SudaneseOnline App for iPhone and iPad
مرحبا Guest []
أخر زيارة لك: 25-05-2013, 06:25 AM الرئيسية

مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2011مجيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « الموضوع السابق | الموضوع التالى »
أقرا احدث/اخر مداخلة فى هذا الموضوع »
15-01-2011, 07:28 PM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل


    gili_abd_alrahmansudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    الشاعر د. جيلي عبد الرحمن


    الأصدقاء الأعزاء قراء سودانيزأونلاين..

    مواصلة لسلسلة الملفات التوثيقية عن مبدعينا التي أواصل نشرها من على هذا المنبر العامر، أهدي لكم بسرور عظيم وفخر واعتزاز، هذا الملف الحافل عن شاعرنا وأديبنا الكبير جيلي عبد الرحمن، والذي تشارك بالكتابة فيه نخبة من الأدباء والمبدعين، الذين يلقون الضوء على جوانب مختلفة من حياته وشعره وسيرته الأدبية. كما يتضمن الملف عدداً من القصائد الخالدة للشاعر المبدع، والتي حفرت في ذاكرتنا، وشكلت وجدان جيل، وسيمتد تأثيرها لأجيال لاحقة.

    إن التقدم الذي تم حتى الآن في إعداد هذا العمل الرائع مصدر سعادة غامرة – ليس فقط بالنسبة لي لقيامي بتجميع مواد الملف وتنسيقها – بل أحسبها كذلك بالنسبة لجميع المهتمين بالتوثيق للحركة الأدبية السودانية، والتي يشكل الشاعر د. جيلي عبد الرحمن أحد أعمدتها البارزة. ولا شك أن هذه المواد الثرية ستكون مرضية ومشبعة بشكل خاص لكل من يشاركون جيلي مبادئه والقيم الإنسانية السامية التي عاش من أجلها، وصاغها شعراً صادقاً من ذوب مشاعره.

    جيلي "شاعر متوهج بالأحزان".. هكذا وصفه الأديب المبدع الراحل بروفيسور علي المك.. وقد رأيت أن أصفه بأنه متوهج بالأمل أيضاً.

    ولكي يستبين القراء محتويات الوليمة الدسمة التي هم مدعوون لها، أقدم هنا هذه القائمة من عناوين الموضوعات التي يضمها الملف:

     شاعر متوهج بالأحزان والأمل
    من رواد التنوير: الشاعر جيلي عبد الرحمن

    كان جيلي شاهداً على عصرنا مما جعله نموذجاً للبطل

    بقلم: د.عبدا لقادر الرفاعي


     جيلي والإتحاد السوفييتي

    بقلم: د. عبد القادر الرفاعي


     جيلي عبد الرحمن وتجربة حياته في جمهورية اليمن الديمقراطية

    بقلم: د.عبد القادر الرفاعي


     الثورة في شعر جيلي عبد الرحمن
    دكتور جيلي عبد الرحمن شاعر من النوبة

    بقلم: سيف الدين حسن صالح



     قصيدة عبري
    شعر: جيلي عبد الرحمن


     يهتز الشارع يا يالوركا
    شعر: جيلي عبد الرحمن

     جيلي عبد الرحمن : انطباعات من لقاءات عجلي
    جيلي يعني عندي المثال الحي لارتباط الإبداع مع أحلام الفقراء
    بقلم: د.كامل إبراهيم حسن

     احن إليك يا جيلي !
    شعر: محمد تاج السر


     جيلي كما عرفته
    لم يخلص كما اخلص للشعر .. وكان ابنا حقيقيا لحواري القاهرة
    بقلم:عبد الرحمن الأبنودي

     الجواد والسيف المكسور
    شعر: جيلي عبد الرحمن


     جيلي عبد الرحمن: كالأشجار واقفاً
    أحببته شاعراً قبل أن اعرفه وإنسانا بعد أن عرفته
    بقلم: نجاة عثمان محمد سعيد

     جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والآمال
    جيلى عبد الرحمن :الإنسان .. شاعر الناس
    اختياره لأصدقائه يقوم على حسن الطوية .. لا مال ولاجاه ولا سلطان
    بقلم: د: شريف الدشوني


     جيلي ... الشعر والشاعر
    كان الإحساس بالغربة يملأ كيانه وهو أهم أسباب إبداعه الشعري
    لم أتأثر بقراءة الشعر كما تأثرت بقراءة جيلي لشعره .
    د: فاروق محمد إبراهيم

     قصة قصيدة ثلاث قبرات وطفل للشاعر جيلي عبد الرحمن
    بقلم سيف الدين حسن صالح


     جيلي وهذا الجيل
    الزمن القادم يحمل في رحمه ألف جيلي ليحملوا الراية
    بقلم سلوى غالب


     صفحة الآخر في هوس الشاعر أو الأذى الأكبر ...!
    أ.د. فيصل إبراهيم المقدادي

     حوار لم ينشر مع الشاعر الراحل جيلي عبد الرحمن
    أجرت الحوار: الأستاذة زينب الكردي

     بعيدا عن ثري وطني
    يضج هواك في بدني
    إلى الراحل الحاضر الشاعر جيلي عبد الرحمن
    بقلم: تاج السر خضر عبد العزيز المحامي

     شاعر متوهج بالأحزان والأمل
    محاولة لولوج عالم جيلي عبد الرحمن الروحاني
    بقلم :د.الصادق عوض بشير


     الثورة في شعر جيلي عبد الرحمن
    بقلم: سيف الدين حسن صالح

     جيلي عبد الرحمن ...لمحات من شعره
    الشعر عنده انعكاس للواقع الموضوعي وحركة التطور التاريخي
    بقلم:علم الدين عمر


     رئيس الوزراء يوجه بعلاج الشاعر جيلي عبد الرحمن بالكويت


     بيت الأدباء
    بقلم سيف الدين حسن صالح


     رسالة من جيلي عبد الرحمن إلى د.عبد القادر الرفاعى
    سوف أنازل الأيام حتى اللحظة الأخيرة ولن أقع فريسة الاستلاب


     يوم سنقرؤك أجمل
    كلما انبت أرضا صاغها السجان منفى
    وأصبحت الأشجار أقوى من جور الموت المخيف
    بقلم: فريدة النقاش


     حين استدار الماء للينبوع
    الرجعة لمصادر الحضارة النوبية عند الشاعر جيلي عبد الرحمن
    بقلم: مصعب الصاوي


     والدة الشاعر جيلي عبد الرحمن
    شورة أحمد صالح
    الأم المثالية ورمز العطاء والصبر
    بقلم: (حفيدها)
    سيف الدين حسن صالح


     حين أجهش المذياع ..جيلي قد رحل !!
    ظل جيلي قويا، متماسكا حتى بعد أن فقد بصره قبل رحليه
    بقلم: د.نعمات خضر


     الحريق وأحلام البلابل
    إلى الشهيد عبد الخالق محجوب
    شعر:جيلي عبد الرحمن


    الفداء
    إلى الشهيد الشفيع احمد الشيخ
    شعر: جيلي عبد الرحمن


     البحر والمنفي
    إلى الرفيق الحر السجين
    عبد المجيد شكاك
    شعر: جيلي عبد الرحمن


     الطائف وزهرة الليل
    إلى الشهيد الإنسان حسن الطاهر زروق
    شعر: جيلي عبد الرحمن


     جيلي عبد الرحمن وحركة التجديد الشعر أو: شرف الريادة
    بقلم :أحمد عبد المكرم

    ********


    د. عبد القادر الرفاعي

    يتبع..



                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

15-01-2011, 07:54 PM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)


    شاعر متوهج بالأحزان والأمل
    من رواد التنوير: الشاعر جيلي عبد الرحمن

    كان جيلي شاهداً على عصرنا مما جعله نموذجاً للبطل

    بقلم: د.عبدا لقادر الرفاعي


    image004sudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    الشاعر جيلي عبد الرحمن


    اهتمت أجهزة الإعلام (راديو وتلفزيون) لفترة محدودة لم تتعد ثلاث دقائق بوفاة الشاعر جيلي عبدا لرحمن التي حدثت في أغسطس 1990.. نعاه وزير الثقافة والإعلام باقتضاب، وهو اهتمام لم يضاهه إلا اهتمامه السابق بوفاة الشاعر عبد الرحيم أبو ذكرى الذي رحل في يناير1990.

    جيلي وأبو ذكرى يبرزان معاً صورة الإنسان العصري الذي استطاع التجرد من كل أوشاب الأحاسيس المتعصبة، أو النظرات الضيقة أو المنحازة، ولم يعرف عنهما انخراطهما في زفة عابرة، أو اتصفاهما بكبرياء مزيف أو كرامة موهومة. كان شأنهم هو شأن الكتاب والشعراء والمثقفين الذين مابرحوا يدخلون السجون ويقمعون وتقمع حرياتهم ويهددون بالقتل والجوع والبطالة.. وما أكثرهم.. عبر تاريخ وطننا الممتد لعقود مضت. ترى كيف يكون الكاتب والشاعر والفنان شاهداً على عصره؟ عصر العالم الجديد.. وعلى آليات هذا العصر ومعطياته وتقلباته وتحولاته وهو يعيش أحوالاً وحالات من القمع الرسمي والخاص ومن الخوف والاغتراب .. من القلق والجنون والاضطراب.

    وإذا عرف بعض المثقفين والكتاب كيف ينقلبون بين ليلة وضحاها من موقع الاحتجاج والتمرد إلى موقع السلطة والقرار، فإن كثيرين ظلوا داخل الهامش الضئيل الذي وجدوا أنفسهم فيه، وهو هامش يتضاءل من مرحلة إلى أخرى ومن يوم إلى آخر في زمن ملؤه القمع والإحباط واليأس والمقاومة.

    صحيح أن رحيل جيلي عبدا لرحمن قد حدث في زمن الإنقاذ الصعب، لهذا لم يكن لأحد أن يتوقع احتفاء صاخباً برحيله، إذ أن مثل ذلك الاحتفاء جزء من التقاليد الثقافية والاجتماعية الراسخة، وعلامة ظاهرة على إدراك المجتمعات لأهمية الفنون وقيمة التكريم. ولأن اقتصر الاهتمام الرسمي (الحكومة) برحيل جيلي بنعي مقتضب، فقد أقيم حفل التأبين الأول له في سجن كوبر، والآخر بسجن كسلا نفذه المعتقلون، وبثت إذاعة صوت العرب (من القاهرة) سهرة خصصت لجيلي عبد الرحمن نفذتها المذيعة أمينة صبري، وكتبت عنه الصحف في القاهرة وبيروت واليمن والمغرب والجزائر مقالات وأحاديث تحيط الناس بجانب من حياته وشعره ومواقفه الإنسانية.. ولا شك أن تقديم كل ذلك عن جيلي الشاعر والإنسان تأكيد لكل نزعات الخير والجمال التي يحث عليها الفن في جميع أشكاله، وخاصة الشعر الذي يخاطب أرقى ما في الإنسان.

    وبالطبع ليست هنالك جهة موكولة بإحياء ذكرى الشخصيات والحوادث الهامة في وطننا.. فالذي يقوم بذلك في الواقع هو التمسك بالتقاليد وموروثات الشعوب وبإحساس الأفراد بأهمية تذكر الأجيال السابقة وأفعالها والحوادث التي أثرت في حياتنا. إذن ضعف الذاكرة في وطننا لا يرجع إلى تقاليد سالبة أو إلى طبيعة في الشخصية السودانية، بل إلى حالة طارئة من التدهور، مرتبطة بغير شك بالتدهور السياسي الذي نعاني منه قرابة نصف قرن، وما أعقبه من انزواء حضاري وثقافي.

    في الثالثة والعشرين من عمره نشر جيلي عبد الرحمن مجموعة شعرية ( قصائد من السودان) بالاشتراك مع الشاعر تاج السر الحسن، فقوبل شعره باستحسان ونقد موضوعي واحتفاء في الأوساط الفنية والأدبية، وحصل على شهرة خاطفة، وظهر كشخصية لامعة مثيرة للاهتمام؛ فأصبح هو وتاج السر الحسن نجمين متألقين في سماء مصر وصحافتها. وقد تميزت أشعاره بالتطلع إلى الحرية السياسية.. أصيب جيلي بمرض النقرز، مما أثر على مشيته، وعانى بعد ذلك من مرض القلب وضغط الشرايين والسكر، فعانى من جراء كل ذلك عذاباً نفسياً وجسدياً مريراً.

    ظل جيلي عبد الرحمن متنقلاً لا يقر له قرار.. ولد في جزيرة صاي بشمال السودان وانتقل مع أسرته إلى مصر وهو في العاشرة.. وغادر إلى الاتحاد السوفييتي (السابق) عام 1962م، وعمل بعد تخرجه في صحافته العربية، وبالترجمة في داري التقدم ورادوفا.. ترك موسكو في أواخر السبعينيات للعمل محاضراً في كلية الآداب بجامعة عدن، وذهب منها للتدريس بمعهد اللغة والأدب بجامعة الجزائر.. هكذا.. سفر دائم وتنقل متصل وضع خلاله أشهر أشعاره وأجمل أعماله الأدبية التي تصور شخصيته وتجسد أفكاره ونبله وإنسانيته.. لاقت قصائده رواجاً منقطع النظير لما فيها من التصاق بحياة الناس الذين أحبهم، ومشاركة لهم في آلامهم وانتصاراتهم، وكشفاً عن الأمل والكآبة والتمزق في الغربة والتوق إلى ما هو بعيد المنال.

    كان جيلي شاهداً على عصرنا مما جعله نموذجاً للبطل الذي يعي قسوة الحياة وفسادها مثل إدراكه لبهائها وجمالها وآمالها العراض. وفى هذا كان شأنه شأن الشعراء والأدباء عامة في عصره، إذ كان الشاعر الذي يعيش الصدمة ويحياها..صدمة فجيعته في أهله ووطنه الذي تصور أو أوحت له أفكاره بذلك بأن الأبرياء والمناضلين الذين تاقوا لحياة تليق بالإنسان قد واجهوا العسف والتعذيب والعزلة. هكذا كان جيلي عبد الرحمن سباقاً في النبوءة والمعرفة والصمود في زمن لا تكفيه حكمة الشعر ولا صمود الشاعر.


    يتبع..
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

16-01-2011, 09:20 AM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)


    جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل
    جيلي عبد الرحمن:الإنسان.. شاعر الناس
    اختياره لأصدقائه يقوم على حسن الطوية.. لا مال ولاجاه ولا سلطان

    بقلم: د: شريف الدشوني


    gili_abd_alrahmansudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    الشاعر جيلي عبد الرحمن


    المرة الأولى التي ازور فيها جيلي واراه عيانا كانت منتصف السبعينات في شقته المتواضعة في موسكو لفترة جد وجيزة.ازدادت المعرفة عندما زرت عدن بدعوة من وزارة التعليم عام 1983ان أسعفتني الذاكرة أخذت أوراق جيلي إلى جامعة الجزائر التي كنت بها..تحديدا للصديق د:ابو العيد دودو عميد كلية الآداب وقتها. د:ابو العيد أديب وشاعر جزائري مرموق، دمث الأخلاق حلو المعشر.ولا أنسى هنا صديقنا المشترك الشاعر العراقي د.محمد الأعرجي . هذا أيضا رجل ودود يحب الجواهري وجيلي. جمعت الظروف أربعتنا مرارا في مدينة الجزائر..شعراء ثلاثة، ومن يجيد الاستماع في شخصي.مكثت مع جيلي في الجزائر (العاصمة) فترة امتدت ثلاث سنوات تقريبا، نكاد لا نفترق الا ساعات العمل.. خاصة وأن كلية الاقتصاد تجاور كلية الآداب. وعندما كنس الشعب السوداني ذاك الطاغية نميري ونظامه البغيض، أنهيت بعد لأي ومشادة عقدي مع جامعة الجزائر عائدا إلى ربوع بلادي بعد غيبة امتدت خمسة عشر عاما، يدفعني تفاؤل منحوس أرعن رماني في ما أنا فيه الآن. أثار رحيلي المفاجئ من الجزائر في جيلي شتى مشاعر حزن الفراق والحنين والوحدة. لحظة المغادرة أدمعت أعيننا. كانت الغربة تزلزل مشاعره الدقيقة، تحسها في أكله ومنامه ولعلها المصادر التي أججت وحركت كوامن الإبداع فيه كان جيلي إنسانا بكل ما تحمل جوامع هذه الكلمة الفريدة.إذ ساعدك الحظ أن تكون من بين أصدقائه الأقربين - ونفسي تزعم ذلك - يذكرك دوما بطريقة ما، كاملة العفوية لا إشارة فيها البتة نبل وصفاء سريرته قول هاملت لصديقه هوارشيو القيم عوز الفقير:

    وهل اطمع في ترقيه منك، أنت الذي لا مال لديك سوى حسن الطوية، لا مالك ولا كسائك ؟ وهل يبقى تملق الفقير؟ لا، إنما دع اللسان المحلى يلحس فوارق الأبهة حيثما الكسب الرخيص يلحق بالنفاق، أتسمع منذ أن أضحت نفسي الأبية سيدة في اختيارها عليمة بالتمييز بين الرجال، اصطفتك أنت لها هكذا كان جيلي، يتعامل مع فرز وتحليل وتقييم مفردات علاقاته الاجتماعية مثل الطوية، اللسان المحلى، الكسب الرخيص اللاحق بالنفاق، النفس الأبية، سيدة اختيارها، العملية بالتمييز بين الرجال وعلم الفراسة.. الخ مقتربا بذلك من دواخل النفس البشرية بعدها يتخذ قراره المعين، متفاديا من غد يجلب التعاسة والتوتر والنوم ومتحابا من هو خير من بنى البشر. الجار قبل الدار.

    كان هاملت أميرا من سلالة الملوك والأكابر وجيلي حر النفس كريمها كهاملت، خالي الوفاق تماما صفر اليدين. والعائلة لم يكن أمامها طريق لتناول القديد ولا حتى الكشري.

    نبل جيلي يأتي من افتخاره بهذه الحقيقة ودفاعه المتجرد عن المهلهلين، والمستضعفين وأهل الحاجة، التائهين في القفار الظلامية الزائفة التي حلت بهم هكذا يرسم جيلي حال هؤلاء في تفاؤل ينمو ويزدهر بالانتصار المرتقب:

    حارتنا مخبوءة في حي عابدين

    تطاولت بيوتها كأنها قلاع

    وسدت الأضواء عن أبنائها الجياع

    والزهور.. والحياة. .

    فاغرورقت في شجوها وشوقها الحزين

    نوافذ كأنها ضلوع ميتين.

    وبابها عجوز.

    وفوق عتمة الجدار

    صحيفة مغروسة في كومة الغبار

    تآكلت حروفها لكنها تضوع

    (زهرة الربيع)

    وحين عاد كالأسى الرجال

    أقدامهم معروقة...وصمتهم سعال

    وفى الغناء حول القصر الكبير

    تكوم الرعاع.. وأخوة جياع

    يسعلون.. يضحكون ...

    قهقهة (الشغيلة) المحنية الظهور

    محمومة الصدور

    ترن كالصخور.. في مصنع يدور

    تنور النشيد ...

    شوارع المدينة المخضوبة البيوت بالدخان والزيوت

    نعيش في أعماقها، نعيش لا نموت

    هاجر جيلي وابتعد مجبرا إلى حين بعد أن رأى انعدام القيم الأخلاقية والمبادئ العامة التي تنظم حياة الناس وضياع المعنى في اللامعنى لينتهي الأمر إلى انقلاب في المعايير التي لا تستقيم الحياة بدونه من هنا جاء تمرد جيلي النبيل.

    وخف بالجهل أقوام فبلغهم

    منازلا بسناء العز تلتفع.

    اختيار جيلي لأصدقائه يقوم على حسن الطوية، لا مال ولاجاه ولا سلطان هكذا جاءت تضحياته التي لاتحد ومجالس أنسه اللطيفة البريئة (لطعامك وكسائك ؟ وهل من يبغى تملك الفقير ؟) . مرض النقرس يأتي كما يقال من الإسراف في أكل اللحوم. ولكن جيلي يطرح النكتة حتى على نفسه: يا شريف (بالمصرية)، ياخى الوجبات الثلاث - إن وجدت - كانت فولا وطعمية .. ثم يسخر:صحن الفول تحول بقدرة قادر إلى طبق تئن أطرافه من قطع الكستوليتا.

    يتفوق جيلي الشاعر الإنسان على أكبر محترفي الاتجاه الصوفي في الزهد والترفع عن الصغائر في نفس راضية مرضية.لجيلي كف صغرت من االدنيا، مبغضا لواجهات الدنيا، زاهدا فيها، مزدريا لطلابها اللاهثين وراء سرابها..لم يستطع شاعرنا الكبير ممارسة حياة غير تلك التي اختارها وكان يؤمن بها...
    نفس كبيرة لا تحمل منة من احد، نفس أبت أن تبيع إبداعها من العلم والمعرفة والفن مقابل إغراءات مهما كان المردود المادي منها عاليا...ألا يطوف أمامك شيء من روح أبى العلاء المعرى ؟ أين جيلي وأين منه تنابلة السلطان ؟ والثمن الذي دفعه جيلي، سيد القريض عن طيب خاطر، كان غاليا..شظف في المكان والملبس والفراش.

    غني من الآداب، لكنني إذا نظرت فما في كفى غير الأنامل.

    في كل الأوقات – فرحها وكئيبها – لجيلي قدرة طبيعية عفوية على القلوب الناس لتتسع فيها دوائر الخير والحب والجمال التي لا تنتهي.. عندما يثير غضب جيلي أحد الأصدقاء لا يرد - في رده أحيانا - بشراسة، مدفوعا ببراءة أولياء الله.
    ولكنه غداً ينسى كل شيء .. أنك واجد قلبا كبيرا ملؤه التسامح المطلق...شيمة حب لا تعرف الخداع أو الضغينة. كان لهذا الشاعر (المنجذب) قلب طفل ودفاع كحد السيف يستخلص حقائقه من واقعه بالفكر وتمحيص الأشياء.

    أستميح القارئ عذرا أن ألخص هذه الكلمات البسيطة المكثفة في قول شكسبير على لسان هاملت:

    والإنسان ما أروع صنعه، وما أنبله عقلا ، وما أقصى حدود قدرته ومواهبه في الشكل بالملائكة في الإدراك.. ما أشبهه بالملائكة في الإدراك.. ما أشبهه بالآلهة.. إنه زينة الدنيا، ومثل الحيوانات الأكمل.

    هل يبتعد جيلي كثيراً عن ذلك ؟ قصدت بهذا التساؤل الأخير ليس بالطبع التالية أو التنزيه الكامل . ما قصدت هو الإطار الإنساني الذي يتحرك فيه جيلي وينشط ويتفاعل في داخله ويتعامل مع نفسه ومع الآخرين.

    وأنا أهم بوضع القلم إذ فجاءة أتمثل رثاء الشاعر الإنجليزي البارز نيرسى شلي لصديقه الشاعر كيتس الذي رحل عن دنيانا في عز شبابه: يا أيها الطفل الرضيع الوديع، لم كبرت بالرحيل عن عالم الأحياء ولقد كنت بين الأحياء أجدرهم بالحياة؟ لم خرجت إلى التنين الجائع وتحديته في عرينه؟ بقبضتك الضعيفة هذه يا ذا القلب الجسور؟

    وقفت أمام أعدائك برمحك القتَال في كل نزال ؟

    أنضجتك الحياة حتى اكتمل هلالك بدرا لفر أمامك أولئك الوحوش الذين يعيشون في الأرض كما تفر الوعول الشاردة أمام ليث هصور.

    وأخيرا كما يتساءل أحد العلماء:
    أكان لابد لمثله أن يموت الآن على الأقل ؟
    وماذا لو تخطته المنية إلى غيره من أعداء الحياة؟ أم هو الموت نقادا يختار الجياد؟
    حقا انك لعاجز عن استيفاء شخصية جيلي مهما كان قدر العبقرية لديك.
    فقدناك يا جيلي كثيرا.نم أيها المسجى في عظمة نفسك..
    وحتى اللقاء.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

16-01-2011, 10:30 AM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)


    بكثير من الحزن اكتب عن جيلي عبد الرحمن

    بقلم د. عبد القادر الرفاعي

    gili_abd_alrahmansudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    الشاعر جيلي عبد الرحمن

    أتملاه إذا ما الشوق يهطل في دمائي

    يختلي اليتم ويجفل

    في ارتعاش الأرصفة

    أتملاه مسجلا احد الاستثناءات في حياتي التي ما فنئت بها مشروعات الشمولية وعجزها، جيلي عبد الرحمن الذي رأي حزنا كثيرا ودما كثيراً.. وظل يقاوم حتى آخر قطرة من دمه متسائلا لماذا كل هذا؟ كان جيلي بالنسبة لي هدنة من حروبنا وانتصاراتنا وهزائمنا في الزمن الشمولي... هذه الرهافة الإنسانية التي تشع من جيلي، الأكثر ذكاء من إسراء النصح شعرا أو هتافا. تركت صداقة جيلي عبد الرحمن وإخاؤه أرق الأثر في نفسي... جيلي الذي غمرني وسواي – رغم هموم وآلامه – بدفء القلب الأخوي الصافي وهو المعذب بأحزان حائط مبكي الرفاق والأصدقاء والجيران والأهل والنوبة المرهف دونما لافتات إعلانية الرقيق بلا عود وناي.. العازف علي أصابع بيانو الأمل .. جيلي أيها الحبيب...قربني أليك.. انك بوجه واحد وليس لك وجه آخر.. جيلي.. اخي، صداقتك اسمها الوفاء علي مر الزمن.. جيلي أخي.. سهرنا كثيراً وتسامرنا وتحادثنا طويلاً سافرنا إلى صوفيا ووارسو وبراغ وبودابست وعدن وأثينا ثم عدنا لموسكو القريبة إلى الأفئدة وما تزال.. لكن اللقاء الأخير كان في الوطن... عفت ما يجري في الوطن.. عفت الصراع بين الشعب وبين الثروات المتناسلة والبطر المخيف.. جيلي .. أصدقاؤك ورفاقك هم.. هم أكثر ودا وثباتا كالنجمة القطبية أصدقاؤك هم هم، فهل أسرعت أم أبطأوا في اللقاء جيلي عبد الرحمن وداعاً.. وداعاً إلى اللقاء..
    وسلام عليك في الخالدين.
    ****

    هدراً نموت علي دماء الشمس، كالجرذان عفوها التراب !

    ما عاد فارسك المحلق فوق صهوات الجياد

    وكأنه تل من النيران تركض في الوهاد

    مستصرخا تاجوج يا قمريتي فتردد الأصداء.. جوج!

    والأرض كانت في هجير الجدب تسهد بالمروج

    وسيوفهم كالصخر غطته الثلوج

    أنا هاهنا غي عودتي الظمأى علي غبش المساء

    بيتي سرير فارغ قنديله زيت يضاء

    عريان ها أنا بلا سيف يطيش ولا حراب

    لاشيء في داري سوي قلب، وقافية، كتاب

    حمي النهار وحلم معتوهين في الأرض الخراب

    ماتوا وعشنا عبر أسوار النهار

    نجتر أوهاما بلا جدوى .. سقطنا في الدمار

    وأنا أعود كفارس يجتاز عتمات المضيق

    لا كسرة في الدار، لا قلب يحن ولا صديق!

    أحبيبتي عيناك سيفي حين تنشب مخلبيها في الدماء

    هذي الحياة تصب أقداح الكآبة في المساء

    وتصير لا معني، ولا أفقا يثير

    أقبيلتي كانوا هنا أحباب كوكبنا الصغير

    درعي وقوسي فالشوارع واجمات كالقبور

    حتى أبي طحنته أضراس المدينة

    في عامه السبعين يشفي للقيمات المهينة

    عريان ها أنا ذا بلا سيف يطيش ولا فخار

    وقبيلتي عيناك موج فيهما يبكي الكنار

    إن كان ينصب في شوارعنا قتيل

    في عينه الخضراء يا عيني تناوحت الحقول

    ونحيب (دوبيت) يغني الهجر والأيام غول

    تاجوج أيامي فتانا الشوق يصحو في الأصيل

    فنهارنا زيت وأزميل ، تعاسات ، ذهول !

    من أين للحب المرجى أن يجئ

    وعلي العيون غمامة تبكي وأشواق تضئ

    وجوادنا المسكين يكبو فوق أشلاء النهار

    عريان ها أنا ذا بلا سيف يطيش ولا فخار

    وقبيلتي عيناك موج فيهما يبكي الكنار

    (إحدى قصائد الشاعر جيلي عبد الرحمن)
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

16-01-2011, 06:02 PM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)


    قصيدة عبري
    شعر: جيلي عبد الرحمن

    image004sudan1sudan1.jpg Hosting at Sudaneseonline.com


    هذه القصيدة تحمل قدرا كبيرا من الحنين للقرية النوبية ممثلة في عبري الرمز. ألفها شاعرنا جيلي عبد الرحمن ونشرها عام 1953م في الصحف المصرية. ووجدت رواجا كبيرا. وقد ضمنها ديوانه الأول "قصائد من السودان" الذي أصدره مع رفيقه الأستاذ الشاعر تاج السر الحسن.

    *********


    أحن إليك ياعبري حنينا ماج في صدري

    وأذكر عهدك البسام عهد الظل في عمري

    تطوف بخاطري الذكرى من الأعماق من غوري

    وتبدو في بهاتتها كطيف خالد يسري

    عليه غلالة سوداء ذابت في رؤى الفجر

    طيوف لست أنساها ورب يعافها غيري

    أنا ظمآن ياعبري إلى الأمواه والطير

    إلى كثبانك الغرقى هناك بحافة النهر

    يذهبها سنا الشمس بأكوام من التبر

    ونخلك رامق النظرات ملء السفح والجسر

    يطل على ربى النيل ويحمل أطيب التمر

    غذاء دائم حلو لنا في البرد والحر

    وأطباق مبعثرة على أكواخك السمر

    تلألأ مثل آمال نمت في جدبه القفر

    وخلف جبالك الثكلى عتاة الجن والشر

    والغاز ..... تحير عالم الفكر

    تخوفني بها أمي تقول طويلة الشعر

    وأرجلها من الطين وأعينها من الجمر

    وساقية مرنحة تجرجرها قوى الثور

    تدلت أذنه تعبا من الإنهاك والسير

    ويمشى خلفه الفلاح وهو مقوس الظهر

    تغيم بعينه الدنيا ويلعن ذلة الفقر

    وتجثم خلفها الأخرى وتشكو قسوة الهجر

    أجل قد ماتت الأبقار والمحصول لايغري

    ونجري نحن أغرارا ونلقي الطوب في البئر

    ونبني كوخنا المختار بالطين وبالصخر

    فمأدبة بلا خبز وزيجات بلا مهر

    ويوم غرقت في النهر وأختي ولولت تجرى

    وصاح الناس من هول وماج الجمع في ذعر

    وأنقذني من الموت فتى قد هاله أمري


    أكلنا لحم تمساح وذقنا أرنب البر

    وعيشا قد عرفناه حثالات من البر

    نجهز ذبحة الضان لعيد الفطر والنحر

    فنشبع فيهما لحما ونعطي البعض للغير


    أنا ظمآن يا قلبي إلى صاي إلى عبري

    إلى عنزاتي الصغرى إلى ليلاتي الغر

    أقضيها بلا قيد مع الأطفال والبدر

    سذاجات وأخيلة تظللها يد الطهر

    نشاوى مثل أسماك تعوم برائق النهر

    حنيني جارف عات برغم المسلك الوعر

    تراثي كيف أنساه وقد أودعته عبري


    ********


    رحم الله شاعرنا جيلي الذي مضى وهو يمني النفس بالعودة إلى قريته ويغني :

    وإنا سنرجع يا صاي يوما نعمر أكواخنا والدروب

    ***************
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

16-01-2011, 06:58 PM

احمد الامين احمد

تاريخ التسجيل: 06-08-2006
مجموع المشاركات: 3160

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    تحية للمزيد من الإحالات:
    1- دراسة عن شعر جيلى عبدالرحمن كتبها الشاعر محمد عبدالحى ومنشورة بمجلة كلية الاداب -جامعة الخرطوم...
    2- مقال عن جيلى عبدالرحمن كتبه الدكتور عبدالسلام نور الدين.
    3- قصيدة فى رثاء جيلى عبدالرحمن كتب شاعر واكاديمى عراقى عمل مع جيلى فترة بجامعة جزائرية والقصيدة منشورة فى ديوان لهذا الشاعر وهو مقيم بلندن ويعمل بالملحقية الثقافية السعودية هناك...
    4- كتاب " جيلى عبدالرحمن شاعر الوقت فى سياق أخر-- مجموعة مقالات ودراسات - تحرير الشاعر إلياس فتح الرحمن صدر عن مركز الدراسات السودانية بالقاهرة فى التسعينات ...
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

16-01-2011, 07:06 PM

فيصل محمد خليل

تاريخ التسجيل: 15-12-2005
مجموع المشاركات: 20643

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: احمد الامين احمد)

                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

16-01-2011, 07:20 PM

عاطف مكاوى

تاريخ التسجيل: 29-03-2008
مجموع المشاركات: 17582

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: فيصل محمد خليل)

    الصديق العزيز دكتور عبدالقادر الرفاعي
    تحية طيبة

    زمن لم نتهاتف .... أتمني أن تكون بخير وصحة .....
    سعدت جدا بهذه الطلة .... في رحاب الشاعر المتوهج بالأحزان والأمل (جيلي عبدالرحمن)

    * حتما سنكون من المتابعين لهذا الخيط الهام.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

16-01-2011, 07:21 PM

فيصل محمد خليل

تاريخ التسجيل: 15-12-2005
مجموع المشاركات: 20643

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: فيصل محمد خليل)

    sudansudansudansudansudansudansudan18.jpg Hosting at Sudaneseonline.com


    بقلم: الحسن هاشم

    في الوقت الذي يحتفل فيه الحزب الشيوعي بميلاده في السادس عشر من أغسطس من عام 1946م، لا ينسى ذكرى رحيل الشاعر جيلي عبد الرحمن الذي رحل عام 1990م في أغسطس فيه بمصر، لا في وطنه الذي أحبَّه وأنشد فيه أروع قصائده منذ أن كان شاباً يافعاً عام 1953م، حين نظم قصيدته عن مدينته التي رأى فيها النور (عبري). ولد شاعرنا الراحل بجزيرة صاي بمنطقة عبري عام 1931م، ورحل لمصر وعمره تسع مع والدته حيث كان يعمل والده، ودرس هناك وتخرج من الازهر الشريف. للراحل ديوانين هما (قصائد من السودان) الذي طبع بالقاهرة عام 1956م بالإشتراك مع صديقه الشاعر تاج السر الحسن، ثم ديوان (الجواد والسيف المكسور) الذي يقول فيه:

    ماعاد فاسك المعلَّق فوق صهوات الجياد

    وكأنَّه تلٌّ من النيران تركض في الوهاد

    مستصرخاً تاجوج ياقمريتي

    فتردد الأصداء جوج

    والارض كانت في هجير الجدب تسهد بالمروج

    وسيوفهم كالصخر غطته الثلوج

    قام راحلنا بترجمة الكثير عن الادب الروسي وله دراسة عن الاديب السوداني الراحل الطيب صالح، حيث كان جيلي ناقداً بارعاً أيضاً. وغنى جيلي بهموم القارة الافريقية وشبَّه مأساة إنسانها بمأساة ضحايا هيروشيما، حين قال:

    هيروشيما على صدر أفريقيا

    قد لاحت أضواء المرفأ

    لم يبق سوى بعض صخور

    سيق الأطفال الى سجن أورندي

    رقصت نار في أكواخ الزاندي

    يا أفريقيا..

    وغنى جيلي غارسيا لوركا الاسباني وذكرى إستشهاده على يد الجلاد فرانكو، كما غنى للأمل والمستقبل، وغنى لبيئته الاولى في (قصائد من السودان):

    وساقية مرتجة تجرجرها قوى الثور

    وتجثم خلفها الأخرى وتشكو قسوة الهجر

    أجل قد ماتت الأبقار والمحصول لا يغري

    ونجري نحن أغراراً ونلقى الطوب في البئر

    ونبني كوخنا المختار بالطين وبالصخر

    فمأدبة بلا خبز وزيجات بلا مهر

    حمل راحلنا السودان في كل المرافيء التي حط فيها فيها من روسيا شمالاً واليمن جنوباً والجزائر غرباً ومصر وسطاً، وكل هذه الدول وغيرها لم تنسه يوم أقعده المرض بمستشفى (ناصر للكلى) بمصر، ويومها رفع جيلي وسادته وأخرج عشرات الخطابات والشيكات قائلاً لي: “يا إبني أنا في هذه اللحظة أبحث عن وطني وعن شعبي الذي قدمت بإسمه ما قدمت لكل الشعوب” وكان خطابه لرئيس الوزراء بواسطة إتحاد الكتاب السودانيين عام 1987م، تقريباً.

    جريدة الميدان
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

17-01-2011, 07:07 AM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: فيصل محمد خليل)


    جيلي والإتحاد السوفييتي

    بقلم الدكتور: عبد القادر الرفاعي


    sudansudansudansudansudan41.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    الشاعر جيلي عبد الرحمن


    حينما كان جيلي يقترب من عامه الثامن والخمسين، كان يمشى بخطى حثيثة نحو الرحيل الأبدي.. وحين أسلم الروح كانت الأنظمة الاشتراكية تتهاوى الواحدة تلو الأخرى. سقط جدار برلين وتبدلت الأحوال في تشيكوسلوفاكيا وتوالت الانهيارات حتى بلغت الاتحاد السوفييتي. وبرحيله أضحى كل شيء (ثنائية وفاة جيلي ونهاية المعسكر الأشتراكى)، ومنذ زمن بعيد مجرد ذكرى تنتمي إلى عالم مضى، ومجرد رمز لعالم كان من الواضح أنه يقترب إلى يوم رحيله وأنه على وشك أن يولي الأدبار، ربما إلى حين يطول أو قد يقصر. ومهما كان الأمر فإن جيلي لم يتوقع-حسب علمي- أن نتائج سياسات إعادة البناء (البيروسترويكا ) والشفافية (قلاسنوست) سوف تودي بمعسكر الاشتراكية والسلام والتقدم الاجتماعي.. جيلي عبد الرحمن الذي في الأصل من أسرة بسيطة، اشتهر عدد كبير منها بالهجرة شمالاً إلى مصر، كان من الطبيعي له - حيث تفتح على الوعي الاجتماعي في زمن كانت تسوده شتى أنواع النضال- أن ينتمي إلى معسكر الاشتراكية.

    لم يتخل جيلي منذ ذلك الحين عن مبادئه وتأييد التجربة الاشتراكية، وخاصة في الاتحاد السوفييتي الذي لم يكن يوجد فيه فقير واحد أو جائع أو مشرد أو أمي.. البلد الذي ارتاد الفضاء وتمددت أفكاره إلى آفاق بعيدة، حتى وأن كانت عيوب التطبيق والانتهاكات، مما دفعه لاتخاذ مواقف ناقدة ورافضة لضيق نطاق الحرية الشخصية والفساد وتخلف الصناعة الخفيفة وتدني عائد الناتج القومي للمواطنين الذين يصنعون، وذهاب القسم الأكبر لسباق التسلح وحماية أنظمة معادية لشعوبها تسترت بشعارات الاشتراكية والعدالة.. ومن ذلك موقفه الناقد لتدخل حلف وارسو في تشيكوسلوفاكيا عام 1968، وكذلك رفضه التدخل العسكري في أفغانستان عام 1979 فضلاً عن حماسه لفتح النوافذ للتلاقح مع أفكارا لشيوعية الأوروبية.

    لقد كان من العسير على جيلي عبد الرحمن أن يقف موقفاً معادياً للاتحاد السوفييتي الذي ارتبط به دائماً، وأمن له الدراسة والمأوى وكثيراً من الجوانب الروحية والمعرفة والثقافة حين اضطر للعيش فيه بعد نيل السودان لاستقلاله في الوقت الذي سدت أمامه بوابات وطنه بسبب الانقلابات العسكرية المتعاقبة، مما زاد من بقائه خارج السودان قرابة ثلاثة عقود. والحقيقة أن ما يشاع عن نبوءة جيلي بتلاشي الاتحاد السوفييتي ليس صحيحاً، فقد وضع جيلي كل آملة في أن تسفر سياسات إعادة البناء والشفافية إلى تدعيم الاشتراكية – اشتراكية منقاة مما شاب التطبيق (Purified Socialism )؛ وحين تمكن منه الداء ودنت منيته كانت الأمور في المعسكر الاشتراكي قد وصلت إلى نهايتها.. تحديداً مع رحيل جيلي عبد الرحمن. ومن هنا رمز جيلي بذلك، معبراً عن حماس شبابه ونضالات حياته وشعره ثم رحيله أخيراً عن المصير الذي عاشته الاشتراكية في القرن العشرين.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

17-01-2011, 10:03 AM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    يهتز الشارع يا لوركا
    شعر: جيلي عبد الرحمن


    federico_garcia_lorcasudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    الشاعر لوركا



    اليوم رمادي أجرد

    فالسحب تنيخ على أفق مدينتنا والمغرب مربد

    ماذا تلد الهرة سوداء الأبوين سوى هر أسود؟

    فاحمل يا (سيزيف) الصخرة

    دارت ساقية الحزن المرة

    هذي مئذنة ترمق نهر النيل

    يكسوها ظل الشمس الغارب

    ذكرى تنبشها ؟ لاشيء على جسر الماضي الشاحب

    لا جدوى ! أبواق تعوي حمحمة الخيل !

    يا صوت الأرض الريفية

    كيف ركضت .. صهلت على هذا السيل؟

    الشارع يهتز كأن خطاه الوتر المشدود

    لوركا يا كبدي .. ماذا قلت عن الأيام السود؟

    افتح عينيك ولا تسرح .. كدت تبعثر حلوى عرق اليوم

    أنى لا أقصد .. عفوا لوركا عفوا !

    يهتز الشارع مثل دمائك في غرناطة

    والأوتار تشد نياطه !

    كم غنيت الحرية والموت

    فالحرية تلد الفرحة للناس

    والموت رقاد لا نمة فيه ولا صوت

    ما أعمق هذا الإحساس

    إن لاح جناز قد هرول في صمت للقبر

    وارتاع الناس على الإفريز بكوا من غير دموع

    فليرحمه الله

    ثم انسابوا في موجات النهر

    ماذا تصنع يا لوركاي؟

    هل بحت أصوات الناي؟

    والتفت أحراش خريف مسنون النظرة كالموت

    لا نمة فيه ولا صوت

    قالتها عارية الصدر

    في لفظ مرتعد كالطفل المعروق

    ياعيني كان عريسا

    ما انطفأت شمعات العرس المشنوق

    مازال المخدع رفاف العطر

    فليرحمه الله

    صوت في الضجة تاه

    طق طق طق .. طوق

    خيل مذياع بوق

    هبني يا لوركا الشعر

    ملحمة مثل عروس الدم

    تنضو عن هذا الهم

    ترميني في أودية أخرى

    ماذا أبصر؟ مئذنة غرقى في نهر الليل

    أعلى ما في قريتنا مئذنة المسجد

    جدي كان ينادي فيها الفجر

    تصحو الديكة إن أذن يصحو الطير؟

    فليرحمه الله

    جدي جمجمة ملقاة فى جوف القبر

    ما احتفلت مركبة الفجر بها لما خلتها ملقاة

    وامتص الدود العينين

    حتى شعر اللحية .. حتى الرسغين !

    والموت رقاد لا نمة فيه ولا صوت

    لوركا يا من أعجزت الموت

    جدي فلاح من حلفا

    لم ينهر يوما ضيفا

    يهوى الأرض يضمدها بالعينين إذا أغفى

    لما مات انتحبت قريته بللت التربة صيفا

    كانوا ألفا ..

    حتى شتلات النخل انتحبت والشاطىء يالوركا أصغى ..

    يقتات الكسرة ما اشتاقت رئتاه التبغا

    روحي مثل شجيرة حناء

    جامدة من غير دماء

    ماذا تجدي أشعار الخنساء؟

    ماذا تجدي يالوركاي؟

    يهتز الشارع مازال أصما

    الأعمى يقتاد الاعمى

    وامراة هلكى تتصابى

    هل تحيي الأصباغ شبابا ؟

    يا اصحابى أني موثق

    مدوا أيديكم قولوا كيف الحال ؟!

    هذا شيخ يجثو فوق عصاه

    فى لحيته .. حتى الشارب .. ياالله !

    فى مشيته جدي .. ياجدي

    ماذا يا ولدي؟

    عانق أحزاني وامسح خوفي

    لاتربت بالكفين على كتفي

    هذا لا يكفي

    - لا قوة إلا بالله -

    لوركا يا من أعجزت الموت

    أني أعجز عن كلمة

    لما ساقوك إلى الأجمة

    كان سكوتك أبقى ماقلت

    هب لى شيئا يا لوركاي ..

    يمشي فى أوصال الناي

    يهتف أن أحيا ..

    من كتاب جيلى عبد الرحمن .. شاعر الوقت فى سياق آخر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

17-01-2011, 06:04 PM

فيصل محمد خليل

تاريخ التسجيل: 15-12-2005
مجموع المشاركات: 20643

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    Quote: كان جيلي شاهداً على عصرنا مما جعله نموذجاً للبطل الذي يعي قسوة الحياة وفسادها مثل إدراكه لبهائها وجمالها وآمالها العراض. وفى هذا كان شأنه شأن الشعراء والأدباء عامة في عصره، إذ كان الشاعر الذي يعيش الصدمة ويحياها..صدمة فجيعته في أهله ووطنه الذي تصور أو أوحت له أفكاره بذلك بأن الأبرياء والمناضلين الذين تاقوا لحياة تليق بالإنسان قد واجهوا العسف والتعذيب والعزلة. هكذا كان جيلي عبد الرحمن سباقاً في النبوءة والمعرفة والصمود في زمن لا تكفيه حكمة الشعر ولا صمود الشاعر.



    التحيه والاجلاال للاجيال التى حملت الرايه
    وحافظت عليها مرفوعه وسط كل الظروف والازمان
    التحيه لك دكتور عبد القادر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

17-01-2011, 09:42 PM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: فيصل محمد خليل)

    كان الإحساس بالغربة يملأ كيانه وهو أهم أسباب إبداعه الشعري
    لم أتأثر بقراءة الشعر كما تأثرت بقراءة جيلي لشعره

    د: فاروق محمد إبراهيم

    DSC01099sudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    د. فاروق محمد إبراهيم


    التقيت جيلي أول مرة في أواخر السبعينيات في عدن حينما جاء ليعمل بها أستاذا للأدب العربي في الجامعة.
    كنت سبقته إليها ببضع سنوات عملت خلالها مديرا لأحد المشاريع الزراعية فيها.. تصادف أن جاء معي إلى عدن في نفس الوقت الصديق تاج السر الحسن.
    التحق جيلي بنفس الوظيفة التي كان يشغلها تاج السر الذي عاد إلى السودان ليشغل وظيفة في وزارة التربية بالخرطوم.

    وصلتني من جيلي رسالة رقيقة قبل مجيئه إلى عدن أرسلها لي أخي سليمان محمد إبراهيم الذي كان وقتها يدرس الإخراج السينمائي بموسكو ابلغني جيلي عن عزمه المجيء إلى عدن والعمل بجامعتها. كانت تربطه بسليمان علاقة حميمة ودودة .وكان سليمان يكن له تقديرا ومحبة عظيمة .

    كان أبرز الشعراء الشباب التقدميين في سودان الخمسينيات صلاح أحمد إبراهيم وشيبون .كانا صنوين لجيلي وتاج السر ورفيقيهما في مصر.

    ولما كنت في بعثة دراسية في بريطانيا منذ منتصف الخمسينيات فانه لم تتوفر لي فرصة التعرف على جيلي ،(الذي كان في سني) ولا على شعره ،كانت أول معرفة لي بشعر جيلي عن طريق صديق صحفي – إذاعي صومالي كان يراسل هيئة الإذاعة البريطانية . خفيف الظل واسع الثقافة والاطلاع .اسمه عبد السلام .كان يعمل ويعيش في لندن .من عبد السلام عرفت عن تلك المقالة الشهيرة بعنوان "أربعة شعراء شبان سود ينتزعون لواء الشعر العربي"، التي لم تتوفر لي فرصة قراءتها في حينها .كان المرحوم عبد السلام يقول لي مداعبا إن هؤلاء الشباب سود لكنهم ليسوا سودانيين .

    وكان ممكناً أن يكونوا صوماليين ثم يواصل ضاحكا :الفيتوري ليبي ، تشادي ،جيلي ومحي الدين فارس وتاج السر نوبيون ، مصريون. ومن عبد السلام تحصلت على نسخة من "قصائد من السودان" لأول مرة.
    خلت عند لقائي الأول بجيلي في عدن مع جمهرة من المستقبلين ،وبعد أمسيتنا الأولى مع رهط من الأصدقاء، أن معرفتي به لن تتجاوز المجاملات السطحية أبدا. خلفيتانا كانتا مختلفتين تماما . أهله ظلت هجرتهم التقليدية من الجزيرة صاي إلى مصر شمالا، وأهلي هاجرو قبل أكثر من ثلاثمائة عام من الجزيرة مكن القريبة من صاي إلى توتي والجريف وبرى وشمبات والعيلفون جنوبا .جيلي تلقى تعليما دينيا تقليديا أزهريا في مصر، وانأ تلقيت إفرنجيا غردونيا في السودان .جيلي ولى وجهه شرقا للتخصص في الآداب في معهد جوركي بموسكو وانأ وليت وجهي غربا للتخصص في العلوم بالكلية الامبريالية في لندن . توهمت فيه ظلما بعض سلبيات مدرسي اللغة العربية والدين الأزهريين والدرعميين في المدارس الثانوية السودانية.. تلك السلبيات التي ربما لم تكن تحيزا مبينا في تعليمنا الفردوي وثقافتنا المنشطرة ..وبدت لي في حديثه مسحة من الصلابة النمطية الشيوعية التي لم تكن لي أبدا. ومضى أكثر من عام لم نلتق فيه إلا لماما .
    لكن كل ذلك الجليد ذاب في لحظة حينما توفر أن سهرنا سويا يوما وتجاذبنا الحديث. إن جيلي الحيي يخفي – تواضعا – قدرا مهولا من الرقة والعذوبة والمشاعر الإنسانية النبيلة الصادقة خلف ذلك القناع الاصطناعي الزائف من الصلابة النمطية الشيوعية..

    ولا يمكن لاشى قدر من الجليد مهما تراكم إلا أن يذوب حينما يلقى جيلي شعره بنفسه. الكثيرون يجيدون إلقاء الشعر وشعرهم على وجه الخصوص، وأميزهم الفيتوري، لكنني لم أتأثر قط بإلقاء شعري كما تأثرت بإلقاء جيلي لشعره ، صادق وعميق ، جهوري ونافذ .

    كأنه كان يستوحي شعره ويلقيه أول مرة. وكأن ذلك الإلقاء كان الإلقاء الأخير في حياته . وكأنك تستمع إلى أم كلثوم تغنى الإطلال وهذه ليلتي لك وحدك.. كان رائعا في إلقائه لعبري ، وشجرة اللالوب ، وذكريات عن عزيزة وصوتها ولأطفال حارة الربيع ، والعريس وطحالب القاع ورثاء محمد المهدي المجذوب ، ولوركا والجواد والسيف المكسور.. لكنه فاق حد الروعة وهو يلقى قصيدة العائد وعلى غير عادته حكى لي ظرفها.فقد هرع إلى الاتحاد السوفيتي عقب الثورة آلاف الثوريين الرومانسيين من جون ريد الأمريكي صاحب عشرة أيام هزت العالم (وقد أنقذه التيفوس من مصير ذلك العائد)، إلى غيره من الأمريكان البيض والسود ، والأوربيين والآسيويين وغيرهم ممن تخلوا عن جنسياتهم ووهبوا أنفسهم لوطن الاشتراكية واتخذوا من المواطنة السوفيتية هوية لهم ، وبين هؤلاء صديق من أصدقائه المصريين كان يعمل في إذاعة موسكو، لفقت له اتهامات أيام الهوس الستاليني، فقضى شطرا من حياته في القولاق وسمح له بزيارة مصر على أيام عبد الناصر كمواطن سوفيتي ، لكن طلبه باسترداد جنسيته المصرية والبقاء في مصر رفض .. وجده جيلي ميتا في شقته المغلقة في احد ليالي شتاء موسكو، انقضى عليه يومان ولم يدر به احد.. أسبل جيلي عينيه وأسجى جسده، وقبل جبهته، وغطاه واستوحى وهو أمام الجسد المسجى قصيدته العائد:

    على التلال لا تلوحوا .
    العائد الأشلاء في دروبكم يصوح .
    وظله على الرمال غائر مقيح .
    وخطوه مرنح
    على التلال لا تلوحوا
    الصمت قد ينهار حين يبدو الشبح
    جسوا معي أنقاضه ،وطوقوا أساه
    من مات يا أحبتي عليه رحمة الإله
    عزاؤنا المكتوب في الجباه
    ونظرة كسيرة في غربة الحياة
    وعودة أسيانة لم يحتضنها الفرح
    بيوتكم تطل ...تستفيق
    خياله النحيل في سباتها العميق.
    كالشط في رؤى الغريق
    ترى تزال تذكر الشقوق ؟
    خطواته الخضراء يصحو من شجاها البلح
    وثلة العيال في المياه صائد وسابح
    لا تصمتوا على التلال
    مسمرين كالظلال
    الصمت قد حملته أيامي الطوال
    من مات يا أحبتي عليه رحمة الإله .
    العائد الأشلاء في رؤاه حفنة الحياة
    جدرانها الكئيبة الإحداق
    تطأطئ الأعناق
    كأن الغداة ضج .. لاطم، ونائح
    على التلال لا تلوحوا
    أطفالكم تشيخ والنخيل عن طريقه... حتى الكلاب تنبح
    يا عائد الحبيب وارتمى
    سحابة تجمدت على السما
    كأن جسرا بينا تحطما
    كأن شوقا مظلما
    ما كان يا أحبتي ... ما كان قد تسمما
    ياليته ما همهما
    في عودة مصعوقة الأشواق مثلما
    يود ذلك الشقي في البعيد ينزح

    يتبع ..

                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

17-01-2011, 09:48 PM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    DSC01099sudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    لو أن بلدا غير السودان لا يشعر السوداني فيه بالغربة أبدا فهو اليمن وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في أيامها على وجه الخصوص.. ولو أنني لاحظت على جيلي في أخريات عام 1981 إحساسا شديدا بالاغتراب، فلربما كان ذلك الإحساس جزءا من كيانه ووجوده، وأحد أهم أسباب إبداعه الشعري ومع أنني لست من جنس الشعراء ولم يكن لدى ما اشتكى منه باليمن ألا انحنى كنت أحس وقتها إحساسا مماثلا باغتراب ألجأني إلى ديواني جيلي أعب من إشعارهما وأحفظ منهما عن ظهر قلب ...كانا بلسما شافيا بدد شعوري بالاغتراب تماما..

    احتفينا في الجالية السودانية بتكريم جيلي في الاحتفال بعيد الاستقلال في مطلع عام 1982م. وقد صادف الاحتفاء هوى في نفوس الجميع . ألقيت قصيدة عبري من الذاكرة.. قرأ مبارك حسن الخليفة عددا كبيرا من قصائده.. كان الاحتفال مشهودا، وقامت إذاعة عدن بتسجيله وإذاعته.. ترك ذلك أثرا كبيرا في نفس جيلي.

    احتفلنا بجيلي في نفس المساء احتفالا خاصا حضره عدد من أصدقائه السودانيين واليمنيين.. كان الاحتفال في منتجع (الشاليهات ) في جزيرة كان أسمها (جزيرة العبيد) قبل الثورة صارت بعدها (جزيرة العمال).. انتهزت الفرصة مستعرضا فألقيت عدة قصائد من الذاكرة منها "شاطئ الذكريات" و"شجرة اللالوب" و"هجرة من الجزيرة صاي ".

    قاطعني جيلي حينما وصلت إلى نهاية الهجرة المأساوية من صاي إلى القاهرة بأبيات لم تكن مثبتة في ديوان " قصائد من السودان" ولا في مختارات شعره الأخرى كمختارات على المك جاء فيها :

    وقالوا جاء النوبي ضعوا بيده مكنسة

    روى جيلي أن صلاح سالم ،وزير شؤون السودان حينئذ أمر بحذف هذه الأبيات ضمن القصيدة في احتفال بالنادي النوبي بالقاهرة سنة 1953م، لأنها كانت تعكس واقعا (يسئ) إلى العلاقة المصرية السودانية في عام اتفاقية القاهرة والاستفتاء المزمع حول وحدة وادي النيل في السودان .

    اشتد المرض على جيلي – القلب والسكر والكلى والنقرس.. قضى وقتا طويلا بالمستشفى العسكري ،أولته الحكومة اليمنية والجالية السودانية وزملاؤه من كل الجنسيات اهتماما كبيرا يليق بشخصه. لكن جيلي لم يكن يكترث كثيرا بالمرض ولم يكن يحفل كثيرا بنصائح الأطباء والأصدقاء فيما يخص الشخصي...

    غير انه أكثر من الرثائيات في أخريات أيامه ، ثم غادرنا إلى الجزائر ليعاود العمل بجامعتها لأن مناخها كان يناسبه أكثر، واحتفى الجميع بوداعه، والتقيت به في الخرطوم مرارا بعد الانتفاضة في ابريل سنة 1985، حينما عدنا جمعيا إلى السودان. كان يتوق إلى الاستقرار والعمل بالسودان ، في جامعة الخرطوم أو أي موقع آخر تؤهله له ثقافته وخبرته ومكانته .. كان مجرد وجوده في السودان كسبا ومفخرة للسودان والسودانيين.. لكن حالته الصحية المتأخرة لم تمهله الوقت الكافي.

    ترى هل كان جيلي يطيق البقاء في الخرطوم لو سمحت له حالته الصحية بذلك؟ لو واتت حالة البلاد السياسية ؟ بالطبع لم يكن صديقي الأديب الصومالي عبد السلام إلا هازلا في حديثه عن هوية أولئك الشعراء. ومع أن جيلي كان يتوق إلى الاستقرار في وطنه السودان، لكنه كان أيضا من تلك الطيور المهاجرة التي لا يقر لها قرار إلا في الترحال بحثا عن هوية إنسانية أرحب وأوسع أهله لها إنتاجه الشعري.. وكذلك كان الفيتوري ... وربما كان ذلك هو ما عناه صديقي المرحوم عبد السلام الذي كان يحس في قرارة نفسه بانتمائه إليهم وانتمائهم إليه.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 02:19 AM

sharnobi

تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 4210

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)


    الصديق الجميل
    الرفاعى
    عليك
    بخير
    واحمد
    وعزة

    لا اجد مساحة فى ما تكتب
    بينى وبينك
    مساحة خضراء
    وبعض من مزن

    لك وحشة قدر تلك التى تهيم حول الترهل
    من من حول ضخامة اسمك
    وجسدك
    المرتع لكل العذابات
    والصمود
    لك ايها الجميل
    بعض من التحايا العجلى
    فى هذا الزمن
    الذى لا تجد فيه اوارق الخريف
    التساقط بمهل
    على الرمال المتحركةبتهافت
    لتبتلع المساحات الخضراء
    من هذا العمر
    الكئيب عنوانا
    ومعنى

    الحديث عن جيلى ابن جتتى
    النوبى
    الثائر

    حديث ذا شجون

    وحين جيلى
    كان خليل فرح
    سابقا
    ومحمد صالح ابراهيم
    ثم
    فاروق كدودة

    وصديقك اللدود
    محمد وردى
    وقصص
    خرافية
    عن علاقات انسانية لها حفر عميق فى الذاكرة


    وللك فى لحظة التمدد القسرى فى المساحات الضيقة
    بعض كم ذكريات جميلة
    فى دروب النضال الشاق

    صديقك
    ص ش
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 06:24 AM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: sharnobi)


    جيلي عبد الرحمن : انطباعات من لقاءات عجلى
    جيلي يعني عندي المثال الحي لارتباط الإبداع مع أحلام الفقراء

    بقلم: د.كامل إبراهيم حسن


    gili_abd_alrahmansudan1sudansudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    لا ادعي بلني كنت لصيقا أو أني عرفت شاعرنا الكبير معرفة شخصية تؤهلني أن أتحدث عنه بعمق .. فانا لم أقابله أكثر من أربع أو خمس مرات .. وكلها لقاءات جماعية لم تتح لي فرصة للحديث فيها مع د.جيلي حديثاً انفراديا شخصيا .. وآخر مرة تسامرت فيها مع جيلي كانت بمنزل استأذنا محمد سعيد القدال وكان ذلك وكان ذلك قبيل سفره الأخير لذلك فان ما سأكتبه لا يزيد عن كونه انطباعات؛ كما أني لن أتحدث عن شعره فهنالك من سيقوم بذلك أفضل مني – إلا لماما.
    أول مرة اسمع فيها عن الشاعر كان عن طريق ديوانه مع الدكتور تاج السر الحسن (قصائد من السودان) وكان قصيدته (عبري) قصيدتي المفضلة لان أهلنا من محس السكوت كانوا دائما ما يذكرون المدينة يوصفها علامة تعريف لمكان سكنهم .. موطن أجدادي الذين لم أرهم ولم أزر منطقتهم في حياتي رغم ذلك فلمدينة (غبري) مكان رومانسي في وجداني وكأنها بعني بالنسبة لي الارتباط بالجذور ..ربما لأننا العائلة المحسية الوحيدة بالشوال مما ولد لدي شعورا بشبه الاغتراب ووجدتها في القصيدة مرجعا كأني أقول عن طريقها للآخرين هذه هي مدينتنا وهذا هو شاعرنا وانحنا ما مقطوعين من شجرة".
    جيلي يعني عندي المثال الحي الذي يجب أن يحتذيه كل من يؤمن بضرورة ارتباط الإبداع مع أحلام الفقراء وهو عندي يشخص سواد الشعب ويعكس ما يعانيه .. صراع دائم مع المرض والفقر ولا يكف عن الترحال بحثا عن مكان يأويه دون أن يهد ذلك من عزيمة لا تنال منها المصاعب ورغم أن: "الحب يتيم الأبوين يخر صريعا في وطني" لم ينقص ذلك من حبه للسودان لذلك نمجد جيلي بدا التجوال وفي صحبته شيئان فقط الأول حب الفقراء من أهله حب يسبر له غور وشوق لا تزيد الأيام جذوته إلا ضراما.
    أمطار الدنيا لا تطفئ في قلبي نار الشوق.. والشيء الثاني حقيبة فقيرة المتاع مليئة بالأحلام

    حقيبتي يا صاحبي

    فقيرة المتاع

    ردائي القديم

    رتقت خيوطه .. أصابع الضياع

    قرأت أن جيلي نام ليلة مع صديق له كانت ليلة باردة ولكن صديقه احضر له بطانية سميكة فنام شاعرنا غرير العين علم في الصباح اليوم التالي أن والدة صديقه هي صاحبة البطانية .. ولما رأت هزاله وضعف جسمه آثرنه علي نفسها .. ولم يستحمل قلبه الرقيق ذلك العطف أن تنام سيدة عجوز ليلة واحدة دون غطاء كاف فأجهش القلب الكبير بالبكاء، وكأني بلسان حاله يقول : وا خيبتاه .. أهذا هو نضالي من اجل الفقراء أن اسرق غطاء سيدة عجوز في ليلة بردها قارس يعض العظام.
    حساسية الرجل المفرطة تحسها كثيرا في شعره . وفي بعض المرات – يخيل لنا – أن شاعرنا يساوره شعور بذنب لم يغترفه وحتى عمق مأساة بلاده يتحمل وزرها الأكبر .. فلو قاوم أكثر وناضل أكثر لما استمر القبح معشعشا. وهو لا يعطي من يحب شيئا له قيمة، وكل ما قام به لم يستطع أن يوفر قطعة خبز.

    أنا ها هنا في عودتي الظمأى

    علي غبش النهار

    بيتي سرير فارغ قنديله زيت يضاء

    عريان ها أنا ذا سيف يطيش ولا حراب

    لا شيء في داري سوي قلب وقافية

    كتاب

    حمي النهار وحلم معتوهين

    في الأرض الخراب

    ماتوا، وعشنا عبر أسوار النهار

    نجتر أوهاما بلا جدوى

    سقطنا في الدمار

    وأنا أعود كفارس يجتاز عتمات المضيق

    لا كسرة في الدار

    لا قلب يحن ولا صديق

    لو أستطيع أن استلف وصف الشاعر للحزن بالجمال عندما أقول : كلما رأيت جيلي رأيت فيه حزنا جميلاً.. أهو يا ترى نتيجة مأساة شعبه – الذي أحبه – والتي تزداد فوهة جرحها اتساعا مع كر الأيام؟ .. أم أن شعلة الأمل في مستقبل تزغرد فيه أفراح الشعب شمعة الفجر عند نهاية النفق . وأصبح الحال:

    مأدبة بلا خبز

    وزيجات بلا مهر

    أنها كل هذه الأشياء مجتمعة.

    حدثني د.محمد محجوب عثمان –شفاه الله – قبل حوالي أسبوعين ، أن جيلي استضاف بعض الشخصيات المصرية والسودانية بشقته في موسكو .. وكان من بين الحضور الأديب المصري الكبير عبد الرحمن ألخميسي.. رن جرس التلفون وكانت المحادثة من السفارة المصرية يطلب المتحدث من الأستاذ ألخميسي الحضور للسفارة حالا لاستلام مبلغ من المال .. ذهب ألخميسي وعندما عاد رفض جيلي ان يفتح له الباب رغم مناداة الآخر : افتح يا جيلي .. يا جيلي افتح .. فكان رد جيلي : عد لمجالسة سجان رفاقي .. فلا مكان لك عندي.
    قال د.محمد – عندما قلت له إن انطباعي عن جيلي أنه من النوع الذي – لولا التشهد – لكانت لاؤه نعم .. رد علي : إلا إذا شعر تلك النعم ستكون علي حساب مبادئه ... عندها يكون اعنف من الإعصار.. وقعت علي ما ذكر..

    موقف آخر – هو الآخر علي لسان د.محمد أن صديقا لجيلي تعامل مع نظام نميري علي أيام مجازر ما بعد يوليو 1971 ؟.. زار الصديق الاتحاد السوفيتي وأراد مقابلة جيلي .. رفض جيلي وقال أنا لا أستطيع أن اغفر بهذه السرعة فالجرح ما زال دامياً ... الصديق رجع إلى السودان.. وما هي إلا شهور وتوفاه الأجل المحتوم.. فبكاه جيلي بدمع سخي .. بكاه كما لم يبك أحدا قبله وهو يردد: لو كنت اعلم انه سيموت بهذه السرعة لقابلته .. ويتساءل : في نفس الوقت .. لو كان يعرف وقت موته لما لطخ كل تاريخه في لحظات الأخيرة.
    قلت في نفسي يبدو أن الرجل الشيء وضده.. ربما باطنه غير ظاهره.. ذلك الهدوء يخفي ثورة لها ضرام، وتلك المشاعر التي يعكس بعضها الحزن - وربما اليأس- تنسكب من عزيمة تفتت الصخر ولا تفت عزمها النكبات.

    وأخيرا نتساءل: هل عجل سقوط المعسكر الاشتراكي بنهاية الشاعر وهو يري تلك القلعة التي كنا نظنها منيعة لن يعتريها الوهن – تنهار أمام عينيه كقصور من رمال ؟ وقد وقفت كثيراً أمام كلمات جيلي:
    ماتوا .. وعشنا عبر أسوار النهار
    نجتر أوهاما بلا جدوى
    سقطنا في الدمار..

    إن علماء السبيرنتكا يقسمون العالم إلى ثلاثة نظم رئيسية .. نظام بسيط رد فعله علي الحدث واحد ومعروف مقدما .. ونظام معقد يثير فيه الحدث ردود فعل عديدة ولكن يمكن التبوء بها وحصرها .. أما النظام المعقد جدا فهو ذلك الذي لا يمكن التكهن بنوعيته أو عدده، وقد يثير نفس الحدث ردود أفعال متباينة.. بل وحتى متناقضة. والمثال الحي لمثل هذا النظام هو الإنسان .. فالحدث نفسه قد يقود أشخاصا مختلفين أو نفس الشخص تحت ظروف مختلفة إلى ردود فعل تعبر عن نفسها في صور لا جامع بينها .. فهل يمكن اعتبار جيلي تجسيدا شاعريا لذلك النظام ؟ لست ادري.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 06:20 AM

محمد الكامل عبد الحليم

تاريخ التسجيل: 04-11-2009
مجموع المشاركات: 1513

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    تحية واحترام وتقدير لدكتور عبد القادر .....في زمن ضنين بالوفاء ياتينا منكم ما يعيد الصورة لسيرتها الاولي موشاة بمعان صاغها جيلي وجيله الذي ظل يعانق الافق والشموس الجديدة...

    يكفي فقط ان تنتقل اعيننا وعقولنا الي يراعكم الاسفيري في عمل رائع لقامة من قامات بلادناظل ينحت في صخرة الحزن والامل ايضا...

    مساهماتكم الادبيةقادرة علي اتحافنا بالاضاءات البهية في ازهي صور البيان والتبيين ان جاز التعبير ...

    الانحنءة لجهد وافر لشخوص سامقة كشخصكم الكريم

    (عدل بواسطة محمد الكامل عبد الحليم on 18-01-2011, 08:49 AM)

                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 09:18 AM

عبدالأله زمراوي

تاريخ التسجيل: 22-05-2003
مجموع المشاركات: 400

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



[center]Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: محمد الكامل عبد الحليم)

    شكرا الدكتور عبد القادر الرفاعي فقد عهدنا فيك أقصى درجات الوفاء لأصدقائك، وهاانت تؤرخ
    الآن لصديقك الشاعر الكبير جيلي عبد الرحمن الذي كان رقما مهما في عالم الشعر العربي رغم نوبيته.

    ألتقيتُ بالمرحوم جيلي عبد الرحمن مرة واحدة بمنزل الأستاذ محمد وردي بالكلاكلة وكان ذلك اليوم يوما مشهودا بالنسبة لي حيث كانت الدهشة والفرحة والسرور تغمر جوانحي من لقاء هذا الهرم الكبير...

    رحل شاعرنا سريعا متوهجا أحزانه وأماله الكبرى بعد أن خلَّد أسمه في سفر الخالدين بأشعاره
    الباذخة....

    وقد أحببتُ جل قصائده خاصة قصيدته في الشهيد عبدالخالق محجوب.

    1
    رؤيَّة
    وأراكم عبر هامات الليالى
    والمهانات، المسافات الطوال
    تنحتون الجدر الحدباء ... فى صمت الظلال
    صرختى أزَّت على الجير... شيوعى، شيوعى
    وأنا أعلم دجل العمق، وعمق الدجل
    كلمات نيئات فى الخوان الثمل
    وضمير السادة النقاد،
    ألوان المونيكير... الربيعى
    لا رتوش الآن، فالحرف مقاصل
    - سيداتى، سادتى
    يبصق الجلاد فى وجه المقاتل
    شاهدى الزور، وأشباه الرجال
    قد نسيت الهمس، والإيحاء
    أشكال الفواصل
    فلتنوحوا فى المواخير... على الفن الرفيع

    2
    المنحنى
    ايه يا طلق المحيا... والحجى
    ها أنا أرسف فى قاع السلاسل
    والأفاعى مثل أنياب الدجى
    تنفث السم على وجه السنابل
    هل مضى الصيف؟ وقد لقنته
    قصة الموت الذى قام يقاتل!
    وخريف العمر... يصفر على
    همهمات الريح... فى الحور الذوابل
    عاود الروح أساها، أطبقت
    فى جدار الصمت، آلام المفاصل
    ايه هل عدت الينا... كالسنى
    حين أرعبت أراجيح المقاصل
    الجماهير اشرأبت والقنا
    يستبيها الصوت والميدان حافل
    - يا صياح الخير كم أوحشتنا!
    يا مساء الخير تشجيك المنازل

    * * *

    لم يعد للنبع غير المنحنى
    أرهف القلب على نبض المناجل
    ما المنايا؟ انها أقدارنا
    وامتداد البحر... أحضان السواحل
    لا ألوم الدمع إن هامت به
    وحشة النخل، وأحلام البلابل
    لا ألوم الليل، والنجم هوى
    يعتلى الفجر، المتاريس، الجنادل
    أيها الشاعر ضوأت المشاعل
    فانبثق ثأراً وصخراً، وجداول


    3
    من الطارق؟
    عبدالخالق!
    يا أيادى الله... قالوا ضعت من غير سرادق
    أين أطفوا زهرة الليمون
    والعطر حدائق؟
    نصبوا للشمس أعواد المشانق!
    - يا حبيبى -
    تدلف الفرحة من سجن الشرانق
    ورأيت القتلة
    مثل فئران الخنادق
    وهدير المقصلة
    مثل أفراح البيارق
    كانت الخرطوم شعراً..
    يشعل الليل حرائق
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 09:56 AM

هواري نمر

تاريخ التسجيل: 29-04-2009
مجموع المشاركات: 1833

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: [center]Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبدالأله زمراوي)

    Quote: قرأت أن جيلي نام ليلة مع صديق له كانت ليلة باردة ولكن صديقه احضر له بطانية سميكة فنام شاعرنا غرير العين علم في الصباح اليوم التالي أن والدة صديقه هي صاحبة البطانية .. ولما رأت هزاله وضعف جسمه آثرنه علي نفسها .. ولم يستحمل قلبه الرقيق ذلك العطف أن تنام سيدة عجوز ليلة واحدة دون غطاء كاف فأجهش القلب الكبير بالبكاء، وكأني بلسان حاله يقول : وا خيبتاه .. أهذا هو نضالي من اجل الفقراء أن اسرق غطاء سيدة عجوز في ليلة بردها قارس يعض العظام.
    حساسية الرجل المفرطة تحسها كثيرا في شعره . وفي بعض المرات – يخيل لنا – أن شاعرنا يساوره شعور بذنب لم يغترفه وحتى عمق مأساة بلاده يتحمل وزرها الأكبر .. فلو قاوم أكثر وناضل أكثر لما استمر القبح معشعشا. وهو لا يعطي من يحب شيئا له قيمة، وكل ما قام به لم يستطع أن يوفر قطعة خبز


    إنسان ...إنسان جميل و مرهف الإحساس.



    _
    متــــــــــابعة عن قرب.
    فوق حتي يقرأ الناس أجمعين

    عاطر تحياتي وإحترامي
    أستاذنا الرفاعي.
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 09:41 AM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: محمد الكامل عبد الحليم)

    احن إليك يا جيلي !
    هذه مساهمة متواضعة جدا لملف الراحل المقيم الأستاذ الشاعر العبقري جيلي عبد الرحمن الذي أتحفنا يوما برائعته:
    (احن إليك يا عبري حنيناً ماج في صدري)
    وقالوا إنها عبقرية المكان وقال علي المك: بل دلالة المكان.. ولكن أقول إنها عبقرية جيلي عبد الرحمن.

    **********


    احن إليك يا جيلي

    شعر: محمد تاج السر

    sudansudansudansudansudan41sudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    د. جيلي عبد الرحمن

    ****
    احن إليك يا جيلي

    حنينا ماج في عقلي

    فما جيلي وجيلك يا

    حبيب الروح

    غير الصدق في

    القول

    فلا آسيا ولا إفريقيا

    العذراء

    صارت مثلما كنا نود

    وكان (تاج السر)

    يهتف في دجى

    الليل

    ولا الخرطوم وأمدرمان مددتا

    ظلال الأنس للإنسان والنيل

    وما زرعت بنات العز

    زهر الشوق

    والآتي

    ولا القسمات في وجه الشباب

    الحر مدت ناظريها
    نحو الشمس

    غد كريم الأصل

    والذات

    ولا السلطان ساق

    العدل

    والتحنان للفقراء

    في كرم العشيات

    ولا جرح المريض

    الصابر

    المنهوك لاقى

    جرعة تشفي

    غليل القلب في طول الجراحات

    احن إليك يا جيلي

    حنين الماء للنيل

    (أبو ذكري)

    تداهمه

    الوفاة بقرب سهول

    سيبريا

    وقد يبكي عليك النيل والشعراء

    في وطن تخدره الحكومات

    وفي شعب حبيب لم يزل

    يرنو تؤرقه العذابات

    وتسحقه الصراعات

    تؤلمه النزاعات

    وللحرية الحمراء مهر صار اغلى

    كلما مرت ليالي الشعر والشعراء

    في صبر وفي مهل

    احن إليك يا جيلي

    وأرنو نحو هذا النخل

    ذي العظمات والنبل

    ونحو الشمس والنيل

    فأين يسوقنا الترحال

    والتسآل والذكرى ؟

    أنحو سحابة هطالة

    التسكاب؟

    أم نحو عتمور تحرق

    في لظاها نشوة الترحاب؟

    فنرجع مرة أخرى

    نفتش عنك يا جيلي


    ********

    حاشية:
    *تاج السر الحسن شاعر (آسيا وإفريقيا) رائعة الكابلي.

    *عبد الرحمن أبو ذكري عبقري الشعر في الستينيات.. توفي بالاتحاد السوفيتي (سابقا) .. شقيق الشاعر الصديق الوفي عثمان عبد الرحيم
    .
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 09:56 AM

فيصل محمد خليل

تاريخ التسجيل: 15-12-2005
مجموع المشاركات: 20643

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    Quote: حاشية:
    *تاج السر الحسن شاعر (آسيا وإفريقيا) رائعة الكابلي.



    عندما أعزف ُ ياقلبي .. الأناشيد القديمة
    ويطل الفجر في قلبي .. علي أجنح غيمة
    سأغني .. آخر المقطع
    للأرض الحميمة
    للظلال الزُرق .. في
    غابات كينيا والملايو
    لرفاقي .. في البلاد الآسيوية
    للملايو .. ولباندونق الفتية
    لليالي الفرح الخضراء
    في الصين الجديدة
    والتي أعزف في قلبي لها
    ألف قصيدة
    ***
    يارفاقي ... صانعي المجد لشعبي
    ياشموساً .. ضؤها الأخضرُ قلبي
    وعلي باندونق ... تمتد سمائي
    وأنا في قلب أفريقيا ... فدائي
    والقنال الحر يجري... في دمائي
    وعلي وهران يمشي .. أصدقائي
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 06:32 PM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: فيصل محمد خليل)


    جيلي كما عرفته
    لم يخلص كما اخلص للشعر .. وكان ابنا حقيقيا لحواري القاهرة
    بقلم:عبد الرحمن الابنودي


    Abaqnoody.bmp Hosting at Sudaneseonline.com

    عبد الرحمن الأبنودي

    بعد أن انهينا دراستنا الثانوية إنا وأمل دنقل جئنا للقاهرة بدعوة من مركز الفنون الشعبية لنشارك في لقاء شعري دبره لنا الأستاذ توفيق حنا، وكان مدرساً للغة الفرنسية في قنا، وهي المحافظة التي تنتمي إليها قريتنا. ورأي توفيق في ذلك الحين ، وبذل توفيق حنا كل الجهد في لم شمل الأصدقاء والأحباب لسماعنا ، واذكر في تلك الليلة وقد تعرفت فيها إلى ثلاثة أصدقاء رحلوا عن دنيتنا جميعا وظلوا أصدقائي إلى آخر لحظة، هم عبد الفتاح الجمل وجيلي عبد الرحمن، وفاروق منيب. ومن المصادفة أن ثلاثتهم كانوا يعملون بجريدة المساء، وبعد أن انتهت تلك الأمسية الشعرية قرروا الاحتفال بنا. وتجمع حولنا جمهور من شباب الأدباء في ذلك الوقت، وأكلنا وشربنا – لنكتشف بعد ذلك أن مضيفنا كان الشاعر جيلي عبد الرحمن، والذي كان فقيراً جداً في ذلك الوقت، ولكنه اقسم أن لا يمد سعادته الخاصة، وفرحته الخاصة.

    ثم غادرنا أنا وأمل إلى قرانا مرة أخرى وعملنا بالمحاكم. ولم نعد إلا في أوائل عام 1962 م، وبحثت في كل القاهرة عن تلك الوجوه التي التقيناها عام 1958 – واكتشفت أن جميعهم في السجون والمعتقلات ، وان الكوليرا السياسية حصدتهم في أول ليلة من عام 1952 ، ولم يكن في القاهرة لحظتها سوي نفس الثلاثي جيلي والجمل ومنيب. ولما كنت قد جئت لأبقى بالقاهرة، فلم يكن لي من عائلة سواه كان يعيش كالجمل بريا لا تتنبأ بلحظات لغضبه أو لسروره، وكان مخيفا لنا جداً.. يحمل قلبه عذوبة أخيك الصغير، ولكنه يملك بطش الأب وصرامته، وهو من الأوائل الذين اعتنوا بجيل الستينيات واعتبروه ونشروا له.

    إما منيب فقد كان وجيلي يلعبان لعبه النخلة والظل؛ فلا تعرف أيهما الأصل وأيهما الصورة، عاشا متلازمين، ولم يفرق بينهما إلا المرض والسفر والموت. كانا يحملان نفس الصفات ويغترفان عواطفهما من بئر واحد.

    كان كل منهما يعطي الأمان للآخر من خوفه وإحساسه برعب الأيام أو قسوة الحكام، فقد غيبت السجون في ذلك الوقت كل أصدقائهما، فكانا يهيمان في شوارع المدينة يستمع كل منهما للآخر ويخلقان أنسا لم يكن يغنيهما عن الإحساس العميق بالرعب والوحدة في عالم المدينة الواسع، وقد كان جيلي من اكبر (المذعورين) الذين التقيت بهم في حياتي – وكان لخوفه وذعره نبل خاص، ورغم أن الفترة تلك كانت فترة اتهامات قاسية، إلا أن أحدا لم يعتبر ذلك الذعر وذلك الخوف قيمة إنسانية رائعة، قد كان جيلي كذلك.

    إن جيلي بطعمه يحمل قدرا عاليا من (الأمومة).. عاطفته العميقة تلك تلخص عواطف الأمهات السودانيات جميعهن.. ولا تحس معه انه السوداني، أو انك مصري، بل هو ابن عمك الذي يسكن حواري عابدين، وتنتقي أشعاره التي تتناثر في ثنايا أقوال كالطيور المذبوحة.

    وفي أشعاره لم تكن القضايا الوطنية بالمعنى المتعارف عليه، وإنمأ همسا ذاتيا رقيقا عميقا يقرب لك الأشياء البعيدة ويشركك معه في تنفسها.

    لم يكن شعره شعرا بالمعني الكلاسيكي للكلمة، وإنما كان شيئا ما في سلوكه، أو خلجات بدنه، كأنه يعرق ويمسح عرقه بمنديله، الرابض دائما في جيبه مفروداً.

    وبقدر ما قرأنا في ذلك الوقت عن لوممبا وجيفارا وكاسترو، وثورات أمريكا اللاتينية، والمد الثوري في العالم في تلك الأيام، إلا أننا لم نجد من مرت عليه كل هذه الإحداث كالنسائم الطيبة البسيطة التي كانت تتنفسها أشعار جيلي عبد الرحمن.

    كان حين يغني حواري عابدين نحس نحن المصريون الغربة في المدينة؛ فقد كان ابناً حقيقيا لحواري القاهرة دون ادعاء مواطنه أو تزلف غرباء.

    وبالرغم من أن القاهرة كانت تعج بالشعراء السودانيين في ذلك الوقت، إلا انه لم يحترف الغناء لأفريقيا أو غابات الكاكاو ، كما كنا نري في إشعار الآخرين، وكان صديقه تاج السر الحسن قد رحل الى موسكو في ذلك الوقت. كانت هنالك أصوات أخرى من الشعراء السودانيين، الفيتوري ومحي الدين فارس وحسن صبحي – وكان جيلي يخجل أن يلقي الشعر علي الناس.. كان فقط يهمس لنا به اواخر الليل. كان يبكي كثيرا أحبابه الذين ابتلعتهم السجون وكان معدنه الإنساني من النوع النادر.. تواضعه لا حد له وأدبه لا حد له وتوقه للمعرفة لا حد له.. وغربه جيلي لم تكن غربه سودانيين في القاهرة بقدر ما كانت غربة طفل في هذا الكون المرعب، وعلي العكس كنا نحس أننا الغرباء وأننا لسنا غرباء به في هذه المدينة المعقدة. ولم يكن ذلك إحساس أحسه وحدي، بل أن جيل الستينات في بدايته من قصاصين وشعراء وفنانين وتشكيليين ومؤرخين، هم جيمعا يدينون بالكثير لذلك الحضن الدافئ القادر دائما علي المطابقة بين عواطف الإنسان وعواطف الشاعر بنفس القدر.

    يتبع..
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 07:06 PM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)


    جيلي كما عرفته (2)

    Abaqnoody1.bmp Hosting at Sudaneseonline.com

    بقلم:الشاعر عبد الرحمن الأبنودي

    وبالرغم من أن جيلي بنظره سطحية كان يبدو كائنا مذعورا، إلا انه في حقيقة الأمر كان محصناً من الداخل بذكائنا وحنكتنا الجنوبية والتي تجعله يلف قماشه علي تكوينه الخاص المحمل بملحوظته الحقيقية ووعيه الخاص، وبتكوين قد يبدو مستقلاً ومنفصلاً عن تكوين ذلك الرجل الذي كان يلقانا بوجهه في الجريدة أو الندوة أو الحانة. وكان إذا شرب قليلا ينفجر بالبكاء كطفل ضال في شوارع مدينة معقدة ولم نكن نملك إلا الصمت حتى تنتهي النوبة. ومن لم ير جيلي ينفجر بكاء في طقسه الليلي.. هذا البكاء الذي يستبعد وينفي من حوله ويرده إلى مواطنه الحقيقية في الوطن أو الوعي أو الشعر، فانه لا يكون قد عرف جيلي أو رآه وأظن إن لحظات البكاء هذه هي نفس اللحظات التي يستدعي فيها علي منابع شعره الإنساني العظيم، إذ كان سرعان ما يهدأ ويسترد قامته كنخلة أمالتها الريح ومضت عنها، فيعود له رونقه ووفاؤه وطفولته. أن ذلك الطفل الرائع بكل ما تحمله الكلمة بعيدا عن الابتذال الثقافي الذي افقدنا معناها، وهي اللحظات نفسها التي تستطيع أن تطلب منه فيها قراءة قصيدة، صيما والأداء الشعري عند جيلي نوع من النواح الممتزج بالوجود والدروشة، فهو يحكم إغلاق قبضته اليمني، ويدب علي المنضدة دبا لينا لا تكاد يده تصل إلى سطح المنضدة هادئة، بينما الشعر يكمل فعل القبضة، وان كان الصوت يحمل رقة، بل وضعفا، بقدر ما كان يضايقه، بقدر ما كان هو استكمالنا لملامح جيلي التي كان يخفي معظمها عنا.
    لا اعرف أيهما أكثر قوة في ذاكرته الإنسانية والعاطفية السودان أو حي (عابدين)؟ ففي تلك الفترة كان جيلي مصريا من عابدين، رمته المقادير للعيش في السودان أو كان مواطنا سودانيا ولد في عابدين وأحب حواريها وتمرغ قي ترابها وعشق فتيات شرفتها، وقد كانت منطقة عابدين في ذلك الوقت منطقة شبه سودانية ونوبية. وفي حالات نادرة كنا نحس بمصرية غرباء المثقفين في القاهرة، وكان علي رأس هؤلاء جيلي عبد الرحمن. وربما هو أول مثقف ومبدع سواني ألتقيه وأحبه وأعاشره وربما كان بوابتي الحقيقية للسودان الذي أحبه كثيرا.

    كان يكتب الشعر علي فترات.. أي يصمت طويلا ثم يكتب كثيرا، وكان وجهه يتعضن ويزدهر تبعا لذاك فيتألق جدا وتعود له صحته وشبابه حين تكون في جيبه قصيدة جديدة.

    وفي الفترات التي يصاب فيها بالجدب الشعري تراه مريضا كسيحا، شبه اعمي، متورما ثقيل البدن والروح، كهلا متشردا لا أهل له ولا وطن.. فهو رجل لم يخلص كما اخلص للقصيدة، ولم يعط حياته إلا للشعر.. وقد نسي الزمن ونسيه الزمن وهو يطارد قصائده حتى اكتشف في أخر العمر انه لم يتزوج، وانه لم يعتن بصحته كثيرا وانه عليه أن يختار إما الدنيا وإما الشعر.
    *********
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

18-01-2011, 11:56 PM

Mubarak kunna

تاريخ التسجيل: 14-11-2006
مجموع المشاركات: 444

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    الاخ الدكتور

    عبد القادر الرفاعى

    متعك الله بالصحه و العافيه

    تحيه طيبه

    متابع وانت دائما جميل

    وسردك جميل كما عودتنا من ايام الرياض

    واحمل اليك زكريات جميله لن انساها ابدا

    وتحياتى الى ابو الروس


    اخوك

    مبارك كنه
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

19-01-2011, 06:05 AM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: Mubarak kunna)


    حين استدار الماء للينبوع
    الرجعى لمصادر الحضارة النوبية عند الشاعر جيلي عبد الرحمن

    بقلم: مصعب الصاوي


    مهاد نظري:
    تجتهد هذه المقاربة النقدية في الإمساك بجزئية محددة في المشروع لجيلي عبد الرحمن تمهيدا أوليا لاقتراح فرضية تتصاعد من الجزئي إلى الكلي. وهى تلخيص للحنين المتصل عند جيلي عبد الرحمن لنقطة الأصل – الوطن – بمعناه الجغرافي الكوني، والقرية برمزيتها الوجودية والاجتماعية كموطن للبراءة والنقاء والتوازن النفسي. والقرية عند جيلي، سواء أكانت صلي أو عبري، مشبعة بطاقة حضارية تتجاوز تاريخها الآني المؤقت إلى جذرها الحضاري الضارب في أغوار التاريخ. ومن ثم يمكننا افتراض أن مشروع جيلي الشعري هو محاولة مستميلة لهذه الرجعى بكل ما تحمله تبعاتها من معاناة ونفى واغتراب، فضلا عن الحاجز الموضوعي الذي فرضته متغيرات الأنظمة الأيديولوجية المتعاقبة، والتي وقف منها جيلي موقف النقيض. وبالتالي فهذه الاستمالة استمالة حركية فرضتها :

    الهجرة – اختيارا.
    المنفى – قسرا.
    نمو التجربة الوجودية وتشكلها خارج الوطن،الشيء الذي جعل جيلي يحاول باستمرار إثبات العكس.

    من ثم أسمينا هذه المحاولة المستميلة (استدارة الماء للينبوع)(1). تتخذ هذه المحاولة بعدا آخر وجوديا معرفيا عند شاعر آخر هو محمد المهدي مجذوب من اكبر الشعراء تأثيرا في جيلي. فإذا كان الحنين إلى دفء العشيرة والانتماء للقرية النوبية في شمال السودان هو هاجسه الشعري الأول، فإن الحنين المتصل إلى القرآنية عند محمد المهدي مجذوب هو ما يدفعه كشاعر للإحساس بعظم التناقض الوجودي بين البراءة والتجربة (2). وفق هذه المقترحات يمكننا أن نستقصى هذا الخيط السري في مشروع جيلي عبد الرحمن.

    القرية، المكان الذكرى والظلال:
    يتجلى الإحساس بالماضي عميقا وجذريا في ثنايا التجربة الشعورية عند جيلي عبد الرحمن.. هذا الإحساس الغامر بسطوة الماضي يستصحب معه دفق الزمن بمعناه التراكمي.. الزمان المستعاد في الفن وفق الرمز الموحى الرموز التشكيلية الحية كما يعبر استأذنا أحمد الطيب زين العابدين:

    أجدادنا الأموات

    أقدامهم مغروسة في الطين

    في ليلة مصدورة جياشة الأنين

    ويرفعون فى عقيرة المساء

    غناءهم والدمع والإرهاق (3)


    وتلمس في أجزاء أخرى من نص القصيدة توثيق الرموز في لحظة اقترانها بالحبيبة فكأنما هي لحظة يندمج فيها الذاتي الخاص بالموضوعي الخارجي العام أسوة لتجربة خليل فرح في رمزية عزة (4) يقول جيلي:

    وكنت يا حبيبتي تبكين من بعيد

    أغنية قديمة رنمها الجدود

    وصوتك الحنون موجتان تضحكان

    وتحملان عطر صخرة ملساء مثل الحوت

    في صدرها قد حفرت أسماء لا تموت

    كالنخيل ..كالبيوت (5)


    تلمس حضور الأجداد كرمز يمثل تجلى الماضي واستمراره كأثر بعيد الغور في رؤيا الشاعر للعالم. وهذا الحضور لأرواح الأسلاف والأجداد من العناصر المعرفية في صميم الحضارة النوبية القديمة، لاسيما المروية، وهو الذي يمثل الخاصية الإفريقية لهذه الحضارة؛ ففلسفة الزمن في الحضارة الإفريقية، والتي يجسدها تشكيليا (القناع) ، تقوم على حلول الماضي بروحه المسيطرة، مرتدا بشكل تعاقبي إلى الأحفاد. وقد عبر محمد عبد ألحى عن ذلك في العودة إلى سنار):

    الليلة يستقبل أهلي

    أرواح جدودي.. (6)

    لكن بالضرورة أن يتوسل الشاعر وسيطا حضاريا ينقل عبره تأثير الماضي على حاضره والوسيط التعبيري الذي اتخذه جيلي عبد الرحمن هو الشعر أو الغناء في أكثر من إشارة أوصل الأجداد رسائلهم غناء :

    ويرفعون في عقيرة المساء (7)

    غناءهم

    تبكين من بعيد (8)

    أغنية قديمة رنمها الجدود (9)

    وأنت يا قصيدتي تبكين

    أغنية مجروحة الأنغام (10)


    والوسيط الحضاري، والذي اتخذه محمد عبد الحي في العودة إلى سنار، هو الشعر أو العرفان الذي يفضى إلى المعرفة والوصول. ويتخذ عند عبد الحي عدة مدلولات: فهو طوراُ(اللغة الزرقاء) وهو رمز يلمع بين النخلة والأبنوس، وهو (صوتي.. لغتي.. غنائي) (11)الخ

    استخدم جيلي في ديوان (قصائد من السودان) الرموز التقليدية التي تعبر عن القرية: المكان والإنسان (النيل – النخيل – البيوت، الصخرة الملساء التي تقام عندها تقوس عاشوراء ). ولكن هذه الرموز والدلالات التقليدية تطورت في دواوينه اللاحقة، وربما حداثة التجربة الشعرية وتلقائية البدايات كانت إحدى تفسيرات استخدام الرمز التقليدي في الشعر. (صدر ديوان قصائد من السودان عام1956).

    إلا أن رموز الرجعى لنقطة الأصل تعقدت وصارت أكثف شاعرية في إصدارات جيلي عبد الرحمن الأخيرة، لاسيما (بوابات المدن الصفراء (12)

    قدر النوبي:

    نص هجرة إلى جنان الخير يمثل مرحلة النضج في ظني، وهى الرحلة الأكثر تطورا وتعقيدا في مستويات تطور الصورة الشعرية عند جيلي عبد الرحمن. كما تتوهج في هذا النص ظاهرة العودة إلى الأصل لتمثل محاولة الاتحاد الكلى بعنصري الزمان والمكان. ويتكثف البناء الدرامي لهذا النص لاستهلاله باختيار الملك تهراقا مطلعا لنص ومضاهاته بالتخيل المعادل الكوني للوجود الإنساني:

    كقامة النخيل تهراقا

    والصبر صمت الناقة

    إن معابد الصحارى النوب

    في جهنم تذوب

    قد أسبلت أجفانها

    وأشعلت أجفانها

    وروحها الغريب


    تتم في هذه الجزئية من النص عدة محاولات لاستدعاء الملك تهراقا، بما تحمل سيرة هذا الملك من دلالة اللقاء (بمصر). وترد إشارات حضارية للمعابد والمسلات والأعمدة، ثم يربط الشاعر بين هذه العناصر التاريخية الحضارية المشرقة وظلام الحاضر المطبق على ضمير الشاعر بالمأساة ليستبدل زمان الصحو بهول المنفى والمأساة:

    والصحو في العينين

    منذ البين

    منذ الفاقة

    من يا ترى

    إطفاءه أراقه؟

    وجرجر النوبى للبعيد قيده

    ومرمر التابوت حين مل لحده

    أهجرة؟

    وصخرة؟

    تتناول هذه المتجزئات قدر النوبي الهجرة – المنفى – الاغتراب المقترن بالقدر الشخصي لجيلي عبد الرحمن الشاعر الصادح بهذا المعنى وتبرز في هذا النص نفسه محاولة استنهاض الملك ترهاقا من جديد ليعلب في الحاضر دوره الذي أنجزه في الماضي:


    تهش يا ترهاقا

    للسيدالمهندالذواقة

    وهيأوا في السجن للغريب مقعدا

    لتستعيد مجدك المصفدا

    القرية النوبية (الحلم) غرقى في النيل:-
    من أقوى الإشارات الفكرية والحضارية عند جيلي مراثي قريته النوبية الحلم وهى غرقى في النيل. وقد بدأ هذا العنصر الشعري المأساوي يتكثف عند جيلي عبد الرحمن بعد اتفاقية السد العالي في عهد الفريق إبراهيم عبود والتهجير الكسرى الذي تم لأهالي وأدي حلفا. وإذا كانت (القصائد الأولى من السودان) تتحدث عن هجرة اختيارية أملاها البحث عن الرزق، فإن الصور الشعرية الأخيرة في مجموعة إصدارات جيلي عبدالرحمن جاءت تحمل ملمحا فكريا مقاوما. ولكن هذا الاحتجاج الجزئي على ضياع المكان الذي ولد وعاش فيه الشاعر طفولته وصباه ارتبط بضياع آخر يشمل الوطن كله. وتتوجه الإدانة عند جيلي للأنظمة الشمولية التي أوردت الوطن هذا المصير سيما عهدي إبراهيم عبود وجعفر نميرى.

    تطفو صور القرية وقد غمرتها المياه بشكل أقرب إلى الوسواس النفسي أو الهاجس المؤرق الذي يضغط على ضمير جيلي عبد الرحمن الشاعر وكأنما يحمل نفسه وزر هذا الضياع.. فلو كان حاضرا في قلب القرية ربما أن يفعل شيئا لإنقاذ المكان (الحلم) من الضياع:

    معابدا شيدتها تطوف في النهر

    غاصت لحى عشبية.. في وهدة القرار

    معفرون .. ضامرون

    قل من عبر


    في نص (بوابات المدن الصفراء ) ترد هذه الإشارة إلى غياب مئذنة مسجد حلفا العتيق في النهر والنخل غريقا كما عبر عن ذلك بروفيسور على المك نثرا (أريد أن أرسم مئذنة المسجد في حلفا بعيدة عن الماء غير غرقى في النيل ) (3).
    وفى تطابق يقترب من النبوءة الشعرية يورد جيلي هذا المقطع الشعري من نص (بوابات المدن الصفراء):

    إن لذت بجنح الصمت

    مئذنتي..أطرقت

    وقلت.. الموت

    تراه الموت؟

    غرقى أنتم مثل النخل.. الأحياء

    سوف أقول لأصحابي..شكرا

    وتعالوا في أمسية أخرى

    في أيديكم عشب الذكرى


    وترد نفس الإشارة لاختفاء المكان في نص المكان طير لشجرة ضائعة (14):

    أعمتك ثريات المنفى

    صحوة أنجمنا القدسية

    وحوافر قريتنا في الطين ضياعا وفروسية


    هامش:

    (1)الإشارة لمسمى قصيدة (حينما استدار الماء للينبوع) ديوان (بوابات المدن الصفراء).
    (2)انظر المجذوب (مقدمة ديوان الشرافة والهجرة ص9.
    (3)انظر- أحزان نوبية - ديوان (قصائد من السودان).
    (4)عزة في هواك - أغنية سودانية للشاعر المغني خليل فرح، يعتبرها المهتمون رمزا وطنيا للشعر المقاوم -قيلت إبان الحكم الثنائي الإنجليزي المصري.
    (5)النص نفسه – ديوان (قصائد من السودان).
    (6)راجع – (العودة إلى سنار.. محمد عبد الحي – إصدار دار النشر جامعة الخرطوم).
    (7)(8)(9)(10)(11) أحزان أغنية نوبية (قصائد من السودان).
    راجع (العودة إلى سنار.. محمد عبد الحي – النشر جامعة الخرطوم).
    (12) ديوان (بوابات المدن الصفراء).
    (13) انظر مجموعة على المك – (وهل أبصر أعمى المعرة).
    (14) ديوان (بوابات المدن الصفراء).

    (عدل بواسطة عبد القادر الرفاعي on 19-01-2011, 06:44 AM)

                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

19-01-2011, 11:28 AM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    محاولة لولوج عالم جيلي عبد الرحمن الروحاني
    بقلم :د.الصادق عوض بشير


    center>gili_abd_alrahmansudan1sudan.jpg Hosting at Sudaneseonline.com


    كان يقبع داخل الشاعر جيلي عبد الرحمن (ملمح صوفي ) في الطور الجنيني يتشكل أحيانا ..وتصبح له قسمات وروحانيات واضحة فيقول :(يا أيها الصوفي ..في قلبي الصدفي)، وتختفي أحيانا أخرى وتصبح له ماديات ملموسة وروحانية لها طعم ولون وخصوصيات سودانية نحاول سبر غورها في هذه المساهمة؛ ولاغرو في ذلك الملمح الصوفي فالشاعر، كما نعلم درس في الأزهر في بدايات حياته بمصر، وحفظ القرآن الكريم، واطلع على أدبيات السنة النبوية الشريفة، وتأثر بكلمات ومعاني الاثنين معا في شعره، فاستعار منهما مفردات (كاليم، والمئذنة، وعصى موسى، والأفعى، والنار، والروح، والقرآن، وحي على الفلاح، ويا لله ..الخ ). وكان يقول عن نفسه انه سمي جيلي تيمنا بالعارف بالله والولي الصالح الشيخ عبد القادر الجيلاني المدفون ببغداد والذي أنشأ المتصوفة فيه القصيدة المعروفة بالسرَاي ..وقال أن أسرته ذات الجذور العربية انحدرت من الطرق، ربما مع طلائع الفتح العربي للسودان ..ذلك الفتح الذي قاده التجار والمتصوفة العرب، والذي اختلط بالأسر النوبية والعرق النوبي والأعراق والأسر الأخرى، فكان هذا الهجين الأفرو عربى الذي طبع سكان وادي النيل الأوسط بطابع خاص على ضفتي النيلين الأزرق والأبيض وعلى امتداد النهر العظيم بعد تلاحم الفرعين وتدفقهما كنيل واحد صوب مصر والبحر الأبيض المتوسط، شاقا طريقه عبر ديار النوبة العريقة مسقط رأس شاعرنا.

    رغم أن جيلي كان عضوا في الحزب الشيوعي السوداني إلا أن شيوعية السودانيين – في تقديري وتقدير الكثير من المراقبين – تختلف عن شيوعية غيرهم من العرب والأفارقة اختلافا كبيرا بينا من حيث طعمها ولونها ورائحتها وسلوكها وثوابتها وتجلياتها. وقد ضربت مثلا بصديق شيوعي مسلم ليس في شيوعيته شك كما ليس في إسلامه شك، واعتبرته في مقال مشهور نشرته في جريدة الأيام قبل عامين تحت عنوان (لماذا تريدون من الشيوعيين والمسيحيين أن يخسروا إسلامهم ؟) اعتبرته نموذجا يحتذى للسوداني الأصيل خلقا ووطنية وسلوكا . شيوعية جيلي لاشك فيها ولا صحة لما صرح به شقيقه بأنه كان متعاطفا مع الحزب الشيوعي. وقد ذكرت شقيقته بأنه تنبأ بانهيار النظام الشيوعي. فربما كانت هذه النبوءة صحيحة وقال بها فعلا بحكم أنها صادرة من فراسة الشاعر وبحكم ما شاب التجربة السوفيتية من أخطاء مميتة أودت بحياتها؛ فقد عاصرها جيلي عندما كان مغتربا وعاش في تلك البلاد لعدة سنوات. وجيلي كغيره من شيوعيي السودان تتجسد فيه تلك التجليات التي تحدثنا عنها. وتشم فيه من خلال شعره نفس الرائحة ذات العديد من الخصوصيات والمفردات السودانية البحتة المشبعة بقيم التسامح والمرونة والتمسك بأحسن ما في التراث والعادات والتقاليد، والتجاوب معها، والانصهار في بوتقتها.

    دعونا نقول شيئا عن التصوف الذي قلنا إن ملامحه الجنينية تقبع بداخل الشاعر .. نقول إن الكثير من الكتاب المحدثين قد حددوا التصوف نفسه – لا تزكية النفس وحسب – ب أنه الخلق الطيب. يقول أبو بكر الكتاني (المتوفى سنة 322هـ) إن التصوف خلق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء . ويقول أبو محمد الحريري (المتوفى سنة311ه) وقد سئل عن التصوف: إنه (الدخول في خلق سني والخروج من كل خلق دني)
    (راجع الرسالة القشيرية). ويقول أبو الحسن النوري معرفا التصوف بأنه (الحرية والكرم وترك التكلف والسخاء).

    ونذهب ابعد من ذلك فنقول إن كثيرا من الناس لا يكادون يفرقون بين التصوف والزهد، ويرون أن الزهد هو الطريق المؤدي إلى التصوف. ولكن الزهد ألوان كثيرة كما يقول الدكتور الصوفي عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق (راجع كتابه قضية التصوف – المدرسة الشاذلية) أشهره الزهد المنطقي الفلسفي الذي يرى صاحبه إن أسمي ما في الحياة هو (الهدوء والسكنية وراحة البال وطمأنينة النفس) ولا يتأتى ذلك بالجري وراء الدنيا والكفاح في سبيل الثراء والانغماس في الملذات وان تكالب الناس على الدنيا تكالبا شديدا وإلغاء الإنسان بنفسه في معركة التنازع الدنيا لا ينتج الانشغال بالقلق والبال والهم والنكد.

    وعلمت من صديق الشاعر الذي عاصره وعرفه عن قرب الدكتور عبد القادر الرفاعي أن جيلي (عليه رحمة الله)، ومن هذه المنطلقات والتعريفات الصوفية كان زاهد وداخلا في خلق سني وخارجا من كل خلق دني، وكان حرا ومن أنصار الحرية له ولغيره، وكان كريما تسير بسيرة كرمه الرهبان، وكان سخيا جوادا ينفق- وهو الفقير- على أهله وأصدقائه إنفاق من لا يخشى الفقر، تاركا للتكلف والرياء، وكان قلبه دائما معلقاً بالفقراء . وهذه لعمري من صفات الصوفي وتجلياته. لذلك قلنا كان تقبع بداخل جيلي ملامح صوفي في الطور الجنيني؛ ولم نكن بعيدين عن الحقيقة المجردة، أو هو على أقل تقدير متبعا في حياته وحله وترحاله، وفي علاقاته ومعاملاته وأخلاقياته (منهجا) صوفيا دون أن يكون هو صوفيا بالمعنى المتعارف للمصطلح.

    والكثير من رموز جيلي في شعره ومفرداته ذات طابع صوفي إسلامي. فعندما غرقت وادي حلفا القديمة وديار أهله النوبة في النيل من جراء السد العالي، قال متحسرا:

    ماذا أبصر؟ مئذنة غرقى في نهر النيل
    أعلى ما في قريتنا مئذنة المسجد

    ترد المئذنة كثيرا في شعره، وله قصيدة اسمها (الرحيل بين الرؤيا والمئذنة)،يتحدث فيها عن مئذنة الأزهر الذي حفظ فيه القرآن، وهي قصيدة مهداة إلى صديقه النوبي المصري الراحل عبد الحميد عبد النبي. أما تأثره بالتصوف فيتجلى بوضوح في اتجاهه للشيخ الجيلاني عندما يقول :

    النخل في وطني أغصانه ظمأى

    وحملت في بدني النيل ألفيا

    ناديت يا شيخنا الجيلي

    فانزاحت الصخرة


    أما في قصيدته (بوابات المدن الصفراء) في ديوانه الذي يحمل نفس اسم القصيدة يقول:

    إنا لله وإنا غرقى في اليم

    وفى ديوانه (الجواد والسيف والمكسور) تجده يستعمل (إنا لله) كثيرا، وكأنه يقول إنا لله وإنا إليه راجعون.. أما في رثائه للمرحوم عبد الخالق فيقول:

    لم يعد للنبع غير المنحنى

    أزهق القلب على نبض المناجل

    ما المنايا؟

    إنها أقدارنا

    وامتداد البحر أحضان السواحل

    من الطارق؟

    عبد الخالق

    يا أيادي الله

    قالوا ضعت من غير سرادق


    فنحن إذن مازلنا مع (إنا لله) ويا أيادي الله. وفى قصيدته (الموت يدهم حلم البرتقال) التي خاطب فيها ذلك (العربجي) المصري الذي دهس الترام عربته الكارو وحصانه فقتل الحصان وصاحبه، وكان جيلي شاهد عيان، فتخيل بعبقرية الشاعر أن ذلك الحوذي يحلم بالبرتقال فإذا بالموت يدهس ويقتل ذلك الحلم فقال :

    حي على الفلاح في قبرك القصي

    الإشارة والاستعارات الصوفية والروحية كثيرة لا تخطئها العين ومنها يقول:

    من أم درمان أتيت

    وملء قميصي شذى الأضرحة


    وما أكثر أضرحة أولياء الله الصالحين في أمدرمان (الشيخ قريب الله،الشيخ الفاتح، الإمام المهدي، برأبوالبتول،الشيخ دفع ، الشيخ احمد البدوي ، الصائم ديمة ،السيد المكي ...الخ)

    ومن جملة تأثره بمفردات القرآن قوله عندما رثى صديقه الحميم الشاعر المصري الراحل نجيب سرور قائلا:


    استغلقت المصحف

    على الأبقار الأجلاف تخور على المرعى

    تزدرد شعارات الموتى

    كعصى موسى والأفعى


    وعندي أن أروع ما قاله جيلي عندما رثى والده - وكان بوابا في قصر الملك فاروق بأنشاص، وكان كثير التدين قائلا:

    وبواب ندي الثوب

    تندى بالتباريح

    ومسبحة بلون الطمي

    كألوان التماسيح


    من سيتلو فوق رأس المبحر إلى تلاوة القرآن ؟ ولماذا يعتبر هذا المبحر أن آيات القرآن هي (الباقية)؟ حتى لو اعتبرناه ملحدا فهو هنا يتحسر على فقد والده الذي كان يقرأ على رأسه القرآن وكأنه يقول لقد احشني القرآن واشتقت إلى تلاوته لأنه الباقي بيننا إلى الأبد. فمن يقرأه على بعد رحيل أبى ؟ لا يوجد ملحدا – في اعتقادي – يتمنى هذا ويتطلع إليه. الم اقل لكم أن شيوعيي السودان هم من طينة مختلفة وان معظم من اعرفهم منهم، ولى بينهم صداقات عامرة بالود والاحترام المتبادل، يتحدثون عن حزبهم باعتزاز، ولا يتخلون عن تلبية ندائه، وفى نفس الوقت تجدهم يصلون ويصومون ويحجون ويبرون والديهم وأهلهم ويتزوجون على سنة الله ورسوله ويرفعون الفاتحة على موتاهم ويدفنونهم في مقابر المسلمين، ويربون أبناءهم تربية إسلامية نظيفة ويعلمونهم أروع ما في الإسلام من قيم. وتجدهم على خلق عظيم ولا تجد للإلحاد أي صدى في حياتهم الخاصة والعامة وربما تجد بينهم من يستهجن الفكرة وينكرها ويفر منها ..

    في رؤية متنامية شاهد فيها أبوه قال :

    كيف أشرقت علي

    وتراب القبر في اللحية

    عطر المسبحة

    وحقيق الأجنحة

    وأذان الفجر يصغى للصوت الجليل

    وعلى وجهك نور الفاتحة



    وعندما جاءت الذكرى الثانية لرحيل المرحوم عبد الخالق محجوب في يوليو 1972م قال عنه الشاعر:

    كيف تزهو في ذراع الثائر المهدي سيفا

    كان سيفا باتر الحد صقيلا


    وهذه إحدى روائع جيلي وهنا مرة أخرى يظهر المهدي ذلك الثائر السوداني الذي دخل حلبة النضال من باب التصوف وخرج منه من باب التصوف عندما رأى تكالب الأنصار على الدنيا بعد فتح الخرطوم فسأل الله أن يقبضه إليه وقد فعل .

    وتحضرني هنا بعض أبيات من الشعر لشاعر شيوعي سوداني آخر من نفس الطراز الذي تحدثت عنه هو الأستاذ كمال الجز ولي، والذي لكثرة كتاباته وتعمقه في قضايا الإسلام والمسلمين – يعده البعض كاتبا ومفكرا (إسلاميا ).. يقول الجزولي في الذكرى السابعة لرحيل الشاعر محمد المهدي المجذوب:

    والله يعلم أنني أبصرت في الفجر ارتحالك

    مثلما أبصرت أعناق الخيول الضامرة

    الله يا شيخ الرؤوس الحاسرة في حضرة الشعب

    ويا شيخ القلوب الواجفة من قدرة الشعب

    ويا شيخ الصفا والعاصفة


    والله يعلم حالهم وحالنا وحال شاعرنا جيلي عبد الرحمن عندما قال:

    الليل يسجى حولنا محرابه

    الشعر أنت روحه الصخابة

    الشعر عاد كالشلال للمصب

    تسخو رؤاه من عطايا الرب.


    ومن عطايا الرب إن منح سوداننا العزيز شاعرا فذا في قامة جيلي عبد الرحمن، ومن عطايا الرب أن بارك لنا في بلاد تكمن عظمتها في تنوعها، ويكمن في تنوعها وحدتها وتلاحمها؛ فهي اليوم مواجهة بمأزق أدخلنا في نفقة عصبة منا لم تحسن قراءة الواقع، فحكمتنا وأساءت إلينا فجعل الله كيدها في نحرها، وبقى عليها إن تفسح الساحة للأخيار.. فهل تصدق كلمات جيلي وتتدخل العناية الإلهية (ببركة) شيخه الجيل وتستجيب لإزاحة (الصخرة) من صدر بلانا المنهكة وننقذ أغصان النخل في بلدي من الغرق؟









                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

19-01-2011, 06:57 PM

فيصل محمد خليل

تاريخ التسجيل: 15-12-2005
مجموع المشاركات: 20643

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    sudansudansudansudan54.jpg Hosting at Sudaneseonline.com


    Quote: والكثير من رموز جيلي في شعره ومفرداته ذات طابع صوفي إسلامي. فعندما غرقت وادي حلفا القديمة وديار أهله النوبة في النيل من جراء السد العالي، قال متحسرا:

    ماذا أبصر؟ مئذنة غرقى في نهر النيل
    أعلى ما في قريتنا مئذنة المسجد
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

19-01-2011, 07:00 PM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    الأصدقاء الأعزاء:

    أحمد الأمين أحمد
    فيصل محمد خليل
    عاطف مكاوي
    صلاح شريف
    محمد الكامل عبد الحليم
    عبد الإله زمراوي
    هواري نمر
    مبارك كنة

    لكم جميعاً المحبة والإعزاز والتقدير على ما تفضلتم به من كلمات ودودة عن شخصي (الضعيف!) .. ولما عبرتم عنه من إعجاب وثناء على مبادرة التوثيق لشاعرنا المبدع المرهف، والإنسان الوطني المتجرد جيلي عبد الرحمن.

    كما أشكركم شكرا جزيلاً على الإسهامات والإضافات الثرية.. وبشكل خاص يوتيوب قصيدة عبري الذي زودنا به الأخ فيصل، والدراسات والمقالات والقصائد عن الشاعر جيلي التي أشار إليها الأخ أحمد الأمين ( والتي سوف أحرص على الحصول عليها وضمها إلى هذا الملف في مرحلة لاحقة).. والشكر الخاص موصول لمولانا الشاعر عبد الإله زمراوي على إثراء الملف بقصيدة جيلي عن الشهيد عبد الخالق محجوب.

    شكري وتقديري مجدداً

    عبد القادر
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

19-01-2011, 07:50 PM

فيصل محمد خليل

تاريخ التسجيل: 15-12-2005
مجموع المشاركات: 20643

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: عبد القادر الرفاعي)

    Quote: لكم جميعاً المحبة والإعزاز والتقدير على ما تفضلتم به من كلمات ودودة عن شخصي (الضعيف!) ..


    عزيزنا الدكتور عبد القادر

    لا شكر على واجب وهذا اقل من القليل وانت تستحق الكثير والكثير
    بس شنو حكاية (الضعيف!) دى نجيب الصور ولا مافى داعى ها ها ها
                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

20-01-2011, 06:32 AM

عبد القادر الرفاعي

تاريخ التسجيل: 06-06-2008
مجموع المشاركات: 239

ضع اعلانك مجانا هنا

منتدى الباحثين والطلاب



Re: جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل (Re: فيصل محمد خليل)

    العزيز فيصل محمد خليل
    تحياتي

    بس شنو حكاية (الضعيف!) دى نجيب الصور ولا مافى داعى ها ها ها

    يبدو إنك غير مواكب وسوف تصلك صور حديثة!!

    عبد القادر

    (عدل بواسطة عبد القادر الرفاعي on 20-01-2011, 06:42 AM)
    (عدل بواسطة عبد القادر الرفاعي on 20-01-2011, 09:17 AM)

                   SudaneseOnline App for iPhone and iPad

English Forum

[] صفحة 1 من 3:   <<  1 2 3  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:

جيلي عبد الرحمن شاعر متوهج بالأحزان والأمل فى FaceBook

· · أبحث · ملفك ·

للكتابة بالعربي في المنتدى

للرجوع للصفحة الرئيسية اراء حرة و مقالات
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها

اضغط هنا لكي تجعل المنتدى السودانى للحوار صفحتك الرئيسية لمتصفحك
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة bakriabubakr@cox.net
الاخبار اليومية Contact Us اتصل بنا أجتماعيات

© Copyright 2001-12
Sudanonline.com
All rights reserved.

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de