية العالمية الأصلية
    طباعة


    المحرر: كوليت مرشيليان
    التاريخ: 8/23/2004

    الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، صاحب فلسفة "التفكيكية"، محط انظار الاعلام والصحافة اليوم ليس فقط لأنه يصارع المرض منذ فترة بل لأنه ومنذ صيف 2003 تتوالى النشاطات والاعمال الفنية، السينمائية خاصة، التي تناولت حياته وفكره. وهو بدوره، وقع أعمالاً جديدة وشارك في مؤتمرات عالمية عديدة دارت حول أعماله وفلسفته التفكيكية، من لندن الى كوامبرا، مروراً بباريس وريو دي جانيرو. كذلك، أخرج آمي كوفمان وكيربي ديك فيلماً عنه بعنوان "دريدا" وذلك بعد الرائعة السينمائية "دريدا من هناك" لصفاء فتحي عام 2000. وتصدّر غلافات وملفات عدد كبير من المجلات الأسبوعية والشهرية من "الماغازين الأدبية" الى مجلة "أوروبا" الى "دفاتر الأدب"... الكثير من الاطلالات في عام واحد ومع هذا دريدا لا يخفي مرضه وارهاقه من العلاج الطويل الأمد أو مع هذا رفض ان يتحدث عن مرضه الى صحيفة "اللوموند" التي حاورته منذ أيام. نقتطف بعض المقاطع من الحوار:



    - بشكل عام، أنت تجد صعوبة كبيرة في قول كلمة "نحن"، "نحن الفلاسفة، او نحن اليهود" مثلاً. ولكن، مع هذا الخراب في العالم الذي يمتد، لا تجد صعوبة في قول "نحن الأوروبيين". وكنت قد ذكرت في كتاب سابق لك "الرأس الآخر" الصادر عام 1991 أثناء حرب الخليج الأولى انك "الأوروبي العجوز" أو القديم مثل "نوع من التهجين الأوروبي".
    ـ أحب ان اذكرك بأمرين: صحيح أنني أجد صعوبة في قول كلمة نحن، لكنني أحياناً كثيرة أقولها، وذلك على الرغم من كل المشاكل التي تعذبني في هذا الموضوع، ابتداء بسياسة اسرائيل الانتحارية واليائسة وصولاً الى الصهيونية (لأن اسرائيل لم تعد تمثل بالنسبة لي اليهودية ولا شتات اليهود ولا الصهيونية العالمية الأصلية التي صار لها وجوه عديدة ومتناقضة) وهناك عدد كبير من الأصوليين المسيحيين في الولايات المتحدة الأميركية يعتبرون انفسهم من الصهاينة "المخلصين". وهذا اللوبي يمتلك القوة والسلطة أكثر من الجماعة اليهودية الأميركية، وإذا تركنا جانباً الموقف من الأزمة العراقية في سياسة الأميركيين واليهود التي لا أوافق عليها الى جانب العديد من المواقف السياسية لهم، فأنا، وعلى الرغم من كل المشاكل مع انتمائي اليهودي، لا أرفضه ولا أتنكر له أبداً.

    قد أقول دائماً، وفي ظروف معينة، "نحن اليهود"، هذه "النحن" التي تؤرقني هي في صلب القلق في فكري، وهي ما وصفته في كتابي "اليهودي الأخير". وسوف تبقى في فكري تماماً كما حدد أرسطو الصلاة في فكره: "انها ليست حقيقية ولا مغلوطة". قد أقول أحياناً "نحن اليهود" وأحياناً "نحن الفرنسيين".
    ثم، ومنذ بداياتي في العمل هي مركز اعادة التخريب او التفكيكية التي كتبت عنها، حتى انني ضد المركزية الأوروبية في المعنى الحديث لها، وكما صورها البعض من فاليري الى هوسرل الى هايدغر، مثلاً. التفكيكية بشكل عام هي مؤسسة اعتقدها البعض موجهة كتحذير عام ضد المركزية الأوروبية. وحين يحدث معي وأقول احياناً اليوم "نحن الأوروبيين"، فالأمر مختلف هنا: كل ما يمكن تفكيكه في التراث الأوروبي لا يمنع وبسبب ما حدث في أوروبا، من انحسار دور هذه القارة والاحساس الهائل بالذنب الذي جعل ثقافتها تنحسر أيضاً (بسبب التوتاليتارية والنازية، والمجازر والاستعمار والانتداب) اليوم وفي الأجواء الجغرافية ـ السياسية الراهنة، أوروبا، أوروبا أخرى ولكن بالذاكرة عينها، تستطيع (وهذا هو التمني الوحيد لدي) ان تتحد ضد سياسة أميركا المهيمنة والمتسلطة (حسب تقارير وولفوويتز وتشيني ورامسفيلد) وضد التيوقراطية العربية ـ الإسلامية (أو سلطة رجال الدين) التي لا ضوء ولا مستقبل سياسياً لها (ولكن يجب ألا نخلط بين هاتين السياستين ونحن نتحد مع الذين يحاربون من الداخل هاتين القوتين).

    وتجد أوروبا نفسها اليوم مضطرة الى تحمل هذه المسؤولية الجديدة. وأنا لا أتكلم عن الاتحاد الأوروبي كما هو اليوم أو كما يرتسم لدى الأكثرية الحالية وهو معرض الى العديد من الحروب الداخلية، ولكني أتحدث عن أوروبا جديدة قادمة وتبحث عن نفسها. في أوروبا (جغرافياً) وخارجها. وما نسميه جغرافياً أوروبا عليه ان يأخذ على عاتقه مسؤولية، وهي مستقبل الانسانية والحقوق العالمية للإنسان، وهنا ألخص كل ايماني. وهنا لا أتردد في قول "نحن الأوروبيين" فأنا لا أتحدث عن قيام أوروبا جديدة لها سلطة وقوة عسكرية متفوقة لتحمي سوقها وتمارس نزاعها مع الآخرين، ولكن أتحدث عن أوروبا أخرى تأتي لتزرع بذرة السياسة الجديدة التي ستشمل العالم. وهي بالنسبة لي الحل الوحيد. هذه القوة بدأت تعمل. ولكن مع أن عواقب كثيرة تعترضها لكنني أظن انها ستنطلق ولا شيء سيوقفها. عندما أقول أوروبا أقصد بها هذا... ولا أقصد أن تكون سلطة عسكرية للقتال، بل سلطة عسكرية لا مهددة ولا دفاعية ولا احتياطية، بل موجودة وحاضرة دائماً لتنفذ ما تتوصل اليه قوات الأمم المتحدة (مثلاً وبكل حذر، في اسرائيل، وخارج اسرائيل ايضاً). وسوف تكون ايضاً المكان المناسب الى كل انواع العلمنة والعدل والقانون الاجتماعي، أكثر منه موقع الموروثات الأوروبية.
    أتيت على ذكر "العلمنة" هنا. دعني أفتح المزدوجين هنا لأستطرد. العلمنة هنا لا تعني "الحجاب" في المدرسة بل "الحجاب" في الزواج... لو كنت معنياً بنص التشريعات، لكنت اقترحت وبكل بساطة اختفاء كلمة وفكرة "الزواج" في نص مدني وعلماني. "الزواج" هو نتيجة وقيمة دينية ... في الانجاب والتواصل والإخلاص الأبدي، الخ... أرغب في تداخل الحكم العلماني بتعاليم الكنيسة. والزواج في وجهته الأحادية ليس من تعاليم اليهودية (لكنه فرض على اليهود من قبل الأوروبيين في القرن الماضي مع أنه لم يكن يطبق بعد لدى اليهود في المغرب) ولا هو في تعاليم الإسلام، كما نعلم جميعنا. ومع إلغاء فكرة "الزواج"، هذا الخبث المقدس والديني، الذي لا مكان له في الفكر العلماني، قد نستبدله "بالزواج المدني" او "القران المدني" وفقاً لعقد موقع من الطرفين، وهذا العقد يتم تهذيبه وتحسينه مع الوقت وقد يتم هذا العقد بين شخصين أو أكثر، أو بين جنسين مختلفين او متشابهين. أما بالنسبة الى الذين قد يرغبون في "الزواج" بالمعنى التقليدي ـ وأكن له احتراماً لا يزول - يمكن لهم ان يقوموا بذلك امام السلطة الدينية التي يختارون تماماً كما قد يرغب بعض المثليين الجنسيين في قيام زواجهم في أي مكان في العالم امام السلطة الدينية. قد يرتبط اثنان امام السلطة الدينية أو المدنية او الاثنين معاً او لا يرتبط احدهم ولا بأي طريقة. هنا أضع نقطة النهاية على موضوع الزواج. (انها طوباوية لكنني على موعد معها).



    اوروبا، ومنذ عصر الانوار والنهضة، وهي تقيم النقد الذاتي باستمرار، وفي هذا الواقع، ثمة امل كبير للمستقبل. على الأقل، انا آمل في ذلك كي تخف نقمتي أمام الاتهامات التي توجه الى أوروبا على انها لم تكن يوماً الا أرضاً للجرائم.



    بالنسبة الى موضوع أوروبا، الا تجد نفسك في موقع حرب مع الذات؟ من جهة، تقول ان أحداث 11 أيلول هدمت القواعد الجغرافية ـ السياسية القديمة للسلطات والقوى الكبرى، وبذلك تركز على مقوله جديدة للفكر السياسي الذي تقوله أوروبياً هذه المرة، ومن جهة ثانية، انت تتعاطف مع الروح الأوروبية ومع المثال الأوروبي...
    ـ حين نقول سياسة نستخدم عبارة اغريقية، مفهوماً أوروبياً افترض دائماً الدولة، الشكل "المهذب" المرتبط بالأرض الوطنية. فأياً كانت أشكال الانقسامات داخل هذا التاريخ، فإن المفهوم السياسي هذا يبقى سائداً، في الوقت الذي نجد فيه قوى كثيرة هي في سبيلها الى التفكك: فسيادة بلد لم تعد مرتبطة بالحدود والأرض، ولا تكنولوجيا الاتصالات والاستراتيجية العسكرية كذلك، وهذا التفكك يضع فعلياً المفهوم القديم للسياسي في أزمة. وللحرب، وللتمييز بين المدني والعسكري، وبين الحدود الوطنية والحدود العالمية (...) انا في حرب ضد نفسي، هذا حقيقي، ولا يمكن ان تعرفوا الى أي درجة قد تصل هذه الحرب، وهي أبعد مما تعتقدون، واحياناً قد أقول وأفكر في أمور متناقضة هي، في الواقع، حقيقية، أحياناً تجعلني أبني ذاتي من جديد، تجعلني اعيش أو أموت.
    هذه الحرب، أراها أحياناً حرباً راعبة وقاسية ولكن أعرف في الوقت ذاته، انها الحياة. ولن أجد السلام إلا في الراحة الأبدية. اذاً لا استطيع الجزم بأني قادر على فهم هذا التناقص، لكني أعرف ايضاً انه هو الذي يبقيني على قيد الحياة، ويجعلني اطرح السؤال، تحديداً، "كيف علي ان اتعلم العيش".



    (ترجمة: كوليت مرشيليان، "المستقبل")








                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 05:03 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)








    بورتريه سينمائي

    بقلم: مايكل ويت

    ترجمة: أمين صالح

    المخرجان الأمريكيان كيربي ديك وآمي زيرنج كوفمان قدما في العام 2002 فيلماً وثائقياً بعنوان دريدا، يقوم علي لقاءات مطولة أجراها المخرجان مع دريدا وزوجته مرجريت وابنه رينيه إضافة إلي آخرين. هنا نترجم ما كتب مايكل ويت في مجلة sight and sound، عدد مارس 2003، عن انطباعاته حول هذا الفيلم.

    إنه بورتريه وثائقي للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا. إننا نري دريدا، في البداية، بشعره الأشعث وهو في طريقه إلي الحلاق، ثم نلحق به وهو يخطط للعلاقة بين الفلسفة والبيوغرافيا (السيرة الذاتية) بلغة إنجليزية لا عيب فيها تقريباً، في مؤتمر أكاديمي. دريدا يظهر وهو يوجه خطابه إلي إحدي الحلقات الدراسية. والفيلم يؤكد الطريقة التي بها نشاط دريدا الفكري قد تردد صداه عبر التخوم الصارمة منذ أربعة عقود خلالها أنتج أكثر من 54 كتاباً.

    يتناول الفيلم أيضاً تأملات وملاحظات دريدا بشأن العلاقة بين الواقع المادي لحياة الفيلسوف وكتاباته. من ناحية أخري، الفيلم يتعاقب بين صور لدريدا العام ودريدا کالخاص خلال مرحلة تمتد ثماني سنوات، من مائدة الافطار إلي ستوديو التلفزيون، ومن اجتماعات عائلية إلي مجموعة من قاعات المحاضرات. والفيلم يمزج شظايا من المقابلات مع المادة الوثائقية ومقتطفات من كتبه علي شريط الصوت.

    إننا نتابع الرجل العجوز، المفعم بالنشاط، والبالغ من العمر 72 سنة، في رحلاته من فرنسا إلي الولايات المتحدة وإلي جنوب إفريقيا، حيث يجمع بين محاضرة عن موضوع کالغفران وزيارة إلي زنزانة كان نيلسون مانديلا محتجزاً فيها.

    الفيلم بورتريه منفذ ببراعة وبشكل جميل للفيلسوف جاك دريدا بوصفه نجماً جذاباً وكثير الأسفار. إنها ليست محاولة لتقديم فلسفة دريدا علي نحو نظمي وتصنيفي، أو لاستنطاق تعقيدات هذه الفلسفة. ولا يقصد من هذا توجيه نقد للفيلم، بل نعتقد أن الفيلم، في أغلب الظن، سوف يلقي قبولاً وارتياحاً من قبل العديد من الطلبة الذين وجدوا صعوبة فائقة في فهم مؤلفات دريدا.

    إن جاذبية هذا الفيلم تكمن في مكان آخر، في انفتاحه علي كل الوافدين الذين ليس لديهم إطلاع واسع، جنباً إلي جنب مع أولئك المتضلعين إلي حد بعيد في فكر دريدا - وفي اللمحات التي يقدمها الفيلم نحو المنزل والحياة العملية لواحد من أكثر فلاسفة اليوم أهمية وشأناً.

    التوكيد في المقابلات هو علي عرض الذهن التحليلي المتألق وهو يعمل. دريدا مرهف الملاحظة في المشاهد التي تقتضي منه أن يناقش موضوعاً يطرح علي نحو اعتباطي تقريباً، وينتظر منه أن يرتجل بتوسع في إجاباته علي أسئلة الكاميرا. عندما تنجح الاستراتيجية فإن النتائج تكون رائعة: مراقبة دريدا وهو يلاحق فكرة أو يصوغ ويجيب علي سؤال يطرحه بنفسه، هي - هذه المراقبة - غالباً ما تكون ساحرة، كما عندما يوجه إليه مثل هذا السؤال: ما الذي تود سماعه من هايدجر أو هيجل أو كانت في فيلم وثائقي مماثل لهذا الفيلم؟ (كانت إجابة دريدا: حياتهم الجنسية).

    هناك أيضاً مقابلات مع وعن أفراد عائلته: المناقشة الطارئة، العرضية، عن حبه لأخته. الرهبة التي تظهر علي وجه أخيه رينيه فيما هو يحاول أن يقدم بياناً عن مواهب جاك. محاولة جاك وزوجته مرجريت تذكر اليوم الذي التقيا فيه للمرة الأولي في يوم عطلة وذلك في العام 1953.

    الثيمة البنائية المركزية للفيلم هي ما يقدمها دريدا نفسه في البداية عندما يورد تلخيص هايدجر لحياة أرسطو: کولد.. فكر.. ومات، وكل ما تبقي هو محض حكاية. الفيلم يستنطق بدماثة هذا الوضع، وثمة في ما يبدو تشكيلة عشوائية من الوقائع البيوغرافية (المتعلقة بالسيرة الذاتية) العادية أو المألوفة: دريدا كان قد طرد من المدرسة وهو في سن الخامسة عشرة لأنه كان يهوديا. ورفض عرضاً من الكاتبة والمخرجة السينمائية مرجريت دورا لتأدية دور في أحد أفلامها. وفي فترة مراهقته، حلم دريدا بأن يصبح لاعب كرة قدم محترفا.

    المخرجان لا يعتمدان علي السرد الكرونولوجي (المتسلسل زمنياً) بل ينتزعان من الأجزاء المصورة ما يتلاءم مع تركيب بورتريه سمعي بصري مفعم بالحيوية وجذاب للغاية والفيلم يذكرنا أحياناً بأشكال واستراتيجيات السينما السياسية في السبعينات، مقترحاً في المقام الأول عبر الاستطراد والكولاح، مازجاً أحجام BETA وDV.

    إن معالجة صانعي الفيلم، المتسمة بالاحترام، للمادة، إضافة إلي حضور دريدا الذي يبدو جذاباً وحليماً ويقظاً ومرحاً، ومليئاً بالطاقة، كل هذا يجعل من مشاهدة الفيلم والاستماع إلي دريدا تجربة ممتعة، وبصرف النظر عن دور الفيلم في حث المتفرج علي البحث عن أقرب مكتبة لشراء مؤلفات دريدا، فإن الفيلم يظهر ذلك الحضور الساحر (الكاريزمي) لدريدا والذي يضاهي حضور النجم السينمائي.

    لقد تركني الفيلم مع فكرة غريبة بعض الشيء: ماذا لو استطاع مخرجو الموجة الجديدة في الخمسينات أن يلتقطوا دريدا جنباً إلي جنب مع بريجيت باردو وبلموندمر، ماذا لو نجحت مرجرريت دورا في إقناعه بأن يمثل في فيلمها.. هل كان يمكن لتاريخ الفلسفة وتاريخ السينما الفرنسية أن يتغيرا، وأن يبدو مختلفين تماماً عما هي الآن؟

    حريدة الأيام في 1 يونيو 2003
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 05:08 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

وداعا جاك دريدا ومفهوم "المغفرة" (Re: osama elkhawad)

    المغفرة كفعل تحدٍ للتقاليد والإجماع
    Richard Holloway

    On Forgiveness

    في المغفرة

    Canongate Books

    Edinburgh- New York, 2002

    98 pages.



    هناك مغفرة فقط حيث ثمة ما لا يُغفر، على ما يجادل الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا. فلكي يستحق فعل المغفرة الصفة المنسوبة اليه، لا بد وان يكون غفراناً غير مشروط لما لا يُغفر. فإذا ما أتى هذا الفعل مسبوقاً او ملحقاً بالتوبة، او بالاقرار بالذنب وإصلاح ما أفسد، فإنه لا يكون بأصدق من سبيل مصالحة تمليها رغبات الجماعات ومصالحهم. ففي مثل هذه الحالة فإن من يحظى بالمغفرة ليس الشرّ او فاعله، اي المذنب، وإنما التائب والمعترف بالذنب، اي عملياً شخص آخر مختلف لمن يحتاج الى المغفرة. هذا في حين ان فعل المغفرة هو ذاك الذي يغفر ما يستحيل العودة عنه وإصلاحه.

    فلئن بدا مثل هذا التعريف "مفرطاً ومغالياً ومجنوناً" على ما يصفه دريدا، فهذا لأن المغفرة، على ما يجادل الفيلسوف الفرنسي في مقالة شهيرة له (كنا قد عرضنا لها من قبل على هذه الصفحة)، لهي جنون وينبغي ان تلبث "جنون المستحيل". والمقصود بالجنون ههنا، ان المغفرة فعل غير مقدر او محسوب، وغالباُ ما يباغت المستقر والتواضع عليه، تماماً كما يفاجىء فعل الثورة سياق التاريخ والسياسة والقانون. ففي مثل هذا السياق ليس ثمة سياسة او قانون مغفرة، الاّ بما تقتضيه الحاجة وتشترطه المصلحة.

    انه لمن هذا التحدي الذي يطرحه دريدا، ينطلق ريتشارد هالواي، الكاتب البريطاني، مطران إدنبره السابق واستاذ "الإلهيات" في جامعة لندن، في كتابه موضوع هذه القراءة. وعنده ان الدين الإبراهيمي (اليهودية والمسيحية والإسلام) لهو أكفأ من تعامل مع مسألة المغفرة. وتاريخ الوعي الإنساني بمحنة الآخرين ليتجلى خير ما يتجلى في الدعوات التوحيدية الابراهيمة الى التعاطف والعفو عما مضى.

    ولعل ما ييسر للكاتب التصدي لهذا التحدي، وسوق حجج حسنة الوقع، انه لا يستند الى فرضيات او مسلمات تهمّش او تستبعد الجمهور العلماني ، والليبرالي النزعة، على الأرجح، ممن يتوجه اليه أصلاً. فهو لئن جادل لصالح الدين، فإنه لا يمانع الأخذ بشرط، او مفارقة اخرى من مفارقات دريدا، شأن القول ب"الدين من غير دين"، اي الدين من دون المؤسسة الدينية بما تُملي من تطبيق تعاليم او تنفيذ وصايا وممارسة طقوس وشعائر. انما هو القيم الإلهية، كالحب الالهي بما هو العدل وليس الإلتزام الحرفي بالنصوص الدينية. ولا يضير الكاتب ايضاً الاخذ بالمعرفة العلمية حول بدء الوجود عوضاً عن حكاية الخلق الدينية. فالغاية الأسمى، وإن الأعسر، على ما يجادل الكاتب، هي معرفة "كيف" وليس "لماذا"- كيف يزودنا الدين بنظرية للمغفرة تنال الرضا ولا تتجاهل، في الوقت نفسه، حجم التحدي الذي يشير دريدا اليه؟ وصعوبة معرفة "كيف" هذه تنبع من حقيقة ان الكاتب يحاور جمهوراً علمانياً، وليبرالياً على الأغلب، اي جمهوراً سياسياً يتطلب حجة تُقرّ بفرضياته وتجاري طموحاته العمليّة.

    لذا فهو يُرجىء الكلام على المغفرة غير المشروطة، او المستحيلة، على ما يصفها، الى ان يتسنى له إقامة الحجة على ان المغفرة المشروطة نفسها ضرورية وملازمة لمطلب العدل.

    يسوق الكاتب في سبيل هذا الغرض ثلاث حجج مستمدة من أمثولات إنجيلية: اولاها، ان الوجود الانساني من السعة والتعقيد ما يجعل من العسير إحصاء كافة ذنوب البشر، ومن ثم غفرانها واحداً إثر الآخر. وحيث ان هناك من الآثام، مما يُقترف من دون مشيئة او معرفة المذنب، فإن البشر جميعاً غير معصومين من شبهة إرتكاب الآثام، من ثم فإن الدعوة الى المغفرة ليست دعوة مستحقة الى مجموعة معينة، من الافراد والجماعات ، وانما لكافة بني البشر. فيتوجب على المرء المغفرة لأنه يتوقع ان يُغفر له ما إقترف او ما قد يقترف من ذنب، سواء ادرك إقترافه ذنباُ ام لم يدرك.

    ثانياً، ان جلّ جرائم البشر وآثامهم لا تنحصر بالظروف الوثيقة الصلة بهذه الأفعال، وانما غالباً ما ترتبط بظروف وملابسات أشمل وأعقد، وبما يتجاوز كلاً من الجاني والضحية. وان معرفة لهذه الظروف الشاملة تبيّن انه حتى حينما يكون من المتعذر غفران الجريمة، فإن سلوك الجاني كان محكوماً بجملة من العوامل التي تتجاوز مدار إرادته المباشرة. ومثل هذه الحقيقة قد لا تعفيه من المسؤولية بيد انها توجب المغفرة، تبعاً للتقاليد الدينية، خاصة إذا ما أقرّ الجاني بالذنب.

    ثالثاً، وهي الحجة الأهم، ان المغفرة لهي السبيل الوحيد لتحرير الضحية من عبء الماضي. وقد يكون من العدل الخالص الاّ تغفر الضحية لمن أساء اليها وألحق الأذى بها، ولكن لأن من المستحيل إسترجاع الماضي والحؤول دون حصول ما حصل، فإن المغفرة تكون السبيل الوحيد لئلا يتحول الماضي الى "حفّار قبور الحاضر والمستقبل" على حد تعبير شهير لنيتشه. وحالة التثبيت عند الماضي التي يعمد بعض الضحايا الى الأستسلام اليها، انما تعني ان حياة الضحية بما تنطوي عليها من إمكانيات وإحتمالات لا تُحصى، قد إنتهت عملياً، وأن الحاضر والمستقبل ما هما سوى ملحق او تتمة للماضي.

    ومن الواضح ان هذه الحجج تنهج سبيل العقلنة النفعية الذي يُظهر ان سياسة المغفرة المشروطة لهي في صالح الجميع سواء لغرض تحقيق سلام كوني او إنقاذ الضحية من وسواس الإنتقام والثأر. بيد ان هالواي يدرك ان هذا الوسواس، مثلاً، قد يكون من النفوذ والرسوخ في نفس الضحية بحيث يتضاءل في حضوره اي مردود نفعي للمغفرة المشروطة، وبما فيه إستعادة حياتها المرهونة للماضي. الى ذلك فثمة من الجرائم الفظيعة ما يجعل من المحال إصلاح ما أُفسد، بل وحيث الأذى من الهول ما يجعل التوبة والإقرار بالذنب، اي شروط المغفرة المشروطة، امر لا جدوى منه، بل ولا معنى له. فأي جدوى للإقرار بالذنب حيال "تجارة الرق" او "المحرقة" او غيرهما من الجرائم التي أودت بحياة ملايين البشر؟ وأي معنى هناك لإقرار كهذا؟

    هنا تبرز الحاجة الى المغفرة غير المشروطة- المغفرة بإعتبارها غاية بحد ذاتها لا إحتساب فيها لمنفعة لاحقة، مباشرة او غير مباشرة. و مستعرضاً أمثولة إنجيلية حول ذاك الأب الذي يغفر لإبنه العاق أفعاله المشينة،قبل توبة هذا الأخير بل ومن دون ان يتوقع (الاب) توبته اصلاً، يخلص هالاوي الى ان هذه هي المغفرة غير المشروطة، طالما ان فعل المغفرة قد أغفل ما تمليه التقاليد والقوانين والاعراف التي تتبعها الجماعة التي ينتمي الأب المذكور اليها. لو كان الأب قد أخذ بعين الحسبان شروط الجماعة وقوانينها لما إستطاع ان يغفر لإبنه من دون شروط مسبقة، او على امل ان يتوب الابن بعدما يُغفر له، بيد ان تجاوزه لهذه القوانين هو الذي أفسح المجال لإنبثاق فعل مفاجىء لا يحتكم او يجاري سياسة الافعال المتواضع عليها. تماماً كما هي الثورة، على حد تعبير دريدا، "تُفاجىء مسار التاريخ والسياسة والقانون" وتتجاوزها جميعاً، ولكن من دون ان تُرسي اساس سياسة وقانون بديلين.

    وكأي مقدم على فعل مفاجىء لا غرض له الاّ ذاته، فإن المبادر الى مغفرة خالصة سيُتهم بالغفلة والمغالاة والجنون، او حتى الخيانة، نظراً الى خرقه محور الاجماع واعراف الجماعة. ولكن هل نجى انبياء الدعوة الابراهيمية من تهمة الخيانة والجنون، من قِبل جماعاتهم؟ وهل يمكن الكلام على قيمة كونية تتجاوز حدود الجماعة ومصالحها من دون الاستعداد لهذا الجنون، لهذه الخيانة؟

    (الحياة – ملحق تيارات 25/11/2002)

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

11-10-2004, 05:17 PM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

نظريات التلقي وتحليل الخطاب ومابعد الحداثة (Re: osama elkhawad)

    د. حامد أبو أحمد

    (*) الخطاب والقاريء.. نظريات التلقي وتحليل الخطاب ومابعد الحداثة- حامد أبوأحمد- كتاب الرياض- العدد 30 - يونيو 1996- ص191-225.

    --------------------------------------------------------------------------------

    1-مفهوم ما بعد الحداثة - مقدّمة

    مصطلح الحداثة هو أحد المصطلحات التي دار، ومازال يدور، حولها جدل كبير في العالم العربي. وقد ظهرت كتب كثيرة حول هذا الموضوع خلال الثلاثين عاما الماضية. وهذه قضية قد نتوقف عندها بشيء من التفصيل فيما بعد إن شاء الله. لكن الذي يعنينا الآن هو مصطلح "ما بعد الحداثة" الذي كثرت الكتابات عنه في أوروبا وأمريكا خلال عقدي السبعينات والثمانينات من هذا القرن الميلادي، وصار يشكل قضية مهمة في الثقافة الغربية في صلتها بتطور الحياة والمجتمعات هناك. وسوف نتناول هذه القضية معتمدين بصفة أساسية على الترجمة العربية لكتاب نشر عام 1994 ضمن سلسة "الألف كتاب الثاني" التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب. ويحمل الكتاب عنوان "ما بعد الحداثة –تحليل نقدي" وهو من تأليف مارجريت روز وترجمة أحمد الشامي، وتنبع أهمية هذا الكتاب من أنه يقدم تحليلا نقديا لكثير من الكتابات التي تناولت مفهوم " ما بعد الحداثة" وما يتوازى معه أو يرتبط به من مصطلحات ومفاهيم أخرى، وخاصة مصطلح "ما بعد الصناعي".

    ولنبدأ بالجانب التاريخي في محاولة لتحديد الفترة التي شهدت ظهور ما بعد الحداثة.و سوف نجد صعوبات كثيرة في هذا التحديد لسبب بسيط هو أن مصطلحي "الحداثة" و "ما بعد الحداثة" من أكثر المصطلحات استعصاء على التحديد.

    و الواقع أنه- كما يقول محمد عابد الجابري- ليست هناك حداثة مطلقة وكلية وعالمية، وإنما هناك حداثات تختلف من وقت لآخر و من مكان لآخر.و بعبارة أخرى فإن الحداثة ظاهرة تاريخية، وهي مثل كل الظواهر التاريخية مشروطة بظروفها،محددة بحدود زمنية ترسمها الصيرورة على خط التطور، فهي تختلف إذن من مكان لآخر، و من تجربة تاريخية لأخرى، الحداثة في أوروبا غيرها في الصين، غيرها في اليابان…من هنا تأتى خصوصية الحداثة عندنا،أي دورها الخاص في الثقافة العربية المعاصرة،و هو الدور الذي يجعل منها بحق حداثة عربية(1).و ما يقال عن الحداثة في هذا الصدد ينطبق على ما بعد الحداثة،بل أن الأخيرة أكثر دخولا في التنوع و الاختلاف،و هذا ما تعكسه الحوارات و المناقشات التي سوف نتعرض لها في هذه الدراسة.

    وقد عرض كثير من المؤلفين الأوروبيين لاستعمال مصطلح ما بعد الحداثة،و من هؤلاء مايكل كولر MICHAEL KOEHLER في مقال له عام 1976 تحت عنوان POSTMODERNISM أشار فيه إلى استخدام المصطلح واشتقاقاتة عند فيديريكو دي أونيس عام 1934، وعند عالم الأنثروبولوجيا دادلي فيتيس عام 1942، وعند أرنولد توينبي المؤرخ الشهير الذي يرجع استخدام هذا المصطلح عنده إلى عام 1947 حسب رأي كولر، وهناك أيضا تشارلز أولسون ( فيما بين عامي 1950 و195 وإيرفنج هاو ( 1959)، وصولا إلى المتأخرين من أمثال هاري ليفين ( 1969) وليزلي فيدلر ( 1965) وأميتاي انزيوني( 196 وإيهاب حسن في مقاله عما بعد الحداثة عام 1971 رالف كوهين في "التاريخ الأدبي الجديد" عام 1971. وبعد أن ينتهي مايكل كولر من هذا الاستعراض لمصطلح ما بعد الحداثة يقول إنه من الواضح عدم وجود اتفاق على ما يمكن اعتباره "بعد حديث". ويرجع ذلك لأسباب كثيرة منها المعنى المزدوج لمفهوم الفترة " الحديثة". فلفظ الحديث – كما يقول كولر- يمكن اعتباره مرادفا لكلمة DIE NEUZEIT الألمانية التي تعنى حرفيا " العصر الجديد " رغم أنها تترجم عادة " الفترة الحديثة " THE MODERN PERIOD ، أو العصور الحديثة MODERN TIMES ، وهذا التعبير من وجهة نظر كولر يشير إلى الفترة الممتدة منذ عصر النهضة الأوروبية، أي منذ حوالي عام 1500 م ومع هذا يخلص كولر إلى أن ما بعد الحداثة لم تبدأ في التشكل إلا في السبعينيات، أي منذ عقدين من الزمان ومن ثم فإنه يسمى الفترة من عام 1945 حتى عام 1970 باسم الحداثة المتأخرة . وهذا التقسيم يعد أكثر التقسيمات مصداقية عند كثير من مفكري ما بعد الحداثة، إذ يرون أن الحداثة تبدأ من منتصف القرن التاسع عشر تقريبا وتستمر حتى العقود الأولى من هذا القرن أو حتى منتصفه ، وبعضهم يعود ببداية الحداثة إلى القرن الثامن عشر ، وهو المسمى في أوربا " عصر التنوير" وتستمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية لكي تعقبها فترة الحداثة المتأخرة.

    ويحدد تشارلز جنكس في مؤلف له عن ما بعد الحداثة أزمنة الحديث في الفترة من عام 1920 حتى عام 1960، والحديث المتأخر خلال عقد الستينيات،أما ما بعد الحديث فيتداخل مع المرحلة السابقة إذ يبدأ من الستينيات ويستمر حتى الآن. ولكن تحديدات جنكس تختص بمجال العمارة. وسوف نرى فيما بعد أن ما بعد الحداثة لا تقتصر على الآداب والفنون فقط ، بل تشمل مجالات كثيرة من أهمها العمارة . ومن ثم فإن هناك مؤلفين كثيرين وقفوا أبحاثهم المابعد حداثية على الميدان المذكور، وتوسعوا في بحث سماته وخصائصه وتداخله مع الميادين والتيارات الأخرى.

    أما الناقد المصري الأمريكي إيهاب حسن – وهو من أبرز المتخصصين في أبحاث ما بعد الحداثة وصاحب الفكرة التي تقول باستحالة التحديد – فقد قدم في بحثين منشورين عامي 1971 و1980 على التوالي نوعا من التحديد لتاريخ ما بعد الحداثة، إذ رأى اعتمادا على سمات وخصائص معينة أن فترة ما بعد الحداثة تبدأ منذ الثلاثينيات من هذا القرن، بل إنها– أي ما بعد الحداثة –يمكن أن تعود إلى التسعينيات من القرن الماضي. ومعنى ذلك أن الفترة التي تعود إلى التسعينيات من القرن الماضي. ومعنى ذلك أن الفترة التي شهدت ظهور ما بعد الحداثة في بعض البلدان هي نفسها التي شهدت ظهور الحداثة أو الحداثة المتأخرة في بلدان أخرى. وهذا ليس بغريب فهناك الآن، في العالم، بلاد لم تدخل مرحلة التحديث بعد، وبلاد أخرى مازالت على الأعتاب، وبلاد تعاني من أعتي صنوف التخلف… هذا إذا نظرنا إلى الحداثة من منظور شامل يشمل العالم كله، أما إذا اقتصرنا على العالم المتقدم في أوروبا وأمريكا وبعض بلاد العالم الأخرى نجد أن الفروق ليست شديدة التفاوت. وكل هذا إن دل فإنما يدل على أن مصطلحي الحداثة وما بعد الحداثة ينطويان على كثير من المشاكل وكثير من التعقيدات سواء بالنسبة لتحديد الفترة، أو بالنسبة لتحديد المفهوم على نحو ما سنرى في السطور التالية. وعلى أية حال فإننا نجد أنفسنا أكثر ميلا إلى الرأي الذي يقول إن ثقافة هذا القرن العشرين هي ثقافة ما بعد الحداثة.


    --------------------------------------------------------------------------------
    مفهوم ما بعد الحداثة

    هناك – كما أسلفنا – ارتباط كبير بين مصطلحين يميزان المرحلة الجارية في أوروبا وأمريكا وهما " ما بعد الحداثة " و " ما بعد الصناعي " . وسوف نحاول البحث عن تحديد أو تعريف لما بعد الحداثة من خلال عرضنا لآراء مجموعة من المؤلفين، ثم ننتقل إلى المصطلح الثاني لعرض الآراء الدائرة حوله كذلك وإبراز التداخل الحادث بين المصطلحين، وما ينطوي عليه ذلك من تمديد وتشعيب وتداخل لحركة الثقافة في المجتمع. وهذه سمة تميز دوائر البحث الآن في كل أنحاء العالم. وسبق أن نبهنا إليها عندما كتبنا عن علم النص وقلنا إنه علم عبر التخصصات INTERDISCIPLINARIO، أي يتناول الظاهرة اللغوية عبر مجموعة من التخصصات العلمية كعلوم القواعد واللسانيات والتاريخ والاجتماع والاقتصاد وسواها. ثم إنه لم يعد يقتص على دراسة اللغة الأدبية، كما كان الحال فيما مضى، بل يمتد ليشمل لغة الحديث، ولغة الصحافة والاقتصاد، والسياسة ...الخ .

    ونتوقف أولا عند ديك هيبدايج ######## HEBAIGE في كتاب له صادر عام 1988(2)، حيث يقول إن نجاح مصطلح ما بعد الحداثة قد ولد مشاكل خاصة به. ثم يشير إلى أنه مع انتهاء عقد الثمانينات سوف تزيد صعوبة التحديد الدقيق للمعنى وراء مصطلح " ما بعد الحداثة"، لأنه يتشعب عبر مناقشات مختلفة، ويتجاوز الحدود ما بين فروع المعرفة المتنوعة، وتسعى أطراف مختلفة للاستشهاد بهذا المصطلح واستخدامه للتعبير عن خضم من الأشياء والتوجهات والطوارئ المتنافرة. ويقدم هيبدايج عدة استعمالات لمصطلح ما بعد الحداثة عند آخرين مثل جان فرانسوا ليوتار الذي قال عن ما بعد الحداثة إنها حركة تقبل بمفهوم " كله ماشي" وذلك أثناء الهجوم الذي شنه على مفهوم آخر يختص بعمارة ما بعد الحداثة . كما عرض هيبدايج لآراء وأفكار كتاب آخرين مثل جاي ديبور في كتابه " مجتمع المشاهد (بفتح الميم ) " (1967) وجان بودريلارد في أعماله الصادرة في السبعينات وغيرهما لكنه – أي هيبدايج – بدا وكأنه قد تبنى مفاهيم بودريلارد عندما قال: " إن ما بعد الحديث هو الحداثة الخالية من الأحلام والآمال التي مكنت البشر من احتمال الحداثة "، ويضيف: " إن ما بعد الحداثة هي حالة من فقدان المركزية، ومن التشعب، نُساق فيها من مكان إلى مكان عبر سلسلة متصلة من السطوح العكسية كالمرايا المتقابلة ، تجتذبنا صرخة الدال SIGNIFIER المجنون " . ويصف هيبدايج ما بعد الحداثة بأنها التلفيق، والتعارض ( أي المحاكاة الأشكال السابقة ومزجها )، والأليجورية ( المجاز)، والفراغ المفرط في العمارة الجديدة.

    وممن استعملوا مصطلح ما بعد الحديث في فترة مبكرة جوزيف هودنوت HUDNUT ، الذي يقال إنه استخدمه منذ عام 1945، وربما قبل ذلك التاريخ. ويصف هودنوت عمارة ما بعد الحداثة بأنها لون من البناء سابق التجهيز يتم على نطاق الإنتاج الضخم. وهذا المفهوم يرفضه حاليا كثيرا من المعماريين المنتمين لمذهب ما بعد الحداثة لأنهم يرون أنه يصف عمارة الحداثة المتأخرة ULTRA- MODERNISM وليس ما بعد الحداثة . وقد كتب هودنوت ، في مقال منشور عام 1945 يقول: لا أتخيل إنسانا رومانسيا يملك المنزل الذي سأصممه للمستقبل. ولن أدافع عن اختيار العميل لأنه ينبع من الضعف البشري. كلا، لسوف يكون المالك إنسانا حديثا أو إنسانا ينتمي لمذهب ما بعد الحداثة إذا تصورنا وجود مثل هذا المفهوم: فلا عاطفة، ولا خيالات جامحة ولا أهواء. ومن ثم سيكون ذوقه وتفكيره أكثر انتسابا لأسلوب الحياة في مجتمع جمعي صناعي، وسيبدو له العالم بمثابة نظام من التتابع السببي يتحول في كل يوم على أيدي معجزات العلم المتراكمة ". وكما هو واضح فإن منزل المستقبل في عرف جوزيف هودنوت هو المنزل أو الكوخ سابق التجهيز. لقد تخيل هودنوت، تلك المنازل في مقالات منشورة عام 1949 على النحو التالي:" إنها تضغط بواسطة ماكينات عملاقة تشكل البلاستيك أو الصلب ، وتنتج خطوط التجميع عشرات الآلاف منها، وتسلم في أي مكان بمجرد طلبها بالهاتف، وتصبح جاهزة للسكنى بمجرد ربط بعض المسامير". وقد كتب تشارلز جنكس في كتاب له صادر عام 1986 عنوانه WHAT IS POST- MODERNISM ? أن هودنوت أدخل مصطلح " ما بعد الحداثة " إلى عالم اللاشعور المعماري. ولعل جنكس استقى ذلك من قول هودنوت: " إننا نتعلم بعد كيف نضفي معنى مقنعا على الأساليب والدوافع الحديثة ".

    وقد استخدم المؤرخ الشهير أرنولد توينبي مصطلح ما بعد الحديث في عدة أجزاء من كتابه A STUDY OF HISTORY صدرت عامي 1939 و 1945، فضلا عن طبعات أخرى مختصرة. ويستخدم توينبي هذا المصطلح للإشارة إلى التغيرات التي شهدتها الحضارة الغربية منذ نهاية القرن التاسع عشر،ولِوَصْف الفترة التي تبدأ منذ الحرب العالمية الأولى (1914-191 .ويؤرخ توينبي بما بعد الحديث للإشارة إلى ظهور الطبقة العاملة الصناعية في المدن، وذلك بعد أن استخدم كلمة حديث MODERM للإشارة إلى الطبقة الوسطى في الحضارة الغربية، وفي ذلك يقول: " إن تعريف الثقافة الغربية الحديثة، باعتبارها حقبة من التطور الثقافي الغربي تتميز بصعود الطبقة الوسطى، يلقى الضوء على الظروف التي ربما يتمكن فيها أي غريب متلق لتلك الثقافة من أن يجعل منها ثقافته الخاصة، وذلك قبل بدء حقبة ما بعد الحداثة في الغرب التي تتسم بظهور طبقة عاملة في المدن الصناعية. ففي العصر الحديث في التاريخ الغربي تتناسب قدرة غير الغربيين على الاستغراب مع قدرتهم على الأخذ بأسلوب حياة الطبقة الوسطى في الغرب ".

    ومن الاستعمالات المبكرة أيضا لمصطلح ما بعد الحداثة ما ورد في كتابات المؤرخ الفني الأسترالي برنارد سميث ولعلّه واحد من أقدم من طبقوا هذا اللفظ في القرن العشرين على الفنون البصرية. وقد استخدمه في خاتمة عمل له صادر عام 1945 حيث استدل به على ظهور واقعية سياسية واجتماعية جديدة في أعمال الفنانين الإستراليين نويل كونيهان، و جوزل بيرجنر، وفكتور أوكونور.

    وفي هذا الشكل الجديد من الواقعية تمتزج عناصر مستوحاة من التعبيرية بأخرى مستمدة من أساليب مختلفة من القرن العشرين مع التصوير الواقعي لموضوع الفقر والكدح في العمل. ويضع برنارد سميث خصائص للفن " بعد الحداثي " يستقيها من أعمال كتاب آخرين على النحو التالي:

    توينبي (1934) : ما بعد الحرب العالمية الأولى =حقبة ما بعد الحداثة –الفن الحديث =الأشكال المهجورة البيزنطية (الطراز القوطي الجديد أو ما قبل الروفائيلية) أو المستقبلية.

    دي أونيس (1934): وكل من كيتيس وهيس (1942) : شعر ما بعد الحداثة= رفض للزخرفة الحداثية الأسبق زمنا.

    هودنوت (1945): المنزل ما بعد الحديث=

    1-امتداد الوظيفة المميزة للحركة الحديثة، واختفاء الزخارف.

    2-يحتاج إلى حساسية المعماري.

    سميث (1945): الفن الحديث " بعد البيزنطي " =رفض للزخرفة واتجاه نحو مزيد من التجريد، فن ما بعد الحداثة ( في الأربعينيات ) =رفض للتجريد الحداثي.

    وهناك مفاهيم أخرى للحداثة وما بعد الحداثة في العالم المتحدث باللغة الأسبانية (أسبانيا وأمريكا اللاتينية) نتركها الآن لفترة لاحقة عندما نركز على مفهوم الحداثة الذي كان له في أمريكا اللاتينية بالذات اعتبار خاص(3). ولعلنا لاحظنا، في السطور السابقة، أننا اقتصرنا على النظريات المبكرة لمفهوم مرتبطة بمفاهيم المجتمع بعد الصناعي، والتي تكونت خلال العشرين أو الثلاثين عاما الأخيرة لوصف التغيرات الحادثة في التكنولوجيا والمعرفة العلمية وطبيعة العمل. وهذا ما سوف نناقشه في السطور التالية.

    مفهوم ما بعد الصناعي

    استعمل هذا المصطلح في كثير من الأعمال التي ظهرت في الفترة الأخيرة عن عصر"المعرفة " أو "المعلومات " المعتمدة على الحاسب الآلي، فضلا عما يتعلق بالمفاهيم الخاصة بطبيعة العلاقة بين المجتمع الصناعي والمجتمع بعد الصناعي. وقد سجل دانيال بل في دراسة مهمة له ظهرت عام 1973 تحت عنوان " الدخول إلى مجتمع ما بعد الصناعي " استعمالات مبكرة لفكرة ما بعد الحديث في مؤلفات لارثر ج.بنتي (1917)، وديفيد ريزمان (195 وهيرمان كان وانتوني ج.فينر ( 1967) وزبيجنيو بريزنسكي(1970)، وكينيث كنيستون وبول جودمان (1971) و آلان تورين، وروجيه جارودي وغيرهم. وكان آرثر بنتي من أوائل من كتبوا عن عدم ملاءمة المنتجات الصناعية لفن العمارة، وقال باستحالة الخروج بلون معماري جديد من تلك المنتجات. وفي كتاب له عنوانه "ما بعد الصناعي " (1992) كتب يقول : "إن كافة ألوان الفن بلا استثناء يتهددها الفناء بشكل أو بآخر بسبب الإنتاج الآلي. ولا يبدو أن ثمة بديلا لكل ما هو مهدد. ويمكن القول بأن مشكلة العمارة بالغة التعقيد بحيث لا يمكن إطلاق تعميمات مبسطة عليها. لكن العمارة تتعرض لهجوم من كل جانب، تشنه عليها مجموعة متشابكة من التأثيرات التي يحاول المعماري مجابهتها بلا فائدة. ومعظم هذه التأثيرات جاءت نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لإنتاج الآلة الذي لا تنظمه قواعد". ويدعو بنتي للعودة إلى المجتمع الحرفي اللامركزي القائم على الورش الصغيرة، حيث العمل الذي يسمو بالنفس،وهو المجتمع الذي يطلق عليه "دولة ما بعد الصناعية " ولكن بنتي تعرض بعد سنوات للنقد باعتبار أنه يقدم رؤية رجعية غير واقعية للمجتمع بعد الصناعي الجديد. وعلى الرغم من ذلك فإن معظم النظريات الحديثة المتعلقة بمجتمع ما بعد التصنيع لا تزال تحمل لمحات من رؤية بنتي المتمثلة في أن تنظيم الآلات والتحكم فيها. وتقسيم العمل بين الإنسان والماكينات قضايا جوهرية في المذهب الصناعي والمذهب ما بعد الصناعي.

    وتختلف صفات مجتمع ما بعد الصناعة من مؤلف لآخر وفقا لرؤية كل منهم وموقفه من طبيعة العمل والإنتاج. فإذا كان بنتي قد أدان مجتمع الرفاهية الذي صنعته الآلات، فإن ديفيد ريزمان يطابق بين هذا المجتمع المرفّه ومجتمع ما بعد التصنيع، وقد استخدم برزينسكي عام 1970 وصف " المجتمع التكنوقراطي " للدلالة على المجتمع الذى تسوده التكنولوجيات والإلكترونيات في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد انتقد دانيال بل هذا المفهوم لما ينطوي عليه من تحويل بؤرة التغيير من المعرفة النظرية إلى التطبيقات العملية للتكنولوجيا، ولما يتسم به من طابع الحتمية التكنولوجية، وذلك لأن دانيال بل يرى أن المبدأ المحوري في مجتمع بعد الصناعي هي المعرفة العلمية النظرية وليس التكنولوجيا. ولهذا فان زيادة تقسيم العمل الذهني، في نظر ، يمثل إحدى سمات المجتمع بعد الصناعي.

    وقد ركز "بل" على هذا المفهوم في كتابه المذكور " الدخول إلى مجتمع ما بعد الصناعي " (1973) موضحا التغير في البنية الاجتماعية، وطريقة تحول الاقتصاد وإعادة تنسيق نظام شغل الوظائف في إطار العلاقات الجديدة بين العلم والتكنولوجيا. وقد وجه "بل" اهتمامه في أبحاث أخرى (1976) إلى اتساع الهوة بين الاقتصاد والسياسة والثقافة، حيث رأى أن ثقافة ما بعد الحداثة هي بمثابة امتداد للثقافة النرجسية الحديثة واتساع للفجوة بين المجتمع والقيم. وعندما أدرك بل أن مفهومه عن المجتمع بعد الصناعي ينطوي على تعميم موسع قام بتجزيئه إلى المكونات الأساسية التالية:

    قطاع اقتصادي: التحول من إنتاج السلع إلى مجتمع الخدمات.

    التوزيع المهني: هيمنة الطبقة المهنية وطبقة الفنيين.

    المبدأ المحوري: المعرفة النظرية تشغل موقعا مركزيا بوصفها مصدرا للابتكار وصياغة السياسات في المجتمع.

    التوجه المستقبلي: التحكم التكنولوجي والتقييم التكنولوجي.

    صنع القرار: خلق تكنولوجيا ذهنية جديدة.

    وقد كتب "بل" عام 1973 عن انهيار الكل المتكامل الذي تمتزج فيه الثقافة والشخصية والبنية والاقتصاد بفضل وجود نسق قيمي واحد… وكان هذا موجودا في المجتمع البرجوازي (والرأسمالي ) في القرن التاسع عشر … ومن باب المفارقة أن كل هذا دمرته الرأسمالية ذاتها فالإنتاج الضخم والاستهلاك الضخم في ظل الرأسمالية شجعا بحماس على ظهور نمط من الحياة القائمة على مبدأ اللذة، مما أدى إلى تدمير القيم البروتستانتية ... وعاد "بل" إلى كلام شبيه بهذا عام 1976 م قال فيه: " بسبب ابتكار الرأسمالية " للاعتماد الفوري " لم يبق سوى مذهب اللذة، وفقد النظام الرأسمالي مذهب التعالي "…(الأزمنة الروحية ) مما يعيدنا إلى مذهــــب العدمية "…ومما يجدر ذكره أن أفكار دانيال بل عن المجتمع بعد الصناعي تتشابه مع أفكار سان سيمون عن المجتمع الصناعي … وهذا يدل على أن المجتمع بعد الصناعي عند "بل" ينبغي أن يفهم على أنــــه امتداد للمجتمع الصناعي، لا علىأنه مرحلة جديدة مختلفة عنه كل الاختلاف ...وهذه الفكرة موجودة أيضا فيما يخص الصلة بين مجتمع ما بعد الحداثة ومجتمع الحداثة ...


    2-نظريات التفكيك

    معروف عن نظريات التفكيك،بصفة عامة،أنها تتجنب تقديم أية تعريفات واضحة حتى للتفكيكية ذاتها… والتفكيكية …كما يقول كريستوفر نوريس تعطل وتعلق كل ما نأخذه قضية مسلما بها في اللغة وفي تجربة التواصل الإنساني واحتمالاتها المعتادة ... ثم إنه لا يمكن تقديم التفكيكية بوصفها "نظرية" أو "نظاما" أو حتى مجموعة من الأفكار الثابتة المستقرة... ومن يفعل ذلك يكون كمن يقف ضد طبيعة هذه النظرية (4)…

    وعلى الرغم من هذا الجانب المضطرب في التفكيكية فإنها قد حظيت باهتمام كبير من قبل المنتمين لمذهب ما بعد الحداثة، وكثيرون من هؤلاء وجهوا اهتمامهم نحو تفكيك قائمة مختارة من نصوص الحداثة، ثم استبدلوا بها قوائم جديدة تشتمل على بدائلهم بعد الحداثية..وينبغي أن نشير إلى أن المنحى التفكيكي في مذهب ما بعد الحداثة مختلف عن التفكيكية في حد ذاتها ، وإن كانت خصائص كل منهما واحدة أو متقارب… فالتفكيكية، كما جاء في كتابات مؤسسها جاك دريدا تهاجم الصرح الداخلي سواء الشكلي أو المعنوي للوحدات الأساسية للتفكير الفلسفي،كما تهاجم ظروف الممارسة الخارجية،أي الأشكال التاريخية للنسق التربوي لهذا الصرح والبنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمؤسسة التربوية... وقد أشار كريستوفر نوريس في كتابه عن "التفكيكية" إلى الكثير من خصائص هذه الحركة... من ذلك أنها تقلب مسلمات الفلسفة الكلاسيكية، رأسا على عقب، ومن هذه المسلمات أن الفلسفة تستطيع التوصل إلى الحقائق التي يطمسها الأدب ويفسدها بالتلاعب الظاهري باللغة والخيال، في حين أن الفلسفة والتفكير العلمي هما أيضا مرتبطان ببنيات لغوية لها تأثير حيوي وقدرة على تعقيد النشاط المنطقي في كل من الفلسفة والتفكيرالعلمي...أي أن آليات التعطيل في الأدب والفلسفة بل والتفكير العلمي واحدة، ومن ثم يكون الوصول إلى الحقيقة المطلقة أمرا في غاية الصعوبة ... ثم إن التفكيكية هي أولا و أخيرا – وكما يرى نوريس – نشاط نصي، يمثل إثارة لعلامات استفهام حول جوهر التفكير الميتافيزيقي الذي يضع المفاهيم المتطابقة خارج نطاق التلاعب باللغة، وفي مستوى يعلو على هذا التلاعب...

    ونظريات التفكيك في مذهب ما بعد الحداثة هي تلك النظريات التي تستخدم مفاهيم مستمدة من النظرية التفيكيكة أو المرتبطة بها بهدفين هما:

    أما تكوين فكرة عن ما بعد الحداثة بوصفها انفصالا عن الأعمال والقواعد المنتمية للتيار الحديث والحداثة السابقين، وذلك كما نرى في أعمال إيهاب حسن وليوتار.

    وأما لنقد أشكال أخرى لما بعد الحداثة بأعمالها وقواعدها، كما في أعمال ليوتار وجيمسون ، على سبيل المثال، ونقدهما لعمارة ما بعد الحداثة والنظريات الخاصة بذلك.. وكل هذا يدل على أن التفكيكية بصفتها النظرية كان لها دور مهم، على هذا النحو أو ذاك في صياغة جانب كبير من نظريات ما بعد الحداثة.. وسوف نتوقف في السطور التالية عند أهم المفكرين الذين كان لهم دور بارز في بلورة المنحى التفكيكي في نظريات ما بعد الحداثة.

    إيهاب حسن

    ما بعد الحداثة عند ايهاب حسن يؤرخ لها منذ عام 1971 م، وهو العام الذي ظهر فيه كتابه THE DISMEM إضافة إلى مقاله BESMENT OF ORPHEUS POSTNODERNISM : A PRACTICAL BIBLIOGRAPHY .. وقد قال تشارلز جنكس عن المقالة المذكورة: " إنها تسجيل لميلاد ما بعد الحداثة وبمثابة شهادة نسب لها ".. ويقول إيهاب حسن :إن مفهوم ما بعد الحداثة ( الذي يمكن أن تضاف إليه أيضا صفة التفكيكية) بدأ ينتشر في شتى أنحاء العالم في السبعينيات من خلال أبحاث أمريكية (من بينها بالطبع كتابات حسن نفسه) ووصل إلى أسماع نقاد من أمثال جان فرانسوا ليوتار.. وقد استخدم ليوتار مصطلحي ما بعد الحديث وما بعد الحداثة بعد إيهاب حسن لكن المفاهيم التفكيكية الموجودة في أعمال حسن عن ما بعد الحداثة كانت موجودة من قبل في أعمال نقاد فرنسيين مثل جاك دريدا(الذي صدرت بعض أعماله عن التفكيكية في الستينيا ) وبودريلار وليوتار نفسه.. ومن هذه المفاهيم ضرورة التحرر من أعمال الحداثة، واستحالة تحديد الحقيقة وغيرهما.

    وإذا كان إيهاب حسن قد كتب عن ما بعد الحداثة في أوائل السبعينيات، إلاّ إنه لايرى أنها بوصفها حركة تبدأ منذ هذا التاريخ، وإنما تعود بداياتها إلي الثلاثينيات من هذا القرن الميلادي، بلى إلى التسعينيات من القرن الماضي ... أما الخاصية الرئيسية التي تميز ما بعد الحداثة فهي استحالة التحديد.. ومن ثم فإنه من الصعوبة بمكان وضع خصائص محددة لما بعد الحداثة، والتمييز بينها وبين الحداثة، التي يفترض أنها (أي ما بعد الحداثة) جاءت لتثير علامات استفهام حول اعمالها، ولتكون بديلا عنها ... ويضرب حسن مثالا لاستحالة التحديد والتمييز بين الحركتين بخاصية أو خاصيتين يقال إنهما من خصائص ما بعد الحداثة، وهما المفارقة والمحاكاة التهكمية IRONY PARADY ، ويمكن القول إنهما أيضا من خصائص الحداثة.. وليس هذا فقط، بل إن الحداثة يمكن النظر إليها على أنها ظلت قائمة إلي جانب ما بعد الحداثة،واشتملت على عناصر مشتركة مثل التوجه التكنولوجي، وسلب الإنسانية(أو التجريد) والبدائية، ومذهب الإثارة الجنسية والتناقض الاسمي، والتجريبية، وهذه عناصر أصبحت أكثر دخولا في مذهب ما بعد الحداثة.

    وعلى الرغم من وجود تشابه بين مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة فإن إيهاب حسب يضع سلسلة من التقابلات بين الاثنين نختار منها ما يلي:

    الحداثة تتجه نحو المدينة ، وما بعد الحداثة تأخذ إلى جانب المدينة القرية الكوكبية مما قد يؤدي إلى زيادة أو تقليل الدمار والفوضى.

    الحداثة أخذت بالمذهب التكنولوجي، وما بعد الحداثة تتجه نحو التكنولوجيا خاطفة السرعة، وظهور أشكال فنية جديدة، وحدوث تشتيت لا نهاية له بواسطة وسائل الإعلام.

    قامت الحداثة على التجريبية، في حين أن ما بعد الحداثة تقول ببنيات مفتوحة، غير متصلة أو محددة، ارتجالية أو عفوية مع وجود التزامن، والخيال، والتلاعب والفكاهة، والمحاكاة التهكمية، وتزايد الإشارة للذات وتداخل الوسائط، ومزج الأشكال، واختلاط المستويات، ونهاية المبدأ الإجمالي التقليدي الذي يركز على جمال العمل الفني أو تفرده.

    قالت الحداثة بالتناقضية، بينما تدعوا ما بعد الحداثة إلى الثقافات المتقابلة، واجتياز التغريب عن الثقافة بأكملها، وقبول عدم الترابط، وعدم الاستمرار، وتطور التجريبية الراديكالية في الفن كما في السياسة أو الأخلاق.

    وفي مقال لإيهاب حسن عام 1980 م يطرح خمسة أفكار لثقافة ما بعد الحداثة، وتتسم طروحاته هنا أيضا بخاصيتى استحالة التحديد والتفكيك.. وهذه الأفكار هي:

    اعتماد تيار ما بعد الحداثة على تجاوز الصبغة الإنسانية للحياة الأرضية بصورة عنيفة، بحيث تتجاذب فيها قوى الرعب والمذاهب الشمولية، والتفتت والتوحد، والفقر والسلطة.

    ينبع تيار ما بعد الحداثة من الاتساع الهائل للوعي من خلال منجزات التكنولوجيا، ونتيجة لذلك صار الوعي ينظر إليه على أنه معلومات، والتاريخ على أنه حدوث، وتلك رؤية متناقضة ظاهريا.

    في الوقت نفسه يتبدي تيار ما بعد الحداثة في انتشار اللغة بوصفها مقوما إنسانيا ، وفي غلبة الخطاب والعقل..

    ما بعد الحداثة توحي بنمط جديد من تلقاء الفن بالمجتمع على عكس ما حدث في تيار الحداثة الذي كان يقبع في برج عاجي.

    يتطلع تيار ما بعد الحداثة إلى الأشكال المفتوحة، والمرحة والطموحة، والانفصالية، والمتروكة أو غير المحددة، لتكوين خطاب مؤلف من شظايا، أو تكون إيدولوجية التصدع التي تعمد إلى الحل والفض وتستنطق الصمت.

    ويضيف إيهاب حسن مفهوم " الإنشائية " إلى خصائص أو محددات ما بعد الحداثة في مقالات له نشرت عام 1986 م ولكن تعريف الإنشائية لا يعني " إنشاء الواقع ، فحسب بل يرتبط بمفاهيم أخرى ، انتشرت هي الأخرى في فترة ما بعد الحداثة ، مثل " استحالة التحديد " و" التشرذم " و " نقض الأعمال الأدبية المقننة " أو " اللاذاتية " و " اللاعمق " و " اللاتمثيلي " و" اللاتقديمي " والمفارقة ، والتهجين ، والاحتفالية ، والأداء ، و اللامفارقة..

    ويلاحظ أن إيهاب حسن في تنظيراته لما بعد الحداثة يهتم بالدرجة الأولى، بالأعمال الأدبية. ومن ثم يشير إلى بعض الأعمال التي تنسب إلى الحداثة، كما يشير إلى أعمال أخرى ما بعد حداثية.. بل إنه يرى أن بعض قدامى الكتاب، ممن برزوا في النصف الأول من القرن العشرين، يتوافقون مع تيار ما بعد الحداثة مثل صمويل بيكيت، وخوري لويس بورخيس، ونابوكوف وغيرهم.. ويرى إيهاب حسن أن تيار ما بعد الحداثة يمثل استمرارا لتيار الحداثة، ومن ثم فإن مقطع POST (ما بعد ) لا يعبر عن الانفصال بقدر ما يعبر عن الاستمرارية ..وإذا كان إيهاب قد اهتم بالأعمال الأدبية فإن هناك نقادا آخرين من تيار ما بعد الحداثة صبّوا اهتمامهم على مجال آخر يحظى بنصيب وافر في التنظيرات الما بعد حداثية وهو مجال العمارة.. ومن هؤلاء تشارلز جنكس الذي سوف نكتب عنه، إن شاء الله ، عندما نتناول نظريات المزاوجة.

    جان فرانسوا ليوتار

    يقول ليوتار في مقدمة كتابه THE POSTMODERN CONDITION (1979) إنه يقصد بمصطلح ما بعد الحداثة " وضع المعرفة في المجتمعات بالغة التقدم ".. وهذا المصطلح– في رأيه– يشير إلى حال الثقافة في أعقاب التغيرات التي بدلت قواعد اللعبة بالنسبة للعلم والأدب والفنون منذ نهاية القرن التاسع عشر.. ويضيف ليوتار معرفا ما بعد الحديث بأنه " شك فيما وراء القص " ولعل هذا التعريف الأخير – كما تقول مارجريت روز – يميز بدقة بين معنى المصطلح عند ليوتار ومعناه عند علماء الاجتماع أو عند إيهاب حسن، وهو في الوقت نفسه يحتفظ بالعناصر التفكيكية المستوحاة من إيهاب حسن ويضيف إليها.. ومن بين أنواع ما وراء القص التي ذكرها ليوتار فلسفة هيجل، والهرمنيوطيقا، والماركسي، والرأسمالية، وآراء هابرماس الذي تعرض فيما بعد لهجوم عنيف من ليوتار في كتاب له صادر عام 1982 م لأن هابرماس حاول بعد عام 1997 م الدفاع عن " مشروع المودرنية " في محاضرة له عنوانها ADORNO PRIZE (1980) ضد مفهوم ما بعد الحداثة عند المحافظين الجدد.. وإذا كان ما بعد الحديث عند ليوتار يمثل شكا فيما وراء القص فإنه يعني الشك في الفلسفات والمذاهب المذكورة بغية تجاوزها إلى مشروع أكثر حداثة أو بتعبير أدق " ما بعد حداثي "..

    ويبدأ ليوتار كتابه الصادر عام 1979 م بقوله: " بداية يقوم هذا الكتاب على افتراض أن حال المعرفة يتغير بتغير المجتمعات ودخولها إلى ما يعرف بعصر ما بعد التصنيع، ودخول الثقافة إلى مرحلة تعرف بمرحلة ما بعد الحديث".. ويرجع هذا التغير – في رأي ليوتار –إلى الخمسينيات من هذا القرن العشرين أو اكتمال إعادة البناء في أوربا.. ويستعمل ليوتار مصطلح ما بعد عصر التصنيع بالمفهوم الذي رأيناه من قبل عند دانيال بل أي المجتمع الذى تمثل فيه المعرفة النظرية أو العلم المبدأ المحوري، ولكن ليوتار يختلف عن "بل" في أن السمة الرئيسية التي يركز عليها الأول هي فهم المعرفة العلمية بوصفها خطابا. أي أن المعرفة العلمية عند ليوتار لا تتعدى كونها نوعا من أنواع الخطاب. أي أن المعرفة العلمية عند ليوتار لا تتعدى كونها نوعا من أنواع الخطاب، فيتعامل معها بأسلوب تفكيكي مثلهامثل الأشكال الأدبية الأخرى أو الخطاب الفلسفي.. كما يتعامل ليوتار مع المعرفة العلمية بوصفها قابلة للصمود أو الانهيار حسب علاقتها بألوان الخطاب الأخرى الشمولية أو ألوان ما وراء القص الشمولية.

    وعلى الرغم من هجوم ليوتار على الماركسية باعتبارها شكلا من أشكال ما وراء القص فإنه يبدو متأثرا ببعض مقولاتها ومفهوماتها مثل مفهومي نزع الملكية والتشيئ، ومقولة اقتصار العمل على إنتاج قيم التبادل بدل من قيم الاستخدام.. وتتسع الهوة بين مفهوم ليوتار عن العلم الحديث ومفهوم "بل" عن العلم في مجتمع ما بعد التصنيع، ولكن يبدو إن ليوتار يرى أن الهدف من العلم هو الوصول بالتلاعب اللغوي إلى الحد الأقصى، ومن ثم يخلص إلى أنه لا فائدة من انتشار الكمبيوتر في المجتمع(الذي يعد أساسيا في كثير من التعريفات الأخرى لمجتمع ما بعد التصنيع) إلا إذا أعيد توجيهه من وظيفة تحسين الأداء إلى فتح أبواب الذاكرة وبنوك المعلومات جميعها للعامة.

    ويقدم ليوتار في كتابه المذكور الصادر عام 1979م ملخصا للأوضاع التي وصفها بما بعد الحديث في النقاط التالية:

    1-تشاؤم بشأن ما يسمى "بما وراء القص" في الفترة الحديثة.

    2-استمرار تأثر بعض ألوان الخطاب في مجتمع ما بعد التصنيع بمفاهيم معينة مثل مفهوم((الادائية)).

    3-حل هذه المشاكل يكمن في فتح بنوك المعلومات.

    وقد وجهت انتقادات إلى ليوتار من بينها أنه يقصر عناصر مجتمع ما بعد التصنيع على ألوان الخطاب أو البيانات بطريقة أشبه بتيار الحداثة المتأخرة أو تيار ما بعد البنيوية، بل إن نقده للعناصر الرأسمالية التي لا تزال باقية في مجتمع ما بعد التصنيع مستوحى من الأطر الحداثية ،لما وراء القص التي رفضها ليوتار نفسه في مكان آخر.

    فريدريك جيمسون

    في عام 1984م كتب فريدريك جيمسون في تصديره للترجمة الإنجليزي لكتاب ليوتار THE POSTMODERN CONDITION يقول :" إن ما بعد الحداثة، كما تفهم بصفة عامة، هي الخروج على الثقافة السائدة والإستيطقا السائدة، وانفصال عن وضع اقتصادي اجتماعي معين في لحظة ما تحدد في مواجهة الابتكارات والتجديدات البنيوية التي أتت بها ما بعدد الحداثة ".. وكما أسلفنا فإن كثيرا من منظري ما بعد الحداثة يقولون بمفهوم الاستمرارية وليس الخروج أو الانقطاع، لهذا فإن جيمسون في هذا التعريف يبدو شديد الاختلاف عن الآخرين..

    وقد كتب جيمسون عام 1984م أيضا يقول إن ما بعد الحديث يتمثل في ثقافة الرأسمالية، وإن مجتمع مابعد التصنيع هو مجتمع الرأسمالية المتأخرة.. وكان قد كتب قبل ذلك عام 1983م، في مقال نشره هال فوستر HAL FOSTER يقول : ما بعد الحداثة ليس مجرد مصطلح يصف أسلوبا بعينه ، و إنما هو على الأقل من وجهة نظري –مفهوم يقسم التاريخ إلى فترات للربط بين ظهور ملامح شكلية جديدة في الثقافة وظهور شكل جديد من أشكال الحياة الاجتماعية ، ونظام اقتصادي جديد ، وهذان هما ما يطلق عليهما التحديث أو مجتمع ما بعد التصنيع أو المجتمع الاستهلاكي، أو مجتمع وسائل الإعلام أو الإبهار ، أو الرأسمالية متعددة الجنسيات .. وهذا التعريف – كما تقول مارجريت روز –فيه توليف وخلط بين مفاهيم ما بعد الحديث، وما بعد عصر التصنيع والتحديث، والرأسمالية، إضافة إلى عناصر أخرى كان ليوتار يرى أن مذهب ما بعد الحداثة ينقدها أو ينقضها.

    ويرى فريدريك جيمسون أن تيارات ما بعد الحداثة قد فتنت بالرخيص والسوقي مثل مسلسلات التلفزيون، وثقافة الأعمال الفنية المبتذلة، والإعلانات، والموتيلات وعروض الترفيه المسائية المتأخرة وأفلام الدرجة الثانية من هوليود، وما يسمى بالأدب الشبيه (أو المناظر) الذي تولد عنه سيل من المطبوعات الرخيصة مثل قصص الرعب والروايات الغرامية والسير الشعبية والروايات البوليسية وروايات الخيال العلمي والفانتازيا..

    كل هذه المواد لم تعد مجرد مصدر للاقتباس منها كما كان جوليس JOYCE أو مالر MAHLER سيفعلان لو شهداها، بل إن هذه المواد أصبحت تغوص في أعماق تيارات ما بعد الحداثة وتتوحد بها..

    ويصف جيمسون ما بعد الحداثة بأنها باردة لأسباب عدة من بينها موت الشخص الفرد الذي عاش قبلها ،أي موت التفرد والابتكار.. وفي هذا يقول في مقاله المنشور عام 1983 م تحت عنوان "ثقافة ما بعد الحداثة": "تأتى المعارضة (أو المحاكاة) مرة أخرى.ففي عالم يتعذر فيه الابتكار الأسلوبي لا يبقى لنا سوى محاكاة أساليب ميتة،والحديث من خلال أقنعة وأصوات تنتمي لأساليب محفوظة في متحف وهمي..و لكن هذا معناه أن الفن المعاصر أو فن ما بعد الحداثة سيتناول الفن ذاته بأسلوب جديد، بل أن رسالة أساسية من رسائل هذا الفن ستكون الفشل الحتمي للفن و الإستطيقا، أي فشل الجديد و السجن في الماضي".

    و قد انتقد إيهاب حسن رؤية جيمسون لثقافة ما بعد الحداثة بوصفها ثقافة ليس فيها سوى محاكاة الأساليب الميتة قائلا إن هذه رؤية جزئية،كما أنها تلوي عنان الأمور لتربط ما بعد الحداثة بفرضيات قديمة و رجعية آي حد ما..

    يورجين هابرماس

    يرى يورجين هابر ماس أن مقطع POST (ما بعد) في مصطلح ما بعد الحداثة يمثل رغبة لدى دعاة ما بعد الحداثة في الابتعاد عن ماض بعينه،إضافة إلى إنه في الوقت نفسه يعبر عن عجزهم عن تسمية حاضرهم "لأننا حتى الآن لم نجد حلا للمشاكل التي تنتظرنا في المستقبل" و هذا التقابل بين جوهر الحاضر و حل مشاكل المستقبل ملمح رئيسي في تناول هابرماس لما بعد الحديث..و من الملاحظ في موقف هابرماس ما بعد الحداثي إنه يقدر مشروع الحداثة الذي صاغه في –رأيه- فلاسفة التنوير منذ القرن الثامن عشر.. جاء ذلك في محاضرة له عام 1980م،و قد هاجم في هذه المحاضرة عمارة ما بعد الحداثة التي كانت موضوع معرض بيناي فينيسيا عام 1980 م،لأن هذا الطراز المعماري يضحي بتقاليد المودرنية لإفساح الطريق أمام تاريخية جديدة..و يقول هابرماس أن عمارة ما بعد الحداثة نقيض للحديث والحداثي حتى في نقدها لقوى التحديث التي يفترض أن مشروع المودرنية ذاته يمثل نقدا لها..و قد كتب هابرماس عام 1981م عن وجود صلة بين "المحافظين الجدد" الذي يسعون لإحياء تقاليد قديمة "للقضاء على ثقافة ترفض توجهاتهم، وبين الراديكاليين الذين ينتقدون التطور،و الذين يعدون العمارة الحديثة رمزا للتدمير الذي نجم عن التحديث"،و كلتا الجماعتين في رأيه تريد الانسلاخ عن الحديث.

    و كما هو واضح فإن هابرماس لا يرى أية جوانب مشرقة في تيار ما بعد الحداثة،لأنه يعتقد أن الهدف الرئيسي للتيار هو نفي أو رفض مشروع المودرنية. و يقول هابرماس أن أطروحة ما بعد الحداثة قد تكون محقة في إبرازها للمشاكل الناجمة عن تزايد تحديث الثقافة في إطار الحداثة ذاتها،و لكن هذه الأطروحة لا تقدم بديلا مقبولا للحداثة بحيث يمكن ملء الفراغ السلبي الذي تتصوره ما بعد الحداثة بمحتوى إيجابي.و جدير بالذكر أن هابرماس ليس وحيدا في رؤيته السلبية لتيار ما بعد الحداثة،بل يشترك مع آخرين في ذلك مثل جان فرانسوا ليوتار الذي هاجم هو الآخر عمارة ما بعد الحداثة.و لكن يبدو أن هابرماس هو اكثر الناس تشاؤما فيما يتصل بمستقبل ما بعد الحداثة،و هذه الرؤية نابعة-كما رأينا-من تقويمه الإيجابي لتيار الحداثة أو المودرنية،الذي رأى أنه لعب دورا مهما في الثقافة و الحضارة في الغرب.


    --------------------------------------------------------------------------------

    3- نظريات المزاوجة

    ما بعد الحداثة عند الناقد و المؤرخ المعماري تشارلز جنكس تختلف اختلافا بينا عما رأيناه من قبل عند إيهاب حسن و جان فرا نسوا ليوتار و غيرهما لأنها – حسب تعبير جنكس نفسه- تقوم على مفهوم معاكس لذلك، إذ إنها تعني عند نهاية التطرف الريادي، و الرجوع جزئيا إلى التقاليد، إضافة إلى منح أهمية للاتصال بالجماهير. و لهذا بدأ جنكس كتابه WHAT IS POST-MODERMISIM (1986) برسم لكار لو ماريا مارياني عنوانه " اليد تأتمر بأمر العقل " علق عليه تعليقا يعكس اهتمامه، أي جنكس، بالمزج بين الحداثة و الطرز التاريخية الأخرى، وبخاصة الكلاسيكية. وفي ذلك قال: "إن موضوع الفن من وجهة نظر الحداثيين هو عملية الإبداع الفني، أما عند أصحاب ما بعد الحداثة فهو تاريخ الفن. فنجد إن مارياني يقوم بتطويع صيغ ترجع للقرن الثامن عشر منها " البرود المثير للغرائز " ليرسم صورة تعبر عن الإبداع العبقري الذاتي. ففي رسم " اليد تأمر بأمر العقل " إشارة إلى الأسطورة اليونانية التي تتحدث عن أصل فن التصوير، وفيها إيحاء بأن الفن اليوم ما زال يتولد من الفن ذاته، وأنه مغلق متصومع ". وفي لوحة أخرى لما رياني عنوانها "مدرسة روما" تعود إلى عامي 1980و1981 يستخرج جنكس، في كتابه المذكور، ما فيها من عناصر كلاسيكية مثل تصوير مارياني لتجار القطع الفنية والفنانين المعاصرين في أزياء كلاسيكية، ومثل تقليده لمدرسة أثينا لروفائيل ولبعض الكلاسيكيين الذين كانوا معجبين به، وهذا الاستلهام للعناصر الكلاسيكية يبرز السخرية اللاذعة الموجودة في لوحة مارياني،وهي لوحة-كما يقول جنكس-تستخدم المحاكاة التهكمية، والمعارضة والهجاء إلى جانب النسق الكلاسيكي.

    ويرى جنكس أن مصطلح ومفهوم ما بعد الحداثة كان شائعا في النقد الأدبي فقط حتى عامي75-1976م، وهي الفترة التي كتب خلالها كتابه (THE LANGUAGE OF (PAST-MODERN ARCHITECTURE وكان هذا المفهوم السائد –في رأية-يعني "ما فوق الحديث - ULTRA MODERN،ونزعة العدميةMIHILISM ، ومناهضة التقاليد. وما فعله جنكس هو أنه نقل هذا المصطلح إلى مجال العمارة، وتوسع في درسه في هذا المجال، وزاوج فيما بين الأنساق، على النحو الذي رأيناه في الفن من استلهام العناصر الكلاسيكية في لوحات ما بعد حداثية. وهذه المزاوجة بين الأنساق – في نظره-نبعت من "ضغوط متناقضة في الحركة"، لأن بعض المعماريين أرادوا التغلب على عقبة الحداثة أو العجز عن التواصل مع الآخرين الذين يستخدمون تصميماتهم، فاضطروا إلى اللجوء إلى لغة مفهومة بعض الشيء، وهي الرمزية التقليدية أو المحلية.ولكنهم في الوقت نفسه أرادوا أن يتواصلوا مع أقرانهم وأن يستخدموا التكنولوجيا المتاحة لهم. أي أن اللجوء إلى الجمع أو المزاوجة بين أنساق حديثة وأخرى قديمة أو تقليدية قد صدر عن رغبة حقيقية في التواصل مع الآخر أو مع الجمهور، بعد فترة طويلة استخدمت فيها الحداثة الأساليب المغلقة التي يصعب في معظم الأحيان التواصل معها حتى على مستوى النخبة. وهذا التوجه في تيار ما بعد الحداثة إن دل فإنما يدل على أن ثم قطاعا لا يستهان به من منظري ما بعد الحداثة يضعون نصب أعينهم هدفا مهما هو التواصل مع الجمهور، أو بتعبير آخر تداولية الحدث الفني.

    وقد عرف جنكس عمارة ما بعد الحداثة، في الطبعة الثانية من كتابه سالف الذكر (197 بأنها لون من ألوان المزاوجة بين الحداثة وغيرها من الطرز والأساليب. وقد استخدم لفظ المزاوجة-DOUBLE CODIN ليؤكد أن عمارة ما بعد الحداثة هي لون معماري يسعى إلى توصيل رسالة لمستخدمي البنية المعمارية ومشاهديها من خلال تعدد الأساليب والشفرات.ويستخدم جنكس مصطلح الشفرة للإشارة إلى أن العمارة إنما هي رسائل مرسلة إلي مستخدميها بطريقة تشبه طريقة أفعال الكلام أو الإشارات الأخرى. ثم إنه اشتق لفظ DOUBLE CODING أي "مزاوجة الإشارات" ليشير إلى أن عمارة ما بعد الحداثة تضيف نسقا إشاريا ومجموعة من الرسائل إلى الطراز الحديث. ذلك أن العمارة – في رأي جنكس – شكل من أشكال اللغة،ومن ثم لابد من وضع كافة الوظائف في نسق إشاري محدد حتى يتحقق التواصل المطلوب.

    ويوضع جنكس ذلك بمثال هو " إناء الحمام " ( أوالبانيو) الذي هو من وجهة النظر الوظيفية مثال طيب للشكل المهيأ لأداء وظيفة محددة. ولكن هذا الإناء نفسه قد يستخدم لوظائف أخرى، ففي جنوب إيطاليا على سبيل المثال يمكن أن يستخدم وعاء لتنظيف العنب،وفي شمال اليونان قد يستخدم مدفأة، أي أنه يكسب وظائف مختلفة باختلاف السياق والنسق الذي يرد فيه. وفي ذلك يقول جنكس: "إن أدراكنا للوظائف يتبع أعرافا هي بالأساس تقاليد وأعراف تاريخية، وفي الأغلب أعراف تعسفية لا طبيعية". وعندما يربط ذلك بقضية التواصل يقول "إذا مارس المعماري العمل في أربعة أو خمسة طرز مختلفة يمكنه أن يتحكم تحكما أفضل في كيفية استخدام الشكل لتحقيق التواصل. عندئذ تنشأ تعددية تعكس التنوع الفعلي للمدينة وشتى ألوان الثقافة فيـها" .

    وهذا التوجه القائم على المزاوجة عند تشارلز جنكس يكمن أن نسميه" كلاسيكية ما بعد الحداثة" وقد استخدم هو نفسه هذا التعبير في ملحق وضعه للطبعة الصادرة من كتابه المذكور عام 1984 قال فيه: "إن كلاسيكية ما بعد الحداثة التي ظهرت في أواخر السبعينيات ما زال أمامها شوط طويل، ولكنها قد وصلت فعلا إلى نوع من الإجمال مثل الطراز الدولي الذي شاع في العشرينيات.

    ولكن كلاسيكية السبعينيات تختلف في أنها أسلوب تلفيقي حر يستخدم عند الضرورة في المباني العامة". ويضيف جنكس "إن هذا الأسلوب ليس طرازا كليا بعكس الطراز الدولي الذى كان جميعا أو كليا على حد وصف نيكولاس بفسنر، كما أنه موجود بوصفه لونا فنيا جنب مع طرز أخرى. وباختصار فإن هذا الطراز الكلاسيكي بعد الحديث هو الجانب الأساسي في التعددية التي تعد أسلوبا ضروريا للتواصل".

    وهذه التأملات ما بعد الحداثية التي قدمها جنكس في مجال العمارة، والتي تقوم كما أسلفنا– على فكرة المزاوجة، والرجوع جزئيا إلى التقاليد السالفة تعطينا فرصة للتأمل فيما تزخر به الساحة الشعرية العربية حاليا من تجارب جديدة تبني على النمط الكلاسيكي أو تنطلق منه، أو تؤسس عليه، على نحو ما نرى عند عفيفي مطر في أشعاره الأخيرة ، وسعد الحميدين في ديوانه الأخير " أيورق الندم" وغيرهما من شعراء موجة ما بعد الريادة، بل أن بعض الشعراء الرواد مثل عبد الوهاب البياتي يصدرون حاليا من رؤية تمزج ما بين الحداثي والكلاسيكي ضمن مفهوم يمكن أن نسميه أيضا " كلاسيكية ما بعد الحداثة ". وإذا كان هذا التيار القائم على المزاوجة قد نبع عند الفنان والناقد الغربي من واقع رؤية ترغب في التواصل مع الجمهور بعد فترة انقطاع طويلة، فإنه يمكن أن يكون قد نبع كذلك عند شعرائنا العرب من رؤية مشابهة بعد أن أحسوا ببرودة تجرى في أوصالهم نتيجة لعدم التواصل الحميم مع الجمهور. وربما يكون هذا التفكير الاجتماعي التواصلي أبعد ما يكون عن رؤية هؤلاء الشعراء، ولعله لم يخطر ببالهم على الإطلاق، ومن ثم فإن التفسير الذي أراه أكثر مواءمة لذلك هو أن روح العصر تجري من الناس، وخاصة المبدعين والمشتغلين بالثقافة، مجرى الدم، أو لعلها لغة التسامي والتوحد التي تجعل من الجماعية سمة مشتركة في حقل ما مثل الشعر، على حد تعبير الدكتور عبدا لله الغذامي في كتابة " الكتابة ضد الكتابة" (5) .بل إن هذه الجماعية، تأخذ فيما نحن بصدده سمة عالمية فنراها عند مارياني وجنكس وغيرهما مثلما نراها عند عفيفي مطر وسعد الحميدين وسواهما من شعرائنا العرب المحديثن.

    ولكي نوضح أحد الفروق المهمة بين الحداثة وما بعد الحداثة في نظريات المزاوجة نتناول خاصية من خواص الحداثة وهي استخدام لغة عالمية مجردة من الحس الشخصي، وهو ما أطلق عليه الفيلسوف الأسباني خوسيه أورتيجا إي جاسيت "تجريد الفن " أو " إطراح النزعة البشرية "(6 ). وهذا التوجه لعب دورا كبيرا في تشكيل المخيلة الحديثة انطلاقا من نوفاليس الذي حدد على أساسه ماهية الخيال، ذلك لأن الخيال عنده هو الملكة القادرة على خلق اللاواقع. ثم جاء الشاعر الفرنسي بودلير فاستخدم كلمة"مجرد" بمعنى عقل، و قال إن الخيال قوة ترتبط أوثق ارتباط بالعقل الذي يحكمها ويحدد لهل الطريق. و قد استمر هذا الاتجاه التجريدي عند الشعراء الرمزيين ( 7 )،و الشعراء الذين جاءوا بعدهم ممن نسجوا على منوالهم أو فتحوا أبوابا جديدة للإبداع الإنساني،و أخص منهم بالذكر جيل 1927 في أسبانيا،و هم الذين يسمون بجيل الشعر الصافي،و هو تيار أكثر دخولا في التجريد من كل ما سبق.و لم يتقدم عليهم في هذا الصدد إلا مجموعات الشعراء السبعينيات ووجدوا في معظم بلدان العالم،يمتحون من رؤية واحدة،و يسيرون في طرق متشابهة على الرغم من كثرة البيئات وتنوعها واختلافها.و إذا انتقلنا إلى مجال العمارة الذي خصه تشارلز جنكس بالتنظير إلى ما بعد حداثي نجده في مقالة كتبها عام 1975 يرد على المقولة الحداثية السابقة التي تزعم أن استخدام أشكال مجردة من الحس الإنساني يمثل توجها عالميا أو أنه بمثابة لغة عالمية،يرد على ذلك قائلا:لا يزال المعماري مؤمنا بأنه يعطي أعماله هوية دولية من خلال أشكال ناطقة،و إنما هو في واقع الأمر يكسبها هوية في إطار نسق تاريخي محدود خاص لا يشاركه فيه معظم عملائه".و يقترح جنكس حلا لهذه المشكلة تعددية جديدة تتضمن الواقعية الاجتماعية التي اعتبرها توم وولف بديلا للحداثة الأدبية ،و الواقعية الاجتماعية التي عرضتها جين جاكوب في نقدها للحداثة.و بهذا اقترب جنكس من برنارد سميث الذي استخدم مصطلح ما بعد الحداثة عامي 1944 و 1945 للإشارة إلى رد فعل واقعي اجتماعي جديد ضمن التجريد الحداثي.

    كما وصف جنكس هجوم جاكوب على الحداثة عام 1961 بأنه كان إيذانا بانتهاء العمارة الحداثية.و قد اقترح جنكس بدائل أخرى للغة المجردة من الحس الشخصي التي كانت تستخدمها الحداثة،و تتمثل هذه البدائل في:

    1-الواقعية الاجتماعية المذكورة.

    2-التخطيط القائم على التفضيلات و رفض التصميم المحكم بحيث تؤخذ في الاعتبار مصالح الأغلبية والأقلية.

    3-الترميم و الحماية للمحافظة على الأبنية القديمة.

    4-مدينة التصادم التي تقوم على التعقد الرمزي للتوصل إلى التنوع الاجتماعي المفتقد في المدن الحديثة.

    5-المدن المصطنعة أو البديلة . ولا بد لتلك المدن أن تكون شعبية وبمثابة رد فعل استهلاكي للعمارة الحديثة. فالمعماري الحديث لا يلقى بالا للطرز التاريخية أو الجو العام للبناء وروح البناء، أما المجرب المغامر فيهتم بكل هذه الأمور.

    6-أن تكون العمارة شكلا من أشكال اللغة، على النحو الذي أشرنا إليه من قبل. ومن ثم لابد من وضع كل الوظائف في نسق إشاري محدد كي يتحقق التواصل المطلوب.


    --------------------------------------------------------------------------------
    لغة العمارة بعد الحديثة

    يصف جنكس في كتبه الصادرة في أعوام 1977 و 1986 و 1987 عمارة ما بعد الحداثة وصفا ينطوي على نقد لبعض العناصر الوظيفية في عمارة الحداثة، وعلى رفض للحداثة أو المودرنية التي تتجاوز حدود السيطرة والتحكم. وقد سبق أن أشرنا إلى أن جنكس في الكتاب الأول (1977) قد عرض مفهوم ما بعد الحداثة بوصفه مزاوجة لطراز الحداثة بغيره من الطرز وخاصة الكلاسيكية. وفي السطور التالية سوف نتتبع بإيجاز تطور هذا المفهوم في كتابيه التاليين وهما: What Is Post – Modernism ( 1986)، و" ما بعد الحداثة الكلاسيكية الجديدة في الفن والعمارة " (1987).

    يبدأ جنكس كتاب عام 1977 ( الطبعة الأولى) بالحديث عن موت العمارة الحديثة بتفجير أجزاء من إحدى البنايات في مدينة سان لويس عام 1972. وفي ذلك يقول في شيء من الدعابة" لقد انتهت العمارة الحديثة تماما في عام 1972 بعد أن ضربت حتى الموت على مدى عشرة أعوام من جانب النقاد مثل جين جاكوب .. ماتت العمارة الحديثة في مدينة سان لويس بولاية ميسوري يوم 15 يوليو 1972 في الساعة 3.32 مساء تقريبا ، بتفجير مبنى Prutt – Igoe المنكوب بالديناميت، أو تحديدا بتفجير عدة أجزاء منه ". وقد كتب جنكس في كتابه التالي الصادر عام 1986 ما يفيد أن الحداثة قد فشلت بوصفها أسلوبا للتشييد على نطاق واسع، وبوصفها أسلوبا لبناء المدن، ومن أسباب هذا الفشل عدم التواصل بين السكان ومستخدمي الأبنية الذين قد لا يروقهم الطراز المعماري، وقد لا يفهمون معناه، وربما لا يدرون كيف يستخدمونه. وفي كتاب عام 1987 نرى جنكس يتفق مع أندرياس هويسن في أن أحد أسباب تبلور ما بعد الحداثة في حركة معمارية في منتصف السبعينيات هو أن العمارة أكثر من أي شكل فني آخر تأثر بنزع الملكية التي جاءت مصاحبة للتحديث، وأنه كان ثمة رابطة مأساوية بل وقاتلة بين العمارة الحديثة والتحديث تتعارض تعارضا مباشرا مع الحركة الحديثة في الفنون الأخرى. ويرى جنكس أن المجتمع السكني المذكور في برويت إيجو والذي حصل على جائزة من المعهد الأمريكي للمعماريين عند تصميمه عام 1951 قد أدى الي ارتفاع نسبة الجريمة بالمقارنة بغيره وتعرض مرارا للتخريب. وفي ذلك يقول "كان الهدف منه ترسيخ قيم معينة عند سكانه عن طريق القدوة الحسنة، وهو الأمر الذي كان يتعارض مع ذلك الطراز المعماري، لأن تلك الأفكار الساذجة المأخوذة من فلسفات العقلانية والسلوكية والبرجماتية كانت لا عقلانية مثله مثل تلك الفلسفات ذاتها ".

    وهذه الأفكار التي عرضها جنكس في كتبه المذكورة تضع أيدينا على بعض الخصائص المهمة لتيارات ما بعد الحداثة، ومن بينها عدم التسليم بالأفكار الجاهزة المطلقة، بل ينبغي وضع كل فكرة، وكل رأي على محك الاختبار لأنها مثل أي شي تمثل فرضية تحتمل الصدق والكذب.

    وعلى الرغم من أن جنكس ليس من أنصار التيار التفكيكى في اتجاه ما بعد الحداثة ، بل إنه يعارضه معارضة شديدة إلا أنه يقترب منه اقترابا قويا في المقولة السابقة. وقد سبق أن أشرنا، في مقال سابق، إلى أن التفكيكية تعطل وتعلق كل ما نأخذه قضية مسلما بها في اللغة وفي تجربة التواصل الإنساني واحتمالاتها المعتادة. ومن خصائص ما بعد الحداثة أيضا أنها تنظر إلى الإبداع الإنساني نظرة واحدة، وقد سبق أن رأينا أن العمارة عند جنكس تمثل شكلا من أشكال اللغة. أي أن العمارة، مثلها مثل اللغة والأدب والثقافة والعلوم بعامة تدخل ضمن نظام إشاري واحد هو الذي صار يعرف حاليا بسيميائية الثقافة. فكل شئ ينطوي على أنظمة إشارية تمثل حلقة من حلقات التواصل الإنساني. وكل هذا أدى إلى أن تأخذ كثير من العلوم حاليا صفة" عبر التخصصي" Interdisciplinar.

    وهكذا رأينا تشارلز جنكس في كتبه المذكورة انتقد ما رآه من عيوب في الحداثة، وفي الوقت نفسه أخذ يرسي مفهومه عما بعد الحداثة بوصفه يقوم على المزاوجة بين طراز الحداثة والطرز الأخرى، وأهمها الكلاسيكية. ثم إنه وضع مؤشرات إيدولوجية لما بعد الحداثة (ثمانية مؤشرات) من بينها المزاوجة المذكورة، والشعبي و التعددي في مقابل المثالي الحديث والبرجماتي في الحداثة المتأخرة، والشكل السيميوطيقي في مقابل الشكل الحتمي الحديث والشكل الوظيفي والسائب في الحديث المتأخر، والفنان/العميل في مقابل الفنان المتنبي في الحداثة أو الفنان المضطهد في الحداثة المتأخرة، والجزئية في مقابل الطراز الكلي الحديث.

    ولا شك أن هناك نظريات أخرى كثيرة في التيار الجديد المسمى ما بعد الحداثة،خاصة وأنه يمثل موضوع الساعة الآن في الأوساط الثقافية الغربية، ولكننا لا نستطيع أن نتوقف، في هذه العجالة،عند هذه النظريات جميعها.


    --------------------------------------------------------------------------------

    انظر محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، المركز الثقافي العربي، بيروت،ط1،1991،ص16.

    عنوان الكتاب:Hiding in The Light: On Images and Thing.

    انظر في ذلك الفصل الأول من كتابنا"رواد الشعر الإسباني"،وهو تحت عنوان"خنوان رامون وحركة الحداثة".

    انظر كريستوفر نوريس، التفكيكية: النظرية والممارسة،ترجمة د. صبري محمد حسن،دار المريخ،الرياض،1989،ص13و21,

    انظرعبداللع الغذامي،الكتابة ضد الكتابة،دار الآداب، بيروت،1991،ص16.

    طرح أورتيكا إي جاسيت هذه النظرية في كتاب شهير له صدر في بدايات هذا القرن العشرين تحت عنوان "تجريد الفن" La deshumani Zacon del Arte.

    انظر د.عبدالغفار المكاوي، ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر- الجزء الأول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،1927،ص98-

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

12-10-2004, 09:07 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    شكرا اسامة عبدالجليل على ايرادك لما قالته سي ان ان عن دريدا

    المش============================ء
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

12-10-2004, 09:09 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    البنيوية والتفكيك

    تطورات النقد الأدبي


    تأليف : س. رافيندران

    ترجمة : خالدة حامد

    هذا كتاب يعنى بالبنيوية والتفكيك ، كتبه الهندي س . رافيندران أثناء تحضيره للماجستير في الجامعة الأمريكية في كنساس . ويضم هذا الكتاب خمسة فصول تنقسم على جزأين . عالج المؤلف في الفصول الثلاثة ( من القسم الأول ) موضوعة البنيوية عند ثلاثة مستويات مختلفة . يمثل الفصل الأول مقدمة عامة في البنيوية ، والقصد من هذا العرض تسليط الضوء على هذا الموضوع وإيضاحه للقراء المبتدئين . ويناقش هذا الفصل فكرة البنية والنسق ، والأساس اللساني للحركة البنيوية وأبعاد المغامرة البنيوية في الأدب . ونظراً إلى أن هذا الفصل مخصص للقراء المبتدئين ، نجد أن المؤلف قد برع في أسلوبه المنبسط عارفاً تمام المعرفة أن البساطة لا تعد فضيلة عند التعامل مع مشكلة نظرية معقدة .

    أما الفصل الثاني فيمثل تفسيراً لكتاب رولان بارت S / Z الذي يمثل دراسة قصة بلزاك التي تحمل اسم " سارازين " . وقد شرح بارت في S / Z نظريته عن الشفرات ، وابتكر طريقة جديدة لقراءة النص . وتمكن المؤلف من إجراء مسح مكثف لمنهجية بارت ، وتقويماً لإمكانية تطبيقها في النقد . وسيكون هذا الفصل مصدر فائدة كبيرة لأولئك الذين قرأوا S / Z وأطالوا التفكير بمنهجية بارت .

    ويعد الفصل الثالث محاولة أكثر طموحاً من الفصلين السابقين . فبعد أن وجد المؤلف أن من غير المجدي أن يقدم نظرية بذاتها ، قام هو بتطبيق نظرية النقد البنيوية على روايتي "عودة المواطن " و " قلب الظلام " . ويواجه التأويل البنيوي ، الذي يهدف إلى زيادة الموضوعية إلى الحد الأقصى ، مهمة تفرض عليه تحدياً كبيراً عند مواجهة هذين العملين لأنهما يحملان طابع السيرة الذاتية . ومع ذلك يمكن ملاحظة أن المؤلف لم يطبق أية صيغ آلية على هاتين الروايتين تحت اسم البنيوية . بل على العكس من ذلك ، تمكن من تفسير هاتين الروايتين من منظور بنيوي يمثل نتيجة تراكمية لطول معرفته بالمذاهب البنيوية وإدراكه لها .

    يضم الجزء الثاني فصلين هما الثالث والرابع . يمثل الفصل الرابع مقالة تمهيدية عن نظرية التفكيك عند جاك دريدا . ويمكن لنا القول أن أول مرحلة على طريق فهم التفكيك هي فهم الاصطلاحات التفكيكية . ولهذا السبب شرع المؤلف بتفسير مصطلحات مثل : "الاختلاف" و "الأثر" و "الكتابة الأصلية" و "العلامة تحت الانمحاء" ، التي يرتكز إليها أي عرض للتفكيك . ويهدف التفكيك ، عموماً ، إلى العرض المنهجي المنظم للأساس الميتافيزيقي الذي يرتكز عليه فهمنا للغتنا الذي تحكم بدوره بفعل النقد الأدبي . وقد كانت الكثير من نظريات النقد ، إلى بزوغ فجر التفكيك ، واقعة تحت قبضة الميتافيزيقيا وإن كنا غير واعين للمذاهب الميتافيزيقية التي كانت تظلل مركز مفاهيم اللغة ونظريات النقد . ويبين التفكيك المركز الميتافيزيقي ويحثنا على تحرير اللغة والنقد من الميتافيزيقا .

    ويحاول المؤلف ، في الفصل الخامس ، تقديم تأويل تفكيكي لكتاب " رحلات جيليفر " من خلال تقديم تحليل مجازي للخطاب الذي يقدم النص . وربما تجدر الإشارة إلى أن الاستنتاج الذي توصل إليه لا يعد مختلفاً عن استنتاجات النقاد بخصوص "رحلات جيليفر" إلا أن تناوله الموضوع بطريقته غير الشائكة هو الذي يمنحه هذا التميُّز . والحق أن من الضروري أن يظهر التأويل التفكيكي للنص ( أو إلى أي عمل أدبي ) محملاً باستنتاجات جديدة تماماً عن النص . لهذا نجد المؤلف يشير إلى مسألة أن قراءتي هي عن الخطاب الوارد في "رحلات جيليفر "أكثر منها عن موضوعة النص . وربما كان للمؤلف ما يسوغ قيامه بتغيير إدراك القارئ وتصوره لخطاب النص والكشف عن وجهة جديدة لفهم القارئ . ولعل براعة هذا المؤلف تتجلى في أسلوبه التعليمي المشوق ؛ فهو يعزز أقواله واستنتاجاته بهوامش وببليوغرافيا خاصة لكل فصل ، مستقلة عن غيرها من دون محاولة حذف فقرة أو أكثر من الفقرات التي تتكرر لأن كل فصل يتمتع بهوية مستقلة على الرغم من استمرارية فكرته التي يشترك بها مع ما سبقه وما يعقبه من فصول.

    عنوان الكتاب بالإنكليزي هو :

    STRUCTURALISM AND DECONSTRUCTION
    Developments in Literary Criticism
    By: Sankaran Ravindran
    Lecturer in English
    Calicut University Centre
    Tellincherry (Kerala)

    ATMA RAM & SONS
    DELHI * LUCKNOW
    Published By
    H. O. Kashmiri Gate
    DELHI
    First Impression, 1982
    Printed at: The Lucknow Publishing House - Lucknow
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

12-10-2004, 09:16 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

محاولة لمقاربة ابن عربي في ضوء ما بعد الحداثة (Re: osama elkhawad)

    ابن عربي في مرآة ما بعد الحداثة :
    مقام نعم و لا
    محمد المصباحي


    بدايةً لا بد من الاعتراف بأنني أتيت إلى ابن عربي بالعَرَض لا بالذات، لا لأنني ما زلت أعدّ نفسي لحد هذه الساعة من أهل النظر لا من أهل المشاهدة، بل وأيضا لأنني أتيت إليه في لحظة أولى من خلال ابن رشد، أي من خلال الموقف العقلاني من العالم، وآتي إليه الآن عبر حجاب ما بعد الحداثة[1]. وهناك أمر ثالث يشفع لي عرضيتي في التعامل مع فكر الشيخ الأكبر، وهو أن هذا الفكر نفسه عرضي الهيئة، مما يسمح لي بهامش كبير من الحرية لدخول أرجائه والخروج منها دون مطالبة بأي حساب مذهبي. ولعل هذه العرضية هي التي جعلتني أحبه واستمر معه، خصوصا وأنه يرى أن المحِّب مطالَب بالتقلب والتحول. بقي لي أن أقرّ من ناحية أخرى بصعوبة رؤية ابن عربي في مرآة ما بعد الحداثة، إذ كيف يمكن رؤية فكر رجل ينتمي إلى زمن ما قبل الحداثة من وراء حجاب فكر متمرد على الحداثة نفسها، رافضاً الانحباس في أية صورة مذهبية كانت؟

    ثلاث مداخل : المِرآة، ’نعم ولا‘، المقابلة
    من أجل الالتفاف على هذه الصعوبات، سأستعين بثلاثة مداخل هي عبارة عن أفكار تداولها ابن عربي نفسه : فكرة المرآة، وفكرة ’نعم ولا‘، ثم فكرة المقابلة. لقد توسلنا بهذه الأفكار لكونها تمنحنا حرية أكثر للجمع بين المطابقة والاختلاف، بين الجزم بأن الوجه الذي تراه في المرآة هو وجهك، وبأنه ليس وجهك في آن واحد[2]. ولعل هذا هو بعينه ما تؤم إليه الإجابة المتناقضة: ’نعم ولا‘، التي ردّ بها ابن عربي على السؤالين اللذين طرحهما عليه ابن رشد في لقائه المشهور بقرطبة[3]، فهي الأخرى تتردد بين الإثبات والنفي دون شعور بالحرج الذي يشعر به عادة أهل النظر في مثل هذا الوضع. إن هذا الشعور المتناقض هو ما يتملك المرء عندما يقرأ فكر ابن عربي في مرآة ما بعد الحداثة، فإنك ما تكاد تشعر بالتقارب الودّي بين الفكرين الأكبري وما بعد الحداثي، حتى يبتعد الواحد منهما عن الآخر فراسخ وبرازخ. لذلك، لن تكفينا مرآة واحدة للنظرة المزدوجة التي نريد أن نلقيها على الأفقين الأكبري وما بعد الحداثي، بل سنستعمل مرآتين ؛ المرآة الأولى هي التي ينص عليها عنوان المداخلة، أي مرآة ما بعد الحداثة، التي سنسعى أن نَرى في مجلاها صورة أو صور الشيخ الأكبر ؛ والثانية مرآة ابن عربي، التي سنجليها عساها أن تعكس لنا جملة من صور ما بعد الحداثة.

    ونرى أن مشروعية الرؤية في هاتين المرآتين المتقابلتين تقوم على أربعة مبادئ : أولها أن كل إنسان هو مرآة في نفسه؛ والثاني أن هذه المرآة تعكس العالم كله، أو كما قال في ’تجلى المعية‘ إن « الإنسان نسخة جامعة للموجودات [وأن] فيه من كل موجود حقيقة »[4] ؛ والمبدأ الثالث هو وجود « المناسبة » بين الإنسان والوجود، لأن المرآة لا يمكن أن تعكس إلا ما يناسب طبيعتها ؛ والرابع أن الذات عندما ترى نفسها في المرآة فإنها تراها من حيث هي آخر، أو قل إن المرآتين تعكس بعضها البعض بحيث ترى نفسها في الأخرى. ومع ذلك، علينا أن نحتاط من المرآة، فهي لا تستطيع أن تعكس سوى مثال الشيء وشبيهه، لا الشيء نفسه. ومن ثَم، إذا كانت المناسبة موجودة بين ما بعد الحداثة وابن عربي، فإنها لا تتعارض مع الاختلاف والخلاف ؛ أليس ابن عربي هو القائل بأن « الخلاف حق حيث كان »[5]؟

    ليس غرضنا إذن أن نثبت هوية أو اختلافا بين هذين الأفقين، وإنما غرضنا أن نستشف ما إذا كان فكر ابن عربي قادرا على التّماس مع مقتضيات الزمن الحاضر، وفتح آفاق جديدة لوجودنا وفكرنا، وإنهاض الهمة فينا لكي ننطلق من أجل تطوير لغتنا وأسئلتنا وذاتنا العتيقة وتجديد بنائها بما يتوافق وتحديات هذا الزمن الذي نحن فيه؟

    ولمّا كنا قد جعلنا المرآة ومقام العلاقة الجدلية بين ’نعم ولا‘ وسيلتين لمقاربتنا، فإن طيف ’المقابلة‘ التي جرت بين الرجلين، والتي حكاها لنا ابن عربي، سيسكن هذه المقاربة من أولها إلى آخرها. وأول ما استدرجتنا إليه علاقة المقابلة افتراض ’مقابلة‘ برزخية أخرى تجري ما بين ابن عربي وأحد مفكري ما بعد الحداثة كأن تقول نيتشه أو هيدجر أو ديريدا. إننا نتوقع أن يكون مآل مثل هذه المقابلة المفترضة أقل درامية من مقابلته مع فيلسوف قرطبة، وذلك لسببين؛ أولهما أن ما يجمع بين ابن عربي وما بعد الحداثة هو، بجهة ما، أقوى بكثير مما كان يجمعه مع أبي الوليد. فقد كانت فلسفة هذا الأخير تقوم على إخضاع الوجود لمقتضيات العقل وتحويله إلى علم وقوة، الأمر الذي يقتضي تقسيم الوجود إلى مقولات ومبادئ وجواهر وأعراض، تمهيداً للسيطرة عليه وإخضاعه. وهذا ما يفسر الإجابة المترددة لابن عربي بين ’نعم ولا‘ على سؤال ابن رشد. ذلك أنه إن لم يكن الشيخ الأكبر يُنكِر على العقل حقه في معرفة الوجود، فإنه كان يستنكر ادعاءه احتكار معرفة الوجود، لأن المعرفة في نظر الشيخ الأكبر تحيل دوما على اللامعرفة. أما ما بعد الحداثة، التي كانت نتيجة انقلاب جذري على العقل، وبالضبط على العقل التنويري، فلم تعد تؤمن بما تسميه أوهام العقلانية: المعرفية والأخلاقية والإنسانية، حيث كفّت عن الاعتقاد بأن العلم هو الوجه الوحيد للحقيقة، وبأن الماهية ثابتة وسارية في جوف الموجودات، وبأن البرهان قادر على الوقوف على نظام كل الأشياء، وبأن المعرفة يمكن أن تكون موضوعية، وبأن الخير يمكن أن يكون مطلقاً لا نسبية فيه وخلاف بشأنه. موازاة لذلك، نادت ما بعد الحداثة إلى إعادة النظر في الوسائل المعرفية التي كان يقصيها العقل، كالخيال والأسطورة، وعملت على إلغاء الازدواجيات التي كان يقوم عليها الفكر الاستدلالي، كالازدواجية بين الصورة والأصل، بين الذات والأعراض، وبين المبدأ والأثر.

    أما السبب الثاني الذي نتوهم أن يكون وراء نجاح المقابلة المتخيَّلة بين ابن عربي وما بعد الحداثة، فيتعلق بسؤالها : ذلك أن سؤال أبي الوليد كان يتعلق بمدى مطابقة النظر مع الكشف. وكانت إجابة ابن عربي ’بنعم ولا‘ في آن واحد، لأن ابن عربي لم يكن ينكر طريق النظر، ولكنه كان يعارض أي خلط أو توحيد بين هذا الطريق وطريق الكشف. أما مفكرو ما بعد الحداثة فقد توقفوا عن وضع مثل هذا السؤال منذ فجر نشأتهم، سؤال التطابق أو التقابل بين الكشف والبرهان، بحكم عدم إيمانهم بالغاية التي كان يؤم إليها الفكر السابق عليها، وهي تحقيق الاتصال بالمبدأ الأقصى، أو أنهم على الأقل لم يعودوا يعبأون بالبحث عن هذه الغاية. هكذا تكون العقبتان الرئيسيتان: عقبة هيمنة العقل على الوجود، وعقبة سؤال التطابق، قد زالتا لتنفتح الطريق أمام توارد معالم التشابه والتناظر بين فكر ابن عربي وما بعد الحداثة.

    وما دمنا قد توهمنا حصول هذه المقابلة في برزخ من الخيال ما بعد الحداثي، فقد يتوجب علينا أن نغير من استراتيجية السيناريو بعض الشيء، فنقلب الأدوار جاعلين الطالب للمقابلة والواضع لسؤالها هو ابن عربي، وليس ممثلي فلسفات ما بعد الحداثة. أما عن السؤال المطروح، فلا يمكن أن يكون صامتا، أو مرموزا على هيئة ’لا’ أو ’نعم‘؟، وإنما يجب أن يكون صريحا. في حين أن إجابة ما بعد الحداثة قد تكون ’بلا نعم ‘، وقد تكون بنفس الوتيرة التي كانت عليها إجابة أبن عربي على أحد سؤالي ابن رشد :’نعم ولا‘. ولكن ليس بنفس الدلالة التي أعطاها لها ابن عربي، لأنه مهما كان تقارب ما بعد الحداثة من بعض أوجه الفكر الأكبري، فإن ما بعد الحداثة ذهبت بعيداً في انقلابها على العقلانية التنويرية إلى درجة جعلتها تستخلص نتائج لم تكن تخطر على بال الشيخ الأكبر. لقد انتهت ما بعد الحداثة بصفة عامة إلى رؤية للعالم مختلفة جذريا عما كان يراهن عليه ابن عربي من حيث المضمون: فرؤية ما بعد الحداثة متشظية، تفكيكية وعدمية، رؤية مؤثثة بالأشباح والأطلال والفكر الخرائبي إزاء الوجود والمعرفة والإنسان والتاريخ والأخلاق، وإزاء كل شيء ينتمي إلى الأجهزة الثقافية والحضارية القائمة، ولو أنها صاغت هذه الرؤية بالفكر ضدا على الفكر[6]. ولذلك لا نتوقع أن توجد ’ليلى‘ واحدة يسعى للقائها كل مجانين ما بعد الحداثة، بل ’ليلات‘، هذا إن افترضنا أنهم قادرون على العشق!. حقاً، كاد الشيخ الأكبر أن يلامس هذا الموقف، ولكنه وقف دونه، لأنه مهما نوّع من ملامح ليلاه (الأحدية، الوحدانية، الوحدة؛ الهوية، الربوبية، الألوهية)، ومهما كانت سِعَة قلبه لاحتضان كل الصور، فإنه بقي مؤمنا بالحقيقة الواحدة. ولعل تلميحه إلى وجهي التشابه والتباين بين موقفه وموقف السفسطائية ما يؤشر إلى نوع العلاقة التي يمكن أن تنشأ بينه وبين الأفق ما بعد الحداثي. فقد قال عنهم : « فالعالم كله في صور مثل منصوبة، فالحضرة الوجودية إنما هي حضرة الخيال... وهذا لا قائل به إلا من أُشهِد هذا المشهد. فالفيلسوف يرمي به، وأصحاب أدلة العقول كلهم يرمون به، وأهل الظاهر لا يقولون به... ولا يقرب من هذا المشهد إلا السوفسطائية. غير أن الفرق بيننا وبينهم أنهم يقولون إن هذا كله لا حقيقة له، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول إنه حقيقة، ففارقنا جميع الطوائف »[7]. فما يظهر كأنه لعبة دلالات وصور خيالية بالنسبة للفكر المعاصر، هو عين الجد عند الشيخ الأكبر، لأن كل الأشياء لها شيء من نَفَس الرحمن.

    ’ نعم و لا ‘ والمتقابلات الأربع
    إن استجلاء مرآة ما بعد الحداثة يقتضي منا أن نتبين وجه انتماء ’الإجابة المتقابلة‘ لابن عربي إلى المتقابلات الأربع: التناقض، والتضاد، والإضافة، والملكة والعدم. فعن السؤال الأول المرموز لابن رشد : « نعم؟ »، أجابه ابن عربي إجابتين متقابلتين في نظر العقل البرهاني، كانت أولاهما إيجابية: ’نعم‘ ؛ لكن ما أن استشعر ابن عربي بما أفرح أبو الوليد من إجابته حتى انقلب عليها نحو إجابة سلبية :’لا‘[8]. هكذا يكون ابن عربي قد اثبت ثم نفى، مما يُدخِل إجابته المتقابلة على السؤال الأول ضمن تقابل ’التناقض‘، علماً بأن هذا التناقض يوجد على مستوى الانفعال (الفرح/الانقباض) لا على مستوى الفكر. أما السؤال الثاني لابن رشد الذي يتميز بوضوحه هذه المرة، فيطرح فيه صراحة ما كان مضمراً في السؤال الأول، وهو مسألة مدى مطابقة طريقي النظر والكشف : « كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي: هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ »[9]. عن هذا السؤال جمع ابن عربي في إجابته بين ’نعم ولا‘ دفعة واحدة، دون انتظار للأثر الانفعالي الذي قد تحدثه الإجابة، مما يجعلنا ندخلها ضمن علاقة ’التضاد‘. في حين يمكن إدراج تعليق ابن عربي على هذه الإجابة: « وبين نعم ولا، تطير الأرواح من موادها »[10] ضمن علاقة ’الملكة والعدم‘. وأخيراً، بوسعنا أن نتوقع أن قصده من جمعه بين ’نعم ولا‘ كان أن يبيّن أن كل واحد منهما موجود في الآخر، وكأن كلاًّ من ’نعم‘ و’لا‘ مكيال للآخر، مما يجعلهما أدخل في باب ’الإضافة الذاتية‘. إن هذه القراءة التقابلية لإجابة ابن عربي تجعلنا نذهب إلى أنه أراد أن يحوّل التقابل بين ’نعم ولا‘ من تقابل إقصائي، ينفي المقابل ويلغيه، إلى تقابل جدلي، يطلب المقابل ليتفاعل معه. ’فنعم ولا‘ في الفكر الأكبري متقابلان، ولكنهما متضايفان تضايفا ذاتيا، بحيث لا يمكن لأحدهما أن يوجد بدون الآخر.

    فإذا علمنا أن هذه المتقابلات الأربع تعود بأصلها، من جهة، إلى نظرية الواحد، بحكم تفرعها عن التقابل الأول، وهو تقابل الواحد والكثير ؛ وتعود من جهة ثانية، إلى نظرية الوجود، لكون ’المتقابلات الأربع‘ من لواحق مقولات الموجود، فإنه سيتبين لنا أن استعمال ابن عربي للمتقابلات الأربع في إجابته المحيّرة يدل مرة أخرى على أن لغته كانت تدور في أفق الوحدة، أي أفق الهوية والاختلاف، المناسبة والتقابل، الاتصال والانفصال، الإضافة والمكيال، السلب والحركة، وهو أفق يجري فيه الجمع بين المتضادات دون أي حرج نظري أو انفعالي. وهذه لعمري إحدى السمات القوية التي تجمع ما بين ابن عربي وروح ما بعد الحداثة.

    ومع ذلك، فإن موقف ابن عربي هذا يجعلنا في حيرة من أمرنا، فلا نستطيع البث في معنى الجمع بين المتقابلين ’نعم ولا‘: هل هو تعبير عن إمكان واستحالة الجمع بين الفلسفة والتصوف، بين النظر والكشف، بين الاتصال والانفصال؟ هل كان الجمع بين ’نعم‘ و’لا‘ اعترافا بتاريخ الفلسفة ونفيا له في نفس الوقت، أم هو اعتراف بجزء مما كانت تقول به الفلسفة، ونفي لجزء آخر منها؟ هل هذه الإجابة المتقابلة هي إقرار بازدواجية الحقيقة ذاتها، أم بازدواجية الطريق إليها ؟ ثم هل إجابته ’بنعم‘ أرادها أن تكون قطعية مطلقة، فنفاها ’بلا‘ قطعية جازمة، أم أن القصد من إجابته ’بنعم‘ أن يترك شيئا من ’لا‘ في داخلها، والعكس ؟ هل كانت غايته أن يثبت بأن « العيان يُغني عن البرهان »[11]، أم أنه كان يريد الجمع بين العيان والبرهان معا ؟ إن منطق الفكر الأكبري يمنعنا من استبعاد أي من هذه الأسئلة، ولا أي جانب من هذه الإمكانيات المفترضة، لأن النفي الصارم الذي يَؤُول إلى العدمية، والإيجاب الجازم الذي ينتهي إلى الوثوقية، ليسا من شيم الفكر الأكبري القائم على القلب والتقلب[12]. فقد كان يقول إن « التجلي المتكرر في الصورة الواحدة لا يعول عليه »[13]، وأن « الإقامة على حال واحد نفسين فصاعدا لا يعول عليه عند أكابر الرجال »[14]. فابن عربي لا يمكن أن ينتمي لا لأصحاب ’نعم‘، ولا لأصحاب ’لا‘، لأنه يفضل أن يوجد في برزخ بينهما، متمتعا بمقام الحيرة، التي كلما زادت حدتها ازداد كمال الإنسان[15].

    إن الدرس الذي نستخلصه من العلاقة الجدلية بين ’نعم ولا‘ هو أنه ليس بوسعنا أن نرى جُمَاع فكر ابن عربي دفعة واحدة في مرآة ما بعد الحداثة، لأن فكره غير قابل للحصر بسبب تحوله المستمر في مقامات ومواقع مختلفة، وبحكم تجدد صوره اللانهائية، وتعدد أسئلته ومجالاته، وتنوع طرقه وغاياته. ولهذا سنقتصر في سعينا هذا على رؤية صورتين من صور ابن عربي في مرآة ما بعد الحداثة: صورة العقل في علاقته مع القلب، وصورة الوجود في علاقته مع الوجدان.

    صورة ’العقل‘ الأكبري في مرآة ما بعد الحداثة


    عندما نوجه نظرنا إلى مرآة ما بعد الحداثة تطالعنا أوجه تشابه عديدة بين مفهومي العقل الأكبري وما بعد الحداثي. فبالنسبة للشيخ الأكبر، يتخذ العقل صورتين[16]، صورة فاعلة يكون فيها العقل مرادفا ’للفكر‘، أي للقياس والممارسات الاستدلالية والحدّية بصفة عامة، وصورة منفعلة يتخذ فيها العقل معنى المكان، مكان قبول المعارف الآتية إليه إما من الله، أو من الفكر، أو من القلب.

    يوجه ابن عربي نقده العنيف فقط لصورة العقل الفاعلة، أي للعقل بمعناه الفكري، حيث يرصد ثلاثة عيوب أساسية للعقل، تهم ثلاث مستويات: كيفية توصله بمعطياته، وأسلوب استعماله لهذه المعطيات في أفعاله المعرفية، ثم قيمة المعرفة التي يتوصل إليها. وهذه العيوب هي : عيب الوساطة، وعيب التقييد، ثم عيب الموضوعية والحياد.

    إذا نظرنا إلى الكيفية التي يحصل بها العقل على معطياته المعرفية، فإننا نلفيه لا يستطيع أن يدرك بنفسه، لا الظواهر الخارجية ولا المعاني الغيبية، وإنما هو يقوم بذلك بالواسطة، عن طريق الاستدلال والحد، سواء على صعيد الطبيعة أو على صعيد ما بعد الطبيعة[17]. فبالنسبة لظواهر الطبيعة كالألوان مثلا، أو أسرار الذات والأسماء الإلهية، يبدو العقل عاجزا أن يقف عليها بنفسه ومباشرة. فالألوان إنما يدركها العقل عن طريق الحواس «... وكذلك القوة البصرية جعل الله العقل فقيرا إليها فيما توصله إليه من المبصرات فلا يعرف الخضرة ولا الصفرة ولا الزرقة ولا البياض ولا السواد ولا ما بينهما من الألوان ما لم ينعم البصر على العقل بها، وهكذا جميع القوى المعروفة بالحواس »[18]. أما الصفات والأسماء والذات الإلهية فلا يمكن أن يدركها الإنسان إلا بالقلب والبصيرة. هكذا يبدو العقل غير مستقل بنفسه بالنسبة لموارده المعرفية سواء إزاء الحواس والخيال، أو إزاء القلب. من هنا جاء افتقاره وتبعيته لغيره : «يا أخي ما أفقر العقل حيث لا يعرف شيئا مما ذكرناه إلا بوساطة هذه القوى، وفيها من العلل ما فيها »[19]. ويستخلص ابن عربي بأنه إذا كان لا مناص من التقليد، فلنقلد الخبر، فهو أولى من تقليد العقل، لاسيما عندما يتعلق الأمر بمعرفة الذات الإلهية، التي يتكفل الله نفسه بالإخبار عنها[20].

    أما العيب الثاني للعقل، وهو عيب الحصر والتقييد[21]، فيتجلى في نظر الشيخ الأكبر في أرقى وسائله للبحث عن الحقيقة والتعبير عنها، وهما الحد والبرهان. ذلك أنه لمّا كانت نظرية الحد تنطلق من اعتبار أنه لا يوجد للشيء الواحد إلا حدّ واحد، بحكم حيازته لماهية واحدة فقط ؛ وأن هذه الماهية محصورة في مقوّمَين اثنين فقط، هما جنسها القريب، وفصلها الذي يميزها داخل هذا الجنس عن بقية الماهيات، فإن حدّ ذات الشيء معناه في نظر محي الدين إعطاء صورة فقيرة عنها، لأنه يستبعد كل الصفات الأخرى التي تتحلى بها الذات ما خلا الصفتين اللتين يُعتَقَد أنهما أساسيتان. ويظهر عيب التقييد بكيفية سافرة وغير مقبولة عندما يتطاول العقل على الذات الإلهية التي هي بالتعريف غير قابلة للحدّ والتقييد ولو كان تقييد إطلاق[22]. لكن ليس معنى هذا أن ابن عربي يتخذ موقفا لا أدريا من الذات الإلهية، بل إنه يقترح بديلا للوقوف على غناها، وقابليتها للتحلي بصور لا متناهية، هو طريق القلب، لأنه مكان يسع كل شيء، ولأنه لا يقيد ولا يحصر، بل يحيط بكل الصور في تقلبها وتواردها المستمر على الذات[23].

    ونجد نفس العيب – عيب الحصر والإفقار - يخالط الممارسة البرهانية. فعندما يستعمل العقل البرهان لاستخلاص وإثبات المعارف الجديدة من المقدمات والمبادئ، يركز انتباهه على أعراض الشيء الذاتية، دون اعتبار لباقي أعراضه الأخرى غير الذاتية، التي لها هي الأخرى أهميتها في التعبير عن جوانب غنية من معنى الشيء، مما يؤدي إلى إفقاره. وهنا يحضرني انتقاد هيدجر لمفهوم المكان الفلسفي. فعندما تنظر الفلسفة إليه نظرا برهانيا، أي بالاستناد إلى مبادئ وخلاصات علم الهندسة، تلغي وظائفه الفعلية والانفعالية، وتفرغه من امتلائه بالمعاني المتأتية من علاقته بالإنسان وبالأحداث الكبار التي جرت فيه[24]. وهنا لا بد أيضاً من استحضار موقف ابن عربي من المكان، الذي كان يتعامل معه من حيث هو ذات مؤنثة، أي من حيث هو مكانة، لا من حيث إطار عقلي فارغ[25]. فالأمكنة بالنسبة إليه ليست على حد سواء، بل هي متفاضلة بحسب امتلائها بالأحداث والرجال: « من شرط العالِم المشاهِد، صاحب المقامات الغيبية والمَشاهد، أن يعلم أن للأمكنة في القلوب اللطيفة تأثيرا. ولو وُجِد القلب في أي موضع كان، الوجود الأعم، فوجوده بمكة أسنى وأتم. فكما تتفاضل المنازل الروحانية، كذلك تتفاضل المنازل الجسمانية »[26]. وهذا ما يفسر شعور الإنسان بالزيادة والنقصان بحسب المكان الذي حل فيه، فـ «... وجود قلوبنا في بعض المواطن أكثر من بعض »[27]، بل إنه يقرر بأنه « لا شك عندنا أن معرفة هذا الفن، أعني معرفة الأماكن، والإحساس بالزيادة والنقص، من تمام معرفة العارف وعلو مقامه، وشرفه على الأشياء وقوة ميْزه »[28]. إن المكان بالنسبة لابن عربي إذن ليس مقولة فلسفية، أو أداة علمية فارغة لتحديد وتأطير الأشياء، بل إنه جزء من الزمان والتجربة الروحية للذين مروا به، وحدثت لهم إشراقات أو كرامات فيه أو بفضله.

    العيب الثالث للعقل البرهاني في نظر ابن عربي يتمثل في ادعائه القدرة على الوصول إلى معرفة موضوعية ومحايدة تصمد أمام تحولات التاريخ، وتتعالى عن صراع الآراء وتطاحن المعتقدات. على العكس من ذلك يذهب الشيخ الأكبر إلى القول بأن كل معرفة مشروطة بذات ما، وبوضع معرفي وتاريخي معين، ولا يمكن القول أبدا بحقيقة خارج عن مدرِكها وفاعلها الذاتي والموضوعي[29]. ومما يدل على ذلك أن المبادئ الأولى التي يستند إليها العقل في عملياته المعرفية كمبدأ الذاتية وعدم التناقض، والثالث المرفوع، والسببية... ليست في مأمن من الخطأ والضلال. ولعل اختلاف أهل الفكر والنظر فيما بينهم خير دليل على أن عدم صحة دعوى موضوعية وثبات المعرفة العقلية[30]، في مقابل أهل الكشف والوجود من الأنبياء والأولياء، الذين لا نجد – حسب ابن عربي – أي أثر للخلاف والصراع فيما بينهم، بل كل واحد منهم يؤيد كلام السابقين عليه. وبهذه الجهة يكون شيخ مورسية أقرب إلى الإيمان بأن طريق الاتفاق والتسليم والتقليد، أوْلَى وأسلَم للوصول إلى العرفان الحق، من الخلاف والصراع والإبداع.

    لم يكن همّ ابن عربي إذن البحث عن معقولية للوجود، بإخضاع هذا الأخير لمقولات العقل ومبادئه من أجل استثماره عملياً، لم يشأ قراءة الوجود من وراء حجاب الفكر، فيراه عبارة عن ماهية مدفونة في أعماق الظواهر والأشياء. لقد كان، على العكس من ذلك، ينأى بنفسه قدر الإمكان عن ’الموضوعية‘ الباردة التي تفصله عن الوجود وتجعل هذا الأخير مجرد موضوع للعلم والسيطرة. لقد أراد الشيخ الأكبر أن يُبقِي الوجود قريبا منه، شاخصا أمامه، متجليا في صورة حسية أو خيالية يمكن أن تسكن نفسه إليها. باختصار، كان ابن عربي أبعد الناس عن العقل الحسابي الحاصر للحقيقة والمستعمل لها، وأقرب ما يكون إلى العقل الجامع، عقل اللوغوس، العقل المنفعل بالوجود والراغب في مدد من جُوده.

    وهنا قد يلتقي هيدجر مع ابن عربي، فهما معا لم ينتقدا العقل من أجل إصلاحه وتقوية فعاليته، أو الزيادة من هيمنته على الوجود، بل انتقداه لغاية استبداله إما بالفكر المرادف للشعر بالنسبة لهيدجر، أو بالذوق والكشف بالنسبة لابن عربي، هذا الاستبدال الذي من شأنه تحرير الوجود من المقولات والماهيات والمبادئ العقلية، أي من الحُجُب التي تُنسي الوجود. ومع ذلك علينا أن لا نفهم أن الغرض من انتقاد ابن عربي للعقل إلغاءَه وتفكيك المؤسسات التابعة له كما فعل الغزالي، وإنما كانت غايته أن يبين حدوده، وينبه إلى ضرورة دعمه بطريق الخبر والمشاهدة والكشف. فهو يعترف بأن نور العقل مساوق لنور الإيمان، ولو أنه لا يصل إلى مرتبة هذا الأخير. ولذلك فهو يوصي باستعمال النورين العقلي والإيماني معاً، لكن دون أن لا يتم الخلط بينهما[31]. فقد يشهد نور الإيمان لنور العقل، ولا يشهد نور العقل بصحة ما أعطاه الإيمان والكشف، لأن ما يقتضيه البرهان الوجودي من السلب والتنزيه بالنسبة للذات الإلهية غير ما يقتضيه الإيمان. يقول ابن عربي : « أحذر أن تصرف نظرك الفكري فيما أعطاكه الإيمان، فتحرم عين اليقين، فإن الله أوسع من أن يقيده عقل عن إيمان، أو إيمان عن عقل، وإن كان نور الإيمان يشهد العقل من حيث ما أعطاه فكره بصحة ما أعطاه من السلوب، ولا يشهد نور العقل من حيث فكره بصحة ما أعطاه نور الإيمان والكشف »[32].

    أما بالنسبة للمعنى الثاني للعقل، أي العقل المنفعل القابل، فقد أُودع فيه قوة « القبول لما يعطيه الحق، ولما تعطيه القوة المفكرة »[33]. غير أنه في مكان آخر يجعل القلب وسيطا بين العقل والحق، مما يسلبه القدرة على القبول المباشر من الحق: « فلا تكون معرفة الحق من الحق إلا بالقلب، لا بالعقل، ثم يقبلها العقل من القلب كما يقبل من الفكر...»[34]. إن نور هذا العقل « يشهد بصحة ما أعطاه الكشف والإيمان :

    للشرع نور وللألباب ميزان ** والشرع للعقل تأييد وسلطان

    والكشف نور ولكن ليس تدركه ** إلا عقول لها في الوزن رجحان»[35].

    وبهذا النحو يتبين لنا أن العقل المنفعل في الأفق الأكبري أفضل من العقل الفاعل، لأنه يتسم بالقبول، ولأنه يقبل إما مباشرة من الحق، أو عن طريق القلب، في مقابل العقل الفاعل الذي لا يقوى على إدراك الأشياء والذوات مباشرة، وإنما بالواسطة. وهذه العلاقة تفسر لنا الفرق بين باراديجم الوحدة عند ابن عربي وباراديجم الاتصال عند ابن رشد. فمحي الدين كان يطالب الراغب في الوصول أن يوقّف العقل الفاعل من أجل العقل المنفعل، عقل القبول والتلقي، في حين كان باراديجم ابن رشد يقوم على استنفاذ كل إمكانيات العقل الهيولاني، أي جعله ممتلئا تماما حتى يكتسب قوة جديدة يقتدر بفضلها على الاتصال بالعقل الفعال. بعبارة أخرى، تقوم استراتيجية ابن رشد على تحويل العقل الهيولاني إلى عقل فعال، وهذه هي لحظة الاتصال بالوجود ؛ بينما تقوم استراتيجية ابن عربي على تحويل العقل الفعال (أي الذي يقوم بفعل التفكير النظري) إلى عقل هيولاني قابل للمدد والهبة الإلهية.

    وقد كان ابن عربي يؤثر طريق الكشف والمشاهدة على طريق أهل النظر، بالرغم من أنها طريق غير حتمية ولا مضمونة النتائج، وبالرغم من أنها قائمة على الانتظار، أو بالأحرى على تدريب أهل الكشف على اكتساب فضيلة الاستعداد للانتظار، انتظار المدد الإلهي:« فمن طلب الله بعقله من طريق فكره ونظره فهو تائه، وإنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه الله من ذلك »[36]. ولعل هذا شبيه – وإن كان السياق مختلفا للغاية - بما صرح به هيدجر في حوار شهير له نشر بعد وفاته بخمس سنوات. فحينما سُئل عما إذا كان للفلسفة من دور تلعبه في عالم يطحنه طغيان العولمة التقنوية، أجاب بأن مهمة الفلسفة تنحصر في إعدادنا لانتظار إلهٍ، هو وحده القادر على إنقاذنا من الهول المنتظر[37].

    ومن البيّن بنفسه أن انتقاد العقل هو، بجهة ما، دعوة للاعقلانية، بحيث يمكن للمرء أن يترجم الأكبرية (التي هي ما بعد رشدية) وما بعد الحداثة معاً بما بعد العقلانية. ولعل أسلوب كتابة ابن عربي خير دليل على لاعقلانيته. إذ لمّا كان الخبر مبدأ تفكيره، فقد اتخذت كتابته شكل الرواية والحكي[38]، فتجده غير معنِيّ ببناء نسق متماسك يحترم فيه تسلسل الأفكار وانسجامها، غير عابئ باحترام وحدة الأجناس والأقوال الأدبية والعلمية، مفضّلا على ذلك التنقل بحرية من فكرة إلى أخرى، ومن موضوع إلى آخر، ومن حكاية إلى أخرى دون أي رادع منطقي. وهذا ما أضفي على كتابته طابعا «فوضويا» يجعل معظم قرائه يتيهون في مفازاتها، إلا الراسخون منهم في أجوائها، الذين يجدون فيها مع ذلك نظاما رائعا في خضم الفوضى العارمة. إن الفكر الذي لا يتقيد بشكل واحد للكتابة، الذي يأبى نصّه الخضوع لأي نظام قولي، ويرفض الامتثال للحواجز الصناعية والمصطنعة التي تفصل بين أجناس الأقوال والمناهج والمقاربات، النص الذي يمتزج فيه النثر بالشعر، والبرهان بالكشف، والعقل بالخيال، والفلسفة بالتصوف، وعلم الطبيعة بعلم الحروف الخ.، يجعل صاحبه أقرب المفكرين الوسطويين إلى سماحة هذا الزمن. إن المفكر الذي يفضل اللغة على الأونطولوجيا، والتأويل على التفسير، والحكي على التحليل، المفكر الذي يبحث عن ليلاه بين الأطلال، وعن معنى للوجود بين الأحلام والأساطير، وعن الخلق في ثنايا الحروف والأفعال والأسماء، يرفعه إلى مقام المفكرين المغامرين الذين لا يترددون أمام إحراق سفنهم، سفن العلم والفلسفة، من أجل أن يتحركو بريحهم التي في داخلهم، بريحهم الذاتية، لا بالريح الآتية إليهم من خارج. إن تخليه عن المركز المِلّي والفلسفي لقاء البحث في الأطراف والتخوم عن معنى طائش، أو دلالة متسترة وراء هذه الإشارة أو ذلك الرمز، يجعل منه مشاغبا كبيرا، ومحرضا خصباً للبحث عن التجديد بكل الطرق، إذ لا فضل لطريق على أخرى إلا بقدرتها على خرق العادة. إن فكراً ينأى عن الذاتية بمعناها الهيدجري، في سبيل النظرة الموضوعية للوجود، أي في سبيل القرب من الوجود كما هو، لا كما يظهر عبر مقولات الإنسان، يجعله أقرب من أي فكر آخر من أفق ما بعد الحداثة.

    غير أنه، سواء بالنسبة لابن عربي أو بالنسبة لأفق ما بعد الحداثة، لا معنى للفصل بين العقلانية واللاعقلانية، بين المعنى واللامعنى، بين العقل والخيال، بين النظام والفوضى، ما دامت المرجعية في الأفقين معاً هي الوجود لا العقل. فإزاء الوجود: العقلانية واللاعقلانية هما على حد سواء. بل من شأن التخلي عن العقلانية الصارمة أن يخفف من ثقل الذات، ويسمح لها بتجاوز عوائق معرفية ضاغطة، كالتقابل بين الذات والموضوع، بين الصورة والأصل، بين الظاهر والباطن وبين البرهان والتمثيل. وفي هذا الاتجاه كان صاحب فصوص الحكم يقول أحيانا إن النسخة هي مصدر الأصل، وأن الشبيه والخيالي يوجد في أصل وجود الأشياء الواقعية. وهذه النظرة إلى العالم هي التي جعلته ينوه بقيمة الخيال، والصورة، ويحرض على التعدد والتحول في الطرق والمعارف، إيماناً منه بأن « المعرفة إذا لم تتنوع مع الأنفاس لا يعول عليها»[39].

    ومع ذلك، وعند تدقيق النظر في المرآة على نحو عدل، نستطيع أن نرى ملامح من الاختلاف الدقيق بين انتقاد ما بعد الحداثة وانتقاد ابن عربي للعقل موضوعا وغاية ووسائل. فقد تكون عملية الانقلاب على العقل، أو الانقلاب على الانقلاب الذي قام به العقل، واحدة في شكلها، بل قد تكون واحدة في شعاراتها، ولكن موضوعها وأدواتها ومقاصدها مختلفة. فموضوع النقد عند ابن عربي هو العقل من حيث هو أداة معرفية تتطاول على الوجود الإلهي بوسائلها المقيِّدة والحاصرة ؛ أما موضوع نقد ما بعد الحداثة للعقل فهو الوجود الطبيعي، أي ادعاء العقل حيازته لحقيقة العالَم الطبيعي وقدرته على استعمال هذه الحقيقة لقضاء ’مآرب أخرى‘ لا صلة لها بالمقاصد العلمية. كما لم تكن غاية ابن عربي من انتقاده العقل تحرير القلب من قيد العقل، من أجل إطلاق العنان للغرائز والانفعالات الجسدية، أو من أجل توسيع أوراش بحث جديدة، أو استحداث زوايا جديدة للنظر إلى الوجود كما تفعل ما بعد الحداثة، بل من أجل تحويل اتجاه الطاقة البشرية الحسية والوجدانية والفكرية نحو الأفق الأعلى. ولذلك كان البديل الذي قدمه ابن عربي هو الاتكال أساساً على تأويل الأخبار والقصص والإشارات الواردة في الكتب المنزّلة والسنن الشارحة لها، لا على المشاهدة الحسية أو التفكير الشاعري كما تفعل ما بعد الحداثة. باختصار، شيء مما كان يقول به ابن عربي صارت تروم إليه ما بعد الحداثة، لكن لا من أجل العودة إلى روح القرون الوسطى، الثّمِل بالمقدس والعجيب والخارق للعادة، بل للقفز إلى عصر الوجود الافتراضي، الوجود الذي تم تشكيله من عالم العدد والصورة والحركة، عالم الوحدة النابعة من الإنسان.

    صورة الوجود الأكبري في مرآة ما بعد الحداثة :
    نسيان الوجود
    الصورة الأكبرية الثانية التي نود مشاهدة جانب منها في مرآة ما بعد الحداثة هي صورة الوجود. لقد أحدث ابن عربي، شأنه في ذلك شأن هيدجر، انقلابا داخل الانقلاب الذي قامت به الفلسفة على غيرها من أجناس القول اللاعقلاني منذ فجر نشأتها عند اليونان. وكانت غاية الانقلاب الأكبري استعادة الموجود لمشروعيته بعد أن اغتصبها العقل. وقد تجلى هذا الاغتصاب خاصة في تحويل الوجود إلى مجرد مسود للإنسان – السيد. لذلك كان على ابن عربي أن يقلب علاقة السيد بالمسود بين الإنسان والوجود. فبدلا من أن يكون الإنسان سيدا على الوجود، غدا في الرؤية الأكبرية مسوداً له. وبذلك توقف الوجود عن أن يكون موضوعا، ليصبح ذاتا ناطقة باسم الإنسان. وبلغة هيدجر الريفية، يكون معنى عودة المشروعية للموجود أن يتوقف الإنسان عن أن يفرض نفسه سيدا للوجود، ويقنع بأن يكون مجرد راعي له[40].

    بيد أن إعادة الاعتبار إلى الوجود بالنسبة لابن عربي كانت من حيث إن الوجود هو الله، من حيث هو وجود واحد أحد، من حيث هو وجود مقدس يقتضي العبودية والعبادة، لا من حيث هو وجود وحسب. إن إعادة المعنى للوجود بالنسبة لصاحب الفصوص متلازمة ومتآنية مع إعادة المعنى للإنسان، باعتباره كائنا منذوراً لأن يعرف الله، لأنه خلقه من أجل أن يعرفه ويعترف به[41]. من هنا نفهم لماذا كان مسعى الشيخ الأكبر موجها نحو غائية أخروية، خلافا لمسعى ما بعد الحداثة التي لم تعد تعنيها لا البداية ولا النهاية.

    غير أن الذي أثار استغراب ابن عربي هو نسيان الإنسان للوجود، وكأن ’نسيان الوجود‘ من صميم الطبيعة البشرية. حقا، لم يطرح الشيخ الأكبر إشكالية النسيان على مستوى تاريخ الفلسفة أو تاريخ الميتافيزيقا، كما سيفعل هيدجر، وإنما على مستوى تاريخ الوجود البشري من حيث هو تاريخ لنسيان الله. وهذا ما جعل لغة ابن عربي زاخرة بلغة النسيان والحضور، كالغفلة والسهو والنوم والحجاب، واليقظة والشهود والكشف والتذكر، بحيث يمكن اعتبار التقابل بين قاموسَيْ الحضور والنسيان من بين المحركات الأساسية للتجربة الصوفية عند ابن عربي. لقد ربط الشيخ الأكبر ربطا اشتقاقيا وذاتيا بين الناس والنسيان، معتبراً ’الناس‘ اسم فاعل مشتق من النسيان[42]. لكن ما ذا نسي الإنسان ؟ أو ما هو موضوع نسيان الإنسان؟

    هناك ثلاثة موضوعات مترابطة لنسيان الإنسان عند ابن عربي، وهي : الصورة، والنفس، والله. فمن جهة، بما أن صورة الإنسان هي نفسُه، فإن « مَن نسِيَ صورتَه نسي نفسَه »[43]، أو بالأحرى مَن نَسي صورته أنساه الله نفسَه ؛ ومن جهة ثانية، لمّا كانت صورة الإنسان ليست شيئا آخر سوى صورة الله – استنادا إلى حديث نبوي يعتمد عليه ابن عربي كثيرا لبناء نظريته في الإنسان -، فإنه يترتب على ذلك أن مَن نَسِيَ نفسَه، أي صورته، نسي الله ؛ لكن، من جهة ثالثة، من نسي الله، نسيَه الله، إشارة إلى قوله تعالى « نَسَوا الله فنسيَهم »، وكأن النسيان متبادل بين الإنسان والله، من غير أن يكون له نفس المعنى، لأن النسيان البشري أدْخَلُ في مقولة الانفعال، بينما النسيان الإلهي هو من مقولة الفعل، إذ أن نسيان الله هو أن يُنسي الإنسانَ نفسه.

    هكذا تتضح العلاقة المتبادلة بين عدم معرفة الإنسان بذاته وعدم معرفته بالله، فانفصال الإنسان عن صورته هو انفصال عن الله، وانفصاله عن الله هو انفصال عن صورته ونفسه. غير أن معرفة الذات تنطوي على مفارقة: فالإنسان لا يعرف ذاته إلا إذا أفناها، أي أنه لا يرى ذاته في مرآة ذاته إلا إذا جلّى وجه مرآته. وهذا تلميح لنسيان آخر أشار إليه ابن عربي منتقداً إياه في مضمار انتقاده لبعض المتصوفة، لا سيما متصوفة الحلول، الذين بسبب ادعائهم بأنهم لا يشهدون من الله إلا أعيانَهم وأحوالَهم، يُنسِيهم الله أنفسَهم[44].

    ويتخذ مضمون نسيان الإنسان لله صورتين، يمكن الاقتراب منهما من خلال مقولتين: إما عن طريق مقولة الإضافة فيكون نسيانُ الإنسان لله نسيانا لعبوديته له[45] ؛ أو عن طريق مقولة الجوهر، فيكون نسيان الإنسان لله نسيانا لكون « الحق سمعَه وبصرَه وجميعَ قواه »[46]. إنها لحظة حضور وشهود قوية حينما يحصل للإنسان الوعي بأن الحقّ سمعَه وبصرَه وجميع قواه: أليست هذه اللحظة هي إحدى المعاني القوية لوحدة الوجود الأكبرية؟

    لكن مَن المسؤول عن هذا النسيان المزدوج: نسيان الذات من حيث هي نسيان لله، ونسيان الله من حيث هو نسيان للذات ؟ من بعض أقواله نفهم أن النسيان طبيعة ذاتية للإنسان[47]، ومن بعض أقواله الأخرى نتبيّن أن صاحب النظر « وحده ... الذي يدخله السهو »[48]. بهذه الجهة، يصبح الفكر علةً لنسيان الوجود، أو بعبارة محي الدين إن « الاشتغال بالفكر حجاب »[49]، في مقابل التذكر الذي هو أداة حضور وانكشاف الوجود. ولعل هذا التقابل هو ما شجع صاحب الفتوحات أن يُسَمّي المتصوفة أحيانا « بأهل الكشف والوجود »[50]، وأحيانا أخرى « بأهل التذكر »[51]. ذلك أن ’الذاكرة الوجودية‘ تمكّن هؤلاء القوم في آن واحد من أن يكون الله حاضرا دائما في قلوبهم، ومن أن يرجعوا إليه مباشرة، لا بواسطة الاستدلال الفكري أو الرؤية العقلية. ومن هنا جاء تنويهه بصاحب الذوق الذي « لا غفلة عنده عن ذلك جملة واحدة... »[52]. هكذا يحقق المتصوف ما يعتبره ابن عربي مهمة الإنسان الكبرى، وهي الحضور الدائم لله في القلب، نظير حضور الله مع الإنسان أينما ولّى وجهه.

    فإذا ولّينا وجهنا شطر هيدجر، فإننا نجده يربط نسيان الوجود أيضا بالإنسان وبمصير الوجود ذاته من حيث هما أمران متلازمان[53]. غير أن موضوع ومعنى هذا النسيان الهيدجري يختلف كثيرا عما كان يؤمه الشيخ الأكبر. فموضوع نسيان الوجود عند الفيلسوف الألماني لم يكن الوجود الإلهي، ولا حتى وجود الموجود، أو مجموع الموجودات، وإنما كان موضوعه حقيقة الموجود[54]. لم يكن موضوع نسيان الوجود عند هيدجر إذن ينتمي إلى مجال التيولوجيا ولا إلى مجال الأنطوتيولوجيا، وإنما إلى مجال الميتافيزيقا، باعتبارها تاريخا لاحتجاب الوجود بالموجود. فالموجود يُنسِينا الوجود عن طريق الإنسان[55]، أي عن طريق عقله الذي يحوّل الموجود إلى تقنية. ولذلك كان تاريخ الميتافيزيقا هو تاريخ هيمنة العقل على الموجود، وهذا ما يسميه هيدجر تارة بالإنسية، وتارة أخرى بالعدمية، التي استفحل أمرها أخيرا إلى درجة تمكنت فيها من الهيمنة الكونية على مقدّرات الموجود كلها. لقد صار حضور الموجود الطاغي بفعل التقنية، أي بفعل العقل، حجابا على الوجود، وهذا هو معنى نسيانه. بهذا النحو يصبح العقل، من حيث هو عقلانية وتقنية، والإنسان، من حيث هو إنسية، هما المسؤولان عن نسيان الوجود. أو بتعبير آخر، إن ’النزعة الذاتية‘، أي إرجاع الوجود إلى الذات، هي المسؤولة عن نسيان الوجود[56].

    ومن ثم لا يمكن تجاوز نسيان الوجود إلا بنسيان النسيان ذاته، وذلك إما بدفع تاريخ الميتافيزيقا إلى نهايته، أي بدفع العدمية إلى استنفاذ كل إمكانياتها، أو بالتخلي عن العقلانية والإنسية والذاتية، أي بالتوقف عن جعل العقل محور الموجود والكف عن المناداة بشعار الإنسية، وذلك من أجل العودة إلى الوجود. وتقتضي هذه العودة عند هيدجر إعادة النظر في المخاطب بالسؤال. فبدلا من توجيه سؤال الحقيقة إلى الموجود، علينا أن نوجهه إلى الوجود[57]. ومن ثَم، لا يمكن تجاوز العدمية والإنسية معا إلا بالتخلي عن الميتافيزيقا - التي انحازت إلى الموجود، باحثة عن حقيقته من خلال مفاهيم ومقولات وأسئلة غيّبت الوجود في مبادئ وأصول وغايات - والتوجه مباشرة إلى الوجود لمساءلته عن حقيقته من حيث هو مختلف عن الموجود. لقد وحّد هيدجر بين النسيان وكل من العدمية والإنسية، والذاتية، والتقنية، لأن القاسم المشترك بين هذه المقامات هو الإنسان من حيث هو حيوان عاقل. إن طغيان الإنسان، باعتباره أحد الموجودات، قد حجب الوجود. ولذلك كان هدف هيدجر الأخير تعويض الذاتية بالموضوعية، وهذا نفسه ما رام إليه ابن عربي تحت مسمى مقام الفناء. لكن ليس معنى هذا أنه، من أجل الكشف عن الوجود والقرب منه بوصفه موضوعا، يجب أن يحتجب الإنسان، أو أن يطمس فكره، بحجة أنه أداة تحويل الموجود إلى علم وتقنية، أي أداة تحويله إلى إرادة للقوة والهيمنة. بل إنه عند تقليب أقوال هيدجر المتقلبة، يظهر لنا أن حقيقة الوجود توجد في الإنسان[58]. أليس الإنسان هو راعي الوجود وحامي حماه، وهو الناطق باللغة التي هي مسكنه ومأواه ؟!

    هكذا نصل إلى أن الرجلين كانا ينشدان معا كشف الحجب عن الوجود، والقرب منه، الذي هو قرب من ’الأصل‘[59]. بيد أنه إذا كان القرب من ’الأصل‘ بالنسبة لهيدجر هو قرب من النشأة، من لحظة الانبثاق بمعناه الفيزيائي، أي القرب من الطبيعة، دون أي مبالاة أو اهتمام بسبب ظهورها في حوادث وظواهر وموجودات، ومن غير اللجوء إلى سؤال الـ’لمَاذا‘[60]، فإن ابن عربي، وإن كان هو الآخر من المناهضين للسببية وللسؤال اللمّي والماهوي، لأن ذلك أدخل في باب قلة الأدب، وبالرغم من أن الشيخ الأكبر كان يريد أن يتحد بلحظة الإبداع في معناه العنفواني، فإنه لم يصل به الأمر إلى أن يحرر الأشياء - وبخاصة الإنسان - من وسواس البحث عن الأسباب والغايات، لم يصل به الأمر إلى أن ينظر إلى الوردة في ذاتها، من حيث هي موجودة فقط، لا من حيث هي مقيدة بسؤال ’لماذا؟‘، كما فعل هيدجر.

    ****

    ما الذي رأيناه، إذن، في المرآة أو المرآتين المتقابلتين؟ ما رأيناه هو ’المثيل الآخر‘، أو ’الآخر المثيل‘، لا المثيل المتطابق، ولا الآخر المغاير. نعم، لا ننفي أن رؤيتنا كانت خاضعة لطبيعة المرآة ذاتها، التي تأبى إلا أن تُظهِر في عز المماثلة، شيئا من المخالفة. إن الوقوف على الاختلاف بين الأفقين الأكبري وما بعد الحداثي – ممثلا في هيدجر- أمر أساسي بالنسبة لنا، حتى نحتفظ بحق البقاء على مسافة منهما معا. ذلك أنه لم يكن غرضنا من تطلعنا لرؤية ابن عربي في مرآة ما بعد الحداثة، ومشاهدة هذه في مرآة ابن عربي أن نثبت بأن الحداثة قد تراجعت عن أسسها القوية الأولى بكيفية قاطعة مرتدة بنفسها إلى فكر صوفي خالص، أو أن نثبت أن ابن عربي استطاع بفكره أن يتجاوز حاجز الزمن والتاريخ، وأن يتطابق مع غيره بكيفية مطلقة، وإنما كانت غايتنا أن نرى هذا في ضوء ذاك، وأن نبرز جملة من الانعكاسات والتقاطعات المتبادلة بين المرآتين، الأكبرية وما بعد الحداثية، عساهما أن تكونا ضامنتين لإمكانية نجاح لقاء مستقبلي بين العقل والقلب، بين النظر والكشف، بعد أن فشل هذا اللقاء في الماضي بين ابن رشد وابن عربي.

    لقد بدا لنا أن ما بعد الحداثة ماضية في مصادرتها لكل أحلامنا، في مقابل ابن عربي الذي كان يحرص على أن يَبقى في عالم من الحلم. لقد كان يفكر بالحلم وفي الحلم، يؤول الحلم بالحلم، وكأنه كان يخشى أن يستيقظ فيجد نفسه في عالم خال من الحلم، كما هو حالنا نحن أبناء هذا الزمن. ولذلك، فنحن ما زلنا نحتاج إلى الأحلام، وإلى الأحلام التي تفسر الأحلام. لكن لا الأحلام التي تعود بنا إلى الوراء، إلى الأساطير التي استنفذت تأويلها، بل إلى الأحلام التي تقفز بنا إلى الأمام قفزة أونطولوجية.









    --------------------------------------------------------------------------------



    [2] أن منطق المرآة، وهو منطق أونطولوجيا الخيال، يحررنا من هيمنة المنطق الصوري والأونطولوجية التابعة له، طالما أن المنطق المرآوي ينطلق من رؤية هيراقليطية-سفسطائية تضع الصيرورة مبدأَ لتصور العالم، مما يجعل الجمع بين المتضادات أمراً لا يثير أي حرج لدى القائل به ؛ عن أهمية المرآة في فكر ابن عربي انظر مايكل سيلس :

    Michael A. Sells, Mystical Languages of Unsaying, Chicago, 1994, p. 63-64, 73.

    [3] . عن رواية ابن عربي للقائه مع ابن رشد انظر الفتوحات، ج 1: 153-154؛ انظر تحقيق عثمان يحيى، القاهرة، 1985، السفر 2، ص 372-373 ؛ انظر بعده هوامش 8-10.

    [4] . كتاب التجليات، ضمن رسائل ابن عربي، بيروت، ب.ت.، ص 11.

    [5] . الفتوحات، 4: 296.

    [6] . بالنسبة لهيدجر لا يمكن القيام بتغيير في الفكر إلا بنفس الفكر الذي كان أصلا له، لا غيره، انظر مثلا :

    Martin Heidegger, “Only God can save Us”, in Heidegger, The Man and the Thinker, ed. By Thomas Sheehan, Chicago, 1981, p. 62.

    [7] . الفتوحات، ج3: 525.

    [8] . صاغ ابن عربي سؤال ابن رشد المرموز كالآتي « وقال لي : نعم؟ قلت له نعم، فزاد فرحه بي لفهمي عنه. ثم أني استشعرت بما أفرَحَه من ذلك، فقلت له لا، فانقبض وتغير لونه وشك فيما عنده » ن.م.، ج 1: 154.

    [9] . نفس الصفحة.

    [10] . نفس الصفحة.

    [11] . رسالة لا يعول عليه، ضمن رسائل ابن عربي، ص19.

    [12] . عن طبيعة التقليب التي يتصف بها القلب يقول : « فإن القلب معلوم بالتقليب في الأحوال دائما فهو لا يبقى على حالة واحدة فكذلك التجليات الإلهية. فمن لم يشهد التجليات بقلبه ينكرها، فإن العقل يقيد وغيره من القوى، إلا القلب فإنه لا يتقيد وهو سريع التقلب في كل حال، ولذا قال الشارع ’إن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء‘، فهو يتقلب بتقلب التجليات والعقل ليس كذلك، فالقلب هو القوة التي وراء طور العقل » الفتوحات، 1: 289 ؛ كما يقول : « فالقلب هو القوة التي وراء طور العقل، فلو أراد الحق في هذه الآية بالقلب أنه العقل ما قال « لمن كان له قلب »، فإن كل إنسان له عقل، وما كل إنسان يُعطَى هذه القوة التي وراء طور العقل المسماة قلبا في هذه الآية... فالتقليب في القلب نظير التحول الإلهي في الصور...» ن.م.، 1: 289.

    [13] . رسالة لا يعول عليه، ص 3.

    [14] . ن.م.، ص 2.

    [15] . عن علاقة الحيرة بالكمال « فالكامل من عظمت حيرته، ودامت حسرته ولم ينل مقصوده لما كان معبوده، وذلك أنه رام تحصيل ما لا يمكن تحصيله، وسلك سبيل من لا يُعرف سبيله » الفتوحات، ج2، ص 212.

    [16] . هناك صورة ثالثة للعقل، يكّن لها ابن عربي تقديراً عظيما يفوق تقديره للخيال، وهي صورة العقل في معناه الميتافيزيقي الذي يبوئه مكانة أول مخلوق خلقه الله ؛ انظر مثلا الفتوحات، 1: 46 ؛ 2: 67 ؛ وهذا العقل الأول هو القلم بلغة الشرع، انظر كتاب الوصايا، ضمن رسائل ابن عربي، ج 2، ص 4.

    [17] . عن افتقار العقل إزاء غيره يقول : « إن العقل ما عنده شيء من حيث نفسه، وأن الذي يكتسبه من العلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول » الفتوحات، 1: 289 ؛ ويضيف في ن.ص. : « وقد علم الله أنه جعل في القوة المفكرة التصرف في الموجودات والتحكم فيها بما يضبطه الخيال من الذي أعطته القوى الحسية، ومن الذي أعطته القوة المصورة..» ن.م.، 2: 319 ؛ كما يقول «فإن العقل ليس له مجال بميدان المشاهد والغيوب، فكم للفكر من خطأ وعجز، وكم للعين من نظر مصيب، ولولا العين لم يظهر لعقل دليل واضح عند اللبيب » ن.م.، 2: 628.

    [18] . ن.م.، 1: 289 ؛ عن تبعية العقل للحواس والخيال يقول: « وإدراك العقل على قسمين، إدراك ذاتي هو فيه كالحواس لا يخطئ ؛ وإدراك غير ذاتي، وهو ما يدركه بالآلة التي هي الفكر، وبالآلة التي هي الحس، فالخيال يقلد الحس فيما يعطيه، والفكر ينظر في الخيال فيجد الأمور مفردات، فيحب أن ينشئ منها صورة يحفظها العقل فينسب بعض المفردات إلى بعض، فقد يخطئ في نسبة الأمر على ما هو عليه، وقد يصيب، فيحكم العقل على ذلك الحد، فيخطئ ويصيب. فالعقل مقلد، ولهذا اتصف بالخطأ » ن.م.، 2: 628.

    [19] . ن.م.،1: 289.

    [20] . عن عيب التقليد يقول: « فقد علمنا ما عنده [العقل] شيء من حيث نفسه، وأن الذي يكتسبه من العلوم إنما هو من كونه عنده صفة القبول. فإذا كان بهذه المثابة، فقبوله من ربه لما يخبر به عن نفسه تعالى أولى من قبوله من فكره، وقد عرف أن فكره مقلد لخياله، وأن خياله مقلد لحواسه، ومع تقليده فهو غير قوي على إمساك ما عنده ما لم تساعده على ذلك القوة الحافظة والمدركة... فتقليد الحق أوْلىَ »، ن.م.، 1: 289؛ ويضيف « ... فيعرف الأمور كلها بالله، ويعرف الله بالله. إذ لا بد من التقليد، وإذا عرفتَ الله بالله، والأمور كلها بالله، لم يدخل عليك في ذلك جهل ولا شبهة ولا شك ولا ريب » ن.م.، 2: 298؛ « فقلد ربك، إذ لا بد من التقليد، ولا تقلد عقلك في تأويله، واصرف علمه إلى قائله، ثم اعمل حتى تنزل في العلم كهو، فحينئذ تكون عارفا، وتلك المعرفة المطلوبة والعلم الصحيح » ن.م.، 2: 298.

    [21] . عن عيب التقييد، يقول : « فإن العقل تقييد من العقال » ، ن.م.، 3، ص 198 ؛ لكن إن كان العقل « مقيدا بالتقلب، فلا يبرح بتقلب، فهو صحيح » ن.ص. ؛ انظر أيضا مايكل سيلس، م.م.، ص 78-79.

    [22] . انظر الفتوحات، 2: 661 ؛ 3: 162 ؛ ويقول « فإن الله لا يقبل التقييد، والعقل تقييد، بل له التجلي في كل صورة» ن.م.، 3: 515؛ ويذهب ابن عربي إلى أنه حتى وصف الله بالإطلاق تقييد له، انظر مثلا ن.م.، 3: 219 ؛ 4: 332؛ غير أنه يقبل أحيانا وصف الله بالإطلاق في التقييد، انظر ن.م.، 3: 454.

    [23] . عن طبيعة القلب وسعة أرجائه انظر ن.م.، 1: 56؛ 1: 91؛ 1: 289-290؛ 1: 331؛ 1: 366.

    [24] . عن الفرق بين مفهوم المكان في الهندسة والفلسفة عند هيدجر، انظر :

    Heidegger, L’Etre et le temps, tr. Alphonse de Waelhens, Paris, Gallimard, 1964, p. 131.

    [25] . يقول عن المكان : «المكان إذا لم يؤنث لا يعول عليه، يعني المكانة» رسالة لا يعول عليه، ص12.

    [26] . الفتوحات، 1: 98.

    [27] . ن.م.، 1: 99.

    [28] . ن.م.، 1: 99؛ كما يضيف في نفس الصفحة : « ... قد أخبرني أنه يُحس بالزيادة والنقص على حسب الأماكن والأمزجة، ويعلم أن ذلك راجع أيضا إلى حقيقة الساكن به، أو همته كما ذكرنا. ولا شك...».

    [29] . عن اختلاف المعقول باختلاف النسبة إلى المنسوب إليه انظر مثلا ن.م.، 2: 319.

    [30] . عن اختلاف مقالات أهل النظر في مقالاتهم، انظر مثلا ن.م.، 2: 319 ؛ غير أن هيدجر كان يعتبر الصراع الذي يدور بين الفلاسفة ليس سوى صراع عشاق، وإلا فإن الحقيقة واحدة والجميع يقولون نفس الشيء الواحد، انظر:

    Martin Heidegger, Lettre sur l’humanisme, in Questions III, Paris, 1965, p. 110, 152.

    [31] . عن خطورة الجمع بين طريقي الإيمان والبرهان يقول : « الذي أوصيك به أيها الأخ الإلهي... أنه عليه مع اعتمادك على ما اقتضاه البرهان الوجودي مما ينبغي أن يكون الحق عليه سبحانه من التنزيه والتقديس فتجمع بين العلم الذي أعطاك الإيمان وبين العلم الذي اقتضاه الدليل العقل، ولا تطلب الجمع بين الطريقين، بل خذ كل طريقة على انفرادها » كتاب الوصايا، رسائل ابن عربي ج2، ص 1.

    [32] . ن.م. ، ج 2، ص 2.

    [33] . الفتوحات، 2: 319.

    [34] . ن.م.، 1: 289.

    [35] . ن. ص.

    [36] . ن.م.، 1: 95 ؛ ولعل طبيعة المقاربة الاستعداية لابن عربي هي التي جعلت بيتر كوت يصف نظرية الوجود عند ابن عربي بأنها أنطولوجية الاستعداد (dispositional ontology)، انظر:

    Peter Coates, Ibn ‘Arabi and Modern Thought, Oxford, Anqa publishing, 2002, p. 11, 29.

    [37] . بصدد مهمة الفلسفة الانتظارية في زمن العولمة التقنية، انظر :

    Martin Heidegger, “Only God can save Us”, p. 57, 60 ; cf. « Que veut dire ‘penser’ ? », in Essais et conférences, tr. J. Beaufret, Paris, Gallimard, 1958, p. 164-165.

    [38] . ومن المعلوم أن لهذا الأسلوب في الكتابة نظائر عديدة لدى الفلاسفة المعاصرين كبول ريكور (Paul Ricoeur) وجان فرانسوا ليوتار (Jean François Lyotard)، وريتشارد رورتي ( Richard Rorty)، أ. ماكإينتَير (Alasdair MacIntyre)، حيث يجعلون من الحكي جوهر كل خطاب، سواء كان فلسفيا أو علميا أو قانونيا أو أدبيا.

    [39] . رسالة لا يعول عليه، ص 10؛ قارن مع ما يقوله هيدجر «وحده الفكر ذو الصور المتعددة قادر... على الإجابة على «السؤال» (سؤال كتاب الوجود والزمن) ذي الأوجه المتعددة تعددا داخليا »، رسالة إلى ريتشاردسون، انظر:

    M. Heidegger, « Lettre à Richardson », Questions IV, Paris, Gallimard, 1976, p. 188.

    [40] . عن مفهوم الراعي عند هيدجر انظر مثلا رسالة في الإنسية، ص 119.

    [41] . هذا هو مضمون الحديث القدسي: « كنت كنزا لم أُعرَف، فأحببت أن أُعرَف، فخلقت الخلق، وتعرفت إليهم، فعرفوني »، الفتوحات، 3: 367.

    [42] . ن.م.، 1 : 618.

    [43] . ن.م.، 2: 359.

    [44] . عن انتقاده لبعض المتصوفة الذين أنساهم الله أنفسَهم يقول : « ولما خلقنا الله على الصورة الإلهية كان في نسياننا الله أن أنسانا الله أنفسنا. فنُهِينا عن ذلك. فإنه من نسي نفسه بالضرورة نسي ما لله عليها من الحقوق وما لها من الحقوق، فتركوا الله إذ علموا أنهم لا يشهدون من الله ما هو الله عليه، وإنما يشهدون من الله أعيانهم وأحوالهم لا غير، فلما علم الله هذا من بعض عباده الذين لهم هذا الوصف أنساهم أنفسهم فلم يروا عند شهودهم أن أحوالهم عين ما رأوا فيقولون في ذلك الشهود قال لي الله وقلت له، وأين هذا من مقام قولهم لا نرى من الحق إلا ما نحن عليه، فلم يكن لهم ذلك إلا من كونه تعالى أنساهم أنفسهم » ن.م. ، 3: 553.

    [45] . عن كون نسيان العبودية هو سبب تسمية الإنسان باسم الناس، وبأن النسيان من طبيعة الإنسان، أي من صورته، يقول « ورد في الخبر ’أن الله خلق آدم على صورته‘، فكان في قوة الإنسان من أجل الصورة أن ينسى عبوديته، ولذلك وصف الإنسان بالنسيان فقال في آدم « فنسي ». والنسيان نعت إلهي، فما نسي إلا من كونه على الصورة، فما زلنا مما كنا فيه قال تعالى « نسوا الله فنسيهم » كما يليق بجلاله » ن.م.، 2: 244 ؛ وفي مكان آخر يتكلم عن النسيان بوصفه عقابا للإنسان : « فإذا كانت حياة العبد عارضة لا ذاتية فينبغي أن لا يزهو بها ولا يدعي، فما ادعى وقال أنا، وغاب عن شهود من أحياه، عرض له الموت العارض، أي هذا أصلك، فرده إلى أصله، ولكن غير طاهر بسبب الدعوى ونسيان من أحياه » ن.م.، 1: 379.

    [46] . ن.م.، 1: 594؛ انظر أيضا : 1: 397 ؛ 1: 486 ؛ 1: 618 ؛ ونقرأ أيضا« ... وقال أيضا وهو من باب الإشارة والتحقيق « قل أعوذ برب الناس ملك الناس » فمن باب التحقيق لما سماهم ’الناس‘ ولم يسمهم باسم يقتضي لهم أن يكونوا حقا أضافه نفسه إليهم باسم ’الملك‘. ومن باب الإشارة اسم فاعل من النسيان معرفا بالألف واللام لأنه نسي أن الحق سمعه وبصره وجميع قواه في حال كونه كله نورا » ن.م.، 1: 618.

    [47] . كما يظهر من قوله : « والإنسان نشأة عنصرية تطلبه حقائق متجاذبة بالفعل صاحب غفلة ونسيان » ن.م.، 3: 268.

    [48] . ن.م.، 1: 736 ؛ عن نسيان رب النعمة انظر الفتوحات، 2. 482.

    [49] . ن.م.، 2: 523.

    [50] . عن تسمية المتصوفة بأهل الكشف والوجود، انظر مثلا ن.م.، 1: 38؛ 2: 523.

    [51] . عن تسمية المتصوفة بأهل التذكر انظر ن.م.، 1 : 180؛ نشير إلى أن هيدجر هو الآخر يربط الفكر بالتذكر، انظر « ماذا يعني الفكر» ص 161-162، 164، وبالحضور أو الكشف، ن.م.، ص 166-169:

    « Que veut dire ‘penser’ ? », in Essais et conférences, tr. J. Beaufret, Paris, Gallimard, 1958 ; cf. aussi Question IV, p. 181-182.

    [52] . الفتوحات، 3: 235 ؛ ويضيف في نفس الصفحة عن حصانة أصحاب الذوق من الغفلة قائلا : « ومن ليس له هذا المقام ذوقا يغفل عن الحق بالأشياء حتى يستحضره في أوقات ما. فهذا هو الفارق بين أصحاب الذوق وبين غيرهم ».

    [53] . عن نسيان الوجود عند هيدجر، يمكن الرجوع مثلا إلى :

    Heidegger, Introduction à la métaphysique, tr. G. Kahn, Paris, Gallimard, 1967, p. 31, 121 ; cf. « Temps et Etre », in Questions IV, p. 58.

    [54] . بالنسبة لهيدجر الوجود ليس هو الله، ولا هو الجوهر ولا الماهية، انظر رسالة في الإنسية، ص 102.

    [55] . عن أن الموجود هو الذي ينسينا الوجود، انظر مثلا :

    Heidegger, Concepts fondamentaux, tr. P. David, Paris, Gallimard, 1985, p. 89-90 ; cf. Lettre sur l’humanisme, p. 104 ; 114-115.

    [56] . عن كون النزعة الذاتية هي المسؤولة عن نسيان الوجود، انظر مثلا، هيدجر، رسالة في الإنسية، ص 125.

    [57] . عن توجيه السؤال إلى الوجود انظر ن.م.، ص 88، 123.

    [58] . حول كون حقيقة الوجود هي في نفس الوقت التفكير في الإنسان، أو أن ماهية الإنسان أساسية لحقيقة الوجود، انظر ن.م.، ص 124، 135.

    [59] . عن مفهوم القرب من الوجود عند هيدجر انظر ن.م.، ص 102، 114-115، 120.

    [60] . عن أهمية السؤال المنزه عن أية غاية، انظر:

    Questions IV, p. 128 ; M. Heidegger, Le principe de la raison, tr. Par A. Préau, Paris, Gallimard, 1962, p. 108.



    محمد مصباحي

    أستاذ الأدب العربي الحديث

    كاتب وباحث في الأدب السردي العربي

    سيرة حياته : http://www.chez.com/medmesbahi/mon_cv.htm

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

12-10-2004, 09:28 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    موقع المؤلف في: مابعد الحداثة

    ياسين النصيّر

    1
    لماذا يتوجه نص ما بعد الحداثة الأدبي إلى المؤلف وليس إلى القارئ؟ بعد أن اعتمدت الحداثة على القارئ بوصفة مؤلفا جديدا، وراحت نظريات الحاثة تعول على القارئ كثيراً لتعدده أولاً ، ولأنه يعتمد التأويل ثانيا، ولكونة منفتح اللغات واللسان والقدرات المعرفية وحتى الأعمار ثالثا، في حين أن المؤلف ليس إلا ذلك اللكم من الراجع والنصوص القديمة والحياتية وقد تهيأت له فرصة بفعل قدرات خاصة لأ يظهر بدور ما اسماه جيرارد جينية عن النص " بجامع النص" هل هو محاولة من" ما بعد الحداثة" منهجا وفكراً لإعادة الأعتبار إلى المؤلف بعد أن ألغته الحداثة ؟ أم أن إعادة الاعتبار، بحد ذاتها قضية منهجية وترتبط بمفهومات لم تنتبه إليها الحداثة؟ من قبيل أن المعرفة ليست إلا مدخلا للنص قد لا تكون واحدة في كل زمان ومكان، فما يملكه الأفريقي عن حركة النجوم مثلاً مختلف عما يعرفه العربي عنها، كلتاهما معرفة ولكن المتغيرات كامنة في البيئة وفي حركة الفكر من المجرد إلى المحسوس ، من الذاتي إلى الموضوعي ومن داخل إلى الخارج، إضافة إلى تنوع أدواتها .

    وهل أن الفن الأدبي وهو يؤسس معارفه التحديثية في داخل بنيته، قد أفرز تشكيلة من النسق جديدة، بحيث لم تعد ملائمة لسياقات القراءة غير "التأليفية"؟ أم أن الكتابة نفسها ، وبعد أن أصابها الكثير من شظايا النقد النصي، ما عادت قادرة على تحميل القارئ أعباء التفكير الأحادي الذي يتوخاه النص الحديث؟ والذي يفرزه قارئ غير معني بحقيقة الكتابة؟ أم ياترى لا هذا ولا ذاك، إنما هي العوامل مجتمعة ، وقد صاغت سمات ما بعد الحداثة للنص ،رؤية مغايرة للمنهجية القديمة التي بها يستقبل القارئ النص. لأن النص لم يعد ينتمي لمؤلفه بعد الانتهاء منه، باعتباره " نصاً مولِّدا" كلما مرّ زمن ما عليه. وعندئذ يكون المؤلف، هو المعني بما ينتجه مؤلف آخر كي لا يكرر القافية نفسها، ولا يعيد تجارب سبق وأن وطئتّها أقدام المكتشفين الأوائل، وربما لأن المؤلف أدرى بالطريقة الفنية التي هي عليها النص السابق، فتصبح قراءته له بمثابة بنية مضمرة فيه، وكأن المؤلفين ينتمون إلى تنظيم سري لا يعرف أحدهم الآخر إلا بشفرات الكتابة نفسها؟. أن ما بعد الحداثة تصب اهتمامها على تفكيك البنية وليس على تظّامها وسياقاتها الكلية. على البحث عن " كل" الأساسيات التي ولّدّت النص. ومثل هذه الطرق المتعرجة في النص لا يكتشفها القارئ العادي، وإن حصل وأكتشفها ستبقى لديه في حدود المعرفة الخارجية، في حين أنها لدى مؤلف آخر ستكون علامات يعمّق بها مسارها أو يغيرها، والثقافات ما كانت يوماً حصيلة لقراءات محايدة أو خارجية، كما تعتقد الحداثة بقدر ما كانت حصيلة لقراءات تأليفيه جديدة. نص ما بعد الحداثة يتوجه إلى الكاتب، باعتباره حقلاً خاصا بالفكر المولد لاستيعابه لشروط النص الفنية، وعندما يلغي عن قصد القارئ؛ الذي كان يعني وفق النظرية النقدية القديمة المُخاطب بالرسالة؟. أنا يسعه لتحويله إلى مؤلف آخر.والتغيير يجرى هذه المرة على "الرسالة" نفسها، بعد أن كانت تجري على المرسل إليه، فالمتغيرات الإيديولوجية الكبيرة التي حدثت في النصف الثاني من هذا القرن جعلت من النص خارج منطق الأيديولوجيات، وخارج منطق "الاستقبال"، وما ارتباطه الفكري بأطر فلسفية متغيرة إلا من قبيل التحتيم على الكاتب أن ينآى بنصه من الرسالة المباشرة مهما كانت لغتها غير متداولة، إلى الرسالة الموجهة إلى الذات ، خاصة وأن معنى الآخر أصبح في ما بعد الحداثة مضمراً في "الذات المبدعة" نفسها، وليس في ذات "الآخر" القارئ،المجهول، لا سيما وان الحال" التأليفيه" ذكورية مهما كان جنس المؤلف، والذكورية تؤكد في سياقاتها على إنتاج نص خنثوي يحمل كل الأبعاد دون أن يكون إحداها.والمعني بالنص الخنثوي، عدم الصفاء النوعي لأي نص معاصر وحديث، ليس من خلال مبدأ التداخل بين الأجناس، إنما من خلال أن العصر ما عاد معتمداً على لغة نقية قارة، وعلى كل مستويات البث " الشفري" للنص.

    2

    في التراث العربي الإسلامي لم يكن القارئ هو المعني أبداً، إنما كان المعني هو الوالي أو الخليفة أو المؤلف الآخر، بدليل أن الهوامش التي تكتب على المؤَلف السابق تخاطب المؤلف القديم والمؤلف الجديد معا ، فالمؤلف الذي يعتمد الهامش أساسا في توصيل معرفته للأخر ، كان يعتمد على حوار مضمر مع مؤلف قادم، هكذا سار الدرس التعليمي والديني ليس بين مؤلف وقارئ إنما بين مؤلف ومؤلف أخر. ولذلك بقي النص العربي القديم في إطار النسخ وفي إطار المحافظة على النص الأساس، ثمة تجاور تأليفي بين المؤلفين وليس تجاور بين القارئ والمؤلف. وحتى المعنيين بالآمر: الخلفية أو الوالي ما كان ليقرأ الكتاب في حضرة قراء عاديين، ولا المؤلف كان يقرأه في حضرة قراء عاديين أيضاً ، إنما كان الخطاب التأليفي يجري في حضرة مؤلفين عدة الأقل فيهم يمتلك الإنصات والتطبيق، وهو الخليفة أو الوالي، في حين ان المؤلف الأكثر كفاءة هو الذي يحتذي النص السابق ليؤلف نصه الجديد.

    الممهدات لنص ما بعد الحداثة في الأدب العربي

    موقع المؤلف

    ياسين النصيّر


    لماذا يتوجه نص ما بعد الحداثة إلى المؤلف – الكتابة ، وليس إلى القارئ – الكتابة كما أكدته الاتجاهات البنيوية، حينما عُدَّ القارئ – الكتابة هو الأساس في العملية الأدبية كلها؟ ثم بنت على تأليه القارئ – الكتابة تصورات منهجية وفكرية – دنيوية في أغلبها، لعل في المقدمة منها التأكيد فاعلية على الهرمونطيقا، في القراءة – الكاتبة، تلك القراءة التي خلخلت مركزية المصدر الواحد للنص، ومن ثم التمرد على مركزية الألوهية المطلقة والنقد والتاريخية، والتي بموجبها يتم إعادة التوازن بين المؤلف- الكتابة للنص وبين القدرة على إعادة إنتاج النص بأشكال مختلفة.

    في ضوء ذلك عدّ المؤلف في وقتها ثانياً ؟ بل ما هو إلا جامع نص من الدرجة الثانية كما يشير جينيت إلى ذلك. هل هي محاولة منهجية من نص" ما بعد الحداثة" لإعادة الاعتبار إلى المؤلف بوصفه الفاعل – ولكن ليس الفاعل المطلق بعد أن اعادة فكرة ما بعد الحداثة المركزية إلى قوى مجهولة وليس إلى البطل الذي يعيش على الأرض؟؟ بمثل ما عادتها إلى الكتابة بوصفها القدرة الذاتية الموشاة بما يحيطها من معارف وتجارب؟. أم أن إعادة الاعتبار هذه، بحد ذاتها قضية ترتبط بمفهمات تشكل صلب توجهات عامة لا تشمل الأدب وحده، بل تشمل نص ما بعد الحداثة بتشكيلاته المتنوعة كلها، مع إبقاء دور فاعل لـ" الكتابة" بوصفها قيمة مطلقة قابلة للمراجعة والتأويل ، ومن ثم دخولها التاريخ عن طرق إعادة الإنتاج، وليس عن طريق النقد كما كان نص الحداثة يعول على توسيع مفهوما ته. وبذلك يفقد نص ما بعد الحداثة سلطة النقد .

    إذن فالمؤلف تكوين ينتمي للأصالة الدينية، قبل أن ينتمي للأصالة الأدبية، فهو له تكوين قيمي خاص، بوصفه خلاقاً، وله تكوين نظري إجرائي يتميز به عن القارئ لاعتماده مفردات ذات تكوين شبه قارة، هي " الكتابة" وله بناء معرفي – كتابي خاص، هو " الرؤية لـ" وهذان التكوينيان لا يمتلكهما القارئ. وله بعد ذلك زمن تاريخي معين يصبّ فيه نصه، أي ثمة وعاء مشترك، يشير ويشار إليه هو العلاقة بين التاريخ والمنتج. وله موقف من الذي يحدث، فكريا واجتماعيا ، أي له قضية يريد التعليق عليها، القضية قد تكون " رسالة من نوع خاص" مادتها الكتابة، أو تفسير لحدث، أو التعبير عن حال. وهذه القصدية التي عليها المؤلف لا يمكن عدها مجردة من مغزى كوني " لألوهية" شاملة يتولى المؤلف صياغتها وفق صيغ زمانية – مكانية – لغوية –.

    وقبل البدء في الحديث عن هذه النقطة الجوهرية، أي إمكانية نص ما بعد الحداثة بتركيباته الجديدة، لإعادة الاعتبار إلى المؤلف – الكتابة، نود القول أن نص ما بعد الحداثة في هذه المقالة لا يعني الأدب وحده، بل المسار التكويني الذي يمر من خلاله، ففي الحياة الثقافية العربية اليوم ثمة توجهات منهجية فرضتها طريقة العمل في نص ما بعد الحداثة وهي أن النص لا يتشكل من لغة فنية واحدة، فاللغة الفنية الواحدة، تعني قارئا واحداً وإن تعدد، ولا يتوجه لقارئ محدد باتجاه أو بفكر ، ولهذه الظاهرة بنى أسلوبية ومنهجيات وأشكال تعبير مبنية على شيء من التنوع، لكنها لم تكن على درجة واحدة من الوعي الممارس بها. بحيث تصبح منهجا قاراً يمكن احتذاؤه وتقليده. هذا الانفتاح على التجربة الحرة، وعلى قارئ غير معين، وعلى أسلوب متولد في اللحظة ، هو أحد مجالات لامحدودة العلاقة بين نص مكتوب، ونص مقروء على مدار الأزمنة.

    2

    في أدبنا العربي نجد الكثير من النوى الأسلوبية التي لو درست منهجيا ووفق سياقات نقدية حداثوية لأنتجت طرق قول قريبة جدا مما نقرأه الآن في نص ما بعد الحداثة، ولكن تراجع الوعي النقدي وتابعية النقد العربي تجعله ليس متخلفا فقط، إنما غير قادر على صياغة منهجية كامنة في الأدب العربي نفسه، رغم أن مثل هذا التصور قد يبدو غريبا، إذ كيف يكون هناك أدب له إمكانية أن يولد منهجية جديدة لنص جديد، والمجتمع العربي غير متطور، ولنا في دراسة مثل هذه الظاهرة القول بظهور القرآن الكريم لغة وبنية في مجتمع شبه متخلف. فاللغة العربية وآدابها قادرين على تكوين بنية خارج السياق الاجتماعي في مراحل تكوين معينة، وفي المرحلة الحالية نجد مثل هذه القدرة متوفرة، بل ولها أوليات قول وإنشاء كبيرة. في هذه المقالة نتلمس تلك الأوليات الأسلوبية علنا نؤشر لما تحتويه من قدرات تطويرية قادرة على رسم تخطيطه منهجية لاحقة.

    3
    منها قضية الكولاج في اللوحة الفنية، هذه البنية التي شكلت تحولا فنيا في سطح اللوحة،وفي بنيتها، عندما عكست فاعلية الزمان المتعدد في مكانية محددة وعلى سطح ملموس، ولأنها جاءت جزءا من نظرة مستقبلية أوربية، للفن الأوربي ، لذا لم تثمر كثيرا بما يفيد تطويرها إلى مغاير منهجي خاص بالفن العربي ، لكنها شكلت تعددية أسلوبية جعلت من اللوحة الفنية غير نقية الشكل. هذا ما نلاحظه في لوحات محمد مهر الدين وضياء العزاوي على وجه الخصوص. وفي فن أوربا ما بعد الحداثة تحول الكولاج إلى تجسيدات مستقلة في فضاء مكاني مرئي يمكنك معاينة اللوحة من اتجاهات مختلفة وبطريقة بدت للمشاهد كما لو أنه في معرض نحتي، وتحولت موضوعات اللوحة إلى تكوينات اجتماعية فيها من متروك الحياة اليومية الكثير: عمال المجاري والفلاحين والأرض الخراب والنفايات وإطارات السيارات والمراوح وأشياء مهملة في البيت يعاد تشكيها مجدد بحيث تتحول إلى مغايرة لما كانت عليه بتركيبة جمالية غير ممنهجة. في مننا العربي كنا قريبين من هذه الخطوة التحويلية.

    ومن هذه المنهجيات التوظيف الحر وفي للشكل الفني، هذا اللون من التعامل الذي حول اللوحة الفنية إلى جسر ثقافي مرتبط بموروث لغوي عربي وعالمي من خلال تعميم الشكل الفني ومرونة الخط لتشكيل انسيابية بصرية على سطح اللوحة وفي توجهاتها الفكرية، مما جعل اللوحة الفنية تعتمد التشكيل الحروف لخلق بنى وكتل جديدة تطورت في جوانب منها إلى تجريد مدروس مع عفوية ومرونة شعرية. في لوحات شاكر حسن أل سعيد مثلاً. هذا الشكل الفني اليوم تحول على يد كونييه وأبل وغيرهم إلى تشكيلات لأحياء مجهرية وواقعية بحيث بدت التكوينات في اللوحة الحديثة لا تخضع لمفهوم تصميمي سابق. وفي فننا العربي وحروفنا المرنة الكثير من جوانب تقدير طاقة الحرف الداخلية بالتمرد على أوزانه القديمة وبالتحرر من تركيبته البصرية القارة كمحاولة للوصول إلى ما يختزنه حرف له أكثر من ثلاثة آلاف سنة في نسيج المجتمع والثقافة.

    ومن المنهجيات الفنية المختلفة في النص العربي الحديث، التداخل بين السينما والمسرح، الأمر الذي عدّ في مرحلة سابقة تطويرا لفن المسرح المعاصر وعد جانبا من بنية التغريب الحديثة وحداثة في شكل الفرجة والاحتفالية المقتربة من وعي المشاهد المتباين الثقافات إلى الحد الذي جعلنا نتقبل مسرح ورواية أمريكا اللاتينية ونجعلها مع مسرح ستانسلافسكي ومايرخولد وبرشت وبيكت وماثيو أرنولد ، دون أن نعي الفواصل التاريخية بينها،ý مما يعني خلق شكل فني قوامه المادة التعبيرية فتغيرت بنية الفصول إلى بنية اللوحات، وتداخلت الأزمنة فيما بينها فمن التسجيلية إلى الوثائقية وإلى السردية الحوارية، هذا ما جعل المسرح المعاصر معتمدا على الفرجة المنفتحة المعتمدة على قدرات الإخراج والتمثيل اكثر من اعتمادها على نص مكتوب، وبالتالي جعل المخرج –القارئ- المنهجي هو الفاعل الأول، الذي تطور لا حقا ليصبح الدراماتورج هو الفاعل الحقيقي للنص، ومن هنا لم يعد شكسبير مثلا هو النصوص المكتوبة ، بل هو الرؤية المنفتحة على العمل والفكر المعاصرين بما يلائم المنهجيات الأسلوبية – التقنية الحديثة. وفي مسرحنا العربي شهدنا مثل هذه التحولات الأسلوبية ولكن لم يمنهج نقديا وإجرائيا بما يفيدها من تقديم بديل كامن في رحم الممارسة الفنية العربية، في المغرب الطيب الصديقي وعبد الكريم برشيد وفي العراق قاسم محمد وعادل كاظم ويوسف العاني وفي سوريا نبيل حفار وفي لبنان يعقوب شدراوي وفي مصر تجارب كبيرة الفريد فرج ونعمان عاشور وميخائيل رومان ومحمود ذياب وغيرهم ولدى تجارب المخرجين الجدد الكثير من هذا : جواد الاسدي وعوني كرومي وحازم كمال الدين وغيرهم وكذلك الأمر في دول عربية وتجارب عربية. ما بعد الحداثة في المسرح الأوربي المعاصر تعتمد على فاعلية الجسد وفاعلية الحكاية التي تنشأ خارج السياق الأجتماعي لذلك نجد تداخلا بين فن الفرجة وفن الجسد، وللتيارات هذه مسارح ونقاد وصحف قد نأتي عليها في يوم قادم خاصة في هولندا وبلجيكا.

    ومن المنهجيات الممهدة لنص ما بعد الحداثة في الأدب العربي الحديث ، التداخل الأسلوبي بين السرد والوثيقة في الفن الروائي العربي الأمر الذي عد على يد كتاب جيل الستينات أسلوبية متطورة جعل من فن السرد وثيقة بعد أن كان تصورا ذاتيا ، ومن الرواية تعبيرا عن حركة مجتمع بعد إن كانت بوحا لمفكر له منهجية اجتماعية معينة، وصوتا تتداخل فيه الأزمنة بعد أن كان ميكرفونا لحال محددة بفترة دون أخرى. ولعلنا فيما ينتجه صنع الله إبراهيم مثالا على التطور الأسلوبي الحديث ، في حين لم تنتج محاولات الغيطاني المهمة في الستينات ، تلك التي بنت بيتها الروائي على اتساع مخيلة النثر العربي تطويرا لأساليب قص لاحقة بل بقيت ضمن دفتي التجربة، وهي عندي مهمة جدا لأنها اختصرت شكل جديد اكتفت بحدوده. مما يعني إن الرواية العربية ما زالت تبحث عن بقع خلاقة جديدة في السرد دون أن تفقد هويتها النوعية،

    وإذا كان الحديث عن الشعر يكتسب أهمية قصوى في تلمس خطوط المنهجية الممهدة لنص ما بعد الحداثة في الأدب العربي فأن ذلك يدفعنا إلى تأمل الشكل الحر في القصيدة أولا كحداثة أولى ثم ومآل إليه لاحقا في بنية قصيدة النثر ثم تحولات قصيدة النثر إلى شكل سردي قد يسقطها في الأقصوصة، أو ينقذها إلى بنى شعرية حرة لا تقع في العادي والعاطفي والذاتي، هذه المحاولات لا ترى الآن من داخل النص الشعري وحده، بل ترى من أساليب التعبير الكبيرة والشعبية الأخرى: الأغنية منذ بداية عصر النهضة ، والشعر الشعبي وتمردا ته الأسلوبية والنثر العربي القديم وطاقته الشعرية والوثائقية المتبقية على زمن مضمر وحر، من هذه المواقع وغيرها يمكن تلمس الخطوط الجديدة لنص لا يقع تحت تأثير أوبني قوالب معينة حتى لو كانت هذه البنى حديثة، ولموضوع القصيدة العربية في حداثتها الثالثة ، ما يمكن القول فيه أنه بداية أسلوبية جديدة لنص ما بعد الحداثة.

    4
    ونعيد السؤال الاستهلالي لماذا يتوجه نص ما بعد الحداثة للمؤلف- الكتابة ، وليس للقارئ- الكتابة، مع علمنا أننا لا نستطيع الاستغناء عن القارئ؟

    في هذا الإطار تجري عملية إزاحة منهجية للقارئ، وليس إلغاء له، ففي الوقت الذي يسعى نص ما بعد الحداثة لأن يكتشف مساحات قول جديدة من خلال التداخل بين الأساليب إلى الحد الذي يصبح بلا أسلوب، يتم ذلك من داخل الإزاحة المنهجية لوعي القارئ العادي حسب فرجينا وولف ، وليس القارئ المستثمر، أي القارئ –الكتابة، القارئ المنتج، القارئ التاريخي إن صح القول. ففي المرحلة الحالية التي يتوجه إليها نص ما بعد الحداثة نجد القارئ هو الآلة المنتجة، السينما، المسرح، الموسيقى، الفن التشكيلي، الإعلان، الاتصال ،استثمار الجنس، المتغيرات الكرنفالية في مظاهر المدينة، الأعياد وأشكالها التعبيرية الثقافية الكبيرة، متغيرات الأزياء واللباس، والمتغيرات الديموغرافية، والمتغيرات القومية والسكانية وقضية حقوق الإنسان، والحروب الموضعية، والتطورات الأسلوبية على أساليب العرض في المخازن والأسواق، والرؤية المعاصرة للتلفزيون ،والقنوات الفضائية، والتداخل بين الذاتي والموضوعي فيما يخص بنية المجتمعات الغربية في إطار الاعتماد على قدرات وابتكارات الفرد في تطوير الاقتصاد والفكر ..الخ. كل هذه البنى الجديدة وغيرها فرزت قارئا مغايرا للقارئ السابق، مما وضع الظرف الموضوعي المؤلف من جديد في دائرة الضوء الكبرى في تكوين رؤية معاصرة ودقيقة لما يجري في بنية المجتمع. فالمجتمع الحديث ليس بحاجة إلى نبي أو إله يؤلف له مستقبله، بل بحاجة إلى مؤلف يتابع المتغير دون أن يقف عنده، مما يعني تبدلا في الأسلوب وفي اللغة وفي المنهج وفي القصدية، وعدم الوقوف على ذكورة أو أنثوية بل على بنية خنثوية فيما يخص تهجين كل المكونات والبحث عما هو مشترك وليس خاصاً.

    5

    في هذا الصدد ، أعني دور المؤلف في نص ما بعد الحداثة يعود إلى أن البنى المعرفية الجديدة ما عادت مسجلة بمصادر ومرجعيات مدونة، كما كانت يوم ذاك، أي ليس ثمة تاريخية أو بنية نقدية –دينية تقود وتقف خلف المنجز الحالي، بل لا تاريخ محدد للنص، مما يتطلب أن يكون المؤلف في وضع متغير المواقع ، متنقل بين الأزمنة، مغير من وجهات نظره، شاكا في كل المقولات ، وغير منسجم مع أي موروث، بل وفي أشد حالاته إدراكا للمعرفة أنه منفتح على كل ما من شأنه أن يمد نصه بلغة جديدة. من هنا لا يأتي نص ما بعد الحداثة منضبط الشكل ، بل له من اللعب الفني الكثير ومن عدم الانسجام مع توجهات فئة أو مجموعة متجانسة، حتى لو كانت حزبا منظماً. والنص الذي يؤلفه الكاتب لا يعود إلى تاريخية معينة ولا يندرج ضمن مفهوم سوسي ولوجي أو أيديولوجي. ولذا لابد لها من جامع نص،- مؤلف- جديد، وليس لقارئ نص متلق بعد أن اصبح التلقي فعلا آليا ومصنعاً، ويعني ذلك أن المرجعيات تعود ثانية للنص الأدبي ليس بوصفها جزء من تاريخ الحال، إنما لأنها قادرة على منح النص مساحات تأويليه جديدة نابعة من العلاقة التاريخية مع الحاضر، الذي يضفي عليها بما يستجد به من تطورات تغيرات بنيوية غير مستقرة فيأتي المؤلف ليعيد تشكيل تلك البنى وفق سياقات جديدة. فالكتابة نفسها ، وبعد أن أصابها الكثير من شظايا النقد النصي، ما عادت قادرة على تحميل القارئ أعباء التفكير الأحادي الذي يتوخاه النص ، والذي يفرزه قارئ غير معني بحقيقة الكتابة.
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

12-10-2004, 11:18 PM

malamih

تاريخ التسجيل: 28-01-2003
مجموع المشاركات: 2781
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    كان يؤسس لفوضي عارمة..
    وكان منهجه مقلوبآ
    يؤسس للآخر المبتور.. كان لا يحب النظام لذا أسس لفراغ مستحيل ..أعتبر الأفتتان به مصيبة ..كان يبحث عن شئ في ذهنه هو لا منطق الآخرين .. أضيف نفسي لقائمة المعارضين له ..عذرآ أسامة هذا لا ينتقص من مبحثك القيم عنه ودمت لنا نبراسآ وقراءات في الزمن الأسفيري.. و دمت
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

13-10-2004, 08:12 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    كيفك يا ملامح
    كنت اود لو فصلت قليلا في نقدك الحاد لجاك دريدا
    طبعا معروف ان مناوئ جاك دريدا الاكبر هو سليل مدرسة فرانكفورت يورقين هابرماس
    وللاسف حتى الان لم اجد نصا عن ذلك بالعربية
    فكل النصوص التي بحوزتي هي بالانجليزية
    وشكرا لتعليقك المقتضب

    وارقد عافية
    المش=================================================اء
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

13-10-2004, 08:53 AM

Safa Fagiri

تاريخ التسجيل: 10-08-2004
مجموع المشاركات: 3561
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

Re: وداعا جاك دريدا (Re: osama elkhawad)

    ***
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

13-10-2004, 10:52 AM

osama elkhawad

تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 8177
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus

وجهة نظر اسلامية حول المعرفة في سياق الحداثة (Re: osama elkhawad)

    هذه وجهة نظر اسلامية حول الحداثة نرفقها بعد ذلك بوجهة نظرها حول ما بعد الحداثة نقلا عن "اسلاماونلاين"

    أزمة المعـرفة في سـياق الحـداثة

    أ. عبد الرحمن الحاج
    23/11/2002

    فرضت الأحداث التي تبعت السقوط الدرامي للخلافة الإسلامية العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي، وصعود الدولة العلمانية، أجواء من اهتزاز "الثقة بالنفس" في العالم العربي والإسلامي جعلت كل جهود الإصلاح والنهضة تفقد رصيدها دفعة واحدة، ليتحول العمل من "المطالبة بالتغيير" إلى "المطالبة بحماية الذات والهوية" من تغوُّل الغرب في المجتمعات الإسلامية واستلابها المتزايد له.

    فنحن نلحظ أن السؤال التاريخي للفكر الإصلاحي الذي صاغه شكيب أرسلان في مطلع القرن: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟" ينقلب في منتصف القرن (1369هـ/1950م) إلى "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" عند أبي الحسن الندوي. وليس من قبيل المصادفة أن يلقى هذا الكتاب رواجاً فاق آمال المؤلف ذاته وتطلعاته -كما يقول في مقدمة الطبعة الرابعة-. كما لم يكن من قبيل المصادفة أيضًا أن يقدم له سيد قطب بوصفه "من خير" ما قرأ من الكتب التي تتناول الإسلام كـ "عقيدة استعلاء، من أخص خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزة من غير كبر، وروح الثقة من غير اغترار، وشعور الاطمئنان من دون تواكل، وتشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتبعة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة"، بعد أن انتكس المسلمون "إلى الجاهلية الأولى" -على حد تعبير سيد قطب في مقدمته للكتاب-.

    إذًا.. لقد هيمن الظرف التاريخي الذي ساد الخمسينيات على إعادة صياغة السؤال الإصلاحي، بحيث بدا سؤالاً ليس من أجل التغيير بقدر ما هو من أجل الثبات والحفاظ على الهوية الإسلامية.

    وإذا كان السؤال الذي صاغه الندوي بناء على حسه التاريخي بالمجتمعات المسلمة وأزمتها العاصفة يشير إلى ظرفيته، فإن التطورات اللاحقة منذ ذلك الحين وحتى اليوم غيرت كثيرًا من مبررات طرح سؤال كهذا. فإذا كان السبب في سؤال الندوي هو مسألة الهوية الإسلامية، أو بتعبير أحد مقدمي كتابه المولعين به "انصراف المسلمين عن الإسلام"؛ فإن هذا الوضع ما عاد قائمًا الآن، ويرجح ذلك الرأي أكثر من مؤشر.

    لقد سقطت كل المبادئ والاعتقادات العلمانية الحداثية بسقوط المنظومة الشيوعية الاشتراكية من ناحية، وسقطت من ناحية ثانية بتأثير أكثر التجارب مرارة مع النظم العلمانية والدكتاتوريات الشمولية التي شملت أهوالها معظم البلدان الإسلامية، ومن ناحية ثالثة كان هناك نشأة ظاهرة "الصحوة الإسلامية" التي اكتسحت المجتمعات الإسلامية برمتها منذ منتصف الثمانينيات، ثم أدت الهيمنة الأمريكية العسكرية على قلب العالم الإسلامي رابعًا، وانفجار الانتفاضتين الأولى والثانية إلى تمسك شديد بالهوية الإسلامية بدا أنه لم يعد بعدها السؤال "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" ذا فائدة، فقد انحسرت أزمته التاريخية.

    لكن السؤال ما زال ـ برأينا ـ قائماً، لم تنسخه الظروف التاريخية كاملاً، كما لم تنسخ ظروف ولادته سؤال أرسلان السابق له: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟" لكن مبرراته اختلفت، والغاية من الإجابة عليه اختلفت أيضًا، غير أن ذلك لا يعني قط أنه باتت لنا أسئلتنا الجديدة التي يجب أن نجهد لصياغتها والبحث على الإجابة عنها، وهو ما لم يحدث بعد. وليس إعادة فتح ملف النهضة مؤخراً في الفكر العربي على الأقل إلا بحثاً عن سؤالنا الضائع.

    في السابق كانت المسألة الأخلاقية والقيمية هي المحور المركزي الذي يدور حوله سؤال الندوي وجوابه، ويتضح ذلك من عناوين فصول الكتاب: الإنسانية في احتضار، والنظام السياسي والمالي في العصر الجاهلي، ومن الجاهلية إلى الإسلام. وكما يشير الشهيد "سيد قطب" في مقدمته للكتاب نفسه؛ فإن "الجاهلية" –التي يصف بها الندوي كل المجتمعات غير المسلمة- هي "الطابع الروحي والعقلي" المساوي لسقوط "القيم الأساسية للحياة البشرية كما أرادها الله، لتحل محلها قيم مصطنعة تستند إلى الشهوات الطارئة، وهذا ما تعانيه البشرية اليوم [الخمسينيات من القرن الماضي]". فالإنسانية ترتكس بالقيم والأخلاق "في ذات الوقت الذي تتفتح فيه آفاق العلم الباهرة"، إذ لم يكن مطروحاً قط مسألة "المعرفة" الإنسانية عمومًا والغربية خصوصًا، وهذا أيضًا مفهوم بالنسبة لنا. فقد كانت الإنجازات الباهرة لهذا العلم الغربي نفسه هي السبب الرئيس وراء "الاستلاب" للغرب وتهديد الهوية الإسلامية. وليس غريباً بعد أن نلحظ دائمًا عند رواد الفكر الإسلامي في تلك الحقبة (ومنهم الندوي وسيد قطب بكل تأكيد) النظر إلى تقدم العلوم الغربية الساحق، وتمامها على أنه مسلمة لا يطاولها سؤال الندوي: "ماذا خسر... إلخ".

    وفي ذلك الوقت أيضًا كان سؤال الهوية ملحاً، إذ العالم الإسلامي كان أمام خيار راديكالي جذري متناقض: إما "التغريب": وهو يساوي لدى العلمانية العربية آنذاك التقدم، ولدى النخبة الإسلامية الاستتباع السياسي والثقافي، بما يساوي الخروج من الملة، أو "الأسلمة": وهو يعني لدى النخبة الإسلامية العودة إلى ما يمليه إيمان الأمة واستقلالها وأمانتها التاريخية في رسالة الإسلام، ولدى العلمانية العربية كان يعني الرجعية والتخلف، أو حسب تعبير الندوي في أحد عناوين كتبه "الفكرة الغربية والفكرة الشرقية".

    لكن اليوم ما عاد هذا الخيار قائماً. فنحن أمام تجربة تاريخية امتدت أكثر من قرن، وجعلت النخبة الثقافية والسياسية تتأكد من أن كلا الخيارين ما عاد ممكنًا. وهكذا نشهد شبه اتفاق على أن أي خيار للأمة يجب أن ينطلق أولاً من عمق ثقافتها وإيمانها، إذا كانت هناك رغبة أكيدة في النهضة. لقد زالت إذن مبررات الإيمان باللحاق إلى الغرب. لقد نضج العقل العربي والمسلم، بتجربته هذه، كما بعمق معرفته بالغرب. فنخبنا الثقافية تعلمت هناك، وتجاوزت حالة "الانبهار" به، لتبدأ حقبة جديدة تظهر فيها نقداً لاذعاً وعميقاً للغرب بمختلف أطيافه، وربما ساعد على ذلك اطلاعهم عن كثب على كتابات الفلاسفة النقاد للحداثة من أمثال هابرماس وفوكو وهايدغر.. وغيرهم.

    فانطلاقا من نقد الحداثة، فتَّحت هذه المعرفة بالغرب العيون العربية والمسلمة على العيوب المزمنة داخل النسق الثقافي والعلمي الغربي، وأصبح ممكنًا الآن بهذه المعرفة إقامة مقارنات بين أنظمة معرفية مختلفة، والتعرف على بنية الأجهزة المعرفية (مفهوم العقل، ونظرية المعرفية بالدرجة الأولى)، واكتشاف مميزاتها وعيوبها. وبهذا فإن سؤال الندوي من الممكن أن يتجدد بمده على ميدان ما كان ممكنًا التفكير فيه من قبل، وهو الظاهرة العلمية الغربية ذاتها، التي كانت من قبل تمتلك سلطة قاهرة حتى على المثقفين الإسلاميين أنفسهم. فبإمكاننا الآن أن نسأل: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين معرفيًّا؟".

    نحن ندرك جيداً أنه من المستحيل على مقال بهذا الحجم أن يحيط بمسألة غاية في التعقيد والعمق مثل مسألة المعرفة، وعبر مسيرة تاريخية طويلة تمتد لبضعة قرون، لهذا فإن ما نذكره هنا في الواقع ليس إلا خطوطًا عريضة جداً تتيح لنا تلمس القضية على وجه العموم فحسب.

    المعرفة ومفهوم العقل

    تقودنا أي بداية البحث في الإبستمولوجيا، أي: "أصول المعرفة" إلى البحث في مفهوم العقل، إذ على مفهوم العقل يعتمد كل ما يتعلق بالمعرفة ومصادرها.

    كان "مفهوم العقل" أحد الأمور التي بحثت عند المسلمين كثيرًا في علمي الكلام والأصول، وتوصلوا فيها إلى نتائج عديدة، برزت فيها توجهات مختلفة؛ إلا أن التوجه الأكثر رواجًا، والذي يمكن القول بأنه يمثل وجهة النظر الإسلامية، هو ذلك الذي ينظر إلى العقل باعتباره "فعلا غريزيا" فطريا "غير مكتسب"، هو الذي يُكسِب الإنسان إنسانيته، وهو فعل يقوم على وجود مسلمات مركوزة فيه باعتبارها "علمًا ضروريًّا". واعتماداً على هذا العلم الضروري القائم يستطيع الإنسان بناء المعرفة التي توصف بـ"المكتسبة"؛ مما يعني أن العقل ليس مفهومًا فيزيولوجيًّا، وإنما هو "فعل" وقدرة. فبنية العقل في منظورها الإسلامي تتألف من العلم الضروري والقدرة على المعالجة (التحليل والتركيب والحفظ والمقارنة...).

    إن القول بوجود "علم ضروري" يعني أن بإمكان العقل البشري -نظريًّا على الأقل- التوصل إلى "المعرفة اليقينية"، وهي في كل الأحوال معرفة مكتسبة، أي معرفة تتراوح مستوياتها من الخطأ إلى الوهم فالشك فالظن فاليقين.

    غير أن الوصول إلى اليقين -معرفة الشيء كما هو عليه في الواقع- أمر لا يمكن أن يستقل به العقل البشري دائمًا، وحتى عندما يكون ذلك ممكنًا فإنه على مستويات جزئية فحسب وليست كلية. فالوصول إلى المعرفة الكلية حيث "العلة الأولى" ـ حسب تعبير المتكلمين ـ أمر غير ممكن بدون "مصدر معرفة خارجي"، هو في المحصلة مدبر الكون والقوة الخالقة المطلقة (الله). وعلى هذا، فالوصول إلى اليقين العقلي (المعرفي) يشترط وجود "الوحي" ضمن مكونات نظرية المعرفة.

    تعرض مفهوم العقل إلى تغييرات جذرية مع بداية النهضة الغربية التي تأسست على إنجازات المسلمين، فقد تم اختزال وظيفته من التعرف على الحقائق الكلية والجزئية، وتوجيه الفعل انطلاقاً من المعرفة المكتسبة إلى إدراك الظواهر الحسية فحسب وتوجيه الفعل انطلاقاً من الخبرة التجريبية.

    فقد كانت قضية عجز العقل عن "إدراك الغيب" وبنيته التفصيلية بمثابة المقولة الرئيسية التي تم إعادة بناء مفهوم العقل في إطارها. ولكن إعادة التركيب والبناء هذا استبعد الثقة بـ"الوحي" (متمثلاً بالعهدين القديم والجديد)، وهو ما أدى آليًّا إلى انحصار المعرفة بـ"الحس".

    لقد دشن الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون (1561-1927م) جهود إعادة بناء مفهوم العقل الذي حمل كتابه "الآلة الجديدة" الجانب الفطري من العقل مسؤولية "ارتكاب الأخطاء وتشويه الحقائق"؛ لأنه "أكثر جنوحاً للخطأ من الأحاسيس". لم يلبث بعد ذلك أن استبعد أقطاب المدرسة الوضعية مثل: جون لوك (1704م) وديفيد هيوم (1777م) مفهوم المعرفة الفطرية (العلم الضروري"1") جملةً وتفصيلاً، وكان هيوم يعمل جاهداً لأخذ المنطق الوضعي إلى نهايته؛ لينكر أن مبادئ وعمليات العقل بحد ذاتها ليست فطرية وإنما هي مكتسبة. لكن إنكار هيوم أدى إلى إنكار الرابطة الضرورية بين السبب والمسبب، وتحويلها إلى رابطة شكلية ظاهرية ناتجة من مجرد الألفة والعادة.. وهو ما يؤدي بالفكر الوضعي إلى نسبية مطلقة. فالعقل لم يعد ينطوي على مبادئ ثابتة، بل على مجموعة من القواعد المستمدة من العادة والألفة. وكان من المرشح لأفكار هيوم أن تؤسس بذلك مبكراً لمأزق خانق وخطير للمعرفة الغربية، فيما لو قدر لها أن تسود.

    غير أن أفكار كانط -التي قدر لها أن تصوغ الفكر الغربي- أعادت بعض التوازن للفكر الغربي بإعادة مفهوم المبادئ الفطرية والضرورية، لكنها كرست النظرة الوضعية في الوقت نفسه؛ إذ جعلت استخدام هذه المبادئ الفطرية في غير المحسوس أمراً مستحيلاً، مما جعل العقل يقتصر في إدراكه على "الحقائق الجزئية" إلى حقيقة كلية متمثلة في إله خالق مهيمن، على الرغم من اعترافه بضرورة رد عالم الظواهر المحسوسة إلى عالم علوي ماورائي.

    المفارقة المذهلة التي يلاحظها بعض الباحثين تتمثل في إنكار كانط قدرة العقل النظري (الخالص) على الوصول إلى معرفة راسخة للحق العلوي، في الوقت الذي يؤكد فيه لزوم مفهومي الله واليوم الآخر لتأسيس فعل أخلاقي عند الحديث عن العقل العملي.

    لقد أسست هذه النظرة الكانطية للشرخ الاعتقادي للدين، والذي تحول بذلك إلى مسألة نفسية ذاتية خارجة عن مفهوم الحقائق. كما أسست في الوقت ذاته لتطويع الوقائع لخدمة الأغراض الشخصية بدلاً من اعتماد العقل للبحث عن حقائق الأشياء، مما أدى لإلغاء الضوابط التي تتدخل في عملية نقل المعارف من مستوى الحدس إلى مستوى التفكير، وتحول دون تطويع الاستدلال لتحقيق مآرب شخصية.

    وإذا كانت المعرفة الدينية من منظور وضعي تحتاج إلى إيمان ميتافيزيقي (غيبي) غير ممكن البرهنة عليه دومًا؛ فإن المعرفة الغربية الوضعية المادية ليست أقل ميتافيزيقيةً من المعرفة الدينية، فهي تنتهي في المحصلة إلى الجزم بمرجعية المادة وحدها في الوقت الذي تشكل هذه النتيجة أحد الاحتمالات الممكنة فحسب.

    المعرفة في سياق الحداثة

    كانت الأسس التي صاغت المعرفة الغربية على نحو ما شاهدنا في المفهوم الجديد للعقل قد صيغت من داخل النسق الثقافي الغربي ذاته، ومن داخل الحركة التاريخية التي مرّ بها، فهو متأثر إلى حد بعيد بالمسألة الدينية، كما تجلت لديه في دور الكنيسة السياسي ومحاربتها للعلم، بحيث أصبح لازماً لكي تتحرر المعرفة أن تستبعد سلطة الدين، وهي سلطة تأسست على ركيزة ادعاء امتلاكها للحقيقة "الكلية" التي تنتهي إليها المعارف الجزئية. هذا فيما كانت المعرفة في الحضارة الإسلامية على علاقة حميمة مع الدين، بل إنها انطلقت بتأثيره.

    والآن، وبعد قرون من مضي البحث الغربي، تكاد المعرفة الغربية الحداثية تستنفذ طاقتها، فكل ما أنتجته الحداثة بات الآن ماضياً في نسق معرفي ثابت، بحيث أصبح ثمة إدراك عميق لدى علماء العلوم الطبيعية الحديثة -كما يشير الدكتور عبد الوهاب المسيري- بأن المعرفة الكلية أو حتى شبه الكلية مستحيلة، وبأن رقعة المجهول تتزايد بنسبة أكبر من تزايد المعلوم، وبأن معرفتنا العلمية المادية، عن الواقع ليست يقينية، وإنما احتمالية إلى حد كبير.. وذلك بسبب استحالة تفسير الواقع كليًّا اعتمادا على التفسير المادي.

    وأدى هذا إلى انعدام اليقين المعرفي، ثم إلى شيوع ظواهر ما كانت متوقعة من قبل، بل لقد ظن العقل الغربي أنه استطاع محوها، وأنها بقيت سمة المجتمعات المتخلفة: أعني الإيمان بالسحر، بحيث أصبح معلوماً الآن أن عدد المؤمنين بالسحر في البلاد المتقدمة يفوق عدد نظرائهم في البلاد المتخلفة، فضلاً عن البلدان المسلمة. أليست الإيرادات الخيالية مؤخراً لفيلم "هاري بوتر" في الولايات المتحدة ذات دلالة بالغة؟

    بعدما أصبحت المرجعية العليا للمعرفة هي المادة.. جرى النظر للإنسان بوصفه مادة متطورة في أرقى صورها، ولَكم هي بشعة تلك النتيجة المنطقية لمرجعية المادة أن يصبح الإنسان برغم تمايزه عن أشكال المادة، أن يُردَّ إليها، وتجري معرفته ودراسته على النحو الذي تجري فيه دراسة مواد أخرى كالطين والرماد والبخار. وهكذا شهدت المعرفة الغربية في العلوم الإنسانية مطلع القرن الماضي سعياً محموماً لتطبيق المنهج التجريبي قي حقولها، وهو ما أدى إلى معرفة مبتورة للإنسان، هذا في الوقت الذي فشلت فيه بتحقيق ذلك، فهي بهذه العملية أعني رد الإنسان إلى الطبيعة تقوم باختزاله وإساءة فهمه.

    إن تحقق المعرفة الغربية أفرز مفارقة غريبة -كما يشير المسيري- إذ يفترض أنها تقود إلى نقطة الصفر؛ حيث التحكم في الإنسان والتنبؤ بسلوكه بل وتغييره نمطيًّا، يبدأ بوضع الإنسان في المركز بعد أن أصبح الحس الإنساني هو المصدر الوحيد للمعرفة، لتحل محله القوانين الطبيعية / المادية، ثم تزيحه تدريجيًّا. وينتهي الأمر بتفكيك الإنسان تماماً، بل إلغاء مقولة الإنسان. وفي الحضارة الإسلامية اعتبر أن السلوك الإنساني غير ممكن التنبؤ فيه، فمفهوم الحرية أصيل، في حين أن توجهات فكرية أخرى قالت بهذه الإمكانية، لكنها في كل الأحوال جعلتها خارج إمكانات الإدراك الإنساني، وجعلتها محصورة بالقدرة الإلهية المطلقة، أي بمالك الوجود والعلة الأولى فيه.

    كما أفرزت هذه المعرفة الغربية تصنيفاً عنصريًّا للبشر يقوم على أسس مادية، وأكدت التفاوت بين الشعوب، فنظرت إلى الشعوب غير الغربية وأراضيها ومواردها باعتبارها مادة استعمالية يمكن للسوبرمان الغربي أن يوظفها لحسابه باعتباره أرقى الشعوب، وأكثرها رقيًّا، وهذا ما لم يكن ممكنًا داخل الثقافة والحضارة الإسلامية، بل إنه يمكن القول أن أحد تحديات الحضارة الإسلامية للحداثة هو في قدرتها على محو الفوارق العنصرية بين البشر.

    القيم والارتهان للمعرفة المادية

    "المعرفة الكلية" تتحدد دوماً باعتبارها أساسًا لكل تعيُّنات "القيم". فالثانية لا تصدر إلا عن رؤية كلية فلسفية تمنح العالم معناه، وهكذا تكون المعرفة الغربية قد أفرزت منظومتها القيمية بنفي المرجعية الإلهية وتحويل الإنسان ذاته مرجعية أخلاقية لنفسه.

    على هذا الأساس أصبحت القيم مسألة نسبية وشخصية إلى حد بعيد، ونسبية القيم هذه لا بد أن تتجه إلى صراع تناقضات المصالح والممارسات الإنسانية المنبثقة عنها، فاعتبر هذا الصراع أساساً لحسم التناقضات، فيما أصبح بذلك البقاء للأقوى (الأصلح) هو المبدأ. لقد ولدت هذه القيم ما أسماه المفكرون "العقلية الإمبريالية" للغرب، والتي دفعت الأوربيين لغزو العالم ونهبه، وتحيا الولايات المتحدة نفس الحالة، فما إن شعرت بالقوة حتى عادت لتفكر بهذا المنطق الإمبريالي نفسه بصورة فاضحة في غزو العراق واحتلاله. لقد أصبحت أخلاقيات القوة والمصالح أساساً عمليًّا للفكر الغربي مضمراً أحياناً ومصرحا به في أحايين أخرى.

    مرجعية المادة حولت المنفعة واللذة إلى أهداف أساسية للوجود الإنساني (الموضوع الجنسي يتصدر القائمة)، وهو ما يجعل النزعة الاستهلاكية سلوكاً "حتمياً"، يجعل عجلة الاقتصاد تتسارع نحو مبدأ "مزيد من السلع فيه مزيد من المنفعة واللذة" على حد تعبير المسيري. وهو أمر يقضي بتحول الحاجة من أن تكون سبباً للاختراع إلى أن يكون الاختراع هو مولد الحاجة!

    ليس غريباً بعد ذلك أن يشعر المرء في العالم الغربي بتشظي أفراد المجتمع وتفكك بنائه، فالروابط الأخلاقية والقيمية باتت محكومة بفردانية مزمنة.

    وما بين فقدان النهايات الكلية (العلة الأولى للوجود) للمعرفة المادية وانغلاقها على المادة، وبين قيمها المفرطة في استهلاكيتها وفردانيتها دون هدف سوى اللذة ذاتها والشعور الشخصي بتحققها، وجد الإنسان الغربي نفسه قد تفكك معنويًّا وأمام معضلة عويصة هي ما عرف بـ"أزمة المعنى".

    كما أن منطق المعرفة الغربية العنصري جعل علومها الإنسانية ذاتها ذات منحى عنصري أيضًا في التطبيق فضلاً عن جذورها الإمبريالية. فعلوم الاجتماع الغربية لا يطبقها الغرب على المجتمعات الأخرى -إلا في حالات فردية نادرة-؛ لأنه ينظر إليها بأنها أولاً مجتمعات متخلفة ينطبق عليها البحث الأنثروبولوجي أحياناً والاستشراقي غالباً. وهي ثانياً علوم تشربت الخصوصية الغربية، فبالرغم من "موضوعيتها" فإنها لا تنطبق إلا على المجتمعات الغربية، ومن عظيم المفارقات أن تطرح نفسها بعد ذلك على أنها علوم كونية!

    كما أدت هذه العنصرية ذاتها إلى حجب مساهمات الحضارة الإسلامية وطمس حلقتها التاريخية، فضلاً عن سرقتها ونسبتها إلى الغرب ذاته كظاهرة مستمرة في كل تاريخ المعرفة الغربية حتى اليوم، في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية لم تشهد شيئاً من ذلك، بل إنه من صميم مبادئها العلمية "إن كنت ناقلاً فالصحة".

    بدأت الآن العلوم الاجتماعية في الغرب تدخل أزمتها، وهي أزمة تبدأ من قصور المرجعية (المادية) لفهم الإنسان المتعقد التركيب وهي أزمة ستولد مفاعيلها فيما بعد في تيار نقد الحداثة الراهن، هذا التيار الذي يجد موضوعه في تاريخ الحداثة المركب من مجموع فلسفتها ومعرفتها وقيمها وممارساتها وتاريخها في المجتمعات الغربية.

    قد لا يمكننا المراهنة على تيار ما بعد الحداثة المنبثق في العقود الأخيرة من القرن الماضي، لكننا بكل تأكيد سوف نتمكن بواسطته من إنجاز رؤية أكثر وضوحاً عما كان شديد الإبهار لنا حتى الربع الأخير من القرن الماضي.

    وفيما أصبحت المعرفة الغربية مسدودة الأفق فقد كانت إمكاناتها في المعرفة الإسلامية مفتوحة. وإذا كانت المعرفة الغربية قد تأسست على موقف من "الدين" والمعرفة الدينية، فإن المعرفة في الحضارة الإسلامية قامت على مصالحة وتسوية معها تجعل كل المقولات بين العلم والدين المنقولة من السياق الغربي وتاريخه الديني أمراً لا معنى له في سياق الحضارة الإسلامية.

    ولا تتوقف خسارة النموذج المعرفي الغربي على المعرفة بحد ذاتها وحسب، بل إنها تمس المنظومة القيمية في عمقها، حيث يمكن القول إن فقدان المعنى والسمة العنصرية والإمبريالية والاستهلاكية ودوامة اللذة المفرغة... إلخ، أمر كان يمكن تجنبه في إطار النموذج المعرفي الإسلامي، فقد أصبح بمقدورنا اليوم أن نقول بثقة بأن الخسارة التي وقعت فيها المعرفة الغربية وأدت إلى أزمتها الراهنة، يمكنها أن تعوضها بالاستعانة بالنموذج الإسلامي لها، وهي استعانة لا تعني استعادة المعرفة القديمة وإنما نموذجها.

    طالع معنا بعض محاور الملف

    ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.. لماذا نعيد طرح السؤال؟

    الفلسفة الغربية.. من معاداة الإيمان والحق إلى نسيانهما..


    --------------------------------------------------------------------------------

    (1) لم أجد أفضل لتقريب مفهوم العلم الضروري الفطري من قوله تعالى: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ {172} أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ" (الأعراف: 172 - 173).. (المحرر).

                   |Articles |News |مقالات |اخبار

[رد على الموضوع] صفحة 1 من 7:   <<  1 2 3 4 5 6 7  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:

وداعا جاك دريدا فى FaceBook

· دخول · أبحث · ملفك ·

Home الصفحة الاولى | المنبر العام | | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2014م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الثانى للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2012م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2012م | مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2012 | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2012م |مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2011م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2011م |
مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2011 | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2011م | نمدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2010م |أمدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2009م |مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2008م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2008م |
مدخل أرشيف العام (2003م) | مدخل أرشيف العام (2002م) | مدخل أرشيف العام (2001م) | مكتبة الاستاذ محمود محمد طه |مكتبة البروفسير على المك | مكتبة د.جون قرنق | مكتبة الفساد| مكتبة ضحايا التعذيب | مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان | مكتبة دارفور |مكتبة الدراسات الجندرية | مكتبة العالم البروفسيراسامة عبد الرحمن النور |
مواضيع توثيقية متميِّزة | مكتبة قضية سد كجبار | مكتبة حادثة يوم الاثنين الدامي | مكتبة مجزرة اللاجئين السودانيين في القاهرة بتاريخ 30 ديسمبر 2005م |مكتبة الموسيقار هاشم مرغنى(Hashim Merghani) | مكتبة عبد الخالق محجوب | مكتبة الشهيد محمد طه محمد احمد |مكتبة مركز الخاتم عدلان للأستنارة والتنمية البشرية | مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان | مكتبة سودانيز أون لاين دوت كم |مكتبة تنادينا,الامل العام,نفيرنا | مكتبة الفنان الراحل مجدى النور محمد |
مكتبة العلامة عبد الله الطيب | مكتبة احداث امدرمان 10 مايو 2008 | مكتبة الشهيدة سهام عبد الرحمن | منبر اليوم الحار لخريجى كلية الهندسة و المعمار بجامعة الخرطوم |مكتبة الراحل المقيم الطيب صالح | مكتبة انتهاكات شرطة النظام العام السودانية | مكتبة من اقوالهم |مكتبة الاستاذ أبوذر على الأمين ياسين | منبر الشعبية | منبر ناس الزقازيق |مكتبة تهراقا الفن الدكتور محمد عثمان حسن صالح وردى | اخر الاخبار من السودان2004 |
اراء حرة و مقالات سودانية | مواقع سودانية | اغاني سودانية | مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد | دليل الخريجيين السودانيين | الاخبار اليومية عن السودان بالعربى|
جرائد سودانية |اجتماعيات سودانية |دليل الاصدقاء السودانى |مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان |الارشيف والمكتبات |
Discussion Board |Latest News & Press |Articles & Analysis |PC&Internet Forum |SudaneseOnline Links |
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها

© Copyright 2001-02
Sudanese Online
All rights reserved.

If you're looking to submit news,video,a press release or or article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de