الدكتور معز عمر بخيت من مواليد امدرمان سكن الخرطوم شرق ودرس الابتدائية ببحري ثم بحري الاميريةثم الخرطوم الثانوية ثم كلية الطب جامعة الخرطوم حيث تخرج عام 1985 تخصص في امراض المخ والجهاز العصبي يالسويدنال الدكتوارة في الطب ودرجة برفيسور مشارك اصدر ثمانية دوواين شعرية تم جمعها مؤخرا في مجموعتين المجموعة الاولي السراب والملتقي والبعد الثالث واوراق للحب والسياسة وضمت الثانية البحر ومدخلي اليك والشمس تشرق مرتين ومرافء الظما وشذي وظلال
البروفسور عون الشريف قاسم العالم المعروف احد الذين خدموا الاسلام والسودان بجلائل الاعمال وطيبات صنائع الفكر والعلوم وله سيرة حافلة . حيث توفى عصر الخميس 19 ذو الحجة 1426هـ الموافق 19 يناير 2006م الي رحمة مولاه ودفن في مقابر مدينته الحلفاية التي أحبها وأحبته. ولد في حلفاية الملوك عام 1933م ودرس بمدرسة حلفاية الملوك الأولية ومدرسة الخرطوم بحري الابتدائية ومدرسة وادي سيدنا الثانوية . نال بكالوريوس الآداب من جامعة الخرطوم عام 1975م و نال الماجستير في الآداب من جامع لندن عام 1960م. نال الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ادنبره عام 1967م.عمل محاضراً بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن من عام 1959- 1961م وعمل محاضراً لشعبة اللغة العربية كلية الآداب جامعة الخرطوم من عام 1961 وحتى 1964م وعمل محاضرا أول بجامعة الخرطوم 1969 ، عمل مدير قسم الترجمة من 1969 وحتى عام 1970م و عين وزيراً للأوقاف والشئون الدينية عام 1973م راس الفقيد المجلس الأعلى للشئون الدينية عام 1980م وعمل أستاذ الأدب العربي بجامعة الخرطوم عام 1982م عمل الفقيد رئيسا لتحرير مجلة الدراسات السودانية 1968-1982م رئيس مجلس جامعة ام درمان الإسلامية 1976-1982م وراس مجلس إدارة دار الصحافة للطباعة والنشر 1977-1982م كما عمل رئيسا لتحرير مجلة الوادي (عن دار الصحافة وروزاليوسف) 1979م-1982م منح وسام العلم والآداب والفنون عام 1979م وعمل مدير معهد الخرطوم الدولي للغة العربية عام 1988م كما عمل رئيسا لمجلس جامعة الخرطوم 1990-1994م. و منحته جمهورية مصر العربية وسام العلم من الدرجة الأولى 1993م كما عملمدير جامعة أم درمان الأهلية 1996م. كان للفقيد اسهامات مقدرة بكتب عديدة في الجانب الأدبي والديني نذكر منها:- خواطر إسلامية صدر عام 1978م الدين في حياتنا 1975م التراث الروحي والبعث القومي 1976م دبلوماسية محمد –دراسة لنشأة الدولة الإسلامية في ضوء رسائل النبي صلى الله عليه وسلم ومعاهداته عام 1971م شعر البصرة في العهد الأموي - دراسة في السياسة والاجتماع عام 1972م العامية في السودان (نسختان) حلفاية الملوك التاريخ والبشر عام 1988م في الثورة الحضارية عام 1977م في صحبة القرآن عام 1979م في معركة التراث عام 1972م قاموس اللهجة العامية في السودان الطبعة الأولى عام1972 قاموس اللهجة العامية في السودان الطبعة الثانية عام 1977م المرتكزات الفكرية لبعث رسالة المسجد عام 1975م من قضايا البعث الحضاري 1971م موسوعة الثقافة الإسلامية عام 1975م كتب المطالعة في المدارس الأولية في السودان – نقد وتحليل عام 1969م لمحات من مقاييس النقد الشعري نظرات في كتاب الله عام 1979 موسوعة القبائل والأنساب في السودان تتكون هذه الموسوعة من ستة أجزاء
في عام 1944م أقيم احتفال كبير في بخت الرضا بمناسبة مرور عشرة أعوام على قيام المعهد العتيد الذي أسس في عام 1934م، وحضر ذاك الحفل المشهود خريجو المعهد من معلمي المدارس الأولية كافة، الذين كانوا كالشموع المضيئة في قرى وأصقاع السودان المختلفة متنادين من شتى الأنحاء، وأم الحفل سكان الدويم ومواطنوا النيل الأبيض، وكان يتقدم الحاضرين جميعاً مستر قريفث، عميد المعهد، ونائبه معلم الأجيال الأستاذ عبد الرحمن علي طه، واعتلى المنصة الأستاذ ادريس جماع، المعلم وقتئذ بالمدارس الأولية وهو من خريجي المعهد، وألقى قصيدته الشهيرة التي حفرت على جدار الزمان المديد وظل الجيل بعد الجيل يرويها، وقد قاطع أبياتها الطلبة والخريجون والحاضرون كافة بالتصفيق الداوي وسارت بذكر القصيدة الركبان، وذاع صيت العبقري جماع الذي سافر بعد سنوات لمصر والتحق بدار العلوم بجامعة الملك فؤاد بالقاهرة. وكانت كل المدارس الأولية تطمح في ان يعمل فيها جماع الذي ظفرت به مدرسة حلفاية الملوك الأولية، حيث مسقط رأسه. والتقى في رحاب تلك المدرسة في عام 1944م نابغان هما ادريس جماع، المعلم بالمدرسة، وعون الشريف قاسم، التلميذ بالصف الرابع، وكان جماع معجبا بقريبه وتلميذه النابغة عون الشريف، الذي تفتحت مواهبه وملكاته منذ طفولته الباكرة ودراسته بالمرحلة الأولية، ولا غرو في ذلك فقد نشأ في بيت علم ودين وشرف؛ فوالده الشريف قاسم عرف بالورع والعلم والفقه، وقريبه الآخر هو الشاعر الناقد المعروف الأستاذ محمد محمد علي.
ارتبط بروفيسور عون بحلفاية الملوك ارتباطاً وثيقاً وأحبها حباً عميقاً لدرجة العشق والهيام، كحب قيس وليلى وحب جميل وبثينة وحب تاجوج والمحلق وحب عنترة وعبلة وحب الراحل العظيم محمد ابراهيم ابو سليم ودار الوثائق القومية وحب عون الشريف وحلفاية الملوك. وقد ارتبطت الحلفاية دائماً في اذهاننا بالككر والطاقية ام قرينات ومملكة العبدلاب والفقيه محمد النور ود ضيف الله، صاحب (الطبقات)، واربتطت الحلفاية في اذهاننا بالأصالة السودانية والإرث والتاريخ النضر والذكرى العطرة والحاضر المجيد.
درس بروفيسور عون الشريف بحلفاية الملوك الأولية، وبعد اتمامه للمرحلة الوسطى التحق بمدرسة وادي سيدنا الثانوية، وعرف طوال سنوات دراسته بالنبوغ والتفوق وحصل على شهادة كيمبريدج بامتياز في المواد العلمية والأدبية، وكانت شهادته تؤهله لدخول كلية الطب بجامعة الخرطوم، كما يحكي.. وفي اليوم المخصص للكشف الطبي للذين قبلوا حضر من الحلفاية وتأخر البص في الطريق واضطر ليجري مسافة طويلة، وعندما دخل للكشف الطبي كانت ضربات قلبه شديدة بسبب الإجهاد والجري ولم يجتز المعاينة، ورفض ان ينتظر عاماً كاملا ليقدم مرة اخرى ويجتاز الكشف الطبي، وآثر التحول الى كلية الآداب..
وسيرة عون العطرة كناب مفتوح للجميع، فقد أكمل دراسته الجامعية بتفوق في عام 1957م وقبل معيداً بكلية الآداب، ودرس وأعد الماجستير في جامعة لندن، ودرس وأعد الدكتوراة في جامعة إدنبرة ببريطانيا، وعمل محاضراً لمدة عام بجامعة لندن، وعمل بعد ذلك محاضراً بجامعة الخرطوم، ثم اختير اول وزير للشؤون الدينية والأوقاف، وأمضى في موقعه هذا زهاء عقد كامل من الزمان أبلى فيه بلاءً حسناً، ثم عاد للعمل بجامعة الخرطوم (بروفيسورا)، وأخير بعد ذلك مديراً لمعهد اللغة العربية للناطقين بغيرها، التابع لجامعة الدول العربية، وظل بعد دورته الإدارية خبيراً وأستاذاً بالمعهد، وعهد اليه بإدارة جامعة ام درمان الأهلية لفترة انتقالية قصيرة، وتقلد مواقع كثيرة منها على سبيل المثال انه كان رئيسا لمجلس ادارة دار الصحافة للطباعة والنشر، ورئيسا لمجلس ادارة جامعة الخرطوم. وعندما كان يعمل بجامعة الخرطوم في مرحلته الأولى كان يتولى رئاسة تحرير مجلة (الدراسات السودانية)، وكان رئيسا لاتحاد أدباء السودان. وحضر اثناء حياته العامرة بالعطاء مؤتمرات محلية وإقليمية ودولية لا حصر لها قدم فيها اوارق عمل علمية ناضجة.
ومسيرة بروفيسور عون الشريف تحتاج لكتاب كامل، ولكني اكتفي بالوقوف عند ثلاث محطات.. عند عودة بروفيسور عون من بريطانيا وحصوله على الدكتوراة كان يعمل ويحاضر بجامعة الخرطوم ويتعاون مع غيرها من الجامعات، ولم يعتبر ان شهادة الدكتوراة الرفيعة والسامية القدر هي نهاية المطاف وسدرة المنتهى في مسيرته العلمية، بل اعتبر ان مسيرته الحقيقية في طلب العلم قد بدأت بعد ذلك وأن رسالته وأطروحته العلمية هي نقطة الانطلاق والبداية للقراءة المتصلة وسهر الليالي والاطلاع المستمر والبحث والتنقيب والكتابة والتأليف، ولذلك كنت التقيه دائما في المكتبات ومعارض الكتب وهو يشتري عدداً وافراً من الكتب ويضعها في أكياس ويحملها بيديه. وكان منفتحاً على المجتمع ويكثر من إلقاء المحاضرات في المنتديات العامة، أي انه كان يقدم علمه لطلبته في الدراسات العليا ولطلبته في الجامعات ولقواعد الشعب السوداني بمختلف مستوياتها. وكان إسلامياً في سلوكه وتعامله ومنهجه، ولكنه كان مستقلا ويعبر بحرية عن آرائه. وفي أوائل عهد مايو توجس الكثيرون من وجود ارهاب فكري وكسر البعض حاجز الخوف وكتب الصحفي الراحل الأستاذ بشير محمد سعيد مقاله الشهير بعنوان (نعم نحن ثورة مضادة.. ولكن ضد الشيوعيين).. وكتب البروفيسور علي شمو مقالاً ضد الإرهاب الفكري وضد رفع شعار التطهير لتصفية الحسابات، وكان الأستاذ شمو قد ابعد من موقعه مديرا للتلفزيون لاتهام بعض الشيوعيين له بأنه كان وثيق الصلة بالرئيس إسماعيل الأزهري وبالشريف حسين الهندي، وفي محاولة لتهميشه عين مساعداً لوكيل الوزارة بلا سلطات تذكر. اما البروفيسور عون الشريف قاسم فقد دخل، او بالأحرى، اشتبك في مساجلات قلمية مع بعض الشيوعيين وكتب عدة مقالات بجريدة (الصحافة) عن ضرورة ارساء دعائم الوحدة الوطنية والقضاء على الهيمنة الأحادية والوصاية الفكرية. وأخذ بعد ذلك يكتب مقالاً اسبوعياً راتبا بجريدة (الأيام) عن الفكر الإسلامي وهوية الأمة، وكان يعنى بأمهات المسائل والقضايا الإستراتيجية. وذكر الأستاذ الفاتح التجاني، رحمه الله، ان بروفيسور عون رفض بإباء وشمم ان يتقاضى اجراً، وذكر ان راتبه الذي يتقاضاه يكفيه وأن مساهماته خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى وللوطن، وفيها رد لدَين الشعب عليه.
وفي النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين المنصرم تم تعيين دكتور عون الشريف قاسم وزيراً للشؤون الدينية والأوقاف، وقد آن الآوان ان تكتب القصة الكاملة لمايو بكل حياد وأمانة وتجرد، فهي تجربة سودانية وإنسانية اضحت ملكيتها عامة وفيها دروس وعبر كثيرة (ويجب تقليب صفحاتها بكل ايجابياتها وسلبياتها وبياضها وسوادها واحمرارها).. وقد ادى بروفيسور عون دوراً كبيراً مشرفاً وترك بصمات وصفحات بيضاء وإنجازات باهرة. وإذا عاد معاصرو تلك المرحلة بذاكراتهم ثلاثين عاما للوراء، او رجع شباب اليوم ممن لم يعاصروا تلك الفترة للوثائق والأضابير واستعانوا بمن هم اكبر منهم في تقصي الحقائق والوقوف على المعلومات لأدركوا ان عدد المساجد كان قليلاً في السودان، وعلى قلتها كان التركيز فيها على صلاة الجمعة فقط، اما في بقية الصلوات فكانت اعداد الذين يصلونها في المساجد ضئيلة. وفي ذلك الوقت لم يكن جل النساء؛ صغارهن وكبارهن، يؤدين الصلاة ولكنهن كن يصمن فقط، وتختلف دوافعهن فمنهن من يفعلن ذلك أداءً للفريضة ولأن الصوم من أركان الإسلام الخمسة، ومنهن من لا يصلين ولكنهن يصمن لأن الإفطار بلا عذر في رمضان عيب في العرف الاجتماعي في نظرهن. اما اذا وقفنا عند التاريخ الاجتماعي والبنية التحتية للمجتمع السوداني، فيكفينا على سبيل المثال كتاب (الأنداية) لمؤلفه شيخ الأدب الشعبي استاذنا الطيب محمد الطيب (شفاه الله وعافاه وأطال عمره)، أو نقف على ما ورد عن الخمور في السودان بعدة أعداد من مجلة (التضامن) لصاحبها ورئيس تحريرها الأستاذ فؤاد مطر في الثمانينات من القرن الماضي، اضف لذلك كثيراً من الحقائق والمعلومات الموثقة. والمؤسف ان المجالس الريفية والمجالس البلدية كانت ايراداتها تتضمن بنداً عن امدادات الأنادي والبارات.. اما الرذيلة فكانت لها بيوت مرخصة ترخيصا رسميا، وهناك الدعارة المعلنة والسرية بالإضافة للقمار وكان يقال عن يوم الخميس (صفقة ورقيص)، وعندما تولى دكتور عون الوزارة كان يدرك كل هذه الحقائق مع ادراكه للتباين الإثني وتعدد الديانات، فكان يدرك ان للمسلمين أغلبية مع وجود مسيحيين ولا دينيين وغيرهم. وبحكم ان بروفيسور عون مربي في المقام الأول ويتمتع ببصيرة نافذة ولم يكن في يوم من الأيام سياسياً ديماجوجياً مهرجاً وليست له اجندة ذاتية او حزبية وبحكم انه مزج في ثقافته بين التراث والمعاصرة وتمتع بثقافة موسوعية فقد كان يتمثل بقول أحمد شوقي في همزيته التي مدح فيها حبيبنا وشفيعنا خير البشر اجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (داويت متئداً وداووا طفرة وأخف من بعض الدواء الداء)..
وكان دكتور عون يؤمن بالإصلاح التربوي للمجتمع، وبالعمل الهادئ والإنجاز الصامت بلا ضجة وصخب اعلامي.. لكن بعض الذين لم يكونوا يؤمنون بحقوق الآخرين الدينية سخروا منه وسموه وزير الديانتين؛ اي الدين الإسلامي والدين المسيحي.. ووضع بروفيسور عون خطة واضحة وأخذ تفويضا كاملا من الرئيس الأسبق جعفر نميري، وكان الاحترام بينهما متبادلاً وكانت ثمرة ذاك الجهد تشجيع بناء المساجد على اوسع نطاق والاهتمام بهندستها وشكلها الجمالي مع الاهتمام بالجانب الدعوي التربوي. وأخذت المساجد تمتليء بالمصلين حتى اكتظت، واهتم بروفيسور عون بالمؤذنين وأئمة المساجد بإقامة دورات دراسية وتدريبية لهم، وحدثت ثورة حقيقية وسط المرأة السودانية المسلمة وصحوة دينية وسط النساء بمختلف اعمارهن. واتبع دكتور عون سياسة الخطوة خطوة بترشيد المجتمع وتزكيته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ولاعتدال بروفسير عون ووسطيته استطاع ان يحفظ التوازن بين كافة المشارب والمدارس والطوائف والفئات الإسلامية المختلفة. كمالاأبدى اهتماماً فائقاً بخلاوي تعليم القرآن الكريم وكافة البقع المباركة، وكانت توزع ملايين المصاحف وأقيم مهرجان سنوي للقرآن الكريم مع زيادة الاهتمام بالتعليم الديني، وقد أعيد قيام معهد ام درمان العلمي العالي الذي تطور الآن لجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، واهتم بتسهيل اجراءات الحج والعمرة، فكثر عدد الحجاج والمعتمرين.. واهتم كذلك بشعيرة الزكاة وساهم في وضع التصور لقيام ديوان الزكاة قبل اعفائه من موقعه الوزاري.
وبروفيسور عون انسان منكسر لله سبحانه وتعالى، وهو بعيد كل البعد ومعافى من أمراض الذاتية النرجسية لذلك لم ينسب اي انجاز لنفسه، بل كان ينسبه للجماعة ويكثر من قول (نحن) ولا يقول (انا فعلت كذا وكيت). وقد اختلف مع الرئيس الأسبق نميري وأعفى من موقعه الوزاري واتجه للعمل الأكاديمي والإنتاج الفكري الذي لم ينقطع طيلة توليه للوزارة، ولم يقطع صلته بالآخرين ولم ينفصم عن المسيرة من منطلق اخلاقي رغم اختلافه معهم في بعض القضايا.. وبعد انطواء صفحة ذاك النظام ظل وفيا لزملائه القدامى وظل حبل الود ممتداً بنيه وبين الرئيس الأسبق النميري وفاء للود القديم واحتراماً للتفويض الذي وجده لتنفيذ برنامجه، وكان هو من الداعمين لبرنامج القيادة الرشيدة. وطيلة سنوات الإنقاذ ظل بروفيسور عون يؤدي بكل همة واقتدار ونفس طيبة اي مهمة توكل اليه من خلال عمله في اللجان المختصة وهدفه خدمة الدين والوطن، ولم يكن يهمه وضعه البروتوكولي يمكن ان يجلس في آخر الصفوف.
ان الهرج والمرج واختلاط الحابل بالنابل والانفلات الحادث الآن في الشارع يحتاج للمنهج التربوي الذي حل محله التهريج والجعجعة الفارغة التي لن تصمد امام العولمة الثقافية ما لم يحدث اصلاح وإعادة تقييم للمسيرة. إن دكتور عون بحكم انه كان وزيرا للشؤون الدينية والأوقاف كان عضواً بمجلس الوزراء وهذه العضوية كانت تتيح له ابداء آرائه في كافة القضايا التي تطرح في المجلس، ويشهد كل الموظفين العاملين بالسكرتارية والرصد وكل زملائه الوزراء انه كان اكثرهم شجاعة وجرأة، وكان يجاهد بآرائه بوضوح ومباشرة دون تأخذه في الحق لومة لائم، وكان يتحدث عن قضايا وهموم المواطنين ويدافع عن الشرائح الضعيفة، وقد عرف بأنه واسع الصدر والأفق ولكنه كان يغضب احيانا ويثور في الحق ويعود بعد ذلك لطبيعته السمحة بسرعة لسماحة نفسه وطيبة قلبه.. وحدثني الصديق الصحفي المعروف الأستاذ عبد القادر عباس، صاحب (يوميات سائق تاكسي) وهو ابن خالة بروفيسور عون من الصق المقربين له منذ عهد الطفولة بالحلفايا، ان دكتور عون انسان فاضل ودود شهم كريم، وقد عمل في معهد اللغة العربية للناطقين بغيرها وكان يتقاضى راتباً كبيراً بالعملة الحرة (الدولار) وعمل في مجالات كثيرة وبكد يمينه وعرق جبينه كان يمكن ان يكون بما اكتسبه من مال حلال من اثرى اثرياء السودان، وكان بإمكانه ان يقتني عمارات وعقارات كثيرة ويرتاح ويعيش من ريعها.. ولكن استاذ عبد القادر يشهد بان ابن خالته بروفيسور عون ظل يتصدق وينفق على الفقراء والمساكين والمحتاجين انفاق من لا يخشى الفقر وليس في قلبه مكان لحب المال والدنيا ولسان حاله يردد (انفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)، ولذلك يمكن ان يحسب في طبقة الفقراء، والعزاء الوحيد انه ربى ابناءه وبناته على خلق ودين وأحسن تربيتهم وتعليمهم.. حفظهم الله.
اما علاقة بروفيسور عون بتلاميذه وطلبته فهي علاقة متميزة وقد تتلمذ عليه اثنان من اشقائي في مرحلة الدراسات العليا بمعهد اللغة العربية للناطقين بغيرها، وظلا هم وبقية اصدقائهم وزملائهم يحيطون استاذهم العالم الفاضل بحب غامر وكان لهم نعم الصديق وقد اتصل بي شقيقي من اندونيسيا فور سماعه بالخبر الأليم وهو في حالة حزن شديد لفقده استاذه وشيخه، وذكر لي انهم ظلوا يتبادلون رسائل العزاء والحزن ويصلون ويتلون القرآن الكريم على روح استاذهم ويبتهلون الى الله سبحانه وتعالى ان ينزل شيخهم وأستاذهم الفردوس الأعلى، وطلب مني تبليغ اسرته الكريمة تعازيهم الحارة.
وبرغم الجهد الخارق الذي بذله بروفيسور عون في المجالات آنفة الذكر مع تواصله الاجتماعي الممتد، الا ان اعطاءه الفكري الثر يحتاج لمقال منفصل فقد قدم انتاجاً وفيراً غزيراً ممتازاً، وقام بجهد فردي خرافي لا يمكن ان تضطلع به الا مؤسسة كاملة.. وأذكر من مؤلفاته على سبيل المثال فقط لا الحصر (معجم العامية في السودان، دبلوماسية محمد، شعراء البصرة في العهد الأموي، الإسلام والثورة الحضارية، الدين في حياتنا، في معركة التراث، صحبة الإسلام والقرآن، نشأة الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم).. اما عمله الضخم (موسوعة القبائل والإنساب في السودان) فهو مجهود خارق قام به فرد واحد (والفرد العزيم يمثل الأغلبية) والأمة السودانية مدينة لهذا العالم الفذ وستخلد اعماله ذكراه، فقد ترك كنوزاً من المعرفة للأجيال القادمة.
وبروفيسور عون انسان فاضل طيب النفس دمث الأخلاق يتمتع بدرجة عالية من الصفاء والنقاء والتواضع الجم، وأعتبر نفسي من تلاميذ تلاميذه، ولكنه ظل يغمرني بمشاعر فياضة من الود والرقة في كل محفل يجمعنا ويلتقي بي هاشا باشا مع ضحكته العميقة الصافية، وظل يخجل تواضعي بكلماته العذبة الرقيقة ويثني على مساهماتي وفي هذا قمة التواضع، لأن مساهماتي لا تساوي الا موجة صغيرة عابرة في بحره الزاخر بالجواهر واللآلي، وقد شرفني بكتابة مقدمة اعتز بها لكتابي (القبائل السودانية والتمازج القومي)، وقد دعاني مرة لزيارته في حلفاية الملوك حيث قضينا ساعات لطيفة من الأنس الجميل وأهداني مشكوراً ثلاثة كتب. وأنا مدين للأهرامات الثلاثة لتقديرهم وتشجيعهم ودفعهم المعنوي لي وهم البروفيسور الراحل المقيم محمد ابراهيم ابو سليم والبروفيسور الراحل المقيم عون الشريف قاسم والبروفيسور يوسف فضل حسن، اطال الله عمره ومتعه بالصحة وموفور العافية.
وليكن في ذلك درس وعبرة للجميع لاستثمار الزمن في العمل النافع والسعي بجد لاستثمار الوقت في القراءة والكتابة والبحث وإعداد وتجويد اكبر عدد ممكن من الدراسات والبحوث وغيرها من الأعمال النافعة. رحم الله العارف بالله العالم العابد الزاهد المتواضع المنكسر لله البرفيسور عون الشريف قاسم وأمطر قبره شآبيب رحمته وأنزله الفردوس الأعلى
الاستاذ محمود محمد طه ========== ولد الاستاذ محمود محمد طه فى مدينة رفاعة بوسط السودان فى العام 1909م ، لوالد تعود جذوره الى شمال السودان ، وأم من رفاعة . توفيت والدته – فاطمة بنت محمود - وهو لماّ يزل فى بواكير طفولته وذلك فى العام 1915م ، فعاش الاستاذ محمود وأخوته الثلاثة تحت رعاية والدهم ، وعملوا معه بالزراعة ، فى قرية الهجيليج بالقرب من رفاعة، غير أن والده لمّا يلبث أن التحق بوالدته فى العام 1920م ، فانتقل الاستاذ محمود وأخوانه للعيش بمنزل عمتهم برفاعة . ● بدأ الاستاذ محمود تعليمه بالدراسة بالخلوة ، وهى ضرب من التعليم الأهلى ، كما كان يفعل سائر السودانيين فى ذلك الزمان ، حيث يدرس الاطفال شيئا من القرآن ، ويتعلمون بعضًا من قواعد اللغة العربية ، غير أن عمته كانت حريصة على الحاقه وأخوانه بالمدارس النظامية ، فتلقى الاستاذ محمود تعليمه الاوّلى والمتوسط برفاعة . ومنذ سنى طفولته الباكرة هذه أظهر الاستاذ محمود كثيرا من ملامح التميز والاختلاف عن أقران الطفولة والدراسة ، من حيث التعلق المبكر بمكارم الاخلاق والقيم الرفيعة ، الأمر الذى لفت اليه أنظار كثير ممن عاش حوله.
كلية غردون ودراسة الهندسة
● بعد اتمامه لدراسته الوسطى برفاعة أنتقل الاستاذ محمود الى عاصمة السودان ، الواقع حينها تحت الاستعمار البريطانى ، وذلك لكى يتسنّى له الالتحاق بكلية غُردون التذكارية ، وقد كانت تقبل الصفوة من الطلاب السودانيين الذين أتّموا تعليمهم المتوسط ليدرسوا في القسم الثانوي فأكمله الأستاذ محمود بتفوق ومن ثم دخل قسم الهندسة بكلية غردون في عام 1932 ، ودرس هندسة المساحة . كان تأثيره فى الكلية على محيطه من زملائه الطلبة قويا ، وقد عبر أحد كبار الأدباء السودانيين عن ذلك التأثير بقوله : ((كان الاستاذ محمود كثير التأمل لدرجة تجعلك تثق فى كل كلمة يقولها !)).
السكك الحديدية والنضال السياسى
● تخرج الاستاذ محمود فى العام 1936م وعمل بعد تخرجه مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية ، والتى كانت رئاستها بمدينة عطبرة الواقعة عند ملتقى نهر النيل بنهر عطبرة ، وعندما عمل الاستاذ محمود بمدينة عطبرة أظهر انحيازًا الى الطبقة الكادحة من العمال وصغار الموظفين ، رغم كونه من كبار الموظفين ، كما أثرى الحركة الثقافية والسياسية بالمدينة من خلال نشاط نادى الخريجين ، فضاقت السلطات الاستعمارية بنشاطه ذرعًا ، وأوعزت الى مصلحة السكة حديد بنقله ، فتم نقله الى مدينة كسلا فى شرق السودان فى العام 1941م ، غير أنّ الاستاذ محمود تقدم باستقالته من العمل ، وأختار أن يعمل فى قطاع العمل الحر كمهندس ومقاول ، بعيدا عن العمل تحت امرة السلطة الاستعمارية. ● كان الاستاذ محمود فى تلك الفترة المحتشدة من تأريخ السودان ، وفى شحوب غروب شمس الاستعمار عن أفريقيا ، علما بارزا فى النضال السياسى والثقافى ضد الاستعمار ، من خلال كتاباته فى الصحف ، ومن خلال جهره بالرأى فى منابر الرأى، غير أنّه كان مناضلا من طراز مختلف عن مألوف السياسيين ،حيث كان يمتاز بشجاعة لافتة ، لا تقيدها تحسبات السياسة وتقلباتها ، وقد أدرك الانجليز منذ وقت مبكر ما يمثله هذا النموذج الجديد من خطورة على سلطتهم الاستعمارية ، فظلت عيونهم مفتوحة على مراقبة نشاطه.
نشأة الحزب الجمهورى
● فى يوم الجمعة 26 أكتوبر 1945م أنشأ الاستاذ محمود وثلة من رفاقه حزبًا سياسيًا أسموه (الحزب الجمهورى) ، اشارة لمطالبتهم بقيام جمهورية سودانية مستقلة عن دولتى الحكم الثنائى ، وقد كان هذا الحزب هو الحزب السياسى الوحيد وقتها فى المطالبة بالحكم الجمهورى ، وفى المطالبة بالاستقلال التام ، فى الوقت الذى كانت فيه الحركة الوطنية السودانية ، بقسميها الذين يقودهما حزبا الاتحادى والامة لا يناديان الا بالاتحاد مع مصر (الاتحاديون) أو بالاستقلال فى تحالف مع التاج البريطانى (الامة). وقد عبر هذا الموقف التأريخى من مصير السودان ، أصدق تعبير ، عن الرؤية الثاقبة ، والبصيرة المسددة التى ستكون لاحقا سمة الحركة الجمهورية التى أنشأها ورعاها الاستاذ محمود محمد طه .
أول سجين سياسى فى الحركة الوطنية!
● نشأ الحزب الجمهورى أول ما نشأ على المصادمة المباشرة للاستعمار ، دون أن تقعده الرهبة ، أو يصرفه اليأس ، فحفظ تأريخ السودان للأستاذ محمود صورًا ناصعة من الاخلاص المتجرد من الخوف والطمع ، فى مواجهات مكشوفة مع الاستعمار ، ومع الطائفية السياسية التى كانت تحرك الشعب لمصلحة قادتها. ورغم أن الحزب الوليد اتخذ من الاسلام مذهبيةً له ، غير أنه فى تلك الفترة لم يكن يملك من تفاصيل تلك المذهبية ما يمكن أن يقدمه للشعب ، فأنصرف أفراده الى ما أسماه الاستاذ محمود (ملء فراغ الحماس) ، فضرب رجال الحزب الجمهورى وعلى رأسهم الاستاذ محمود الأمثال فى شجاعة المواجهة ، حيث كان الحزب يطبع المنشورات المناهضة للاستعمار والتى يقوم أفراده بتوقيع أسماءهم عليها ، ثم توزيعها، فى عمل فريد من أعمال المواجهة العلنية ، اضافة الى قيامهم بالخطابة فى الاماكن العامة ، حتى استشعرت السلطات الاستعمارية الخطر ، فتم اعتقال الاستاذ محمود فى يونيو من عام 1946م وتم تقديمه الى المحاكمة ، حيث خُيّر بين السجن لمدة عام ، أو امضاء تعهد بعدم ممارسة العمل السياسى فأختار السجن دون تردد. كان الاستاذ محمود بذلك أول سجين سياسى فى تأريخ الحركة الوطنية السودانية. وحتى فى السجن فقد واصل مقاومته للمستعمر بعدم تنفيذ أوامر السجن ، فى حين واصل رفقاؤه فى الحزب مقاومتهم خارج السجن ، فأضطُرت سلطات الاستعمار الى اطلاق سراحه بعد خمسين يوم من سجنه. وقد أدى نبأ اطلاق سراحه ، تماما كنبأ سجنه ، الى تجاوب واسع من قطاعات الشعب ، أظهرته برقيات التأييد التى انهمرت على الحزب من كافة محافظات السودان.
ثورة رفاعة
● بعد اطلاق سراح الاستاذ محمود واصل الحزب الجمهورى نضاله ضد الانجليز ، حتى حانت فى سبتمبر 1946م فرصة أخرى لتصعيد المقاومة ، اذ قامت سلطات الاستعمار بتفعيل قانون منع الخفاض الفرعونى والذى كان قد صدر فى ديسمبر من عام 1945م ، حين قامت السلطات فى رفاعة بسجن ام سودانية خفضت بنتها خفاضا فرعونيا ، فنهض الاستاذ محمود الى التصدى لحادثة الاعتقال هذه ، معتبرا أنّ الاستعمار بتفعيله القانون فى مواجهة عادة متأصلة لا يمكن محاربتها بالقوانين ، انما يرمى الى اضفاء الشرعية على حكمه عن طريق اظهار نفسه محاربا لعادات الشعب السيئة من ناحية ، واظهار السودانيين كشعب غير متحضر مستحق للوصاية من ناحية ثانية. ● خطب الاستاذ محمود خطبة قوية فى مسجد رفاعة مستنهضا الشعب للدفاع عن المرأة التى نزعت من بيتها الى ظلمات السجن. فتوحدت المدينة بأكملها خلفه فى ثورةٍ عارمة تصاعدت الى اقتحام السجن ، وأطلاق سراح المرأة ، رغم المواجهة العنيفة التى ووجهت بها من قبل السلطات والتى وصلت لحد أطلاق النار على الشعب . وقد تجلت فى ثورة رفاعة جسارة الاستاذ محمود فى مواجهة المستعمر والتزامه جانب المستضعفين من شعبه ، مما خلب ألباب الأحرار ، حيث عبّر أحد شعراء السودان عن ذلك فى مقدمة قصيدة له فى تمجيد ثورة رفاعة بقوله : ((من المنبر فى مسجد رفاعة انبعثت الصيحة ، وخرج المسلمون - كالمسلمين الأوائل - فى لحظة الهية يندفعون الى الكافر ، ولقيهم هذا خلف صف من العساكر ، وأنطلق الرصاص ، وتقدم الرجال يمشون على خطى محمود !)) ● تمخضت ثورة رفاعة عن سجن الاستاذ محمود لمدة سنتين ، حيث ُسجن فى سجن ودمدنى لبعض الوقت ، ثم أتم باقى مدة السجن فى سجن كوبر الشهير بمدينة الخرطوم بحرى.
السجن، والخلوة، والمذهبية الجديدة
● فى السجن الثانى للاستاذ محمود بدأت تتضح له تفاصيل المذهبية الاسلامية التى وقف حياته للدعوة اليها ، حيث أخذ نفسه بالعبادة ، وبخاصة الصيام الصمدى ، والصلاة ، فتهيأ لأداء المهمة التى أدرك أن الله انما يعده لها. ● بعد اتمامه لمدة سجنه فى العام 1948م خرج الاستاذ محمود الى مدينة رفاعة حيث اعتكف لمدة ثلاث سنوات فى خلوة عن الناس ، حيث أتم ما كان قد بدأه فى سجنه من تهيؤ لدعوته الاسلامية. كانت أيام خلوته واعتكافه عامرة بالاشراقات الروحية ، والسمو النفسى ، وقد بدا واضحا أن الاستاذ محمود قد أقبل على موضوع كبير وخطير ، وكان الحزب الجمهورى طوال فترة اعتكافه قد توقف نشاطه ، فى حين كان أفراده ينتظرون خروج قائدهم من اعتكافه.
الحزب الجمهورى يخرج من جديد
● خرج الاستاذ محمود من اعتكافه فى اكتوبر 1951م ودعا الحزب الجمهورى الى اجتماع عام عقد فى 30 اكتوبر 1951م . فى هذا الاجتماع طرح الاستاذ محمود المذهبية الاسلامية الجديدة ، والتى تقوم على الحرية الفردية المطلقة ، والعدالة الاجتماعية الشاملة ، ليتجه الحزب الجمهورى من ملء فراغ الحماس الى ملء فراغ الفكر.
حركة الحوار والنشر
● فى عام 1952م صدر كتاب ((قل هذه سبيلى)) ، وبدأت به حركة واسعة لتأليف الكتب التى تتولى شرح فكرة الدعوة الاسلامية الجديدة وتفصيل مذهبيتها. فصدر كتاب ((أسس دستور السودان)) فى ديسمبر 1955م ليشرح أسس الدستور الذى دعا له الجمهوريون ، ثم توالى اصدار الكتب حيث صدر كتاب ((الاسلام)) فى عام 1960م ، ثم كتابا ((رسالة الصلاة)) و ((طريق محمد)) فى عام 1966م. وتوجت حركة البعث الاسلامى هذه فى يناير 1967م بكتاب ((الرسالة الثانية من الاسلام)) والذى ُيعد الكتاب الأم للفكرة الجمهورية. وقد توالى بعد ذلك ، وعلى مدى زمنى يمتد الى قرابة العشرين عاما، صدور الكتب التى تتولى تنزيل دقائق العلم بالدعوة الى الاسلام فى مستوى الرسالة الثانية ، وذلك فى كافة مناحى المعرفة ، فصدر فى ذلك جملةً ما يقارب الثلاثين كتاباً ، هذا فضلا عن الكتيبات والمنشورات التى كانت تواكب مستجدات الأحداث برأى فكرى وسياسى سمته الدقة ، والاخلاص ، وقد صدر فى هذا الباب ما زاد على المئتى كتيب ومنشور.
الدعوة لطريق محمد وتطوير التشريع
● دعا الاستاذ محمود الى تقليد النبى محمد صلى الله عليه وسلم كمنهاج للسلوك الدينى بهدف توحيد القوى المودعة فى الانسان ، من قلب وعقل وجسد ، والتى وزعها الخوف الموروث والمكتسب ، ثم الى تطوير التشريع الاسلامى بالانتقال من الآيات المدنية التى قامت عليها بعض صور الشريعة ، الى الآيات المكية التى نسخت فى ذلك الوقت لعدم تهيؤ المجتمع لها ، حيث الدعوة الى الديمقراطية والاشتركية والمساواة الاجتماعية ، المدخرة فى أصول الدين ، وقد بسط الاستاذ محمود فكرته فى آفاقها الدينية والسياسية والمعرفية بعلمٍ واسعٍ ، وحجةٍ ناصعةٍ ، وصبرٍ على سوء الفهم وسوء التخريج وسوء القصد الذى قوبلت به فكرته من معارضيها ، حتى ذهب يقينه بفكرته واخلاصه لها ، والتزامه ايّاها فى اجمال حياته وتفصيلها، مثلا فريداً فى الدعاة والدعوات.
المساواة الاجتماعية وحقوق النساء
● كان موضوع المرأة من اهم المواضيع التى عالجها الاستاذ محمود فى فكرته ، حيث دعا الى تطوير التشريع فيما يختص بشريعة الأحوال الشخصية ، والى وضع المرأة من حيث التشريع فى موضعها الصحيح ، بعد أن تعلمت وتسنمت الوظائف الرفيعة ، متجاوزا بذلك القصور الفكرى الذى ظل ملازما للفكر الاسلامى السلفى تجاه وضع المرأة فى التشريع الدينى ، ومتجاوزا دعوات تحرير المرأة التى هدفت لمحاكاة الغرب، ومقدما فهما جديدا مستمداً من اصول الدين ، يقوم على مساواة الرجال والنساء أمام القانون وفى النظام الاجتماعى ، انطلاقا من فكرة تطوير التشريع الاسلامى ، واستلهاماً أكبر لغرض الدين فى الحياة الحرة الكريمة للنساء والرجال على قدم المساواة. وقد كان أكبر تجسيد لدعوة الاستاذ محمود الى تطوير وضع المرأة الدينى هو المرأة الجمهورية نفسها ، فقد دخلت تلميذات الاستاذ محمود من الجمهوريات التاريخ كأول طليعة من النساء تخرج للدعوة الى الدين بصورة جماعية ومنظمة ، فى ظاهرة فريدة ظللتها قوة الفكر وسداد السيرة وسمو الخلق.
الثورة الثقافية ولا اله الا الله
● أسس الاستاذ محمود بحركة التأليف ، والنشر ، ومنابر الحوار التى تقام فى الطرقات العامة والميادين والحدائق ودور العلم والاحياء ، ثورةً فكريةً لم ُيعرف لها ضريب فى تأريخ الأديان والافكار! ، حيث حمل هو وتلاميذه الفكرة الجمهورية الى كل صقع ناءٍ من أصقاع السودان يذهبون الى الشعب حيث يعيش ، يحدثونه عن الاسلام ، ويحاورونه وينقلون له النموذج الحى للاسلام المعاش الذى يمشى على قدمين! وقد كان شعار ثورة التغيير هذه هو الكلمة (لا اله الا الله) ، بعد أن رفعها الاستاذ محمود فى دعوته الجديدة الى مستوً من التحقيق جعلها لصيقة بتغيير النفوس. وقد قامت هذه الحركة الشاملة فى مداها ، و المنضبطة فى أدائها ، والفاعلة فى تأثيرها ، على موارد الجمهوريين الذاتية ، والتى يقتطعونها من دخولهم الشخصية ، وعلى العمل التطوعى الذى يقتطع له الاعضاء من اجازاتهم وأوقات راحتهم ، وعلى ريع الكتب التى يوزعونها بعد أن يقوموا بطباعتها يدويا ً، فكانت بذلك ثورة شاملة فى معناها ومبناها ، وارهاصا كبيرا بالثورة الثقافية المنتظرة.
المجتمع الجمهورى
● حرص الاستاذ محمود على تربية تلاميذه على معيشة ما يدعون اليه من قيم الدين ، وكان نهج الفرد الجمهورى فى ذلك هو المعيشة فى(الهنا والآن) ، فى اللحظة الحاضرة ، مشتغلا بتجويد أداء الواجب المباشر جهد الطاقة ، ثم الرضا بالنتيجة أيا كانت ، اذ أنها من الله ، على قاعدة من المراقبة والمحاسبة للنفس ، تنقية وترقية لها نحو معالى المعرفة . وقد كانت حركة الجمهوريين اليومية فى الدعوة الى فكرتهم تتم تحت أعين الاستاذ محمود ووفقا لارشاده المتصل ، فى حركة يومية لا تفتر من الجلسات الصباحية والمسائية التى تعقد لتدارس المعانى السلوكية و العرفانية ، ومن حلقات الانشاد العرفانى ، والذكر والقرآن ، ومن الندوات التى تعقد فى منازل الاخوان الجمهوريين ، فضلا عن حركتهم الخارجية المتمثلة فى حلقات النقاش وحملة توزيع الكتب ، والمقابلات الخاصة لرجال الدين والمفكرين والسياسيين.
المؤامرة!
● لم تتوقف محاولات القوى الدينية التقليدية التى استشعرت الخطر من تنامى تأثير الحركة الجمهورية وسط الشعب السودانى عن الكيد لها بمختلف السبل ، وقد كان القاسم المشترك لكل مؤامرات قوى الهوس الدينى هو محاولة استغلال السلطة لتصفية الحركة الجمهورية واسكات صوتها ، فسعت لدى قادة انقلاب 1959م لايقاف نشاط الاستاذ محمود ، فكان أن استجابت السلطة بقرار ايقاف الاستاذ عن القاء المحاضرات فى الاندية ، غير أن الحركة استمرت فى شكل ندوات مصغرة تعقد فى المنازل ، ويؤمها جمهور كثير ، حتى الغت السلطة القرار لاحقا ، وعاد الاستاذ محمود الى المحاضرات العامة.
محكمة الرّدة !
● بعد ثورة اكتوبر 1964 م وعودة القوى الطائفية الى السلطة ، تجددت محاولات قوى الهوس الدينى لضرب الحركة الجمهورية ، حيث دبرت مهزلة محكمة الردة فى نوفمبر 1968م ، والتى حكمت على الاستاذ محمود بالردة بعد محاكمة صورية سريعة استغرقت نصف الساعة ! ، ولم يمثل الاستاذ أمامها ، ولم يستأنف حكمها ، تأكيدا لعدم اعترافه بشرعية المحكمة المزعومة ، غير أنه استثمر المحاكمة كفرصة جديدة لمزيد من حملات التوعية عن خطر الهوس الدينى على حرية الشعب ، وعلى حياته أيضاً.
اصطلحوا مع اسرائيل
● دعا الاستاذ محمود محمد طه ، وفى قمة فوران المد القومى العربى الذى قاده الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، الى الصلح مع اسرائيل على أساس الاعتراف المتبادل ، وحل قضية فلسطين عبر التفاوض ! ، مذكرا العرب بأن قضيتهم ليست اسرائيل ، وانما هى اقامتهم على قشور من الدين وقشور من حضارة الغرب ، مما جلب عليهم الخسران المبين. وقد كان هذا الرأى غريبا على كل العرب! اذ أنه قد انبنى على قراءة دقيقةٍ للتاريخ وبصيرةٍ ثاقبةٍ بالمستقبل ، جعلت صاحبه وكأنه آت للعرب من مستقبلهم الذى هم عن رؤيته قاصرون ، غير أن الأحداث قد أيدت رأيه ، وأبانت صدق بصيرته لكل من يرى!
حادثة الاعتداء على الاستاذ محمود
فى الثانى والعشرين من مايو 1969م وبمدينة الابيض بغرب السودان ، وبينما كان الاستاذ محمود يحاضر عن الصلاة فى أحد الاندية كدأبه فى حركته المتصلة وسط شعبه ، قام أحد المغرر بهم من المهوسين بالاعتداء عليه بضربه فى رأسه بعصاة كان يحملها ، وقد نقل الاستاذ محمود على اثر الضربة الى المستشفى لتلقى العلاج ، وكان فى هذا الاعتداء دلالة جديدة على النهج الذى اختارته قوى الظلام من أجل النيل من الاستاذ محمود وفكرته ، ويجدر بالذكر أن الاستاذ محمود قد عفا عن الشخص الذى قام بهذا الاعتداء عليه.
الدستور الاسلامى المزيف وقيام مايو
● فى 25 مايو 1969م قامت حركة مايو المعروفة ، فى لحظة تاريخية دقيقة كانت الاحزاب الطائفية وقوى الهوس الدينى تتهيأ فيها لفرض دستور يسمى "الدستور الإسلامي" ، ويهدف لتمكين تلك الاحزاب من فرض حكم شمولى يتلفح برداء الاسلام ، ليصادر حرية الشعب ويهدد وحدته الوطنية ، فأعلن الجمهوريون تأييدهم لحركة مايو باعتبارها قد حالت بين الشعب وبين فتنة كبرى كانت لتودى باستقرار الوطن والشعب ، رغم ادراك الاستاذ محمود للطبيعة المرحلية لمايو ، ولقصورها عن شأو الحكم الصالح الذى ظل يدعو له طوال حياته. وقد ظل تأييده لمايو ملتزما بهذه المرجعية التى تاسست عند قيامها ، لم ينحرف منه الى الدخول فى أجهزة مايو ، او مشاركتها فى تقلباتها السياسية. ● لم تتوقف محاولات الكيد للاستاذ محمود بقيام حركة مايو ، بل ظلت تجرى فى الخفاء ، ففى عام 1975م أصدر مجلس الأمن القومى لنظام مايو قرارا بمنع الاستاذ محمود من القاء المحاضرات العامة، وان ظل تلاميذه الجمهوريون يقدمون المحاضرات وأركان النقاش فى كل مكان دون توقف.
السجن مرة أخرى!
● فى ديسمبر 1976م واثر اصدار الاخوان الجمهوريون لكتاب ((اسمهم الوهابية ، وليس اسمهم أنصار السنّة)) والذى أثار غضب السلطات الدينية السعودية ، قامت سلطة مايو باعتقال الاستاذ محمود وعددٍ من قادة الأخوان الجمهوريين ، وقامت بايداعهم سجن كوبر ، وكانت تلك هى المرة الأولى التى يسجن فيها الاستاذ محمود فى عهد حكم وطنى بعد سجون الاستعمار.
المصالحة الوطنية وسقوط مايو!
● بدأت سلطة مايو تتجه شيئاً فشيئاً الى أحضان القوى الدينية التقليدية .. وبعد دخولها فى المصالحة الوطنية فى العام 1977م اجتاحت القوى الطائفية وحركة الاخوان المسلمين عددًا من أجهزة الحكم المايوى ، وقد أيّد الاستاذ محمود المصالحة باعتبارها حقناً لدماء السودانيين بعد اقتتال ، رغما عن ادراكه للطبيعة الجديدة لمايو بعد دخول قوى الهوس الدينى ، فقد قال عقب المصالحة ((بالمصالحة الوطنية انتهت المرحلة الاولى من مايو ، وبدأت المرحلة الثانية والاخيرة)).
حل مشكلة الجنوب فى حل مشكلة الشمال!
كانت مشكلة جنوب السودان من أهم القضايا التى اهتم بها الاستاذ محمود فى فكره السياسى ، اذ كانت مشكلة الجنوب احدى قضيتين أخرج من أجلهما الحزب الجمهورى منشوراته التى واجهت الانجليز فى عام 1946 م ، والتى على اثرها تم سجن الاستاذ سجنه الأوّل ، ثم كانت مشكلة الجنوب أيضا هى أحدى القضايا التى من أجلها أخرج الجمهوريون منشورهم الشهير(هذا أو الطوفان) والذى واجه سلطة الهوس الدينى المايوى ، والذى تصاعد الى محاكمة الاستاذ محمود فى يناير من العام 1985م ، وقد ذهبت كلمة الاستاذ محمود الشهيرة (حل مشكلة الجنوب فى حل مشكلة الشمال) مثلا على استواء البصيرة السياسية على جادة الحكمة التى تزن الأمور بميزان التوحيد ، وذلك بالاشارة الصائبة الى أن مشكلة الجنوب انما هى بنت افتقار القوى السياسية السودانية الى المذهبية الفكرية الرشيدة ، وركونها الى الفساد السياسى والمكايدة الحزبية ، وهى عين مشكلة الشمال ، ولم ينفك الجنوب عن التأرجح تحت عجلة الاتفاقات التى لا تعقد الا لتنقض بيد القصور السياسى والتخبط الحزبى ، فى تأكيد متصل على مقولة الاستاذ محمود سالفة الذكر.
الهوس الدينى يثير الفتنة ليصل الى السلطة!
● فى مايو 1983م أصدر الأخوان الجمهوريون كتاب ((الهوس الدينى يثير الفتنة ليصل الى السلطة)) والذى واجه النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس جهاز الأمن عمر محمد الطيب بنقد قوى لقيامه بالسماح لجماعات مهووسة ، ودعاة مشبوهين من خارج القطر ، باستغلال مسجد يتبع له ، وباستغلال أجهزة الاعلام ، فى القيام بحملة رأى الجمهوريون أنها تفتح الباب أمام فتنة دينية لا تبقى ولا تذر ، فقامت السلطة باعتقال الأستاذ محمود، وعددٍ من الجمهوريين من غير أن توجه لهم تهمة، وظلوا فى المعتقل حتى صدرت قوانين سبتمبر 1983م ، والتى نسبت زورا الى الشريعة الاسلامية ، فعارضها الاستاذ محمود وتلاميذه من داخل المعتقل ، ومن خارجه ، ثم تصاعدت وتيرة الأحداث الى اعلان حالة الطوارئ واقامة المحاكم الايجازية العشوائية فى أبريل 1984م لتطبيق تلك القوانين السيئة الاخراج والقصد .
المؤامرة من جديد !
● فى تدبير مبّيت ومكشوف قامت السلطة باطلاق سراح الاستاذ محمود وتلاميذه فى ديسمبر من عام 1984م ، فى مقدمة لتدبير مؤامرة ضدهم ، ورغم علم الاستاذ محمود بالمؤامرة وحديثه عنها ، الا أنه لم يتردد فى 25 ديسمبر 1984م وبعد اسبوع فقط من مغادرته للمعتقل ، فى اصدار منشوره الشهير (هذا! أو الطوفان!) والذى طالب فيه بالغاء قوانين سبتمبر 1983 م تنقيةً للدين من التشويه الذى ألحقته به ، ودرءاَ للفتنة الدينية ، وطالب السلطة ومعارضيها فى الجنوب الى التفاوض لحل مشكلة الجنوب ، والى ايقاف الاقتتال ، صونا لوحدة الوطن ، وحقنا لدماء أبنائه .. ولم يفت على الاستاذ محمود أن السلطة انما كانت تتربص به ، وتنتظر فرصة كهذه لتقديمه لمحاكمها الجائرة ، غير أن الأمر عنده قد كان ، كما كان طوال سيرته ، امر دين لا مساومة فيه .. و لما كان الدين عنده هو نصرة المستضعفين من شعبه ، فقد نهض الى واجبه الدينى دون التفات للحسابات السياسية ، او الاعتبارات الدنيوية. ● فى يناير من العام 1985م أقام الجمهوريون مؤتمر الاستقلال بدار الاستاذ محمود بأم درمان ، وفى ختامه مساء 4 يناير تحدث الاستاذ محمود عن ضرورة أن يفدى الجمهوريون الشعب السودانى حتى يرفعوا عن كاهله اصر الظلم الذى وقع عليه ، مقدما نماذج من تأريخ التصوف لصور من فداء كبار المتصوفة لشعبهم.
الكيد السياسى والمحكمة المهزلة
● فى صباح الخامس من يناير 1985م اعتقلت سلطات النظام المايوى الاستاذ محمود محمد طه بعد أن كانت قد اعتقلت عددا من الجمهوريين قبله ، ليتم بذلك تنفيذ التدبير المعد سلفاً لمحاكمة الاستاذ محمود والجمهوريين أمام المحاكم التى شكلها النظام من خصوم الجمهوريين من قوى الهوس الدينى. ● فى يوم الاثنين 7 يناير 1985م قُدّم الاستاذ محمود وأربعة من تلاميذه للمحاكمة أمام محكمة الطوارئ ، برئأسة حسن ابراهيم المهلاوى ، فأعلن الاستاذ محمود محمد طه رفضه التعاون مع المحكمة ، بعبارات خلّدها التأريخ فى سجل الشرف ، واضعا المحكمة ، والقانون الذى تحاكم به ، والسلطة التى تأتمر بأمرها فى موضعها الصحيح من أنها مجرد أدوات لقمع الشعب وأسكات صوت الأحرار من أبنائه. ● فى يوم الثلاثاء 8 يناير 1985م أصدرت المحكمة المهزلة حكمها المعد سلفا بالاعدام على الاستاذ محمود وتلاميذه الأربعة ، لتغطى سماء البلاد موجة من الحزن والذهول. ● فى يوم 15 يناير 1985م أصدرت محكمة الاستئناف المزعومة برئاسة المكاشفى طه الكبّاشى حكمها المتوقع بتأييد حكم المحكمة المهزلة ، بعد أن قامت بتحويل الحكم من معارضة للسلطة واثارة للكراهية ضدها ، الى اتهام بالردة ، لتتضح ملامح المؤامرة أكثر . ● فى يوم الخميس 17 يناير 1985م صادق الرئيس جعفر نميرى على حكم الاعدام ، بعد أن أوسع الفكرة الجمهورية تشويهاً ، ونصب نفسه قاضيا على أفكارها ، فاتجهت الانظار الى سجن كوبر بالخرطوم بحرى فى انتظار تنفيذ الحكم.
ابتسامة على حبل المشنقة!
● عند الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة الثامن عشر من يناير 1985م ، الموافق للسادس والعشرين من ربيع الآخرة من عام 1405ه ، صعد الاستاذ محمود درجات السلم الى المشنقة تحت سمع وبصر الآلاف من الناس ، وعند ما نزع الغطاء الذى كان يغطى رأسه قبيل التنفيذ، انكشف وجهه عن ابتسامة وضاءة لفتت الأنظار، فانفتحت بموقفه الاسطورى هذا ، وبابتسامة الرضا تلك ، دورة جديدة من دورات انتصار الانسانية على عوامل الشر فى داخلها وفى الآفاق. ● فى السادس من أبريل 1985م سقطت سلطة مايو أمام انتفاضة الشعب السودانى ، وفى 18 نوفمبر 1986م أصدرت المحكمة العليا السودانية حكمها بابطال أحكام المحكمة المهزلة ومحكمة الاستئناف المزعومة بحق الاستاذ محمود. وقد أعلنت منظمة حقوق الإنسان فيما بعد يوم 18 يناير يوما لحقوق الإنسان العربي ..
جون قرنق جوزبف قرنق التجاني يوسف بشير التجاني الماحي التجاني عامر عبدالله عشري الصديق مبارك زروق محمود الفضلي يحيي الفضلي الدرديري محمد عثمان عمر اسحق بابكر بدري يوسف بدري السيد عبدالرحمن المهدي عبد الخالق محجوب علي المك منصور خالد عبدالعزيز محمد داؤود برعي محمد دفع الله نصرالدين عباس جكسا الموسيقار محمد الامين الموسيقار بشير عباس البلابل عائشة الفلاتية تحية زروق فاطمة احمد ابراهيم الفاضل سانتو برعي احمد البشير العم شاخور علي قاقرين عزالدين الدحيش مصطفي النقر امين ذكي ابراهيم عوض عبد الرحمن الريح فرقة عقد الجلاد فرقة السمندل الحاج محمد احمد سرور كرومة وكل شعراء ومطربي الحقيبة
مولده ووفاته ولد بقرية الكوة في منطقة النيل الأبيض في أبريل 1911 م. توفي في الساعات الأولى من صباح الخميس 8 يناير 1970 م. التعليم تخرج من مدرسة كتشنر الطبية في 1935، التابعة لكلية غردون آنذاك، جامعة الخرطوم الآن. حصل على دبلوم عالي في الطب النفسي من انجلترا في يوليو 1949 م، كأول سوداني وأول أفريقي يتخصص في الطب النفسي.
الحياة العملية انضم للخدمة الطبية السودانية وعمل في أم درمان، الخرطوم، وادي حلفا وكوستي. بعد عودته أنشأ عيادة للأمراض العصبية بالخرطوم بحري. إضافة لذلك فقد اهتم بالخدمات الريفية. عمل في الفترة ما بين 1959 إلى 1969 كمستشار إقليمي في منظمة الصحة العالمية حول الصحة النفسية. بعد ثورة 21 أكتوبر 1964م أختير كعضو ورئيس بالتناوب في مجلس رأس الدولة. شغل منصب رئيس المجلس وبالتالي رأس الدولة في 1965 م. في عام 1969م تقلد منصب رئيس قسم الطب النفسي في كلية الطب بجامعة الخرطوم، وقد شغل ذلك المنصب حتى وفاته. عن التجاني الماحي كان هنالك اتجاه من بعض قيادات جبهة الهيئات التي شكلت وزارة ثورة أكتوبر الانتقالية بتأجيل الانتخابات العامة، ولكنه لعب دورا هاما في التأكيد على إجراء الانتخابات في وقتها المحدد وتسليم السلطة للقوى المدنية المنتخبة. التجاني من مؤسسي جمعية الطب النفسي الأفريقية. ويعتبر أبو الطب النفسي الأفريقي. وله دراسات رائدة حول السحر والزار وغيرها وعلاقتها بالصحة النفسية. وفي بحوثه حول الثقافة الأفريقية كان يدرس الآثار والحضارات الأفريقية القديمة وله معرفة باللغة الهيروغليفية. وكان يعزف البيانو وله اهتمام بالفنون بأشكالهاالمختلفة. كان موسوعة في العلوم والثقافة، وله مقالات متعمقة حول الطب النفسي والثقافة. وقد عبرت ملكة إنجلترا الزائرة للسودان إبان رئاسته للدولة "الملكة إليزابث الثانية" عام 1965م عن ذهولها بحصيلته الثقافية والمعرفية. نفس الشيء أشار له صديقه وزميله في الطب النفسي الدكتور طه بعشر، إذ ذكر أن الدكتور بروك تشيشولم قدم التجاني لدى انعقاد الاجتماع حول "أفريقيا: التغيير الاجتماعي والصحة العقلية" في نيو يورك عام 1959، قدم الدكتور التجاني الماحي بقوله: "دكتور التجاني طبيب نفسي مميز. لقد رأيته في مناسبات عديدة مختلفة، وسط جماعات مختلفة من الناس المؤهلين في جوانب تقنية متعددة. وفي كل حالة كان دكتور التجاني الماحي مدهشا، سواء أكان في اجتماع يناقش قضايا افريقية أو حتى البلاد الأخرى ايضا. إن خبرته عريضة ولكن كيف جعلها مركزة ومتعمقة في ذات الآن بحيث تكون بهذا القدر شاملة فهو الشيء الذي لم يمكنني فهمه بعد. ربما أن عقله الباحث، ودافعه الاستثنائي، واهتمامه اللامحدود بالسلوك الإنساني وشجاعته واخلاصه هي الشياء التي خلقت شخصية التجاني الفريدة". بعد وفاته خلف مكتبة ضخمة هي الآن جزء من مكتبة جامعة الخرطوم، لتستفيد منها الأجيال من بعده. وقد أطلق اسمه على أول مستشفى ينشأ للصحة النفسية والعصبية في السودان وقد أقيم بأم درمان: "مستشفى التجاني الماحي". يعد التجاني الماحي علما في الطب النفسي، وفي الثقافة في السودان، كما أنه كان رجل دولة نزيه.
مراجع WHO EMRO - WORLD HEALTH DAY 2001 Ahmed El Safi and Taha Basher (Eds) Selected Essays: Tigani El Mahi- Silver Jubilee 1956- 1981- University of Khartoum
نجم السودان الذى عرفته الميادين مهاجما فذا وبارعا عرفته الملاعب المحلية والأفريقية والعربية والعالمية ، نجم عشق الهلال منذ نعومة أظافره وحقق حلمه بأن يلعب للهلال. نجم السودان وكابتن نادي الهلال السابق اللاعب الفذ والمدرب. الفرق التي لعب لها: فريق المجاهد في روابط الناشئين ثم انتقل إلى فريق الربيع درجة ثانية ولعب لمنتخب الخرطوم ثم انتقل إلى فريق الهلال ولعب للفريق القومي وفريق دفاع السودان. الوظيفة: ساعد هجوم أيسر إنتقل لنادي الهلال بسبب حبيه للهلال بالرغم من إنه تدربت مع فريق المريخ أكثر من مرة وكان ذلك قبل بناء إستاد المريخ الحالي وجاءت مشاركتي في تدريبات المريخ إرضاء للمريخاب بنادي الربيع الذي لعب له قبل إنتقاله لفريق الهلال. تسجيله للهلال عندما كان عمره سبعة عشر عاما أتصل به كابتن الهلال الكبير صديق منزول وكابتن عبدالخير صالح رحمها الله و الأشخاص الذين حضروا التسجيل فقد كانوا يوسف الفكي ومصطفى كيشو وعبدالرحمن عطرون والطيب عبدالله وحسن يحيى الكوارتي .حافز التسجيل كان عبارة عن أربعمائة جنيه سوداني . قام مع الكابتن السابق عثمان الديم بتكوين مجلس أمناء لنادي الهلال . ترك التدريب برغم إنه حاصل على أعلى درجة للتدريب بألمانيا في عام 1986 . عمل بوظيفة في شركة موبيل أويل لمدة ثلاثين سنة مما ساعده كلاعب كرة قدم غير محترف . من اهدافه المهمة الهدف الذي أحرزته للسودان في دورة ميونيخ الأولمبية في مباراتنا مع الفريق الروسي والتي إنتهت لصالح روسيا 2/1 ولولا صافرة الحكم لحققنا الفوز على روسيا . أما عن أهدافه مع الهلال فالهدف في شباك فريق المريخ في مباراة ليلة المولد الشهيرة يعتبر هدفا تاريخيا لأن هذا الهدف أسعد الملايين من مشجعى الهلال. لم ينال اى إنذارا طوال مسيرته مع الكرة قال عنه صلاح حبيب: سجل اسمه مع الخالدين ونحت اسمه في لوحات الشرف واعطي اللون الازرق طعما حينما يجوب الميادين داخليا وخارجيا وحقق للسودان مكاسب وشهرة عالمية حينما نال كأس بطول الامم الافريقية 1970م ...زاهد في الحياة و متواضع شيمته شيمة العلماء والراسخين يعرفه الجميع من خلال انجازاته المسجلة في لوحات الشرف بنادي الهلال من مواليد مدينة ام درمان حي البوستة في 13/8/1944م نزح جده لامه ادريس السائر مع الامام المهدي لام درمان وكان احد المقربين اليه وعند فتح الخرطوم كان المشرف علي سجن ام درمان الحالي الي ان اطلق عليه اسم سجن السائر ومدينة ام درمان واحدة من اعرق مدن السودان اذ تمتاز بشخصيتها المتفردة والمتنوعة وعدد سكانها آنذاك لم يتجاوز وا الـ100 الف نسمة وحي البوستة يتوسط منطقة ام درمان المكون من السوق وسوق القش وسوق الموية وزريبة الفحم ونادي الهلال ومن اعرق سكان المنطقة حسن عوض الله ومبارك زروق وعبدالنور والمشرف والجندي وابو العلا وعلي احمد طه بدا حياته التعليمية بالخلوة ثم مدرسة الكتيابي ثم حي العرب الاولية و والعباسية الوسطي ثم الفلاح ونظرا لانشغاله بالعمل الرياضي لم يستطع اكمال دراسته اذ وجد فرصة لدراسة الطب ببلغاريا والمانيا الشرقية ونال دراسات بمعهد الدراسات الاضافية جامعة الخرطوم
ولد عبد الخالق محجوب في حي المكي بمدينة أمدرمان السودانية. إحدى مدن العاصمة السودانية المسماة بالمثلثة (الخرطوم والخرطوم بحري وأمدرمان)، والعاصمة الوطنية لدولة المهدية، واحد معاقل الحركة الوطنية والثقافية، في 23 سبتمبر عام 1927، في أسرة كبيرة ترجع بأصولها إلى قبيلة الشايقية، التي انطلقت عناصر واسر كثيرة منها، من مركزها بالمديرية الشمالية في أقصى شمال السودان، لتنتشر وتستقر في العديد من مدن ومناطق السودان.
وقد اسماه والده، محجوب عثمان، باسم عبد الخالق تيمنا بأحد المآمير المصريين، عبد الخالق حسن حسين. وقد كان هذا المأمور عاملا بالسودان في تلك الفترة، وكان متعاطفا ومتضامنا مع الحركة الوطنية السودانية الناهضة قبلها، والتي وجدت التمثيل الأكثر وضوحا لها في ثورة 1924 بقيادة جمعية اللواء الأبيض.
ولد عبد الخالق في فترة شهدت فيها الحركة الوطنية انكفاءة كبيرة، وذلك بعد هزيمة ثورة 1924م، واعتقال واستشهاد قادتها، وتحطيم تنظيمها الأساسي، حركة اللواء الأبيض، واتجاه الإدارة الإنجليزية للتعاون مع الفئات الطائفية والقيادات القبلية، وفي نفس الوقت التضييق على المثقفين والطبقة الوسطى، وقد حكي عبد الخالق جزءا من ذلك، في الجزء الأول من كتاب لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني.
بنفس القدر فقد ازدهرت وقتها الحركة الأدبية والثقافية، حيث شهدت تلك الفترة اسهامات حمزة الملك طمبل الشعرية والتنظيرية، كما أشعار التيجاني يوسف بشير الرومانسية، وكتابات معاوية محمد نور النقدية، وتكللت ببروز مجلة (الفجر) التجديدية القومية لعرفات محمد عبد الله في منتصف الثلاثينات، والتي اقتبس منها عبد الخالق فيما بعد اسم مجلة (الفجر الجديد) التي كان يصدرها ويرأس تحريرها في الخمسينات والستينات.
نشأ عبد الخالق في منزل وطني ومدينة وطنية، حيث كان والده من مؤيدي ثورة عام 1924، وقد انخرط معظم أشقائه في النشاط السياسي، وكان من بينهم شقيقه الأكبر عثمان، الذي كان من النشطين في التنظيم الشيوعي السوداني حتى انقسام عام 1952، وتأييده لجناح عوض عبد الرازق، ثم اعتزاله العمل السياسي فيما بعد.
كما كان شقيقاه الأصغر علي ومحمد من النشطين في الحزب الشيوعي، وكان محمد الذي انضم للقوات المسلحة من المساهمين في عدة انقلابات عسكرية، كان أولها في عام 1959، وقد وصل محمد محجوب إلى موقع عضو اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي السوداني.
كما احتفظ عبد الخالق بعلاقات طيبة وتقدمية مع أخواته والعناصر النسائية من الأسرة، تشهد عليها مراسلات له ومخاطبات عديدة، وقد يكون جزء من تقدمية عبد الخالق في المسألة الاجتماعية غير توجهه الفكري اللاحق، علاقته القريبة بجدته آمنة بت علي التي كانت تسكن حي العرب بامدرمان التي كان عبد الخالق يقضي جل نهاية الأسبوع معها.
لا ريب أن ولادة عبد الخالق محجوب وترعرعه في مدينة ام درمان، بما فيها من تراث مهدوي أنصاري من جهة، وما فيها من تراث حركة اللواء الأبيض وثورة 1924 من جهة ثانية، قد كان له دور كبير في إشعال روحه الوطنية منذ الصبا المبكر، هذه الروح التي ستقوده في ما بعد إلى خياراته الفكرية والسياسية التي اختارها.
درس عبد الخالق أول مراحله التعليمية، كأغلب الأطفال في حيه، في خلوة إسماعيل الولي التابعة للطريقة الإسماعيلية، حيث حفظ بعض القرآن وتعلم مبادئ اللغة العربية. وكان إضافة لتجربة الخلوة، من التجارب الروحية والاجتماعية للطفل عبد الخالق، هناك حلقات الذكر الاسبوعية لرجال الطائفة الإسماعيلية التي كانت تقام كل خميس، بما فيها من طبول وإيقاعات وصور روحية، تتضخم في الاحتفال السنوي بحولية إسماعيل الولي.
كما كانت هناك احتفالات المولد النبوي بجامع الخليفة عبد الله، القائد الثاني للثورة المهدية، وهي الثورة التي ترك ارثها ولا يزال يترك، ظلاله الثقيلة على مدينة أم درمان. وقد خلَّد عبد الخالق سيرة خليفتها عبد الله في مقال له بمجلة (الفجر الجديد).. كان مخالفا لأغلب رموز المدرسة اليسارية والعلمانية في تقييمها للرجل، والذي اعتبره عبد الخالق قائدا وطنيا وثوريا، في المحصلة النهائية.
تحول الطفل عبد الخالق بعد تجربة الخلوة إلى التعليم النظامي، حيث درس المرحلة الأساسية في مدرسة الهداية الأولية، وهي من مدارس التعليم الأهلي المنتشر حينها التي أسسها الشيخ طاهر الشبلي، ثم درس المرحلة الوسطى بمدرسة أمدرمان الوسطى المعروفة باسم المدرسة الأميرية.
إن هناك العديد من الروايات، حول تفوق عبد الخالق محجوب في الدراسة والتحصيل منذ بداية مسيرته التعليمية. وقد تلاحظ تأثير مرحلة الخلوة والتراث الديني عموما، في لغة عبد الخالق الأدبية، والتي تزخر بالكثير من الاقتباسات والتعبيرات ذات الصلة بالتراث الإسلامي، كما هناك شهادات على تفوقه في مختلف العلوم التي حصلها في تلك المراحل، والتي نذكر منها الشهادتين التاليتين:
الشهادة الأولى نجدها في تعليق أُستاذه لمادة الإنشاء، في العام 1941، وعمره حينها 14 عاما، حيث تنبأ له بمستقبل أدبي كبير، وبدور عظيم في حياة البلاد. تجلى هذا في احتفاظ هذا الأُستاذ بكراسة الإنشاء للتلميذ عبد الخالق لسنين طويلة حتى أظهرها للعلن أثناء التحضير للاحتفالات بالعيد الأربعين للحزب الشيوعي السوداني في الأعوام 1986 -1988م.
أما الشهادة الثانية فقد سجلها أستاذ الأدب واللغة الإنجليزية كرايتون، الذي أعلن في المرحلة الثانوية لدراسة عبد الخالق، إن عبد الخالق قد تمكن من الإحاطة بالأدب الإنجليزي واللغة الإنجليزية بالشكل الذي يؤهله لتدريسهما. وقد سأل كرايتون فيما بعد عن عبد الخالق، وانفعل كثيرا عندما سمع بنبأ إعدامه، وكان مما قال حسب الرواية: «ألم يكن من الأجدر الإبقاء على حياة رجل في قامة عبد الخالق وعلمه و فكره الثاقب لدفع عجلة التطوير فى بلدكم»؟
ويبدو ان عبد الخالق كان له تأثير مدهش على من حوله، ومن ذلك ذكر أساتذته له بالخير والتقريظ، ومن بينهم من تم ذكرهم أعلاه، ويذكر محمد محجوب في شهادته كذلك الأساتذة أحمد محمد صالح و بشير عبادي وخالد موسى و أمين زيدان والطيب شبيكة و الصائم محمد إبراهيم، وكذلك أستاذ ومؤلف كتب التاريخ عن السودان هولت.
ويلخص محمد محجوب عثمان بعضا من الشهادات عن تفوق عبد الخالق الدراسي حيث يقول: «وعلى ذكر تفوقه الأكاديمي وسعة اطلاعه، لا بأس من الإشارة الى أن عبد الخالق بعد إكمال المرحلة الثانوية، جلس لامتحان شهادة كمبردج فى سنة 1945 وأحرز درجة الامتياز في كل المواد التي أداها وهى اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية والكيمياء والفيزياء والأحياء والجغرافيا والتاريخ»
ولد بمدينة الدويم (17 مايو 1908)، ونشأ في كنف خاله محمد عبدالحليم، وكان جده لامه عبدالحليم مساعد، الساعد الايمن لاحد ابرز قواد الحركة المهدية عبدالرحمن النجومي.. وقد استشهدا معا في واقعة توشكي.
دخل الخلوة فالكتاب بالدويم ثم تدرج منها الى مدرسة أم درمان الوسطي واكمل تعليمه بكلية غردون التذكارية حيث تخرج منها مهندسا (1929م) ولم يكن ينقطع عن القرية طوال سني دراسته، ويفلح الارض.. ويجهد نفسه في ذلك حتى لا يسخر منه اقرانه الريفيون كما اورد في كتابه «موت دنيا».
التحق بمصلحة الاشغال مهندساً عقب تخرجه مباشرة براتب قدره 13 جنيها شهرياً وعمل بمدينة الخرطوم، وهو وان اوضح ملف خدمته مهارته ودقته في العمل وثناء رؤسائه عليه كمهندس، الا انه لم يشعر انه كان يحقق ذاته في هذا المجال، وملاحاته «لابن خاله عبدالحليم محمد» كطبيب تنبئ ان استعداده الفطري كان يشده للدراسات الانسانية وللجانب الادبي منها على وجه ادق. فقد برز كشاعر وكاتب ثم سياسي بعد ذلك.
دفعه هاجس الدراسات الانسانية الى تغيير مسار حياته العملية عندما التحق بكلية القانون عند انشائها (1936م) وتخرج منها وزملاؤه الاقلاء كأول دفعة (1938).. والتحق بالقضاء وظل به الى عام (1946) وتركه للمحاماة حتى يستطيع ان يعمل في حرية اوسع بالسياسة التي هي الركيزة الثانية في حياة المحجوب.
حثه علي ترك القضاء انعطافه للتبشير باراء «مؤتمر الخريجين» التي كانت لا تنى تطالب الانجليز بالحقوق الاساسية للسودانيين وكانت تجربته كقاض في شندي 1943م ثم عطبرة والابيض تنم عن عسير المزاوجة بين القضاء ورفع لواء «المؤتمر» فانحاز للمؤتمر.
نصع المحجوب كسياسي في فترة الاستقلال (زعيم معارضة، ووزير خارجية ثم رئيسا للوزراء عن حزب الامة) غير انه يبدو ان الحقبة الممتدة من (1927 الى 1937).. كانت من أهم فترات حياته اذ تبلورت فيها شخصيته الادبية والفكرية وتحددت فيها معالم آرائه السياسية وشهدت هذه الفترة كتاباته الثرة في شتيت ضروب الادب، والاجتماع والجمال والسياسة.
بدأ الكتابة في «حضارة السودان».. (1927) وتوالى هذا في مجلة «النهضة» عام (1931م) ثم صارت كتاباته اكثر نضوجاً وتنوعا في مجلة الفجر (32 ـ 1937) والنظرة العجلى لهذه المقالات توضح ان جلها كان يحتقب: الادب، علم الجمال، الاجتماع فالسياسة، ومعظم هذه المقالات ظهرت في شكل كتب في فترة لاحقة..
قد تتباين آراء الاجيال المتلاحقة في تقويم تلك المقالات، لكن لامراء انها تضعه في طليعة كتاب عصره، تقرنه بمذهب العقاد التجديدي في الادب وتشهد له بالنظرة المستقبلية الثاقبة.. أهم من ذلك انها تظهر اعتداده المبكر بالنفس واستقلاله بالرأى، ولعل جنوحه السياسي لاستقلال السودان (بازاء فكرة الاتحاد مع مصر) يرجع جزئيا لاستقلاله هو بالرأى في هذه الفترة من حياته.
لايبدو ان منصب وزير الخارجية الذي تقلده لاول مرة (1956) كان غريبا على المحجوب، ولا هو يغريب علي الباحث في سيرته، فقد كان في وفد الجبهة الاستقلاقية الذي اتجه للامم المتحدة (1946) يدعو لاستقلال السودان.. ثم هو بعد ذلك في لندن يكون «رابطة عصبة الشعوب الملونة» (46 ـ 1947) مع كوامي نكروما وجومو كنياتا، ولفيف من الملونين من جنوب افريقيا وجزر الهند الغربية.
حياة المحجوب السياسية مثيرة للجدل، على كل حال، وذلك لحدة المواضيع التي كانت تطرأ علي الخارطة السياسية للسودان، ولالتباس المحجوب كسياس بتلك الموضوعات قبل أو بعد استقلال السودان. سواء تمثل ذلك في دخوله الجمعية التشريعية ثم استقالته منها (1950) عندما رأى عدم جدواها، أو التباسه بالمواضيع الملتهبة التي كانت تنتسج السودان ومن ثم البرلمانات التي تعاقبت بعد الاستقلال كقضية الجنوب، ثورة اكتوبر 1964م، اشكال طرد نواب الحزب الشيوعي، الدستور الاسلامي، انشقاق حزب الأمة، وخلاف ذلك مما اورث التوتر الذي تتباين حوله الآراء لكن لا مشاحة ان له ادواره السياسية التي سترتبط باسمه الى ان يفني الزمن كمخاطبته الامم المتحدة بتكليف من العرب قاطبة بعد عدواني (1956 ـ 1967) وانعقاد مؤتمر القمة العربي صاحب اللاءات الثلاث بالخرطوم ابان توليه رئاسة الوزراء.. (1967م) واجتماع الملك فيصل والرئيس جمال عبدالناصر في منزله (اغسطس 1967م).. وما تمخض عن ذلك من حل مشكلة اليمن الشمالي، ومسعاه البين عند اندلاع الحرب الاهلية النيجيرية والتي انتهت باعادة توحيد نيجيريا كما كان يأمل.. وقد شهدت له أروقة الامم المتحدة ومنظمة الدول الافريقية في هذا وذاك بارع الدبلوماسية، والاجادة المذهلة للغتين العربية والانجليزية..
ما ذكر آنفاً عن الاعتلاق السياسي، لا ينبغي ان يطغي على الذات الشاعرة في المحجوب الذي استهواه الجمال، فوهب الجمال دواوينه «قلب وتجارب». مسبحتي ودني «الفردوس المفقود» والديوان الاخير الذي اثارت فيه ذكريات الاندلس كامن اشجانه، عندما زار اسبانيا يبرز المنهاج الذي كان عليه المحجوب طيلة عمره التيار الاسلامي العربي الذي كانت تنبثق عنه جميع اعماله ومواقفه.
وقد كان يرتاد آفاق المستقبل بحس شعرى ثاقب بلغ مداه في بيته.
هذا زمانك يامهازل فامرحي
قد عد كلب الصيد في الفرسان
اذ بلغت المهازل قمة مرحها عندما اعتقلته كلاب الصيد وسجن في فترة الدكتاتورية الاولى (58 ـ 1964) وعاودته كلاب الصيد في فترة الدكتاتورية الثانية (69 ـ 1985).. وحددت اقامته في منزله تحديدا منع معه من تشييع جثمان صديقه وغريمه السياسي الرئيس اسماعيل الازهري.. اكره علي المنفي في انجلترا.. ورجعت النفس المطمئنة الى بارئها (الثلاثاء 22/6/1976م).
اعماله الفكرية والادبية:
قدم عنه الباحث «كمال الدين محمد».. رسالة ما جستير بعنوان «محمد أحمد محجوب، اديباَ» اجازتها جامعه الازهر (1982م).. وكذلك «محمد عمر موسى علي» رسالة دبلوم بعنوان «محمد أحمد محجوب: لمحات من حياته السياسية» معهد الدراسات الافريقية، جامعة الخرطوم (ابريل 1983م» غير ان انتاجه الفكري والادبي مازال بحاجة للدراسة المتأنية الشاملة.
اما اعماله التي صدرت:
أ) الاعمال الفكرية:
1/ الحركة الفكرية في السودان الى اين تتجه؟.... الخرطوم 1941م.
2/ الحكومة المحلية في السودان.. القاهرة 1945م.
3/ موت دنيا (بالاشتراك مع عبدالحليم محمد)... القاهرة 1946م.
4/ نحو الغد.... الخرطوم 1970م.
5/ وظهرت له باللغة الانجليزية: DEMOCRACY ON TRIAL
(الديمقراطية تحت المحاكمة) لندن 1974م.
ب) دواوين شعر:
1/ قصة قلب .... بيروت 1961م.
2/ (قلب وتجارب)... بيروت 1964م.
3/ (الفردوس المفقود)... بيروت 1969م.
4/ مسبحتي ودني.... القاهرة 1972م.
ج) هذا عدا المقالات والخطب المتعددة داخل البرلمانات السودانية المتعاقبة أو في اروقة الامم المتحدة ومنظمة الدول الافريقية..
برز نجم اللاعب الفذ سامي عز الدين من خلال الدورة المدرسية موسم 76/1977م وكان ذلك بعد عودة الاندية من الرياضة الجماهيرية والتي شهدت فترتها هجرة عدد من نجوم الاندية إلى الخارج واعتزال البعض للكرة.
نادي المريخ رصد الفقيد من خلال الدورة المدرسية وكان وقتئذ لاعباً في فريق جزيرة الفيل بود مدني ثم انتقل منه للمريخ واستطاع من خلاله ان يشق طريقه إلى سماوات المجد والشهرة.
في دوري عام 1977م أول أهداف سامي أمام فريق ود نوباوي
في دوري عام 1977م وفي نفس العام الذي انتقل فيه للمريخ - افتتح سامي رحلة اهدافه الطويلة في الداخل والخارج امام فريق ود نوباوي وكان ذلك بتاريخ 5/5/1977م وانتهت المباراة لصالح المريخ 5/صفر احرز اهداف المريخ في تلك المباراة كل من سامي عز الدين -والجيو وسالم وحموري وكمال عبد الوهاب.
سامي نجماً بارزاً في سماء دوري السودان في عام انتقاله للمريخ
في عام 1977م نفسه وفي مشوار كأس السودان برز سامي بروزاً مشرفاً واستطاع ان يحسم عددا من المباريات هدافا لها بجانب صناعته لعدد من الاهداف في تلك المباريات نذكر من تلك المباريات - المريخ - امام مريخ الفاشر يوم 25/5/1977م بمدينة الفاشر وانتهت المباراة 2/صفر وكان الهدفان من نصيب سامي عز الدين وفي الفاشر نفسها التقى بهلال الفاشر يوم 28/5/1977م وانتهت المباراة لصالح المريخ 5/صفر وجاءت الاهداف على نحو «2» زيكو وهدف لكل من كمال عبد الوهاب وسامي وسالم والاخير انتقل من مريخ الابيض للمريخ في نفس العام.
وفي نيالا - لعب المريخ امام مريخها في دوري السودان وواصل سامي رحلة تألقه الأولى مع المريخ وكان ذلك يوم 19/5/1977م وفاز المريخ 3/صفر واحرز الاهداف كل من سامي وسالم وبشارة.
وانتقل المريخ إلى كوستي ليلاقي هلالها وينتصر عليه «7»صفر وكان ذلك يوم 4/6/1977م واحرز الاهداف كل من حموري «3» اهداف وسامي هدفين ولعبده الشيخ هدفين.
أول هدف لسامي امام الموردة
فريق الموردة احد اضلاع المثلث التاريخي - مريخ - هلال - موردة- وكانت افتتاحية اهداف سامي - امام الموردة يوم 24/8/1977م لصالح المريخ 2/1 وكان الهدفين من نصيب سامي وحموري وكان ذلك في كأس رمضان وفي نفس المنافسة التقى المريخ بالاهلي يوم 8/9/1977م واحرز هدفي المريخ سامي.
أول اهداف سامي في شباك الهلال (جوبا مالك علي(
بمناسبة افتتاح جامعة «جوبا» اقيمت مباراة بين المريخ والهلال بمدينة جوبا يوم 6/10/1977م- وكان الهلال وقتئذ في اوج سطوعه ويضم عددا من النجوم البارزين في الساحة السودانية الدحيش وعلي قاقارين ومحمد حسين كسلا وغيرهم بينما كان المريخ في طور التجريب لعدد من نجومه الجدد واولهم سامي عز الدين وكانت كل التكهنات تتجه لفوز الهلال.
قاد الامبراطور الراحل حسن ابو العائلة بعثة المريخ إلى جوبا بحنكته الإدارية المعروفة بجانب الاديب الاريب الشاعر د.عمر محمود خالد والذي تخرج في كلية الطب في نفس العام وكان طبيباً مرافقاً لبعثة المريخ - الاول «ابو العائلة» بصرامته في حسم الامور ووضعها في نصابها الصحيح والثاني- برقته وشفافيته وشاعريته التي كانت تطغى في الساحة الجامعية على انداده الشعراء وفي ذلك الوقت اشتهر برائعته «يا سيدة لا» ولا ننسي ايضا ان د. الفاتح عز الدين - عضو مجلس إدارة المريخ السابق مرافقا لبعثة المريخ كما انه مؤخرا رافق المريخ في رحلة عودته ببطولة «مانديلا» - بجانب عدد من الإداريين.
لعب المريخ امام الهلال في جوبا كما لم يلعب من قبل وانتصر عليه بهدف سامي الشهير- والذي تغنى له الادباء والشعراء وعلى رأسهم د.عمر محمود خالد والاديب المريخي الراحل صالح بانقا صالح «ابن البان» والاخير كتب لهذه المناسبة مقالا بعنوان - «الكأس والانناس يا ناس» كان له دويا هائلا في الوسط المريخي ومن هذه المباراة انطلقت شهرة اللاعب الفذ سامي عز الدين وكان اسمه إلى يوم رحيله انشودة عذبة في شفاه المريخاب.. وبالتالي فان افتتاحية المريخ بالهلال في رحلة كأساته المحمولة جوا كان فالاً حسناً له في احراز البطولات الخارجية التي لم يحظى غيره بها في البلاد.
جماهير المريخ اتخذت اغنية - جوبا مالك علي - شعارا لهتافاتها في المباريات كلما كان الهلال طرفا فيها كما انها اي الاغنية اكتسبت صدى واسعا في الاواسط الرياضية بجانب الفنية بعد هذه المباراة التاريخية.
سامي نجم كل الرحلات الخارجية
شارك فقيد المريخ وكابتنه الراحل في عدد كبير من المباريات التي خاضها المريخ خارج ارضه وكالعادة كان سامي ساميا في العطاء وشديدا في اصابة الشباك بالاهداف التي لا تنسي وتحدث جميعها عن تاريخ ناصع لا ينساه الناس كل الناس .
وفي ما يلي تفاصيل المباريات التي خاضها المريخ وسجل سامي حضورا بارزا فيها :
السكة حديد مصر - انتصر عليه المريخ 2/صفر يوم 31/5/1979م - وهدف لكل من سامي عز الدين وحموري.
الافريقي التونسي - تعادل مع المريخ 2/2 في اليوبيل الذهبي - احرز للمريخ - سامي وسليمان عبد القادر تاريخ اللقاء يوم 7/3/1978م.
الشباب التنزاني - انتصر عليه المريخ 4/2 بضربات من نقطة الجزاء في نهائيات سيكافا 1986م بدار السلام يوم 25/1/1986م - الاهداف جمال ابوعنجة + سامي عز الدين + عادل امين + عاطف القوز وعاد بكأس البطولة.
كانون الكاميروني :- انتصر عليه المريخ 2/1 يوم 28/5/1978م وهدف لكل من سامي وحموري.
وقد الصومالي :- انتصر عليه المريخ 5/1 في منافسات سيكافا 86- بموانزا - الاهداف كل من :- عادل امين + ابوعنجة + سليمان مكين+ سامي عز الدين + ابراهومة المسعودية.
الخفافيش اليوغندي :- انتصر عليه المريخ بكمبالا - 2/صفر - سامي عز الدين وعصام الدحيش.
بطلا ملاوي :- انتصر عليه المريخ 4/صفر يوم 16/4/1978م الاهداف كمال عبد الوهاب + حموري + سامي + عمار
رحلة الوداد الشهيرة
في عام 1978م سجل المريخ زيارة إلى دولة المغرب ولعب المريخ امام كل من الوداد المغربي والمولودية - كانت الاولي امام المولودية وانتصر فيها المريخ 2/1 واحرز للمريخ كل من سامي عز الدين ودكتور الكرة السودانية كمال عبد الوهاب وكان المريخ قد قدم عرضا مذهلا اخذ بالباب الاخوة المغاربة كما ان اللاعب الفذ سامي كان حديث الجماهير فما ترتب على ذلك تدفق الجالية السودانية من الطلاب الذين جاءوا خصيصا لمشاهدة المريخ امام الوداد المغربي ذائع الصيت والذي يضم في صفوفه عددا من المحترفين ولعب المريخ مباراة «مودع» امام فطاحلة الوداد والدول المجاورة واستطاع ان يهز الارض بالطول والعرض وكانت هذه المباراة بتاريخ 29/8/1978م وانتصر المريخ 3/2.
افتتح سامي الاهداف الثلاثة واحرز عبده الشيخ وعمارهدفا لكل منهما.
سوشو الفرنسي + اهلي دبي + الاهلي اليمني + النصر الليبي وسامي عز الدين!!
الاول سوشو الفرنسي وقد انتصر عليه المريخ 6/صفر بتاريخ 18/1/1981م واحرز سامي عز الدين في شباكه ثلاثة اهداف بينما احرز عطا ابو القسم هدفين وهدف لفتحي فرج الله.
الثاني - اهلي دبي وانتصر عليه المريخ 3/1 يوم 29/10/1980م احرز الاهداف سامي عز الدين - عمار وعطا ابو القسم.
والثالث الاهلي اليمني - «باليمن» - وانتصر عليه المريخ 3/صفر واحرز الاهداف سيكا وسامي عز الدين وعادل امين.
والرابع :- النصر الليبي وانتصر عليه المريخ 3/صفر يوم 5/6/1978م ولسامي هدفين وهدف لعبده الشيخ.
الباقي دقيقة سامي بجيبا!! واو... يا جوبا!!
اروع اهداف سامي عزالدين والذي أخذ شهرة داوية - هدفه في شباك - اسلافا التشكي في اليوبيل الذهبي للمريخ في المباراة التي جمعت الضيوف بالمريخ يوم 15/1/1978م - وكانت هذه المباراة الثانية للضيوف امام المريخ في نفس المناسبة حيث انتهت الأولى لصالح المريخ 2/1 وكانت المباراة الثانية بمثابة تحدي للضيوف الذين كانوا قد التقوا بفريق ليفربول الشهير قبل حضورهم لمشاركة المريخ في يوبيله الذهبي وانتصر عليهم 2/صفر وحز في نفوسهم ان يخسروا امام المريخ مباراتهم الأولى فطلبوا امامه مباراة ثأرية- وكان المريخ هو الاخر امام تحدٍ كبير هو ان لا يخسر مباراته في اليوبيل الذهبي واستطاع ان يحافظ على ذلك - مما اكسب المباراة روح الحماس والتحدي فكان اللقاء الذي جمع بينهما - استطاع الضيوف ان يفرضوا سيطرتهم الكاملة في الشوط الاول وبرزوا بروزا اذهل الحضور حتى ان احد الاصدقاء قد اسر لي ونحن نشاهد هذه المباراة بأنه ماكان يتمنى ان يعيش ليشاهد المريخ في هذا الوضع الحرج في يوبيله الذهبي.
استطاع الضيوف ان يعززوا سيطرتهم بهدف جميل زاد من هلع جماهير المريخ الذين كانوا يلزمون الصمت «كأن علي رؤوسهم الطير»- وبينما الجميع في هذا الصمت الرهيب تقدم احد المهاجمين من فريق اسلافا وسدد كرة مرت بقليل جدا في الجهة الشمالية وهناك تخيل احد الاخوة الهلالاب ان الكرة في طريقها للشباك فصاح بأعلي صوته «واو» فاجابه صديقي المريخابي المزنوق «واو يا جوبا!!» انتهى الشوط الاول واحدث المريخ بعض التغييرات في صفوفه ولعب «سامي» في المقدمة واستطاع المريخ ان يبادل الضيوف العرض والسيطرة حتى تبقت للمباراة دقيقة واحدة من نهايتها والنتيجة لصالح الضيوف بهدف وهنا من كرة معكوسة ووسط كماشة من دفاع الضيوف - انخرط سامي واودع الكرة في الشباك براسية ايقظت نشوة جماهير المريخ التي بدأت تصيح بهستيريا وهتاف تلقائي - الباقي دقيقة وسامي بجيبا- واستطاع المريخ ان يحافظ على يوبيله الذهبي دون هزيمة على الرغم من الفرق الخارجية القوية التي شاركت المريخ في تلك المناسبة العظيمة وهي فرق الوداد المغربي - الافريقي التونسي- والزمالك والسكة حديد من مصر- وعدد كبير من الفرق المحلية.
هدف غال في شباك الاهلي السعودي
في ارضه 2/1 وسامي يحرز هدف الفوز
في مباراة تاريخية التقى المريخ بالاهلي السعودي في عقر داره واستطاع ان يلحق به الهزيمة 2/1 - كان ذلك بتاريخ 1/9/1983م - وقد منعت السلطات السعودية من دخول مدرب المريخ الاجنبي إلى الاراضي السعودية ليشرف على المباراة مساعد المدرب محمد عثمان «دقنو» ويحقق ذلك الانتصار التاريخي وقد تمكن مدفعجي المريخ «عاطف القوز» ان يحرز الهدف الاول بينما رجح كفة المريخ بالهدف الثاني اللاعب الاسطوري سامي عز الدين وقد سعدت الجالية السودانية بالعرض الرائع والنتيجة التي خرج بها المريخ في هذه المباراة والفوز الباهر الذي حققه على احد اعمدة الكرة السعودية كما ان نتيجة هذه المباراة كانت سببا في هروب الاندية السعودية من لقاء المريخ في تلك الزيارة - ولم يجد المريخ بدا من ان يسافر إلى حائل ويهزم فريق «الجبلين» 2/صفر وكان الهدفان من نصيب سامي وسانتو.
رقم قياسي من الاهداف لسامي
بلغت جملة الاهداف التي احرزها اللاعب الاسطورة سامي عز الدين في كل مبارياته التي خاضها مع المريخ داخليا وخارجيا - تنافسيا- ووديا «85» هدفا وقد بدأت رحلة الاهداف من ود نوباوي وانتهت بالموردة.
وهذا الرقم القياسي من الاهداف جاء من لاعب وسط صانع العاب له الفضل الكبير في كل الاهداف التي احرزها زملاؤه والتي هي بعدد النجوم لا تحصى ولا تعد!!
وداع جميل للسنة الاولى مع المريخ
ودع كابتن سامي عز الدين عام تسجيله للمريخ والذي كان 1977م - وهو في اوج المجد وقمة الشهرة - وبلغ عدد اهدافه في مباريات المريخ «11» هدفا - بجانب صناعته لعدد من الاهداف كصانع اهداف بارع لا يشق له غبار وكان آخر اهدافه في هذا العام امام فريق العامل في مباراته امام المريخ في اليوبيل الذهبي وانتهت المباراة لصالح المريـــخ 3/1 باستاده يوم 27/11/1977م حــــيث افتتح الاهداف الثلاثة بينما احرز عبده الشــيخ وسالم هدف لكل منهما.
اخر اهداف سامي قبل اعتزاله في شباك الموردة باستاد الخرطوم
رحلة سامي مع الاهداف اختتمت بشباك الموردة يوم 19/8/1990م وكان المريخ قد انتصر في هذه المباراة 1/صفر ونال الهدف سامي عز الدين
في شهر فبراير 1974 رحلت الفنانة عائشة الفلاتية التي كانت تعتبر بحق الفنانة الأولى في السودان واسمها الحقيقي عائشة موسى أحمد. اشتهرت عائشة الفلاتية في مجال الغناء وزاد لمعانا مع مرور الأيام فقد كانت ذات طابع خاص وأسلوب معين وطريقة مستحبة في الأداء والتنغيم والتعبير أيضا والفنانة عائشة الفلاتية كانت تكرر دائما بأنها لم تفكر في يوم الأيام الاشتغال بالفن فقد كانت تغني بعد أن ظهرت موهبتها في بساطة وتفيض حيوية وعذوبة وأسلوب بسيط وصوت رنان جذب حوله الكثير من المعجبين ولهذا فقد جرفها تيار الفن إلى دنيا الاحتراف لتجد مكانها الطبيعي في دنيا الغناء والطرب ولدت في امدرمان عام 1922 وكان والدها قد حضر إلى السودان وهو صغير مع أقاربه من نيجيريا بغرض التجارة واستقر فيه وتزوج فيه وانجب بنتين وعائشة واستقر في السودان وكانت عائشة مولعة منذ الصغر بالغناء وقد استلهمت من الغناء الخفيف المصادر الأولى لفنها الذي كان يعرف بالتمتم فحفظت عدة أغنيات تجلت في أدائها وابتداء اسمها يلمع وصوتها ينتشر بسرعة وكانت في ذلك الوقت حريصة علي أن تغني للأهل والأصدقاء في المناسبات الخاصة فكان من الطبيعي أن تحوز علي إعجاب كل من استمع إليها وكانت تستمع للاغاني الفنان احمد المصطفي وحسن عطية وسرور من الراديو وتمنت من صميم قلبها أن تكون مثلهم وتغني في الإذاعة وإذا بحلم الفتاة يتحقق فقد سمع عنها الأستاذ حسين طه زكي مراقب الإذاعة في ذلك الوقت فاثني عليها ووافق علي تقديمها للمستمعين ليستمتعوا بهذا الصوت وهكذا غنت عائشة لأول مرة في الإذاعة أغنية البلال تزورني وبعد النجاح الهائل والرسائل التي انهالت علي الإذاعة من المستمعين اطمأنت عائشة لمستقبلها الفني كفنانة وزادت معنوياتها وشقت طريقها بثقة وكانت سعيدة جدا عندما تقاضت مبلغ خمسة جنيهات كأجر لها من الإذاعة ففرحت واشترت خروفا وأقامت حفلا لأقاربها وأصدقائها ابتهاجا بهذه المناسبة تزوجت عائشة في بداية حياتها من شاب وعاشا معا فترة طويلة وأنجبت ولدا إلا أن زواجها لم يكتب له النجاح وعاشت مزعزعه وقلقة في تلك الفترة ولكن سرعان ما استعادة الأمل واستمرت في الانطلاق نحو رسالتها الفنية وعادت تغني وقفزت للقمة عندما غنت للجنود البواسل بالميدان تسال الله أن يعيدهم منتصرين وهكذا لاقت أغنية يجوا عايدين نجاحا منقطع النظير ولا تزال هذه الأغنية تحتل مكانة كبيرة في نفوسنا وبعد ذلك واصلت نشاطها وازدادت محبة وإعجاب لدي المستمعين وخاصة عندما غنت الأغاني القديمة التي تتجلى فيها الروح السودانية الأصيلة وكان من الطبيعي أن يهتم بها الشعراء والملحنون وهكذا غنت للشاعر عبدالرحمن الريح وللشاعر علي محمود وعبدالمنعم عبد الحي ولفت صوت عائشة المطرب احمد عبدالرازق حيث أحس في صوت عائشة تعبيرات مؤثرة أوحت إليه بإمكانية استغلال هذا الصوت في عمل فني مشترك وهكذا تعاون معها في وضع لحنين لأغنيتين شاركا فيهما بالأداء وكانتا بلا شك من الأعمال الجيدة لفتت أنظار المعجبين إليهما كانت الأغنية الأولى الريدة والثانية يا جافي حرام وهكذا تألق نجم الفنانة عائشة الفلاتية وابتسمت لها الحياة وتغلغل فنها في نفوس المستمعين وفي مجال المناسبات الموسمية كانت لا تمر مناسبة تحتفل بها الدولة إلا وكانت في مقدمة المشاركين وفي مناسبات رسمية كثيرة كانت ضمن البعثات وفي احتفال نيجيريا بعيدها القومي وجهت لها دعوة شخصية عن طريق وزارة الإعلام نظرا للمكانة الكبيرة التي تحتلها في نفوس الشعب النيجيري وكانت تحفظ بعض الأغاني بلهجة قبائل نيجيريا وتغنيها لهم علي طريقة الألحان السودانية فلاقت استحسانا وقبولا كبيرا ولعائشة الفلاتية الآن ما يقارب ستين أغنية كما لها بعض التسجيلات في إذاعة ام درمان ولندن والكويت والسعودية وأثيوبيا والصومال وقد سجل بريد المستمعين اكثرا من مرة رقما كبيرا لأغانيها الناجحة ومن اشهرها المودة ـ سافر حبيب الروح ـ البرتقال ـ الممنوع وصاله ولم يقتصر نشاطها علي الأغنية العاطفية فغنت للعيد ورمضان وأنشدت الأغاني الدينية ولم تترك مناسبة وطنية إلا وشاركت فيها بحماس ومن بينها نشيد يا بلادي وشعب السودان يا بطل وأغنية بلادي حلوة عائشة الفلاتية تربعت عن جدارة علي عرش الغناء في السودان طيلة ما يقرب ثلاثين عاما وتركت وراءها ثروة فنية لا يستهان بها تؤكد أصالتها الفنية وإخلاصها لفنها. المصدر:http://www.mugran.com/omdur/board//archive/index.php/t-8016
هذا الإنسان، وحيد زمانه، ووحيد أبويه، هو من صاغ ألحان ربما تسعين بالمائة من الأعمال الغنائية مما يطلقون عليه "غناء الحقيبة" فى فترة قياسية إن بحساب الزمن أو مقدار الجهد العبقرى، إبتداء من عشرينيات القرن العشرين حتى العام السابع والأربعين منه، لم يغلب الكم على الكيف، بل كان كل عمل يأتى أشد تجويدا من سابقه
ولكن حين يسمع الناس إسم "كرومة" حالا ما تحلق أطيار الطرب فى سماء الغناء السودانى، إختصر الناس ذلك الإسم الثلاثى ليصبح "كرومة"، وأعتقد أن اللقب ربما كان مقصودا به "كرومر" ذلك المعتمد البريطانى ذائع الصيت فى بداية القرن العشرين فى مصر والسودان، أو ربما يكون قد أتى تحببا أو "إسم دلع" كما يقال. وحين يقال "كرومة" تخضر ساحات الفن وتأخذ أبعادها اللامرئية، هذا الإنسان البسيط والذى لم يتلق درسا واحدا فى الموسيقى والتأليف الموسيقى بكل شعابه ودواخله، لكنه صاغ عبقريات ليست كغيرها، كانت مطيته لذلك، حسه الفطرى ووموهبته الفذة فى صياغة الألحان وعشقه للفن والغناء
وقد ذكر أنه حين تخير الموسيقيون الكوريون فى معهد الموسيقى رائعة مصطفى بطران "دمعة الشوق" أن الدهشة قد إعتلت عقولهم وهم يجدون ذلك اللحن بقالبه ذلك، يجدونه وكأنه قد أعد وفقا لأعلى معايير التلحين، وكان أن تم توزيعه بكل سهولة ويسر،
إرتبط "كرومة" روحيا وفنيا ومكانيا، بالمجموعة التى كان يتزعمها أبو صلاح، والتى ضمت عمر البنا وبطران وعتيق وآخرين، فى فترة ما عرف لاحقا "بالمضاربات" وكان فى الجانب الآخر، المبدع الشامخ "الحاج محمد أحمد سرور أورو" وقد إلتفت حوله المجموعة الأخرى التى ضمت العبادى ومحمد ود الرضى إضافة لسيد عبد العزيز وعبيد عبد الرحمن وآخرين ايضا
غنى كرومة لكل شعراء مجموعته الفنية، ولحن معظم اشعارهم سواء لنفسه أو لمغنيين آخرين
تبنت أسرة رجل الإقتصاد السودانى "عبد المنعم محمد"، تبنت هذا المبدع فنيا وإجتماعيا ربما يكون ذلك لصلة لا أملك عنها كثير معلومات، ولكن هذا ما سمعته من أحاديث الوالد عن كرومة، وأيضا أتمنى أن يحيطنا من لهم معلومات أوثق عن هذا الموضوع
كان كرومة مشهورا ايضا بأناقته العالية اللافتة فى هيئته وملبسه، بل حتى فى طريقة مشيه وتعامله مع الناس، وهكذا هو حال الفنان دائما وما يجب أن يكون عليه، كان مضرب مثل فى "القيافة" ويحكى عنه المطرب صاحب الصوت العجيب "عوض شمبات" والذى زامله فى فترة من الفترات وكونا معا ثنائى جميل، يحكى أن كرومة كان لا يلبس الزى الواحد لأكثر من مشوار واحد، وحتى اثنا الغناء فى الحفلات، كان يرتدى زيا مغايرا لكل وصلة أو فاصل غنائى، هنا تذكرت سفيرة النجوم "فيروز" فى حفلاتها، والتى إبتدعت فيها ذات الطريقة فى الظهور بزى مغاير لما قبله
أحب صوت وأداء هذا الإنسان بشكل لا يطاله أحد سواه، وأكثر ما يشد المتذوق لفنه، هى تلك الألحان العبقرية التى تدل على حس موسيقى وفهم للنص لا يصل اليه إلا ما وهبهم الخالق مثل تلك الموهبة، وليتأمل المستمع مثلا لأغنية "كل ما اتأملت حسنك يا جميل، ألقى آية تضاهى أية" وهى من كلمات الشاعر عذب المعانى محمد البشير عتيق، صديق ورفيق كرومة، ففى هذه الأغنية، جاء كرومة بطريقة تلحين لم تكن مألوفة وقتذاك ويشى إحساس المستمع العادى حتى، أنه من الممكن أن يمتلئ هذا اللحن بموسيقى هائلة ومتنوعة فى وبعد كل مقطع منها، والعديد العديد من ألحان هذا المتفرد، وكل واحد منها يبز الآخر
لحن كرومة كل أشعار صالح عبد السيد أبو صلاح، عمر البنا، عتيق وأظن، من غير تأكيد، أنه قد صاغ لحن أغنية عبد الرحمن الريح الشهيرة والجميلة "فى رونق الصبح البديعمن مواليد ام در مان..(حي مكي ود عروسه)..تلقي تعليمه في مدرسة الهجره الأوليه.. وقبل ذلك خلوة الشيخ/الطيب المجاوره لمنزلهم تربي تحت كنف والدته..مستوره بنت عرضو...لم يواصل تعليمه لظروفه فعمل (اسكافيا) ثم نجار... اسمه الحقيقي(عبد الكريم عبدالله مختار كتنت والدته تتمني ان يكون مثل ..اللورد (كرومر)واهذا كانت تناديه بهذا الأسم الذي تحول الي (كرومه) . ..رفيع القامه..اقرب الي القصر..وسيم الطلعه..علي خديه (شلوخ) ..انيق جدااا في ملبسه..يحمل في يده عصا جميله من (الكريز) تكماه للأناقه..يهش بها علي قوافي الابداع...
العام 1925..استمع الي كرومه الشاعر المغني ..عمر البنا.ففتن بصوته فقدم اليه اغنية (زيدني في هجراني)..وسرعان ما اصبح مدرسه متفرده في الغناء والتلحين واحدث نقله من الغناء البطيء الي الغناء المتحرك سافر الي مصر في عام 1929 لتسجيل اسطوانات تحت سم (كرروان السودان كرومه)...وحقق نجاحا فنيا كبيرا وذاع صيته في كل انحاء السودان..ووصلت شهرته الي اثيوبيا وارتريا ومصر واصبحت تقام له اللياليعلي المسارح في كل انحاء السودان وكان يتقاضي علي الليله الواحده علي المسرح مبلغ عشره جنيهات...واصبح الفنان الأول في السودان لأحياء ليالي الأعراس فصار مليكها المتوج وكان شديد الاناقه وكانت صورته توضع علي قوارير العطر واواني الشاي وقد قال الشاعر الكبير/خالد ابو الروس..ان كرومهقام بتلحين ثمانين بالمائه من اغاني الحقيبه....ومنها........
زيدني في هجراني...نعيم الدنيا.. بدور القلعه...وصف الخنتيله..ياليل ابقالي شاهد...قسم بي محيك البدري..ضامر قوامك لان...خلي العيش حرام..غير شادن الآرام..الرشيم الأخضر...يا ناعس الأجفان...مسو نوركم انت حكمه...دمعة الشوق...جاني طيفه طايف لم يكن لكرومه اخوه او زوجه...عاش راهبا متبتلا في محراب الفن حتي...السادس من يناير من عام 1947..وبعد وعكه قصيره ..رحل كرومه....وصمت كروان السوداااااان . المصدر:http://www.mugran.com/omdur/board//archive/index.php/t-8016
لا أحب الخروج من مدينتي وبيتي خوفا من أن تعكر بشاعة العالم مزاجي)
محمد الماغوط
في حقبة ما قبل الاستقلال وبعده أصبحت ام درمان وطنا للمطربين والشعراء والمنشدين فانتشرت اغنية الحقيبة والأغنية الحديثة وتباري الشعراء بالقصائد والكلمات فأثروا الساحة الفنية والثقافية وبرز شعراء شعبيون شكلت كلماتهم وابداعاتهم وجدان قطاع كبير من أهل السودان
وكان لشعراء الحقيبة القدح المعلي فأصبحت ا م درمان بؤرة للنشاط الفني وتقاطر مبدعو الحقيبة من كل أنحاء السودان إلي المدينة التي شكلت أحيائها مسرح الهام ومكمن عشق لكثير من الشعراء والمطربين فسطع نجم كوكبة منهم ، على رأسهم شيخ شعراء الحقيبة محمد ود الرضي ابن العيلفون الذي وظف ترحاله بين اقاليم السودان في أعماله الشعرية ومن ثم تراه قادرا على تسمية الأماكن وود الرضي كان من اوائل الشعراء الذي كتبوا مايسمي ( بالرميات ) في الغناء والرمية هي مقدمة الأغنية الشعرية من هذه الرميات : الجرحو نوسر بي غوّر في الضمير
في قلبي طبق الكي
ياناس الله لي
وملوك أمدر ( ام درمان)
والتي مطلعها : الليلة كيف أمسيتو
ياملوك امدر يبقي لينا نسيتو
جلسن شوف ياحلاتن
فزر في ناصلاتن
الناعسات كاحلاتن
وسطع نجم الشاعر ابراهيم العبادي وهوالمع شعراء فن الدوبيت في السودان ولقب بأمير شعراء الشعر الغنائي وكان العبادي أحد الشعراء الذين قام على أكتافهم مسرح الشعر القومي السوداني وقد كتب مسرحية المك نمر التي قدمها المسرح القومي في أول مواسمه الثقافية بعد افتتاحه وهو من مواليد عصر المهدية شارك مع صديقه الفنان محمد احمد سرور في تأسيس حقيبة الفن من أشهر أغنياته
جدي العزاز الجيدو قزاز
ياعزاز أنا نومي خزاز
ومن أغنياته أيضا ( برضي ليك المولي الموالي ) (ومتي مزاري ) وهي من الأغنيات التي قام بتلحينها وأدائها المطرب محمد احمد سرور وكتب العبادي أكثر الأغنيات صيتا حتي يومنا هذا ( عازة الفراق بي طال وسال سيل الدمع هطال)
وغني له سرور أيضا (ياسائق الفيات قوم بينا خد سندة بالدرب التحت قصاد ربوع هندّ )
من هذه الكوكبة أيضا محمد احمد سرور الذي كان من عمالقة الطرب في عصره صدح بصوته العذب في أحياء امدرمان وكان له طقوس في الغناء وله معجبات وحبيبات لايكتمل رونق الحفل إلا بحضورهن طاف محمد احمد سرور البلدان العربية وسجل بعض أسطواناته واصبح علما في المجتمع زار اليونان وغني للجنود السودانيين في الميدان وتعقبهم حتي أسمرا وهناك كانت خاتمة مطافه حيث توفي هناك .
كان من اجمل اغنياته (يا أنة المجروح) وهي الأغنية التي نالت استحسان الوفد الزراعي المصري في حفل اقيم بالفندق الكبير للبعثة التجارية الاقتصادية المصرية عام 1935 والتي من أبياتها (مصرية في السودان بحبي ليك أبوح ) غني سرور لمعظم شعراء الحقيبة أبو صلاح – ومصطفي بطران – وود الرضي .اتصل بخليل فرح ومحمد على فرح وحسب الله سلطان العاشقين .
ويأتي صالح عبد السيد أبو صلاح كواحد من أبناء أم درمان وكنتاج مميز لديناميكية الإبداع الإنساني حين يزدهر في ظل التسامح وكرائد من ألمع شعرائها ولد بحي المسالمة واعتصم بالإسلام ونبغ في الشعر والفن والإبداع قربه إليه الشيخ الطيب السراج ورعاه تحت جناحه الإمام عبد الرحمن المهدي حفظ الكثير من شعر العرب وتباري مع الشعراء الأقدمين في أوزانه وأبحره قال عنه الشيخ عبد الله محمد عمر البنا لو نظم الشعر بالفصحي لفاقنا جميعا .
انشد في في افتتاح مسجد الهجرة بودنوباوي قصيدته التي مدح فيها الإمام عبد الرحمن المهدي :
بيك يا نور الهدي المهدي * نتنور والقلوب تنسر وبنجلك عبد الرحمن * اللينا بي فضله الإله يسر عجبا بالماء يتوضأ هو من ماء معين أطهر عجبا تظلو غرف هو من شمس الضحى أظهر
ويمضي فيقول
تكاد ليه الجبال تسعي * لولا بالقدرة تتصبر وتتطلع ليه الثريا تكاد * تتدلي و تنتصب منبر
وأبو صلاح ابن حي المسالمة كان له مع كل قصيدة قصة ومناسبة ومنها أغنية (بدور القلعة )
والقلعة أحد أحياء مدينة أم درمان العريقة الذي يزدان بحسانه في مناسبات الأفراح حيث كانت حفلات التي يحييها المطربون كالحاج محمد سرور وكرومة ويرافقهم فيها الشعراء كثيرا ما تتحول إلي مناطق إلهام للشعراء حيث يحرك جمال الفتيات في الشعراء زخات الإلهام وعجلة الإبداع . وتقول قصة الأغنية (بدور القلعة)
أن إحدى الحسناوات علقت على شكل الشاعر أبو صلاح وشكل عينيه بطريقة أظهرت أنها لم يعجبها شكله وكان شاعرنا منتبها للفتاة وتعليقاتها فسرح بخياله يستجمع كلماته ويستدعي ابداعاته ونظم قصيدته الشهيرة (بدور القلعة) نسبة لحي القلعة والتي يقول مطلعها :
العيون النوركن بجهرا
غير جمالكن مين الساهرة
يابدور القلعة وجوهرة
يقول الكاتب محجوب عمر باشري يعتبر ابوصلاح على رأس المدرسة التشكيلية في الشعر الغنائي السوداني فتجريده للأشياء هو اضافة للحقائق وكل حسناء وصفها دلت بحسنها عن نفسها . ولايفتن ابوصلاح بتكرار الألفاظ فمعجمه واسع وكأنه ينسي اللغة فهو أقرب إلي شكسبير الذي لا يكرر ألفاظه لذا يقولون عن شكسبير أنه أشخاصا كثيرين لأنه لا يكرر رواياته ولكل رواية لغتها الخاصة وهكذا كانت أغنيات وقصائد أبو صلاح .
ويذكر أيضا أحد ملوك الطرب عبد الكريم كرومة ارتبط كثيرا بالحاج سرور فبعد أن كان ملحنا فقط شجعه سرور على الغناء وبرع كرومة في تنويع الغناء السوداني فأدخل التخت والإيقاع المرتبط برقص الفتيات في الحفلات برع كرومة في حسن الأداء حتى أن صوته قد جعل الشيخ الصوفي الجليل العارف بالله الشيخ قريب الله يهتز من النشوة وتقول القصة أن الشيخ كان على مصلاته في الثلث الأخير من الليل في مسجده بودنوباوي وكان كرومة يشدو في احدي الحفلات بأغنية:
يا ليل أبقالي شاهد على نار شوقي وجنوني
فما كان من الشيخ إلا أن صاح في نشوة الصوفي الله الله . وسأل حوارييه من هذا الذي يشدو فقيل له إنه مطرب يسمي كرومة فقال هل أخبرتموه ليقابلني ، وعندما زاره كرومة قال العارف بالله الشيخ قريب الله هلا أسمعتني ما كنت تنشده تلك الليلة فأنشده كرومة
ياليل ابقالي شاهد على نار شوقي وجنوني
ياليل صار ليك معاهد طرفي اللي منامي زاهد
دنالي سهرك واشاهد فوق لي نجمك ظنوني
فتأوه الشيخ من فرط وجده رحم الله الشيخ الجليل قريب الله من عاش ألقه الصوفي في ألحان كرومة دون مذمة للإبداع والطرب ورحم الله كرومة الذي جسّر صوته العذب المسافة بين المادة والروح .
انجبت أم درمان الشاعر عمر البنا في عام 1900 وبدا كتابة الشعر منذ عام 1916 وحتي نهاية منتصف الثمانينات كان والده شاعر المهدية محمد عمر البنا الذي انشد
الموت صبر واللقاء ثبات .. والموت في شأن الإله حياة
وشقيقه الشاعر الكبير عبد الله البنا أشهر شعراء السودان وأستاذ الجيل في كل غوردون .
من اغنيات عمر البنا التي كانت تجد مجالها في جلسات الشعر والأدب التي تجمع بين فحول الشعراء ابراهيم العبادي وأبوصلاح ويوسف حسب الله سلطان العاشقين:
-أغنية زدني في هجراني وفي هواك يا جميل العذاب سراني
طرفي قصدو يراك وما قصدت تراني وما بسيب حبك حتى لو ضراني –
وغني عمر البنا كثيرا لأم درمان منها :
(إمتي أرجع لأ مدر واعودا
أشوف نعيم دنيتي وسعودا)
وأغنية (في الليل الهاجع غرد يا سا جع أذكر أحبابي وهيج أشجاني)
التي يؤديها الفنان عوض الكريم عبد الله . وغيرها من الروائع .
أما الشاعر والمطرب خليل فرح فقد كان رفيقا لسرور وكرومة وقد تأثر الخليل بالحركة السياسية والاجتماعية وأحدث في الأغنية تغييرا واضحا بإدخال آلة العود وعرف الغناء على عهده ما يعرف بغناء الصالونات للنخبة فكانت قضايا أغنياته وطنية واجتماعية فغنى من الأغنيات الخالدة :
- (عازه في هواك)
-( وفي الضواحي وطرف المدائن يا لا ننظر شفق الصباح ).
ويذكر أن أغنية
(بين جنائن الشاطئ وبين قصور الروم
حيى زهرة روما وأبكي يا مغروم ) نظمها وأداها في ابنة جوهري أرمني في منشية البكري عندما كان يقيم مع خاله هناك وقد شاءت الأقدار ان يقابل الفتاة مرة أخرى وعندما ذاعت القصيدة وترجمت للانجليزية اطلع عليها الخواجة ارمان والد ماري صاحبة القصيدة وأصر على تقديم هدية مالية قدرها خمسون جنيها من الذهب للخليل الذي رفض تلك الهبة .
ويتصل العقد ببزوغ نجم آخر من نجوم البقعة وهو الشاعر عبيد عبد الرحمن نشأ في حي العرب بهذه المدينة العامرة كان من الشعراء الذين تعمر بهم مجالس الإمام عبد الرحمن الذي كان يرعي اهل الشعر والفن والأدب والرياضة نشأ في فترة ازدهر فيها شعر ود الرضي ، وابراهيم العبادي، وحدباي ، وسيد عبد العزيز ومحمد بشير عتيق ،والمساح ، وأبو صلاح وقد تأثر هؤلاء الشعراء ببعضهم البعض رغم تفرد أساليبهم . من أغنيات عبيد عبد الرحمن :
ويأتي في سلسلة العقد الفريد الشاعر سيد عبد العزيز الذي كان رفيقا لعبيد عبد الرحمن وصديق له يقول عنه محجوب باشري إن سيد عبد العزيز أم درماني نشأ في اسرة من أصول مصرية كان والده أحد شيوخ الطريقة القادرية وقد نشأت والدته في بيت عز وجاه في كنف الخليفة عبد الله التعايشي باني ام درمان ومؤسس بواكير نهضتها . ويعتبر سيد عبد العزيز من الجيل الثاني لشعراء الغناء الشعبي حيث كان الجيل الأول يتكون من أبراهيم العبادي ويوسف حسب الله سلطان العاشقين ومحمد ود الرضي وعمر البنا وابوعثمان جقود ، ومصطفي بطران وخليل فرح ومحمد عبد الرحيم العمري ولحق بهم سيد عبد العزيز ومحمد على عبد الله وعلى المساح .
من أغنياته الخالدة :
(يا قائد الأسطول تخضع لك الفرسان .. ياذو الفخار والطول
أرحم بني الإنسان)
وأغنية (الغصن الرطيب) وهو يصور حسناء تداعب بيدها غصن ورد يقول مطلعها
يا مداعب الغصن الرطيب
ببنانك ازدهت الزهور زادت جمال ونضار وطيب
يا ألمنظرك للعين يطيب
تبدل الظلمات بنور وتبدل الأحزان سرور
لو شا فك المرضان يطيب.
أما الشاعر عبد الرحمن الريح فقد نزع شعره إلي الرومانسية التي تنكر الواقع عزف على وتر الجمال في غمرة النضال الوطني والسياسي ضد الاستعمار وقد مثلت أغنيات عبد الرحمن الريح لحمة وسدي أغنيات المطرب إبراهيم عوض وقد جمعهما حي واحد هو حي العرب في أم درمان . من أغنياته :
(جاني طيفه طائف لحاظه كالقذائف وأنا من عيونه خائف )
وشعراء مبدعون جمعتهم مدينة أم درمان رغم ارتباطهم بالمدن الأخرى
في مقدمتهم الشاعر محمد بشير عتيق الذي من أروع أغنياته
( جسمي المنحول براه جفاك يا مليح الزى ) وأغنية (هل تدري يا نعسان أنا طرفي ساهر ) وأغنية
(صباح النور عليك يا زهور صباحك يوم يقاس بدهور ) والتي يبدع عندما يقول في ختامها
ياصاحب الطرف المكسور .. كسرت قلب شجاع وجسور
تتجاهلني وأنا بيك مأسور .. حسابي معاك بقي كلو كسور
ويتصل العقد بجيل جديد ومجدد محمود فلاح - ومحمد على أبوقطاطي - والسر دوليب – وسيف الدين الدسوقي – وصلاح احمد ابراهيم ممن ولدوا ونشئوا في امدرمان وممن استوطن فيها .
ومن السابقين في مجال التطريب والأغنية الشعبية والذين أعطوا أغنية الحقيبة نكهة خاصة بألحانهم وأصواتهم وأدائهم المميز– زنقار - وأولاد الموردة عطا كوكو ومحمود عبد الكريم – وميرغني المامون وأحمد حسن جمعة – وأولاد شمبات - وعوض الجاك – والأمين برهان _ وخلف الله حمد – واحمد عمر الرباطابي – وبابكر ود السافل – ومحمود فلاح - ورفد مسيرتهم جيل جديد من مطربي فن الغناء الشعبي محمد احمد عوض وأولاد البنا وطائفة اخرى ضمتهم دار فن الغناء الشعبي ودار فرقة فلاح في امدرمان ولعل وجود مثل هذه الدور بالإضافة لمقر الإذاعة قبل إنشاء التليفزيون قد شكل عنصر جذب للعديد من الشعراء والمطربين للإقامة في امدرمان وإثراء أنشطتها . ومع انتشار الإرسال الإذاعي وإنشاء التيلفزيون والمسرح وظهور ملوك الفن الحديث محمد وردي وابراهيم عوض وابن البادية والكابلي وسيد خليفة وعثمان حسين واساتذة المدرسة الغنائية الحديثة
ابراهيم الكاشف وعثمان الشفيع وحسن عطية وعبيد الطيب ابن الفتيحاب – والتاج مصطفي – وعبد الدافع عثمان –– وصلاح محمد عيسي – وصلاح مصطفي – ثم احمد الجابري وزيدان ابراهيم والعشرات من المبدعين في مجال الموسيقي والغناء أضافوا نكهة خاصة للأحياء التي يقطنوها ويتساوي في ذلك العطاء جميع أبناء أمدرمان ممن ولدوا في أحيائها العتيقة أو من وفدوا إليها وأقاموا فيها .
ومع الإسهام المتميز الذي أسهم فيه حي العرب بما قدمه من شعراء ومطربين برز في مجال الفن الحديث الفنان ابراهيم عوض الذي وآفته المنية في مايو 2006 والذي غني لعبد الرحمن الريح أجمل أغنياته " .
ورد في كتاب الدكتور عبد اللطيف البوني والاستاذ طارق شريف
" ابراهيم عوض .. خمسون عاما من الغناء العذب " عن ظهور
ظهور الفنان ابراهيم عوض ارتبط بحركة التحديث التي انتظمت
المؤسسات في السودان مع نيل السودان استقلاله ، ولم يكن ابراهيم عوض معزولا عن هذا المناخ بل كان مشاركا أصيلا فيه ومتفاعلا معه ، وبذلك اصبح ابراهيم عوض رمزا لأشواق تطلعات جيل ما بعد الاستقلال، ويعبر عن معاني الحرية والانعتاق . ، غني للوطن من كلمات سيف الدين الدسوقي (اعز مكان وطني السودان لأن حسانو اعف حسان وطيرو صوادح وروضو جنان) وأشار الكتاب إلي التأثيرات التي احدثها ابراهيم عوض مجتمعيا فأصبحت بادية للعيان وملموسة فقد اثر علي مستوى الموضة الازياء وطريقة تصفيف الشعر واختيار الألوان، كما ان تأثيره علي مستوى نجومية الفنان وصورته في الصحافة كانت ملموسة من حيث الأدبيات العديدة على المنتجة على مستوى الصفحات الفنية.
تغنى ابراهيم عوض في بواكير نشأته الفنية لعدد من رواد المدرسة الوترية الاولي كالفنان احمد المصطفى ، والفنان حسن عطية ، ولكنه لم يجرؤ علي المجاهرة بموهبته الا في دائرة المقربين حيث كانت التقاليد ترفض اختيار الفن وتقاومه ،وما أن سافر والده الي أسوان حتى وجد الفرصة لتعلم العزف على آلة العود خلال هذه الفترة بمساعدة ابن اخت الشاعر عبدا لرحمن الريح والذي يعود اليه الفضل في رسم الخطوات الأولى لإبراهيم عوض الذي رعى موهبته وقدم له ثلاث اغنيات كانت بمثابة الاساس الذي وضعه في بداية الطريق وهي اغنية (هيجتني الذكرى) واغنية (عيونك فيها من سحر الجمال اسرار) واغنية) علمتني الحب و اختفت عني كيف انساها ملهمة فني) والثلاث من كلمات والحان عبدالرحمن الريح .
ومن الشعراء والأدباء الذين ازدهت بهم أمدرمان من تركوا بصمات وآضحة في صفحات الإبداع السوداني من ابناء أم درمان مثالا وليس حصرا من مختلف الأجيال من فحول شعراء الفصحى والعامية الشاعر محمد عمر البنا – والشاعر يوسف مصطفي التني والشاعر أحمد محمد صالح- والشاعر عبد الله البنا كنماذج ولهم دواوين ساهمت في اسراء ساحة الشعر والمكتبة السودانية وكان يوسف مصطفي التني أول رئيس تحرير لصحيفة صوت الأمة في سنوات اصدارها الأولي .
ولم تتوقف امدرمان عن انجاب المبدعين من الشعراء فأنجبت الشاعر السفير صلاح احمد ابراهيم الذي ولد في امدرمان عام 1935 وتوفي في باريس عام 1996 من دواوينه الشعرية – غابة الأبنوس – غضبة الهبباي ومن أروع قصائده الطير المهاجر التي صور فيها مشاعر الحنين إلي الوطن والحبيبة وهي الأغنية التي خلدها الفنان محمد وردي بعذب الحانه الخالدة :
وان جيت بلاد تلقي فيها النيل بيلمع في الظلام
ذي سيف مرصع بالنجوم من غير نظام
بالله ياطير قبل ما تشرب تمر
على بيت صغير من بابو من شباكو
بيلمع ألف نور
تلقى الحبيبة بتشتغل منديل حرير
لحبيب بعيد
تقيف لديها
وتقول إليها
وتحمل رسالة ليها بحبي الكبير
وقصيدته (مرية) التي صور فيها قصة الصراع بين الحب والكبرياء في بلاد الغربة والتي وضع ألحانها وخلدها بصوته الفنان حمد الريح والتي من أجمل مقاطعها :
يا مــــريّــــه: ليت لي إزميلَ «فدياسَ» وروحاً عبقريّه وأمامي تلُّ مرمرْ، لنحتُّ الفتنةَ الهوجاء في نفس مقاييسكِ - تمثالاً مُكبَّرْ وجعلتُ الشَّعرَ كالشلاّلِ بعضٌ يلزم الكتفَ وبعض يتبعثرْ وعلى الأهداب ليلاً يتعثّرْ وعلى الأجفان لغزاً لا يُفسَّرْ وعلى الخدّين نوراً يتكسّرْ وعلى الأسنان سُكَّرْ وفماً - كالأسد الجوعان - زَمجرْ يُرسل الهمسَ به لحناً مُعطَّرْ وينادي شفةً عطشى وأخرى تتحسّرْ وعلى الصدر نوافيرُ جحيمٍ تتفجّرْ وحزاماً في مضيقٍ، كلما قلتُ قصيرٌ هُوَ، كان الخصرُ أصغرْ ليت لي إزميلَ (فدياسَ) وروحاً عبقريّه كنتُ أبدعتـكِ يا ربّةَ حُسني بيديَّهْ يا مــــريّــــه: ليتني في قمّة «الأولمبِ» جالسْ وحواليَّ العرائسْ وأنا في ذورةِ الإلهام بين الملهماتْ أحتسي خمرةَ (باخوسَ) النقيّه فإذا ما سَرَتِ النشوةُ فِيَّهْ أتداعى، وأنادي: يا بناتْ نَقّروا القيثارَ في رفقٍ وهاتوا الأغنياتْ لمريّهْ
لبداية في ودمدني00تلك المدينة التي ظلت دوماً تعطي و لكنها لا تقبض00لم تستلم مطلقاً ، ربما لأن الله تعالي قد وهبها خاصية العطاء، وياله من عطاء ، حيث كان ولا يزال عطاءً يسع كل شيء ، السياسة والفكر،الطب والهندسة، الرياضة والفنون بمختلف ضروبها، وأهل الطرق الصوفية وإنشادهم اللامتناهي000فكان الكاشف وعلي المساح ، ثم عمر أحمد الذي رحل سريعاً في عمر الصبا بعد ان ترك لنا تلك الخالدة(كان بدري عليك000تودعني وأنا مشتاق ليك)، وصاحب حنتوب الجميلة الراحل الخير عثمان ،والبقية كثرٌ، ولم تتوقف ودمدني 00فكان أبو الأمين 00هدية ودمدني لكل أهل الإبداع في السودان00وكان فضل الله محمد الذي رافق بجديد مفردات أشعاره ميلاد هذا الفنان الذي دخل الساحة وقد كان عملاقاً متسلحاً بما تحتاجه المنافسة من أعمال كانت مبهرة بحق0لذلك إعتلي القمة ولم يتزحزح عنها قيد أنملة000 حتي الآن 0 الفنان محمد الأمين حمد النيل الإزيرق، أو كما يحلو لأهل ودمدني أن يطلقوا عليه كلمة (وداللمين) ومعجبيه أيضاً يقولون (أبو اللمين) ، نشأ منذ صغره متعلقاً بالفن والموسيقي في تحركات طفولته مابين أهله ودار أبيه وأعمامه في ودمدني تارة وفي (ود النعيم) ضاحية ودمدني حيث الجذور الأولي مرات أُخر كثيرات0 كان أعمامه من قادة العمل الوطني في رئاسة إتحاد مزارعي الجزيرة لعدة دورات قبل عقود طويلة من الزمان0 قال لنا صديق عمره الراحل المرحوم (حسن الباشا) مؤسس إتحاد فناني الجزيرة والذي إنتقل إلي رحمة مولاه في مايو 1997م ، أن محمد الأمين ومنذ في فترة صباه كان يهوي العزف علي آلة (المزمار) قبل إنتقاله إلي آلة العود ، حيث أصبح فيما بعد من أهم عباقرة العزف عليه بتفوق شديد0 وقد كان لمحمد الأمين خال يعمل رئيس حسابات بالإدارة المركزية للمياه بودمدني وهو الأستاذ(بله يوسف الإزيرق) أطال الله في عمره، وكان محمد يزور خاله هذا من وقت لآخر في العمل و قد بدأ الغناء وقتذاك وبدأ نجمه يلمع في المدينة حيث إشتهر بأغنية الحقيبة التي وضع كلماتها الشاعر الراحل صالح عبدالسيد(أبو صلاح) وهي أغنية (بدور القلعه وجوهرا) والتي ظلت مرتبطة بمحمد الأمين عندما وضع لها موسيقي راقية 0 وذات مرة وجد عند خاله هذا بالمكتب الشاعر المراجع(محمد علي جباره) الذي كان يأتي من الخرطوم لمراجعة حسابات هيئة المياه بودمدني وقد علم بموهبة محمد الأمين ، فما كان منه إلاّ وأن أهدي له قصيدة كانت بمثابة جواز مرور عند سفره للخرطوم لإجازة صوته للتسجيل للإذاعة بأم درمان ، وكانت الأغنية هي ( وحياة إبتسامتك) والتي وضع لها محمد الأمين لحناً جميلاً000 وتقول بعض كلماتها: قبل ما أشوفك 000كنت فاكر الريد مستحيل كنت تايه في طريق خالي وطويل ليلي دون الناس كلو 00هات كلو من يوم ماشفتك00قلبي للدنيا إبتسم أشرقت دنياي 00فارق ليلي هم رحت أرعاك في خيالي00وبيك أحلم فكانت مفردات تلك الأغنية فعلاً جديدة ، وفيها إنتقاليه من النمط الشعري الذي كان يسود الساحة الغنائية وقتذاك، لذلك كانت تلك البداية موفقة جداً للفنان محمد الأمين ، وهو بمقدرته اللحنية إستطاع أن يخلق لها ذلك اللحن الذي أثني عليه الجمهور والنقاد والمطربون أيضاً ثناءً جميلاً ، لأن اللحن كان في غاية الهدوء 00مما أتاح لمعاني الكلمات أن تبرز بوضوح للمستمع ويتضح جمالها0ولاننسي هنا (الصولة) بالعود التي صاحبت ذلك اللحن حيث أنها قد أعطت الإشارة للناس أن هذا الفنان يمتلك خاصية العزف المميز لتلك الآلة مما قاده إلي إستعمال عزف منفرد في عدة (صولات) لمجموعة من أعماله الغنائية التي ظهرت فيما بعد0 كان إنتقال محمد الأمين للخرطوم في عام 1962 م حيث كان المرحوم اللواء محمد طلعت فريد وقتها وزيراً للإستعلامات والعمل( الإعلام حالياً) وقد أشرف الوزير علي قيام مهرجان مسابقات فنون المديريات التسع المعروفة آنذاك بمناسبة إفتتاح المسرح القومي بأم درمان لكي تتنافس فرق المديريات في إبراز أعمالها علي المسرح ،وقد شاركت كل مديرية بأحسن مبدعيها في مجال الفنون والرقصات الشعبية ، حيث ظهرت رقصات الكمبلا ورقصات الجنوبيين وظهر العديد من المطربين كالفنان الطيب عبدالله من المديرية الشماليه مثلاً، فكان محمد الأمين من ضمن فرقة مديرية النيل الأزرق بودمدني المشاركة في المهرجان ، حيث كانت تلك المديرية محافظة كبيرة تضم الولايات الثلاثة الحالية وهي (الجزيرة والنيل الابيض والنيل الأزرق )0 وفيما بعد عُرفت بالأقليم الأوسط0 وبعد إنتهاء ذلك المهرجان إستقر محمد الأمين بالعاصمة0000و كان يسكن بأم درمان ومعه أيضاً الفنان أبو عركي البخيت الذي إشتهر بأغنية عمر أحمد في البداية(كان بدري عليك) المذكورة سابقاً، ولم يكن الطريق إلي الشهرة ممهداً أمام ود الأمين ، فصبر صبراً شديداً وإجتهد إجتهاداً كبيراً في تقديم أعمال تقنع الجمهور وترسِّخ أقدامه في ميدان الفن حيث كانت الساحة تعج بالعمالقة وقتها وكانت المنافسة ساخنة والأجهزة محدودة والمردود المادي لا يكفي حتي للقمة العيش0وعنذاك ظهرت أعماله الأولي (أنا وحبيبي) والمشهورة بإسم يا حاسدين غرامنا ، وما أجملك ، والأغنية المختفية(مسيحيه) وبالطبع وحياة إبتسامتك وبدور القلعه0 أما شاعرنا الأستاذ فضل الله محمد فقد ظل إسمه مرتبطاً منذ وقت مبكر بتأليف الأعمال االغنائية للفنان أبو الأمين وهو لايزال طالباً ، حيث كانت فترة إنتقال محمد الأمين إلي العاصمة متقاربة مع فترة إنتقال الأستاذ فضل الله محمد من ودمدني الثانوية إلي كلية الحقوق بجامعة الخرطوم في عام 1963م ، وقد كان إنتاج فضل الله كثيفاً ومتتابعاً ، وقد شهدت حقبة الستينات كذلك إنتقال أعداد من عازفي الموسيقي من ودمدني إلي الخرطوم ، كعازف الكمان الراحل حسين عبداللهِ، ومن قبله بدر التهامي ، وبدر أنجلو، وإسماعيل يحيي (مندكورو) والحبر سليم ، وعازف الإيقاع عبدالله حبه وعلي أكرت0 كانت من أهم ملامح تلك الفترة الخصيبة هي أعمال تمجيد إنتفاضة أكتوبر الشعبية التي كان فضل الله محمد معايشاً لها كطالب نشط بالجامعة حيث كان للشعرالوطني مكانته في تلك السنوات من حقبة الستينيات ، وكانت الجامعة تذخر بالشباب من الشعراء ، كفضل الله وسبدرات وعلي عبد القيوم وصديق محيسي ومحمد المكي إبراهيم وكامل عبد الماجد ومحمد عبدالحي ، حيث تنوعت أعمالهم الشعرية الغنائية والوطنية أيضاً 0ووقتها تباري الشعراء والفنانون في الأناشيد الأكتوبرية ، فظهر نشيد محمد الأمين الذي صاغ كلماته فضل الله محمد وهو بالجامعة طالباً والذي رافق أداؤه مجموعات من الكورال الجميل ، كانت مقدمته تقول: أكتوبر واحد وعشرين00ياصحو الشعب الجبار يالهب الثوره العملاقه00يا مشعل غضب الأحرار وهنا نجد أن الشاعر يصف تلك الصحوة التي إنتظمت الشعب وما رافق ذلك من أحداث إلي أن يصل بنا إلي حادثة إطلاق الشرطة للرصاص لفض ندوة الطلاب الشهيرة حول مشكلة الجنوب داخل ساحات داخليات (البركس) بجامعة الخرطوم ، والتي علي إثرها أستشهد طالب العلوم أحمد القرشي طه من قرية (القراصة) بالجزيرة ، كأول شهيد في تلك الأحداث في يوم 21 أكتوبر 1964م 0وهنا يتألق الشاعر في وصف هذا الحدث في المقطع التالي: من دم القرشي وأخوانه00في الجامعه أرضنا مرويه من وهج الطلقه الناريه00أشعل نيران الحريه بارك وحدتنا القوميه00وأعمل من أجل العمران وهذا العمل الغنائي قد أسهم في رفع إسم محمد الأمين عالياً كعمل مميز وسريع جداً يتناسب مع تلك الفترة التي كانت نشوة الإنتصار تطغي فيهاعلي مشاعر الجماهير ، وقد بدأ وقتذاك أيضاً نجم الشاعر فضل الله محمد يصعد إلي عنان السماء وسط الطلاب وفي الشارع السوداني العريض ، كما أننا في ودمدني وقد كنا وقتها في نهاية المرحلة المتوسطة هناك و عشنا أحداث الإنتفاضة في شوارع المدينة ، قد تملكنا الفخر والإبتهاج لأن محمد الأمين وفضل الله قد إمتلكا أحاسيسنا وإزدادت فرحتنا بهما كنتاج طبيعي (للإنحيازالجهوي) لمدينتـنا0 بعد ذلك العمل أصبح الفنان محمد الأمين رقماً في ساحة الغناء العاطفي والوطني لايمكن تجاوزه بسهولة ، وهنا جاءت تلك الأغنية الخالدة حتي اليوم والتي أسماها شاعرها فضل الله محمد (الحب والظروف) وقد إشتهرت شعبياً تحت إسم (قلنا ما ممكن تسافر) فكانت بداية كبيرة جداً في تلك السن المبكرة للشاعر،ووضع لها محمد الأمين ذلك اللحن الهاديء أيضاً الذي إبتدره بمقدمة موسيقية وبمعالجة وإستخدام واضح لآلة العود ، وقد ابرز فيها آلة الكمان أيضاً في (صوله) رائعة، وحتي إيقاع الأغنية كان أيضاً مميزاً، وقد كان الشاعر يخاطب فيها (الجانب الآخر) بطريقة هادئة تشعرنا وكأنه يناقشه (بكل هدوء ورقة شاعرية) لإثنائه عن قراره في السفر حيث تقول المقدمة: قلنا ما ممكن تسافر00نحن حالفين بالمشاعر لسه ماصدقنا إنك00بجلالك جيتنا زائر السفر ملحوق00ولازم إنت تجبر بالخواطر لو تسافر دون رضانا00بنشقي نحن الدهر كلو مابنضوق في AL_SAUDI يتبع محمد الامين
لو تسافر دون رضانا00بنشقي نحن الدهر كلو مابنضوق في الدنيا متعه00وكل زول غيرك نمِلـّو ولقد تعمدنا هنا أن نلقي ضؤءاً كثيفاً علي أغنية ( الحب والظروف) هذه لأنها وبكل مقاييس الإبداع الفني والموسيقي تعتبر إضافة كبيرة وموفقة جداً في أعمال محمد الأمين الغنائية ، فساعدت علي تثبيت أقدامه أكثر في الساحة الفنية في منصف الستينيات0000 وتأتي الذكري الثانية لإنتفاضة أكتوبر ، وكان يجب علي محمد الأمين أن يواصل إنجازاته في مجال الأغنية الوطنية بعد نجاح نشيده الأول الذي ذكرناه سابقاً، وكان علي الشاعر فضل الله محمد أن يقوم بتأليف إسهام جديد في تلك الفترة ، فأتي نشيد (الإنطلاقه) 000ذلك النشيد الذي كانت حماسة كلماته تجبر محمد الأمين أن يواكب لحنياً قوة تلك الكلمات ، فأخرجها في طابع لحني كان قوياً يلهب المشاعر ، وبإيقاع موسيقي يأخذ شكل المارشات العسكرية ، فكانت الكلمات بالفصحي تقول: المجد للآلاف000تهدر في الشوارع كالسيول يدك زاحفها00قلاع الكبت والظلم الطويل المجد للشهداء00المجد للشرفاء ثم تتواصل كلمات النشيد بنفس وتيرة الحماس ذاك ، إلي أن يأتي المقطع الذي يتحمل فيه الكورال الشبابي أداء الأبيات التاليه مع الفنان في قوة شديدة أعطت للعمل نكهة حماسية أكثر سخونة عندما يقول:- الثورة إنطلقت00شعاراتِِ ترددها القلوب الثورة الحرية الحمراءُ00شمسُُ لا تغيب الثورة التحريرُ تـُرجـِعُ00هيبة الحكم السليب الثورة التحريرُ للثوارِ00في كلِّ الشعوب الثورةُ الإيمانُ 00قاد الشعبُ في اليوم الرهيب0 ثم تلتها أيضاً أنشودة (شهر عشره حبابو عشره) في الذكري التاليه للإنتفاضه ، وبعدها إلتقي محمد الأمين في عام 1967م بذلك العمل الإنتقائي الطويل الضخم الذي أخذ جهداً طويلاً في التلحين والإخراج ، وهو قصة ثورة أو (الملحمه) التي قام بتأليفها الشاعر الفذ (هاشم صديق ) وقد سبق لنا في هذا المجال أن تناولناها عند إستعراضنا لأعمال الشاعر هاشم الشعرية من قبل ، غير انها تبقي محطة هامة جداً من محطات إنجازات الفنان محمد الأمين 0 أما إذا عدنا إلي الغناء العاطفي مرة أخري ، فقد أصبح الفنان محمد الأمين يجد الإقبال من عدة شعراء في الساحة الفنية مع نهاية الستينيات حيث رسخت أقدامه بالعاصمة تماماً ، يغني في إحتفالات الجامعات والمعاهد العليا، وأصبح نجم نجوم الحفلات الخاصة والعامة ، يطوف مدن السودان لينشررسالة الفن الراقي والجميل تلبية لرغبة الجمهور في الحفلات المسرحية العامة0 وهنا تأتي مرحلة الشاعر الراحل (خليفه الصادق) الذي وضع أعذب الكلمات ، فظهرت أغنية أسمر ياساحر المنظر ، وتأتي أغنية من شوفتو طوّ لنا، ويردفها الشاعر خليفه الصادق بثالثه وهي ،بعد الشر عليك0 فعند إلتقاء الفنان محمد الأمين بذلك الشاعر ، إستطاع أن يواصل معه في ثنائية أخري ، فكانت أشعار خليفه ذات نكهة خاصة أيضاً ، ووجدت إستجابة سريعة من جمهور المستمعين ، فتوالت الأغاني تملأ الساحة الفنية ، وكانت مفردات أغنية (بعد الشر) قد لاقت قبولاً كبيراً لإختلاف موضوعها في ذلك الوقت ، حيث كانت بعض مقاطعها تشارك الطرف الآخر مأساة المرض والتوعك وتتمني عاجل الشفاء ، وتقول كلماتها: قالوا متألم شويه00ياخي بُعد الشر عليك النضاره الفي شبابك00والطفوله الفلي عينيك والقلوب الحايمه حولك00ياحلو بتتمني ليك بكره تشفي وبكره تبرا00ياحبيبي العمر ليك ياخي 00بـُعد الشر عليك لم يهمل الفنان محمد الأمين أغاني التراث ، فهاهو قد أتي بأغنية (عيال أب جويلي) ، وهي أغنية تراثية في الفخر وقد رأيناها تمجد (سالم الأرباب ) الذي إستحق الإسم00 وأصبح ركـّازه للمرقاب0 ولكن تظل أشعار الراحل المقيم خليفه الصادق لها بصماتها الواضحة في عدة أعمال للفنان محمد الأمين 0 فإذا أخذنا مثلاً كلمات ولحن أغنية (أسمر )، نجد أن فيها تنويع جميل في المفردات وفي اللحن الذي خرج رشيقاً بالرغم من أنه ذا وتيرة إيقاعية ولحنية واحدة ومكررة ولكن فيها تطريب جميل عندما يقول فيها: عيونو نعسانه00فتاكه فتانه سهامو آسرانا00ولونو ده الأسمر في صوتو أحلي نغم00يشجيك إذا إتكلم والحكمه لو يبسم00يشجي الوجود يسحر أسمر000يا ساحر المنظر فأشعار خليفه الصادق أضافت إلي محمد الأمين نكهة جديدة في أعماله، لأنها كانت تمتاز برقة شاعرية محببة وجدت قبولاً سريعاً من الجمهور 0000 كنت أقول دائماً ولا أتعب من القول في كل مرة ، أن شعراؤنا في السودان لديهم قدرات إبداعية هائله في نسج الشعر ، ويمتلكون خيالاً خصباً، ولكننا نواجه دائماً مشكلة المحلية في أعمالنا وإنسداد وسائل النشر أمام إنتاجنا ، حيث يقف هذا الحاجز حائلاً في طريق الإنتشار الإقليمي لتلك الأعمال علي مستوي المنطقة العربية علي الأقل إن لم يكن علي المستوي العالمي0وإذا أخذنا أي شاعر عربي سواء كان شعره غنائي أم شعر عام بفصيح اللغه أو بدارجيتها وأجرينا مقارنه مهنية متخصصة له بأشعار مبدعينا السودانيين، لوجدنا التفوق عندنا واضحاً ولا يقلُّ جودة عن الأعمال المنتشرة عربياً حالياً وسابقاً إن لم يكن أحسن درجةً ، وربما كان عدم الإستقرار السياسي الذي ظللنا نعانيه منذ الإستقلال وإلي الآن كان له الأثر الواضح في عدم وجود آليات نشر مهنية مؤثرة وقوية ومنتظمه لتسهم في نقل التجربه الشعريه السودانية إلي المصاف العربي أو العالمي0 لم يبتعد فضل الله محمد عن الساحة الشعرية تماماً بعد تخرجه من الجامعة ، إذ ظل بين الحين والآخر تطل أشعاره ، فهاهنا نجده يهدي لمحمد الأمين تلك الأغنية ذات الموضوع الجديد ، فظهرت (أربع سنين) وقد كانت أغنية الشباب المحببه ، لكي –تتحكر- في قلب الساحة الغنائية وتتوسط أعمال محمد الأمين وهي التي تقول كلماتها: أربعه سنين00شافم الحب الليله عيد ميلادو00ياقلب أربعه سنين00تجربه وزاد مهرجانات حُب000وأعياد إشتياقات00قلبي ريّاد إنفعالات00ليها أبعاد وتمر الأيام سراعاً ، لنجد محمد الأمين يفاجيء الوسط الفني بتجربه أخري من تأليف فضل الله محمد ، ولكنها هذه المره تأتي في إيقاع لحني مميز وهاديء ، وهي تتميز بمفردات أيضاً لم تُستخدم من قبل ،وهي هنا لا تصف المحبوب ، بل تتساءل في دهشه حين تقول كلماتها: سارحه مالك ياحبيبه؟؟00ساهيه وأفكارك بعيده بقرأ في عيونك حياتي00وإنتِ مشغوله بجريده بتقري في إيه كلميني00ياسلام مهتمه عامله يعني لازم تقري حسه00مقال بحالو أو قصه كامله كم شهور مرت علينا00فيها بُعد وفـُرقه شامله وأمري لله00000، وحسناً فعل فضل الله أن فوّض أمره لله حين إنعدمت به الحيله ولم يفلح في إثناء الطرف الآخر عن قراءة الجريدة ، مما يُعتبر تهميشاً له ( أو تقله عليه)0وهذا بالطبع نوع جديد في لغة التخاطب الشعرية لم يألفه المستمع السوداني من قبل ، وكانت مقدرة أبو الأمين فائقه في وضع لحن لتلك الكلمات بالرغم من صعوبة تلحينها وكان عنوانها(الجريده)0 ثم تأتي بعدها أغنية (الموعد) لكي يخترق بها فضل الله (حاجز صوت) الفنان محمد الأمين بحلو كلماتها وجديد موسيقاها الراقصة ، حيث كانت فرصة أخري لكي يبدع أبو الأمين في توظيف آلة العود التي يعشقها في وضع موسيقي المقدمه لتلك الأغنية بخربشات رائعه علي العود 0 وكانت كلمات الأغنية تقول: أشوفك بكره في الموعد00تصور روعة المشهد وعدتك قبل كده مرات00ولسه في رؤويتك بحلم مشاغل الدنيا تجبرني00أخالف وعدي وأتلوّم ولو تعرفني كم بتعب00بعيد عنـّك وبتألم إلي ان يصل بنا فضل الله لقمة التفاؤل 00مودعاً ظلام الهم000 ويصرخ هنا محمد الأمين بصوت عالي مختتماً الأغنية :- وداعاً يا ظلام الهم 000علي أبوابنا ماتعتـِّب000ومرحب ياصباح الحب 00تعال ما تبتعد قرِّب0 للشاعر المهاجر (إسحق الحلنقي) أغنية جميلة لا يزال محمد الأمين يترنم بها في كل حفل 00وهي(شال النوار) 00وهي من الأغاني التي تمتاز بكلمات جميله ولحن فرائحي تماماً ياريت من أول000 وريتنا إنك AL_SAUDI يتبع0000محمد الامين
وريتنا إنك يكمن00 تتأخر يوم كان غائب00أطمنّا شويه وبحرك ياليل00ماشفنا نجوم بيقولوا الغائب00عذرو معاه في غيابك ياما00نشيل اللوم العيد الجاب الناس000لينا ما جابك يعني نسيتنا خلاص مع إنك إنت الخليتنا نغني الحب00ذكري وإخلاص ولازالت الذاكرة تتسع لسرد المزيد من هذه الأعمال الخالدة000 وهنا تستحضرني قصة طريفة حول أغنية( شال النوار) التي تغني بها أبو الأمين من كلمات إسحق الحلنقي كما ذكرنا سابقاً ، والقصة هي أننا كنا مجموعة أصدقاء من الطلاب بجامعة القاهرة بالخرطوم في بداية السبعينات نستأجر منزلاً بأم درمان(حي بيت المال) وقد كنا نعمل وقتذاك بالتدريس نهاراً ونذهب للدراسة بجامعة القاهرة مساءً كشأن الطلاب في ذلك الزمان ، وذات يوم كنا نترنم بالعود في المنزل بأغاني محمد الأمين ، فطلب مني صديقي عباس بابكر أحمد دبوره وقد كان طالباً بالحقوق ، وهو حالياً (قاضي إستئناف) بمدينة عطبره ، بأن أغني له أغنية محددة لمحمد الأمين ، وكان كعادته لايحفظ أسماء الأغاني، وكان يسكن معنا أيضاً الصديق العزيز الراحل العميد حقوقي عبدالرحمن عبداللطيف زيادة والذي توفي إلي رحمة مولاه في بداية عام 1999 م وكان وقتها طالب بكلية الحقوق، واخذ يعدد للأخ عباس أسماء أغاني محمد الأمين لكي نغني له طلبه ، ففشلنا جميعنا في معرفة مقصد ألأخ عباس الذي لم يعرف إسم الأغنية ، وأخيراً طلبنا منه أن يذكر لنا أي مقطع (كوبليه) من الأغنية لكي نتعرف عليها فكان رده:-والله أنا معارف فيها شيء غير أنو محمد الأمين يقول فيها(الناس كلهم جونا في العيد00إلاّ إنت ماجيت معاهم) 00فضحكنا طويلاً لهذه اللخبطة في حفظه للأغاني، وقد عرفنا مقصده00 فهو كان يقصد (العيد الجاب الناس 000لينا ماجابك) وظل الراحل مولانا عبدالرحمن زياده يتناول هذه الطرفة كثيراً حتي وفاته(طيب الله ثراه)0 ومن أعمال أبو الأمين الشهيرة ، لا ننسي تلك الأغنية التي فازت بالمرتبة الأولي في مسابقة الإذاعة السودانية بإستفتاء المستمعين في عام 1979م وهي ( بتتعلم من الأيام) وقد إستخدم فيها أبو الأمين أيضاً آلة العود إستخداماً فيه مهارة فائقة في المقطع الأخير من الأغنية000وقد كانت تحتوي علي مفردات فيها الكثير من أسلوب الملامة الرقيق حين تقول بعض أبياتها: وتعرف كيف 00يكون الريد وكيف الناس00 بتتألم وتتعلم وراء البسمات 00كتمت دموع بكيت 00من غير تحس بيّا ومصيرك بكره000تتعلم ثم تمر الأيام والسنين000ليلتقي محمد الأمين مرة أخري بهاشم صديق 00شاعر الملحمه ذاك 000وقد كان هاشم خارجاً منتشياً بعد نجاح أعماله الدرامية الفذة في منتصف السبعينات 00نبته حبيبتي 00خطوبة سهير00لكي يجد الطريق أمامه ممهداً فيلقي علي مسامعنا بكلمات أغنية محمد الأمين000ويدخل بها أبو الأمين تجربة الغناء بمرافقة آلة (الأورج) فقط 00حيث كان يعزف معه الموسيقار بدرالدين عجاج بدون أوركسترا00ولا حتي إيقاع00فكانت (حروف إسمك) هي فعلاً حروف تستحق أن نقف عندها لنري ماذا تقول : حروف إسمك000جمال الفال وراحة البال00 وهجعة زول 00بعد ترحال وتنية حلوة00للشبال وغنيتنا00مشاوير في كلمات00حلوات00 تتقال يذهب هنا الشاعر أكثر لكي يعكس صورة الفرح كتقليد إجتماعي متوارث في الزواج السوداني حين يقول : أساور 00في إيدين طفله بتحفظ في كتاب الدين زفاف عاشقين00بعد فرقه00 بين إتنين00العديل والزين وسط باقات00دعاء الطيبيبن والليله العديل00ساهله ليك بيضاء ثم تأتي الأغنيات الجديده بعدها 000وقد ظهرت (زورق الألحان) كإضافة لأعمال محمد الأمين في تجربة الغناء بالأورج فقط00ولكن000 لم تستمر التجربه AL_SAUDI محمد الامين
طويلاً 00حيث قام محمد الأمين بتكوين فرقة موسيقية مستديمه وكانت تتكون في معظمها من شباب معهد الموسيقي كالفاتح حسين وفايز مليجي من مدني ويرافقهم من المخضرمين الحبر سليم ومحمد آدم المنصوري قائد الأوركسترا وآخرون00 نصل الآن مع الفنان محمد الأمين إلي (حفلة لندن) الشهيرة في عام 1981 حيث كان ذلك الحفل الضخم قد أقيم في مسرح (لوقال هول) والذي حضره معظم السودانيين من شتي أنحاء المملكة المتحدة، وقد تم طبعه علي أشرطة فيديو وكاسيت وتم توزيعها في كل دول المهجر التي يتواجد بها السودانيون وبداخل السودان ، وأذكر أن الفنان محمد الأمين قد إبتدر ذلك الحفل بأغنية فضل الله محمد الشهيرة والتي تم تأليفها منذ نهاية الستينيات ولكن محمد الأمين قام بإخفائها لمدة عشرين عاماً حتي الثمانينات لكي تظهر وتطغي علي الساحة الفنية ، وقد إمتازت بلحن تطريبي هاديء جداً لا ضجيج فيه ، وهي من النوع الذي يطلق عليه أغنية إستماع مثل أغنيات بتتعلم من الأيام ، والحب والظروف000فكانت تلك الأغنية هي (ذات الشجون)00000حيث تقول مقدمتها: ماهو باين 00في العيون وين حنهرب منو 00وين؟؟ الهوي 00البعث الليالي الحالمه00في ذات الشجون وأذكر هنا أن إبن ود سلفاب العازف الماهر (سعد الطيب) قد تفنن في اللعب علي الأورج في عدة صولات وجولات فيها الكثير من الإبداع خلال موسيقي أغنية ذات الشجون0 وقد تغني في حفل لندن ذاك بالأغنية الجديدة وقتها (عويناتك) وهي ذات مفردات رشيقه ، وقد أعجبني منها المقطع التالي: أقول ليها00عيونك 00 زي سواد قدري00 مكحِّـله00عمري من بدري ولو أقدر أسافر00 في بريق لحظك00وما أرجع تقول لي 000خايفاك بكره تتوجّع آه 000تتوجع0 هذا (الكوبيله) نري أن أبو الأمين قد أدّاهُ بإحساس عالي جداً وتشعر بأنه يتحرّق حين ينطق بذلك اللحن وبتلك الكلمات000 وميزة محمد الأمين أن لديه إحساساً شفيفاً قد خصّه الله به 00وهو يعرف كيف ومتي يظهر ذلك الإحساس الشفيف للناس00وكيف يترجمه إلي عمل موسيقي متكامل0 فالفنان إذا لم يحس بمعني مفردات القصيدة فإنه مهما كان لحنها جميلاً وصوته أجمل ، لا يستطيع أن يقنع المستمع بالعمل0 وهنا000 لايفوتنا ان نشير إلي إنضمام الشاعر الرقيق الدكتور عمر محمود خالد إلي سجل الأعمال الغنائية الخالدة حين أهدي إلي محمد الأمين أجمل الأغنيات ، وفي مقدمتها تلك التي عاد بها محمد الأمين إلي غناء (السنين ) مرة أخري 00فكانت (خمسه سنين) والتي يكثر الفنان من ترديدها في معظم حفلاته ، فهي لها معزة خاصة عنده: خمسه سنين معاك00يازينة الأيام ويانوارة الحلوين00مرّت حلوه زي أنسام وزي أحلام صبيه صغيره زي ياسمين ثم نأتي إلي السنة الأخيرة من نهاية القرن العشرين حيث قامت شركة(سودانيز ساوند) الشهيرة بالخرطوم بتنظيم إستفتاء في عام 1999م حيث اعلنت فوز ألبوم محمد الأمين (ودمدني واحد) بالجائزة الأولي في التوزيع الجماهيري 00وقد كانت مقدمة الشريط بصوت المذيعة التلفزيونية اللامعة (منال محمد سعيد) حيث قالت فيها (هذا الفنان00 أتي من تلك المدينة الرائعه ، من قلب الجزيرة، تلك التي تتوسط السودان الحبيب 000 محمد الأمين ،هذا الفنان الرائع والشامخ، كشموخ وطننا الجميل000 محمد الأمين ، هذا الإنسان، هذا الفنان، أحب ودمدني 00حتي الوله)0وللعلم فإن أغنية( ودمدني ) قد صاغها شعراً الراحل خليل فرح عام 1930م وهو في طريقه بالقطار من الخرطوم إلي ودمدني للمشاركة في زواج الراحل الفنان الحاج محمد أحمد (سرور) الذي توفي ودفن في أسمرا في أربعينات القرن العشرين، وقد كان سرور هذا من مواطني قرية (فداسي -وودالمجذوب) بجوار ودمدني ، ووضع محمد الأمين للقصيدة لحناً هادئاً جميلاً ومحبباً كثيراً إلي النفس ، وقام بالتوزيع الموسيقي إبن ودمدني أيضاً الموسيقار دكتور الفاتح حسين مدير الفرقة القومية للموسيقي وعازف الرزم جيتار الشهير00وتقول: مالو أعياه النضال بدني00روحي ليه مشتهيه ودمدني كنت أزور أبويا ودمدني00 وأشكي ليهو الحضري والمدني دار أبويا ومتعتي وعجني00يا سعادتي ومنيتي وشجني ليت حظي يسمح ويسعدني000طوفه فد يوم في ربوع مدني وختاماً نقول000ستمر السنون، وتتجدد الأجيال، وتتبدل الأحوال، وربما تظهر فنون أخري من نتاج أجيال أخري 00ولكن 0 00ستبقي الأعمال الغنائية لهذا الفنان الموهوب والجاد جداً (ابو الأمين) تراثاً إبداعياً متقدماً ومتميزاً ، تتناقله الساحة الفنية لفترة طويلة من الزمان ، لأن تلك الأعمال الموسيقية بمضامين كلماتها وألحانها الشجية ومفردات أشعار مبدعيها : فضل الله محمد والراحل خليفه الصادق والحلنقي ود0 محمود خالد وهاشم صديق وكل كواكب الشعراء الذين كتبوا من أجل أبو الأمين عبر مختلف الحقب طوال مسيرته الفنية ، ستصمد في الزمن القادم0 00والذي لا علم لنا بظروف مكوناته الإبداعية 0000وإلي اللقاء00والسلام0 منقول http://www.mugran.com/omdur/board//archive/index.php/t-8016
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء
مستعارة
لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها