حزين انا وكل افراد الشعب السودانى واهلى فى الشمال فى كرمكول والعفاض وابودوم قشابى والخرطوم وعطبرة وبورتسودان بفقد اديب السودان الكبير الاستاذ الطيب صالح نفتقده اليوم ونحن فى الوطن فى مفترق طرق واكثر حوجة لارائه السديدة والواضحة المعروفة بالحرص على وحدة الوطن واهله وايقاف الحروب والشتات .. نفتقد اليوم الرزانة والتواضع والخبرة الاعلامية الهائلة الممزوجة بفن الادب والثقافة والاسلوب الراقى فى الكتابة .. نفتقدك ونحن اكثر حوجة لامثالك من اصحاب الخبرات الكبيرة ذات التقدير العالمى التى ترفع اسم الوطن فى كل مكان تحل فيه .. كان اسمك يغطى على بشاعة الحروب وهشاشة وضحالة الفكر السياسى السائد اليوم فى الوطن ..كان اسمك هو الوطن هو السودان الدولة ذات التاريخ والحضارة الضاربة فى عمق الزمان ..
كان اسمك مكان احترام الجميع الذين شهدوا لك واحترموا ثقافتك وقدروها وبك وبمجهودك الذى بذلته فى كل المحافل نلنا اسمى التقدير والاحترام من كثير من الشعوب .. كنا نفتخر بك فى كل مكان بان لنا اديبا وكاتبا ورجلا يحمل من الخبرات الكثير ومعروف على لالنطاق العالمى .. لكل فرد قصة يحكيها اليوم مع اديبنا الكبير فى سنين حياته العامرة والذاخرة بانتاج ادبى وعلاقات اجتماعية راقية وحب من طرفين خال من الرياء .. اليوم هو يوم شكره على ما قدم وانتج وما قدم للبشرية من ادب وروايات وقصص ومقالات صحفية ودراما هادفة شكلت رايا عاما مستنيرا فى كل انحاء العالم .. عن اىصفة اتحدث هل اتحدث عن الطيب الاديب ام الانسان المتواضع ام الاعلامى الشهير ام الخبير الدولى ..لن استطيع مهما اوتيت ان اوفيه حقه فانا لست بقامة ادبية او اعلامية او اى شىء يقف لبعدد ماثره الحميدة تلك ولكنى اترك الامر لمن هم اكثر شانا من اولئك الذين يعرفون فضله ودوره وما قدم هنا فى هذا البوست التوثيقى .. ولكن فى مثل هذا اليوم لابد لى من ان احكى قصة عنه وعن احترامه للراى الاخر مهما كانت قاسية او غير صحيحة .. عندما كنا طلابا بمصر فى اوائل الثمانينات وكان الطيب وقتها خبيرا باليونسكو وكان ياتى للقاهرة كل عام لحضور فعاليات معرض الكتاب السنوى .. ذهبت اليه فى مقر اقامته لادعوه الى ندوة ادبية وثقافية ليرد على اتحاد ادباء الحكومة الذى زار القاهرة بدعوة من الاتجاه الاسلامى الذى كان يتحكم فى الاتحاد الطلابى وكان وفدهم يضم الدكتور حسن عباس صبحى والاستاذ فراج الطيب والكاتب مصطفى عوضالله بشارة .. واقام لهم الاتحاد ندوة فى دار الوافدين بعماد الدين وجهوا نقدا للاستاذ الطيب وقالوا فيه ما قالوا عن علاقة مزعومة للطيب بالانجليز ابتدره حسن عباس صبحى رحمه الله وحكى قصة علاقته بالطيب ومن ثم كال له اتهامات لا استطيع كتابتها اليوم والاثنان فى ذمة الله .. وحاولت الذهاب للمنصة للرد عليه والكلام فى الحقيقة كان حار وغيرصحيح ولكن الاخوانجى الذى كان على المنصة ويعطى فرص التعقيب حرمنى ورفض او قل تجاهلنى .. وبغضبى هذا ذهبت اليه لاطلب منه الحديث ضمن ندوىة خاصة ا تقيمها رابطة طلاب ابناء العفاض بمصر ليرد عليهم .. انظروا للطيب ماذا قال لى بعد ان شرحت له ما اريد وما قاله الدكتور حسن عباس صبحى ومصطفى .. قال لى لا لا يا ابنى هذا رايهم وهؤلاء ربما كانت هذه قناعاتهم .. وانا لن ارد واعفينى هذا راى للناس وهم من يقيموه ولست انا فانا لا ادافع عن نفسى ..والححت عليه ولكنه رفض .. وقال منهيا الحديث ما قالوه رايهم وانا احترم الراى الاخر مهما كان .. هذا هو الطيب اسما ومعنى .. ونتواصل معكم فى التعليق على ما يكتب ويقال ..
الطيب صالح ومفارقاته اللندنية ffالطيب صالح ومفارقاته اللندنيةfff
عبد الباري عطوان
قبل عشر سنوات تقريباً دعيت إلى جامعة أكسفورد البريطانية العريقة للمشاركة في ندوة حول صورة العرب في الغرب، إلى جانب العديد من الأساتذة والمختصين من مختلف الجامعات الأوروبية والبريطانية، علاوة على الأمير الحسن بن طلال الذي كان حينذاك لا يزال ولياً لعهد الأردن. رئيس قسم الدراسات الشرقية في الجامعة واسمه ديرك هوبوود فجر قنبلة من الوزن الثقيل في الندوة، عندما قال ان الطلاب العرب يأتون إلى الجامعات البريطانية ليس من أجل الدراسة والتحصيل العلمي، وانما لمضاجعة الفتيات البريطانيات الشقراوات للانتقام من المستعمر البريطاني الذي احتل بلادهم. البروفسور هــــوبوود عـــزز نظريته هذه بتأليف كتاب تحت عنوان Sexual Encounters in the Middle East، فسر فيه التاريخ الشرق اوسطي من زاوية العلاقات الجنسية للشخصيات السياسية الرئيسية التي لعبت دوراً في أحداث المنطقة على مر العصور. قنبلة البروفسور المذكور، وتفسيره الجنسي للتاريخ أثارا جدلاً ساخناً في تلك الندوة، خاصة من جانب المشاركين العرب الذين فوجئوا بمثل هذا الطرح المهين، وتصدوا بشراسة لصاحبه، ونظرته الدونية، وميوله ذات الشبهة العنصرية الاستفزازية لمشاعرهم. تذكرت الأديب الكبير الطيب صالح آنذاك، وروايته العالمية الشهيرة 'موسم الهجرة إلى الشمال'، التي ترجمت إلى 65 لغة، وبطلها مصطفى سعيد الذي ذهب إلى الجامعات البريطانية لجمع الحسنيين، أي التحصيل العلمي العالي واثبات فحولته الجنسية مع نساء بريطانيا 'البضات' انتقاما لاحتلال بلاده. فالطيب صالح كان، بطريقة أو بأخرى، يكتب سيرة بطل روائي تشبه ربما سيرته، مع بعض البهارات الدرامية والتخييل الذي لا بدّ منه للعمل الروائي، لكنه لم يكن مسكوناً بهاجس الجنس مثل بطل روايته، فقد تزوج من أول سيدة اسكتلندية أحبها، وقد زرته في منزله في ضاحية ويمبلدون جنوب العاصمة أكثر من مرة، بصحبة صديقه الأديب والممثل والكاتب نديم صوالحة. اعترف أنني تأثرت كثيراً بأدب الطيب صالح، فقد كان لدي ميل لكتابة القصة القصيرة بدأ منذ دراستي الآداب قسم الصحافة في جامعة القاهرة، وواصلت كتابتها بعد انتقالي إلى لندن في أواخر السبعينات من القرن الماضي، وحاولت محاكاة اسلوبه في عدد من القصص المستوحاة من الأجواء اللندنية والعواصم الأوروبية الأخرى بحكم ترحالي كصحافي، ونُشر بعضها في مجلة 'العربي' الكويتية، وبعضها الآخر في الملحق الأدبي لصحيفة 'المدينة' السعودية الذي كان يشرف عليه الأديب السوداني الراحل سباعي عثمان، ولكني توقفت لعدة أسباب أهمها ان الصورة لا يمكن ان تضاهي الأصل أو حتى تقترب منه، ولان الهم السياسي تفوق وانتصر، حتى ان المرحوم سباعي عثمان كتب مقالاً أشار فيه إلى ما وصفها بموهبة أدبية قتلتها السياسة. تعرفت إلى الأديب الكبير للمرة الأولى في مطلع الثمانينات، وعن طريق الصدفة المحضة، فقط كنت أعمل مديراً لتحرير مجلة 'المجلة' في عصرها الذهبي عندما كان يترأس تحريرها الصديق عثمان العمير. الزميل العمير كان في حينها معجباً بالرعيل الأول من المثقفين العرب، وخاصة الراحل أكرم صالح الذي جمعته به صداقة حميمة، فطلب من الأديب الساخر المرحوم أيضاً الزميل عوني بشير ان يسجل معه سلسلة من الحلقات حول ذكرياته، أي ذكريات أكرم صالح. ولكن عوني بشير استنكف ان يقوم بهذه المهمة مع 'معلق رياضي' وقال انه أكبر من ذلك.الزميل العمير طلب مني أن اتولى الأمر، وبالفعل سجلت ما يقرب الأربع ساعات مع أكرم صالح، كانت حافلة بكل ما هو ممتع حول ذكرياته في الجامعة الأمريكية في القاهرة، حيث بدأ دراسته ولم يكملها بسبب حرب 1948، والتحاقه باذاعة الشرق الأدنى البريطانية، ثم اضرابه مع زملائه عن العمل بسبب الغزو البريطاني لقناة السويس. أكرم صالح كان يجسد الارستقراطية الفلسطينية، وعائلته كان يضرب بها المثل في الثراء، فقد كانت تملك معظم جبل الكرمل المطل على مدينة حيفا أجمل مدن البحر المتوسط. أكرم صالح اضطر لقطع جلسات الحوار للعودة إلى الرياض حيث كان يعمل من أجل الاستقالة والعودة إلى لندن، وهو الذي كان يحلم ان يموت ويدفن في أرض عربية، بسبب طبيعة مزاجه الحادة، وبعض المضايقات في العمل، ولكنه لم يعد وباغتته أزمة قلبية حادة أدت إلى وفاته ودفنه في الرياض. اكراماً لأكرم صالح نشرنا الحلقات في مجلة 'المجلة'، وكانت من أجمل ما كتبت في حياتي، لمفارقاتها الغريبة، وفوجئت بالأديب الكبير الطيب صالح يهاتف رئيس التحرير، ويهاتفني من أجل كتابة سلسلة حلقات عن أيامه في لندن في القسم العربي لمحطة اذاعة 'بي بي سي' وصداقته مع أكرم صالح. الحلقات كانت من عيون الأدب، وتعكس خفة دم غير مسبوقة. وما أذكره منها، لحظة وصفه لوفاة أحد زملائه المسلمين وكان من مصر الشقيقة، واصراره في وصيته ان يدفن على الطريقة الاسلامية. المفاجأة ان معظم زملائه لم يكونوا من المتدينين، ولا يعرفون مراسم الدفن وواجبات التغسيل والتكفين والتلاوة المرافقة في الحالين، فعدد المسلمين في لندن (أواخر الخمسينات) كان محدوداً جداً، ولا توجد مساجد، وهؤلاء لا يعرفون أداء الصلوات العادية، ناهيك عن صلاة الميت. وبلغت المفارقة ذروتها عندما ذهبوا إلى المقبرة، وتساؤلهم هل يجوز دفنه مع 'الكفار' الانكليز وكيف؟ والأهم من ذلك أين يوجهون الرأس وكيف يكون الشاهد؟ وتفاصيل كثيرة عن حيرتهم وجهلهم، دوّنها بطريقة رائعة، وبأسلوب أدبي ساحر. اعجابنا بهذه الحلقة على وجه التحديد تبخر عندما اعترضت الرقابة في السعودية على كل هذه التفاصيل، لان المذهب الوهابي لا يقبل بثقافة القبور هذه ويعتبرها بدعة. وأصر الرقيب على حذف كل هذه المقاطع، والا لا حلقة ولا نشر. الطيب صالح من جانبه قال اما ان تنشر كلها دون حذف أو لا تنشر على الاطلاق. رئيس التحرير وقع في حرج كبير، وبعد اتصالات مع علية القوم جرى ايجاد مخرج، وهو ان تفاصيل الحكاية وقعت في لندن في بلاد 'الكفار'، ويبدو ان هذا التفسير 'غير الوهابي' انقذ الحلقة، ورئيس التحرير، وبعدها أصبح الطيب صالح كاتباً منتظماً في المجلة. وللتاريخ فان الرجل لم يطلب مالاً على الاطلاق، سواء مقابل الحلقات المذكورة، او كتابته للصفحة الأخيرة في المجلة بشكل اسبوعي. وعندما جرى تحديد مبلغ المكافأة الشهرية لم يساوم على الاطلاق، ولم يناقش الأمر مثل بعض الكتاب الآخرين. الطيب صالح كان مغرماً بأبي الطيب المتنبي، والقى محاضرة عنه في المركز الثقافي السعودي، بدعوة من الدكتور غازي القصيبي، كانت من أجمل ما سمعت في حياتي، فقد كان خفيف الظل في طرحه، ممتعاً في تحليله لشخصية الشاعر الكبير وظروفه، وكانت حسرته الوحيدة ان ابا الطيب لم يزر السودان، وقال ان عزاءه ان ناقته 'بجّاية' كانت سودانية. وأكد انه، اي المتنبي، لم يكن ينطلق من نزعة عنصرية عندما هاجم كافور الاخشيدي ووصفه بالعبد. وقال من كان سيعرف كافور هذا أساساً او يتذكره لو لم يهجه المتنبي. رحم الله الطيب صالح، الذي كان مثل الغالبية الساحقة من أبناء السودان، قمة في التواضع وهو المبدع الكبير، وعاش حياة بسيطة هادئة، محاطاً بمجموعة صغيرة من الأصدقاء وفي البيت نفسه، وكم كنت أتمنى لو انه حصل على جائزة نوبل في الأدب تكريماً لمسيرته، ولكنه مع ذلك يسجل له انه جدّد دم الرواية العربية وأضاف إليها نكهة لم تكن تعرفها من قبل. لا أعرف أين سيدفن أديبنا الكبير، ولكن ما أعرفه انه أياً كان المكان، فإنه لن يواجه المعضلة التي واجهها زميله وأصدقاؤه في أواخر الخمسينات، حيث سيلقى كل الحفاوة والتكريم، وسيتحول قبره إلى مزار للملايين من عشاق ابداعه. القدس 19/2/2009
لأنهم أحبوه بصدق كلهم كانوا هناك ... فى التاسعة من صباح أمس الجمعة إصطف الآلاف للصلاة على فقيد البلاد بل فقيد كل من التقاه أو سمع عنه أو قرأ له... إنه طيب الخصال... الطيب الصالح... ذلك الاديب عبقرى الرواية التى احدثت دويا هائلا وترجمت الى لغات حية... لم يكن من أصحاب السلطة ولا المال ولا الجاه، مجرد تربال عصامي كما يحلو له ان يقول عن نفسه تحول الى أحد مشاهير الرواية العربية كرمه العالم أما نحن فى السودان للاسف فلم نكرمه بين أهله واحبائه واصدقائه وتلامذته... وهذه أحد نقائصنا ... لانعرف للانسان قيمة إلا بعد مماته... كان ذلك خطأ كبيرا ... اذن آن الأوان لنكف عن ذلك الخطأ الفادح... لو كان الطيب صالح مصريا كما العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم وغيرهم المئات ممن اثروا المكتبة المصرية والعربية والعالمية لاقاموا له الكرنفالات والاحتفالات والتكريم الذى يستحقه أما هنا فلا نهتم بذلك إلا بعد أن نواري الثرى من نحب ... حدث ذلك للعلامة عبدالله الطيب فى اللغة والآداب ولمامون بحيري ولفتح الرحمن البشير فى الاقتصاد والاعمال ... وقليل من الرجال الأفذاذ... ان المغزي الحقيقي لتكريم العظماء وأهل العطاء ليس أن نزكي على الله أحدا ولكنها دعوة للشباب وللأجيال القادمة أن تسير فى طريقهم وللتاريخ ان يسجل انجازات ومآثر الامم والشعوب ... إنهم البناؤون والمؤسسون لاعمال الخير فى كافة المجالات يقومون بالاعمال الجليلة ويذهبون ربما فقراء فيستفيد منها الذين يعقبونهم... لعل الكثيرين لا يعلمون ان جل المكتشفين وصناع الحضارة لم يروا بأعينهم نتاج اعمالهم وكثير منهم مات وحيدا ربما لايملك ما يشترى به قوت يومه أو مأوي يقيم فيه ولكنهم ورثوا ابناءهم وأحفادهم كل شئ... وربما لا يعلم الناس اعمالهم ولكن الله يعلم كل شئ ومن المؤكد لن تذهب اعمالهم هدرا وعنده الجزاء الاوفي... قبل عشرة اعوام تحرك طيب الذكر المرحوم فتح الرحمن البشير لعمل احتفال بسبعينية الطيب صالح داخل السودان ولكن حالت ظروف كثيرة لعدم إكتمال ذلك... ثم عندما اعتلت صحته بسبب الفشل الكلوي قام نفر كريم بمحاولة علاجه كان على رأسهم السيد حسن تاج السر ود.حسن ابشر الطيب والبروفيسور على شمو واعضاء جمعية اصدقاء مرضى الكلى واشراف د.كمال أبو سن ولكن بسبب تدهور الحالة الصحية لم يكتمل العلاج رغم تبرع كريم من احد ابناء السودان البررة بكليته (جزاه الله خيراً) ... مطلوب الآن تضافر الجهود لتكريم هذا المبدع الذى رفع رأسنا عاليا بين الامم فهذا اقل ما يستحقه وندعو هنا كل اصدقاء واحباء الفقيد ان يجتمعوا فى أقرب فرصة للتدارس حول كيفية تكريمه وطباعة كتبه وبناء صرح ثقافي باسمه يكون مباءة لكل طالب ثقافة وللاجيال القادمة باذن الله..كما ندعوا المؤسسات والدولة للتبرع لهذا الصرح الثقافي الذي سيحمل اسم الفقيد الذي أحبه الجميع.
وفاة الاديب السوداني الكبير الطيب صالح في لندن: صاحب رائعة 'موسم الهجرة الى الشمال' يرحل جنوبا! ffوفاة الاديب السوداني الكبير الطيب صالح في لندن: صاحب رائعة 'موسم الهجرة الى الشمال' يرحل جنوبا!fff 19/2/2009
لندن 'القدس العربي':
ريادية الطيب صالح (1929 ـ 2009) الكاتب والاديب السوداني في حقل الرواية العربية مجمع عليها. فهو الكاتب الذي اكد موقعه في سجل الخلود العربي والعالمي عبر رائعته 'موسم الهجرة للشمال' (1966)، الرواية التي ظهرت مثل القنبلة في ستينات القرن الماضي وكأنها عصارة كل العصارات، مساحة للتفكر والتفكير ونهاية لعصر كتب فيه الرجل العربي علاقته مع الغرب وانتهت شهوته بالمواجهة بعنف ارتكبه بطله مصطفى سعيد، وظلت الرواية مع مرور قرب نصف قرن على صدورها نصا مفتوحا على كل البدايات والنهايات، فهي في رؤية منها رحلة معاكسة لبطل جوزيف كونراد 'قلب الظلمات' وهي في اطار منها صورة عن رواية المقاومة والتمرد على الغرب وهي نص ما بعد كولونيالي. لكن الرواية جعلت من الطيب صالح الصوت المهم في جيل ما بعد المداميك التي رصفها نجيب محفوظ للرواية العربية واسسها كجنس ادبي مقبول ينافس الشعر بل احيانا يتجاوزه ويتفوق عليه. الطيب صالح اكد في روايته على بعد الغموض الخلاق والضبابية الشفافة كما يرى حليم بركات وهو ما يصنع الرواية وجاذبيتها لدى القارئ العربي والعالمي حيث ترجمت اعماله الى 34 لغة عالمية. وأهمية الطيب صالح الذي رحل عن عالمنا صباح امس انه عبر عن تجليات الثقافة السودانية وقيمها والتقاليد القروية، خاصة قرية ود حامد التي تحاول الصمود امام التقدم والتغيير. وفي كل اعماله 'عرس الزين' و'بندر شاه' التي يخلط فيها صالح بين العربية المعاصرة الفصيحة واللهجة السودانية ظل حريصا على تأكيد ولائه لثقافته السودانية الشمالية والوان الحياة فيها، وكان قادرا على استيعابها واستعادتها في اكثر من اطار وطريقة، فهو وان عرف لدى القارئ العربي بروايته 'موسم الهجرة' الا انه كان كاتبا للقصة القصيرة فمجموعته القصصية 'دومة ود حامد' صدرت عام 1960. ولكن ريادية الطيب صالح توقفت عند روايته الاولى او رواياته الاولى التي لم يقدم بعدها جديدا، ذلك انه قدم للرواية العربية معلما من معالمها وشخصيتها الاشكالية مصطفى سعيد التي عاشت الى جانب شخصيات الرواية العربية مثل احمد عبدالجواد وسعيد مهران ابني نجيب محفوظ. وفي سنواته الاخيرة انخرط صالح في كتابة المقالة الادبية التي ابدع فيها واظهر اهتمامه وثقافته المتجذرة في الثقافة العربية الكلاسيكية وحبه للمتنبي والشنفرى وشعراء الصعلكة. وكتب في زاوية اسبوعية في مجلة عربية عن مشاهداته في العالم ورحلاته التي غطت اقاليم العالم العربي والآسيوي، وقبل عامين صدرت في مجموعة من ستة اجزاء تقدم رؤى الكاتب ومواقفه من الاماكن والمدن والشخصيات. وتذكرنا المقالات في بعدها بالطيب الصالح المثقف العارف بثقافته العربية والمطلع على الثقافة، الغربية ففيها حاول بطله السباحة ضد تيار النيل في تدفقه ورحلته عبر السنين. في مقالاته ومساجلاته الادبية كان الطيب صالح قادرا على استحضار اللحظة السودانية بتنوعها والقها وقصصها وحكاياتها فهو في احيان كان يشبه عبدالله الطيب في كلاسيكيته واقترابه من القديم، وكان قريبا احيانا من محمد سعيد العباسي الشاعر الفرح المرح المحب للحياة والقريب من مدرسة التجديد الكلاسيكية، وفي احيان اخرى كان يقترب في معرفته بالعالم من الدبلوماسي والمثقف المبرز جمال محمد احمد وكلها اسماء سودانية صنعت زمنا جميلا في الثقافة العربية. كان الطيب صالح في نزوعه نحو العالم وانحيازه لانفتاح النص على العالم في القلب سودانيا وكم كنا نتمنى لو كتب كثيرا عن هذا السودان الذي كان صديقه الشاعر المبرز صلاح احمد ابراهيم يصارع في تعريفه وجدل صورته. لكن الطيب صالح لم يبخل علينا في فتح 'الحقيبة' السودانية واستكشاف اجوائها الغنائية. لكن الملمح الاخر والذي يجب ان لا يغطي على هوسنا في تأكيد عالمية الطيب الصالح كروائي هي تلك النزعة الصوفية والتيار الصوفي الذي يغلف كتاباته والتي جاءت نتاجا لعلاقة السودان بالصوفية وطرقها وشعائرها التي لا تزال بارزة في التدين عند السودانيين في الداخل والخارج. في كتاب صدر بعد صدور روايته بقليل وصفت نخبة من الكتاب العرب صالح بانه عبقري الرواية العربية وموسم الهجرة للشمال كانت مشروعا ناجزا لهذه العبقرية ولانها مشروع مكتمل ظل القارئ العربي وعلى وهم ينتظر عملا اخر على نفس السيرة والاطار ولكن الاعمال الناجزة تظهر مرة واحدة وما يكتبه الكاتب هو في النهاية يظل على حوافها، وربما كانت قصة الطيب صالح هي رحلة رائعة في اطار مشروعه الكبير. مع انه مشروع كبير الا ان روايته منعت في بلده السودان نظرا لمشاهدها الجنسية وظلت ممنوعة في عدد من الدول العربية فيما كانت جامعة بيرزيت اول جامعة عربية تقرها على الطلاب. ولد كاتبنا في قرية كرمكول شمالي السودان عام 1929 ثم انتقل الى الخرطوم حيث التحق بالجامعة التي لم يتم دراسته فيها. غادر السودان الى بريطانيا عام 1952، وعمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) حيث شغل منصب مدير قسم الدراما. عمل ايضا في وزارة الاعلام القطرية في الدوحة ثم تولى منصبا في مقر اليونيسكو في باريس. كان يعاني منذ فترة من فشل كلوي ودخل غيبوبة قبل وفاته. تزوج من سيدة انكليزية وله منها ثلاث بنات.
بغداد
كتب الطيب صالح في شؤون أدبية عديدة من بينها: أدب الرحلة. هنا لقطة رحلية له عن بغداد: حين قدمت على بغداد كانوا قد عينوا عبدالحسين زويلف لتوهم مديراً لجهاز تعليم الكبار ومكافحة الأمية. كنت فرحاً بتلك الرحلة، أن مكتب اليونسكو الإقليمي في عمان، الذي يرأسه الدكتور محمد إبراهيم كاظم، قد جنّدني في هذه المعركة. أن أكون أمياً بين الأميين، يا له من شرف عظيم. وقد اتضح لي بالفعل خلال هذه الرحلة، كم أنا جاهل. زرت سبع دول عربية، من العراق إلى المغرب، وفي كل بلد كنت أكتشف أشياء جديدة. لقد طوفت هذا العالم المتنوع الجميل عدة مرّات من قبل، وظننت أني أعرفه، ولكنني اكتشفت هذه المرة، أنني لم أعرفه حقاً لأنني لم أنظر إليه من قبل، من هذه الزاوية، زاوية الأميين. أكثر من مئة مليون أمي في العالم العربي! معنى ذلك أنك لن تستطيع أن تصنع تنمية، ولا أن تقيم حاضراً ولا مستقبلاً. لن تستطيع أن تحقق شيئاً من هذه الأحلام الجميلة التي تعنّ لهؤلاء الناس الأكابر. وإذا صدّقنا شعار منظمة اليونسكو، وهو حق (بما أن الحرب تنشأ في عقول البشر، فلا بد من إقامة حصون السلام في عقول البشر) فمعنى ذلك أنك لن تستطيع إقامة أي من هذه الحصون، إلا إذا فتحت كل هذه العيون المغمضة. كانت بغداد جميلة كعهدها، بل كانت أجمل. كان سوق (المربد) عامراً وتبارى الخطباء والشعراء وألقى محمد الفيتوري قصيدته العصماء (لم يتركوا لك ما تقول). تنفس الناس الصعداء، ودفنوا موتاهم وجففوا دموعهم. الحزن دائماً قريب من السطح في طبع العراقيين الأريحي، ولكنهم تناسوه وأخذوا ينظرون إلى المستقبل بثقة من قاوم وصمد، ودفع الثمن. ينظر حوله ويرى ماذا تهدم وماذا ظل واقفاً. ماذا ضاع وماذا بقي. وكان من بين ما تهدم جهاز مكافحة الأميّة. توقفت الحملة خلال سنوات الحرب، وبدأت الأميّة تزحف من جديد، حتى وصلت الآن إلى 15% من عدد السكان حسب تقديراتنا. إلا أن عبدالحسين زويلف كان واثقاً أنهم يستطيعون القضاء عليها بسهولة، وقد صدقته، فقد كانت وراءهم تجربة عظيمة، والحملة التي قاموا بها، أصبحت مضرب المثل في المجتمع الدولي. استقبلني بابتسامته الودود ووجهه الطيب، ورافقني طوال إقامتي، وكان سعيداً متفائلاً. لا غرو فقد خاض المعركة من قبل، مساعداً لطه يس إسماعيل، الذي كان رئيساً للجهاز التنفيذي. استمرت الحملة سبع سنوات منذ عام 78. لاحقوا الأميين في كل مكان، في الأهواز حيث يعيش الناس في جزر في الماء في مضارب البدو. في قرى السواد بين النهرين. قضوا على الأمية قضاء تاماً. وكما تتحول أحداث الحروب إلى أساطير، تحولت تفاصيل حملة مكافحة الأميّة، إلى أسطورة مثيرة في خيال عبدالحسين زويلف. قصدت الكويت بعد بغداد، وهنالك لقيت عبدالعزيز النجدي، مدير جهاز تعليم الكبار ومكافحة الأمية في وزارة التربية. رجل آخر من هؤلاء الرجال الصالحين. مثل أخيه في بغداد تماماً. كأنه هو. وقد اكتشفت خلال تلك الرحلة أن كل الرجال والنساء العاملين في ميدان مكافحة الأمية في العالم العربي، هم من طينة واحدة. الطيبة ودماثة الخلق وحب الخير والإيمان العميق بقيمة الإنسان. بعض المهن والحرف تفعل هذا الأثر في أصحابها. الأطباء، على وجوههم شيء ما، كأنهم يعرفون سراً لا يعرفه بقية الناس، ربما لكثرة ما رأوا من تقلبات الحياة والموت. وهؤلاء يرون معجزات تحدث أمام أعينهم يوماً بعد يوم، هذه الكتل البشرية البكماء، مثل الحجارة قبل أن تصنع منها التماثيل، فجأة تنطق وترى. الرجل في السبعين، والمرأة في الستين، بعد أمد من الظلام، تنحلّ لهم الرموز، وتنفكّ ألغاز الحروف. ك.. ت.. ب.. /كتب/ ع.. ر.. ف.. /عرف/. نظرت مع عبدالعزيز النجدي في فصول محو الأمية إلى وجوه الأميين، رجالاً ونساء، فجأة تشعّ بالحياة حين يقرأون ويكتبون، ترى على وجوههم فرحاً مشوباً بالدهشة، كمن يخرج دفعة واحدة من الظلام إلى النور. ما الذي جاء بهذا الرجل الطاعن في السن؟ وهذه المرأة ماذا يجديها أن تتعلم الآن؟ إنها تلك الرغبة المتأصلة في الإنسان أن يعرف ويدرك ويتواصل بطريقة أفضل مع الآخرين، إلا أن معظم الناس الذين يقبلون على فصول محو الأمية تحدوهم أيضاً رغبات مُلحّة لتحسين أوضاعهم المعيشية. وجدت في الكويت جهازاً ضخماً لمكافحة الأمية، وهو أحسن جهاز رأيته في البلاد التي زرتها. كان معدّاً إعداداً عالياً، وفيه كفاءات ممتازة في ميادين البحوث التربوية والبحوث المتعلقة بمكافحة الأمية، من الكويتيين وغيرهم. تركت الكويت قاصداً صنعاء، وقد حرمني ضيق الوقت أن أعرّج على دار كريمة وأسلّم على ساكنها الكريم، الأستاذ عبدالعزيز حسين. كان رئيسنا طوال أربع سنوات في لجنة التخطيط الشامل للثقافة العربية التي كونتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بدعم مالي من دولة الكويت. اجتمعنا في الكويت وفي تونس وفي صنعاء. وكنا نزداد مع مرور الأيام تقديراً وحباً لرئيسنا الفاضل. كانت زمرة طيبة من بلاد عربية شتى وحين انصرفت الأعوام وفرغنا من عملنا، شعرنا بحزن عظيم، فقد طابت لنا الصحبة، وطاب لنا العمل برئاسة ذلك الإنسان الفذ. ومهما يكن فإن تقرير اللجنة، وهو من عدة مجلدات، وقد ترجم إلى الإنكليزية والفرنسية، سوف يظل أثراً جليلاً في ميدان العمل الثقافي العربي، ومأثرة لا تنسى لدولة الكويت. غذّت بي الطائرة نحو صنعاء. هنالك سوف ألقى محمد المضواحي، سوف يكون مثل صاحبيه العراقي والكويتي. وسوف أجد صديقي عبدالعزيز المقالح. وسوف أزور (حجة) وأرى العيون اليمانية تضيء بالذكاء من ثنايا البراقع. في العالم العربي عالم الأميين، على الأقل، عالم واحد. qad القدس العربى
لطيب صالح روائي العودة إلى الجذور غاب عن 80 عاماً في لندن عاصمة منفاه < >كتب عبده وازن الحياة - 19/02/09//
هل يمكن أن تصنع رواية واحدة من صاحبها «أسطورة» مثلما فعلت «موسم الهجرة الى الشمال» من الطيب صالح «أسطورة» الأدب العربي الحديث؟ هذا الروائي السوداني الذي رحل فجر الثلثاء الماضي في لندن عن ثمانين عاماً، لم يستطع طوال حياته أن يتخلّص من سطوة هذه الرواية التي جلبت له من الشهرة ما جلبت من المتاعب، كما عبّر مرّة. ظل الطيب صالح أسير «موسم الهجرة الى الشمال»، فوسمت به مثلما وسم بها، مع أنه كتب روايات أخرى لا تقل فرادة عنها، ومنها مثلاً «عرس الزين» و «بندرشاه» وسواهما.
وعندما اصدر صالح هذه الرواية العام 1966 في بيروت لم يكن يتراءى له أنه سيسبق المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون في نظرية «صدام الحضارات»، فالرواية كانت سبّاقة فعلاً الى رسم حال هذا الصراع عبر بطلها «مصطفى سعيد» وموقفه، هو ابن العالم الثالث، من الغرب المتقدّم. وكان صالح أشدّ جرأة من الروائيين العرب الذين كتبوا في هذا الحقل قبله ومنهم توفيق الحكيم في «عصفور من الشرق» وسهيل إدريس في «الحيّ اللاتيني». فالبطل السوداني كان يدرك في الرواية أن الغرب لم يحمل الى الشرق حضارته فقط بل الاستعمار أيضاً. أما حنينه الى الشمال فبدا فيه من الحقد والضغينة مقدار ما فيه من الحبّ والتسامح.
عاش الطيب صالح حياة صاخبة، روائياً وسياسياً، في السودان وبعض الدول العربية كما في أوروبا ولا سيما في بريطانيا. ومكث طوال هذا العمر المديد مشدوداً الى السودان الذي لم يفارق مخيلته ولا وجدانه على رغم ترحاله و «منفاه» الطويل الاختياري. وظل على علاقة وطيدة، وبما طرأ عليه من تحوّلات، في السياسة والاجتماع. ومعروف عنه موقفه السلبي من نظام «الانقاذ» الذي تبوّأ السلطة عبر انقلاب حزيران (يونيو) 1989، وراجت عنه مقولته الشهيرة «من أين جاء هؤلاء؟» التي تبنّاها حينذاك مثقفون سودانيون كثر. وعمدت السلطة السودانية الى منع أعماله من التدريس في جامعة الخرطوم. لكنّ الكاتب المعارض ما لبث أن لبى دعوة النظام للعودة العام 2005 فعاد ليشارك في مهرجان «الخرطوم عاصمة للثقافة العربية» وليكون «نجم» هذا المهرجان. ولكنْ سرعان ما ارتفعت أصوات تعارض زيارته وتنتقد مواقفه من قضية دارفور والحركات المسلحة وسواهما. وقد حلا للبعض ان يقارن بينه وبين المتنبي، شاعره الأثير، في علاقته بالسلطة. وهو كان فعلاً من عشاق المتنبي، يحفظ شعره غيباً ويردده في المجالس، ووضع عنه كتاباً سمّاه «في صحبة المتنبي».
كان الطيب صالح هو الابرز والأشهر عربياً بين أدباء السودان، وان كان أدبه الروائي والقصصي بمثابة الجسر بين الداخل السوداني والخارج العربي والعالمي، فهو لم يدَّع يوماً انفصاله عن الأدب السوداني، ولا انقطاعه عن الهموم السودانية على اختلافها. وقد كتب «موسم الهجرة الى الشمال» في لندن حيث كان يقيم بدءاً من العام 1953. وعندما نشرت هذه الرواية في بيروت العام 1966 كانت بمثابة الحدث الروائي الذي كان منتظراً، لكنه عوض أن يأتي من القاهرة أو بغداد أو بيروت جاء من السودان. استطاع الطيب صالح في هذه الرواية الفريدة أن يقدم مشروعاً روائياً جديداً يحمل الكثير من علامات التحديث، شكلاً وتقنية وأحداثاً وشخصيات، علاوة على القضية الإشكالية التي حملتها الرواية وهي الصراع بين الشرق والغرب أو بين الجنوب والشمال من خلال علاقة مأسوية بين مصطفى سعيد و «زوجته» البريطانية. ومنذ أن صدرت الرواية أصبح اسم هذا البطل (مصطفى سعيد) في شهرة بعض أبطال نجيب محفوظ لا سيما أحمد عبد الجواد في «الثلاثية».
وإن بدت «موسم الهجرة الى الشمال» ذروة أعمال الطيب صالح، وأكثرها شهرة ورواجاً، فإن أعماله الأخرى، الروائية والقصصية لا تخلو من الخصوصية، سواء في لغتها السردية أم في تقنياتها وأشكالها. ومن تلك الأعمال رواية «عرس الزين» التي ترصد أسطورة الشخص القروي الغريب الأطوار الذي يدعى «الزين» في علاقته بالفتاة «نعمة»، وكذلك رواية «بندر شاه» في جزئيها: «ضو البيت» و «مريود». وتمثل هذه الرواية الصدام البيئي والحضاري بين القديم والحديث. ومن أعماله القصصية البديعة «دومة ود حامد» وهي تدور حول الصراع بين الحكومة وأهل قرية «ود حامد» التي تقع على الضفة الشرقية من النيل، فالحكومة تريد تحديث القرية واقتلاع شجرة الدوم التي هي رمز القرية والأهل يصرون على تقاليدهم المتوارثة. وهذه القرية السودانية «ود حامد» تحضر كثيراً في نصوص الطيب صالح رمزاً لعالم الطفولة والبراءة المتجذر في شمال السودان.
رحل الطيب صالح وكان في نيته أن يكتب سيرته، لكن ظروفه لم تساعده فاكتفى بنشر كتاب عنوانه «منسي: إنسان نادر على طريقته»، ومن خلاله تتبدّى بعض معالم تلك السيرة الحافلة بالأحداث والوقائع الطريفة. ----------------------------------------------
الروائي الطالع من المشافهة < >محمد علي فرحات الحياة - 19/02/09//
لا أدري صلة يوسف الخال بالطيب صالح التي دفعت الأخير ليرسل أولى كتاباته للنشر في مجلة «أدب» التي أصدر منها الخال أعداداً محدودة قبل ان تحتجب مع شقيقتها مجلة «شعر» آخر 1962. ظهر الطيب صالح في قصته القصيرة «سيداتي سادتي» باعتباره الراوي/ المخاطب من ميكروفون الإذاعة، وهو كان يعمل مذيعاً في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». بعد ذلك بفترة قليلة قدّم الطيب صالح مفاجأته الكتابية الكبرى، من بيروت أيضاً، وهي رواية «موسم الهجرة الى الشمال» التي نشرها توفيق صايغ في مجلته «حوار» فاستدعت زيادة استثنائية في صفحات العدد الذي نُشرت فيه.
منذ البدء برزت خصوصية السرد لدى الطيب صالح: لغة عربية متحركة تتخطى الجمل الطويلة البطيئة للنص التراثي، كأنها تشبعت منه قبل ان تسمح لنفسها بتجاوزه. وتقترن لغته بوعي للسرد الإنكليزي القائم على الوضوح والدقة، فلا يستغرقه شطح الإنشاء الذي ألحق الأذى بسرديات كتّاب عرب تأثروا بالأدب الفرنسي.
ولا بد من نقطة ثالثة لنكمل تصورنا لسرد الطيب صالح، هي ولع الرجل ومهارته بالمشافهة، فهو متحدث ممتاز لا تمل من مجالسته، وفي حديثه معرفة وحكاية، مع شفافية وميل الى الطرافة لا يخطئه السامع.
ممثل الشخصية السودانية الذكية الوادعة الكريمة التي تتمسك بحرية اكتسبتها من خليط الغابة والصحراء، على ما ذهب التشكيليون السودانيون ونقّادهم الأقربون. لذلك اعتبر الطيب صالح «الكاتب القومي للشعب السوداني» بحسب رجاء النقاش، ولذلك ايضاً أطلق الطيب صرخته في وجه حكم الإنقاذ الذي عمل ويعمل على تقويض الشخصية السودانية: «من أين أتى هؤلاء؟». صرخة هي الكلام السياسي الأول والأخير للروائي السوداني الأشهر عربياً وعالمياً، مدفوعاً، هو الذي أعلن غير مرة بعده عن السياسة، بانحيازه الى الشعب السوداني المفطور على الحرية.
وتلقى الطيب صالح «تحية» نظام الإنقاذ بمنع توزيع «موسم الهجرة الى الشمال» في السودان: كيف يمنع كتاب في بلد يقرب العالم منه. إنها «عبقرية» العسكر المتأسلمين. يخططون لزيادة الأعداء ويطردون الأصدقاء المحبين.
التقيت الطيب صالح أول وصولي الى لندن في مطلع 1990 وكانت دعوته هي الأولى التي لبيتها في العاصمة البريطانية، ثم رافقته مرات الى أصيلة المغربية حيث بدا في اكتماله سابحاً عند المحيط، متلقياً هواءه البارد بصدر عفيّ. ولا أستطيع تعداد لقاءاتنا في غير بلد عربي وفي مناسبات إعلامية، أبرزها في تلفزيون MBC حين كان الفضائية العربية الأولى والوحيدة.
ولا أعدّ... لأننا أصبحنا جارين في «رينز بارك»- جنوب لندن، وهناك المشهد اليومي للطيب صالح يمارس المشي ملبياً طلب الطبيب.
تراجيديا العلاقة بين الشرق والغرب < >فخري صالح الحياة - 19/02/09//
على قلة ما أنجز الطيب صالح (1929ـ 2009) من روايات إلا أنه ظل علامة أساسية في المنجز الروائي العربي طوال ما يزيد على نصف قرن، وذلك منذ ظهرت روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» على صفحات مجلة حوار بتقديم من يوسف إدريس، ثم ظهرت الرواية في طبعتها الأولى عام 1967. لكن ما أصدره الروائي السوداني الراحل عنا يوم أمس لم يتعد الأعمال الروائية الأربعة: عرس الزين (1966)، موسم الهجرة إلى الشمال (1967)، بندر شاه وقد صدرت في جزأين: ضوء البيت (1971)، ومريود (1977).
ومع ذلك فإن هذا العدد المحدود من الروايات قد بوأ الطيب صالح مكانة رفيعة في تاريخ الكتابة الروائية العربية المعاصرة، ولفت الانتباه إليه بوصفه واحداً من روائيين قلة طوروا النوع الروائي في القرن العشرين، وفتحوه على أسئلة وجودية مصيرية على رأسها سؤال الهوية العربية - الأفريقية وسؤال العلاقة المصيرية المعقدة مع الغرب. ويمكن النظر إلى روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» كتجسيد جمالي لتجربة المستعمر والمستعمرَ في فترة كانت فيها الإمبراطورية البريطانية تغادر آسيا وأفريقيا. كان الطيب صالح في تلك الرواية يقدم قراءة سردية ما بعد كولونيالية مبكرة للشرخ الذي أحدثته تجربة الاستعمار في أرواح الذين وقع عليهم الاستعمار في أفريقيا والعالم العربي، كما كانت روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» مختبراً للأفكار النمطية التي نشرها الاستشراق الغربي وعزز حضورها في الأوساط الأكاديمية، وكذلك في أذهان العامة من مواطني الدول الغربية.
وبسبب تماس «موسم الهجرة إلى الشمال» مع تلك الأسئلة المعقدة المتصلة بتجارب الشعوب المستعمرة ومستقبل العلاقات بين كتلتين حضاريتين (شرق وغرب، جنوب وشمال) أثارت هذه الرواية الكثير من الجدل والأسئلة وظلت هدفاً للتحليل والتساؤل حول الرسالة التي تحملها وطبيعة العلاقة بين بنيتها الروائية ومحمول هذه البنية. مثلها مثل رواية جيمس جويس يوليسيز استطاعت «موسم الهجرة...» أن تثير عدداً كبيراً من التحليلات والقراءات الانطباعية والدراسات والنصوص السابرة المتفحصة والأسئلة التي تدور حول علاقة بنية الرواية بخطابها، وصوت الراوي بما يروي عنه، إلى أن تجمع لدينا تراث نقدي ضخم متصل بهذه الرواية المثيرة للجدل أكثر من غيرها من الروايات العربية التي كتبت خلال نصف القرن الماضي.
لكن أهمية «موسم الهجرة...» لا تقتصر على موضوعها، والأفكار التي تثيرها، والرؤى الحضارية التي تقدمها في ثنايا سردها، بل إنها تكمن في ترتيب أحداث قصتها، حيث يقلب الطيب صالح صفحات الحكاية بطريقة تخلق توتراً مدهشاً في العلاقة بين الراوي ومصطفى سعيد، أولاً، وبين ما يرويه الراوي والمتلقي ثانياً. وفي هذه البؤرة من التوتر، والرغبة في معرفة الحكاية، تتكشف للراوي والقارئ معاً تراجيديا مصطفى سعيد وحياته السابقة التي تلقي بظلها القاتم على أيامه الأخيرة التي فضل أن يعيشها في تلك القرية النائية من قرى السودان. لكن ما يثير الانتباه بالفعل هو أن الراوي نفسه يعمل على تقطيع الحكاية إلى أجزاء يمررها إلى القارئ بطريقة تجعل الأخير أسيراً للراوي وكيفية نظرته إلى عناصر الحكاية. ها هنا يعمل الكاتب على تقطيع الحكاية مرتين: مرة بحيث يعيها الراوي، ومرة ثانية إذ يجعل الراوي يقوم بتقطيعها وروايتها للقارئ.
هناك إذاً طبقتان للحكاية في «موسم الهجرة...»: الطبقة الأولى هي تلك التي تتشكل في وعي الراوي، والطبقة الثانية هي التي تتشكل في وعي القارئ. ويتيح هذا النوع من التوزيع، وتصفية مادة الحكاية، لخيال القارئ أن يلعب دوراً فاعلاً في إعادة ترتيب شذرات الحكاية. إن قارئ الطيب صالح يشكل معه معنى النص، بل إنه يشترك معه في تحديد معنى الرسالة التي تتصفى من خلال راوٍ منحاز ضد الغرب منذ الصفحة الأولى في الرواية. لا نستطيع في هذا السياق أن نقول إن الكاتب مختبئ خلف الراوي، وإن هناك تطابقاً بين وجهة نظر الكاتب ووجهة نظر الراوي. هناك منشور يصفي الحكاية من خلال صوت الراوي من دون أن يكون هناك تطابق في وجهات النظر الثلاث المتمثلة في وجهة نظر مصطفى سعيد ووجهة نظر الراوي، وأخيراً وجهة نظر الكاتب. وتبدو وجهة نظر مصطفى سعيد، على رغم مرورها بمصفاة الراوي، بارزة مهيمنة تتمثل في نزعة جبرية للرد على غزو الغرب الاستعماري للشرق بصورة مواربة.
إن نظرة مصطفى سعيد إلى طبيعة العلاقة مع الغرب تبدو محكومة بالتجربة الاستعمارية برمتها، رغم أن الرواية لا تهتم كثيراً بإيراد هذا النوع من التفاصيل المتعلقة بالتجربة.
على حافات هذه الرواية الكبيرة المدهشة تقيم أعمال الطيب صالح الأخرى. ولا يعني هذا الكلام انتقاصاً من روايات الكاتب السوداني الكبير؛ بل إن ما أقصده هو أن «عرس الزين»، و«ضو البيت» و«مريود» هي استعادات لسؤال الهوية والمكان والبيئة الشعبية السودانية والعالم البكر الذي لم تلوثه الحضارة الغربية التي عبرت فوق جسد العالم الأفريقي، ما يمثل ترياقاً لعقابيل تجربة الاستعمار التي كتبتها «موسم الهجرة...» بصورة مواربة. ومن هنا تبدو هذه الروايات وكأنها تمثل العنصر الموازي الذي يقيم ثنائية ضدية مع «موسم الهجرة إلى الشمال».
«عطيل» العربي المتحرر من أسر اللون < >علي بدر الحياة - 19/02/09//
أعاد الطيب صالح الاعتبار لـ «عطيل»، لا في النصية الشكسبيرية كدراما كلاسيكية متوترة، إنما كعلاقة مضطربة ومهددة، كتراجيديا تبرز فجأة من النصية الاستعمارية، ومن وجودها المتجدد والحيوي في التاريخ السياسي والاجتماعي للصراع بين أفريقيا وأوروبا، وهكذا يدفع الطيب صالح رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» لتكون الخطاب النقيض للمفهوم الشكسبيري حول قضايا العرق والدم، ولتتحول هذه الميتا-دراما إلى نوع من العلاقة الغامضة بين أسود من المستعمرة وشقراء من المتربول، وبفضل سلسلة من الاضطرابات السيا-سايكولوجية، تصل الرواية إلى الذروة، القتل، انتفاء النص الشكسبيري، نقص تراتب الأنساق العرقية، قانون العيب، الخيانة، ومن ثم نهاية النص الشكسبيري الذي قام أصلاً في مأسسة مشكلة هذه الثنائية الثقافية والحضارية، بل لتتلاشى هذه الدراما الكونية تحت هاجس العلاقة النقضية بين عطيل وديزدمونة، وتتحول من دراما متوترة إلى محاولة ثقافية لاستدعاء التراث الغربي ومن ثم الاحتياز عليه وتمثيله، لقد أخرج الطيب صالح «عطيل» الأسود المحبوس في لونه الماحق، إلى التجربة المعيشة.
ولا بد من إعادة الاعتبار إلى جوزيف كونراد، وإلى أحداث روايته الطاحنة «قلب الظلام»، لا في تصوير هذا التضاد الظاهر في علاقات القوة بين المستعمر والمستعمر، إنما في تصوير التهديد الناجم عن تمثيل الآخر، بصفته نقيضاً للذات المركزية الغربية ومركزية اللوغوس الغربي، بل عمد الطيب صالح إلى تجاوز علاقات التمثيل من مجرد انعكاس للممارسات الكولونيالية إلى اشتباك جسدي، بل حرر العلاقة التاريخية بين النقيضين: غرب/شرق، أفريقيا/أوروبا، شمال/جنوب، إلى علاقة قائمة في الهاجس الإنساني، وهذا الأمر أكثر تعقيداً من فكرة كونراد بكثير، على رغم ألمعية رواية كونراد واستثنائيتها في التاريخ الإنساني، لأن صالح ذهب مباشرة نحو العلاقات الجنسية المتوترة، وقد حول بذلك العلاقة التاريخية من علاقة سياسية ظاهرة إلى فحولة قاهرة وأنوثة مقهورة.
ويجب الوقوف أمام «موسم الهجرة إلى الشمال» وموقعها في الدراسات ما بعد الكولونيالية، والدراسات الثقافية، وأدب المنفى والهجرة، وقراءات بوليطيقيا الجسد في الدراسات الحديثة، وبعث أسطورة كاليبان بصفته الآخر الذي يجب السيطرة عليه باسم المدنية، والذي يطرح في شكل ثابت ثنائية الفوضى والنظام، والخطاب الناتج من تأكيد علاقة تفوق اللون مع احتمالات العصيان وتبديد السلطة. وليظهر على نحو محفوف بالمخاطر أثر الرق الممسوح والمختلط الخاص بهذا التاريخ الكرنفالي، والفصل الزائف والمتوحش الذي يؤكده فرانز فانون بين القصبة المظلمة والحقيرة وبين المدينة الأوروبية المضاءة، والإحساس بالنشاز الكياني والأنطولوجي والقيمي للبشر.
أخيراً هذا هو الطيب صالح، السوداني، العربي، الكوني، سافر كثيراً، وعمل طويلاً، وكتب الروايات، والقصص، وأدب الرحلات، وعمل مذيعاً، ومستشاراً ثقافياً، ثم مات بعيداً من بلاده، بعد أن منعت روايته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال» في بلاده بضعة أعوام
الروائي السوداني الطيب صالح يرحل في صقيع «الشمال» < >الخرطوم - عصام أبو القاسم الحياة - 19/02/09//
فجعت الساحة الأدبية السودانية والعربية فجر أول من أمس برحيل «عبقري» الرواية العربية، صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال» و «عرس الزين» و «مريود» و «ضو البيت» و «بندر شاه» الروائي والقاص الطيب صالح والذي ولد في قرية «كرمكول» في مركز مروي (شمال السودان) عام 1929 وتوفي في العاصمة البريطانية بعد صراع مع المرض.
أمضى الطيب صالح طفولته في قريته قبل أن ينتقل إلى مدينة بورسودان حيث درس المرحلة الوسطى وجاء الى الخرطوم آخر أربعينات القرن الماضي حيث درس بمدرستي «وادي سيدنا» و «حنتوب» المرحلة الثانوية والتحق من بعد بجامعة الخرطوم لدراسة العلوم الطبيعية، وعمل مدرساً في مدرسة «الشيخ رضا» وفي «بخت الرضا» قبل ان يكمل دراسته للطب.
هاجر صالح إلى انكلترا في العام 1953 حيث واصل دراسته، لكنه تخصص في «الشؤون الدولية» وعمل لاحقاً بالقسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية، حيث اشتغل رئيساً لقسم الدراما وفي ذات العام (1953) كتب أول نص قصصي وهو «نخلة على جدول» وأذيع عبر الـ «بي سي سي»، وأعقبه بـ «دومة ود حامد» العمل الذي نُشر للمرة الأولى في العام 1960 بمجلة «أصوات» المتخصصة في الثقافة بلندن، وقد قام محرر المجلة المستشرق ديفيد جونسون بترجمتها.
وما لبث ان استقال الطيب صالح من «بي بي سي» وعاد إلى السودان وعمل لفترة بالإذاعة السودانية حيث اشتهر بسرده لسيرة ابن هشام في برنامج «سيرة ابن هشام» وبتقديم مقابلات مع رواد سودانيين في الأدب والفن. هاجر إلى دولة قطر وعمل مديراً لوزارة الإعلام، كما عمل بعد ذلك مستشاراً إقليمياً للإعلام بمنظمة اليونسكو في باريس، وممثلاً للمنظمة في الخليج العربي.
قدم الراحل الطيب صالح العديد من المؤلفات للمكتبة العربية مثل «موسم الهجرة إلى الشمال» و«عرس الزين» و«مريود» و«ضو البيت» و«دومة ود حامد» و«منسى: إنسان نادر على طريقته».. ورحل قبل ان ينشر الجزء الثالث من «بندر شاه» والذي وسمه بـ «جبر الدار». وقد اُنتخبت روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» في العديد من الجامعات كمصدر للمعرفة البحثية المتعلقة بدراسات ما بعد الاستعمار وكانت وكالات أنباء أوردت اختيار هذه الرواية كواحدة من أفضل مئة رواية في تاريخ الإنسانية في العام 2002.
وكان الراحل حاز في آذار (مارس) 2007 جائزة ملتقى القاهرة للرواية العربية كما منح في العام 2002 جائزة محمد زفزاف للرواية في المغرب.
دُرست أعمال الطيب صالح في العديد من الجامعات كما ألهمت العديد من كتّاب الدراما. فروايته «عرس الزين» حُوّلت إلى عمل درامي بالاسم نفسه من إخراج الكويتي خالد الصديق وعرض بمهرجان (كان) نحو 1974 إضافة إلى عمله «دومة ود حامد» والذي أحرزت به الإذاعة السودانية في العام 2003 الجائزة الذهبية للمسلسل الإذاعي بمهرجان القاهرة الدولي للإذاعة والتلفزيون كما قام سعد يوسف عبيد بإخراج ذات العمل للمسرح.
وكان الطيب صالح دعا الى تحويل محفل تكريمي أقامته مجموعة من محبيه لاسمه الى مسابقة للإبداع الروائي في السودان، وتبنى مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بامدرمان في العام 2003 اطلاق (مسابقة الطيب صالح للإبداع الروائي) بعد وضع المبلغ (20) ألف دولار الذي جمع للتكريم في شكل وديعة في أحد المصارف، وليستفاد من أرباحها كجائزة لأفضل رواية يتم اختيارها سنوياً، بهدف تفعيل حركة الرواية السودانية وفي مطلع هذا العام اطلق المركز مسابقة (الطيب صالح للقصة القصيرة) كما شارك مع مجموعة من المؤسسات الثقافية في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي في ترشيح الراحل لجائزة نوبل.
عرف الطيب صالح بانشغاله اللافت بقضايا الأدب العربي القديم وقدم في هذا الباب رؤى ونظرات على قدر عال من الجدة والفرادة، وقد خصّ أبو الطيب المتنبي بجهد أكبر وبرأيه «ان من يحب اللغة العربية عليه أن يحب المتنبي»، كما اشتغل الراحل بالكتابة الصحافية حيث شارك بمجلة «المجلة» العربية الصادرة في لندن في كتابة زاوية راتبة وسمها بـ «نحو أفق بعيد» مناقشاً قضايا وهموم الكتابة بأجناسها المختلفة رواية، قصة، شعر، نثر.
"الريد" تصريف سوداني لللفظة "يريد " التي تفيد في أصلها القاموسي الرغبة في شيء أو شخص أو الحاجة إليه وطلب قربه أو حيازته بشكل من الإشكال. ولكن الاشتقاق السوداني ينصرف إلى معنى آخر هو معنى الود والمحبة فإذا قلت عن الطفل انك تريده أو عن الفتاة انك تريدها فانك تعبر عن محبتك لكليهما ولا تقصد انك تريد أن يكون ذلك الطفل ابنك أو تلك الفتاة بنتك أو حبيبتك. وفي الأدب الشعبي القديم احتلت الريدة ( ورديفتها "الغي" ) محل ما نسميه الآن بالحب أو الغرام أو الهيام ولكن ظهور مفردة "الحب" ومشتقاتها في أدب التخاطب الحديث قلل من استخدامات الريد فأصبح قاصرا على العلاقات داخل العائلة وعلى العلاقات مع الأشياء وعلى إحساس الود نحو أناس مبجلين . فالريدة تعبير جائز للإعراب عن عاطفتنا نحو أطفال العائلة وقراباتها وفي زماننا هذا لا يقول العاشق لحبيبته "بريدك" إلا على سبيل الهزل والدعابة وإنما يقول لها بطريقة السينما "أحبك".ويبدو أننا أصبحنا أكثر تفطنا إلى محمولات الكلمة التي تعبر عن الرغبة في الحيازة، وتفاديا لسوء الفهم انحصرت استخدامات الكلمة في شبكة أضيق من العلاقات ولم تعد مستخدمة في وصف الولع والهيام. التقط أديبنا الأكبر-الطيب صالح- تلك المفردة وأطلقها اسما لبطله ومن ثم عنوانا لروايته فكأنه أعطاها حياة جديدة إذ سرعان ما أصبحت اسما للمحلات والبقالات واللواري والشاحنات كما أصبحت اسما معتمدا لمجلة أطفال ترأس تحريرها واحدة من ألمع الأقلام النسائية في بلادنا( بخيتة أمين) . وليس بين الأدباء السودانيين من يقترب من ذلك النجاح الداوي سوى التجاني يوسف بشير ومحمد عبد الحي وذلك أن اسم "إشراقه" الذي اختاره التجاني عنوانا لديوانه أصبح علما على كل أنواع المحلات والحافلات كما صار اسما نسائيا عريقا بلغ من عراقته أن بعض حاملاته أصبحن في عداد الحبوبات. ومن جهة أخرى حققت نجاحا مماثلا تسمية الشاعر محمد عبد الحي لإحدى قصائده باسم "السمندل يغني" فقد سمي على السمندل الكثير من محلات الموضة وشركات النقل والترحيل. وفي حين أتت تلك التسميات من قواميس العربية وكتبها القديمة جاءت "مريود" من صميم اللهجة السودانية الدارجة وسياقاتها المعهودة .والواقع إن في ذلك نوعا من الفأل فأديبنا الطيب صالح هو نفسه من أجدر الناس بالريدة وصفة المريود فقد انحازت إليه قلوب السودانيين (إنسا وجنا وشعبا وحكومة) وقلوب العرب العاربة وغير العاربة وقلوب الكثير من أبناء آدميتنا الخواجات. وفي كل تلك الفصائل تأخذ ريدة الطيب صالح شكلا متقدما من أشكال التعصب والتفضيل على المتقدمين والمتأخرين ففي إحدى جامعات نيويورك اكتشفت عظمة الطيب صالح أستاذة للأدب الأفريقي هي كونستانس بيركلي وهي آية من آيات اللطف والرقة ولا زالت تلهج بذكر الطيب حتى ذهبت إلى التقاعد وبدت عليها بعض سمات التقدم في العمر ومنها التكرار والإعادة ولاشك أنها سعيدة بتكرار اسمه الميمون فهي سيدة أمريكية افريقية الأصل ويسعدها أن يكون من بني قارتها الأم من هو في مثل عبقرية الطيب وتفوقه الفكري . ثم هنالك البروفسور قودوين الذي روى حكايته صديق الطيب الأستاذ الفاتح إبراهيم فقد أسبغ الرجل على الطيب من الأوصاف ما ظل يضن به بعض مواطنيه وبني جلدته. يتميز الطيب صالح بتواضع طبيعي جذب إليه القلوب وليس ذلك تواضع الرجل محدود المعرفة الذي لا يحسن الخروج من مجالات الأدب إلى مجالات العلم والتفكير المنطقي الدقيق فواقع الحال أن له نظرات في السياسة والاجتماع حيرت بدقتها أفهام المتخصصين .وفي "أصيلة" التي شهدتها معه تحدث في جلسة عن أزمات العالم العربي فاتني حضورها للأسف ولكنني صحبته عقيب تلك الجلسة في جولة على المدينة وكان الناس يستوقفونه أينما مضى ليأخذوا صورة له أو صورة معه ويشيدون بما قاله بالأمس حتى ارتفعت حرارة فضولي فسألته :ماذا قلت في ليلة الأمس وأي كلام بهرت به كل هذه الأسماع فكان رده الساخر - كلام أيه ... دا كلام ترابلة ساي. ولا عجب أن يتحدث الطيب بدقة علمية فهو نفسه من دارسي العلم وقد بدأ حياته الدراسية بكلية العلوم بجامعة الخرطوم حتى أدركته "حرفة الأدب" فأحسن فيها وتقدم على كل متقدم. وفي نفس تلك المناسبة في نفس تلك المدينة كان السامر ينعقد ولا ينفض إلا في الهزيع الأخير وكانت حلقة الطيب صالح هي دائما الأكثر حضورا وقاصدا وذلك رغم أن الطيب لم يكن يحتكر فرص الحديث وإنما يتيحها لسواه أدبا منه وتواضعا. وفي مثل تلك المجالس لا يأبه النادل لأحد غيره ولو كان ممن يرتدون العقال دليلا على الوفرة والنعمة فيتقدم إلى الطيب دون غيره بفاتورة المشروبات – ليس مشروباته الشخصية وإنما مشروبات الحلقة من مبتداها إلى منتهاها. واترك لكم أن تقولوا إذا كان ذلك ثمنا معقولا للإعجاب والمعجبين. ولقد وفقني الله إلى بيت من عيون الشعر العربي القديم كتبه شاعره قبل أكثر من ألف عام ولكنه بنظري كتبه في الطيب صالح وكرمه الفياض وذلك حيث يقول: أبو زينب قاصر فقره على نفسه ومشيع غناه أي أنه يكتم حالة فقره عن الناس ولا يطلع عليه أحدا سوى ذاته(لاحظ ولا حتى أهله من زوج وولد) ولكنه يشيع في العالمين انه واسع الجاه عريض الثراء.ولا يريد الشاعر أن ممدوحه (وهو الطيب دون شك) يشيع في الناس أمر غناه على سبيل الدعاية والتكذب ولكنه يتركهم يتوسمون فيه الغنى فلا يصدهم ولا يخيب أملهم باطلاعهم على حقيقة حاله. وأزعم أن المقصود بهذا المدح هو الأديب السوداني الطيب صالح خاصة وان له ابنة اسمها زينب ومن حقه أن يتكني باسمها فهو حقا وصدقا أبو زينب المخفي فقره والمشيع غناه. * * الطيب الآن مريض كما تعلمون وهو مرض لا مناسبة له ولا موقع له من الإعراب فقد أفسد علينا بهجتنا بأديبنا الأكبر وبما دأب على تحقيقه لنا ولبلادنا من أشكال المجد والنجاح وهو يملأ الإسماع ويشغل الدنيا عن نفسها..إن مرضه أكثر من فاجعة شخصية لكونه فاجعة قومية وهو ما يجعلنا نعود إلى تعزية النفس ومخادعتها بنسبة ذلك المرض إلى العين والحسد وحقد الكائدين وهو ما تؤكده تلك الترنيمة الحزينة التي علمنيها صديقي الشاعر الحردلو في زمان قديم: الوكيل الشالتو العين/الوقع بين الصندلين / يا موحمد/ دا بلودو وين شالتو العين ولكن سوف نستعيده من براثنها بقدرة الله
الخبر الذي جاء برحيل القامة الروائية العربية الطيب صالح ، خبر تتحدد مأساته وكارثيته بالكثير من المعاني ، أولها أن نفقد في هذا العام الكثير من النخب العربية ورواد النهضة والتنوير ، من رحيل المفكر والباحث المناضل محمود أمين العالم الذي أغنى وأثرى المكتبة والفكر العربي بأبحاثه ومؤلفاته ، إلى رحيل عبد العظيم أنيس الذي وسع من دائرة الجهد والبحث في الفكر العربي ، واليوم نفقد شجرة الرواية العربية ، الطيب صالح ، وتعبير شجرة أجده من الصفات التي تلبس الطيب الذي أينع وأثمر في سياق المشروع التنموي التنويري الحلم ، المشروع الحلم لأنه لم يتحقق ، والطيب صالح واحد ممن كرسوا جهدهم وعملهم لهذه النهضة التي سترفع من سوية الأنسان كقيمة عليا تنشد الحرية والعدالة والهواء النظيف بمعنى الحياة التي تنموا لتنتج وتبدع وتعمر وتبني لتشكل الحضارة وتشيد ثقافة الحياة ، أخفق المشروع وأصبحت كل القيم التي انتمى إليها الطيب قضايا خاسرة ، انقلبت الأوضاع وفرت أحلامنا وهربت الأماني ، لم يعد في مجتمعاتنا روابط وامن واستقرار ، هجمت الردة محمية ومسلحة ، مزقت قرى الأوطان ، ،وضاعت عروة التماسك الأجتماعي ولم يعد لمساحة الوطن حدود لتعدد الحواجز ، نفرت اللغة واستوحشت ، لتنقلب لرصاص وقتال وفرق ومجموعات ، وساد خطاب الردة والفرق والتكفير . هذه الأجواء ، وهذا المناخ لايساعد ولا يمد شجرة كالطيب صالح بالحياة والتدفق ، لم تعد التربة الطيبة التي أنتجت شخصيات الحلم السوداني في أدب الطيب ، الشخصيات العفوية والطيبة ، الشخصيات انقلبت وتحولت لشياطين ملثمة ومعصوبة وترطن بلغة لا تحمل غير الموت والأنتحار ، والأستبداد سلطان الموقف يدور ويعربد ثملا بأوهامه وتخيلاته ، لم يعد الفقر والتخلف سمة محسوسة لمجتمع مترابط ، ولم يعد سرقة الجهد واستغلال العمل احساس مشترك ، وصار هناك شمال وجنوب وديانات ومذاهب ، وقبائل ومناطق ، وأشباح تتنافر تتطاول سكاكينها لجز الوطن وتقسيم أحشائه . يلتزم الطيب المنفى ، المنفى بكل صقيعه وبرده ويذوي ويذبل ، وأوراقه تتهاوى كلما أوغل الوطن الملهم في الغي ، وتطاول في الأستبداد ، المصالحات التي تمت وعاد بها رعيل كثير كانت تقاسم ونهش ومحاصصات ، لا تعيد للزين عرسا و لا تشيع الدفئ الذي تحشده دومة واد حامد ، والقرية العامرة بالحب وممارسة طقس انسانيتها بالهواء الطلق ، أصبحت لا تعرف غير الرجم وحد السيف . يموت الطيب ولا تفلح يراعه بهذا الصقيع بشيئ ، كتاب ,, مختارات ،، ذي التسعة أجزاء ، هذا الكتاب يشكل حالة قطع بأبداع الطيب صالح ، كتاب يحدد مرحلة جديدة وباردة في حياة هذه الشجرة اليانعة الثمر ، فقد كان متعدد الأسلوب والأتجاهات والألوان ، حيث تداخلت ما بين السيرة الذاتية ، والخواطر والسرد الصحفي ،إلا أنه يبقى عمل يحدد نكهة ومذاق خاص ، ولكنه لا يتطاول لإعماله الأولى ، وهو ما نلحظه ونحسه حالة من الجفاف والموات والذبول اعترى الطيب ، ونحن بدورنا نعتذر من محبيه ومريديه حيث أعطينا أنفسنا حق الأجتهاد والتعليل لهذا السياق الذي اعترى الكاتب وتوقفه عن الخصب والأنتاج بالأبداع الذي أطل علينا به . كتاب محتارات الذي بدأه الطيب .. بالمنسي ،، هو مقدمة للحياة التي غمرت السودان ، حياة الحلبسة على حد تعبير بطله الذي عبر عن النموذج السائد ، نموذج الشخصية القادرة على تقمص كل الأدوار وتعتلي كل المنصات وتتلون بالكثير من الألوان ولكنها تفشل في التعبير عن ذاتها وروحها كجوهر ذات ميز وخصائص ، شخصية ضائعة وتعيش على كل الموائد ، ولكنها بالنهاية فاشلة لا تنتج سوى الحلبسة والتدليس . لتبقى الأجزاء الباقية تتداعى السودان وتستحضره كذكريات وحلم وآمال متخيلة ومطاردة ومشتهاة ، يدخل بينها جزء ،، في صحبة المتنبي ,, الذي يفتن أديبنا ويتماهى به ، وهو المتنبي شاغل الدنيا ومؤرقها ولكنه لدى الطيب صالح نموذج وقدوة للطموح ومطاردة القمم رحل الطيب صالح ، رحل الرجل الذي أدخل السودان إلى قلوبنا ، وقرب هذا الشعب الطيب منا ، لم يخدعنا الطيب برسم الشخصية السودانية ، طيبتها وعفويتها وكرم أخلاقها ، تفاعلها مع الأخر ، تواضعها الذي يأسرك ويقودك دون ان تقرر الأحجام او الأقدام . كم سننتظر لننجب مثل الطيب صالح ، وكم هي خسارتنا بهذا المبدع الذي ذوى في ضباب لندن ، وكم هم الذين حملوا الوطن في قلوبهم واستركنوا البلاد البعيدة ، قد لا يتطاولوا لهذه القمة العبقرية ، ولكنهم اشخاصها وأبطالها وبرحيل مبدعهم يقدرون ويستشعرون حجم الفاجعة والخسارة بموت الطيب صالح ، هذه الشخصيات التي تعيش في المنفى ، والتي تقبع في الأرض الغبسة التي لا تتحمل بذور طيبة ، مازالت تحلم بعرس الذين ، ودومة ود حامد ومريود وضو البيت ، ومازال سعيد كمال في موسم هجرته للشمال شاغل النقاد والباحثين ...
توفي صباح أمس في العاصمة البريطانية لندن الروائي العربي السوداني الطيب صالح عن عمر ثمانين عاماً قدم خلالها ثروة أدبية زاخرة تضم عدداً من الروايات لعل أكثرها شهرة “موسم الهجرة إلى الشمال” التي تناولت بشكل فني راق الصدام بين الحضارات وموقف انسان العالم الثالث ورؤيته للعالم الأول المتقدم. بدأ الراحل رحلته الأدبية منذ أواخر الخمسينات من القرن الماضي بأعمال أدبية متميزة مثل “عرس الزين” و”مريود” و”دومة ود حامد” و”منسي” و”بندر شاه”.
وفي عام 2002 تم اختيار روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” ضمن أفضل مائة رواية في التاريخ الانساني، وفق قرار اتخذه مائة من كبار الكتاب الذين ينتمون إلى 54 دولة وفي مارس/ آذار 2007 منح الطيب صالح جائزة ملتقى القاهرة للابداع الروائي.
وهذه الرواية انما اكتسبت شهرتها لأنها تحدثت عن مفهوم صراع الحضارات، ولعل ما أكسبها تلك الشهرة، انها ظهرت قبيل عام ،67 عندما كان الصراع حاداً بين الشرق والغرب، ونظراً لما اشتملته من عناصر اثارة وتشويق.
وصف الراحل الكبير بأنه كان من أكثر الكتاب العرب اهتماماً بالثقافة بمستوياتها المتعددة وبصلتها بموضوعي التراث والمعاصرة، بل لعله كان عبر تنقله في العالم ومن خلال عمله في منظمة اليونسكو الأكثر التصاقاً بماهية الثقافة الغربية، تلك التي كان يرى ولد الطيب صالح عام 1929 في اقليم مروى شمال السودان، قرب قرية دبة الفقراء، وهي احدى قرى قبيلة الركابية التي ينتمي إليها وأمضى فيها مطلع حياته وطفولته.
انتقل إلى الخرطوم لاكمال دراسته فحصل على البكالوريوس في العلوم من جامعتها، سافر إلى بريطانيا ليواصل دراسته مغيراً تخصصه من العلوم إلى الشؤون الدولية.
عاد صالح إلى السودان بعد استقالته من ال “بي بي سي” التي عمل فيها لفترة طويلة في القسم العربي لهيئة الاذاعة البريطانية ثم انتقل إلى دولة قطر وعمل في وزارة الاعلام وبعد ذلك كمدير اقليمي بمنظمة اليونسكو في باريس.
برحيله تكون الرواية العربية فقدت اثنين من أضلاع مثلها الذي بدأ الكتابة في الستينات فيها برغم تطورها بعض السلبيات، ذلك ان المجتمع الأوروبي بحسب رأيه، كان مجتمعاً حائراً، بل انه يتمنى ما هو موجود لدينا نحن العرب، لا بل انه يبحث عن الشيء الذي نهرب منه نحن.
يقول الطيب صالح في أحد الحوارات الصحافية التي أجريت معه “لا ينبغي ان يقول البعض كلاماً فارغاً حول مصير الرواية والشعر والثقافة”. ويضيف “لماذا يصر الناس على استخدام كلمة “أزمة” بهذه الكثرة”.
ذلك رأي يدل على كاتب حصيف يدرك ماهية الكتابة بوصفها أحد الفنون الأكثر تأثيراً في تطور الإنسان، وهو بهذا انما يجعل من الكتابة رافعة حقيقية لتحقيق مضمون معنوي من الثراء الفكري والفني المبني على أصالة التجربة الانسانية بما تتمتع به من استقراء واستجلاء عميق لدقائق الحياة ورحابة الخيال والاستبصار والذي مثله نجيب محفوظ وحنا مينة والطيب صالح.
وفي الإمارات علق القاص ابراهيم مبارك على رحيل الطيب صالح بالقول:
“ان القامات الكبيرة في عالم الأدب والابداع عموماً لا تموت معنوياً وابداعياً، لأن رحيلها يمثل ولادة من جديد لها، حيث ان الأجيال المقبلة تقبل على اعادة قراءة نتاجها في زمان آخر ومكان مختلف، وبالتالي فإن رحيل الطيب صالح كقامة مهمة ومؤثرة في المشهد الروائي والقصصي العربي انما يمثل ولادة جديدة لأدبه، لأن هناك من يقرأ نتاجه برؤية مختلفة وبروح ونفس مختلفة وكأن رحيله ما هو إلا تحريض للتجديد، وهو ما حدث بعد رحيل الروائي الكبير صاحب نوبل نجيب محفوظ، فقد زاد الاقبال على قراءة أدبه للتعرف عليه من قبل جيل آخر، لذا فإن موت القامة المبدعة هو ولادة للقراءة.
ويضيف مبارك: هناك من يرى ان غياب هذه القامات سوف يؤثر على مستوى الابداع، والحقيقة غير ذلك تماما، لأن رحيل الطيب صالح لن يقلل من تأثيره على المشهدين الروائي والقصصي في الوطن العربي، من جهتين الأولى ان أمتنا العربية ولادة بالابداع، سوف تظهر أسماء وقامات كبيرة تتولى مسؤولية المشهد الروائي كما ان الأجيال القادمة ستعيد قراءة الطيب صالح وهو ما يكفل استمرارية ابداعه الأدبي”.
وقالت القاصة نجيبة الرفاعي: منذ أن بدأت أناملي تخط كلماتها في عالم الأدب والقصة كنت أسمع عن الطيب صالح، وكنت أقرأ له بعض الأعمال، وكنت أتابع كل ما يكتب عن ذلك الشخص مدحاً في ما يكتبه، تأكيداً للقيمة الأدبية التي تحملها أعماله القصصية، ولا شك ان رحيل الطيب صالح يشكل فقداناً كبيراً للساحة الثقافية الأدبية لا سيما ان مثل تلك الشخصيات تمثل مدرسة للأجيال القادمة وتمثل تاريخاً للأدب، ولكن عزاءنا ان الرحيل هو مصير كل إنسان، وما أروع أن يرحل الإنسان وقد ترك وراءه ارثاً نافعاً يستمر عطاؤه حتى ولو رحل صاحبه، وقد ترك الطيب صالح إرثاً أدبياً لا ينكر وسيبقى اسمه يذكر في كل المحافل واللقاءات الأدبية.
وستبقى أعماله مرجعاً قوياً لكل من يريد أن يسلك درب الأدب بخطوات قوية مدروسة، ولذلك فإن رحيل هذا الكاتب الكبير يعطينا معنى أن يكون الكاتب ذا ضمير وذا تأثير، فكثير من الكتاب والأدباء قد رحلوا ولكن لم يحزن عليهم أحد، وقلة من كان لرحيلهم وقع الصدمة والألم لأن رحيلهم يخلق فجوة من الصعب أن تملأ بأحد غيرهم”.
من أقواله
أنا ليس لي علاقة بالسياسة، ولا انتمي إلى أي حزب، ولا أحسب على أي اتجاه، غاية ما في الأمر، أن هناك من يفكرون في أن في الأدب سياسة، ومن هذا الباب فقط، يمكن القول إن في “ادبي” سياسة، غير أن ما أقوله في هذا الإطار، لا يأتي في”القالب” الذي يتعاطاه السياسيون، وإنما في سياق ما أكتب من أدب، وكسوداني لي بالطبع وجهة نظر اعبر عنها.
أنا أعمل دائماً كما يفعل (الكيني) ناغوغي و(النيجيري) اتشيب، على استنباط معنى الهوية نظراً إلى أن الدول، كما هو الأمر بالنسبة إلى الحياة، مختلطة ولا يمكن فرض نظام عليها يتجاوز نقطة معينة. العشق ليس ضرورة، لأنه يفقدني التوازن. لا اتمنى جائزة “نوبل” لأن العرب متطفلون عليها. اكتشفت خلال عملي الروائي أن الكثير مما نظنه جديداً هو قديم وموجود من قبل، نريد ان نخلق نظرة عقلانية هادئة في النظر إلى الأمور، نظرة مبنية على الثقة بأنفسنا، وبعضنا، واذا جاء عالم نفسي ودرس هذه الظاهرة، وكيف تطلق مثلاً كلمة الخيانة، فإن ذلك يشكل جزءاً من المخاض الفكري الحاصل في المنطقة.
من الناحية الواقعية، يستطيع أي متابع أن يلحظ مدى غزارة الانتاج الروائي في العالم العربي وخصوبته وتنوعه.
الأكاديميون يقسون مراراً على الأدب وعلى الرواية لأن معاييرهم في القياس، قد يكون فيها بعض الاجحاف، غير أن الحقيقة كما اؤمن بها أن النشاط الإبداعي العربي يعد نشاطاً رائعاً وأن ما أنجزته الرواية العربية في عمرها النسبي القصير، اذا قورن بالرواية في الغرب مثل أوروبا نجد أنه إنجاز ليس سهلاً بالقياس لظروفه وزمنه.
“عطاء المثقف مرهون بهامش حريته في التعبير”.
قالوا فيه
“لم تنته الرواية العربية، ولم تقتصر عليّ أنا ونجيب محفوظ، إننا عندما نقول هذا، فإننا لا شك نغفل حق الكثيرين، فهل يمكن ان نتحدث عن الرواية العربية من دون أن نذكر الطيب؟ إن هذا الفنان العظيم كان وما يزال، هو أمل نهضة الرواية العربية، بل إنه الإضافة والتطوير فيها”
الروائي يوسف إدريس
“تيقنت أنني بلا أدنى مبالغة أمام عبقرية جديدة في ميدان الرواية العربية، تولد كما يولد الفجر المشرق، وكما تولد الشمس الإفريقية الصريحة الناصعة”.
رجاء النقاش
“منذ نشرت “روايات الهلال” للطيب صالح روايته الأحادية “موسم الهجرة إلى الشمال” ونحن في تحفز كبير. الفرحة تغمرنا والدهشة: أين كان الطيب مختبئاً طوال هذا الوقت؟”.
د. علي الراعي
“نجح الطيب صالح في أن يخلق بأعماله عوالم حملت للقراء رؤية بالغة الخصوصية لتأثيرات عملية التغيير الدائمة المفيدة في ثقافات إفريقية”
Quote: قال لى لا لا يا ابنى هذا رايهم وهؤلاء ربما كانت هذه قناعاتهم .. وانا لن ارد واعفينى هذا راى للناس وهم من يقيموه ولست انا فانا لا ادافع عن نفسى ..والححت عليه ولكنه رفض .. وقال منهيا الحديث ما قالوه رايهم وانا احترم الراى الاخر مهما كان ..
الاخ الكيك التعازى ، إن كان هذا مقامها فى هذا الفقد الجلل .. رحم الله الطيب الذى ختم مواسم هجرته بالرحيل المر .. الطيب .. و الذى نعرف من أين أتى ما كان ليقول لك غير الذى ذكرته ..و تمعن فيما قاله .. ألم يكن هذا ديدن كل رجال السودان يوما .. لذا .. ما كان أسمه ليكون غير الطيب الصالح
فى جلسة جمعتنى والفقيد الطيب ووالدكم الاستاذ محمد الخليفة طه الريفى .. بصحيفة الايام عام 1981 اصر والدكم على الطيب ان يعيد له قراءة ابيات من شعر اهلنا فى الشمال كتبها الطيب وكان يستشهد بها دائما ... كانت جلسة عامر بالضحك والقصص المتنوعة لاهلنا لن انساها .. وهذا مكانه فى زمان اخر وسوف اعود اليه ...
هذا ما اوردته الاتحاد الاماراتية
في موسم هجرة أبدي وفاة الروائي السوداني الطيب صالح
وفاة الروائي السوداني الطيب صالح -
: الخميس 19 فبراير 2009
لندن - وكالات
توفي أمس الروائي السوداني الطيب صالح عن ثمانين عاماً في أحد مستشفيات لندن حيث كان يقيم· وبرحيل ''عبقري الرواية العربية'' كما وصفه الناقد الراحل رجاء النقاش فقدت الساحة الأدبية كاتبا بارزا سطر اسمه في سجل الإبداع بروايته الشهيرة (موسم الهجرة إلى الشمال)·
وظلت روايته (موسم الهجرة إلى الشمال) التي أكسبته شهرة عالمية على مدى أكثر من 40 عاماً المقياس الذي توزن به قيمة أعمال أخرى تالية تناول فيها روائيون عرب الصدام بين الشرق والغرب· ففي كثير من الروايات العربية التي عالجت الأزمة الحضارية بين الشرق والغرب كان مصطفى سعيد بطل (موسم الهجرة إلى الشمال) يطل برأسه متحدياً أبطال هذه الأعمال كما سبق أن تحدى البريطانيين الذين كانوا يحتلون بلاده وأعلن في لندن أنه جاء لغزوهم بفحولته الجنسية·
وظل اسم صالح يعني (موسم الهجرة إلى الشمال) وحدها على الرغم من أعماله السابقة والتالية لها بل طغى الجانب السياسي في روايته الشهيرة على المستوى الجمالي أحيانا، ووصفتها الأكاديمية العربية ومقرها دمشق عام 2001 بأنها أهم رواية عربية في القرن العشرين· ورغم الاحتفاء بروايته عربيا وعالميا، منع تداولها في بلاده في تسعينات القرن الماضي بعد أكثر من ثلاثين عاماً على صدورها· ويعد الطيب من أكبر الأدباء العرب في القرن العشرين وأشهرهم إثر ترجمة روايته الشهيرة الى 56 لغة واختيارها في 2002 من بين أهم مائة رواية في تاريخ الأدب العالمي·
ولد صالح في شمالي السودان عام 1929 ودرس العلوم في جامعة الخرطوم ثم سافر إلى لندن ودرس الشؤون الدولية وعمل في الخدمة العربية لهيئة الإذاعة البريطانية (بي· بي·سي) كما عمل بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) في باريس وعمل ممثلا للمنظمة نفسها في منطقة الخليج· وحظي صالح بتقدير النقاد من كافة التيارات السياسية وصدرت عنه كتب نقدية منها (الطيب صالح عبقري الرواية العربية) بأقلام عدد من النقاد عام ·1976 وفاز بجائزة ملتقى القاهرة الثالث للإبداع الروائي عام 2005 · وفي نهاية الشهر الماضي أرسلت مؤسسات ومراكز ثقافية في الخرطوم منها اتحاد الكتاب السودانيين رسالة إلى الأكاديمية السويدية ترشح فيها صالح لنيل جائزة نوبل في الآداب· ودائما ما يقارن نقاد عرب بين صالح والأديب المصري الراحل يحيى حقي من جهة وبين معظم الكتاب من جهة ثانية إذ امتلك حقي وصالح شجاعة التوقف عن الكتابة الإبداعية مثل أي لاعب بارز يستشعر أنه لن يقدم أفضل مما سبق أن قدمه فيــؤثر الاعــتزال·
وقال الروائي عزت القمحاوي مدير تحرير صحيفة ''أخبار الأدب'' المصرية لوكالة (رويترز) ''إن أبرز ما يميز صالح أن عنده حساسية كاتب فعندما وجد أنه ينبغي عليه أن يتوقف (عن كتابة الإبداع) توقف بالفعل·
إغلاق جريدة الاتحاد الخميس 24 صفر 1430هـ - 19 فبراير 2009م www.alittihad.ae[/B]
عندما طلعت شمس الطيب صالح في كامل شروقها بصدور روايته البديعة «موسم الهجرة الى الشمال» كتب الناقد المصرى «رجاء النقاش» مقالة نقدية قوية حول هذا الروائى الجديد، والذى لم تستطع مظلة نجيب محفوظ ان تحجبه. وكان نجيب محفوظ وقتذاك يتمتع بسلطة أدبية لا تدانيها سلطة. فهو مؤسس الرواية العربية الحديثة بالمعنى التقني النقدي. إلا ان الطيب صالح استطاع في ظل هذه المظلة ان يضع رواية عربية جديدة مؤسساً فترة كاملة للرواية العربية الجديدة. وبسبب هذا الاختراق الابداعي للفضاء الروائي العربي ظهر على ذات درب الطيب صالح روائيون عرب جدد، سعوا ذات المسعى في التجديد الروائى الذى ارتاد آفاقه الطيب صالح، فظهر أمين معلوف في لبنان، وابراهيم الكوني في ليبيا وجبرا ابراهيم جبرا في العراق وآسيا جيار في الجزائر. وهكذا! أهمية الطيب صالح تأتي بسبب انه استطاع ان يمسك بالأزمة الثقافية الحقيقية التى تمثلت في الاستلاب الثقافي الغربي (الاستعمار الثقافي) ابان السيطرة الكولونيالية وقتذاك. فكانت رواية «موسم الهجرة» هي تلخيص شديد التركيز والشفافية والتأريخانية لما يعانى منه العالم الثالث كله. وفي حوار للطيب صالح قال فيه ان هذه الرواية قد كتبت على قرار رواية (قلب الظلام) لجوزيف كوزاد.. فبطل هذه الرواية يذهب مهاجراً الى الكنغو وبطل موسم الهجرة يهاجر من افريقيا الى بريطانيا. وكلاهما يحمل معه ثقافته كسلاح للغزو. واختلاف موقف الطيب صالح عن الكتاب الأفارقة الذين يتحدثون الفرنسية «كنغور» مثلاً انهم يصورون افريقيا بعيون الثقافة الغربية. أما الطيب صالح كما وصفه الناقد الادبي لصحيفة «البرافدا» الموسكوفية بأن روايته «موسم الهجرة» مرصودة بعيون افريقية حينما كانت تصف افريقيا. ويقول الدكتور عبدالله علي ابراهيم ان الاهتمام الاكاديمي الذى وجدته أعمال الطيب صالح الأدبية جاء بسبب انه رصد مشكلات وحالات قومية افريقية كانت ترزح تحت سيطرة الاستعمار الاوربي. كان أدب الطيب صالح يصدر عن المقابلات بين الثنائيات.. التقدم بازاء التقليدى. كما صورت هذا اقصوصته «دومة ود حامد».. وفي آخر قصصه القصيرة التى كتبها أخيراً ونشرت بـ «الاهرام»القاهرية والتى تحمل عنوان «يوم في شاطيء ام باب» كان يرصد الحضارة العربية بين الروحانية والمادية. دونما ان يصعد هذا الصراع. وفي احد حواراته التى أجرتها معه «الرأي العام» الكويتية «أيام مايو» حينما كان صديقه الراحل فتح الرحمن البشير يقود المصالحة بين «نميرى» و«الصادق المهدى».. قال الطيب صالح.. انه لا يميل الى تصعيد الصراع الدرامي في أعماله.. بل هو «يصالح بين المتناقضات». أدب الطيب صالح يصدر عن وجهة نظر تمثل موقفاً مبدئياً.. فالرجل لا يميل للعنف، فالعنف يولد العنف.. وهو مع السلام دائماً.. رغم ان بعض نقاده يرون ان عروبته منعته من النظر المتعاطف مع القضايا ذات الجذور الثقافية غير العربية.. وهذا موقف نقدى غير عادل وشديد التطرف لأن الرجل يصدر في ابداعه عن الخبرات الكبيرة التى خبرها.. وهو لا يتحدث البتة عن امور لا يعرفها.. لهذا كله فالطيب صالح هو ضمير امته ووجدانها الصافي.. وقد نقل ثقافتنا القومية الى الفضاء الكوني لانه قبض على ذاك البعد الذى يجعل من الأدب المحلي أدباً عالمياً.. اللهم أرحم كاتبنا السوداني الافريقى العربى العالمي أوسع الرحمة وأدخله الجنة مع الأبرار والصديقين..
.. نعم؛ هي المحبة ولا شيء سواها، كانت شغل الطيب صالح في كل ما قام به وأبدعه.. هي المفتاح الذي بيدك الآن للدخول إلى عالمه في مفرق رحيله الحزين فجر أمس الأربعاء 23 صفر 1430هـ الموافق 18 فبراير 2009م.. انظر لشخوص رواياته جميعها تلحظ شغفه العريض بإعلاء هذه القيمة بوضوح؛ عند «الزين» و»الحنين» و»الطاهر ودالروّاس» و»نعمة» و»الشيخ نصرالله ود حبيب» و»بلال» وغيرهم ممن تعمّقت هالة «المحبة» حولهم في مرآة نقائضهم من الشخصيات التي بدأت على شيء من «الكُره»؛ ولكنها تستبطن شيئًا من محبّة تخرج واضحة في الصّهد ومحرقة الأحداث، وقوامها منظور عند «سيف الدين» في «عرس الزين»، و»مصطفى سعيد» في «موسم الهجرة إلى الشمال».. المحبّة يا «صالح».. زرعتها في لسان «الطاهر ود الرواس» طيّ روايتك «مريود»؛ فحدّث بها صاحبه «محيميد» في بساط الإلفة: «الإنسان يا محيميد.. الحياة يا محيميد ما فيها غير حاجتين إتنين.. الصّداقة والمحبة. ما تقول لي لا حسب ولا نسب ولا جاه ولا مال... ابن آدم إذا كان ترك الدنيا وعنده ثقة إنسان واحد يكون كسبان... وأنا المولى عز وجل أكرمني بالحيل، أنعم على بدل النعمة نعمتين.. أداني صداقة محجوب وحب فاطمة بت جبر الدار..» المحبّة يا «طيب» حملتك لتنزع عن النقد «الشوك» لتصيح في الجميع «أعظم النقد ما صدر عن محبة».. المحبة.. رافقتك وأنت تعبر الجسر الفاصل بين (رحم الأم) وتراب قريتك «كَرْمَكوْل» بالقرب من قرية (دبة الفقرا) في إقليم مروي شمالي السودان.. هناك كان الميلاد في محاضن أهلك «الركابية» في العام (1348) من الهجرة النبوية اتفاقًا مع العام 1929 من الميلاد.. ألم تصادف «ود حد الزين» في تلك الديار..! ما أبعد المسافة بين «الميلاد» و»الرحيل».. هناك في عاصمة الضباب أسلمت الروح يا صالح يا طيب.. كيف احتملت «المحبة» ذلك في كل هذا «الصقيع»..؟ بين ذاك «الميلاد» في وضوح الاستواء المشمس و»الرحيل» في عتمة الضباب اللندني سأطالع سيرتك كما يطالعها المكلوم الحزين.. هل محبتك لـ «المتنبي» نابعة من «إصابتكما» معًا بداء الرحيل.. لم تنعم «كرمكول» بك إلا كما تنعم السّماء ببرقٍ مغامر.. غادرتها إلى الخرطوم شاباً بعد أن أودعتها «عبث» طفولتك، وحلم «صباك».. وعمّقت هي فيك كل «الشخوص» الذين برزوا في محيا أوراقك لاحقاً.. جئت إلى الخرطوم شاباً يطمح في إكمال الدراسة فكان لك ما أردت حصلت من جامعتها على درجة البكالوريوس في العلوم.. نعم العلوم وليس الأدب.. ثم ناداك الرحيل إلى حيث «الضباب».. إلى إنجلترا؛ هناك واصلت الدراسة مشيحاً بوجهك عن «العلوم» لصالح دراسة الشؤون الدولية.. ألهذا يربطون بينك وبين «مصطفى سعيد» في «الموسم»..؟ ما فتئت ترد «التهمة» بالإشارة إلى أن «مصطفى» كان كله «عقل»، أما أنت فكلك «محبة»، تقاربها بـ»السذاجة» التي يتألّق بها «الزين» في «عرسه».. في لندن.. لم تستقر على حال في البدء، مهنة تنقلك إلى أخرى مع قليل الخبرة فيها أو كثيرها، قدرك كان محتوماً بالتدبير في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية، هناك طاب لك المكوث ردحاً غير قليل من الزمن.. حيث «منسي» و»أيوب» وغيرهم من الأحباب.. تسنّمت ترقّياً وتدرجاً منصب مدير قسم الدراما.. فلم استقلت وقد بلغت كل هذا المجد يا صالح من الـ (بي بي سي)؟ لتعود إلى السودان..؟ هل ناداك أثير الإذاعة السودانية..؟ نعم هو ذاك.. لكن وشيكاً ستغادر.. سيربط «النميري» بينك وبين من حاول الخروج عليه وقتذاك «حسن حسين».. وستهاجر إلى قطر في وزارة إعلامها وكيلاً ومشرفاً على أجهزتها.. كيف قلت عن قطر؟ بلدك الثاني؟ ما زال حمدك لها وفاء مسطورا.. لكن لم غادرت لتعمل مديراً إقليمياً بمنظمة اليونيسكو في باريس؟.. هو داء «الرحيل» الذي ربطك بـ»معشوقك» المتنبي.. ثم كان التقاعد.. متى تزوّجت يا صالح من ابنة «الضباب»..؟ ما «أحزن» صوتك و»أفرحه» وأنت تقول ذات يوم في محفل تكريمك من قبل سودانيي «الرياض»: (تزوجت هناك بعيداً عن أهلي بلا «حريرة» أو «ضريرة»).. ثم تبدو فرحاً يا «أبا زينب» بـ»زهراتك الثلاث» وهن يمضين قدماً في مسالك العلو.. بلا رفقة لوهج والدهن، وتتبع لظلاله.. هكذا مضيت، وفي الخاطر معمل فوّار بكيمياء الإبداع والمحبة تخّلق قصصاً وروايات بدءاً بـ (موسم الهجرة إلى الشمال) في العام 1966م، ثم (عرس الزين) و(دومة ود حامد)، و(ضو البيت) و(مريود).. «الموسم» نال الحظوة من الشهرة، تلقفته ثلاثون لغة عالمية بالترجمة، لكن أحداً لم يجرؤ على التعامل معه درامياً بخلاف ما حصل مع «العرس» فهناك في ليبيا حولوه إلى دراما وفي الكويت أنتجه المخرج الكويتي خالد صديق في فيلم سينمائي في أواخر السبعينيات حيث فاز في مهرجان (كان).. عابوا عليك يا الطيب قلة الإنتاج.. فمنذ عهد ليس بالقصير كنت مكتفياً بما تبثّه في «المجلة» وأنت تنظر من نافذة «أفق بعيد» إلى عوالم شتى في الأدب والتاريخ والسياسة.. ما أقل اهتمامك بالسياسة، وعلى قلة ذلك لم تسلم من «طعان» و»مناوشة».. أزعجت القادمين في 30 يونيو 1989م بعبارتك السيّارة «من أين أتى هؤلاء؟».. وعدت عنها لاحقاً من «كثرة التهاوش» في خلائق «المحبة».. السودان.. أعطاك «موطناً» للميلاد و»حرّم» عليك الظهور «رواية» من بعد «الإنقاذ».. فما أحيف المقياس في موازين رد الديون.. هل تجد عزاء فيما قاله الدكتور هانز بيتر كُونش،Hans Peter Kunisch) .(Dr وهو يصف ما جرى: (قبل عامين مُنعت في السودان رواية (موسم الهجرة إلى الشمال)، أول رواية للكاتب الطيب صالح المولود عام 1929 والذي يعيش منذ سنوات في إنجلترا، وذلك لأنه كان قد أشار في صحيفة (الحياة اللندنية) إلى الوضع الاجتماعي والسياسي المحزن في وطنه، علماً بأن الاحتجاج الرسمي تمثّل في تصنيف الرواية كأدب «بورنوغرافي» ومخالفتها لأصول الإسلام. لقد جاء المنع بلا شك متأخّرًا بعض الشيء، فالرواية قد توطدت - من قبل - بين أوساط المثقفين «ككتاب مقدس» أوان نشرها لأول مرة في منتصف الستينيات وهي الآن في مصاف (الأدب العالمي)». لم يبعد هانز عن الحقيقة كثيراً فأخيراً سيمنحونك لقب «عبقري الأدب العربي»، وفي العام 2001 سيعترفون بها على أنها «الرواية العربية الأفضل في القرن العشرين» هناك؛ على يد الأكاديميا العربية في دمشق.. لكنهم لم يقرأوا «ضو البيت» و«مريود» بعد.. ربما تبدو «كثافة» العامية حائلاً دون ذلك.. أرى قمتك فيهما.. ولا أنقص «الموسم» حق الجمال.. ولن أنزع عن «الزين» فرحة «عرسه» ولن أكف عن طلوع «النخلة على الجدول»، وقريباً سأمضي لأفك طلاسم «دومة ود حامد» لأعرف هل ما زال «الموروث» يقيّد حركة «الحاضر» ويعطّل «ماكينة» الإنتاج «تقديسًا» لما هو قائم..؟ ثم إنك أيها الصالح الطيب وعلى غير سابق توقيت جئت بمؤلفات تسعة في دفعة واحدة.. أكان ذلك رداً على من أتهموك بـ»النضوب».. حملت «التسعة» أبوابًا متفرقة، جاء «منسي» في صدارتها.. سيرة صديق، أم رواية لشخص.. لا تجد ثمة فاصل بين هذا وذاك.. وإن دققت النظر سترى غشاء رقيقًا لا يمنع عنك المضي من نافذة الرواية إن وعيت خصائصها، ولا يحجب عن السيرة الذاتية إن لامست صدقها.. ثم «المضيئون كالنجوم»، و»للمدن تفرّد وحديث»، و»في صحبة المتنبي»، و»في رحاب الجنادرية»، و«وطني السودان»، و»ذكريات المواسم»، و»خواطر وترحال» وفيها ستعرف أي نظر متجاوز للأمور كان يحمله الطيب صالح.. وأية سخرية «يستبطنها» من «نظريات» النقد الحديثة «في صحبة المتنبي».. وكيف يقرأ واقع بلده في «وطني السودان».. ستتعرف إلى أصدقائه البشر والكتب في «ذكريات المواسم» وستحل ضيفاً كريماً معه «في رحاب الجنادرية».. لم تكن حفياً يا صالح بكل الضوء الذي طوقوك به.. متنازل عن ذلك بسمت صوفي عذب.. حتى أثرت في ذلك غضب صاحبك «منصور خالد» فراح يصيح في الشرق الأوسط «الزين يغيب عن عرسه».. هناك ستعرف معنى آخر لروح هذا الأديب الكبير.. مضى متنازلاً عن كل شيء سوى المحبة.. هل كنتم تنتظرون كل هذه المدة يا أحبابنا في اتحاد الكُتّاب لترشحوه لجائزة نوبل..؟ ما أنبل القصد.. لولا أنكم متأخّرون..!! فصالحنا الطيب مضى.. رحمة الله عليك يا سيدي.
------------------------------------------
التاريخ: الخميس 19 فبراير 2009م، 24 صفر 1430هـ
لا أغار من مصطفى سعيد لكني أشبه الزين «الرأي العام» تعيد نشر آخر حوار مع الطيب صالح
حوار: أحمد يونس
عاد الطيب صالح ليس كما عاد مصطفى سعيد ، على الرغم مما بين العودتين من وشائج قربي ، فالطيب عاد بعد أن قضى آماداً في البلاد التي قال عنها تموت من البرد حيتانها ، وقد سبقه في العود مصطفى سعيد من ذات البلاد لكنها عودة بلا خروج، ومع أن الطيب صالح من لحم ودم ، ومصطفى سعيد محض خيال ، إلاّ أن من يجلس إلى صالح يلمس ذات الخيال ، ويلمس أن الحديث إليه رواية حية ، وسماعه يعيد إلى ذاكرة مستمعه ذات الأجواء الأسطورية التي صنعها خياله المحض ، كدت أتوه بين الراوي والرواية. قال إن مشروع سد مروي أعظم مشروع سوداني ، وأن مضيفيه كانوا خيرين ، وأنه مسافر بين حالين ، وأن ضو البيت ومريود أفضل في نظره من موسم الهجرة إلى الشمال ، وأنه يستغرب لماذا لم يفطن أحد للشبه بينه وبطله « الزين « في عرس الزين ، كان حوار (الرأي العام) إليه في غرفته بفندق القصر محطة وسطي بين الواقع والخيال ، وبين البطل والمؤلف ، لقد غاب الطيب صالح طويلاً لكنه عاد ليشرب مجدداً من ماء النيل ، وليسير في ذات الدروب الغبراء ذات الحر اللافح ، ولأنه ابن بار فقد غفر له التراب الغياب الطويل . ........................................................................................................................................................................ * كيف تسير الأشياء ، أو كيف تراها بين بلد ( تموت من البرد حيتانها) وأخرى تعيش في الصيف القائظ ، والغبار الكثيف عصافيرها ؟ ـ أنا مسافر بين الحالتين ، وأسمي حالتي هذه بالكلمة الإنجليزية « « commuteس ، والكميوت هو من يشتغل في المدينة ويسكن في الضواحي ، ويسافر كل يوم من الضاحية إلى المدينة بالقطارات والسيارات في المدن الأوروبية . كنت طوال الوقت أسافر بين هذه الأحوال ، هي أحوال صعبة ومنهكة نفسياً بالطبع ، لكنها منعشة ، ولها ردود فعلها ، كنت أسعد جداً عندما « أقوم « بالطائرة من لندن إلى الخرطوم ، وخلال أربع وعشرين ساعة أكون قد « تحولت « من لندن إلى « كرمكول «ـ في وقت ما كانت الطائرة منتظمة بين الخرطوم ومنطقتنا في الشمال ـ هذا الانتقال السريع يدخلني في حالة مختلفة تماماً ، أسعد بها أكثر من حياتي في لندن ، مع إنها كانت حياة محتملة! * بعين الروائي كيف تنظر للوطن بعد مرور عشرين عاماً ( تقريباً ) على آخر زياراتك له ، وهل شهدت متغيرات كثيرة توقفت عندها ؟ ـ آخر مرة كنت فيها في الوطن على وجه التحديد كانت في أغسطس 1988م، كنت في تلك الأيام أعمل في مكتب منظمة اليونسكو في الخليج ، كنت أعود للوطن كثيراً ، لأن والدتي رحمها الله كانت « عايشة « ، وكان والدي قد توفي في السبعينات . في تلك السنة جئت مرتين ، في الأخيرة منهما كانت الوالدة قد توفيت إلى رحمة الله ، كان هذا آخر عهدي بهذا الوطن ، في مطار الخرطوم ـ وقفت فيه الساعة ، ولم تتحرك ـ وتوقف الساعة هذا صحيح إلى حد ما ! كتبت ثلاث مقالات ـ لعلك قرأتها ـ وصفت فيها الحالة المتداعية والانهيار « الحاصل « في البلد ، كانت خليط من السخط والحزن والحب . بعدها لم أرجع ، وهذه مشيئة الله . * لكنك لم تصف لي الحال بعد عودتك الحالية ، كيف وجدت البلاد؟ ـ « دي حكاية معقدة « ، ما زلت أحاول معرفة طبيعة إحساسي بالضبط ، انطباعاتي للوهلة الأولى « ما في شيء تغير « ، في الخرطوم مثلاً « هنالك كباري جديدة ، طرق جديدة ، أشياء سيئة ، وأخرى حسنة « ، والناس كما يبدو لي هم كما عرفتهم نفس الوجوه ، نفس الطريقة ، نفس السماحة السودانية ، لكني أعلم بأن وراء هذا « لا بد » هناك أشياء أخرى « حصلت « إلى الآن لم أسبر غورها . * هل استطعت الإفلات من جو الوفد الرسمي لترى الأشياء كما تريد ؟ ـ أولاً هذا ليس وفداً رسمياً بمعني الكلمة ، فنحن مجموعة من الناس جئنا من لندن من أجل « أخونا « الشيخ إبراهيم الطيب ، وهو رجل خير ، أنا أعرفه من أيام « رفاعة « ، لم نأت معه لأنه رجل ثري ، فهو من أهلنا الشايقية الذين نزحوا إلى رفاعة ، وأعرف والده الشيخ الطيب الريح ، أيام عملي في رفاعة كنت قريباُ ولصيقاً جداً بهم ، كما أنهم أصهار صديقي العزيز فتح الرحمن البشير ، لم آت مع إبراهيم الطيب لأنه مليونير فأنا « والله لا أعرف عندو ملايين ولا ما عندو « ، لكنه رجل فاضل ومحب للسودان ، أقام مؤتمرين كبيرين في لندن لجمع ولم شمل الناس هناك . اختار « أخونا » إبراهيم مجموعة فيها الفنان الكبير إبراهيم الصلحي ، والدكتور كمال أبوسن ، وهو من منطقتنا ـ أرقي شرق النيل ـ وهو رجل عظيم ظل طوال فترة وجوده يجري باستمرار عمليات ويعالج المرضي ، واختار الدكتور أحمد الشاهي وهو من أصل عراقي ويعمل أستاذاً في جامعة « أوكسفورد « ، ومتخصص في قبيلة الشايقية . وصديقنا الصحفي الكبير محمد الحسن أحمد ، ومحمد الحسن في نظري من أحسن المحللين في العالم العربي كله ، لو أنه كان مصرياً أو لبنانياً « لطبّل له الناس كثيراً « ، هذا فضلاً عن أنه محب للسودان و « يلم « بيته السودانيين ، ويكون ملتقيً لهم ، هو وصديقنا حسن تاج السر عندما يكون موجوداً هناك . نحن مجموعة من الناس ولسنا وفداً رسمياً . وأقولها بصراحة : « لحسن الحظ أخوانّا هنا ما معاملننا معاملة رسمية ، ما في محاولة للاستقطاب ، و لا كسب التأييد ، ولا أي شيء ، مخلننا على راحتنا » . لقد ظل يرافقنا باستمرار الرجل الفاضل وزير الثقافة الأستاذ عبد الباسط عبد الماجد ، وللحقيقة فهو رجل خيّر وبسيط ومتواضع ، كنت أشفق علىه وأقول له : « أنت راجل عندك أعباء أمشي أهلك ولا تتعب معنا « ، وهنالك خالد فتح الرحمن وهو شاب ممتاز جاء معنا من لندن ، وهو يعمل ملحقاً ثقافياً في السفارة هناك كما أظن . تحركاتنا كانت بسيطة وعادية لم نحس فيها بأننا موجهون أية جهة ، « وبعدين مهما كان فنحن ناس بلغنا من التجارب والسن بقينا مش قابلين للتوجيه إلاّ من تلقاء أنفسنا على أية حال» . * ولو على مستوى ازدحام البرنامج؟.. ـ يعني شنو ؟! * يعني أن يصمم البرنامج لترون ما يراد لكم رؤيته .. ـ حتى الآن لم يأخذونا لأشياء رسمية ليقال لنا : « شوفوا نحن بنعمل ايه « ، لكننا زرنا « سد مروي » ، أنا حمدت الله أنهم «ودونا مروي » لأنها البيئة التي أنتمي إلىها بحق ، صحيح أنا أنتمي لكل السودان ، لكن هذه هي البيئة التي تغلغلت في عظامي وفي أعصابي وفي وجداني ، عندما حلقت الطائرة « فوق مروي وشفت النيل والمزارع والنخيل حدث لي شيء عظيم » . للحقيقة أقول إن السد عمل عظيم بغض النظر عن من أنشأه ، هنالك مشكلة سودانية « الناس إما أن يقبلوا الشيء كله أو يرفضوه كله « ، صحيح هنالك نظم سيئة مرت ، وأنا دائماً ضد الاستبداد ، واعتبر الشمولية والحكومات العسكرية حكومات مستبدة ، لأن الناس لا يشاركون في الحكم حقيقة ، « لكن ربنا سخر لنا هذه النظم السيئة لعمل أشياء حسنة ، نميري كان نظامه سيئاً وعمل « بلاوي « لكنه عمل « شوية حاجات كويسة « نحمد الله علىها ، ولانحمده هو . و» ديل ربنا وجههم أيضاً ـ خصوصاً هذه الأيام ـ لأعمال بناءة». في تقديري المتواضع هذا العمل ـ يقصد السد ـ عندما يكتمل سيكون من أهم ما أنجز في السودان ، ويمكن أن يعادل في أهميته قناة « جونقلي « لو تم إنشاؤها ، وسيغير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في منطقة شمال السودان. * بين موسم هجرتك الأولى إلى الشمال ، وموسم عودتك الحالية ) لدومة ود حامد) ، بهذا المعني الرمزي أين الروائي الطيب صالح بين كل هذه المواسم ؟ ـ الروائي إنسان ولا توجد « حاجة متحركة كدة يقال لها دا روائي ، ودا شاعر ، ودا رسام « نحن نحمل في جوفنا أشياء كثيرة ، دائماً أقول حين أسأل إن الرواية نشاط بين عدة نشاطات إنسانية يقدر الإنسان على ممارستها معاً ، أنا لا أكتب الرواية فقط ، أكتب في أشياء كثيرة ، في النقد ، في البحث وغيرها ، ولم أتوقف عن الكتابة . على الرغم من وجود الروائي داخلي لكني في مرات عديدة أنظر للأشياء بعين الإنسان العادي ، وأسعد حين تتعطل عندي الحاسة الناقدة والمتفحصة للأشياء ، فآخذ الأشياء كما أراها أو كما هي . * بعض النقاد يرون أن منحك جائزة الرواية العربية ، لم يكن تكريماً لك ، بل يرون أن الجائزة تكرمت بك ، وأظن أن القول للأستاذ عيسي الحلو .. ـ أنتهز الفرصة لأثني على عيسي الحلو ، الذي أذكر أنه أجرى معي مقابلة قبل عشرين عاماً تقريباً ، لمس فيها أشياءً مهمة ، فقد جعلني أركز في المقابلة على « فكرة التعدد « ، التي منذ أن بدأت الكتابة وأنا أدعو لها ، أدعو لعالم متعدد ، وعلى تعدده واختلاف مناخاته الثقافية والعرقية لكنه عالم متعايش ، عيسي الحلو ركز في مقابلته على « حكاية التعدد» وأظن أن المقابلة كانت للرأي العام ـ أجريت المقابلة لجريدة الأيام السودانية ـ « كتّر خيره أن قال الجائزة تكرمت بي » . بهذه المناسبة أقول أن أول بلد عربي كرمني كان المغرب ، كرمني مرتين في « أصيلة « كرمني كشخص وأقام لي احتفالية ، وكرمني ثانية حين منحوني « جائزة « محمد زفزاف للرواية « ، وكنت أول من يعطي هذه الجائزة ، وأنا متصل بأصيلة في المغرب منذ بداية المهرجان قبل أن تصبح شهيرة ، وأنا من مؤسسيها ، الرجل الذي قاد هذا العمل الجبار وأحدث تغييراً كبيراً هو محمد بن عيسي ، وزير خارجية المغرب الحالي ، هو رجل فاضل وخلاق وتجمعني به صداقة حميمة ، هذا التكريم أسعدني جداً . أما حينما يكرم « الواحد » في مصر ، « ومهما قلنا فيها » : قلب الوطن العربي ، و« سرة » العالمين العربي والإسلامي ، عندما يكرم المرء هناك ، فهو قد كرم على نطاق عربي وإسلامي وربما عالمي . هذا التكريم أسعدني « أخوانا المصريين وجدوا في جهدي المتواضع ما يستحق هذا التكريم » . * أثيرت وجهة نظر نقدية تقول إن كتابك ( موسم الهجرة إلى الشمال ) وضع سقفاً روائياً ، وحاجزاً أنطولوجياً لم تتجاوزه الرواية السودانية بعد ، إذا قرأنا وجهة النظر هذه مع جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي ، والروايات الفائزة وغير الفائزة ، السؤال هل تشير إلى أعمال روائية تجاوزت هذا السقف إن كنت تؤيد الفكرة ؟ ـ لا أفهم مثل هذا القول « حكاية سقف روائي » ، فالكاتب شاعراً أو روائياً يبذل جهده لا ليتجاوز شيئاً ، أو ليضع سقفاً ، فهو يشتغل ليقدم ـ كما يقولون ـ منظوره ورؤيته للأشياء ، يستحسنها الناس أم لا ، يقدرونها أو لا يقدرونها ، يعطوه جائزة أم لا ، هذا شيء ثانوي تماماً ، أنا لا ألقي بالاً لمثل هذا القول ولا أحس بأني « عملت سقف ، ولا أي شيء « . وأري أن أي صاحب موهبة يبذل جهداً لإبراز موهبته سيصل حتماً ، مثل هذا القول خارج مفهوم الأدب والفكر اللذان لا يقومان على سقوف ، الشعراء القدامى لم يكتبوا أشعارهم لتجاوز أبو تمام ، أو المتنبي ، أو البحتري « كل زول بقول كلامو « ، وكما تعلم فهنالك شعراء اكتفوا ببيتين ، وأن بعضهم عرف بقصيدة واحدة ، مثل هذا الفهم « كل زول يقول كلامو « هو الذي يثري الموروث الأدبي . والكاتب يكتب بالإضافة للتعبير عن الحالة التي يراها في الوقت الذي يعيشه ، ليعيش حواراً مع الذين سبقوه وتركوا أثراً في التراث العربي الزاخر ، وربما مع آخرين من التراث الإنساني . أما قضية سقف وحاجز أنطولوجي فهي قضية خارج مفاهيم الفكر والأدب « مجرد أكليشيهات قد يقلدها الناس بدون فائدة » . * هل قرأت روايتي (أحوال المحارب القديم )، و(قبيلة من وراء خط الأفق) الفائزتين بالجائزة التي تحمل اسمك ، وما رأيك فيهما ؟ ـ نعم قرأتهما ، وهي روايات جيدة ، لكن لا يعني هذا أنه لا يوجد كتاب آخرون .. بالمناسبة أتعرف قصة هذه الجائزة ؟ * لا ... !! ـ خطر للدكتور حسن ابشر الطيب أن يجمع مالاً ليبني لي بيتاً في السودان ، فقلت له لا أريد بيتاً ، ولا أملك وقتاً ، لكنه أصر ، « ولما لم قريشات يبدو أنها قلت عن القروش البتعمل البيت » ، فسألني ماذا نفعل ، وخطر لي في الأول إرجاع الفلوس للمتبرعين ، لكنا فكرنا والأخ محمود صالح عثمان صالح ـ وهو رجل عظيم ـ وقلنا : « والله كويس نخصصها لجائزة ، وهم من اقترحوا أن تكون باسمي ، مع إني كنت أفضل لو أنها كانت باسم التجاني يوسف بشير مثلاً ، « وختينا القريشات دي عشان تبقي نواة لهذه الجائزة » . أنا الآن أفكر في جمع المزيد من المال لجعلها جائزة كبيرة ، لا لتكون باسمي المتواضع ، بل باسم أحد عظماء السودانيين ، وأظن أن التجاني يوسف بشير مناسب جداً لتسمية الجائزة باسمه « جائزة التجاني يوسف بشير « . * لكن الجائزة أخذت اسمها واستقرت آليات عملها ! ـ « معلىش » يمكن تغيير الأسماء .. * لديك مقولة نقدية تدعو فيها لما اسميته النقد القائم على المحبة ، أحدثت هذه المقولة إرباكاً للإبداع والنقد ، وعلاقتهما معاً ، لأنها تبدو كدعوة للنقد ليتحول إلى غزل في النص ، وأن يرى الناقد بعين ( المحب التي لا ترى إلا المحاسن ) ، كيف يفض هذا الاشتباك؟ ـ هذا مذهبي ، ومع أني لست بناقد لكني لست بعيداً عنه وعلى بعد البصيرة ، النقد عندنا تحول إلى وسيلة لممارسة السلطة ، وأنا أنفر جداً من المتسلطين في هذه الدنيا عموماً ، حكاماً أو أصحاب نفوذ ، أو نقاد ، الناقد أحياناً يضع نفسه فوق المبدع ، ويتحدث بنبرة متعالية ويقول : « هذا كويس ، وهذا بطال ، وهذا كلام فارغ « . أنا أعد الكتاب الذي كتبه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عن أبي الطيب المتنبي من أسوأ أنواع النقد ، وطه حسين « ما في كلام عالم كبير ، وفلتة من فلتات الزمان ، لكن لكل جواد كبوة « ، هذا كتاب سيء جداً ، أبو الطيب المتنبي من أعظم شعراء الإنسانية ، « قعد يتلكلك علىهو ، وطلعو كلام فارغ ، وشتمو ، وقال إنه لا يستاهل كل هذا الإعجاب لأنه أبغضه ، ودخل على عالمه بكراهية ». « أنت كاره الزول خليهو» ، هذا يشبه مسافر يبحث عن رفيق فيختار من لا يحبه لمرافقته ، سيزعج نفسه ويزعج من يرافقه . المحبة تفتح البصيرة في مذهبي ، وأرى أن أحسن النقد ما كتب عن محبة من قديم الزمان إلى يومنا هذا ، فأبو العلاء المعري تحيز للمتنبي وأحبه ، وأشاد ونوه به ، وفي الأدب العالمي هنالك نقاد كبار ، وأساتذة جامعات ، أحبوا كتاباً مثل « ليفس »، أحد كبار أساتذة جامعة كمبريدج الذي أحب د . هـ . لورنس وكتب عن كتابه « عشيقة ليدي شترلي » ونوه به ، وهكذا يكون النقد المفيد . وحتى الكتاب الذين ليست لديهم قيمة أدبية أمثال « إحسان عبد القدوس « و « يوسف السباعي « عند أخواننا المصريين ، عندما أقرأ كتاباتهم استمتع بها ، « إذا الواحد ما عاجبك خليهو « ، إلاّ إذا نصبوا كاتب « كان واضحاً أنه كاتب تافه ، وعملوه أعظم كتاب زمانه ، فليتصدى لهم الناس ويقولوا : لا يا أخوانا الكاتب دا ما عظيم « .في غير هذا يجب أن تتم عملية التواصل بين المبدع والجمهور بالمحبة وليس بالكراهية . * مصطفى سعيد شخصية من ابتداع خيالك ، لكنها استقلت وأقامت لها وجوداً خاصاً ، ونُسجت حولها كثير من الأحداث ، وصارت ذات لحم وعظم وروح ، ألا تحس بالغيرة منها ، ومن شهرتها إلى حد ما ؟ ـ أبداً لا أحس بالغيرة من مصطفى سعيد مطلقا ، بالمناسبة هناك بعض الناس يقصرون اهتمامهم على أن مصطفى سعيد سوداني ، بينما أنا أقابل أناساً كثراً في هذا العالم يظنون أنهم مصطفى سعيد ، مثلاً قابلت أستاذاً أردنياً درس الاقتصاد في أوكسفورد فقال لي : « في حد حكي لك قصة حياتي ، وقال بالضبط أنه مصطفى سعيد « ، وقابلت شخصاً كندي الجنسية فقال لي شعرت بأن حياة مصطفى سعيد هي حياتي ، هنالك من يتساءلون هل هو أنا ، وفي ندوة قاعة الصداقة « عملت السيدة الفاضلة زوجة أستاذنا الراحل عبد الله الطيب قضية طويلة حول أن مصطفى سعيد واحد في متعدد ، وعددت أسماء سودانيين ذهبوا إلى لندن منهم الدكتور سعد الدين فوزي ، جمال محمد أحمد ، الدكتور أحمد الطيب ، وعبد الله الطيب زوجها ، فقلت لها يا سيدتي والله لم أفكر في هؤلاء الناس ، هذا محض خيال » . لم تصبني الغيرة من مصطفى سعيد لأن بعض الصفات التي أسبغتها علىه ليست هي الصفات التي أعتز بها ، لو جازت مقارنة بيني وبين شخصية من شخصياتي ، فليقارنوني بشخصية « الزين « في رواية عرس الزين ، وأنا أعجب لماذا لم يقل واحد من الناس أن الزين هو الطيب صالح ، لأن في ّ بعض صفات الزين أكثر مما عندي من صفات مصطفى سعيد . * هل لك أن تبوح لنا في الختام بخبر عن عملك الذي تشتغل علىه بعد منسي .. ـ دع الأخبار لحين حدوثها ، لكني أملك مشروعاً روائياً لم يكتمل ، أسأل الله أن يمد لي في الأجل لأفرغ منه ، وهو مشروع « بندر شاه « الذي أعده من أهم ما صنعت على علاته ،» ضو البيت « و « مريود « في تقديري المتواضع أهم من موسم الهجرة إلى الشمال ، هناك جزء ، أو جزءان ، أو ثلاثة ، سأكون سعيداً « لو خلصت منها».
عبد اللطيف البوني aalbony@yahoo.com ويتوالى حريق المكتبات في السودان بتعبير الفيلسوف الافريقي سنغور الذي وصف به رحيل الشيوخ فالطيب صالح لم يكن مكتبة ارتحلت فحسب بل كان مكونا لمكتبات الاخرين اذ قدم مشروعا ثقافيا متكاملا يتسم برؤية فلسفية عميقة ومنظور فكري عالمي فالطيب صالح (1929- 2009م) يمكن ان نقول عليه إنه كان سعيدا وموفقا في دنياه اذ راى بنفسه اعماله تمشي على ساقين ووجد الانتشار والتقدير والمكانة العالمية التي يستحقها بينما هناك عباقرة سودانيون ابدعوا ورحلوا دون ان يجدوا المكانة التي يستحقونها (وهذة قصة اخرى) كتب الطيب صالح رواية عرس الزين وهو بالسودان ونشرها كملحق بمجلة الخرطوم الثقافية ولكن لم يحفل الناس بها كثيرا وبعد هجرته الى انجلترا كتب رواية موسم الهجرة الى الشمال فاحتفى النقاد الغربيون بها وفي العالم العربي كتب عنها الاستاذ الراحل رجاء النقاش نقدا مبصرا فانتشرت في العالم العربي انتشار النار في الهشيم فرجع الناس لرواية عرس الزين وترجمت اعمال الطيب الى كل اللغات العالمية الحية فاحتل مكانة مرموقة في سلم الرواية العالمية واصبح مفخرة سودانية غير مسبوقة عندما (غزت)سمعة الطيب صالح السودان كنا طلابا في المرحلة الوسطى وكانت سعادتنا به لاتوصف فقرأت له رواية عرس الزين ومثل غيري ادهشتني شخصية الزين التي حشد فيها الطيب صالح كل تناقضات القرية السودانية ولكنني وفي ذلك العمر المبكر لحظت انحياز الطيب صالح للاسلام الصوفي على حساب الاسلام السني وكان دليلي على ذلك احتفائه بالشيخ الحنين وعلاقة الزين به وعرضه لامام المسجد بصورة مهزوزة فصعدت منبر الجمعية الادبية وقلت هذا الكلام وماكان من مشرف الجمعية الا ان قال لي: (بطل فلسفة) فكان أن بطلتها في المرحلة الثانوية قرأنا للطيب صالح موسم الهجرة الى الشمال وكانت قراءتنا له مصحوبة بكثافة نقدية فقد قرأنا عنها قبل ان نقرأها وبالطبع اعجبتنا شخصية مصطفى سعيد و(فحولته) وانتقامه لنا من (الخواجيات) اعجبنا استخدام الطيب صالح للجنس في صراع الغرب والشرق وفيما بعد اكتشفنا ان مصطفى سعيد كان ضحية للاعتماد على العقل المحض دون كابح معنوي او اخلاقي وكانت السيدة جريزلدا عبدالله الطيب قد نشرت قبل مدة مقالا رائعا في الشرق الاوسط قالت فيه إنها كانت شاهدة عيان على مولد شخصية مصطفى سعيد في ذهن الطيب صالح وهي توليفة من خمس شخصيات سودانية وسادسهم شخصية غانية كانت لها قضايا مشهورة في المحاكم الانجليزية يومها وتكمن عبقرية الطيب صالح في المزج(المسبك) بينها، وقد رحل عن دنيانا اربعة من هؤلاء وبقى واحد اطال الله عمره (بالمناسبة لقد ذكرتهم بالاسم) وقد وجدت تعضيدا لما كتبته جريزلدا في مذكرات الاستاذ علي ابوسن في المرحلة الجامعية درستنا الدكتورة مسز بوول قصة (حفنة بلح) في مقرر الأدب الانجليزي وقد كانت رحمة الله عليها (شرقانة) بأدب الطيب صالح وتعتبره من أعظم ادباء افريقيا وهكذا يمكنني القول باننا من الجيل الذي في عنقه دين مستحق للطيب صالح فقد نشأنا وكبرنا على ادبه ومازلنا نرجع اليه لنفهم منه كل يوم فهما جديدا وقد امتعنا مؤخرا بسفر (منسي) اللهم ارحم الطيب صالح بقدرما قدم لامته والبشرية من اعمال طيبة وصالحة وبقدرما رفع ذكر السودان في المحافل العالمية وانزل شابيب رحمتك على قبره.
ورحل المريود ــــ الطيب صالح الطيب صالح..رمـــز للعبقـرية الســـودانــية
اعداد: مجذوب عيدروس
رحل الطيب صالح عن عالمنا بعد عمر حافل بجلائل الاعمال والمآثر الخالدة التي بوأته مكانا سامقا في خارطة الدولية العالمية. والطيب صالح نموذج للسوداني المثقف الذي يدرك جيدا تراث شعبه ، ويهتم بثقافته - وليس هناك ادنى شك في ان الطيب صالح قد تفوق علي ابناء جيله ممن حاولوا كتابة الرواية والقصة القصيرة، وفي اعتقادي ان ما تميز به عن اولئك قدرته الفائقة على التعرف على موروث السودان - من خلال تشربه لقصص وحكايات الشمال والوسط - والامر الثاني القدرة على استخدام تقنيات السرد ، واذا كان يصح القول ان الرواية العربية على يد نجيب محفوظ قد بلغت شأوا بعيدا في التماسك وتحقيق مواصفات الرواية، فان الطيب صالح قد بلغ بهذه الرواية مدارج الحداثة. في كتابه (الرحلة الثامنة) اشار الناقد والروائي جبرا ابراهيم جبرا الى ان الطيب صالح حقق في موسم الهجرة ما ظل الكتاب يبحثون عنه (الموضوع الكبير). ولقد كان لصحيفة الصحافة في عام 2005م من خلال ملفها الثقافي ، شرف المبادرة لترشيح الروائي الكبير الطيب صالح لنيل جائزة نوبل.. ولم يكن الروائي الكبير - كما اخبرنا عند حضوره لدار الصحيفة - متهافتا على الجائزة التي سعى اليها الكثيرون في الشرق والغرب - ولكنه بتواضعه الجم، وزهده المأثور عنه - غير محتفل بهذا الامر الذي قال انه يدخل في باب تقدير اهل السودان كله. وهو قد اشار الى شيء من ذلك في ندوة (الصحافة) في السبعينيات. في قصة حياة الاستاذ الطيب صالح دروس وعبر نقف عندها، لكي تلهم ابناء الاجيال اللاحقة، فهو قد بدأ رحلته مع التعليم متنقلا في مدارس ذلك العهد اواخر الثلاثينيات والاربعينيات، تلك المدارس التي كانت تجمع بين ابناء البيئات السودانية المختلفة منذ عهد مبكر. وعمل لمدة عام مدرسا في رفاعة، وما ادراك ما رفاعة في عز تألقها ومزاوجتها بين الحضر والبادية، مضيئة بنور العلم، ومنفتحة علي سمر البطانة وشعرها الشعبي، والذي كان الطيب صالح يستشهد به في كتاباته واحاديثه. في عام 1960م، نشرت مجلة القصة السودانية بعض قصص الطيب (نخلة على الجدول) وقام بنقدها الاستاذ حامد حمداي - الناقد الذي كان يواكب القصص المنشورة بالدراسة والنقد. وكان نقد حمداي رغم حصافته، ينطوي على شيء من القسوة، الا ان ذلك لم يفت في عضد الطيب صالح - الواثق في غير ادعاء من قدراته الفنية. وكانت قصص هذه المجموعة (دومة ود حامد) هي البدايات التي زودت الطيب صالح بحكايات سردية من عالم الغربة ، وقدم فيها رؤيا صافية لمشكلات ما بعد الاستقلال - لو كان الساسة يقرأون، وقدم رؤيا اجتماعية تستوعب الموروث والمتغيرات - فهي تتسع لوابور المشروع ولدومة ود حامد. (كانت المعارضة تبحث عن شرارة توقد بها النار) فلما حدث حادث الدومة معكم واخذوكم والقوا بكم في السجن، نشرت الصحف النبأ، وخطب رئيس الحكومة المقالة في البرلمان خطبة نارية قال فيها: (لقد بلغ من طغيان هذه الحكومة انها اصبحت تتدخل في معتقدات الناس، في اقدس الاشياء المقدسة عندهم)، ووقف الخطيب وقفة ذات اثر ثم قال وصوته يتهدج بالعاطفة (أسألوا رئيس وزرائنا الموقر عن دومة ود حامد، اسألوه كيف اباح لنفسه ان يرسل جنده واعوانه فيدنسوا ذلك المكان الطاهر المقدس)، وحمل الناس الصيحة واستجابت افئدة الناس في سائر القطر كما لم تستجب لحادث من قبل ، لعل السبب ان في كل بلد من بلدان هذا القطر علما كدومة ودحامد ، يراه الناس في احلامهم ، وبعد شهر من الضوضاء والصراخ والشعور الملتهب، اضطر خمسون من نواب الحكومة ان يسحبوا تأييدهم منها فقد انذرتهم دوائرهم اما ان يعلنوا ذلك، والا فهذه الدوائر التي انتخبتهم تنفض ايديها منهم. وهكذا سقطت الحكومة وعادت الحكومة الاولى الى الحكم وكتبت الصحيفة الاولى في القطر تقول: (ان دومة ود حامد اصبحت رمزا ليقظة الشعب). وفي رواية عرس الزين - تصبح قصة الزين - تلك الشخصية التي استطاعت ان تخترق الحواجز التقليدية ، وان توحد بين المعسكرات المختلفة في القرية، وهي رمزية فسرها بعض النقاد بانها دعوة للمصالحة بين الناس على مختلف طبقاتهم. وموسم الهجرة هي التي سمت بالطيب صالح الى ذرى المجد الرفيع، ولا اعتقد ان هناك رواية عربية، قد حظيت بمثل ما حظيت به هذه الرواية من اهتمام النقاد.. ولقد نالت شخصية مصطفى سعيد عناية اخصائيي علم النفس، وعلم الاجناس، الى جانب نقاد الادب بطبيعة الحال.. وقد اضيف اسم الطيب صالح ، ذلك القروي القادم من كرمكول عند منحنى النيل، الى سجل الخالدين من كتاب الرواية، والذين حظيت اعمالهم بتقدير الدارسين والقراء من مختلف بقاع العالم.
--------------------------------------------------------------- الخميس 19 فبراير 2009م، 24 صفر 1430هـ العدد 5620
البروفيسور الشوش : عرس الزين دعوة إلى المحبة والسلام في مجتمع يعج بالتناقضات
اعداد : وفاء طه
جمع د. محمد ابراهيم الشوش عددا من المقالات التي تم نشرها في عدد من الصحف السودانية في مؤلفه ادب وادباء ضمت بينها 4 مقالات من ادب الروائى الطيب صالح، قال عنه الشوش بدءاً : يتمتع الطيب صالح برصيد جم من الألفة والود مع القارئ المحلي والعربي والعالمي وقد شملت وقفاتي معه استجلاء الرمز في عرس الزين باعتباره دعوة الى المحبة والسلام والتسامح في مجتمع يعج بالتناقضات وتنهشه الخلافات والاحن كما حاولت ان ارسم ابعاد المأساة في موسم الهجرة الى الشمال. تحدث في المقالة الاول عن الرمز في عرس الزين فقال عنه : عرس الزين هي الرواية الاولي للطيب صالح ، ولقد شق المؤلف طريقه نحو القصة قبل ذلك بنشر عدد من القصص القصيرة ترجم بعضها الى عدد من اللغات ونشرتها امهات المجلات الاوربية في انجلترا والمانيا وايطاليا وتدور حوادث هذه القصة في قرية من قري الشمال وهي التي ظلت دائما محور اغلب قصصه الاخري والمسرح الاثير لديه، تبدأ العظمة بمظاهر الدهشة البالغة التي تستحوذ على كل فرد في القرية لدي سماعه خبر عرس الزين ويبدو ان كل الذين يحملون هذا النبأ الشاذ يدركون سلفا مبلغ تأثيره على مستمعيهم فكانوا يتخذون منه وسيلة لمآرب اخرى. بعد ان طاف الشوس بكل تلك المظاهر المدهشة في القرية عقب سماعهم الخبر قال : كل هذه العوالم المتناقضة تجتمع في عرس الزين ذلك القلب الكبير الذي احتضن القرية كلها فجاءت جميعها لتشاركه هذه الفرحة : الذي يريد ان يقوله الطيب صالح هو : بالحب وبالولاء وبالتسامح يمكننا ان نصهر ونزيل التناقضات في هذه الامة وانه لا القوة المادية التي عجزت ان تحول بين الزين وغريمه لولا الكلمة الطيبة من الحنين، ولا الضغط المادي والمعنوي «فسيف الدين مارجع عن صوابه برغم غضب القرية وكراهيتها الا عن طريق الايمان الداخلي في نفسه» يمكن ان يؤدي الى ازالة التناقض وانما عن طريق المحبة التي دفعت الزين ان يترك حفل عرسه ليبكي على قبر الحنين ذلك الصديق الذي حال موته دون المشاركة في الزواج، يمكن ان تنصهر الامة وتزول الادران والاحن والاحقاد، عرس الزين دعوة الى المحبة والسلام والتسامح في مجتمع يعج بالمتناقضات وتنهشه الخلافات والاحن. في المقالة الثانية تحدث د. الشوش عن ابعاد المأساة في موسم الهجرة الى الشمال فقال موسم الهجرة الى الشمال هو القمة الفنية التي استطاع الطيب صالح ان يبلغها بملكته القصصية الفذة وجهده المتواصل .. قمة استطاع من خلالها المؤلف ان يخترق سياج المحلية والرتابة والرومانسية الفارغة والتقليد الجاهل الذي ظل يخنق تطور القصة العربية ردحا من الزمن ظلت فيه حبيسة الركود والجمود بين جدران العالم العربي لا تتعداه الا خجلة متوارية. ويواصل الشوش: لعلني لا اكون مغاليا اذا قلت اننا نشهد بظهور هذا العمل الفني مولد حدث ادبي له خطره بل نقطة تحول جبارة في تاريخ القصة العربية سيكون لها اثرها الكبير .. الرواية تتخذ نسقا متداخلا مع احداث القصة ، لا تتبع سياقا زمنيا منتظما ومفعلا، وانما يجد القارئ نفسه في خضم الاحداث جميعها في ان واحد، وهي تطل عليه على موجات يطغى بعضها على بعض تختلط فيها الحقيقة بالوهم والواقع بالتخيل ، والسرد المباشر بالمناجاة الذاتية، والذكريات القديمة بالاحداث الجارية وقد زال كل شئ يتصل بالزمان والمكان فالقصة لا تساير التطور الزمني للاحداث او تتبعها الي نقطة محددة وانما تنبسط على رقعة عريضة واسعة وتتكشف على مستويات متعددة ومتشابكة شبيهة بلوحة فنية تحيط بها العين المجردة في لحظة واحدة ويتسرب الوعي الى القلب على آلاف الدرجات .. والمؤلف يمسك بخيوط القصة كلها في لحظة واحدة مستغلاً الى ابعد حد ممكن وفي براعة مذهلة احد تكنيك روائى، كما ارتقي عند نابو كوف اعمق كتاب القصة من المعاصرين في قصة «النار الشاحبة».. اسرار حياة مصطفى سعيد الغريبة الشاذة، واحداث القرية الوادعة الهادئة وتطور شخصية الراوي ومناجاته الذاتية، ونزوات الطبيعة في هدوئها وتغولها، وصخب الحياة في لندن، كلها تتسق في نهج فني يجل عن الوصف ويستعصي على التحليل والنقد. «موسم الهجرة الى الشمال» هي تخيل اديب ملهم للحياة وما يمكن ان تكون عليه حيث تفقد الحب والحنان. ومن خلال ندوة نظمتها اسرة دار الصحافة عن ادب الطيب صالح واعماله التي خرقت سياج المحلية لتبشر بمولد كاتب سوداني نابغ كتب الشوس قائلاً: عالمية الطيب صالح تتركز في اصالته ومحليته وارتباطه الوثيق بالتراث السوداني، فيه نكهة بلادنا وبساطة اهلها وجمال ارتباطها وحلاوة ناسها، وعن اختيار المكان وملامحه قال الطيب صالح في الندوة: في تقديري ان الاشياء المترسبة في عقلي تؤثر فيّ.. فقد نشأت في مكان معين اكسبني الكثير من التجارب.. ويؤكد الطيب صالح بعد ذلك حقيقة مهمة تغيب عن الكثيرين من النقاد.. والقراء.. وهي ان الاديب المبدع ليس آلة تصوير وتسجيل ولكنه يملك قدراً من التجارب يصونها في نفسه عملا جديدا خلاقا فيه ملامح الواقع ولكنه ليس الواقع بحال من الاحوال، ويستطرد الطيب: ولكنني اكتب عن مكان وهمي على اقل تقدير في تصوري شخصيا.. اما التفاصيل التي تأتي في القصة فالمقصود بها المزيد من الايهام، قد يظن القارئ ان عرس الزين قد حدثت بالفعل وان اشخاصها احياء وان الزين شخص حي يرزق اما بالنسبة لي فان شيئاً من ذلك لم يحدث.. والرواية عالم من تصوري، وانا المسؤول عنه، اما التفاصيل فربما يكون بعضها حقيقياً اعتمدت فيه على واقع استلهمته من ذكريات بعيدة للمكان الذي نشأت فيه ولكنني لا اقصد ان اتحدث في زمن معين او مكان معين. في هذه الندوة قارن احد المتحدثين بين الطيب صالح والكتاب الافارقة وبعد ان اجلسه على قمتهم فضله على شارلس ديكنز فسارع الطيب صالح يقول في تواضع جم «احب ان اؤكد انني افهم واقدر الحب الذي اجده في السودان بحكم انني سوداني ولكن اود ان اقول دون اي احساس بتواضع مزيف انني ابعد ما اكون عن كاتب عالمي، انا كاتب ما زال في بداية طريقه واعتقد ان ظن المتحدث بان هناك مجالاً للمقارنة بيني وبين شارلس ديكنز مع تقديري وشكري.. شيء لا اقبله... ويستطرد قائلاً انا احاول ان اعيرهم احساس شخص مثل احساس الصدام الحضاري وافكار التغيير المطروحة واحساس العلاقة بين القيم الني عهدناها والقيم التي نظن انها افضل لحياتنا، ومن الصعب ان يستشف الانسان آراء الكاتب من اقوال شخصياته.. ذلك لانه يرسم عالما لا وجود له. وفي سؤال حول هل الطيب صالح يعتبر نقطة نهاية او عقبة لا يمكن لاحد تجاوزها قال: انا شخصياً احب ان اقول بانني لست مقصدا.. واذا كان السودان يعطيني كنز خيره وحبه لانه يظن انني اعبر عن تطلعاته واشواقه فهذا شيء لا يثير الغضب فيما اعتقد.. انا لا اكتب لأصبح تياراً او مدرسة ادبية، وتدهشني كي احضر هنا في السودان مظاهر التقدير الذي يحيط بي.. ويجب ان اعترف بانه اذا كان السودان يعتبرني صوتا من الاصوات التي تعبر عن تطلعاته فارجو ان اكون خمس اصوات اخرى حاضرا ومستقبلا ارجو الا اكون نهاية لاي شيء فالناس يروحون ويجيئون وما من احد يمكن ان يبلغ به الغرور والادعاء ان يعتقد للحظة انه يمكن ان يكون نهاية لاي شيء.. نختتم بقوله في توضيح سوء فهم وقع اثر مقابلة في احدى الصحف البيروتية، قال لم ارد باختياري ان اكون كاتبا انما اريد ان اكون شيئاً معبراً يزيح عن كاهل اهلي ما يعانون من فقر وعوز وحاجة.. اني اعرف ان الكتابة شيء بعيد ولكن وقت ذلك لم يحن بعد، هنالك اسبقيات اخرى..
------------------------------------------------------------ الخميس 19 فبراير 2009م، 24 صفر 1430هـ العدد 5620
الطيب صالح: سيرة ذاتية
غيب الموت في الساعات الاولى من صباح أمس الأربعاء الروائي الكبير الطيب صالح (1929 - 2009م).. بعد رحلة في الحياة، ومسيرة ابداعية تواصلت حتى رحيله الفاجع. وبدأت هذه الرحلة عام 1929م بكرمكول ريفي الدبة بالولاية الشمالية. وتلقى تعليمه حتى مدرسة حنتوب الثانوية. والتحق بكلية الخرطوم الجامعية - كلية العلوم ولم يكمل. ? عمل معلماً لمدة عام في مدرسة رفاعة المتوسطة وترك اثراً عميقاً في نفوس تلاميذه. ? هاجر الى بريطانيا عام 1953 وعمل مذيعاً بهيئة الاذاعة البريطانية. وتدرج في وظائفها حتى اصبح رئيس قسم الدراما بالقسم العربي في لندن. ? تم انتدابه في منتصف الستينات لمدة عام 1966/65 مستشاراً للاذاعة السودانية حيث قام باجراء اصلاحات ادارية لتحديث الاذاعة وسجل السيرة النبوية - سيرة ابن هشام، وحوارات مميزة مع الشاعر الكبير ابراهيم العبادي. ? في منتصف السبعينات عمل وكيلاً للاعلام في دولة قطر لمدة 7 سنوات، وهي الفترة التي وضعت فيها الأسس للنهضة الحديثة في الاعلام والثقافة في الشقيقة دولة قطر. حيث ظهرت مجلة الدوحة القطرية، وتطورت الاذاعة والتلفزيون والصحافة القطرية. ? ظهرت مجموعته القصصية (دومة ود حامد) والتي ضمت قصصاً متميزة (نخلة على الجدول)، (حفنة تمر)، (رسالة إلى ايلين)، (مقدمات) وغيرها من القصص القصيرة. وجاءت في وقت لاحق في التسعينات قصته (يوم مبارك على شاطئ أم باب) التي نشرتها مجلة الخرطوم مع نقد لها بقلم د. الطاهر أحمد مكي. ? نشرت مجلة الخرطوم روايته «عرس الزين» التي تحولت الى فيلم سينمائي قام باخراجه الكويتي خالد الصديق. وقام ببطولته ابراهيم الصلحي - على مهدي - فائزة عمسيب وغيرهم. ? وفي بيروت صدرت روايته «موسم الهجرة الى الشمال» التي احدثت دوياً هائلاً، وأصبحت علامة فارقة في تاريخ الرواية العربية، ووضعت كاتبها في مصاف كتاب الرواية الكبار في العالم، واجتذبت الرواية ملايين القراء بمختلف لغات العالم الحية. كما اهتم بها الدارسون والنقاد وخرجت عنها مئات الكتب والبحوث والدراسات والمقالات. ? اصدر روايته بندر شاه من جزئين (ضو البيت) و(مريود). ? ثم صدرت مختارات الطيب صالح من تسعة اجزاء كان مفتتحها (منسي - انسان نادر على طريقته). ? فاز بجائزة الرواية العربية - وترأس لجنة تحكيمها في احدى الدورات.. ? صدرت كتب عديدة عنه من بينها (الطيب صالح عبقري الرواية العربية) وحوار مع الطيب صالح - طلحة جبريل - والقراءة النقدية لروايات الطيب صالح د. عبد الرحمن الخانجي وغيرها.
الخرطوم: صلاح الدين مصطفى- معتز - وجدان الطيب صالح موسم الهجرة (من) الشمال..!! برحيله يوم أمس تكون الرواية العربية قد فقدت واحداً من أبرز رموزها، وقد كتب أربع روايات فقط، الأمر الذي يشير الى أن قياس الابداع لا يتم بالكم، ويكفيه فخراً دخول رواية موسم الهجرة إلى الشمال ضمن أفضل مائة رواية عالمية، إضافة إلى ترجمة أعماله إلى كل الروايات الحية. إن رحيل الأديب العالمي الطيب صالح مناسبة كبيرة لا يمكن المرور فيها دون أن نبرز مساهماته في الأدب السوداني والعربي والعالمي الإنساني، وفي هذه المساحة على ذاكرة الإبداع المتفرِّد، خطها أدباء ونقاد ومثقفون كلٌّ ينظر إلى الراحل من زاوية مختلفة، وبهذه اللقطات نحاول إضاءة المشهد الكامل لإبداع الأديب الراحل الطيب صالح. اللبنة الأولى في مضمار الرواية العربية الحديثة الناقد الأدبي، أحمد عبدالمكرم، يقول إن الطيب صالح اسم كبير في عالم الأدب وهو صاحب نموذج عالي القيمة الجمالية في الكتابة الإبداعية، خاصة (القصة القصيرة والرواية) ويضيف مكرّم: لم يكن الطيب صالح وابداعه نموذجاً لمعيار التطور الأدبي والجمالي في السودان، بل شكل الراحل ريادة في مجال تطور الرواية العربية المعاصرة ولم تكن روايته (موسم الهجرة إلى الشمال)، لم تكن تمثّل قمة الابداع الروائي في السودان فحسب، ولكنها وضعت اللبنة الحديثة في مضمار الرواية العربية، مستبقة الحدود والانجازات الفنية التي حققها نجيب محفوظ. ويواصل عبدالمكرم: القيمة الجمالية لإبداع الراحل، تتمثل في كونه استطاع ان يخلق عالماً روائياً متكامل الأضلاع، تكمل القصص القصيرة فيه، واستطاع في هذا العالم –الحديث لمكرم- أن يبتكر مكاناً خرافياً، رمزية إلى السودان، واعني قرية ود حامد، حيث جدد عبرها عالم القرية السودانية بنقائها المعهود وجمالها وصدق إنسانها وعالمها المليء بالخرافة والسحر والتصوّف. رؤية فنية لواقع اليوم ويرى عبدالمكرم أن مناسبة رحيل هذا المبدع هي فرصة سانحة للتذكير بالقيم الجمالية المركوزة في كتاباته عن السودان وعن المجتمع السوداني، بحسبان أن مجتمعنا يعاني من الانقسام العرقي وعدم الاعتراف بالتنوع الثقافي وبالتالي فإن كل ما كتبه في عالمه الروائي والسردي هو معالجة فنية لشرور الانقسام والصراع وعدم إعلاء قيمة التسامح والحب. ويشير الناقد أحمد عبدالمكرم إلى قصة دومة ود حامد التي قال فيها إن السودان يتسع لكل شيء، للقديم والجديد، يتسع في الشمال والجنوب والشرق والغرب، وهي حكمة لو أدركها السياسيون لما شهدنا هذه الحروب الدموية، ويختم مكرم حديثه بالترحم على روح الأديب الراحل والدعوة لاستنباط القيم من كتاباته وأحاديثه الثرة. فتح عالمي للأدب السوداني الأستاذ فيصل أحمد صالح الكاتب الصحافي ومدير مركز طيبة برس، ابتدر حديثه بقوله إن رحيل الطيب صالح فقد كبير للشعب السوداني وللأدب العربي بصفة عامة، مشيراً الى الميزات العديدة التي تميّز بها، وعلى رأسها تأسيسه وتركيزه لفن الرواية في السودان. وأضاف فيصل أن نشر رواية (موسم الهجرة للشمال) أحدث هزة في الأوساط الأدبية في كافة أرجاء الوطن العربي، وظهر اسم الطيب صالح كواحد من أفذاذ الروائيين، وقد استطاع تقديم الأدب السوداني الذي كان غائباًً عن المحافل العربية والعالمية. ويقول فيصل إن أديبنا الراحل قاد دور النشر العربية (خاصة دار العودة) لنشر الروايات السودانية، وكان ذلك بمثابة فتح وسبق أدبي كبير، ويختتم حديثه بذكر ميزة مهمة في شخصية الطيب صالح وهو أنه كان سودانياً حميماً، من حيث اختياره للموضوعات إضافة للبيئة التي تدور فيها رواياته ومن حيث لغته الأدبية (المطعمة بالعامية السودانية). ويرى أن اختيار الطيب صالح كواحد من أبرز الروائيين العرب لا غرابة فيه رغم قلة أعماله لأن المقياس (هنا) باليكف لا الكم. أديب من طراز فريد د.فيصل أحمد سعد المحاضر بكلية الموسيقى والدراما قال إن الراحل أديب من طراز فريد، والدليل على ذلك أنه كان مرشحاً لجائزة نوبل، ويقول إنه استطاع أن ينقل الحياة السودانية الدقيقة للعالم الخارجي عبر رواياته مثل (عرس الزين) و(دومة ود حامد) التي أصبحت تدرس ضمن المناهج في الجامعات، ويقول فيصل إن الإذاعة السودانية قدمت له عملاً مميزاً في شهر رمضان الماضي وهو (منسي) تلك الشخصية المصرية التي عبّر عنها الطيب صالح بشكل بديع وقد أعد هذا العمل للإذاعة البروفيسور عثمان جمال الدين. الرهان على تعدد الثقافة السودانية الأستاذ علي مهدي رئيس مسرح البقعة واحد من أبرز نجوم فيلم عرس الزين المأخوذ عن رواية الطيب صالح، ومن ثم المسرحية التي طاف بها عدداً من دول العالم يقول إن رحيل الطيب صالح يمثل فاجعة للجميع، ليس على مستوى السودان فحسب، بل على مستوى كل العالم، وهو –حسب علي مهدي- الأديب المبدع الذي ظل يعرف كل العالم بالسودان (بيئة وإنساناً) عبر كتبه وحواراته، ويضيف أن البلاد لم تفقد برحيله مجرد مبدع، بل واحدا من أبرز قادة التنوير في القرن الماضي، فقد كان يراهن على تعدد وتنوع الثقافة السودانية، ويرى أن مستقبل البلاد في احترام هذا التعدد واتاحة الفرصة كاملة له. ويقول علي مهدي إن تجربة فيلم (عرس الزين) الذي تحول إلى عمل مسرحي فيما بعد، تعد من أهم التجارب في السينما السودانية حتى الآن، وقال مهدي إن الفقيد توفي فى حوالى الساعة العاشرة بتوقيت لندن بحضور زوجته وبناته وتوقع أن يحضر الجثمان (اليوم) ليدفن بمقابر البكري وقال إن العزاء يقام بمنزل شقيقه بشير بمدينة النيل بام درمان. أكبر رموز البلد الدكتور عبدالله حمدنا الله أستاذ النقد ورئيس قسم الدراسات العليا بجامعة أفريقيا العالمية يقول إن ما قدمه الطيب للسودان يجعل كل واحد يشعر بفجيعة رحيله فهو من أكبر رموز البلد، ويضيف: "بفقده فقدنا القيم الكبرى التي كان ينادي بها، ورغم أنه قضى أكثر من نصف قرن خارج السودان إلا أنه ظل سودانياً اصيلاً ملماً بأدق تفاصيل الحياة وكأنه لم يغادر أرض الوطن". ويقول إن القيمة الأكبر هي تواضعه، حيث كان شديد الشعور بأنه من غمار الناس، وبهذا فقد دخل كل بيت وقلب سوداني. عبقري الرواية العربية الشاعر والدبلوماسي سيد أحمد الحاردلو تجمعه علاقات حميمة بالطيب صالح، فقد خط له مقدمة المجموعة الكاملة من أعماله الشعرية، ويقول الحاردلو إن بداية تعرفه بالطيب صالح تعود للعام 1966م عندما تم انتدابه ليقوم ببعض الاصلاحات في اذاعة ام درمان، ثم غادر الطيب إلى لندن وهو لا يحب الشهرة، ويصف الحاردلو موقفاً أدى لتعجيل شهرة الطيب صالح وهو نشر مجلة الحوار اللبنانية لرواية موسم الهجرة للشمال، ويقول: اشتريت منها خمس نسخ وفي زيارة لي لمصر أوصل نسخة لرجاء النقاش الذي اندهش وكتب مقالاً بعنوان (الطيب صالح... عبقري الرواية العربية)، ويقول الحاردلو إن هذا المقال وضع الطيب صالح على قمة الروائيين العرب منذ عام 1968م. ويصف الحاردلو العلاقة بينهما بالوطيدة خاصة بعد نقله لسفارة السودان في لندن، حيث تمت ترجمة أعماله ويقول إن (150) ناقداً حضروا احتفالاً أقيم للراحل، وخرجت إحدى الصحف في اليوم التالي تقول إن الطيب صالح يقود حرب غوريلا ضد الحضارة الغربية، ثم ظهرت الترجمات بعد ذلك ووضعت الطيب في مكانه الصحيح، ويقول إن آخر زيارة له كانت بمناسبة حضور الطيب للعاصمة الثقافية حيث حرص على الحضور لمنزلي بأركويت ويرى الحاردلو أن رحيل الطيب صالح سوف يخلق فراغاً كبيراً في العالم العربي. مثقف موسوعي الناقد والأستاذ الجامعي البروفيسور محمد المهدي بشرى يقول إن الراحل ظل يحمل هم الوطن في كتاباته منذ بداية الخمسينيات وقد خلّد اسم السودان في المحافل الدولية وهو مثقف موسوعي شامل المعرفة وله رؤية نقدية صائبة، وكتب عن الشاعر صلاح أحمد إبراهيم في مقدمة ديوانه، وهو متعدد المواهب التي وظفها للكتابة الصحفية، وما زالت رواياته جديرة بالدراسة. ويقول البروفيسور محمد المهدي بشرى: على الرغم من ابتعاده عن الوطن وهو في سن صغيرة نسبياً، إلا أنه ظل يعيش كل آمال وآلام الوطن في غربته. أسس لفن المقالة الصحفية د.صديق عمر الصديق، مدير معهد عبدالله الطيب للغة العربية قال إن الراحل احتل مكانة مرموقة في الأدب العالمي الإنساني، حيث ترجمت رواياته إلى كل اللغات الحيّة رغم أنه لم يكتب روايات كثيرة فقد كتب (موسم الهجرة إلى الشمال، عرس الزين، ضو البيت ومريود) إضافة لمجموعة من القصص القصيرة أبرزها (نخلة على جدول) و(رسالة إلى إيلين). ويضيف د.صديق إن الراحل كتب في سنواته الاخيرة مقالات صحفية متميّزة، حيث كان يكتب الورقة الأخيرة بمجلة الدوحة القطرية وقد جمعت هذه المقالات في تسعة كتب، إضافة لكتابه (منسي) وهو شخصية صاحبته في الغربة، وغير ذلك من الكتب ويقول إن ما كتبه يمثل فناً من الكتابة الصحفية، ووصف تجربته بالثرة، مشيراً إلى أن فقده يعد فقداً للرواية العالمية، واصفاً قلمه بالخصوصية والتفرّد والمعرفة العميقة بالتراث العربي، وخلط ذلك باستخدام تقنيات كتابة الرواية الحديثة، ويقول إن الغوص في التراث وعدم الانفصال عن لغة العصر هو ما ميز تجربة الطيب صالح الإبداعية
------------------------------------------
العدد رقم: 1175 2009-02-19
في حوار لم يكتمل
حوار: نبيلة عبدالمطلب الروائي العالمي الطيب صالح: أنا أعرف السودان أكثر من الذين يعيشون فيه حينما قلت "أنا تربال" لم أرد التلاعب بالألفاظ لأنني تربال حقيقي خصائص الشخصية السودانية أدهشت العالم لأنها راسخة الحكومات السودانية أهملت الثقافة بدعوى أن هناك أولويات لم أفقد الدهشة بالسودان لأنني أنظر إليه بعين المواطن وليس الروائي أجري هذا الحوار في زيارة الأديب العالمي الطيب صالح للسودان في أبريل 2005م للمشاركة في فعاليات الخرطوم عاصمة للثقافة 2005م وجاءت الزيارة بعد عشرين عاماً من مغادرته السودان. * في ليلة من ليالي صيف العام 1929م كانت مدينة الدبة قرية كرمكول على موعد بميلاد شخصية سودانية أضافت صفحة بيضاء ناصعة في تاريخ السودان الحافل برجاله ومبدعيه في المجالات كافة.. * الروائي العالمي الأستاذ الطيب صالح حين أطلق مقولته الشهيرة "أنا تربال إبن تربال جئت من منحنى النيل" كان يعبِّر بصدق عن انتمائه لتلك البقعة التي قدمته أديباً متمكّناً.. ومبدعاً أصيلاً ليصبح من السودانيين القلائل الذين يعرفهم الناس في بقاع الدنيا.. فعلى الرغم من أنه (تربال) عاش حياة القرية في الشمال بكل تفاصيلها إلا أنه خلّد أعمالاً أدبية انتشرت بلغات عالمية..
* "نخلة على الجدول".. "دومة ود حامد".. "عرس الزين".. "موسم الهجرة إلى الشمال".. "مريود".. "ضو البيت".. وغيرها من الأعمال الأدبية كانت إضاءات مهمة في تاريخ الأدب السوداني قدّمها الطيب صالح على فترات متباعدة ومعظم هذه الأعمال لم تخرج عن نطاق الإنسان السوداني إذ عبّرت بعمق عن الشخصية في بيئات مختلفة لكنها تظل ذات الشخصية وإن إختلفت الأزمان والظروف. * بعد غياب دام عشرين عاماً جاء الروائي الطيب صالح من مهجره بلندن إلى السودان رغم طوال سنين غيابه لم تستطع البلاد الاسكندنافية أن تغيّر من (سودانيته شيئاً).. لم يخف أن إقناعه بالحضور إلى السودان كان صعباً لأسباب ذكرها صراحة.. إحتفت الخرطوم ومدن أخرى بمقدمه في صحبته رموز ثقافية وأدبية غابوا أيضاً عن البلاد سنوات.. جلسنا إليه في مقر إقامته بفندق الصداقة في حوار لم يكن طويلاً بسبب إنشغاله ببرامج كثيفة امتدت أياماً وليالٍ.. وكنا نتمنى أن تطول إقامته إلا أننا ولذات الأسباب لم نفلح للقائه ثانية.. فإلى افادته في حوارنا معه.. * غيابك عن السودان مدة العشرين عاماً.. كيف كان تأثيره علكيم خاصة أن السودان طرأ عليه الكثير من المتغيّرات على الأصعدة المختلفة..؟ - لا أعتقد أن غيابي عن السودان قد غيّرني عنه وعن أهله الطيبين ولا أرى أن السودان قد تغيّر كثيراً وأعني هنا شعبه.. في كل اللقاءات التي تمت خلال زيارتي للسودان مع الفعاليات المختلفة وجدت السودانيين كما هم كما عرفتهم وكتبت عنهم في رواياتي.. كنت أخشى أناساً مختلفين، لكن الحمد لله وجدت كل الذين التقيتهم رجالاً ونساءً.. كباراً وصغاراً يتميِّزون بدماثة أهل السودان والطباع الأصيلة التي عشقتها فيهم وعشقها كل الناس في العالم. * الروائي الطيب صالح كأنما فقد الدهشة بالسودان.. هل يعود ذلك للحياة التي عاشها في مجتمع أوربا الذي يختلف كثيراً عن المجتمعات السودانية؟ - لم أفقد الدهشة.. لكنني لا أنظر للأشياء بعين الروائي لكن بعين المواطن الذي حمل البلد في خياله وتعايش مع الصور التي يحلمها.. لم أفقد الدهشة.. ولكن هذه هي الانطباعات العفوية المباشرة التي شعرت بها، إلى الآن لم أر شيئاً غريباً أو نشاذاً ووجدت الكثير الذي يذكّرني بالسودان قبل خمسين عاماً. فالشخصية السودانية راسخة كما يعرفها العالم وليست ثابتة، ليس هناك شيء ثابت في هذه الدنيا لكن هناك خصائص للشخصية موجودة، هذا ما قصدته.. * قلت إنك تربال ابن تربال.. جئت من منحنى النيل نجد أنك عبَّرت عن ذلك في روايتك التي استطعت أن تتجاوز بها العالمية.. ماذا تقول؟ - بالحيل، هذا كلام صحيح حينما قلت أنا تربال ابن تربال لم أرد التلاعب بالألفاظ.. لأني نشأت في بيئة زراعية وشاركت أهلي في كل شيء إلى أن خرجت من السودان.. فحينما كنت طالباً بجامعة الخرطوم كنت أذهب إلى البلد في الإجازات لأشارك في الزراعة وفي كل أمور الحياة الأخرى.. كنت أشارك في زراعة التمر وحصاده.. كنت أرعى الغنم وقراع الماء في الساقية (أروتي).. والأروتي هو الولد الذي يركب على التكم، والتكم في الحلقة و(أسوق) البقرة وهي تلف في الساقية لإخراج الماء.. عملت كل شيء.. - هناك من يتهمني بأنني لا أعرف السودان.. بدون ذهول أقول أنا أعرف السودان أكثر من كثيرين يعيشون فيه.. لأنني تشبّعت في المرحلة الأولى من حياتي بالبيئة التي عشت فيها.. كنت أكتب الخطابات لأزواج وأبناء ونساء القرية المسافرين كنت أذهب بالقمح إلى "الطاحونة" فعلت كل ما يمكن أن يخطر ببال الناس.. فأنا أحمل تجارب طويلة عريضة وكل إنسان يجب أن يكون جزءاً من حياته.. فمثلاً شقيقي بشير محمد صالح وهو قاضي محكمة عليا مثلي تماماً ويفعل كل ما كنت أفعله وحينما يذهب إلى البلد يشارك في كل النشاطات.. وأعتقد أن كل أهل السودان وأقصد أهل الشمال تحديداً (انعجنوا في الحياة) لذلك نحن حملنا خصائص أدهشنا بها العالم وأقصد هنا الصفات والخصال السودانية.. * وانت تشارك في احتفالية العاصمة الثقافية كيف تقيِّم الحركة الثقافية في السودان بصورة عامة..؟ - أولاً: دعيني أذكر لك أمراً مهماً.. يعود الفضل في مجيئي إلى السودان الرجل الخيّر الدكتور إبراهيم الطيب الريح.. ولا أخفي أنني كنت متردداً في المجئ ولكن هو من أقنعني.. ومصدر ترددي أنني غبت طويلاً عن السودان ولم أكن مرحّباً بالوضع في السودان مثلي مثل آخرين هم خارجه وحمدت الله على عودتي. وكان لا بد أن أتمحص وأنظر للأشياء على الطبيعة.. – أود القول إننا أهملنا الثقافة لزمن طويل وكانت هنالك مبررات لأن الحكومات لديها دوماً أولويات.. وانشغلنا كثيراً بحرب الجنوب وقد توقّفت.. أظن الآن النية صادقة كما يبدو لي في البناء الثقافي وهذه فرصة كبيرة لدعم المؤسسات الثقافية وهذا هو المهم في نهاية الأمر.. * أهل الثقافة يقولون إن علاقتهم بأهل السياسية غير حميمة.. هل يعني هذا أن السياسة والثقافة لا تلتقيان؟ - العلاقة بين السياسة والثقافة مترابطة.. الثقافة وجودها قديم وراسخ وهي الأصل في الأشياء ولا أظن أن هناك عداوة بينهما.. * المثقف السوداني وجوده ضعيف في المحافل الثقافية الدولية والثقافة السودانية لا يتم عكسها للآخرين حتى يعرفوا السودان جيداً.. إلى ماذا تعزي ذلك..؟ - هنالك أسباب تتعلق بالسودان.. لم نبذل الجهد حتى نتصل بالآخرين لنقدم إليهم ما لدينا.. رغماً عن ذلك الكثير من السودانيين كتاب وشعراء وموسيقيين ورسامين قاموا بمساهمات كبيرة وهم معروفون لدى العالم على سبيل المثال الأستاذ إبراهيم الصلحي، وهو شخصية معروفة والدكتور راشد دياب والأستاذ عبدالله وقيع الله، السودان ليس مهملاً تماماً كما يتصوّر البعض لكنه غير معروف بالقدر الذي يستحقه بتنوعه وثقافته وتاريخه الحضاري الضارب في الجذور. * لكن هذه الاسماء التي ذكرتها هي فقط التي تشارك في المحافل الدولية، أليس هنالك مجال لاسماء جديدة خاصة أن بلادنا تعج بالكثير..؟ - لا، هنالك عناصر شبابية استطاعت أن تشق طريقها.. لعلك تعجبين الآن هناك شاب سوداني ممثل أصبح نجماً كبيراً في بريطانيا.. لكن في نهاية الأمر الأشياء تعتمد على البلد نفسها وعلى همتها وملاحقتها وطرح بضاعتها. - الأستاذ محمد الحسن أحمد من الذين بذلوا جهداً كبيراً في الخارج.. الناس هنا يلومون من في الخارج يعتقدون أنهم لا يعانون من شيء ويعيشون حياة هانئة وأن من بالداخل حياتهم مضنية.. السودانيون المنتشرون في أصقاع الدنيا يبذلون جهوداً ربما تكون أكبر من جهود مَنْ في الداخل.. وهناك اسماء سودانية لامعة في تخصصات أمثال الدكتور كمال أبوسن وهو من الاختصاصيين الكبار في نقل الكلى، إلى غيره من الاسماء المشهورة في أمريكا وألمانيا ودول العالم الأخرى.. يحملون همَّ السودان ولكن كل على طريقته. نقلاً عن مجلة الخرطوم 2005م.
الأديب الشاعر (سيد أحمد الحاردلو) وحديث عن صداقة عمرها (43) عاماً مع (الطيب صالح) رحيل الطيب صالح خسارة كبيرة للسودان لأنه شخصية قومية مؤثرة وهو شخصية كونية. عندما علمت بالخبر اتصلت بأسرته ممثلة في زوجته السيدة (جوجي) وبناته (زينب) و(سارة) و(سميرة) وأبلغتهم تعازي الشعب السوداني وطلبت من أرملته التكرم بالموافقة على دفنه في السودان لأن تلك هي رغبة الشعب السوداني ولكن زوجته قالت لي بصورة قاطعة "لا أريد أن أتحدث عن هذا الموضوع" وهو ما يعني رفضها دفنه في السودان، وهو شيء مؤسف لن رمز بقامة الطيب صالح كان يجب أن يتم دفنه في وطنه. وعن آخر اتصال هاتفي يقول (الحاردلو) كان ذلك قبل حوالي شهر، فلقد شعرت من نبرة صوته إحباطاً، فقال لي "الظاهر الواحد فينا خلاص ..." ولكنني قلت له لا تقول هذا. وكنت أنوي الاتصال به مساء أمس الأول ولكن كان الوقت متأخراً فقلت ربما أتسبب في إزعاجه وعندما أصبح الصبح كان خبر رحيله الفاجع. يقول (الحاردلو) لقد بدأت علاقتي (بالطيب) عام 1966م وذلك عندما طلبه (محمد أحمد المحجوب) من الإذاعة البريطانية للارتقاء بالعمل في إذاعة السودان، وبالفعل حضر إلى السودان فذهب إليه في الإذاعة وتعرفت عليه، ولكن (الطيب صالح) لم يجد الأجواء المناسبة فذهب (للمحجوب) واعتذر له بكل تهذيب عن تلك المهمة وغادر إلى (لندن) وفي تقديري أننا بذلك فقدنا كادراً إعلامياً كان من شأنه أن يضيف الكثير للعمل الإعلامي في السودان. عام 1967م سافرت إلى (القاهرة) مع (محمد أحمد المحجوب) لحضور مؤتمر القمة .. وكنت قبل ذلك قد ذهبت إلى إحدى المكتبات بالمحطة الوسطى فوجدت أن (مجلة الحوار اللبنانية) قد نشرت رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) فوجدت نفسي أمام عمل رائع فقلت لصاحب المكتبة اعطني (5) نسخ فجأة وجدت شخصاً يقف خلفي ويضحك، عندما التفت وجدته (الأستاذ عبد الله علي إبراهيم) ... فمنحته نسخة .. وطلبت منه أن يطلع على تلك الرواية المدهشة. وعندما وصلت إلى (القاهرة) مع (محمد أحمد المحجوب) كنت أحمل معي (مجلة الحوار) التي خبأتها في معطفي لأنها كانت محظورة في (مصر) وبينما أنا مهموم بإيجاد طريقة للوصول للوصول إلى (رجاء النقاش) تفاجأت به وهو يأتي لمقابلة (المحجوب) وعندما أراد أن ينصرف تحركت نحوه ووضعت المجلة في جيب معطفه فداعبني قائلاً (أنت حا تديني فلوس) فقلت له لقد أعطيتك شيئاً أقيم من كل أموال الدنيا فرجاء الاهتمام به. وعندما اطلع على الرواية كتب مقاله الشهير (الطيب صالح عبقري الرواية العربية). تميزت علاقتي به إذ أنه كان دائماً ما يأتي لزيارتي ومعه (الصلحي) و(عثمان وقيع الله) وأذكر أنني أقمت له حفلاً بمناسبة ترجمة (موسم الهجرة إلى الشمال) وكذلك احتفلنا به عند ترجمت (عرس الزين) وكان ذلك بمنزل السفير (جمال محمد أحمد) . الطيب صالح قدم للسودان ما لم تقدمه جميع وزارات الثقافة منذ الاستقلال، وترجمت رواياته إلى (40) لغة عالمية. فقد قدم السودان على طبق من ذهب. كان (الطيب صالح) زاهداً ومتواضعاً لدرجة أنه رفض ترشيحه (لجائزة نوبل) ولكن مجموعة من أصدقائه بقيادة الدكتور حسن أبشر الطيب أقنعوه بضرورة ذلك. والطيب صالح إنسان مهذب ودود ولم يغضب من شخص في حياته وعاش محباً لكل الناس، فهو إنسان عظيم على جميع المستويات.
(لقاء أجراه الصحفي الزبير سعيد مع الشاعر والأديب سيد أحمد الحاردلو – صحيفة الخرطوم بتاريخ 19 فبراير 2009)
أعزيك أخي الكيك وأعزي نفسي على هذا الفقد الجلل .. اللهم أنزل على قبر (الطيب) شآبيب رحمتك وأسكنه فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا إنا لله وإنا إليه راجعون
لم اتمالك دموعي و انا احاول قراءة كل ما قيل .... و هو بحق رحيل مر ...
محب جدا للاستاذ الطيب صالح .. تعرفت على روايات الاستاذ الطيب صالح عن طريق الوالد امد الله في ايامه عند ما اهداني جميع رواياته و انا في المرحلة المتوسطة .. قراءة معظم رواياته باللغتين العربية و الانجليزية ..... اكملت موسم الهجرة للمرة المائة قبل اسبوع ... و كل مرة اكتشف فيها ابداع سردي لم الحظه في المرات السابقات ... مغرم بدومة ود حامد و عرس الزين...
اتذكر اخرجنا(انا و محمد شلا و الاستاذ معمر) مسرحية مقتبسة من احدى روياته في اول دورة مدرسية في عهد الانقاذ لطلاب كسلا الثانوية نالت استحسان كل من شاهدها .... وصلت المسرحية للنهائيات في الخرطوم حتى اكتشفتها السلطة الرقابية ليتم حذفها و مسالةكل من شارك في العمل ....
علي أبو سن ومصطفى سعيد في كتاب (المجذوب.. والذكريات) (1/2)
عبد المنعم عجب الفيا
علي أبو عاقلة أبو سن، من آل أبو سن زعماء قبيلة الشكرية المعروفين. عمل مذيعاً بالقسم العربي بإذاعة لندن في أواخر الخمسينيات ثم التحق بوزارة الخارجية للعمل دبلوماسياً في الستينات حتى أعفي من منصبه في أول عهد نميري وبعدها عمل بالمصرف العربي بالخرطوم ثم بالجامعة العربية. لم يكن لي سابق معرفة بعلي أبو سن ولم أشاهده إلا مرة واحدة في إحدى الندوات بدار أساتذة جامعة الخرطوم عقب انتفاضة أبريل 1985م فقد كان من الناشطين في تلك الفترة.
أذكر عندما نزلت بأرض مصر في ربيع 1999م وجدت السودانيين يتحدثون عن كتاب "المجذوب.. والذكريات" ورسائل المجذوب إلى ديزي الامير وغادة السمان. وكان علي أبو سن قد نشر كتاب "المجذوب.. والذكريات" في جزءين سنة 1997م وقد طبع الكتاب ونشر على نفقة المؤلف ولعله لهذا السبب لم يوزع على نطاق واسع. ولكنه كتاب شيق وقيم ومثير للجدل ولا أظن أنني قرأت كتاباً لكاتب سوداني في السيرة الذاتية يضارع هذا الكتاب متعة وتشويقا وإثارة. وأظن أن هذا الكتاب سيفجر جدلا لا ينتهي. وسيظل مدار حديث الناس لأمد طويل. ولا عجب فالكاتب أديب ودبلوماسي وسياسي وإذا اجتمعت هذه الصفات الثلاث في كاتب، فما يكتبه لا يكون إلا مثاراً للمتعة والإثارة والتشويق. ولعل الأسلوب ذو النفس الروائي الذي اتبعه علي أبو سن في الكتابة يعد عنصراً مهماً من عناصر المتعة والتشويق.
أما عنصر الإثارة في الكتاب فيأتي من الصراحة التي تصل إلى حد التجريح والحديث عن الذات باعتداد وثقة غير مألوفة والكشف عن جوانب لم تكن معروفة في حياة المشاهير من رموز التاريخ والسياسة والأدب والفن مثل السيد الحسن وبابكر عوض الله والأزهري وجمال عبد الناصر وعوض الكريم أبو سن ومالك بن نبي ومنصور خالد وعمر مصطفى المكي والطيب صالح وغادة السمان وحسن الكرمي وليلي طنوس وأحمد قباني والجاغريو وأعضاء لجنة النصوص بالإذاعة السودانية الذين كان عضواً معهم هو والمجذوب من أمثال حسن نجيلة والعبادي وعبيد عبد الرحمن وغير هؤلاء.
وأظن أن هذه الجرأة وهذه الصراحة المتناهية في الحديث عن الذات والآخرين هي الثغرة التي ستنفذ منها سهام النقد والهجوم على الكاتب إذ كثيراً ما يقف القارئ وهو يطالع الكتاب ليسأل نفسه عن ما إذا كان الكاتب محقاً في الحديث بكل هذه الصراحة عن شخصية من الشخصيات ويزداد التساؤل إلحاحاً عندما يطالع رسائل المجذوب إلى روزماري تلك الفتاة الإنجليزية التي لم يرها المجذوب ومع ذلك يقع في حبها ويتبادل معها الرسائل في وجد صوفي غير عادي. وبالرغم من القيمة الأدبية لهذه الرسائل التي تكشف سعة إطلاع المجذوب على الفلسفة والأدب الغربي وتملكه لناصية اللغة الإنجليزية إلا أن شبح التساؤل حول أحقية الكاتب في نشر هذه الرسائل يظل منتصبا أما القارئ أثناء القراءة وبعد الفراغ منها.
ولعل جرأة الكاتب في نشر رسائل المجذوب إلى روزماري هي التي دفعت برجاء النقاش إلى الكشف عن رسائل المجذوب إلى الكاتبة ديزي الامير. كما شجع غادة السمان على التصريح ببعض مراسلاتها مع المجذوب.
ولعل أكثر فصول الكتاب تشويقاً وإثارة للجدل الفصل الذي يتحدّث فيه عن ذكرياته مع الطيب صالح في لندن وعلاقته بمصطفى سعيد كشخص حقيقي ربطته به علاقة صداقة وزمالة أثناء عمله كمذيع بهيئة الإذاعة البريطانية ال بي بي سي. وتارات أخرى كثيرة يتحدث عن نفسه وعن علاقاته بالمجتمع الإنجليزي ونسائه وكأنه مصطفى سعيد الذي جاء وصفه في الرواية بل إنه يشير صراحة إلى أن الطيب صالح اتخذ من علاقاته النسائية مادة لصياغة بعض ملامح سيرة مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة، يقول: ".. أصبح الطيب صالح يتصيد قصص مغامراتنا –أحمد قباني وأنا- ويطلب منا أن نحكي تفاصيلها له يومياً بطريقة مملة وكأنه يكتب مذكرات عنها"، ويواصل قائلاً "كان ينظر إلينا باعتبارنا وجهين لعملة واحدة فنشأت في ذهنه رؤية روائية لنا".. طبعاً العبارة الأخيرة (رؤية روائية) هي بيت القصيد..
وكان علي أبو سن قد التحق بالعمل مذيعاً بهيئة الإذاعة البريطانية سنة 1959 حيث التقى بالطيب صالح الذي سبقه للعمل هنالك بقسم الدراما بالإذاعة مند سنة 1953. وبعد فترة انضم إليهما المذيع السوداني اللامع في زمانه أحمد قباني وكان الشاعر والإذاعي صلاح أحمد محمد صالح قد سبقهم جميعا إلى هنالك. وقد وصف الطيب صالح علي أبو سن في إحدى خواطره التي كان يكتبها بالصفحة الأخيرة بمجلة "المجلة" بقوله: "..من أرومة باسقة في السودان. متوقد الذهن، كان يقرأ نشرة الأخبار وكأنه يتفضل بها على الإنجليز". وفي كتاب.. (على الدرب.. ملامح من سيرة ذاتية) يقول الطيب صالح عن علي أبو سن: "عمل معنا فترة في ال بي بي سي وهو أديب مرهف الحس، وراوية للشعر إلى جانب ذكاء شديد ودقة ملحوظة وهو من أوائل من اطلعوا على محاولاتي القصصية".
وفي هذا السياق يذكر علي أبو سن أن الطيب صالح قال له ذات مرة إنه كتب قصة قصيرة ويريد رأيه فيها. كان ذلك سنة 1961 وكانت القصة هي (دومة ود حامد) أعجبته القصة وطلب من الطيب صالح نشرها لكنه رفض فكرة النشر وحاول نزع الورقة من يد علي أبو سن، ولكن أبو سن رفض إعادة القصة إليه إلا إذا وافق على نشرها، وبعد ثلاثة أيام جاءه الطيب صالح ضاحكاً وقال: "يا سيدي خلاص أنا وافقت لكين منو البينشرها لينا؟"
ونشرت القصة أول ما نشرت في العدد الأول من مجلة "حوار" وبعد فترة من نشرها وصل خطاب من جمال محمد أحمد وكان وقتها سفيرا في أديس أبابا يقول له فيه: "قل للطيب صالح أن قصته أعجبتني بقدر ما غاظتي" فأنبسط الطيب صالح لرأي جمال وأطمئن لموهبته القصصية وقال لعلي أبو سن الآن أستطيع أن أواصل الكتابة ونشر ما أكتب. وقد أكد الطيب صالح هذه الرواية في مقاله في تأبين جمال محمد أحمد. نشرت بكتاب (في سيرة جمال، كاتب سرة شرق).
ولكن ما هي العلاقة بين مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال وبين علي أبو سن صاحب كتاب (المجذوب.. والذكريات)، هل حقاً أفاد الطيب صالح في رسم شخصية بطله من حكايات علي أبو سن في المجتمع الإنجليزي؟ أو بعبارة أخرى هل يجوز لنا نظرياً ومن حيث المبدأ القول بأن هذه الشخصية الروائية أو تلك فيها شيء من الواقع؟
للإجابة على هذه التساؤلات لا بد من الحديث أولاً عن العلاقة بين الفن والواقع. الفن القصصي والروائي تحديدا. لا جدال أن الواقع الذي يحياة الناس في مختلف بيئاتهم وأوضاعهم الاجتماعية وطرائق تفكيرهم هو المادة الخام التي يستمد منها الفنان عالمه القصصي والروائي هذا الواقع بالنسبة للقاص كالحجر بالنسبة للنحات واللون بالنسبة للرسام. قد يلتقي العالم القصصي والروائي الذي يخلقه الفنان مع الواقع هنا وهنالك وقد يتقاطع معه في أغلب الأحيان وذلك حسب (الرؤية الفنية) للكاتب.
وقد عبر الطيب صالح عن رؤيته لطبيعة العلاقة بين الواقع والفن تعبيراً رائعاً حينما علق على رواية (عرس الزين) بقوله إن الغرض من كتابة الرواية أصلاً هو أن يرد الجميل لمجتمع قريته الذي أحبه.. "الغرض الاحتفاء بمجتمع أعرفه وعشت فيه، الشخصيات فيه أهلي كما عرفتهم إلى حدٍّ كبير. بيد أن في العمل طبعاً عنصر الفن المتعمد، أي الدفع بالشخصية إلى أقصى مدى ممكن، أقصى حدود تحملها".
هنا يقرر الطيب صالح أنه يستمد رسم شخصيات رواياته من صور الناس الذين عرفهم وعاش معهم لكنه يضيف عبارة في غاية الأهمية تلخص القضية كلها وهي عبارة (الفن المتعمد) أي الدفع بالشخصية الواقعية إلى أقصى مدى ممكن. وهذا ما يطلق عليه النقاد (الرؤية الفنية) وهي التي ترسم الحد الفاصل بين الشخصية في الرواية والشخصية في الواقع. عليه يمكن من حيث المبدأ ومن الناحية النظرية وصف شخصية روائية ما بأنها فيها شئ من الواقع مع الأخذ في الحسبان مسألة (الفن المتعمد) والدفع بالشخصية إلى أقصى مدى ممكن التي أشار إليها الطيب صالح. فكأنما علي أبو سن عندما وصف الطيب صالح بقوله: "فنشأت في ذهنه رؤية روائية لنا" كان مدركاً لطبيعة العلاقة بين الواقع والفن، بين مصطفى سعيد خارج الرواية ومصطفى سعيد داخل الرواية.
ولقد عبر الطيب صالح في كتاب (على الدرب.. ملامح من سيرة ذاتية) عن فلسفته في الكتابة الروائية بقوله: "تجدني دائماً أقول أنني أعتمد على أنصاف الحقائق والأحداث التي يكون جزء منها صحيحا والآخر مبهماً.. هـذا يلائمني تماماً.. بمعنى آخر يكفيني جملة سمعتها عرضاً في الشارع لأستوحي منها فكرة للكتابة، ليس بالضرورة أن أجلس مع صاحب الجملة لأستمع إلى قصة كاملة… تكفي جملة واحدة أسمعها وأنا في الطريق، فقد تثيـر في نفسي أصداء لا حدود لها".
حديث الطيب صالح هذا عن اعتماده على أنصاف الحقائق والأحداث في الكتابة الروائية كأنما يعزز حديث علي أبو سن عن تصيد الطيب صالح لقصص مغامراتهما النسائية وهو وأحمد قباني وإصراره على أن تحكى له تفاصيلها وكأنه يكتب عنها مذكرات حتى "نشأت في ذهنه رؤية روائية" لهما..
أذكر أنني نشرت مقالاً قبل فترة عن تداخلات سيرة الطيب صالح الذاتية وشخصية بطل (موسم الهجرة إلى الشمال) مصطفى سعيد، اعتمدت فيه على ما ذكره الطيب عن نفسه من سيرة في كتاب (على الدرب) وخلصت فيه إلى أن الطيب أضفى بعضا من ميوله الفكرية والأدبية على شخصية بطله مصطفى سعيد مثل ميوله إلى الاشتراكية الفابية ودراسته الاقتصاد بالمدرسة التي أنشأها حزب العمال وانضمامه إلى أحد أندية الكويكرز وحبه لشعر أبي نواس ومسرح شكسبير. فإذا كان الطيب صالح قد استمد بعض ميول مصطفى سعيد الفكرية والأدبية من تجاربه وميوله الشخصية فهل استمد مغامراته وغزواته النسائية من حكايات ومغامرات علي أبو سن التي كان يلح في الاستماع إليها؟ هل كانت هذه الحكايات والمغامرات تمثل أنصاف الحقائق والأحداث التي صاغ منها جزءاً من شخصية مصطفى سعيد؟
(يتبع)
----------------------------------------------------- العدد رقم: 1176 2009-02-20
موسم الهجرة إلى الرفيق الأعلى
د . أحمد خير
الطيب " الصالح " ذهب وإبتسامة على شفتيه ! فارق هذه الدنيا الفانية فارس القلم والكلمة الطيبة الأديب العالمى الطيب صالح أو " الصالح " كما يحلو أن يسميه بعض الإخوة العرب. أكيد انه قد فارقها وهو يضحك مع صديق أو قريب أو رفيق ، فما رأيتك ياصديق " المتنبى " و " المعرى " إلا ضاحكا أو مبتسماً ! كيف لا وأنت قد رافقت المتنبى فى غزواته والمعرى فى محبسيه ، مرة طليقاً يحلق فى الأفق وأخرى جالساً تتمعن فى أحوال عالمنا العربى وسوداننا المحشور بين المطرقة والسندان !
لك الله فى أعلى عليين بقلبك الصافى الذى ماعرف الحقد ولا مسته كبرياء التربع على قمة الأدب العالمى ! يا صالح ياطيب ، أراك بسحنتك المشوبة بسمار أرضنا الطيبة ونيلنا الحامل لذكريات صباك ! أراك ترفل عائدا لدارك لتبقى بعد أن مل جسدك الترحال ! لتبقى بين الرفاق من الذين إتبعوا خطاك أو أولئك الذين طافوا معك القرى والبوادى حاملين الفرحة للقلوب العامرة بحب الحروف المعبرة عن واقع كشفت عنه الغطاء وكنت النطاسى الذى إستبدل المشرط بالحرف فماسالت دماء، بالرغم من سماعنا لأنة المحرومين من ترانيم صرير القلم على الورق ليصور أحلى الكلمات !
عفوا سيدى ان قصرت فى تصوير الطيب صالح الإنسان ، لا الكاتب الذى ماجاراه أحد إلا وغلبه فى صمت بالرغم من حسد الحاسدين وشماتة الشامتين الفاقدين للحس الإبداعى !
لقد علمتنا الأيام ان العظماء قد عهدوا أن تلاحقهم الألسن والأقلام ، وان تستمر ملاحقتهم كلما عظم شأنهم وإتسعت دائرة شهرتهم ! ومن عظمتكم كنتم تقابلون الإساءة بإبتسامة ، وهذا لعمرى صفة من يمتلك الدنيا بين راحتيه ، صفة العالم بأن الحياة فيها الأخيار كما فيها الأشرار ، وأن خيار الناس من يقول كلمة طيبة فى حق من أساءوا إليه !
كان " وآه من كان " الطيب صالح يؤمن بأن الغد سيأتى مهما طالت اللحظات أم قصرت ، لذا فلابد للإنسان من أن يتوكل على الله ويعيش اللحظة ويترك الغد لرب العباد القوى العزيز الذى يدخل الطمأنينة فى قلب من يحب من عباده .
رحل الطيب الصالح وترك سيرته العطرة وأعماله الخالدات التى نحتت فى الأدب العربى والعالمى مكاناً لها ، ورفعت معها إسم السودان لتتغنى به الحروف والكلمات فتصدح فى القاعات والمكتبات ويمتد صداها عابرا القارات ليسمع حتى من به صمم !
أرى الطيب الصالح يخاطب أعضاء منظمة العرب من خريجى الجامعات الأمريكية فى حفلها السنوى الذى أقيم فى واشنطن وهو يقول بسخريته المحببة إلى النفس " لقد تساءلت قبل وصولى إلى هنا عن الأسباب التى دعت منظمتكم الموقرة تقديم الدعوة لشخصى الضعيف للحضور إلى أمريكا لمخاطبتها بالرغم من أننى لم أتخرج من جامعة أمريكية ! وبالطبع هناك أفضل منى للقيام بهذا الدور! وبكل أسف لم أجد إجابة سوى أن عالمكم قد أصيب بالجنون ، أو ربما أنا المجنون ! ... " عندها ضجت القاعة بالتصفيق والضحك ! ثم تكررت دعوته مرات ومرات وفى كل مرة كانت دائرة الإعجاب تتسع وتتسع !! ذاك هو الطيب صالح الفريد فى نوعه ، العارف والمتعمق فى خفايا وأغوار النفس البشرية !
نفتقدك اليوم ياطيب ياصالح بالرغم من أن جسدك الطاهر لم يلامس بعد ثرى وطننا الحبيب الذى كم إشتاق إليك طوال زمن هجرتك إلى الشمال وإلى الغرب والشرق والجنوب ! وبرغم الدهشة التى عقدت اللسان ، ليس فى إرادة المولى ولكن لعظمة الفراق المعمق للجرح والمتعدى حدود الزمان والمكان ! سيفتقدك المقهى الثقافى فى معرض الكتاب الدولى بالقاهرة والجمع الملتف من حولك يستمع ويستمتع بما تحكيه من حكايات عن عالمك وعالمنا فى الريف والبوادى والحضر ! كما ستفتقدك مؤتمرات جمعية الدراسات السودانية فى أمريكا وأنت تأتيها حاملاً قلبك المتسع لكل ألوان الطيف ، وكان هذا هو سر عظمتك ياطيب ياصالح ياصاحب القلب الطيب والروح الطيبة التى ملت الإغتراب فعادت لثرى أرضنا الطيبة التى ضمت قبل أيام شاعرنا الأديب الراحل النور عثمان أبكر (رحمه الله رحمة واسعة) ومالنا إلا أن نقول : هنيئاً لأرضنا الطيبة المستقبلة للفرسان فى زمن تكسرت فيه الرماح !
لك ياطيب ياصالح خالص الدعاء بأن يتقبلك المولى قبولاً حسنا بشفاعة سيدنا محمد عليه أفضل السلام ، وبدعاء كل مترحم عليك ، و " إنا لله وإنا إليه راجعون ".
أجمل وصف قاله المرحوم الطيب صالح عن نفسه هو صفة (التربال). نعم، تربال.. من كان يصدّق أو يجرؤ أحد أن يتخيّل أن (تربالاً) شاباً في أحد مزارع قرى الشمالية (المنسية) التي تسكن جوار النيل الخالد والتي لم يسمع بها أحد في العالم وربما في هذا السودان الواسع الشاسع يخرج منها هذا الكاتب والأديب الأريب والروائي الباهر ليقدم للعالم أعظم روايات القرن العشرين بصورة أدهشت الجميع فصار ذلك (التربال) البسيط كاتباً ذا شأن عظيم على مستوى العالم.. إذن ما أعظم وما أجمل وما أنبل أن يصير أحدهم بالتعليم وبالمعلم من مجرد (تربال) لا يجيد غير عزق الأرض إلى شخصية عالمية ذات (أفق بعيد) وتصبح هنا (الثقافة Culture) بديلاً عن (الزراعة Agra culture) فتحول بالخيال الخصب صحارى الجدب الفكري وضمور الأدب إلى واحات وساحات من الإخضرار الثقافي وغذاء للعقل والروح.. فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. من لهذا العمل الخير إلا الطيب الصالح وأمثاله من عباقرة الرواية هذه واحدة.. والثانية لقد استطاع هذا (الطيب الصالح) و(طيب الخصال) كما كان يطلق عليه زملاؤه في الدراسة ثم في دروب الحياة، استطاع أن يجبر الكثيرين ممن يعشقون الأدب والإبداع أن يعلموا أن السودان بلد (ولود) وينتج الأدب الرفيع مثلما يقدِّم للعالم منتجات غذائية مثل (الصمغ العربي) هذا الغذاء الطبيعي (Organic food) الذي لا تدخل فيه الكيماويات، فسمع العالم واستمتع بالروايات مثل موسم الهجرة إلى الشمال وعرس الزين ومريود ومنسي... إلخ، الروايات التي أجبرت عشاق الأدب ليترجموها بل صار أحدهم (عرس الزين) فيلماً مشاهداً استمتع به الكثيرون من عشاق السينما.. والثالثة التي ربما لا يلتفت الكثيرون هو ذاك الذي يجبرنا في هذه اللحظات المشبعة بالحزن أن نتذكر (المعلم) ذلك الجندي المجهول الذي حوّل ذلك الصبي اليافع من مجرد تربال يعزق الأرض إلى أحد عظماء الأدب في القرن العشرين إنها بضع حصص هناك وهناك (زرع) فيها أولئك المعلمون منذ المدرسة الأولية عقل (تربال) (منسي) إلى عقل مترع بالعلوم والأدب خاصة شعر أبي الطيب المتنبي فكان هذا الروائي المبهر.. الرجل المتواضع طيب الخصال والرجل الطيب الصالح.. نعم، إنه التعليم والتربية والمعلم والكتاب.. تحول الإنسان البسيط أو (التربال المنسي) إلى أحد العظماء في مجال الأدب والرواية والثقافة والكتابة الصحفية.. شغل الدنيا ولم تزده إلا تواضعاً.. إحترم وإحترف العلم والأدب والثقافة فاحترمه الناس لا بسبب جاه أو منصب أو مال من مقتنيات الدنيا الفانية.. فكان يتأسى دائماً بقول المتنبي: ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه * إني بما أنا باك منه محسود صدقت أبا الطيب (أحمد بن الحسين) (إني بما أنا باك منه محسود) وشكراً للطيب الصالح وطيب الخصال أن استدعيت لنا هذا البيت المعبّر من كنوز أبي الطيب المتنبي.. اللهم أنزل شآبيب الرحمة على فقيدنا وأجعل قبره روضة من رياض الجنة وأنزله منزلاً يستحقه مع الصديقين والشهداء والصالحين، فقد قال رسولنا الكريم محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والتسليم (أقاربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون..). وأحسب أن فقيدنا منهم ولا نزكي على الله أحداً.
قال عن نفسه: يبدو لي أحياناً أن البشرية تائهة وأنا تائه معها سيبقى الطيب صالح أمة في كاتب وكاتباً في أمة
واشنطن: طلحة جبريل
غادر الطيب صالح الخرطوم في شتاء عام 1953 في رحلة ستمتد أزيد من نصف قرن، وكان ذلك في فبراير (شباط) من تلك السنة، ويتوقع أن يعود الطيب صالح إلى السودان فجر غد الجمعة من شهر فبراير (شباط) أيضاً، جثماناً يرافقه شقيقه بشير محمد صالح وصديقه محمود عثمان صالح، ليدفن في مقابر البكري في أم درمان، هذه المدينة التي قال عنها «هي المدينة التي ترنو إليها باقي بلاد السودان... كان كل واحد منا يجد أن لديه أقارب أو أهلا في أم درمان ... مكاناً ميكروكوزم... لقد بدأت أم درمان تتكون بكيفية طبيعية لكننا كسرناها لسوء الحظ». في آخر حديث هاتفي بيننا تحدثنا أيضاً عن أم درمان ، وأحسست بفرح غامر عندما قلت له إنني ربما أعود إليها عودة عاطفية هذه المرة، ولم يكن يدور بخلد أحد منا أن الطيب نفسه سيعود إلى أم درمان ليوارَى الثرى في المدينة التي درس خلالها المرحلة الثانوية في واحدة من أهم ثلاث مدارس ثانوية في أربعينات القرن الماضي. الطيب صالح تلخص شخصيته عبارة كتبها هو نفسه يصف فيها أحد الكتاب «هو من طراز مبدعين يظهرون في حياة الأمم خلال فترات متباعدة كان كاتباً في أمة أحبها وأحبه كثيرون... وكان أمة في كاتب». كان الطيب صالح هو السودان، وكان السودان هو الطيب صالح، لأنه جمع في كتاباته بين قدرات كاتب عملاق، ومبدع مرهف الإحساس، ومفكر عميق الفكر، وإنساناً قل أن يجود الزمان بمثيل له. وعلى الرغم من أن روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» اختيرت ضمن أفضل مائة عمل في تاريخ الإنسانية، يقول الطيب بتواضعه الجم «أقول لك صادقاً ليس لديّ أي إحساس بأهمية ما كتبت، ولا أحس أنني مهم، هذا ليس تواضعاً لكنها الحقيقة، إذا اعتقد الناس أن ما كتبته مهم فهذا شأنهم لكنني قطرة في بحر، قصيدة واحدة للمتنبي تساوي كل ما كتبته وأكثر». هذا هو الطيب صالح في حقيقته، تلخصه كلمة واحدة « التواضع» ولعل من مفارقات لعبة التواريخ في حياة الطيب صالح، أنه ولد عام 1929، واحتفظ برقم تسعة أيضاً وهو يغادر. أطلقت والدته عائشة أحمد زكريا عليه اسم «الطيب» بعد أن فقدت اثنين من أشقائه قبل أن يأتي الطيب، وكان الناس في قرى شمال السودان، يعتقدون أن «الطيب» اسم تحل به البركة إذا كانت الأسرة تفقد مواليدها، والده محمد صالح أحمد، وأهله يتوزعون ما بين «الدبة» و«العفاض» وهي من قرى منطقة مروي. عاش الطيب مثل أهله حياة المزارعين. لذلك يعتقد الطيب صالح أن بيئة القرية في المجتمع المتساكن والمندمج هي التي ستحفزه بعد ذلك بسنوات طويلة على الكتابة «كتبت حتى أقيم جسراً بيني وبين بيئة افتقدتها ولن أعود إليها مرة أخرى». عاش الطيب صالح في قريته كما يعيش أهلها، وهو يقول بحنين يبدو جارفاً عن تلك الفترة «في هذه البيئة بدأت مسيرة حياتي، ورغم أنني تعرجت في الزمان والمكان بعد ذلك لكن أثر البيئة لا يزال راسخاً في أعماقي، وأعتقد أن الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع في أعماقه، والإبداع نفسه فيه البحث عن الطفولة الضائعة. حين كبرت ودخلت في تعقيدات الحياة كان عالم الطفولة بالنسبة لي فردوساً عشت خلاله متحرراً من الهموم، أسرح وأمرح كما شاء لي الله، وأعتقد أنه كان عالماً جميلا». «ذلك هو العالم الوحيد الذي أحببته دون تحفظ، وأحسست فيه بسعادة كاملة وما حدث لي لاحقاً كان كله مشوباً بالتوتر...». ويكشف الطيب صالح النقاب عن مسألة في غاية الأهمية «لقد كانت قريتي مختلفة تماماً عن الأمكنة والمدن الأخرى التي عشت فيها، ولاشك أن هذه المنطقة هي التي خلقت عالمي الروائي» انتقل الطيب صالح إلى دراسة المرحلة الوسطى (المتوسطة) في مدينة بورتسودان على البحر الأحمر، بيد أنه ظل مشدوداً إلى قريته «في بورتسودان بدأ يراودني إحساس أن هذا الشيء الجميل الذي تركته خلفي سيضيع». في المرحلة الوسطى ستبدأ علاقة الطيب صالح مع اللغةش الإنجليزية «حين بدأت تعلم اللغة الإنجليزية اكتشفت مدى حبي لها... والواضح أن سبب تفوقي في اللغة الإنجليزية كان مرده حبي لهذه اللغة». بعد المرحلة الوسطى، سينتقل إلى أم درمان ، حيث سيتابع دراسته الثانوية في مدرسة «وادي سيدنا» ولا يخفي الطيب صالح إعجابه بتلك المدرسة «كانت مدرسة وادي سيدنا مدرسة فاخرة، بناها الإنجليز بناءً باذخاً على غرار أعظم المدارس في إنجلترا وكنا ندرس تماماً كما يدرس الإنجليز في مدارس الارستقراطيين في أيتون وهارو». كان طموح الطيب صالح أن يدرس في كلية الزراعة بعد المرحلة الثانوية، ولعله في ذلك بدا متأثراً وشديد الانجذاب إلى بيئته الزراعية، بيد أن الميولات الأدبية أيضاً كانت حاضرة وهو يفكر في دراسته الجامعية «كنت أفكر في دراسة الآداب، حتى مستر لانغ ناظر مدرسة وادي سيدنا الثانوية شجعني على دخول كلية الآداب، لكن كانت تستهويني دراسة الزراعة إذ بدت لي مسألة رومانتيكية». بيد أن الطيب صالح الذي التحق بكلية الخرطوم الجامعية (جامعة الخرطوم) عام 1949، سيقرر ترك الجامعة برمتها عندما وجد أن السنة الأولى في كلية العلوم التي ستقوده بعد ذلك إلى دراسة الزراعة تتطلب منه تشريح الصراصير والفئران، ونفر من هذه الأمور وقرر قطع دراسته الجامعية حيث التحق بالتدريس، ليدرّس اللغة الإنجليزية في مدينة رفاعة في وسط السودان. وعلى الرغم من أن الطيب صالح كان يود العودة إلى الجامعة من جديد لاستكمال دراسته الجامعية في كلية الآداب، بيد أن إعلاناً من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) يطلب مذيعين ومحررين ومترجمين سودانيين، قلب حياته رأساً على عقب. وهذه التجربة القاسية لشاب عمر 24 سنة فقط، هي التي ستمنحنا كاتباً وروائياً عالمياً، لأن الطيب كتب «فقط لأقيم جسراً بيني وبين بيئة افتقدتها بدون سبب». بيد أن الطيب لم يكن سعيداً على الإطلاق في هجرته إلى لندن «جئت إلى بلد لم أكن أرغب فيه لأعمل عملا هو كذلك ليست لي رغبة فيه... تركت الأهل والأحباب والدور الفسيحة والتواصل الاجتماعي لأجد نفسي داخل غرفة صغيرة برودتها لا تطاق في بلد غريب بين قوم غرباء». اهتم الطيب صالح خلال سنواته الأولى في بريطانيا بالمسرح، وقرأ كتباً كثيرة في الأدب والفن والتاريخ والاجتماع، وفي السياسة وجد نفسه ميالا للاشتراكية العمالية، واندمج في حياة لندن وتزوج من زوجته جولي (بريطانية)، ورزق منها بناته زينب وسارة وسميرة. بدأت علاقة الطيب صالح مع الكتابة في وقت مبكر، عكس ما هو رائج، إذ كتب أول قصة قصيرة عام 1953، بعنوان «نخلة على الجدول» ستنشر لاحقاً ضمن المجموعة القصصية «دومة ود حامد». يقول عنها الطيب صالح «قصة بسيطة كتبتها ببساطة شديدة جداً... كانت القصة تعبيراً عن حنين للبيئة ومحاولة لاستحضار تلك البيئة». وبعد «نخلة على الجدول» لم يكتب الطيب صالح على مدى سبع سنوات حرفاً واحداً، ثم كتب «حفنة تمر» ثم «دومة ود حامد» ونشرتها مجلة «انكونتر» الأدبية الإنجليزية التي كانت آنذاك زوبعة ثقافية، واعتبر نشر تلك المجلة لقصة الطيب صالح، هو بمثابة الميلاد الحقيقي لأديب عالمي. وفي عام 1964 كتب الطيب صالح روايته الأولى «عُرس الزين» وفي عام 1966 سيكتب روايته ذائعة الصيت «موسم الهجرة إلى الشمال». كثيرون يعتقدون أن مصطفى سعيد بطل موسم الهجرة إلى الشمال فيه بعض ملامح الطيب صالح نفسه وفي هذا السياق يقول الطيب «الذي يطرح أفكاره على الناس علناً عليه أن يتحمل تبعات ذلك، لذلك لا يزعجني أحياناً حين يسألني بعض الناس هل مصطفى سعيد يشكل جزءاًً من سيرتي الذاتية». ويضيف الطيب «يبدو لي أحياناً أن البشرية تائهة وأنا تائه معها، لذلك لا أطالب الناس بأن تفهمني كما أريد، الكاتب نفسه لا يعرف ماذا يقول وماذا يكتب». قبل أن يرقد الطيب صالح يوم غد الجمعة رقدته الأبدية تحت سماء السودان الصافية التي تعج بالنجوم، سيقول المشيعون «جنازة رجل» قبل الصلاة عليه. لكن، أي رجل سيوارى الثرى، الرجل الذي جعلنا نقول باعتزاز «نحن من بلد الطيب صالح». أما أنا شخصياً الذي اعتقدت دائماً أن مجرد وجود الطيب صالح في هذه الدنيا يجعلها خيّرة، وفي هذه اللحظة التي تطفح بالمشاعر أقول صادقاً إن أحزاني فاضت وفاضت. وعندما قال لي شقيقه بشير هو يعتقد أنك أفضل من ستكتب عنه، بقيت ساعات في حالة ذهول وفجيعة، وسط دموع رجوت أن أغلبها ولا تغلبني. ما أوسع الحزن وما أضيق الكلمات. كان الطيب صالح في حياته أكبر من الحياة وسيظل الطيب صالح في موته أكبر من الموت.
-----------------------------------------
التاريخ: الجمعة 20 فبراير 2009م، 25 صفر 1430هـ
مـداد الطيب صالح..صعوبة الكتابة
إسماعيل ادم
تمر الصحف، بأوقات ماحلة خلال اليوم مثيرة القلق، وهي في الغالب بين مرحلة وأخرى، لا يستطيع فيها اغلب من يعملون في الصحيفة فعل شيء منتج، إلا كل ما من شأنه أن يساعدهم على ترويض القلق بانتظار المرحلة اللاحقة من مراحل إنتاج الصحيفة اليومية، كنا في صحيفة«السودان الحديث» نستعين بالجلوس أمام «ست الشاي» لترويض ما يعتورنا من قلق «حار» في مثل تلك الأوقات الماحلة.كنا ثلة جميلة متوترة ، وكلما تمر سيرة الطيب صالح في خضم الحديث عن الأدب السوداني في المكان، يقطع شريط الحديث الزميل معاوية ابوقرون.يقرا من «رأسه» بصوت عال يخترق حاجز الصوت في المكان: (عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوروبا. تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، ولكن تلك قصة أخرى.المهم إنني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل. سبعة أعوام وانا احن إليهم واحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقة قائمة بينهم، فرحوا بي وضجوا حولي، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كان ثلجاً يذوب في دخيلتي ، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس، ذاك دفء الحياة والعشيرة، فقدته زمانا في بلاد تموت من البرد حيتانها....). ويمضى ابوقرون يقرأ من«رأسه» رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، رائعة الأديب العالمي الكبير الطيب صالح، الذي رحل عنا أول من أمس، بعد مشوار طويل مع المرض، في وطنه الآخر الذي اختاره: «لندن»، ويصغى مرضى القلق في المكان، إلى ابي قرون بحواسهم الخمس، ولا شك عندي بأنه إذا كان من بيننا من يمتلك أكثر من الحواس الخمس، لا ستعارها من عمقه وحشدها للإصغاء إلى «موسم الهجرة إلى الشمال»، من رأس ابي قرون. يتوغل الإصغاء بنا بعيدا، فيختلط برائحة الشاي وفوح البن، ونكهة الهبهان، ودخان الكانون وغبار الخرطوم وأصوات السابلة، ودهشة ست الشاي، لتقدم للحظة لنا وصفة سودانية ناجعة للقلق،لنعود بعد التداوي ونستأنف رحلة المتاعب من داخل الصحيفة، كان ابوقرون يداوينا بالطيب صالح، حتى نتماثل إلى الشفاء ومثل ابوقرون عدد لايحصى من السودانيين، يحفظون ما انتجه الطيب صالح من أدب «منقى» على ظهر قلوبهم. ربما يتداوون بأدب الطيب صالح، كما كان ابوقرون يداوينا به. ففي أدب صالح الكثير من السحر والإبانة. ليس السودانيون وحدهم يتماهون مع «فنون» الراحل، وإنما شعوب يتحدثون« 20» لغة في العالم، حملت كتابات الطيب صالح عبر التراجم. وهذا قد يكفي أديبنا الراحل بانه قد أدى الرسالة: رسالة الأدب الممتدة . «السحر والإبانة» توفرا للطيب صالح، بما يحمل من أثقال الكتابة، فهناك كاتب يهرول ويعتني بالفكرة، على حساب جماليات الكتابة، وهم من من يسمون أصحاب الكتابة «الخشنة»، وهم حمالون أفكار، لا يفصل بينهم وبين الأكاديميين إلا خيط خيال رفيع. مقابل هؤلاء هناك كتاب تجرفهم «حلاوة» الإنشاء، تراهم ينوءون بحمل الألفاظ، يضربون لها أكباد الإبل، فيما تتسرب الفكرة من بين أقلامهم، وهم أصحاب الكتابة «الناعمة»، إن صح التعبير، وهناك فريق ثالث من كتاب الأدب بين بين يأخذ من هذا «حبة» ومن ذاك «حبتين». ولا يكلف الله نفسا الا وسعها. ولكن الطيب صالح، كان يحمل بقلمه كل حمولات الكتابة، بأوزانها الثقيلة «الخشنة والناعمة» في مزاوجة عنيفة، تعطي الفكرة تجلياتها القصوى، واللغة مذاقها «الحادق». تلك المعاناة في حمل شروط الكتابة، التي تفضي بأعمال الطيب صالح إلى فضاءات السحر والإبانة: في «موسم الهجرة إلى الشمال، وعرس الزين، ومجموعة بندر شاه»، تلك المعاناة جعلت منه كاتبا مقلا. بعد الانتهاء من «الكتابة» يحتاج إلى وقت طويل، ليسترد أنفاسه،قبل أن يستأنف كتابة جديدة.الكتابة عند الطيب صالح مشروع صعب. جنزير ثقيل! لذلك صعد بالرواية إلى سقف عال لم يبلغه احد بيننا.
تراسيم . مطار الطيب صالح الدولي ..هل من مثنى ؟!! عبدالباقى الظافر . alzafir@hotmail.com
الطيب صالح بضاعتنا الأكثر رواجا في السوق العالمي.. ولد الطيب عند منحى النيل بقرية كرمكول في محافظة الدبة حوالي العام 1929.. وعندما كان النبوغ يمر بوادي سيدنا ويعمد بجامعة الخرطوم سلك الطيب الوادي وأقام بعض من الزمان بدوحة الجامعة . هاجر الطيب إلى بريطانيا درس في جامعاتها وخرج صوته قويا عبر إذاعة (هنا لندن ) وفى بلاد تموت حيتانها من شدة الصقيع طاب له المقام واتخذ له زوجة من بنات الانجليز وهبته ثلاث أميرات زينب وسارة وسميرة ..فيهن شيء من ملامحنا وكل نبوغ الطيب صالح . روايته موسم الهجرة إلى الشمال شكلت فتحا أدبيا للسودان وحملتنا إلى مشارف العالمية وصنفت من ضمن أفضل مائة رواية في العالم ومنحتها الأكاديمية العربية بدمشق لقب أفضل رواية عربية في القرن العشرين . ظل الطيب صالح متواضعا وهو الهرم بين الناس .. بارا بأهله وهو بعيدا عنهم.. محتفيا بأصدقائه رقم كثرتهم واختلاف أذواقهم وتباين نزعاتهم السياسة . . أهدى ابنته الكبرى زينب اسم والدته .. وكتب سفرا قيما عن صديقه منسي وهو قبطي تحول للإسلام وكان يمكن ان يمضى بذات الهدوء الذى ولج به لندن .. ولكن الطيب صالح يصنع منه رواية بتداولها الناس . تساءل الطيب صالح بقسوة عن رجال الإنقاذ وقال من أين أتى هؤلاء ؟ . رغم ذلك زار عاصمتهم الخرطوم وانتشى على أنغام الطنبور بوجود هم . واثبت ان السودان وان اختلفت انتماءاتنا يسعنا جميأخبار لندن تقول ان هرمنا الروائي لقي اليوم ربه راضيا مرضيا ..رحل الصالح والوطن إليه أحوج .. بكى الطيب أمام كاميرا تلفزيون السودان والعدالة الجنائية تترصد عوراتنا وتغض الطرف عن بيوت تهدم في غزة .. ونساء يترملن في بغداد ..و اناس في كابل وجدوا الحرية وفقدوا الأمن .. أوجز الأديب العارف الأمر في (عدالة القوة ) .. (تكشر ) في الضعيف وتربت على كتف القوى .عا . يا ولاة أمورنا .. يا شعبنا المكلوم ..ابلغوا العالم فعلا وقولا إننا امة تحب الأدب وتجل الأدباء . اجعلوا من المطار الجديد مطار صالح الدولي ..الطيب صالح كان مسافرا وهو يكره الترحال ..الطيب صالح كان بعيدا ولكنه يعشق الوطن .
صحيفة الاهرام تنعى عبقرى الرواية العربية وأديب السودان الكبير
الطيب صالح ينهى هجرته إلى الشمال ويودع الحياة فى شتاء لندن
كتبت-أسماء الحسينى :فى هدوء وصمت ميزا شخصيته ومسيرة حياته رحل عن عالمنا امس الأديب السودانى الكبير الطيب صالح عن عمر يناهز (80عاما)،بعد رحلة حافلة بالعطاء والإبداع ،رحل فى زمهرير شتاء لندن ،ليكتب آخر فصل من فصول هجرته إلى الشمال ،تماما مثل إسم روايته الرائعة "موسم الهجرة إلى الشمال "التى تم إختيارها من قبل لجنة من الأدباء العرب بإعتبارها أهم رواية كتبت فى القرن العشرين ،هذه الهجرة التى قادت مشاعره وأحاسيسه وخياله إلى الكتابة عن بلده السودان الذى يقبع جنوبا ،يوم أحس بغربة خانقة فى لندن ،التى هاجر إليها للعمل كمذيع بهيئة الإذاعة البريطانية ،فولدت فيه الرغبة فى مد الجسور مع وطنه وعوالمه الأولى بالكتابة عنها ،لعل ذلك يبعث فى نفسه شيئا من الطمأنينة والإحساس بالأمان .
وإلى الطيب صالح ينسب الفضل فى تقديم الثقافة والأدب السودانى إلى مختلف أنحاء العالم ،من خلال رواياته ومؤلفاته وكتاباته ،التى ترجم العديد منها إلى عدد من اللغات ،ومن بينها "دومة ود حامد "و"بندر شاه "و"عرس الزين "وغيرها من الأعمال المثيرة للدهشة ،التى قدمت لنماذج وبيئات إنسانية شديدة الخصوصية ،والتى توالى صدورها منذ بدء ظهوره على الساحة الأدبية فى أواخر الخمسينات من القرن الماضى،وقدمها فى مصر بكل حماس الراحلين أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش .
هناك إجماع على شخصية الطيب صالح الإنسانية المتفردة ،يقول عنه الكاتب والأديب السودانى الدكتور حسن أبشر الطيب :ماعرفت إنسانا فى حياتى إسمه مثل وصفه مثل الطيب صالح ،فهو طيب إلى منتهى حدود الطيبة ،وصالح تتجسد فيه سمات الشيوخ المتصوفين من عباد الله الصالحين ،وهو ذات الأمر الذى يؤكده الروائى المصرى محمد البساطى ،الذى يقول :إن الطيب صالح تمتع بحب كبير بين المثقفين المصريين بسبب شخصيته الظريفة وتواضعه وبساطته الحقيقية ،فهو أديب بسيط غير متكلف وغير مصنوع ،وأحد الكبار الأفذاذ ،الذين نجحوا فى تصوير مفردات البيئة الشرقية وآمالها من خلال شخصية مصطفى سعيد فى "موسم الهجرة إلى الشمال "
أدب الطيب صالح مثله مثل أدب نجيب محفوظ ويحيى حقى وغيرهما من الأدباء العظام ،الذين تؤكد أعمالهم فكرة أن المحلية والخصوصية هى التى تقود إلى العالمية ،وليس الإغتراب ومحاولة تقليد الآخرين ،وقد عبر الطيب صالح بصدق كما يقول الروائى المصرى فؤاد قنديل عن سمات البيئة السودانية المحلية ،وكشف عن قيمها ومفرداتها ومعالمها وطقوسها ولهجاتها فى نسق سردى مبهر ،كما كشفت أعماله عن شخصية ثرية غير متعصبة وغير متحجرة ،وقد لاقت روايات الطيب صالح قبولا واسعا فى الغرب كما الشرق ،لما يتمتع به من ثقافة متحضرة تجاه العالم والآخر على حد تعبير الناقد الكبير الدكتور رمسيس عوض .
يصف الطيب صالح فى روايته الأخيرة "منسى "بطل الرواية فيقول : فيه خصلتان حميدتان ،حبه للبسطاءوحفاظه للود "ولعله كان يتحدث عن شخصيته هو ،وإستطاع بقدرة فذة الغوص فى الشخصية السودانية وقدم مرآة صادقة عن هموم ومعاناة المجتمع السودانى ،ومعاناة المثقف العربى والبسطاء من الناس،ومن الواجب اليوم على الهيئات الثقافية العربية إعادة طبع أعمال الطيب صالح طبعة شعبية ،حتى تصل إلى الأجيال الجديدة .
وفى السودان عم الوجوم والحزن العميق جميع الأوساط ،حزنا على فقد من قدم إلى العالم مصطفى سعيد وود المجدوب وملود وبندر شاه ومنسى وغيرها من الشخصيات التى لاتنسى القادمة من أعماق السودان ،ونعاه الأدباء والمثقفون ورئاسة الجمهورية ،ولازال الجميع فى حالة إنتظار لوصول جثمان الرجل "الأسمر الذى يمتزج خط الإستواء فى دمه باللبن العربى ،الرجل الذى جاء من حيث الأساطير ومياه النيل "على حد وصف الطيب صالح لمصطفى سعيد بطل رائعته "موسم الهجرة إلى الشمال "،وهم أنفسهم الذين كانوا يترقبون فوزه بجائزة نوبل ،التى تم ترشيحه لها مؤخرا.
----------------------------------------
على حمد إبراهيم فى وداع المريود والحزن عليه ... بقلم: د. على حمد إبراهيم فى وداع المريود والحزن عليه ... بقلم: د. على حمد إبراهيم السبت, 21 فبراير 2009 22:11
alihamad45@hotmail.com هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته أغالب حزنى اليوم ،واكتب اسطرا متأملة عن فقيد الأمة العربية ، وفقيد الامم القارئة ، الطيب صالح ، المريود ، الذى تشابى فى حدقات كل العيون، وتماهى فى حنايا كل القلوب ، قلوب الملايين من البشر. وأمسحع عبرة ساخنة من عينى ، واردد مع قسيس مصطفى سعيد :"كلنا يابنىّ نسافر لوحدنا فى نهاية الامر". قالها المريود الطيب صالح على لسان القسيس المؤمن فى تذكير مبكر بالرحلة الابدية التى تنتظرنا جميعا . تلك الرحلة التى لا رفيق فيها ولا أنيس فى الطريق الموحش الطويل ، ولا يعين عليها الا عمل صالح هنا وهناك نجده مدخورا لنا فى اليوم الحار . اكتب صفحة من الحزن العام فى هذا الصبح الحزين ، صبح الاربعاء ، الثامن عشر من فبراير من عام 2009 بالتحديد. وليكتب التاريخ معى أنه فى هذا الصبح الحزين زفر المريودأنفاسه الدفيقة . وغادر عالمنا الارضى الذى كم آنس سماره فى مقيل و فى سمر . و سافر لوحده . وترك من خلفه الملايين التى تشبث وجدانها بوجدانه ، وغاص فى جوانحها كما يغوص الصدف الثمين فى المحار. سافر لوحده كما هو محتم منذ الازل . وترك لنا غصة فى الحلق. وترك لنا كذلك مصطفى سعيد، نتجادل فى شأنه منبتين ، لا نكاد نقطع ارضا ، او نبقى ظهرا. وتركنا مع حزن مقيم ، لم نتبين بعد إن كان المريود فى يوم رحيله الباكر قد اخذ معه كل اشيائه الاثيرة التى كان يضن بها على الوجود من حوله : محبرته المدرارة. ، وقلمه الشفيف ، وقرطاسه الصقيل ، ونظارته التى تلقط الاخاييل من سطح المريخ مثل عين زرقاء اليمامة تلتقط الاخاييل من وراء الاكمات الداكنة. فما جدواها وقد زايل الروض العندليب الذى كان يحرك سواكن المشاعر ، ويحرك القلوب التى فى الصدور. ويسأل الناس ماخوذين بالفجيعة : هل وجد المريود زمنا او وقتا يلقى فيه نظرة الوداع الاخيرة على العالم الصغير الذى حمله فى قلبه الكبير هما وغما وأملا ورجاءا . ذلك العالم المنطرح على وجه البسيطة بلا مبالاة كأن الناس فيه لم يألفوا كدر الايام وقسوتها فى يوم من الايام. ينعكس ذلك فى أنسهم الدائم وحكاياتهم السرمدية فى " الفارغة والمقدودة". ذلك العالم الذى كان يحن اليه المريود ويعشقه وهو فى منفاه البعيد خلف المحيطات الفاجرة والمسافات المستحيلة. أليس هو من أبلغ عن شوقه العظيم الى ذلك العالم الذى يتمدد فى تلك القرية الصغيرة المنطرحة عند منحنى النيل ، الذى فرح الناس فيه وضجوا من حوله يوم جاءهم بعد اغتراب طويل . ولم يمض وقت طويل حتى احس كأن ثلجا قد ذاب فى دخيلته. لقد اعطاه ذلك العالم دفئ الحياة الذى افتقده فى البلاد التى تموت من البرد حيتانها كما قال. وذلك وصف يطرب النفس المتأملة. فاذا كان برد ذلك العالم يقتل حيتانه المخلوقة لبيئة البرد اساسا ، فما بالك بالمريود القادم من صحراء القرية المنطرحة عند منحنى النيل . * " استيقظت فى فراشى ، وارخيت اذنى للريح . ذاك لعمرى صوت اعرفه. سمعت هديل القمرى ، ونظرت الى النخلة القائمة فى فناء دارنا ، فعلمت أن الحياة ما زالت بخير . انظر الى جذعها القوى المعتدل، والى عروقها الضاربة فى الاض ، والى الجريد الاخضر المنهدل فوق هامتها فأحس بالطمأنينة. أحس بأننى لست ريشة فى مهب الريح.ولكنى مثل تلك النخلة مخلوق له أصل، له جذور ، له هدف. :" اريد أن آخذ حقى من الحياة عنوة ، و ان اعطى بسخاء. و ان يفيض الحب من قلبى ، فينبع ويثمر. ثمة آفاق كثيرة لابد ان تزار .و ثمة ثمار يجب أن تقطف . و ثمة صفحات بيضاء فى سجل العمر، ساكتب فيها جملا واضحة وبخط جرئ . فانا لست حجرا يلقى فى الماء ، لكننى بذرة تبذر فى الحقل ." هذا العالم المفتول بالدهشة والبساطة والقوة صعب عليه أن يلقى نظرة الوداع الاخيرة على المريود فى جوار جده البكرى. هل استوفى المريود حقوقه كاملة فى هذا العالم كما كان يريد. ذلك العالم الذى انداح فيه كما ينداح النسيم السيار بين الخمائل فيحرك اغصانها وفروعها. و هل بقى فى مقدور المريود ان يعطى اكثر مما اعطى لعالمه الكبير. لقدأعطى سمار "اصيلة" عبق الجروف كله فما ابقى ، وافاض دعاش الشفق الساجى على "الجنادرية" فما اقتصد. وكتب بخط جرئ على كل الصفحات ، فاوغر صدر الابداع حتى فاض منه مداد الخلود فى بندر شاه ، وفى عرس الزين ، وفى ضو البيت ، وفى النخلة الحانية عند الجدول.وقطعا فى موسم الهجرة الى الشمال الذى بزغ فيه فجر خلوده الادبى، وغادر فيه دار الغرور الى دار الحلود . ومثلما قال المريود كأنه يحدث عن نفسه : لم يكن حجرا يلقى فى البرك الساكنة فيغوص فى عتمات السكون والظلمات والنسيان. ولكنه كان محارا من صدف جميل متى القى فى البرك الساكنة ، ماجت وهجا وشعاعا . لقد ساح المريود فى العالم الأول ، وانداح فيه حتى ظن أنه لن يعود منه الى عالمه الصغير الذى عرفه وهو بعد صبى تربال . ولكنه عاد على أى حال . تماما مثلما ساح مصطفى سعيد فى الارجاء ثم عاد الى تلك القرية المنطرحة عند منحنى النيل ، التى يتصايح فيها الناس عند الفجر والديوك. يسألك الناس : لماذا صنع المريود مصطفى سعيد بذلك الحجم من التعقيد. هل كان يريد أن يعطينا حصة فى ثقافات شعوب ما وراء البحار وترهاتها. ام فعل ذلك تأسيا بعادة الناس فى قريته الناعسة عند منحنى النيل. وقدرتهم على الحكى . فالناس هناك يحكون ويحكون ويحكون حتى يظن جليسهم أن ليس هناك صنعة غير الحكى فى عالم القرية الساجية عند منحنى النيل. ففى تلك البيئة الريفية يحكى الناس من صباح الرحمن وحتى مسائه، لا يفترون . ليس هناك اعمالا يؤدونها ، فتشغلهم عن الحكى. و هذه الفروق التى وجدها المريود بين عالم جده فى القرية الوادعة المنطرحة عند منحنى النيل . وعالم جين مورس فى البلاد التى تموت من البرد حيتانها ، قد حفزته لتجويد صناعة الحكى التى الفها فى محيطه القديم ، وزادته قوة للتماهى فيه . ام أنه أراد أن يستعرض ثقافاته الجديدة التى حصل عليها فى عوالم ما وراء البحار فى غفلة من أهله الماكثون على قديمهم الباقى فى قريتهم الناعسة عند منحنى النيل . وفى غفلة كذلك من أهل تلك العوالم فى دأبهم اليومى المفرط. ربما هذا . وربما ذاك . ولكنه صنع، على أية حال ، اسطورة استعصت على فهم الناس . و دفق عليها من ثقافاته الدراسية مدادا كثيرا ، حتى استوت عالما من غموض كثيف . وقد احاطها بكل ذلك الكم المعرفى المتنوع . فقد عرفها بعوالم جديدة : عرفها بعالم باخ ، وعالم كيتس، وعالم مارك توين . و فلسف لها الحديث عن عوالم جين مورس . وفتيات جيش الخلاص. وجمعيات الكويكرز . ومجتمعات الفابيانيين، وحزب الاحرار .وحزب العمال . وحزب المحافظين . لغريب فى الامر حقا أن أهله فى تلك القرية الناعسة عند منحنى النيل استطاعوا أن يفهموا هذه الالغاز دون عناء . وقالوا لابأس من أن يستعرض فتاهم عضلاته الثقافية ، وقوته التعليمية . او أن يتماهى بما حصد من صنوف المعرفة. المهم أنه نجح فى الهاء الناس بما صنع ، وشحذ هممهم ، ودعاهم الى دائرة التفكير فى شئ جديد . ولكن هل كان مصطفى سعيد فى حقيقته ، شخصية معقدة تستعصى على الفهم. البعض يقول نعم . ويدلق فى ذلك حبرا كثيرا. آخرون يقولون لا . وبذات القدر او اكثر يدلقون حبرا كثيرا . كاتب هذه السطور ، و هو من قبيلة الوراقين ، وعلى طريقة جده القديم ابوحيان التوحيدى ، كان وما زال يغشى اوراق المريودكثيرا . ويعشقه كثيرا . وهو لا يرى أن المريود جعل من مصطفى سعيد شخصية معقدة. بل يرى ان شخصية مصطفى سعيد هى شخصية واضحة وضوحا شديدا . لقدكان مصطفى سعيد ضحية لوجوده فى عالم مرذول اخلاقيا . اخذته الدهشة فى عقالها منذ اللحظة التى دخل فيها الى ذلك العالم الاباحى المفرط . واغرته سهولة الحصول على المجون بثمن بخس ، بعض من علب البيرة الباردة من هنا ، وبعض عشاء من هناك ، ودعوات فورية بلا ترتيب كبير ، من النوع الذى نقول عنه فى بلادنا انها دعوات "مراكبية".بمعنى انها دعوات بلا تخطيط مسبق وترتيب محترم دقيق. وبعدها يحدث كل شئ بسهولة متناهية . ففى مثل جلسات الانس تلك لا يوجد ولى أمر ينتهر من يخرج عن المالوف ، و لا صاحب عصبة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. حتى اذا اصبح صبح القوم الفيتهم مطرقين ومجدوعين على قارعة المكان ، مثل الاباريق الفارغة. مصطفى سعيد قرر أن يهتبل السانحة التى اوجدته فى هذا العالم المنطلق بلا قياد او رسن . وأن ينتقم من الحرمان الذى عاش فيه منذ صباه الباكر. فقد نشأ صبيا يتيما . وكان يتحدث عن كبد العيش مع أم لا تملك من المال اكثر مما يوفر لها القدر القليل من السترة. و فى عالم ما وراء البحار، وجد الحرمان الحقيقى مجسدا امامه بوضوح شديد : لا أب ، ولا ام ، ولا اهل ، ولا عشيرة يركن اليها . ووجد بجانب هذا الواقع سهولة متناهية فى الافلات من ضيقه ومن عزلته- بأن يغوص فى عالمه الجديد هذا و ينسى عالمه القديم فى قريته الوادعة المنطرحة عند منحنى النيل . فقرر أن يفعل الافاعيل . وياحضرة الساجى عند بوابة الرحمن الرحيم ، الرحمة لك ، والخلود ، بما انعمت علينا من فيض عطائك الجزل.والتحية لك والتبجيل ، ويبقى لن التعزى فيك ،والصبر الجميل . ولا حول ولا قوة الا بالله. -----------------------------------------------
محيميد.. لن يموت النيل ... بقلم: ضياء الدين بلال السبت, 21 فبراير 2009 21:22
diaabilal@hotmail.com هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته بصدق.. فاجأتني عيناي بدمعتين وأنا استمع للـ (بي. بي. سي) بالعربة في طريقي الى مباني الصحيفة. كان الكاتب المصري الرفيع جمال الغيطاني يتحدث عن الراحل الطيب صالح - المصريون دوماً من أكثر المجيدين للتعبير عن المشاعر السلبية والايجابية تجاه الاحياء والأموات - تحدث الغيطاني بحب شفيف. ومعرفة عميقة بالروائي ورواياته، وقال انه تعرف على السودان المجاور لمصر، والمتداخل معها تاريخياً، لا عبر الزيارات. ولكن عبر روايات الطيب صالح. ذلك الرجل الذي أجاد الدكتور عبد الله علي ابراهيم وصفه بأنه «رجل بلا مزاعم».. والغيطاني قال انه درويش عظيم. تسكنه أرواح التصوف. يأتي الى أعظم الافكار عبر أقرب الطرق. وكما هو كاتب بديع هو كذلك متحدث مجيد. لا تستطيع أذن أن تقاوم رغبة الإصغاء لما يقول. فالحكمة تجري على لسانه كما تجري مياه النيل..! الاستاذ محمد ابراهيم نقد.. تجمعني به محبة خالية من الادلجة.. ومحادثات هاتفية - تًسر معنا شركات الاتصالات - اتصل بي ليلتها وقال لي: (كتب علينا ان نستقبل مبدعينا في توابيت من خشب.. علي المك وصلاح أحمد ابراهيم. وأخيراً الطيب صالح.. صلاح رثا علي المك والطيب رثا صلاح فمن يرثي الطيب؟)... قالها نقد وفي صوته أحزان اليسار واليمين..! الدكتور عبد الله قال إن الطيب «رجل بلا مزاعم».. هذا أفضل تلخيص لوصف كاتب باتساع وعمق الطيب صالح، في وطن تتعالى فيه أصوات المزايدات وكل يضيف الى ملامحه وسيرته، ما اتسع له المجال من ادعاءات واوهام. تجد سوقها رائجاً في حواري السقّايين وتجار البخور. الدكتور محمد ابراهيم الشوش من أكثر العارفين وأجود المتحدثين عن الطيب صالح. ذلك بحكم المزاملة والمساكنة ببريطانيا، الى درجة ذهاب البعض الى ان بعض مقومات شخصيات الطيب صالح الروائية لها نصيب من سيرة الشوش اللندنية..! الشوش حكى لنا بمباني مجلة «الخرطوم الجديدة» التي يرأس تحريرها الصديق الطاهر حسن التوم، حكى ذكريات تلك الايام. وألقى وقتها بملاحظة شدّت انتباهنا الى مداه الأقصى..! قال الشوش إن أياماً طوال جمعته في مسكنٍ واحدٍ بالطيب صالح بلندن - في الخمسينات أو الستينات لا أذكر- وأنه - أي الشوش- كان يراقب تصرفات وأفعال الطيب بعينٍ راصدةٍ، تبحث عن التجاوزات والهناّت، التي يوفّرها مناخ لندن البارد لشبابٍ ساخن الدماء..! ورغبة البحث والترصد مصدرها قناعة راسخة لدى الشوش بأن الاستحالة البشرية تقتضي عدم وجود شخص بمثالية الشاب الطيب صالح. لذا ربما أن الرجل له براعة استثنائية في الإخفاء وكتمان الاسرار.. وقال الشوش بعد سنوات طوال اكتشف أمراً خطيراً.. وهو ان الطيب صالح تخلّص من نزواته ورغباته عبر شخوص رواياته ونال مصطفى سعيد النصيب الأوفر.. واحتفظ الطيب لحياته الواقعية بكل هذه المثالية والنقاء..! اكتشاف الشوش هو نقيض ما وصل اليه عبد الرزاق عبد الواحد الشاعر العراقي الشهير، وهو يتحدث في البرنامج الأروع «أيام لها ايقاع» عن صديقه وزميل دراسته الشاعر بدر شاكر السياب.. فقال ان بدر كان في الواقع شخصاً قميئاً كثير المثالب، ولكنه كان حينما يمسك القلم، فارس كلمة لا يشق له غبار..! عبد الرزاق اختصر صديقه في وصف محكم حين قال:(السياب شاعر بالغ الروعة يعصر نفسه بين السطور ولا يبقى منه إلا الوحل).. وبمناسبة (أيام لها إيقاع).. ترى متى يُطلق سراح قلم الأستاذ حسين خوجلي؟!.. فقد رحل الكثيرون من مبدعي السودان وثرواته القومية دون أن يسمح للبارع حسين خوجلي، بأن يضع توقيعه الأنيق على دفاتر أحزانهم.. عندما يكتب حسين عن الطيب صالح سيضطرنا جميعاً للجلوس على مقاعد الجماهير..! الأحزان واحدة.. رحل الطيب صالح قبل أن تتحقّق أمنية ورغبة محيميد. حينما قال: (وقتين طفح الكيل، مشيت لأصحاب الشأن قلت ليهم خلاص. مش عاوز.. رافض.. أدوني حقوقي عاوز أاروّح لي أهلي، دار جدي وأبوي.. أزرع وأحرث زي بقية خلق الله، أشرب الموية من القلة وآكل الكسرة بالويكة الخضرا من الجروف، وارقد على قفاي بالليل في حوش الديوان.. أعاين السما فوق صافية زي العجب والقمر يلهلج زي صحن الفضة.. قلت ليهم عاوز أعود للماضي أيام كان الناس ناس، والزمان زمان)، ولكن محيميد عاد أخيراً محمولاً على تابوت خشبي..!
تجربة الحركة الإسلامية بميزان الطيب صالح ... بقلم: بقلم: وليد الطيب السبت, 21 فبراير 2009 19:59
لم يشتهر بين السودانيين رجل من خارج قطاع السياسيين كما اشتهر الطيب صالح الأديب والروائي المعروف، صاحب "موسم الهجرة إلى الشمال"، ورغم ابتعاده عن غمار السياسة فإنه كان صاحب رؤية سياسية نثرها من خلال رواياته أو مقالاته، التي داوم على كتابتها في مجلة (المجلة) السعودية، وظل يجهر برأيه عبر مختلف وسائل الإعلام حتى وفاته يوم الأربعاء 18 فبراير 2009م، ومما تعرض صالح له بالتناول والنقد تجربة الحركة الإسلامية السودانية في الحكم، وهي تجربة طويلة وثرية وملهمة للإسلاميين في العالم.. هذا المقال يتتبع رأي الطيب صالح في هذه التجربة كما نثرها في كتابه (وطني السودان) الذي نشر ضمن مختارات الطيب صالح التي نشرها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان. إسلام الطيب صالح! لا يصنف الروائي السوداني الشهير الطيب صالح إسلاميا في توجهاته العامة، وبهذا الاعتبار فإن الإسلاميات أو الإشارات ذات المغزى أو المحتوى الإسلامي التي تناثرت في كتبه لا تجد اهتماما من الإسلاميين، كما لا ينظر النقاد الأدبيون إليها إلا من أجل إثبات الأثر الإسلامي وتأكيد وجوده، في محاولة منهم لتقديم رؤية نقدية تتسم بالشمول لهذا الأديب الذي ينحدر من بلد عريق في إسلامه، ولقد خضع لمثل هذه القراءات أدباء كثيرون. يقول الأكاديمي السوداني د.خالد محمد فرح: "يستمر الاهتمام بالإسلاميات –في الأدب- ليشمل حتى بعض الكتاب والأدباء المعاصرين ممن ينتمون إلى التيارات الفكرية الحديثة، الليبرالية منها واليسارية بصفة عامة، وحتى بعض معتنقي المذهب الماركسي" (صحيفة الأحداث السودانية، العدد: 455، الخميس 22يناير 2009م)، وفيما يتصل بأديبنا الكبير فقد تقصى المفكر السوداني إبراهيم محمد زين "أشكال التعبير الديني في روايات الطيب صالح" في كتاب حمل هذا العنوان. والحق أن الطيب صالح لا يمكن اعتباره بعيدا عن المشروع الإسلامي وأشواقه في السودان؛ فالرجل قبل أن يأخذه الأدب من السياسة كان أحد بضعة شباب أسسوا طلائع الحركة الإسلامية السودانية باسم حركة التحرير الإسلامي، وهو أحد بضعة رجل اختاروا أن يتميزوا باسم الحزب الاشتراكي الإسلامي عندما اختار بعض الرعيل الأول الانحياز بحركتهم السودانية الإسلامية الناشئة إلى الإخوان المسلمين وفكرهم وتنظيمهم المصري. ورغم ابتعاده نهائيا عن الدائرة الإسلامية في العمل العام فإنه كما يبدو من خلال سيرته الذاتية ويومياته حريص على الصلاة والحج، وله إجلال للصحابة رضي الله عنهم، ولا يبالي بتصنيف الإسلاميين له. وهذه الصلة كافية في أن تجعل من تعليقات الأستاذ الأديب حول تجربة الإسلاميين في الحكم مقياسا لما كان يصبو إليه الجيل المؤسس للحركة الإسلامية السودانية، ومن جهة أخرى تصلح كذلك مقياسا للمطلوبات الوطنية من دولة ما بعد الاستقلال. قبل حكومة الإنقاذ اختار الطيب صالح أن يبدأ كتابه (وطني السودان) من لحظة من العام 1988م، وهي من سنوات العهد الديمقراطي الثالث بالسودان، ومن مكان ذي دلالات وإيحاءات وهو مطار الخرطوم، حيث أفواج المهاجرين والفارين تترى وكأن البلد ستخلو بعد قليل، وذلك في عهد السيد الصادق المهدي الذي لم يحفل بنصيحة الطيب صالح له أول عهده بأن يهتم بقضايا الحياة اليومية التي تهم الناس، ورئيس الوزراء يومذاك "كان كعهده دائما مهذبا لطيفا جم التواضع... هذا الرجل اجتمعت له كل مقومات الزعيم الكبير، ومع ذلك مضى رجال الأحزاب يخبطون خبط عشواء وكأن انتفاضة رجب المباركة -1985م التي أطاحت بالنميري لم تحدث، وكأن ما كان طوال سبعة عشر عاما -فترة حكم النميري- لم يكن وكأن الزمن رصيد لا ينفد؛ يبددونه كيف شاءوا ثم، كما كان حتما أن يحدث، استيقظوا ذات صباح فإذا الجيش قد ربط خواصر الجسور وأغلق أفواه الطرق وإذا الصحف معطلة والبرلمان موصد، والأحزاب محظورة وإذا هم داخل السجون" (الطيب صالح، مختارات"7": وطني السودان، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي،أم درمان،ط 1،2005م، ص69-70). وتلك كانت الأسباب التي دعت الإسلاميين السودانيين للانقلاب على السلطة السياسية في الخرطوم، وفي نظر الطيب صالح هي بداية لا تختلف عن بدايات التجارب العسكرية الثلاثة التي حكم الجنرالات عبرها السودان، فمن ثم لا يستبعد الطيب صالح أن تكون مسيرة هؤلاء الإسلاميين الذين انقلبوا على السلطة وصادروا الحريات أول أمرهم هي ذات مسيرة العسكريين السابقين ممن تولوا الحكم ثم نُزعوا عنه. من أين جاء هؤلاء؟ يعتقد الأديب السوداني الكبير أن للسودانيين صفات نفسية واجتماعية مميزة، وتغطي برحابتها كل مكونات الشعب السوداني لا يشذ عن ذلك مسلم متدين أو وطني مخلص أو يساري ذو ولاء لأمته، وأن هذا الوجدان السوداني صاغته عوامل متعددة من المدائح النبوية للشيخ "حاج الماحي" والغناء الوطني لخليل فرح وغيره وشعر محمد سعيد العباسي ومحمد المهدي المجذوب (وطني السودان،ص 82). ولكن الطيب صالح لم يلحظ الصفات النفسية والاجتماعية تلك في حكومة الإنقاذ ولا رجالها فـ"من أين جاء هؤلاء؟".. ظلت هذه الجملة سؤالا كبيرا يشغل بال الروائي السوداني، وهو يرى -في فاتحة عهد النظام الإسلامي الجديد- مئات من ذوي الكفاءة من بني وطنه يتوافدون على منفاه الاختياري في بريطانيا وشواطئ الخليج وأصقاع الأرض بعد أن حيل بينهم وبين الخدمة في أوطانهم وهم في ذروة العمر وزهرته... ضباط أحيلوا للتقاعد، معلمون أرغموا على ترك وظائفهم، سفراء استغني عن خدماتهم ظلما فتحولوا إلى تجار، أساتذة في الجامعات اضطروا إلى الهجرة اضطرارا فتشتتوا شرقا وغربا. وللطيب صالح قراءة خاصة لما جرى؛ فهو يعتبر أن الطالبين للحكم من أي توجه كانوا يتوهمون أن إرادة الله قد اختارتهم ليكتبوا الصيغة النهائية في سفر التاريخ، وفي حالة الحركة الإسلامية السودانية وحكومتها فإن رجالها يحلمون أن يقيموا "خلافة إسلامية" سودانية يبايعها أهل مصر وبلاد الشام والمغرب واليمن والعراق وبلاد جزيرة العرب، ولكنه يستقرئ أنها لن تكون إلا (جثة السودان المسكين). من مؤلفات الروائي السوداني ويقطع الطيب صالح -من خلال تجربته الطويلة في الحياة- بخطأ هذا المسلك، ومحاولة تغيير عجلة التاريخ دون وعي بسنن التغيير وإمكانات الواقع على النهوض بالمهمة التي يراد له أن يحملها، فالشعوب تحتاج لإعداد خاص الحرية شرط أولي وأساسي فيه، لأن التطور لا يكون إلا على يد "قوم أحرار في بلد حر" وهي حرية تؤسس نظاما يُعلي من "أقدار الناس" في الحياة، بعيدا عن الانكسار أمام الحاجة اليومية تحت سياط الجلاد، فالطيب يريد أن يستجيب السودانيون للسياسي الحاكم و"يعملون للوطن كما يعمل الأحرار، نخوة ومروءة وتقديسا للواجب، الواحد منهم لا تحده إلا حدود الموهبة ولا يخشى إلا الله والذئاب على غنمه" ص 192. وفي هذا يتفق مع ما انتهى إليه مفكرو الحركة الإسلامية الحديثة من أن الحرية شرط النهضة وعمادها، وهي حرية لا تتنافى مع جوهر الفكرة الإسلامية، حيث تجعل من الحياة كما أرادها الله ميدانا للتدافع بين الناس. أسباب مشكلة الإسلاميين يتبنى الطيب صالح ما ذهب إليه المفكر الإسلامي السوداني الدكتور مدثر عبد الرحيم عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق بجامعة الخرطوم من أنه "حدث انشقاق اليوم -في ظل حكم الحركة الإسلامية- في المجتمع السوداني لم يحدث مثله منذ عهد الخليفة عبد الله" خليفة المهدي السوداني، قبل مائة عام. يرد صالح هذا الانشقاق إلى سببين رئيسيين: الأول هو أن الحركة الإسلامية التي استولت على السلطة لها تصور (يقيني) بأنها وحدها على الحق المبين، وأن لها سلطة أخلاقية ووطنية ليست عند الأحزاب الأخرى، والسبب الثاني هو اتخاذ ها طرقا في الحياة ومواقف في العمل السياسي والنهضوي تتنافى مع طبيعة الأشياء ومسيرة التاريخ، يقول الطيب صالح: "إن هذا العهد أوحى أول مجيئه أنه لا يبالي أرضي الناس أم سخطوا، جاء بتصور جاهز للمستقبل، يريد أن يفرضه قوة واقتدارا، وقد اتخذ أساليب منافية كلية لمسيرة التاريخ وطبيعة البيئة بما فيها من قبول للتعدد، ونزوع إلى الوفاق والتراضي، وعزوف عن التطرف والعنف" ص177. ويجزم صالح أن هذه الرؤى اليقينية محكوم عليها بالفشل، بل بإنتاج ثمار عكس المتوقع والمرجو "إن النظم (اليقينية) دائما تجيء بخارطة جاهزة للمستقبل، لا نستطيع إنجازها بطبيعة الحال، إنما يحدث شيء مختلف كلية"، ويضرب صالح مثالا: "هذا الحكم جاء ليرفع ألوية الإسلام في غيابات الجنوب، لكنه لم يستطع لأن الحرب لم تبق مساجد ولا كنائس.. لكن مقابل ذلك قامت كنائس في الشمال في أماكن لم تسمع غير نداءات المؤذنين منذ عشرة قرون" ص 184. ويستشهد من التاريخ الإسلامي بنماذج تبين خطر هذه (اليقينية): "إن الحجاج بن يوسف -السفاح- كان يعلم الصبية القرآن، وعبد الملك بن مروان الذي أمر بضرب الكعبة الشريفة بالمنجنيق كان فقيها عالما بالشعر، وهذه الأمور ليست جديدة" ص 62. رأيه في محاولات الإصلاح قبل أكثر من أربع سنوات من انشقاق الحركة الإسلامية السودانية وحزبها الحاكم في العام 1999م، بين الترابي والبشير، استشف الطيب صالح بوادر إصلاح أو احتجاج آخذة في الظهور، بين الإسلاميين السودانيين، بعضها أتى في سياق انتقادات علنية من بعض الجيل القديم كما في تصريح مدثر عبد الرحيم السابق، وبعضها من الجيل الشاب كمحاولات الدكتور عبد الوهاب الأفندي، التي ضمنها كتابه "الثورة والإصلاح السياسي"، ويعتبر صالح ذلك" من حسن الحظ أنه يوجد أناس أمثال الأستاذ أحمد عبد الرحمن لم يمنعهم إيمانهم بفلسفة هذا العهد أن ينظروا في أفعاله بعيون مفتوحة وقلوب واعية، هؤلاء يدركون أن العهود تجيء وتذهب، وأن الأوطان هي التي تبقى، وأن الهدف يجب أن يكون بقاء الوطن، وليس بقاء أي حكم أو نظام" ص 187. "وقد ارتفع صوته من قبل في الخرطوم في المجلس (الوطني) الانتقالي، وهو مجلس معين بين مجموعة من الأصوات منبها على أخطاء الحكومة وتجاوزاتها بالتعدي على حقوق المواطنين، وندد بأساليب القهر التي تنتهجها بعض وسائل الأمن، ولا يخفى أن هذا النظام قد ابتدع من وسائل المخابرات والتجسس والتلصص على الناس ما يدعو إلى العجب" ص 197. بل إن أحمد عبد الرحمن، وهو إسلامي مخضرم وله مجاهدات مشهودة في رأي الطيب صالح، قد أسدى خدمة لجماعته حين صارحهم في ندوة بلندن سبتمبر 1994م أنه (لا توجد دولة إسلامية بالسودان)، وهي مصارحة شجاعة في وقت مبكر من عمر التجربة "لعله يسدي بها خدمة (لجماعته)". أما محاولة الأفندي التي ضمنها كتابه (الثورة والإصلاح السياسي)، فقد رأى الطيب صالح أنه "أحرى بهم أن يأخذوه مأخذ الجد لو كانوا يريدون الإصلاح"؛ إذ "محص فيه أخطاء الحكم"، وصدرت (من منطلق الانتماء لهم والحدب عليهم". ولكن الطيب صالح لم يكن متفائلا بالاستجابة لداعي الإصلاح، مع يقينيات الحركة الإسلامية، ولهذا جزم (وما أظنهم يفعلون).وقد تواصلت دعوات الإصلاح داخل الحركة الإسلامية السودانية منذ تلك السنوات الباكرة، ولم يكن حظها غير الصد والرد وإبعاد المصلحين من دائرة القرار والتأثير في الحركة الإسلامية ودولتها في الخرطوم، وقد بلغت سن الرشد، ومن العمر عشرين عاما. نجد هنا الطيب صالح ينظر للحركة الإسلامية السودانية ودولتها بموضوعية كاملة؛ فهو لا يريد إلغاءها وإقصاءها من الحياة السودانية، بل يريد أن تطور هذه الحركة من مواقفها، وأن تصلح نفسها بنفسها، معتبرة بالتاريخ، وواقع الشعب السوداني، بمثل استجابة المستعمر البريطاني قبل قرن من الزمان، وهي رؤية جديرة بأن ينظر إليها أيضا الذين هم خارج الدائرة الإسلامية، وهي اعتبار المشروع الإسلامي في الدولة الوطنية القائمة اليوم في العالم الإسلامي مشروعا وطنيا مثله وغيره المشاريع التي تزخر بها الدول العربية اليوم.وممن يدعو لهذا الفكرة أيضا الأكاديمي السوداني والماركسي السابق د.عبد الله علي إبراهيم، الذي يقرر من خلال استقرائه أن الشريعة تتعقب الحداثة بأثر رجعي حال استبعادها. إن قراءة الطيب صالح لتجربة الحركة الإسلامية في الحكم في سياق الدولة الوطنية وتعاطيها مع محاولات الإصلاح يعطي الحركة الإسلامية السودانية فرصة لأن ترى تجربتها في مرآة الآخرين بل النخبة منهم، أهل الإبداع والتجربة، الذين يقودون الحياة بل ويصنعونها. وقد رحل الطيب صالح، وبقيت رؤيته للحركة الإسلامية وملاحظاته السالبة عن تجربتها في الحكم، ورغم مرور سنوات طويلة بين تنبيهه عليها، فما تزال هذه السلبيات تؤثر في مسيرة التجربة، وما تزال دعوات الإصلاح التي شجعها تنكفئ ولا تتجرأ على إحداث تغيير إيجابي في الحركة والدولة والوطن، فلعل وقت الاستجابة قد حان. صحفي سوداني waleedattayb@gmail.com
التقيت أديبنا الفذ الطيب صالح لأول مرة قبل ثلاث أو أربع سنوات فى منتدى الجنادرية الذى يقيمه الحرس الوطنى بالمملكة السعودية فى كل سنة، يجمع فيه المفكرين العرب والأدباء والمتأدبين والأكاديميين ورجال الإعلام من داخل المملكة وخارجها، وكان الطيب صالح ضيفاً دائماً فى ذلك المنتدى الجامع. رأيته فى بهو الفندق يتحلق حوله الأدباء والصحافيون من الشام ومصر ولبنان والعراق والمثقفون السعوديون، كان هو قطب الرحى فى ذلك التجمع يخاطبه الجميع ويرد على الجميع بأريحية وعفوية وصراحة. كنت أريد أن أتعرف عليه عن قرب ولكن ليس فى تلك «الزحمة» فأنا امرؤ فردانى أنفر من الزحمة والضوضاء ولو فى مناسبة طيبة، وقلت فى نفسى سأتحين معه فرصة ثانية فمهرجان الجنادرية يمتد لعدة أيام، وخاب ظنى فالحلقة حول الطيب صالح لا تنتهى وتستمر فى كل فترات الراحة صباحاً وعصراً ومساءً. وبعد يوم أو يومين من الانتظار اقتحمت الحلقة وسلمت عليه وعرّفته بنفسى فرد التحية بأحسن منها وقال لى فى ودٍ جاذب انه قرأ لى بعض المقالات فى الصحف السودانية وأعجب بها. أخذت مكانى فى طرف الحلقة واستمر الحديث والأنس، فاكتشفت أنه يعرف كل أولئك النفر من شتى بلاد العرب ويتعرف بسهولة على من ينضم إليه لأول مرة ويستمتع بالحديث معهم دون كلفة أو تصنع، ولا يتنازل عن ليبراليته الغربية ولا عن سودانيته القحة ولا يجد تناقضاً فى ذلك، ومدار الحديث كان عن الأدب والفكر والشعر والصحافة وقليل من السياسة التى يسمح بها مناخ السعودية غير المواتى. وتبينت من جلسات قصيرة ان أديبنا الفذ متحدث من الطراز الأول تجذبك نحوه معرفة موسوعية بدنيا الثقافة والأدب والفكر فى الشرق والغرب، وطلاوة حديثه وعمق تفكيره وحسه الفكاهى الراقى، وتبسطه فى الكلام دون كلفة وصوته الشجى العميق، هو من تلك الزمرة الموهوبة التى لا يمل المرء حديثها ويستزيدها كلما ارادت أن تتوقف. قال عن مجالسه الناقد المصرى حلمى النمنم «لا تمل من الجلوس معه والاستماع إليه، وتشعر أنك تستفيد منه بالفعل»، وقال عنه ميرزا الخويلدى من جريدة «الشرق الأوسط» : كان الطيب أبرز المثقفين العرب الذين أعطوا زخماً هائلاً لأمسيات الجنادرية الثقافيه، كان صدره واسعاً وهو يجيب على المثقفين الشباب الذين ألهبت عواطفهم أدبيات الصحوة الدينية، كان يغلب محاوريه بأفق رحب وابتسامة عريضة وحس انسانى رفيع. أما روعة انسانية الطيب صالح فأسأل عنها دون حرج من عرفوه فى ديار الغربة عن قرب وارتبطوا به فى علاقة حميمة: محمود عثمان صالح ومحمد ابراهيم الشوش وحسن ابشر الطيب وحسن تاج السر وعبد الوهاب الافندى وخالد فتح الرحمن وبونا ملوال وآخرون، أحسب أن الأفندى يتحدث باسمهم جميعاً حين كتب يقول: كان الطيب نسيج وحده لأنه يأسر بانسانيته قبل أن يبهر بموهبته، فقد جسد فى شخصه كل ما هو محبوب من صفات أهل السودان: نبل وكرم وتواضع وإيثار وبعد عن التكلف. وقال عنه الأديب خالد عويس: عظمته لا تكمن فى ابداعه الأدبى والروائى وإنما فى انسانيته وتواضعه المدهش وزهده. وقال عنه صديقه وصفيه محمد بن عيسى وزير الثقافة ثم الخارجية فى المملكة المغربية: انه أشبه بالولى الصالح، وقد عرفه الرجل معرفة لصيقة فى منتديات أصيلة على شاطئ الأطلسى التى تتخير لها الحكومة المغربية أهل الفكر والأدب والذوق، وكان الطيب أحد فرسان المنتدى الميامين لا يكتمل العقد الا بحضوره، وأحسب أن بن عيسى سيحزن لموته أكثر مما يحزن كثير من أهل السودان. ونحن نغفر لأبى الطيب المتنبى كثيرا من صفاته الشخصية غير المحبوبة مقابل ذلك الشعر الرفيع واللغة الجزلى والحكمة الشرود التى استبطنت أعماق النفس البشرية، فما بالك بمبدع جمع مع تلك المواهب الراقية زهد أبى العتاهية وروحانية الغزالى وموسوعية الجاحظ وحلم الأحنف بن قيس وأدب اخوان الصفا. ذلك هو الطيب صالح جمع بين الموهبة الفذة والانسانية الرائعة والذوق الرفيع. والذى يصبر على فهلوة القبطى المصرى، منسى، الذى ادعى ذات مرة أنه رئيس الوفد المصرى لمقابلة ملكة بريطانيا ولم يكتف بذلك بل سلم عليها ووقف يحادثها مدة أطول مما ينبغى فى عرف البروتوكول الانجليزى العتيد حتى تعطل من ورائه صف الضيوف الذين ينتظرون دورهم فى مصافحتها، ومن بينهم كان وزير خارجية السودان محمد أحمد محجوب! من يصبر على ذلك لا بد أن يكون من أهل الحضرة المباركة الذين لا يعرفون الغضب ولا يكترثون لهفوات البشر ولا يأبهون للقيل والقال! وكتب الطيب كتيبا فى غاية الامتاع عن ذكرياته مع منسى الذى دخل بريطانيا قبطيا معدما وخرج من الحياة غنيا يمتلك الضياع والخيول ومتزوجاً من احدى بنات اللوردات وعاش فى ارقى أحياء لندن وهداه الله الى الاسلام فى آخر عمره، وأصر الطيب على أسرته أن يدفن فى مقابر المسلمين فاستجابوا له، رحمه الله. أما روعة أدبه فذلك مربط الفرس الذى ينبغى أن يقف المرء أمامه حاسر الرأس معترفاً ومتأدباً، فالزمان لا يجود بأمثال هؤلاء كثيراً، فروايته «موسم الهجرة الى الشمال» تقف واحدة من مئة رواية هى أبدع ما كتب فى تاريخ الأدب الانسانى مع روائع سوفوكليس وهوميروس ودانتى وتولستوى وشكسبير وفاوست وأنطون شيخوف وجويس وفرانز كافكا وايميلى برونتى وجين أوستن وشارلس دكينز وارنست همنجواى وجبرائيل ماركيز ونجيب محفوظ وشنوا أشيبى، ومن أحسن رفقة من هؤلاء فى دنيا الأدب والقصة؟ ووصفت أكاديمية الأدب العربى فى دمشق رواية «موسم الهجرة» بأنها أهم رواية عربية فى القرن العشرين؛ وترجمت بعض كتبه خاصة رواية «موسم الهجرة» لأكثر من ثلاثين لغة. وقد اعترف بمكانته الأدبية الروائى البريطانى من أصل تركى، موريس فرحى، قائلاً: ان الطيب كاتب عبقرى وأديب بارز ومثله لا يتكرر فى العالم العربى والشرق الأوسط،، وقال مثل ذلك الكاتب السورى حنا منيا: أمثاله من عباقرة الأمة ستذكرهم الأجيال القادمة ولن يتكرروا. ووصفه الكاتب المصرى المدقق، رجاء النقاش، الذى يعزى له أنه أول كاتب عربى مرموق لفت النظر الى رواية «موسم الهجرة»، وصفه بأنه «عبقرى الرواية العربية». ونال الطيب عدة جوائز على أعماله الباهرة من مصر والمغرب وقطر. وقد رفع الطيب صالح بموهبته اسم السودان عاليا فى فن الرواية العربية حتى ما عاد أحد يشتغل بفن القصة والرواية لم يسمع بالطيب صالح أو يقرأ له بعض قصصه. والطيب مقل فى كتاباته فلا تزيد كتبه الروائية عن خمسة أو ستة، ينطبق عليه بيت الشعر المشهور: بغاث الطير أكثرها فراخاً *** وأم الصقر مقلاة نذور «أظنه للمتنبى». سألته جريدة «الشرق الأوسط» ذات مرة: هل تحب الكتابة؟ فأجاب دون مراوغة: أكرهها مثل الموت، ولا أكتب إلا إذا بلغ السيل الزبى! فالطيب لا يحترف الكتابة ولا يتعيش منها، ولكن عندما تتخلق الفكرة فى داخله وتنضج وتؤرقه ليلاً ونهاراً يضطر إلى إخراجها من ذهنه وفكره الى الوجود مكتملة النمو ناضجة السباكة مثل ما تلد الأم الطفل بعد تمام حمله. وأحسب أن طلحة جبريل كان مصيباً عندما رثى الطيب صالح فى مقال جيد ينضح بالعاطفة والحزن، استشهد فيه بمقولة للطيب نفسه «الشخص الذى يطلق عليه لفظ كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع فى أعماقه، والابداع نفسه هو بحث عن الطفولة الضائعة»؛ يعنى الطفولة البريئة الطيبة الوادعة التى يسخر منها السياسيون المحترفون، قاتلهم الله أنى يؤفكون! أول ما قرأت للطيب كانت رائعته «موسم الهجرة الى الشمال» فى منتصف الستينات وأنا طالب بكلية الآداب فى جامعة الخرطوم، أهدانى أحد الزملاء مجلة «حوار» اللبنانية التى نشرت القصة ونصحنى بقراءتها ولو لا ثقتى فى ذوقه الأدبى لما حفلت بها فقد كنا مشغولين فى ذلك الزمن الجميل عقب ثورة أكتوبر بمقارعة الشيوعيين سياسياً وأكاديمياً «جلال الدين الطيب وعبد الله على ابراهيم وخالد المبارك وعثمان النصيرى»، ولم يكن لدينا وقت نضيعه فى سفاسف الأدب والشعر والمسرح! وندمت على ذلك ندامة الكسعى فقد كان لى ميل للآداب والفنون هجرته فى مهده عندما اشتبكت مع الحركة الاسلامية وأنا فى أول العهد بكلية المعلمين الأولية فى بخت الرضا، ولكنى عوضت شيئا من ذلك عندما أخلدت الى نفسى فى لندن ووجدتنى فى رفقة كريمة من بعض المحبين للأدب والمسرح أمثال عمر شمينا وعلى سليمان وعمر عباس عجبنا الذى جاء لممارضة أخيه المصاب بالفشل الكلوى. أمسكت بالمجلة بعد صلاة العشاء فى حجرتى بداخلية بحر الغزال ولم أضعها من يدى حتى أكملت الرواية المبهرة عند طلوع الفجر، وشعرت بمتعة لا حدود لها أحسست بها فى حلقى وجوفى، ولو طاوعت نفسى على سجيتها لصحت فى فناء الداخلية كما كان يصيح الزين فى رواية «عرس الزين» عندما يكتشف إمرأة جميلة تستحق الإعلان عنها. وغفرت لمجلة «حوار» خطيئتها فى إنشاء علاقة مريبة مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ان كانت تنشر مثل ذلك الادب الرصين، فقد كانت «حوار» مجلة متميزة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وتكررت تجربتى بعد ذلك مع كل أعمال الطيب صالح: عرس الزين، ودومة ود حامد، وبندر شاه، ومريود، ومنسى: انسان نادر على طريقته الخاصة الخ... وما عدت أحتاج الى من يوصينى بقراءة روايات الطيب صالح. أجد أن سر عبقرية الطيب صالح تكمن فى لغته الشاعرة المموسقة التى لا تزيد كلمة عما يجب ولا تنقص، وفى خياله المجنح الذى يخلط بين الأسطورة والواقع المعيش حتى يعلو القارئ مع هذا وينزل مع ذاك دون أن يحس بالفرق، وفى حبكته القصصية المتينة التى أخذها عن مناهج الرواية الغربية المتطورة، وفى تضمينه أسئلة عميقة عن سر هذا الكون، وعن الخير والشر، وعن السعادة والشقاء، وعن الحياة والموت، وعن مغزى الحياة البشرية، وعن أسرار النفس البشرية. وهى ذات الاسئلة التى أوجعت الفلاسفة والمفكرين والأدباء العظام، ولا يهم ان وجدوا لها اجوبة شافية أم لم يجدوا، وهل لكل من هذه الأسئلة العويصة جواب واحد أم عدة أجوبة؟ فطرح الأسئلة الكبيرة فى حد ذاتها يدل على عقل كبير وعلى تجاوز لماديات الحياة وشهواتها. وأنعم بذلك من سموٍ فكرى ونفسى مرهق. ألم يقل أبو الطيب: ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله *** وذو الجهالة فى الجحيم ينعم! أشعر من قراءتى أن الطيب يبحث بإصرار عن الجانب الخير فى البشر، ويريد أن يقول لنا فى كل انسان بذرة من الخير فعليك أن تبحث عنها حتى تجدها، وعند ذلك تستطيع ان تتعايش بسلام مع ذلك الانسان وتغفر له ذنوبه وتحبه لأن الخير يجمع بينكما، ولأن الحساب ليس مهمة البشر وليس مكانه هذه الدنيا، ولأن حاجيات النفس أهون من أن نتقاتل فيها ونتفانى. وبحث الطيب عن بذرة الخير فى كل أبطاله: مصطفى سعيد، بت مجدوب، حسنة بت محمود، الشيخ الحنين، الزين «العوير»، الطاهر ود الرواسى، وأخيرا منسى. ويبدو أنه وجدها عند كل منهم لذلك خرج متصالحاً معهم ومع نفسه. ألا رحم الله الطيب صالح بقدر ما أمتع قراءه، وبقدر ما أفادهم من تعليم وتنوير، وبقدر ما رفع رأس السودان عاليا فى مجال الأدب والقصة، وبقدر ما ضرب من قدوة صالحة فى التسامح والتعايش والمحبة بين الناس. اللهم نشهد وأنت الأعلم بأن الطيب قد جاءك بروح مؤمنة تقية، وبقلب أبيض لا يعرف الغل والحسد، وبنفس سمحة كريمة معطاءة، وبحب لكل ذى كبد رطبة. اللهم أغفر له ذنبه وزد فى حسناته وتوله برحمتك التى وسعت كل شئ، وأجزل له عطاءك بإنزاله مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، وبارك فى زوجه وولده وأهله، وأحسن عزاء صحبه من رفاق الكلمة والقلم فقد زلزلتهم الفاجعة.
السودان ودّع مؤلف «موسم الهجرة الى الشمال» ... الطيب صالح شيِّع بمشاركة رسمية وشعبية < >أم درمان (السودان) - عصام أبو القاسم الحياة - 21/02/09//
يبدو أن اغتراب الراحل الطيب صالح الطويل أبعده كثيراً عن مواطنيه إذ بخلاف ما كان متوقعاً شيع جثمانه بحضور عدد محدود من المواطنين لم يتجاوز ثلاثة آلاف، وهي نسبة أقل عن تلك التي شاركت في موكب المطرب عثمان حسين والتشكيلي أحمد عبدالعال والمطرب مصطفى سيد أحمد وغيرهم من مبدعين فقدهم الــسودان فــي الفترة الماضية. وربط البعض بين غربة الطيب صالح الطويلة والمشاركة المحدودة للمواطنين في تشييعه، فــعلى رغــم أن يــوم دفنه صادف اجازة رسمية إلا أن مجموعة محدودة من الرســميين والمبدعين شــاركت في دفنه.
وتقدم الموكب رئيس الجمهورية ورئيس حزب الأمة الصادق المهدي الى جانب اسرة الراحل وأعضاء اتحادات الكتّاب والأدباء والصحافيين والموسيقيين. الجثمان الذي وصل الى مطار الخرطوم عند الرابعة صباحاً بتوقيت السودان استقبله وزير الدولة بوزارة الثقافة أمين حسن عمر واللجنة التنفيذية لاتحاد الكتّاب السودانيين ورئيس اتحاد الفنون الدرامية وأسرة الراحل.
وكان رحيل الطيب صالح خلف حزناً عميقاً في المشهد الثقافي السوداني حيث تقاطرت جموع المثقفين والفنانين الى مركز عبدالكريم ميرغني والى منزل شقيق الراحل محمد بشير صالح بأم درمان منذ الصباح، ووصل سفراء مصر وفرنسا والإمارات والسعودية للتعزية وقطعت الإذاعة برامجها وقدمت حوارات سابقة مع الأديب الراحل وحاورت النقاد والكتّاب حول سيرته وطبعت الصحف الصادرة الخميس صفحاتها بالأسود وبصور للراحل ونشرت حوارات سابقة معه كذلك، وألغت مراكز فنية وثقافية عدة برامجها الدورية.
وتلقى اتحاد الكتّاب السودانيين برقيات تعازي من الكتّاب العرب والأفارقة، كما قدم العزاء رؤساء الأحزاب الســياسية، الاتــحادي الديــموقراطي والحزب الشــيوعي الذي قال أمينه العام محمد ابراهيم نقد معلقاً: «كُتب علينا أن نستقبل مبدعينا في توابيت خشبية». وتلقت وزارة الثقافة برقيات التعازي من وزراء الثقافة بالعالم العربي كما تقبّل المجلس القومي للثقافة التعازي بمقره في الخرطوم.
وفي تصريحات الى «الحياة» وصف الكاتب عبدالله علي ابراهيم الراحل بـ «النوارة» وقال: «لقد فقدنا نوارة الثقافة السودانية... لكن إن كنا نريد وعياً حقيقياً... أشمل وأوسع بالطيب صالح فنتوقع من دارسيه في الغرب والشرق على السواء ألاّ يواصلوا التعامل معه كممثل للأدب السوداني وكفى، وأن ينتقلوا في دراساتهم له كي يبلغوا مسام السرد السوداني، ولربما أعادنا هذا الى دراسة متجددة لثلاثيته التي تكاثر عليها غبار الإهمال، فأصبح الطيب صالح ضحية الطيب صالح لأن إبداعه كله لا يؤخذ بشكل جدي أو مثالي إلا في موسم الهجرة الى الشمال».
ومن سكرتارية جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي قال مرتضى الغالي أن عمله في لجنة الجائزة التي تُقدم منذ العام 2003 أتاح له فرصة طيبة لمعرفة الراحل وقال: «ظل الطيب صالح ملحاً علي أن أسمه لا يستحق أن تسمى به جائزة، وعلق عندما علم بأمر ترشيحه لنوبل وهو على فراش المرض أن في العالم من هو أحقّ بها منه».
وأضاف مرتضى الغالي: «وصلتا الكثير من رسائل التعزية من مختلف أنحاء العالم ويصعب حصرها الآن». وفي ما يتعلق بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي قال الغالي: «رحيل الطيب صالح أدعى لاستمراريتها».
من جانبه وصف المحرر الثقافي لصحيفة «الرأي العام» عيسى الحلو رحيل الطيب صالح بالمفجع، وقال: «الطيب ضــمير أمته ووجدانها الصافي وقد نقل ثقافتنا القومية الى الفضاء الكوني لأنه قبض على ذلك البعد الذي يجعل الأدب المحلي أدباً عالمياً».
أما الناقد أحمد الصادق فقال ان على الكتّاب السودانيين معادلة غياب الطيب صالح، وشغل الفراغ الذي خلفه كصوت أدبي سوداني في المنابر الثقافية العالمية، مشيراً الى أن الطيب صالح قدم صورة نموذجية للكاتب السوداني بتواضعه وجمال خلقه وطيبته، وباقتداره الكبير في الإبداع الفني ولحد كبير استطاع أن يحمل العالم على قياس الشخصية السودانية بشخصيته الفذة، فصرنا نسمع من يقول لك: «ان هذا من بلد الطيب صالح».
الروائي عبدالعزيز بركة قال: «فقدنا سرفانتيس الرواية السودانية، وهو أمر لا يمكن تعويضه بأي مستوى». أما أمير تاج السر الروائي الذي قدم من دولة قطر للمشاركة في دفن «خاله» قال: «لقد فقدت أحبّ شخص إليّ في الوجود وأنا في غاية الحزن، كان أنيساً طيباً صالحاً حميماً».
وكان عبدالباسط عبدالماجد وزير الثقافة الأسبق قال باكياً وهو يقف قرب قبر الراحل «الطيب الصالح الجميل... كان أكثرنا علماً ونبلاً وأصالة»، أما حسن أبشر الطيب أحد رفقاء الطيب صالح ورئيس سكرتارية الجائزة التي تحمل اسم الراحل فقال: «لقد دفنا اليوم أعظم وزارة ثقافة في تاريخ السودان الحديث» وعدد مآثره.
(1) هذا مقام لا يصلح له إلا الصمت. وإن كان لا بد من حديث مودع مفطور الفؤاد، فليكن همساً كانسراب النيل قبالة العفاض وكرمكول وأم دويمة وبربر. فلمثل هذا اليوم خلق الصمت الدامع. ولمثله أيضاً كانت القوافي وكل أحابيل البلاغة. (2) كان صباح يوم جمعة: أذكر ذلك جيداً، فقد كنت في طريقي إلى المسجد. كنت تابعت على القناة السودانية مشاهد عودة سامي الحاج إلى وطنه وسمعته يحكي للرئيس السوداني عمر البشير تفاصيل رؤيا رآها معتقل عربي في غوانتامو عن قبر قيل له إنه لوالد الطيب صالح -رحمهما الله- وإن بركات كثيرة ستفيض على السودان من صاحب ذلك القبر المشهود بصلاحه كما قيل لصاحب الرؤيا في منامه. هاتفت الطيب لأبلغه هذه الحكاية الغريبة، فكان أول قوله: هذا كل ما أحتاجه، أن يصبح اسمي متداولاً في غوانتامو فيظن بي القوم الظنون! (3) ضحكنا طويلاً ثم غلبت النزعة الصوفية على الطيب فانتقل الحديث إلى رؤيا غريبة رآها هو ذات ليلة في الجنادرية، كانت أشبه بمقطع من روايته «ضو البيت»، كتب عنها في مجلة «المجلة» يقول: «رأيت فيما يرى النائم أنني في أرض خلاء في المدينة المنورة. لم تكن المدينة المنورة كما أعرفها. وإذا شجرة ضخمة كأنها شجرة زيتون عظيمة الجذع، ممتدة الفروع متدلية الأغصان، وإذا عرق من عروقها ظاهر فوق الأرض، منتفخ في شكل بيضاوي، عليه بياض كأنه الجير، وإذا صوت يهتف بي: -هذا قبر الرسول صلى الله عليه وسلم-. عجبت أن الرسول مدفون في أصل شجرة. ثم إذا أنا في الحرم النبوي في الروضة الشريفة كما أعرفها إلا أن الضريح كان في موضع المنبر». ثم ينتقل المشهد في ما يشبه السريالية إلى لندن أيام شبابه ثم القاهرة. (4) كشف لي الطيب حينها أن المجلة حذفت مقاطع مهمة من روايته عن الرؤيا مما أفقدها معناها، واستخلصت منه وعداً بأن يسمعني الرواية كاملة عند أول لقاء لنا. جاء ذلك اللقاء بعد فترة قصيرة في منزل الراحل الكريم محمد الحسن أحمد، ودار الحديث مرة أخرى عن رؤيا غوانتنامو، ولكننا لم نخلص إلى الحديث عن رؤيا الجنادرية. فكان ذلك آخر العهد بهما مثلما كانت تلك آخر محادثة هاتفية. (5) التقيت الطيب عليه من الله شامل الرحمة لأول مرة قبل أكثر من عقدين من الزمان حين دعاني عبر الصديق محمد ابراهيم الشوش لتناول شاي العصر في أحد فنادق بيكاديلي العريقة في قلب لندن، وقد كان هذا طرفاً من كرمه المعهود وإكراماً لصديقة الشوش الذي زكاني عنده، إذ لم تكن بيننا معرفة سابقة. ولكن من يلتقي الطيب مرة تكفيه. (6) لم تذهب معارضته للحكومة التي كنت أمثلها في لندن وقتها شيئاً من الود بيننا، بل بالعكس، تكثفت لقاءاتنا وحواراتنا في تلك الفترة، وازددت به معرفة ومنه قرباً. وقد أشار إليَّ حين أورد مقولته التي ذهبت مثلاً عن عقلاء النظام ومجانينه وذلك عندما عتب عليه الأخ حسن مكي في ندوة امبريال كوليدج لغيابه الطويل عن السودان فقال إن فلاناً ظل يغريني بالزيارة فقلت له أخشى أن أقع في قبضة مجانين النظام فلا يدركني عقلاؤهم إلا بعد فوات الأوان. (7) بدوره ظل الطيب يغريني بورود أصيلة، تلك الواحة الثقافية الوارفة الظلال على شاطئ الأطلسي، وقد عاتبني في إحدى المرات لأنني بعد أن قبلت الدعوة ووصلت التذاكر اخترت السفر إلى القرن الافريقي للقاء قادة تلك البلاد في سعينا المحموم لتقريب السلام من بلادنا، فقال: تستبدلون الذي أدنى بالذي هو خير؟ وقد عرفت تماماً ما كان يعني حين حطت رحالي في أصيلة بعد قرابة عقد من الزمان، فسعدت لأكثر من أسبوع بصحبته والأخ الكريم محمود عثمان صالح، فلم يكن هناك أقرب إلى فردوس أرضي للعقل والنفس والروح من تلك المرابع سقاها الله، خاصة في صحبة الطيب ومحمود! (8) في أي مكان حل كان الطيب يشع محبة وسخاء نفس فلا يملك من يخالطه إلا أن يحبه. وقد كانت له مع ذلك حلقة من الأصفياء يسعد بقربهم، كان منهم في لندن محمد الحسن أحمد وحسن تاج السر وبونا ملوال، ثم انضم إليهم مؤخراً خالد فتح الرحمن. وقد أكرموني بغير استحقاق بالدعوة إلى كثير من مجالسهم التي تشبه واحة إنسانية وثقافية تحفظ من أصالة السودان عبقاً لا أخاله أصبح موجوداً حتى في داخل الوطن. لهذا فإن فقد الطيب بعد محمد الحسن خلال أشهر هو خسارة شخصية قبل أن تكون خسارة لأديب مرموق ورمز شرف به السودان وحق له. (9) هناك أدباء وشعراء ومبدعون كثر يبهر المرء انتاجهم حتى إذا لقيهم تمنى لو لم يفعل. ولكن الطيب رحمه الله كان نسيج وحده لأنه كان يأسر بإنسانيته قبل أن يبهر بموهبته. فقد جسد في شخصه أجمل ما محبوب في السودان وأهله من نبل وكرم وتواضع وإيثار وبعد عن التكلّف. فلم يكن فقط سفير السودان الأول كما قيل، بل كان السودان، كما يحب السودان أن يعرف، ماشياً على قدمين. (10) في حياته كتب الطيب مراثي كثيرة لأحبة رحلوا: شعراء وأدباء وكتاب ومشاهير. ولعل رائعته عن أكرم صالح تعتبر تحفة أدبية تستحق مقام أفضل رواياته. ولكن من أبلغ ما كتب كان رثاؤه لتاج السر محمد نور «أخي وصديقي، ابن عمتي وصهري من بقية النفر الأبرار الذين مشوا على الأرض هوناً، ونادتهم الحياة ونادوها بلسان المحبة». يقول الطيب في تلك المرثية: «ما أوسع الحزن وما أضيق الكلمات.. ألا يعزيك أنه رحل عن الدنيا قرير العين راضي النفس.. كان ذاهباً إلى لقاء ربه في صلاة الجمعة، مقبلاً إليه بكليته، على أهبة الاستعداد للسفر». (11) هذه المقولة تصلح كذلك لرثاء الطيب عليه شآبيب الرحمة، ومعها مقولة الطاهر ود الرواسي (أحد شخصيات رواية «ضو البيت» عن ما ورثه عن أمه من محبة: «ويوم الحساب، يوم يقف الناس بين يدي ذي العزة والجلال، شايلين صلاتهم وزكاتهم وحجهم وصيامهم وهجودهم وسجودهم، سوف أقول: يا صاحب الجلال والجبروت، عبدك المسكين، الطاهر ود بلال، ولد حواء بت العريبي، يقف بين يديك خالي الجراب مقطع الأسباب، ما عنده شيء يضعه في ميزان عدلك سوى المحبة». (12) اللهم إنا نشهد أن عبدك أبا زينب الطيب قد أفاض على خلقك من المحبّة والرحمة والود ما ألّف حوله القلوب، اللهم فأوجب له الجنة كما حدث رسولك عليه صلواتك وسلامك في من شهد له الناس بالخير، وأجمعنا وإياه ومن نحب في أعلى الفراديس عطاء بغير حساب، ومغفرة لا تغادر ذنباً، فقد كان في عفوك طامعاً، ونحن كذلك.
------------------------------ السبت 21 فبراير 2009م، 26 صفر 1430هـ العدد 5622
أدباء مصر يبكون الطيب صالح ويقترحون جائزة باسمه
القاهرة : اسماء الحسيني
ساد الحزن والوجوم الأوساط الثقافية المصرية لخبر وفاة الأديب السودانى الكبير الطيب صالح ،حيث كان يستعد أدباء مصر ومثقفوها لحملة كبيرة لمناصرته من أجل الفوز بجائزة نوبل التى تم ترشيحه لها مؤخرا ،وقد إحتلت صورته وخبر وفاته صدارة الصحف المصرية أمس ،وكتبت صحيفة الأهرام المصرية فى صفحتها الأولى تحت عنوان: (الطيب صالح ينهى «هجرته للشمال»..ويودع الحياة فى شتاء لندن) فى هدوء وصمت ميزا شخصيته ومسيرة حياته رحل عن عالمنا امس الأديب السودانى الكبير الطيب صالح عن عمر يناهز (80عاما)،بعد رحلة حافلة بالعطاء والإبداع ،رحل فى زمهرير شتاء لندن ،ليكتب آخر فصل من فصول هجرته إلى الشمال ،تماما مثل إسم روايته الرائعة «موسم الهجرة إلى الشمال «التى تعد أحد أهم الروايات التى كتبت فى القرن العشرين فى العالم العربى ،هذه الهجرة التى قادت مشاعره وأحاسيسه وخياله إلى الكتابة عن بلده السودان الذى يقبع جنوبا ،يوم أحس بغربة خانقة فى لندن ،التى هاجر إليها للعمل كمذيع بهيئة الإذاعة البريطانية ، فولدت فيه الرغبة فى مد الجسور مع وطنه وعوالمه الأولى بالكتابة عنها ،لعل ذلك يبعث فى نفسه شيئا من الطمأنينة والإحساس بالأمان . وإلى الطيب صالح ينسب الفضل فى تقديم الثقافة والأدب السودانى إلى مختلف أنحاء العالم ،من خلال رواياته ومؤلفاته وكتاباته ،التى ترجم العديد منها إلى عدد من اللغات ،ومن بينها «دومة ود حامد «و»بندر شاه «و»عرس الزين «وغيرها من الأعمال المثيرة للدهشة ،التى قدمت لنماذج وبيئات إنسانية شديدة الخصوصية ،والتى توالى صدورها منذ بدء ظهوره على الساحة الأدبية فى أواخر الخمسينات من القرن الماضى،وقدمها فى مصر بكل حماس الراحلين أحمد بهاء الدين ورجاء النقاش . وتضيف «الأهرام «:هناك إجماع على شخصية الطيب صالح الإنسانية المتفردة ،يقول عنه الكاتب والأديب السودانى الدكتور حسن أبشر الطيب :ماعرفت إنسانا فى حياتى إسمه مثل وصفه مثل الطيب صالح ،فهو طيب إلى منتهى حدود الطيبة ،وصالح تتجسد فيه سمات الشيوخ المتصوفين من عباد الله الصالحين ،وهو ذات الأمر الذى يؤكده الروائى المصرى محمد البساطى ،الذى يقول :إن الطيب صالح تمتع بحب كبير بين المثقفين المصريين بسبب شخصيته الظريفة وتواضعه وبساطته الحقيقية ،فهو أديب بسيط غير متكلف وغير مصنوع ،وأحد الكبار الأفذاذ ،الذين نجحوا فى تصوير مفردات البيئة الشرقية وآمالها من خلال شخصية مصطفى سعيد فى «موسم الهجرة إلى الشمال « وتقول صحيفة» الأهرام «:أدب الطيب صالح مثله مثل أدب نجيب محفوظ ويحيى حقى وغيرهما من الأدباء العظام ،الذين تؤكد أعمالهم فكرة أن المحلية والخصوصية هى التى تقود إلى العالمية ،وليس الإغتراب ومحاولة تقليد الآخرين ،وقد عبر الطيب صالح بصدق كما يقول الروائى المصرى فؤاد قنديل عن سمات البيئة السودانية المحلية ،وكشف عن قيمها ومفرداتها ومعالمها وطقوسها ولهجاتها فى نسق سردى مبهر ،كما كشفت أعماله عن شخصية ثرية غير متعصبة وغير متحجرة ،وقد لاقت روايات الطيب صالح قبولا واسعا فى الغرب كما الشرق ،لما يتمتع به من ثقافة متحضرة تجاه العالم والآخر على حد تعبير الناقد الكبير الدكتور رمسيس عوض . يصف الطيب صالح فى روايته الأخيرة «منسى «بطل الرواية فيقول : فيه خصلتان حميدتان ،حبه للبسطاءوحفاظه للود «ولعله كان يتحدث عن شخصيته هو ،وعن ذلك يقول الناقد الكبير الدكتور سيد البحراوى :إن الطيب صالح إستطاع بقدرة فذة الغوص فى الشخصية السودانية ،وأن يقدم مرآة صادقة عن هموم ومعاناة المجتمع السودانى ،ومعاناة المثقف العربى بشكل أكبر مابين الوطنية والتبعية ،ودعا البحراوى الهيئات الثقافية العربية إلى إعادة طبع أعمال الطيب صالح طبعة شعبية ،حتى تصل إلى الأجيال الجديدة . وفى السودان عم الوجوم والحزن العميق جميع الأوساط ،حزنا على فقد من قدم إلى العالم مصطفى سعيد وود المجدوب وملود وبندر شاه ومنسى وغيرها من الشخصيات التى لاتنسى القادمة من أعماق السودان ،ونعاه الأدباء والمثقفون ورئاسة الجمهورية ،ولازال الجميع فى حالة إنتظار لوصول جثمان الرجل «الأسمر الذى يمتزج خط الإستواء فى دمه باللبن العربى ،الرجل الذى جاء من حيث الأساطير ومياه النيل «على حد وصف الطيب صالح لمصطفى سعيد بطل رائعته «موسم الهجرة إلى الشمال «،وهم الذين كانوا يترقبون فوزه بجائزة نوبل ،التى تم ترشيحه لها مؤخرا. وفى صحيفة الوفد كتبت فى صفحتها الأولى :إن الراحل كان من أبرز مبدعى جيل الستينات ،وأن رواياته «موسم الهجرة إلى الشمال «و»عرس الزين «و»دومة ود حامد « حققت شهرة واسعة وتأثير كبير . أما صحيفة المصرى اليوم فقالت :إنه يقف فى صف واحد مع جبران خليل جبران وطه حسين ونجيب محفوظ ،وله بصمات واضحة فى تقديم الأدب والثقافة السودانية لأنحاء العالم ،من خلال رواياته التى ترجم العديد منها إلى اللغات العالمية . وقال روائيون وشعراء مصريون إن رحيل الأديب السوداني الطيب صالح أفقد الرواية العربية رافدا أساسيا للعالمية والتجديد، وطالبوا بإعادة قراءة أعماله التي أبدعها بالعامية السودانية، واقترح بعضهم إطلاق جائزة باسمه للراوية العربية. رائد التجديد الناقد الدكتور جابر عصفور قال إن الطيب صالح واحد من الأعلام الكبار الذين يتصدرون الصف الأول من إبداع الرواية العربية، وهو مبدع عربي وعالمي في نفس الوقت، ورغم قلة إعماله لكنه ترك أثرا كبيرا في الإنجاز الإبداعي للراوية العربية. وأشار إلى أنه كان أول من فتح أفقا جديدا للرواية القصيرة المحملة بهموم العلاقة بين الشرق والغرب بكل صراعاتها واختلافاتها، ولعل روايته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال» دليل على عبقريته في تناول هذه العلاقة. وأضاف عصفور أن الأديب الراحل «لم يكن روائيا عربيا وعالميا فحسب، بل كان مثقفا كبيرا وكاتب مقالات من طراز رفيع وكانت له مقالات متميزة في مجلة المجلة وخاصة مقالاته عن المتنبي، التي تصلح لأن تشكل كتابا مستقلا ومتميزا». وأشار الناقد المصري إلى تميز أعمال صالح بالتجديد والتطوير والانفتاحية التي كانت سمة أعماله، وقال «كان روائيا لا يكف عن متابعة الإبداع الجديد في كل المجالات وكان دائما في صف التجديد وخاصة إذا تميز الإبداع بما كان يسميه -رحمه الله- الأصالة التي كان يرى أنها الوجه الآخر من الإبداع». شخصية عذبة الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وصف الطيب صالح بأنه «كان أحد الأعمدة المهمة للرواية العربية» وقال «لقد فقدنا صديقا مقربا وشخصية عذبة لن تتكرر، ولا نعزي أنفسنا فقط أو شعب السودان، وإنما نعزي الأدب العربي والأمة العربية». وأعرب عن حزنه لتوالي رحيل المثقفين العرب الكبار في العامين الأخيرين، وقال «يبدو أننا نفقد القامات الكبيرة في الأدب العربي برحيل محمود درويش ورجاء النقاش والآن الطيب صالح، وغيرهم، لكن عزاءنا في إبداعاتهم التي تركوها لنا والتي يجب أن نحيي فيها سيرتهم وفكرهم». وأوضح الأبنودي أن أعمال الأديب السوداني الراحل غير المعروفة كثيرا للناس مثل «عرس الزين» و»بندر شاه» والتي كتبها بالعامية السودانية، تحمل إبداعا أدبيا لا يقل عن روايته الأشهر «موسم الهجرة إلى الشمال» التي أخذت شهرتها لأنها كتبت بالفصحى. ودعا المثقفين ومحبي الرواية والأدب إلى إعادة قراءة أعمال صالح التي كتبها بالعامية السودانية وتحديدا بلهجة قريته، خاصة وأنها عامية خفيفة غير موغلة في سودانيتها. وأشار الأبنودي إلى تعلق صالح بالشعر، وقال إنه كان كنزا في الشعر، وكان يحفظ معظم أشعار القبائل السودانية، والأشعار العربية، وكان شديد الالتصاق بالمصريين وشعرهم «وكان يقول لي دائما «حذار يا صديقي فإننا نغترف من نفس البئر». وحول آراء البعض بأن الطيب كان يستحق جائزة نوبل في الأدب التي لم ينلها، قال الشاعر المصري الكبير «إن معظم أعمال الطيب تستحق تقييما وتكريما عالميا، فقد أنجز إنجازا فريدا في الرواية العربية رغم قلة أعماله وكان غارقا في التراث العربي لأبعد الحدود فضلا عن اطلاعه على الأدب العالمي». أصلان والبساطي أما الروائي إبراهيم أصلان فأشاد بقيمة الراحل ومكانته، وقال إنه «كان كاتبا صاحب موهبة استثنائية في الأدب العربي وصاحب أعمال إبداعية شديدة الأهمية تجاوزت النخبة في تلقيها إلى رجل الشارع العام». بدوره، قال الروائي محمد البساطي إن الطيب صالح تمتع بحب كبير بين المثقفين المصريين بسبب شخصيته الظريفة وتواضعه وبساطته الحقيقية، فهو أديب بسيط غير متكلف وغير مصنوع. وأشار إلى أن أدب صالح مثله مثل أدب نجيب محفوظ ويحيى حقي وغيرهما من الأدباء العظام الذين تؤكد أعمالهم فكرة أن المحلية والخصوصية هي التي تقود إلى العالمية، وليس الاغتراب ومحاولة تقليد الآخرين.
-----------------------------------------
السبت 21 فبراير 2009م، 26 صفر 1430هـ العدد 5622
موسم الهجرة إلى الرفيق الأعلى..
د. أحمد خير aikheir@yahoo.com الطيب «الصالح» ذهب وابتسامة على شفتيه! فارق هذه الدنيا الفانية فارس القلم والكلمة الطيبة الأديب العالمي الطيب صالح أو «الصالح» كما يحلو أن يسميه بعض الإخوة العرب. أكيد أنه قد فارقها وهو يضحك مع صديق أو قريب أو رفيق، فما رأيتك يا صديق «المتنبي» و«المعري» إلا ضاحكاً أو مبتسماً! كيف لا وأنت قد رافقت المتنبي في غزواته والمعري في محبسيه، مرة طليقاً يحلّق في الأفق وأخرى جالساً تتمعن في أحوال عالمنا العربي وسوداننا المحشور بين المطرقة والسندان! لك الله في أعلى عليين بقلبك الصافي الذي ما عرف الحقد ولا مسته كبرياء التربع على قمة الأدب العالمي! يا صالح يا طيب، أراك بسحنتك المشوبة بسمار أرضنا الطيبة ونيلنا الحامل لذكريات صباك! أراك ترفل عائداً لدارك لتبقى بعد أن مل جسدك الترحال! لتبقى بين الرفاق من الذين اتبعوا خطاك أو أولئك الذين طافوا معك القرى والبوادي حاملين الفرحة للقلوب العامرة بحب الحروف المعبِّرة عن واقع كشفت عنه الغطاء وكنت كالنطاسي الذي استبدل المشرط بالحرف فما سالت دماء، بالرغم من سماعنا لأنة المحرومين من ترانيم صرير القلم على الورق ليصور أحلى الكلمات! عفواً سيدي إن قصرت في تصوير الطيب صالح الإنسان، لا الكاتب الذي ما جاراه أحد إلا وغلبه في صمت بالرغم من حسد الحاسدين وشماتة الشامتين الفاقدين للحس الإبداعي! لقد علمتنا الأيام أن العظماء قد عهدوا أن تلاحقهم الألسن والأقلام، وأن تستمر ملاحقتهم كلما عظم شأنهم واتسعت دائرة شهرتهم! ومن عظمتكم كنتم تقابلون الإساءة بابتسامة، وهذا لعمري صفة من يمتلك الدنيا بين راحتيه، صفة العالم بأن الحياة فيها الأخيار كما فيها الأشرار، وأن خيار الناس من يقول كلمة طيبة في حق من أساءوا إليه! كان «وآه من كان» الطيب صالح يؤمن بأن الغد سيأتي مهما طالت اللحظات أم قصرت، لذا فلا بد للإنسان من أن يتوكَّل على الله ويعيش اللحظة ويترك الغد لرب العباد القوي العزيز الذي يدخل الطمأنينة في قلب من يحب من عباده. رحل الطيب الصالح وترك سيرته العطرة وأعماله الخالدات التي نحتت في الأدب العربي والعالمي مكاناً لها، ورفعت معها اسم السودان لتتغنى به الحروف والكلمات فتصدح في القاعات والمكتبات ويمتد صداها عابراً القارات ليسمع حتى من به صمم! أرى الطيب الصالح يخاطب أعضاء منظمة العرب من خريجي الجامعات الأميركية في حفلها السنوي الذي أقيم في واشنطن وهو يقول بسخريته المحببة إلى النفس «لقد تساءلت قبل وصولي إلى هنا عن الأسباب التي دعت منظمتكم الموقرة تقديم الدعوة لشخصي الضعيف للحضور إلى أميركا لمخاطبتها بالرغم من أنني لم أتخرّج من جامعة أميركية! وبالطبع هناك أفضل مني للقيام بهذا الدور! وبكل أسف لم أجد إجابة سوى أن عالمكم قد أصيب بالجنون، أو ربما أنا المجنون..!». عندها ضجت القاعة بالتصفيق والضحك! ثم تكررت دعوته مرات ومرات وفي كل مرة كانت دائرة الإعجاب تتسع وتتسع!! ذاك هو الطيب صالح الفريد في نوعه، العارف والمتعمّق في خفايا وأغوار النفس البشرية! نفتقدك اليوم يا طيب يا صالح بالرغم من أن جسدك الطاهر لم يلامس بعد ثرى وطننا الحبيب الذي كم إشتاق إليك طوال زمن هجرتك إلى الشمال وإلى الغرب والشرق والجنوب! وبرغم الدهشة التي عقدت اللسان، ليس في إرادة المولى ولكن لعظمة الفراق المعمّق للجرح والمتعدي حدود الزمان والمكان! سيفتقدك المقهى الثقافي في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة والجمع الملتف من حولك يستمع ويستمتع بما تحكيه من حكايات عن عالمك وعالمنا في الريف والبوادي والحضر! كما ستفتقدك مؤتمرات جمعية الدراسات السودانية في أميركا وأنت تأتيها حاملاً قلبك المتسع لكل ألوان الطيف، وكان هذا هو سر عظمتك يا طيب يا صالح يا صاحب القلب الطيب والروح الطيبة التي ملّت الإغتراب فعادت لثرى أرضنا الطيبة التي ضمت قبل أيام شاعرنا الأديب الراحل النور عثمان أبكر «رحمه الله رحمة واسعة» ومالنا إلا أن نقول: هنيئاً لأرضنا الطيبة المستقبلة للفرسان في زمن تكسّرت فيه الرماح! لك يا طيب يا صالح خالص الدعاء بأن يتقبَّلك المولى قبولاً حسناً بشفاعة سيدنا محمد عليه أفضل السلام، وبدعاء كل مترحم عليك.. «إنا لله وإنا إليه راجعون». ? واشنطن
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء
مستعارة
لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها