الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 05-07-2024, 12:04 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2009م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-07-2009, 06:00 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح


    قضية الخفاض بالسودان
    تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح*

    إن الكتابة عن قضية الخفاض تحتوشها الصعاب، وذلك لعدة أسباب، منها أن القضية تختزل في طياتها قضايا مجتمعية شائكة، تنعكس على الفرد والأسرة والجماعة والدولة، بصور ومستويات شتى، وبالتالي فإن الحديث عنها يقتضي التعامل الموزون مع كافة هذه الانعكاسات.. من الأسباب أيضا أهمية السياق الذي يفيد فيه الحديث المسهب عن القضية، وهي الآن تشهد في السودان مرحلة جديدة نسبيا من مراحل المواجهة، فيها ظهور لحركة وعي متكافلة وإيجابية، وفيها أيضا صور من المواقف والقرارات غير الحكيمة، بحسن نية وبسوئها، من أطراف النزاع المختلفة.. أحد الأسباب أيضا يكمن في انشغال شخصي بالقضية، سببه الإحساس بمسؤولية تجاهها، كإنسان صاحب رأي في قضية إنسانية، لكن الرأي الذي لا يتبعه اتساق في العمل لا ينفع، بل يضر، ومن هذا المنطلق فهذه الورقة أضعف الإيمان، كجهد المقل في سبيل هذه القضية المهمة جدا.. ولا أزعم أن في هذه الورقة فتحا فكريا أصيلا، أو حلا ناجزا للمشكلة، بل فقط أشارك القارئ بما يردني في الأمر، عله يكون مفيدا.. تتزامن هذه الورقة أيضا مع ذياعة البرنامج العالمي ضد الخفاض (بشتى أشكاله حول العالم)، والذي دشنته مؤخرا منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، بهدف معلن هو تقليل عدد ضحايا الخفاض في العالم بنسبة 40% بحلول عام 2015، مع العمل على إنهائه كليا خلال جيل واحد من الآن [1].

    أنطلق في مكتوبي هذا من أرض التأييد لموقف الفكرة الجمهورية من هذه المسألة، لكن ليكن واضحا أن رأيي هنا لا يمثل سوى فهمي لموقف الفكرة، ما يعني أني مسؤول عنه مسؤولية مباشرة.. إني، ببساطة، لا أريد أن يحمل غيري مسؤولية ما قد يظهر من قصور فكري في هذا المكتوب، بيد أني أيضا لا أريد أن أدعي ما قد يظهر فيه من قاعدة فهمية حصيفة مستمدة من تاريخ الفكرة الجمهورية، في القول والفعل، المتعلق بهذه القضية، فاستنادي على هذه القاعدة الحصيفة لا يعني أني سأحسن استعمالها وأخرج بنتائج جديدة متسقة معها، لكني بالطبع أرجو ذلك.

    خريطة هذا المكتوب ستكون كالأتي: بداية تأسيسية بفذلكة تاريخية عامة لموقف الجمهوريين من قضية الخفاض في السودان، ومقارنة عامة باتجاهات أخرى، يليهما تحليل عام لما يمكن أن نستخرج من نتائج معيارية عامة، ثم أخيرا طرح خطوط عريضة لما نرى أن يكون عليه خط العمل العام في سبيل المواجهة الناجعة لهذه القضية في سياقنا المعاصر.


    قصي همرور
    _________
    *نُشرت الورقة بمجلة نقدي، العدد الثاني (ابريل - يونيو 2008): http://www.naqdy.org/archive_second-edition_4-6_2008.html
    [1]UN News Center. 6 Feb 2008. “UN agency marks International Day with call for ending FGM.” UN Daily News. Issue DH/5081.
                  

02-07-2009, 08:44 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    فذلكة تاريخية

    ظهر قانون الخفاض في السودان الانقليزي/المصري في ديسمبر 1946 [2]، بصورة فوقية من السلطة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية نفاذ وثيقة الأطلنطي التي تكفلت بتقرير المصير للشعوب المستعمرة الجاهزة للاستقلال [3].. عارض الجمهوريون القانون منذ صدوره، واتهموا الاستعمار بأنه لم يسن القانون اهتماما بالمرأة السودانية، بل لإذلال الشعب السوداني وإظهاره بمظهر الشعب المتخلف الذي لمّا يستحق تقرير المصير بعد.. كانت الملابسات السياسية التي ظهر قانون الخفاض نتيجة لها واضحة للمتابعين، وبما أن عادة الخفاض كانت متأصلة في الشعب السوداني حينها، ومربوطة لديهم بالعرض والشرف، فقد كانت مخالفته لهذا القانون متوقعة ومحسوبة، بل ومرغوبة من قِبل الاستعمار لتكون له دليلا أمام المجتمع الدولي على تخلف الشعب السوداني.. وقد عمل الاستعمار على تطبيق هذا القانون بشدة وغلظة، ليستثمر غرضه السياسي منه لأقصى ما يمكن.

    أما الجمهوريون فقرروا استثمار هذا القانون لمصلحة الشعب السوداني، ليملأوا فراغ الحماس فيه ضد الاستعمار لينهض الشعب على المستعمر الدخيل الذي يريد "تمدينه" بصورة فوقية.. لكن الجمهوريين، حين أرادوا استثمار هذا القانون، كانوا أيضا حريصين منذ البداية على توضيح منهجهم، وأنهم ليسوا بصدد الدفاع عن عادة الخفاض بل هم ضد تغييرها بالقوانين الفوقية الصادرة من حاكم لا يبغي مصلحة الشعب فعلا، لأنه غريب في الأصل عن هذا الشعب ومفاهيمه، وتاريخ وجوده في ذلك المنصب منذ بدايته يسطر سيرة القهر والاستغلال.. أصدر الجمهوريون بيانهم الأول بخصوص هذه الحادثة، وقالوا فيه:

    "لانريد بكتابنا هذا أن نقف موقف المدافع عن الخفاض الفرعوني، ولانريد أن نتعرّض بالتحليل للظروف التي أوحت به لأهل السوان، والضرورة التي أبقته بين ظهرانيهم إلى يومنا هذا – ولكننا نريد أن نتعرض لمعاملات خاصة، وأساليب خاصة، وسنن خاصة سنتها حكومة السودان، أو قل، ابتدعتها ابتداعا وأرادتنا أن ننزل على حكم ابتداعها إرغاما (...) من الآيات الدالّة على سوء القصد، في هذه الأساليب، إثارة مسألة الخفاض الفرعوني في هذا الظرف.. وأساليب الدعاية التي طرقتها له، والطرق التي ارتأتها مناسبة لإبطاله، والقضاء عليه، ولقد جاءت هذه الآيات دليلا واضحا على التضليل المقرون بسبق الإصرار" [4].

    كان موقف الجمهوريين واضحا وقويما موثقا منذ البداية، ولا يضيره اليوم محاولات بعض المثقفين تشويهه ووصفه بالرجعية، منذ نهاية ستينات القرن الماضي وحتى هذه الألفية الجديدة [5]، وهم – أي هؤلاء المثقفون – الذين لم يستطيعوا فهمه جيدا، برغم وضوحه، أو لم يقاوموا إمكانية تسجيل نقاط سياسية، متوهمة، تنفعهم في صراعهم الفكري مع الجمهوريين.. المسألة ببساطة هي هكذا: دخل الانجليز السودان منذ عام 1898، فلماذا لم يثيروا قضية الخفاض بهذه الصورة إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية نفاذ وثيقة الأطلنطي؟

    وهكذا فقد صعّد الجمهوريون قضية الخفاض، كقضية اجتماعية، إلى مستوى العمل السياسي، بدون أن تصدر منهم شبهة تأييد لعادة الخفاض، وما هذا إلا لأنهم يملكون منهجا مغايرا لمحاربة هذه العادة، وغيرها من العادات الضارة التي تكتنف الشعب السوداني، كغيره من الشعوب.

    "حين ناهض الأستاذ محمود محمد طه، قبل نصف قرن من الزمان، اتجاه السلطات البريطانية لإصدار [قانون الخفاض]، ذكر، ضمن ما ذكر، حينها، أن الانجليز ليسوا أحرص منا على صحة بناتنا ومستقبل حياتهن.. كما ذكر أن العادات الضارة لا تحارب بسن القوانين وتطبيقها، وإنما تحارب بالتعليم وبالتوعية وبالأخذ الجاد بأسباب النهضة الشاملة.. وقال بالتحديد إن على الانجليز، إن كانوا صادقين فيما يزعمون، أن يسارعوا بفتح المدارس في كل أرجاء القطر، ودفع القطر نحو النهضة الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، بدل العمل على تجريم الأميين على عادات ورثوها من آبائهم وأجدادهم" [6].

    في سبتمبر 1946، ظهرت أولى نتائج القانون، فقد اقتيدت سيدة شابة في رفاعة، في غسق الليل وبإزار النوم، للسجن لأنها خفضت بنتها.. اقتيدت السيدة كمجرمة لأنها مارست عادة اجتماعية غائرة ومتوارثة في بيئتها، ولم تجد من التعليم والتوعية ما يثيرها لمخالفتها (بل إن مخالفتها في تلك البيئة كانت تقود لنتائج اجتماعية فادحة عليها وعلى ابنتها معا، فالسيدة لم تخفض ابنتها إلا حرصا عليها في الأساس، حسب فهمها).. وضعت السيدة في سجن عمومي، هو الوحيد في رفاعة (فلا يوجد سجن للنساء).. حينها اتصل الأستاذ محمود محمد طه وثوار رفاعة بالمفتش الذي حكم عليها محتجين، فاعترف بعدم صلاحية السجن للنساء في رفاعة وأطلقها بضمانة، لكنه بعد عودته للحصاحيصا أمر بإعادة الفتاة للسجن!

    من تلك اللحظة تداعت الأحداث وتصاعدت، وعُرفت في التاريخ السياسي السوداني بثورة رفاعة، ولا نريد هنا المضي في تفاصيل الثورة، لأننا غير معنيين بها مباشرة هنا، ويمكن العودة لتفاصيلها في مصادر أخرى [7].. ما يهمنا هنا هو تأكيد الحيلة السياسية القذرة التي أرادها الاستعمار من هذا القانون، وتأكيد أن ثورة رفاعة لم تقم تأييدا لعادة الخفاض، بل قامت نضالا ضد وصاية المستعمر الدخيل.. إثر تلك الأحداث انتبه كثير من المثقفين ومتابعي السياسة لخطورة القانون، وتجاوبوا مع موقف أهالي رفاعة والجمهوريين، فجاء في إحدى افتتاحيات جريدة الرأي العام، في أكتوبر 1946، الآتي:

    "أصبح واجبا لزاما علينا أن ننبه الحكومة، على ضوء ماحدث أخيرا، في أول تجربة لتطبيق هذا القانون، إلى الخطر الذي ينجم من التسرع في تطبيقه، وإلى النكبه الاجتماعية الخطيرة التي ستتعرض لها المرأة السودانية عند تطبيق هذا القانون عليها (...) هناك خطر جسيم لا بد من التنبيه عليه، ذلك أن المرأة السودانية الشريفة الحرة لم تتعرض حتى الآن إلى محنة السجن بحكم حياتها الاجتماعية التي تنأى بها عن مواطن الجريمة، وقانون الخفاض بوضعه الحالي سيخلق عقابا لجريمة سوق تتعرض لها بالتأكيد كرائم النساء السودانيات اللواتي لا يرين ان في الخفاض جريمة بحكم ما يسيطر على عقولهن من سلطات العادات والتقاليد المتبعة، ومعنى هذا انه من المحتمل جدا أن يتعرض لسطوة القانون هذا النوع من السودانيات المحصنات، ويقينا أن إلقاء هؤلاء في السجن، بغض النظر عما يثيره في رجالهن وذويهن، فإنه من ناحية النظرة الاجتماعية المحضة يقضي على سمعتهن وكرامتهن قضاء مبرما (...) إذن فالعقاب بالسجن لمثل هذا النوع من النساء لا يعد إصلاحا وتهذيبا لنفوسهن ولا يردع غيرهن، وهذا هو الغرض من سجن المجرم" [8].

    بعد تلك الأحداث مضت عقود من محاولات التوعية التي قاد طليعتها جمع من النساء المتعلمات السودانيات (ونخص بالذكر الاتحاد النسائي)، وغيرهن أيضا (كالشبكة السودانية للقضاء على ختان الإناث التي تأسست مؤخرا عام 2002)، وأثمرت شيئا من الوعي، خصوصا مع زيادة نسبة السودانيات المتعلمات ومستوى تعليمهن، إلا أن العادة ما زالت مستوطنة عند الشعب السوداني، فوسط كل الأحداث التاريخية والمستجدات المعاصرة بقيت نسبة المخفوضات لليوم 90% من السودانيات القاطنات في الشمال والوسط ضمن الفئة العمرية بين 15 و 49 عاما، وفقا لإحصاءات منظمة اليونسيف [9].. تقل هذه النسبة، لنفس الفئة العمرية، في الشرق إلى 87%، وفي دارفور أكثر إلى 65% (لا توجد حتى الآن إحصاءات للجنوب).. أما الإحصاءات الأكثر خطرا فتقول إنه في عام 1990 كان النساء من نفس هذه الفئة العمرية، في عموم السودان، يؤيدن استمرار عملية الخفاض بنسبة 79%، ثم ينقسمن إلى نصفين تقريبا بين مؤيدات لاستمرار الخفاض الفرعوني ومؤيدات لاستمرار الخفاض الذي يسمى بالسنة [10].. ما تدل عليه هذه الإحصاءات بوضوح هو أن المزيد من التوعية ورفع مستوى المرأة التعليمي ما زال مطلوبا بشدة، وقد تضافرت عوامل شتى، منذ الاستقلال وحتى اليوم، لحجب أغلبية الشعب عن مسيرة الوعي.. بهذا فإن حملات التوعية التي جرت في هذه الفترة وأثمرت لم تستطع نشر المد الوعيوي بصورة كافية لأسباب عدة، تتعلق بمسائل لوجستية وسياسية أكثر من تعلقها بمنهجية التوعية (وإن كانت هذه أيضا بحاجة للتطوير دوما).

    كان خطأ الاستعمار في إصدار قانون الخفاض واضحا، وما زال، من الناحيتين الاجتماعية والسياسية، كما قد مرت على السودان قوانين فوقية كثيرة منذ قانون 1946، وتراوحت بين منع الخفاض الفرعوني أحيانا ومنع جميع أشكال الخفاض الأخرى أحيانا، والتجاهل أحيانا أخرى، لكنها جميعا فشلت في التأثير الواضح على مدى الممارسة وأشكالها.. وقد استجاب بعض المفكرين الغربيين لدروس التجربة بعد سنوات، إذ يرد في كتاب الأستاذ إبراهيم يوسف عن ثورة رفاعة حديثا للبروفيسورة ألين قرونبوم، في كتاب لها عن الخفاض "بعد خمس سنوات من البحث الميداني عن فشل الغربيين في التعامل مع عادات المجتمعات الشرقية مثل عادة الخفاض، حين حاولوا التعامل معها بالقوانين بدون أي اعتبار للعوامل الأنثروبولوجية" [11].

    نواصل..

    _________
    [2]الأخوان الجمهوريون. "معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية خلال ثلاثين عاما: 1945-1975"، الكتاب الأول.
    [3]إبراهيم يوسف. "ثورة رفاعة المجهولة". رقم الإيداع: 2004/455
    [4]الأخوان الجمهوريون، مصدر سابق
    [5]كمثال قديم نجد الدكتور سعيد محمد أحمد المهدي، الذي كان فيما مضى عميدا لكلية القانون بجامعة الخرطوم، وقد نـُشر له بجريدة الصحافة، بتاريخ 30/11/1968، وصفه لثورة رفاعة بالرجعية لأنها أيدت الخفاض الفرعوني.. وكمثال حديث على هذا الأمر نجد الدكتور خالد المبارك، في مقاله "محمود محمد طه وأنصاف الحقائق" في نوفمبر 2002، وغير هؤلاء الاثنين الكثير على مدى أكثر من ربع قرن من كتابات المثقفين اليساريين.
    [6]النور حمد. 2006 (30 ابريل). منبر موقع "سودان للجميع" (Sudan-forall.org). في مشاركة له ضمن خيط بعنوان "جيوبوليتيك الجسد العربسلامي في السودان" للدكتور حسن موسى.
    [7]راجع إبراهيم يوسف، مصدر سابق، والأخوان الجمهوريين، مصدر سابق أيضا
    [8]إبراهيم يوسف، مصدر سابق، صفحة 18
    [9]UNICEF. 2006. Changing a Harmful Social Convention: Female Genital Mutilation/Cutting. Printed by Giuntina, Florence, Italy.
    [10]UNICEF. 2005 (November). Sudan FGM/C Country Profile. (Source: UNICEF, Sudan DHS 1989/90, MICS 2000).

    [11]إبراهيم يوسف، مصدر سابق، صفحة 7
                  

02-07-2009, 09:16 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    في بداية ثمانينات القرن المنصرم، قامت جامعة الأحفاد بحملة مناهضة للخفاض، وكان أن أقيم يوم توعية ودراسات عامة للموضوع في الجامعة نفسها، حضره الأستاذ محمود محمود طه ومجموعة من تلاميذه، وعاد منه مستاء من الصورة التي يحاول بها المثقفون والمثقفات التعامل مع هذه القضية الحساسة، بصورة تقليدية للأسلوب الغربي القديم، جليب المستعمر، في التعامل معها، وكانت هذه هي الحادثة التي خرج إثرها كتيب الجمهوريين عن الخفاض الفرعوني (أكتوبر 1981).. وفي الفترة الأخيرة، تحت حكم جماعة الإنقاذ الوطني، نحا الكثير من عموم أهل اليسار العريض، داخل السودان وخارجه، إلى تصعيد هذه الحملة ضد الخفاض الفرعوني بنفس الصورة الغربية القديمة وأكثر، بالتشنيع بها ثقافيا، كعمل شيطاني، في مواجهة خيال البسطاء من ممارسيها (الذين لا يحسبون أنهم يؤذون بناتهم ولا يرضون أن يوصفوا بذلك)، وبتحريض المؤسسات الغربية على السلطة في السودان بسبب هذه العادة (وليت السلطة الحالية كانت هي من اخترعت هذه العادة، أو أنها من يمكن أن توقفها)، وبمخاطبة أجهزة الحكم لإصدار قوانين فوقية لإبطال العادة أكثر من مخاطبة الشعب منهجيا لتوعيته بمضار العادة.. إن ظلال الهدف السياسي المقصود من هذه الحملة، في تشديد الضغط العام على الحكومة الحالية على شتى الأصعدة، واضح، والعيب ليس فيه، إذ من المؤكد أننا هنا لا نشير لعدم أهمية مواجهة قضية الخفاض، واضطهاد المرأة عموما، على المستوى السياسي كما الاجتماعي، لكننا نشير لضرورة الحكمة في التعامل والتحليل الاجتماعي الواقعي للبيئة السودانية، حتى حين الفعل السياسي.

    إلا أن الاتجاه الأخطر هو ما آلت له الحكومة الحالية في السنوات الأخيرة، فهي قد دعمت هذه العادة بوسائل عدة، قصدا أو بغير قصد؛ إذ قامت بإفساح سبل الدعاية لمؤيديها في أجهزة الإعلام الرسمية، وهي اتجاهات ترويجية للخفاض باسم الدين، لتضع قداسته درعا لعادة اجتماعية ضارة (وهي عادة تمارسها شعوب عديدة متباينة الأديان، حول العالم وفي السودان نفسه).. المؤسسات الدينية المدعومة، ماديا وإعلاميا، من الحكومة يتخذ كثير منها موقفا مؤيدا للعادة، برغم الموقف العام المذاع للحكومة في معارضة الخفاض وتصريحات وزير الصحة عام 2003 في اتجاه الوعود بمحاربة الحكومة للعادة بالقانون والتوعية معا، ففي مايو 2005 صدرت فتوى عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرئاسة الجمهورية تقول إن "ختان السنة مستحب وواجب، وإذا تم فهو فعل مأجور" [12].

    أثارت مؤخرا قصة الطفلة انعام، التي ماتت في ديسمبر من عام 2005 جراء التهاب حاد نتيجة لخفاضها، موجة إعلامية كبيرة مناهضة للعادة، بصور شتى، ليس من جانب أجهزة الإعلام الرسمية في الدولة، بل من جانب قنوات التعبير الحديثة التي صارت بمتناول الكثير من فئات المجتمع خارج إدارة الدولة، خصوصا منتديات الحوار والصحف الالكترونية في الانترنت.

    نواصل..

    _________
    [12]موقع العربية. 2006 (4 ابريل). "90% من النساء السودانيات مختونات: فتيات ينزفن حتى الموت جراء الخفاض الفرعوني في السودان".
                  

02-07-2009, 09:31 PM

fadlabi
<afadlabi
تاريخ التسجيل: 12-13-2004
مجموع المشاركات: 4116

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)


    أود التعليق على (الفذلكة التأريخية) كما أسماها قصي صاحبي

    و دعواه أن الجمهوريون كان موقفهم المعارض لقانون الخفاض في السودان الانجليزي/المصري في ديسمبر 1946، دافعه هو حفظ كرامة السودانيين و ليس دفاعهم عن الخفاض

    و يستشهد همرور بالبيان الذي فاتحته أنهم لا يدافعون عن عادة الخفاض..

    ما يضايقني جدا هنا أنهم ربما لم يدافعوا عن الخفاض و لكنهم لم يقفوا ضده و كان بإمكانهم ذلك..

    بل أن إستثمارهم لغضب المدافعين عنه و محاولة توجيهه لمحاربة الإستعمار فيه شئ ميكافيلي..

    فالخفاض عادة متخلفة و ضارة و القانون كان فرصة جيدة للقضاء المبكر عليها

    و ربما لولا معارضة الجمهوريون للقانون لأبقينا على حياة الآلاف من الصغيرات اللائي فقدن حياتهن تحت أمواس الخافضات بعد هذا القانون بعشرات السنين..

    و قول الأستاذ محمود بأن الإنجليز ليسوا أحرص على صحة بناتنا منا تشوبه عندي الشوائب.

    فكم من السنين أستغرق الأستاذ ليصدر قوله الواضح في معارضته للختان.. و كم من الضحايا حصدت تلك السنين..

    ثم أن الدوافع الأخرى تتعارض مع الكثير من مبادئ الجمهوريين ..

    فدافع أن المرأة السودانية الشريفة لم تتعرض للسجن قبلا فيه تعالي على المرأة و إنقاص لقدرها..

    المرأة ليست أقل من الرجل و جريمتها تستحق عليها العقاب تماما كجريمة الرجل التي يستحق عليها العقاب ..

    فالمساواة تكون في الحقوق و الواجبات..و العقاب و الثواب..

    راجع ليك يا فردة

    .

                  

02-07-2009, 09:37 PM

Siddig A. Omer
<aSiddig A. Omer
تاريخ التسجيل: 04-06-2005
مجموع المشاركات: 3818

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: fadlabi)

    دائماً يتحدثون عن "خفاض"...الاإناس....لماذأ ...لا يتحدثون...عن خفاضنا...نحن الذكور.....فقد خلقنا الانسان فى أحسن "تقويم"....صدق الله العظيم
                  

02-08-2009, 01:59 AM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Siddig A. Omer)

    فاضلابي.. مرحب بيك يا صاحب ومرحب بتعليقاتك، وأشكرك جدا على النقد لأنه يعطيني الفرصة لتوضيح موقفي أكثر، كما انه من المؤكد سيعينني على اكتشاف مناطق الخلل في موقفي إن كانت هناك.

    قبل الرد، لا بد من تصحيحات.. تقول "ثم أن الدوافع الأخرى تتعارض مع الكثير من مبادئ الجمهوريين.. فدافع أن المرأة السودانية الشريفة لم تتعرض للسجن قبلا فيه تعالي على المرأة و إنقاص لقدرها".

    التصحيح هنا إن الحديث أعلاه ليس حديث الجمهوريين، بل هو منقول من جريدة الرأي العام، عن تحرير الجريدة حيث قررت التضامن مع ثوار رفاعة (راجع النص أعلاه).

    حسنا.. نأتي بعدها لنقاطك النقدية يا محمد..

    (1)
    تقول يا محمد "وقول الأستاذ محمود بأن الإنجليز ليسوا أحرص على صحة بناتنا منا تشوبه عندي الشوائب. فكم من السنين أستغرق الأستاذ ليصدر قوله الواضح في معارضته للختان.. و كم من الضحايا حصدت تلك السنين".

    لكن الأستاذ لم ينتظر ليقول رأيه في موضوع الخفاض، بل قاله منذ البداية وأكد عليه، ومن ثم كانت حياته كلها في سبيل رفع الجهل ونصرة المرأة حتى تزول جميع أسباب اضطهادها، ومن ضمنها الخفاض.. الأستاذ محمود لم يقل إنه حريص على البنات السودانيات فحسب، بل هو أثبت ذلك بالفعل، ومواقفه الفكرية والعملية في نصرة المرأة لم تتأخر منذ بداية الحركة الجمهورية.

    ربما انت تختلف مع موقف الأستاذ هذا، لكن ذلك ليس كافيا ليجعلك تسيء الظن في حرص الأستاذ على صحة السودانيات!

    (2)
    تقول: "بل أن إستثمارهم لغضب المدافعين عنه و محاولة توجيهه لمحاربة الإستعمار فيه شئ ميكافيلي.. فالخفاض عادة متخلفة و ضارة و القانون كان فرصة جيدة للقضاء المبكر عليها"

    لكن يا محمد، يمكنك العودة لتاريخ بلدان افريقية كثيرة لم تعارض قوانين المستعمر كما عارضها الأستاذ محمود في ثورة رفاعة، فهل تراها اليوم تركت هذه العادات أو حتى أنقصتها؟

    المشكلة التي أحب أن ألفت لها نظر الناس هنا هي أن قانون المستمعر لم تكن فيه أي فرصة لمناهضة الخفاض مناهضة حقيقية، فالغايات الصحاح لا يتوسل لها بالوسائل الدنيئة، ولا بد لنا أن نقرأ التاريخ جيدا (إن لم يكن تاريخنا فتاريخ الشعوب الأخرى) لنعرف كيف أن هذه القوانين الفوقية لم تكن يوما لمصلحة الشعوب المحتلة.. إن هؤلاء الانقليز يا محمد هم أنفسهم الذين ضيقوا الخناق على المبادرات الاولى لتعليم المرأة السودانية في عهدهم، وهم وهم، فكيف نظن انهم فجأة صاروا يهتمون بأمر السودانيات؟

    الخلاصة يا محمد: قانون الخفاض لم تكن فيه أي فرصة للتخلص من العادة، والدليل هو ان القانون استمر، واستمرت حكومات العهد الوطني بعده في مسار القوانين المضادة للخفاض، لكن لليوم لم تتغير نسبة المخفوضات في السودان! الأستاذ استثمر غطرسة الانقليز ليقلبها ضدهم، فهل هذا "ميكافيلية" أم عمل وطني شريف؟

    (3)
    يا محمد، إن الوقوف ضد عادة الخفاض يعني الوقوف ضد مسبباتها الأساسية، وبهذا الفهم فإن الجمهوريين بذلوا كل حركتهم في سبيل الوقوف ضد الخفاض وغيره من العادات الضارة عند الشعب السوداني.. من السهل جدا أن نقول عن الناس أنهم "لم يفعلوا ولم يفعلوا"، لكن الصعب هو مواجهة التاريخ لنرى من خلاله أين كان الجمهوريون من قضية المرأة على طول تاريخهم.. هل كانوا غافلين عنها أم حاضرين دوما؟

    يا محمد، قانون الخفاض أول ما بدأ تطبيقه بدأ بإذلال المراة السودانية، فهل نتوقع منه أن يكون حقا في سبيل صحتها وكرامتها؟

    ثم إن الناس أحيانا تكون عاطفية بعض الشيء، ومن ثم يغيب عن ناظرها المنهج التاريخي لبعض الوقت.. في تلك الأيام يا محمد كانت هناك اولويات مختلفة عن اولويات اليوم، وهذه الأولويات كانت معروفة على امتداد العالم الثالث والشعوب المستعمَرة والمضطهدة حول الأرض.. تلك الاولويات كانت أولويات مناهضة المستعمـِرين والمضطـِّدين، ليس في افريقيا فقط، بل في أمريكا اللاتينية وفي آسيا وفي الكاريبي وحتى داخل أوروبا وأمريكا.

    أرجو أن تتابع معي الورقة، ففيها الكثير من الإجابات على نقاط شبيهة بنقاطك.

    مع خالص مودتي

                  

02-08-2009, 05:48 AM

د.نجاة محمود


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    شكرا لك على هذه الدراسة الحصيفة

    ونعم التوعية في مسائل العادات الراسخة اقوى من اي قانون..
    مع التحية لك
                  

02-08-2009, 02:58 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: د.نجاة محمود)

    تحياتي وشكري يا د. نجاة

    هناك مسلمات راسخة عند الشعوب التي تمارس الخفاض، وهي مسلّمات تاريخية غائرة في القدم، ومن المعروف علميا وتاريخيا أن تغيير مثل هذه العادات الراسخة لا يمكن أن يكون بالقوانين الفوقية.. أنا بطبيعة الحال أعارض أن تصدر الدولة فرمانا يؤيد ممارسة الخفاض، بأي شكل من أشكاله، لكني أيضا ضد أن تصدر الحكومة فرمانات تجرّم فيها شعبها!

    هناك أيضا مسلّمات راسخة عند معظم مثقفينا بخصوص سعيهم لقضايا حقوق المرأة والطفل والإنسان عموما، وهذه المسلّمات، للأسف، معظمها "مستورد".. نعم مستورد، ويجعل هؤلاء المثقفين يقفون في حيرة أمام شعوبهم، فلا هم يعرفون كيف يتواصلون معهم بصورة مؤثرة لتغيير مفاهيمهم، ولا هم يريدون الاعتراف بفشل مسلّماتهم المستوردة على أرض واقعهم، ولهذا نراهم يلجؤون لسلاح القانون ضد عادات شعوبهم، وهذا ليس إلا "استجارة من الرمضاء بالنار".

    مهمة التوعية هي الأصعب، وهي التي تتطلب مثابرة حقيقية وتواضعا كبيرا في مخاطبة بسطاء الشعب، ومعايشة لصيقة لهم لفهم دوافعهم وتطمين مخاوفهم، ولهذا فخيار القانون هو الخيار الأسهل عند الكثير من حركات مجتمعنا المدني اليوم.

    نواصل..
                  

02-08-2009, 03:08 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    قراءة تحليلية

    إن قضية الخفاض لهي أحد الأمثلة القوية على ضرورة التعامل العلمي الرصين مع واقع التراث المحلي في عملية تغيير مثالبه، بدون التعرض غير الحكيم وغير مدروس الجرعات، للعقل الجمعي للشعوب في قضاياها الحساسة التي تحتاج مبضعا ماهرا، يعالج الجروح دون تشويه الجسد، فهناك مسائل في تراث الشعوب تقوم على أسسها نواة مجتمعاتهم، كالقوانين والعادات المرتبطة بالعلائق الجنسية في المجتمع، ولهذا تظهر حساسية المجتمعات تجاه التغيير فيها أكبر من حساسيتها تجاه القضايا الأخرى بكثير، ويكفي أن ننظر لتاريخ الغرب الحديث لنعرف كيف أحدثت الاتجاهات الجديدة، والتي ظهرت تدريجيا، في التعامل مع علائق الجنس، تغييرا واضحا لصيغ تلك المجتمعات، في كل أنماط تفكيرها وممارساتها، فلم يعد الغرب بعد سقموند فرويد وويلهيلم رايخ وسيمون ديبوفوار كما كان، بل ولم يعد العالم كله كما كان.. لكن، هل يعلم الناس مقدار التسلط الذكوري على جسد المرأة الغربية اليوم، مما تجلى ويتجلى يوميا للآن في صور الرقابة الذاتية للمرأة لتطابق مواصفات النظرة التسليعية لها في المجتمع الغربي الذكوري، ما أتى بصور جديدة من الأمراض والآلام الجسدية والنفسية التي تعانيها المرأة في الغرب اليوم جراء ضغوط المجتمع على جسدها ونمطي حياتها وتفكيرها؟ الغرض من ذكر هذا هو أن الموضوع معقد ومتشابك، ويتصل بقوانين المجتمع التي يفرضها على أفراده من الجنسين، وبالتالي فإن الحكمة تقتضي أن نعمل على حل مشاكلنا في سياقاتها، لا باستيراد حلول اجتماعية من مجتمعات مغايرة.

    هل قضية الخفاض قضية عاجلة؟ نعم! وأليس وضع المرأة في السودان عموما، عبر تاريخه، موسوم بالاضطهاد والتجني؟ بلى! وهل ينبغي أن نقوم بفعل ينهي هذه الأزمة بأسرع ما يمكن؟ بالتأكيد! لكن الحديث هنا عن السؤال الصعب.. عن "كيف؟".. أدناه سنحاول عرض تحليل قد يفيد في الإجابة على هذا السؤال.

    لمحة من التاريخ

    إن الخفاض موروث من تاريخ قهر الجماعة للفرد، والذي كان ضروريا في بدايات تاريخ المجتمع من أجل الحفاظ على نسيجه، وقد كانت الغريزة الجنسية أولى الغرائز التي جرى تنظيمها بصرامة شديدة، ذلك لأنها مربوطة بمسألة الغيرة الجنسية الموروثة عند البشر منذ بدايات التطور، ونجدها ماثلة لليوم في مجتمعات الحيوان.. وهنا يحسن التطرق لمسألة فكرية مهمة، مرتبطة في أذهان كثير من اليساريين بأصل الغريزة الجنسية، ومن تحليلها الخاطئ تظهر بعض المنهجية الخاطئة اليوم في التعامل مع القوانين المرتبطة بالجنس في المجتمع، كما هو الحال في قضية الخفاض.

    يرى فريدرك إنجلز [13]، والماركسيون من بعده، ومن تأثر بهم عموما، في مسألة الغيرة الجنسية ورغبة الاستحواذ بالشريك الجنسي دون الآخرين أنها ظهرت في المجتمعات البشرية بعد ظهور الطبقات والصراع على وسائل الإنتاج، ما أدى لإنتاج نظم اجتماعية تنظم العلاقة الجنسية بصورة أكثر حزما مما كانت عليه في المجتمعات المشاعية، وذلك لغرض حفظ المصالح المادية للطبقات والفئات المتناحرة، والتحكم في الإنتاج البيولوجي للمرأة من قبل مؤسسي المجتمع الأبوي.. حقيقة الأمر أعمق من هذا التحليل، وهي أن الغيرة الجنسية ظهرت قبل المجتمعات البشرية بكثير، منذ مرحلة المجتمعات الحيوانية، وصور الغيرة الجنسية واضحة جدا في المجتمعات الحيوانية، خصوصا تلك القريبة للإنسان في سلم التطور (كالقردة العليا والحيوانات الداجنة، ثم الثديات عموما)، وقد ورثها البشر متأصلة فيهم بمجرد ظهورهم على سطح المعمورة، رجالا ونساء، ولهذا كانت أهم أسس تشكيل قوانين مجتمعاتهم (ولكل مجتمع قانون، حتى في الغابة)، منذ بداياتها، لأن تنظيمها كان السبيل الوحيد لقيام المجتمع، والتاريخ يرينا صورا متعددة في أشكال هذا التنظيم الجنسي، وذلك مما لا ينفي أهمية التنظيم بل يشير إلى تنوعه واختلافه بحسب البيئة والتجارب الموروثة المتعددة التجليات (حتى في نفس مراحل الإنتاج المجتمعية، بخلاف ما يشير له إنجلز من أن تعدد شكل التنظيم الجنسي يعود أصلا إلى المرحلة التاريخية الإنتاجية للمجتمع).

    نستمر بعد هذا فنقول إن القهر الجنسي على الفرد في المجتمع تم على الجنسين، لكنه في المجتمع الأبوي كان على المرأة أكثر، لأنها مخزن النسل الذي كان هناك حرص على وضوح سلسلته، كما ان استثمار المرأة كان، وما زال، في العلاقة الجنسية أكبر من استثمار الرجل فيها، فالمرأة هي التي تتحمل نتائج الممارسة الجنسية ليوم واحد على مدى تسعة أشهر من الحمل، وبعدها أكثر من ذلك من الرضاعة والعناية المباشرة بالطفل، وكل ذلك يجعلها في حالة استنزاف وقت وطاقة عظيمين ((وهْنـًا على وهن))، ما يجعلها ضعيفة ومعتمدة جدا على من حولها في تلك الفترة، خصوصا رجال الأسرة والقبيلة الذين يوفرون الغذاء والمسكن والحماية لها، فمعظم النساء الأخريات يعشن عموما تحت وطأة نفس الاستنزاف.. لأسباب كهذه، وهي كثيرة ومتشابكة، كان قانون المجتمعات الأبوية حاسما تجاه الممارسة الجنسية للمرأة أكثر منها للرجل، وساعيا لضبطها بكل الحيل الممكنة، فكان الخفاض إحدى تلك الحيل.

    هناك أيضا عوامل ثقافية أخرى ساهمت في توطين العادة على مدى التواريخ المتوارثة، مثل ضرورة مرور الأفراد – رجالا ونساء – بطقوس تتطلب نزيف الدم كشرط وعلامة للانتماء العشائري (والطقوس الدموية، طقوس العبور، معروفة في القدم).. عليه يتضح أن مشكلة الخفاض تكمن في الملابسات الاجتماعية التاريخية التي أدت لظهوره وبقائه.

    نواصل..

    _________
    [13]فريدرك إنجلز. 1884. "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة".
                  

02-08-2009, 03:31 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    الأثر النفسي

    هناك قضية مهمة أخرى تتعلق بفهم أثر الخفاض على المرأة، فبالرغم من الأضرار الجسدية التي تصحب العادة غالبا (وهي تتفاوت حسب الظروف البيئية التي تجري فيها العادة)، إلا أن الضرر النفسي هو الأعظم، فالحق أن الألم الجسدي في عملية الخفاض له ما يشبهه، شبها غير قليل، في عادات شعوب كثيرة تمارس على الرجال أيضا، مثل وشم الجسد كاملا بالآلات الحادة، والتي تؤدي لإفراز كميات خطرة من الدم ولتلوث الجروح لمراحل قد تصل للموت، وعادة الوشم هذه ممارسة كثيرا عند عدد من القبائل الافريقية المعاصرة، وبطقوس متنوعة تفيد ضرورة مرور الفتيان بهذه التجربة ليصبحوا رجالا في نظر مجتمعهم القبلي، ما يشكل ضغطا نفسيا يجعل الفتى وأهله يصرون على العادة رغم خطورتها.. هذا علاوة على أن الألم الجسدي الذي يواجهه الذكور في عملية الختان، بالأدوات البدائية، معروف، ويؤدي لمضاعفات صعبة قد تؤدي لعاهات مستديمة أحيانا كثيرة، وربما لأخطر من ذلك.. لا نقصد هنا بالطبع استسهال الآلام الجسدية المزمنة للخفاض، إنما نقصد فقط أن الألم الجسدي ليس ما يميز عادة الخفاض، برغم خطورته، خصوصا في الظروف البيئية البدائية.

    الأثر النفسي الغائر عند الفتاة المخفوضة هو أن الخفاض إعلان لدونيتها الإنسانية، وكأنه يقول لها ان أهميتها، في نظر المجتمع، ليست في وعيها أو مشاعرها أو قيمها أو مهاراتها، بل في جسدها، كما هو إعلان للشك في قدرتها على العفة وحفظ قيم مجتمعها بوازع شخصي، برغم أنها موكلة منذ البداية لحمل عبء شرف الأسرة والقبيلة.. بهذا فإن المرأة واجهة عِرْض الأسرة، وهو مقام خطير، وفيه فخر (فهذه المجتمعات تفخر أكثر ما تفخر بعفة نسائها وشجاعة رجالها)، لكن الفتاة رغم ذلك مصدر شك من البداية، بدليل أن عفتها تحتاج لضمان الخفاض! بهذا فإن المجتمع يضع المرأة في وضع "الجسد" المشكوك فيه والمحذور منه من البداية، ويعلن لها أنها تحت الوصاية الغليظة، والرقابة المشددة، لضمان الأخلاق، سواء التزمت بها بوازع شخصي أو بدونه.

    وعليه يتضح أن الخفاض في الأساس ليس المشكلة، بل هو نتيجة من نتائج المشكلة، أما المشكلة الأصلية فتكمن في نظرة المجتمع للمرأة، وإعادة إنتاج هذه النظرة عبر الأجيال حتى من قِبل النساء الكبريات اللائي مررن بنفس مراحل المحنة وتقبلنها بعد ذلك كضرورة اجتماعية، ومن ثم نرى اليوم كثيرا منهن أكثر إصرارا من الرجال أحيانا على خفض البنات الصغيرات، وهي أعمق مراحل الاضطهاد تلك التي وصلنها جدّاتنا السودانيات، حيث يصبح المضطـَّهد نفسه حارسا أمينا لأسباب اضطهاده، لأنه لم يعد يعرف احتمالا آخر للحياة خارج مؤسسة الاضطهاد.. من هنا يستبين أن حل مشكلة الخفاض يكمن في حل مشكلة المرأة عموما بإزالة الظروف التي أدت لظهور العادة، فالطبيب الماهر يعالج أصل المرض ولا يعالج أعراضه الظاهرية فقط.. ويجب أن نعرف أن محاربة عادة الخفاض لا تعني بالضرورة محاربة اضطهاد المرأة عموما، فهناك مجتمعات، تاريخية ومعاصرة، لم تعرف نساؤها الخفاض، لكن عرفن الاضطهاد جيدا وما زلن يتعرضن له يوميا.. في بادرة من بوادر الفهم الأوضح لهذه المشكلة، تقول الدكتورة ناهد فريد طوبيا:

    "إن ما قيل عن الخفاض في العشر سنوات الأخيرة [أي من 1985 إلى 95]، وخاصة من قبل الإعلام الغربي والمنظمات الدولية، قد خلق جوا من الحساسية تجاه الموضوع من قبل بعض الجهات المختصة في مجتمعاتنا. فقد تعامل الغرب مع ظاهرة الخفاض وكأنها اكتشاف لوباء خطير قاموا وحدهم بالاستدلال عليه ثم حولوه إلى موضوع الساعة في الأوساط الدولية للمرأة بمساعدة الإعلام الغربي. كما صوروه على أنه دليل واف على بربرية وبشاعة بعض المجتمعات المتخلفة بل أصبح دليلا ضمنيا على تخلف العرب والمسلمين والأفارقة في آن واحد" [14].

    وتواصل الدكتورة بعد ذلك في سرد المضار النفسية والجسدية لموضوع الخفاض، مصطحبة أثر الضغط والفهم المجتمعي الذي يجعل من الصعب تغيير هذه العادة في المجتمع بعصا سحرية، سواء كانت في شكل قانون رادع أو تناول صفوي لا يقترب كفاية من واقع الأهالي، وتقول إن اختيار ممارسة هذه العادة يكون أحيانا تضحية في سبيل إمكانية البقاء المجتمعي، إذ أن الفتاة تفقد فرصتها في الزواج ومن ثم فرصتها في الحياة في مجتمع لا قيمة فيه للفتاة بدون زواج، فالمشكلة مجتمعية قبل أن تكون طبية، ولهذا لا بد من مواجهتها مجتمعيا لا طبيا فقط، ولا يكون التغيير الاجتماعي بإصدار القوانين الفوقية.. تقول ناهد:

    "أما من الناحية النفسية والجسدية (للمرأة السودانية) نفسها وإمكانية نمو الوعي بحقوقها ومطالبها بأعضاء جسدها فذلك صعب دون خلق ذلك الوعي من الخارج. فالمرأة السودانية لم تعرف في تاريخها القريب أي حالة أخرى يمكن أن تكون عليها سوى أن تكون مخفوضة (...) إذن يجب أن نعود للتفكير في كيفية تغيير مفاهيم العائلة الموسعة والجماعة ولا نكتفي بأساليب الإقناع الفردي العقلاني فهو ضعيف أمام ضغوط الجماعة. يجب أن نوجه مجهوداتنا لخلق لغة تخاطب مع المجتمع ككل وإيجاد فوائد لدعواتنا تعود على الجماعة وليس على الفرد فقط ذلك بجانب مخاطبتنا أيضا لعقلية الفرد المثقف المتميز الذي يستطيع أن يساهم في التغيير" [15].

    يمكن القول ان الفرق الزمني بين تاريخ دراسة الدكتورة ناهد أعلاه واليوم جعل هناك صورة مجتمعية جديدة نسبيا، تتطلب تعاملا مختلفا بعض الشيء، كما يمكن أن نقول نفس الشيء عن موقف الجمهوريين في إطاره الزمني السابق (والجمهوريون دعوا لاستمرار تجديد مستويات التعامل، وساهموا فيه)، إذ الواقع اليوم يشير لأن الكثير من المجتمعات المتعلمة نسبيا في السودان قد خطت خطوات طيبة في تجاوز موضوع الخفاض وصارت تتجه لتركه بالنسبة لأجيالها المعاصرة، لكن هذا لا ينطبق بعد على أغلبية سكان السودان في معظم المناطق البعيدة عن تأثير تيار التوعية الاجتماعية.. تصبح هناك إذن حاجة لخطة عمل عامة جديدة نسبيا، ضمن خطة العمل الكبيرة في التغيير الاجتماعي عموما، وفي تغيير وضع المرأة خصوصا.

    نواصل..

    _________
    [14]ناهد فريد طوبيا. 1995 (سبتمبر). "المشكلات الصحية للمرأة السودانية الناتجة عن وضعها الاجتماعي والثقافي". مجلة كتابات سودانية، العدد السادس، الصفحات من 43 إلى 44
    [15]ناهد فريد طوبيا. مصدر سابق
                  

02-08-2009, 08:05 PM

قلقو
<aقلقو
تاريخ التسجيل: 05-13-2003
مجموع المشاركات: 4742

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    السلام عليكم

    متابعين باهتمام شديد.

    نعم نشر الوعي خطوة نحو تغيير الفكر الذي

    يتبعه تغيير للسلوك .
                  

02-08-2009, 09:11 PM

Mohamed Elgadi

تاريخ التسجيل: 08-16-2004
مجموع المشاركات: 2861

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: قلقو)

    Siddiq A. Ommer wrote

    Quote: دائماً يتحدثون عن "خفاض"...الاإناس....لماذأ ...لا يتحدثون...عن خفاضنا...نحن الذكور.....فقد خلقنا الانسان فى أحسن "تقويم"....صدق الله العظيم


    Thank you for bringing this point that many Muslims do not want to address.

    mohamed elgadi
                  

02-08-2009, 09:56 PM

سناء عبد السيد
<aسناء عبد السيد
تاريخ التسجيل: 03-29-2008
مجموع المشاركات: 2093

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Mohamed Elgadi)

    Quote: ظهر قانون الخفاض في السودان الانقليزي/المصري في ديسمبر 1946 [2]، بصورة فوقية من السلطة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية نفاذ وثيقة الأطلنطي التي تكفلت بتقرير المصير للشعوب المستعمرة الجاهزة للاستقلال [3].. عارض الجمهوريون القانون منذ صدوره، واتهموا الاستعمار بأنه لم يسن القانون اهتماما بالمرأة السودانية، بل لإذلال الشعب السوداني



    محاولة بائسة لتغطية الأخطاء التي تسبب فيها الجمهوريون بقيادة الاستاذ محمود محمد طه

    لولا معارضة زعيم الجمهوريين و من معه لقانون الخفاض في ذلك الحين , لكانت هذة العادة

    في طي النسيان منذ نهاية الاربعينات , ثم ما الخطوات التي قمت باتخازها بعد الاستعمار لمحاربة

    هذة العادة ؟؟؟؟

    الجواب لا شيئ , بل بفضل تعاليم زعيمكم و معارضته لقانون الخفاض تمارس هذة الظاهرة الى الآن
                  

02-09-2009, 05:01 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: سناء عبد السيد)

    تحياتي للجميع وشكرا للمتابعين

    الأخت سناء..
    أعتقد أني تناولت نقطتك هذه بالتحديد، ليس في الورقة وحسب، بل أيضا في ردي على صديقي محمد أعلاه.

    وعلى العموم فمن السهل جدا أن نلقي اللوم على أي جهة ما دمنا لا نوضح المعايير الموضوعية لذلك اللوم (ولومك هذا ليس بالجديد، فقد قيل من قبل ورد عليه الجمهوريون بموضوعية موثقة من قبل)، كما من السهل جدا أن نجرد الآخرين من تاريخ مجهوداتهم الفعلية والفكرية الموثقة، في نصرة قضايا المرأة عموما وغيرها، ما دمنا أيضا لا نرتكن للتاريخ بل للعواطف الجمعية غير المؤسسة (أي ببساطة، إما أن تكوني غير محيطة بتاريخ نضال الجمهوريين والجمهوريات من أجل قضايا المرأة ومناهضة جميع العادات القاهرة لها، بما فيها الخفاض، أو تكوني محيطة بهذا التاريخ ورافضة له، وفي كلا الحالتين أنا غير مسؤول عن تغيير موقفك).

    لذا ليست عندي الآن رغبة في الاستمرار في رد هذه الاتهامات، لأني أرى أني رددت عليها بما يكفي، ولك أن تعتبري حديثي أو لا تعتبريه، مع الاحترام لرأيك.

    نواصل..
                  

02-09-2009, 06:58 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    خطوط عريضة للعمل

    هنا سنعرض اقتراحات عامة لما يمكن أن يكون عليه العمل، بتشجيع وتطوير حملات التوعية التي بدأت فعلا منذ زمن وما زالت مستمرة، وحصر الاتجhهات القانونية الفوقية التي تضر أكثر من نفعها، وعرض مسارات جديدة تستحق الاعتبار.

    نحن بحاجة، بجانب حملات التوعية لمضارالخفاض، لتوفير الخدمة الصحية المناسبة للأسر التي تصر على تنفيذه، حرصا على سلامة البنات ومن أجل تخفيف الضرر عليهن لأقصى حد ممكن، ونحتاج التدريج في مسألة المنع القانوني لهذه الممارسة، حتى لا يؤدي العسف القانوني غير المصحوب بتوعية ملائمة إلى نتائج عكسية لا تخدم مصلحة ضحايا الخفاض.. ليست هذه دعوة لجعل الخفاض متاحا بسهولة في مرافق الصحة في البلاد، ولا لمباركة الدولة له أو السكوت المتواطئ عليه.. هي دعوة لاستثمار مرافق الصحة وأجهزة الدولة في تعليم الشعب ليترك عادة الخفاض بسرعة، لكن حين تكون هناك حالات إصرار على إجرائها فلا أقل من أن نوفر سبل هذه العملية في مناخ طبي، بأدوات معقمة وأيدي متدربة وحريصة على تخفيف ضرر العملية لأقصى ما يمكن، من أجل مصلحة البنات، ويجب ألا يكون هناك قانون تجريمي للعادة يقود الأسر المصرة عليها لإجرائها بسرية، بعيدا عن أعين القانون، فهذا مما يضاعف احتمالات إجرائها في ظروف غير آمنة طبيا، ببيئات ملوثة، تضاعف من ضررها على الضحية.. المنطق هنا هو نفس منطق الطبيب الماهر حين لا يستطيع استئصال المرض تماما بعد، فهو يعمل على تخفيف الألم على المريض قدر المستطاع، ريثما يستطيع استئصاله، والمريض هنا ليس ضحية الخفاض فقط، بل المجتمع ككل.

    لم لا نعمل من أجل توفير بيئة وأدوات طبية أكثر صحية في عملية الخفاض ما دمنا لا نستطيع إيقاف هذا الأمر فيها بالسرعة المرجوة؟ أوليس هذا من المصلحة المباشرة لضحايا هذه العادة؟ وبهذا العمل يمكن التقرب أكثر لهؤلاء الناس، وإحصائهم بدقة (خصوصا الضحايا)، لتوعيتهم القريبة بسيئات وأخطار العادة.. يسمى هذا الاتجاه عالميا بـ"تطبيب الخفاض" (Medication of FGC)، وله مؤيدون ومعارضون، ومن المؤكد أنه مثير للاحتجاج بين بعض مناهضي الخفاض في السودان، خصوصا وهو مماثل لأحداث جرت في مصر في العقد الماضي واستمرت للآن، فقد كان الخفاض يجرى في المستشفيات في مصر منذ سنين (نسبة المخفوضات 97% من الفئة العمرية المذكورة سابقا)، إلا أن ضغوط بعض الناشطين المحليين لحقوق المرأة والطفولة، وبدعم المنظمات الدولية، جعلت الخفاض ممنوعا قانونيا الآن بمصر، فثارث أيضا ثائرة الأوساط المحافظة فيها وقامت بردود فعل مضادة.. برغم أن لدينا رأي عام بخصوص ما يجري هناك إلا أن ما نقوله اختصارا هنا إن ما يجري بمصر من الأحداث شبيه بما يجري بالسودان، بحكم أن عادة الخفاض متأصلة في مواريث شعبي البلدين، لكن اختلاف الأوضاع السياسية والاقتصادية والمدنية يجعل من الصعب الحكم على إحدى التجربتين مقارنة بجارتها، ولهذا نفضل في هذا السياق حصر الحديث على السودان، فهذه القضية على العموم لها ملابسات خاصة داخل كل الثقافات التي تمارسها حول العالم، في عموم افريقيا والشرق الأوسط كما في بعض مناطق آسيا.

    إن ما يقلق معارضي هذا الرأي – أي تطبيب الخفاض – أنه قد يساهم في توطين الخفاض أكثر، بتمويه مساوئه وتثبيط المسيرة الاجتماعية لإزالته، لكننا نرى من الواقع، ومن الإحصاءات المذكورة آنفا، أن هذه العادة لا يمكن توطينها في السودان أكثر مما هي عليه الآن فعلا (فنسبتها العامة لم تتغير طيلة العقود الماضية)، وعلى العموم فالشعوب لا تتشجع لممارسة العادات كهذه حين يصير إجراؤها متوفرا في ظروف أكثر أمنا صحيا، فممارسو هذه العادة لم تردعهم المخاوف الصحية طيلة تواريخهم، فهم قد مارسوها قديما في ظروف صحية أسوأ وبنسبة أخطار ووفيات أعلى، لكنهم كانوا، وما زالوا، يخافون أكثر من العواقب الاجتماعية إذا لم يمارسوها، فالأمر عندهم أخطر من مجرد صحة البعض لأنه يتعلق بصحة نسيج المجتمع ككل، حسب فهمهم.. الرعاية الصحية الرسمية للخفاض لا يمكن أن تساهم في تشجيعه ما دام خط التوعية مستمرا قويا وفعالا، بل هي فقط تقلل من خطورته على الطفلات، وتنقذ بعضهن من الموت (كقصة انعام).

    تقول اليونسيف إن أقل من 1% فقط من ضحايا الخفاض في السودان يتعرضن له تحت ظروف طبية آمنة، ما يعني أن الأغلبية الساحقة تتعرض له تحت ظروف وخبرات طبية سيئة (نلاحظ هنا أن اليونسيف نفسها تتحدث عن وجود "ظروف طبية آمنة للخفاض"!)، كما تقول إن الممرضات المتدربات، من اللائي يمارسن هذه العملية بطلب الأسر (بعيدا عن المرافق الرسمية)، أكثر ميلا لإجراء نوعي الخفاض الأخف من الفرعوني، بخلاف الخافضات الشعبيات غير المتدربات واللائي يملن أكثر للفرعوني وبأساليب أسوأ طبيا، وهن الأغلبية [16].

    ما نريد تأكيده أن اتجاهنا هذا ليس فيه تشجيع للخفاض على الإطلاق، لكنه تعامل مع الواقع، فهذه العادة تمارس اليوم على الأغلبية العظمى من الطفلات والفتيات السودانيات، وعدم توفير المناخ الصحي لهذه الممارسة لا يعني سوى إنكار الواقع وتسبيب المزيد من الضرر لضحايا العادة.. أكثر من ذلك فإن اقتراب المرافق الرسمية من عامة الشعب يصنع ثقة بين بسطاء الناس ومتعلميهم في تلك المرافق، ما يتيح فرصا أكبر للوصول لممارسي هذه العادة مباشرة ونصحهم، نصحا بليغا ملحاحا، وتوعيتهم بعواقب العادة، كما فيه رصد لضحايا العادة لمتابعة مشاكلهم الصحية المستقبلية الناتجة عن مضاعفاتها، ومن ثم تخفيفها بقدر الإمكان (خصوصا في ظروف الولادة للمخفوضات فرعونيا)، بصورة تخطيطية مدروسة تصطحب حكمة الممارسة الصحية وحكمة التوعية الاجتماعية معا.. بهذا الأسلوب تستطيع مرافق الصحة التكافل مع المجتمع المدني المحارب لهذه العادة، بتوفير الإحصاءات والمعلومات عن الخفاض وأماكن كثافته الديمغرافية، ودراسة عقلية ممارسيه للخروج باستراتيجيات أكثر فاعلية في محاربته، على مستوى الأسر ومستوى الجماعات.. إن القضية عامة وشاملة، وتتطلب تبعا لذلك اعترافا عاما وشاملا، وتعاملا شفافا، من جانب جميع المؤسسات الاجتماعية ذات الصلة بالقضية، وأولها مرافق الصحة ومنظمات المجتمع المدني.

    وبالنسبة للقانون العقابي، فمن الواضح أن ليس من مصلحة ضحية الخفاض عقاب والديها، أحدهما أو كلاهما، إلا إذا كانت الحالة عبارة عن رغبة مضمرة ومقصودة لتعذيب الطفلة وتشويهها، ومن غير المعقول أن تكون هذه نظرتنا للمجتمعات السودانية الكثيرة التي تمارس هذه العادة.. كما ان عقاب من يقوم بتنفيذ عملية الخفاض كأجير من طرف الأسرة أيضا غير منطقي، فهذا الأخير لا يقوم سوى بتلبية رغبة الأسرة، ولولاها لما كان له سلطان.. علاوة على ان هذا النوع من العقاب يتطلب إمكانيات رقابية شديدة للدولة لا يملك السودان ربعها، ومن الخير له ذلك، فأي دولة تضطر لمراقبة جماهير الشعب داخل بيوتهم هي دولة فاشلة على التحقيق.. بعض الآراء ترى حرمان الأسرة من الطفلة (أي أخذها منها وتربيتها بعيدا عنها، عقابا للأسرة) إذا ثبتت ممارسة الخفاض، وهذه أيضا عقوبة غير منطقية، فنحن نجعل من الطفلة المخفوضة ضحية للحرمان من البيئة الأسرية أيضا، فصارت مشكلتان على كاهلها بعد أن كانت واحدة.. هذا علاوة على أن إمكانيات السودان الاقتصادية الحالية تجعل من الخيال توفير الضرورات اللوجستية لمثل هذا "العقاب" الأخير، لأن ملايين الطفلات السودانيات سيتم اقتلاعهن من ذويهن، بموجب هذا القانون، وتعهدهن من جانب الدولة الفقيرة.. القانون العقابي ببساطة، بجميع أشكاله، لا ينفع مع مشكلة الخفاض في السودان الآن.

    التقنين المانع لهذه العادة يمكن أن يأتي في مرحلة متقدمة، بعد أن يصبح واضحا أن هناك رأي شعبي عام، غالب في الريف والحضر على أن هذه العادة ضارة، وتقل ممارستها لنسبة 25% أو أقل.. حينها يمكن منع ممارستها بالقانون باعتباره تجسيدا لوعي الأغلبية العظمى للشعب، ودرءا لممارسات مجموعة قليلة لا تستجيب لمد الوعي بعد كل هذا، وعلى العموم فإن حركة التوعية الاجتماعية دينامية الخصائص، فهي إن استطاعت إقناع خمس الممارسين للخفاض اليوم بضرره، مثلا، فإن هذه النسبة ستبدأ بالتزايد بعجلة تسارعية لتصل لغيرهم بسرعة أكبر بكثير من التي بدأت بها.. نفس هذا الاتجاه يمكن أن يقال عن التعامل مع أشكال أخرى من اضطهاد المرأة والطفل في السودان، فالعمل الأول يكون باتجاه التعليم والتوعية العامة، الأجدى أثرا، حتى إذا بقيت فئة قليلة من الشعب لا تستجيب للمد الوعيوي فحينها تُمنع بالقانون.. أما تجريم هذه الممارسات بالقانون اليوم فيعني أن أغلبية الشعب مجرم في نظر الدولة، وليس هذا بالوضع الصحي في علاقة الشعب، أي شعب، مع دولته، من أي النواح أتيته.

    إن القانون يصبح فاعلا في التغيير الاجتماعي حين يكون الشعب على قدر كاف من الوعي الذي يجعله يحترم القانون، ويشارك في صنعه وتطبيقه، لمعرفته بالمصلحة الفردية والجماعية في هذا النشاط.. أغلبية الشعب السوداني اليوم لم تصل لهذا المستوى من العلاقة بالقانون، بسبب عوامل شتى، كضعف الاستقرار السياسي والاقتصادي وضعف شبكات المجتمع المدني، وأهم من كل هذا نقص المعلومات الوافية، الضرورية للتوعية، بين أغلبية الشعب.

    نواصل..

    _________
    [16]UNICEF. 2005 (November). Previous source
                  

02-09-2009, 07:02 PM

Rihab Khalifa
<aRihab Khalifa
تاريخ التسجيل: 07-07-2006
مجموع المشاركات: 3738

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    a very interesting read ya Gussai
    thank you
                  

02-09-2009, 10:34 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Rihab Khalifa)

    سلامي وشكري يا رحاب
    ونتشرف بحضورك ومتابعتك

    قصي
                  

02-09-2009, 11:02 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    هنا يستحسن، للمزيد من التمحيص، أن نتطرق لمواقف المنظمات العالمية بخصوص الموقفين أعلاه (تطبيب الخفاض ومنعه بالقانون).. تقف اليونسيف ومنظمة الصحة العالمية ضد تطبيب الخفاض، لنفس الأسباب التي ذكرنا آنفا، كما تدعو هيئة الأمم المتحدة الحكومات عموما إلى اتخاذ خطوات رسمية وقانونية لتوعية الشعوب توعية واسعة النطاق ومتعددة السبل لترك الخفاض، وأيضا تدعو لاتخاذ خطوات لمنع الخفاض قانونيا، لكنها لا تحدد نوع تلك القوانين وعقاب من يخالفها.. من ناحية أخرى فإن اليونسيف تدعو اليوم، بعد تجارب عدة، للتوعية الصبورة غير الإجبارية للشعوب لترك العادة [17] (نلاحظ هنا التناقض الواضح بين ما تدعو له هيئات الأمم المتحدة بمنع الخفاض قانونيا وما تدعو له من التوعية غير الإجبارية، فالقانون العقابي وعدم الإجبار لا يمكن أن يكونا خطين متسقين في نظام واحد إلا لو اعترفنا ضمنيا بأن القانون لن يجد الاحترام المطلوب ولن يجد مساحة واقعية للتطبيق).. نقول هنا إننا بالطبع نتفق مع هذه المنظمات في قضية أهمية دور الحكومات في مناهضة الخفاض بدعم حملات التوعية وتسخير أجهزة إعلام الدولة لذلك، لكننا، كما هو واضح، لا نتفق معها في عدم تطبيب الخفاض وفي منعه بالقانون، خصوصا بالسودان، وقد ذكرنا أسبابنا للاثنين أعلاه بصورة وافية.

    ما نريد الإشارة له هنا هو أن منظمات الأمم المتحدة تركز على دور القانون بطبيعتها لأنها تتعامل مع الحكومات أكثر من تعاملها مع المجتمع المدني (والحكومات تتحدث لغة القوانين)، فهيئات الأمم المتحدة لا تمارس أنشطتها في أي بلاد بغير تنسيق مع حكوماتها أولا، ما يجعلها تضطر للحديث مع الحكومات بلغة القانون، أما المجتمع المدني فيشمل نواح ثقافية/دستورية أكبر من القانون بكثير، ولهذا فإن عمل المنظمات المدنية المحلية قد يكون أكثر حكمة من توجيهات هيئات الأمم المتحدة أحيانا، ومن المعروف تاريخيا أن هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تتبنى مواقف شاملة لعلاج القضايا المتعلقة بشعوب متعددة حول العالم، فهي لا تصنع استراتيجيات خاصة لكل شعب حسب سياقه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولهذه فمواقفها كثيرا ما تكون توفيقية عامة أكثر من كونها عملية تفصيلية، وهو أمر واضح في تناقض مواقفها المذكورة أعلاه.

    إن السودان من أسوأ حالات انتشار الخفاض في العالم، ما يعني أن وضعه متميز، فهل يعقل أن نرسم له استراتيجية حل عامة مشابهة لتلك التي نرسمها، مثلا، لكينيا وتنزانيا واليمن؟ [18] لأن هذا هو ما تفعله هذه المنظمات حين تضع استراتيجيات عالمية كهذه، لا مجال فيها لاعتبار خصائص المشكلة في البلدان المختلفة.. لا نريد بهذا أن نهدم مصداقية هذه المنظمات، فهي تؤدي دورا مهما، ولكن يجب ألا نجعل لآرائها واقتراحاتها قداسة في غير موجب، فالتجارب السياقية لكل شعب، حسب ظروفه الخاصة، تسمح للكثير من أهله الواعين بأن يتوصلوا لحلول أكثر حكمة وعملية لمشاكلهم من تلك المقترحة من هذه المنظمات.

    وعلى العموم فمن الواضح أن الخط العام والأهداف مشتركة، ويبقى التباين فقط في تفاصيل الاستراتيجيات المتبعة للوصول لهذه الأهداف.. لهذا نصر، بناء على استنتاجاتنا، على موقفنا من تطبيب الخفاض والمنع القانوني، خصوصا في ظروف السودان الحالية، ويتغير موقفنا بتغير هذه الظروف التي دعت له.. وعلى العموم أيضا فمن الواضح في تقاريرها أن المنظمات العالمية هذه تعول أكثر على الحركة الاجتماعية وقدرتها على التغيير وسبله، وعلى أن التغيير الأقوى يكون عندما يأتي من داخل المجتمع وليس بالقوانين الفوقية، وعلى أن تكون هذه القضية مرتبطة مباشرة بعموم قضايا حقوق المرأة والطفولة وليس بمعزل عنها، وهو ما نعول عليه أيضا.. الصحيح عندنا هو العمل على نطاقات ثلاثة:

    1. توعية الأوساط الممارسة لعادة الخفاض لأن الغرض منها، كما تتصور تلك الأوساط، لم يعد مخدوما، وأن المفاهيم السابقة التي قالت بجدواه خاطئة، ومن ثم فهو لا يأتي اليوم بغير الألم والمزيد من المشاكل الاجتماعية.. هذا الاتجاه يختص بالخطاب الاجتماعي الشامل، وباستثمار تأثير الزعامات المحلية في وعي الشعوب، مثل الرسالة التي وقع عليها حوالي 30 من زعامات الطرق الصوفية في السودان، عام 2004، والتي تجرد الخفاض من أي مشروعية دينية، من أجل إزالة وهم الارتباط لدى ممارسيه بالدين [19] .. لهذا الاتجاه العام في العمل الاجتماعي الكبير أثر مشهود وتجارب يمكن التعلم منها، فقد أعلنت جراءه بعض القرى والبلدات في غرب افريقيا التزامها جماعيا بترك الخفاض [20].

    2. توعية الأسر للأضرار الجسدية والنفسية البالغة للخفاض وتشجيع هذه الأسر على مواجهة مفاهيم المجتمع المتخلفة من أجل صحة بناتها.. من المهم ألا نتجاهل قدرة الأسرة على الوقوف في وجه المجتمع أحيانا كثيرة، كما من المهم أن نستثمر شبكة العلائق الأسرية في مشروع التوعية نفسه، فتأثير الأسر بعضها على بعض قوي وفعال، والأسر الواعية تستطيع أن تؤثر على آراء الأسر الأخرى من حولها في الحياة العامة.

    3. آخر النطاقات، وأوسعها، هو تبني برنامج كبير، متعدد الأنشطة والمجالات، لتوعية وتعليم المرأة في السودان بصورة شاملة لإعدادها لمواجهة جميع صور الاضطهاد، داخل الأسرة وخارجها.. يجب أن يكون واضحا لنا أن القضية الأساسية هي قضية المرأة ككل، منذ طفولتها المبكرة، وأن العمل الذي لا يتكامل مع الاتجاه العام للقضية محكوم عليه مسبقا بالفشل.

    وفي النطاق الثالث هذا يكمن الصراع الكبير الذي تحسم نتائجه ما يكون عليه الشكل العام للمجتمع، ولهذا فهو يشتمل على أصعدة متعددة، من أهمها، في نظرنا، إعادة تنظيم علائق العمل داخل الأسرة، نواة المجتمع، وإعادة التقييم المنصف لإنتاج المرأة، داخل وخارج محيط الأسرة، مع وجوب مشاركة الرجل لها في جهد رعاية الأطفال، وما إلى ذلك من المقاربات التي تعيد للمرأة كرامتها المعنوية والمادية في المجتمع، فالواقع المعاش أن عمل المرأة الإنتاجي، في الأسرة وفي المجتمع، لا يقل قيمة عن عمل الرجل، إن لم يزد عليه، لكن أنظمة الاقتصاد الرأسمالي المعاصرة تجعل قيمة الأعمال التي يقوم بها الرجال عادة أكبر من تلك التي يقوم بها النساء عادة، كما انها، بالاشتراك مع ثقافة المجتمع الأبوي، تعمد لإبقاء النساء بعيدا عن مواقع صنع القرار التنموي (الاقتصادي/اجتماعي والسياسي) وعن وسائل إعادة تقييمهن أنفسهن لدورهن التنموي المستدام، قديما وحديثا، وبالتالي يصبحن محصورات في نفس الأعمال المهمشة والمستمرة برتابة تضعف قدرتهن على التجديد الخلاق.. يكفينا، دليلا على كل هذا، الإحصاءات التالية من الدول النامية [21]:

    • تمثل مساهمة المرأة الإنتاجية 66% من ساعات العمل في العالم، بينما تكسب فقط 10% من الدخل العالمي وتمتلك فقط 1% من الممتلكات على مستوى العالم.
    • تقضي النساء في المتوسط 6.5 ساعة أسبوعيا في سحب وحمل الماء.
    • في المتوسط تعمل المرأة 63 ساعة في الأسبوع في الأعمال مدفوعة وغير مدفوعة الأجر، مقارنة بالمتوسط بين الرجال حيث يبلغ 50 ساعة في الأسبوع.
    • تقضي المرأة الريفية في إنجاز الأعمال المنزليه 8 أضعاف الوقت المبذول من الرجل.
    • تصل نسبة الأسر التي تعولها امرأة حوالي 21% وترتفع في بعض المناطق الي 33%.
    • تشكل المرأة 80% من منتجي الغذاء بافريقيا بينما تتلقى 2% إلى 10% فقط من الخدمات الإرشادية.

    نواصل..

    _________
    [17]UNICEF. 2006. Previous source

    [18]نسبة المخفوضات في كينيا وتنزانيا واليمن، بين عمري 15 و49، هي 32% و18% و23% على التوالي (اليونسيف 2006، مصدر سابق)، وكما نرى فلا مقارنة بين أي من هؤلاء وحالة السودان التي تصل لنسبة 90% في أكثر مناطقه السكانية كثافة.
    [19]UNICEF. 2006. Previous source

    [20]موقع البي بي سي (القسم العربي). 2008 (27 فبراير). "الأمم المتحدة تدعو لوقف ختان الإناث".
    [21]محمد مجذوب فضيل. 2006 (يوليو). "قضايا الجنسين والتكنولوجيا: تجربة منظمة براكتكال آكشن". منظمة براكتكال آكشن/ السودان.
                  

02-10-2009, 03:56 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    خاتــــمـة

    وبعد، فإن الرأي المعروض هنا قد يستدعي ردود فعل متفاوتة، لا نستطيع التنبؤ بمستوياتها، لكن حسبه أنه طرح يسعى لحل عملي جوهري لهذه المشكلة، ضمن إيمان راسخ بأن هذه العادة إلى زوال بلا شك، لكن يبقى العمل من أجل إسراع زوالها.

    من غير البعيد أن يقول البعض، لسبب أو لآخر، بأن هذا الرأي يعتبر مهادنة زمنية في قضايا المرأة الملحة، وهي غير قابلة للتجزئة.. الإجابة عليهم هي أن قضايا المرأة فعلا ليست عرضة للتجزئة، لكنها عرضة للترتيب الأولوي الحكيم، كسائر قضايا التغيير الاجتماعي الواعي الذي يتبنى خط الثورة المتزنة (فلا هو بطيء متردد ولا هو عجول مضطرب).. ليتنا نستطيع الاستيقاظ غدا لنجد جميع مشاكلنا الاجتماعية قد حلت، بقوانين فوقية أو بغيرها، لكن ذلك من غير مشاهد الواقع المعاش الذي لا بد لنا من التعامل معه.

    بهذا الاتجاه المعروض هنا نرى أن الخفاض يمكن التخلص منه في مدة لا تتجاوز الجيل الواحد فعلا في السودان (بخصيصة الحركة الدينامية المذكورة آنفا)، كما هو الطموح العالمي الذي ظهر مؤخرا بصوت هيئة الأمم المتحدة، في إطار التخلص من جميع أشكال اضطهاد المرأة قريبا جدا، إذ هذه المدة هي التي سيصبح فيها الجيل القادم في صدارة الحركة الاجتماعية في البلاد، فإن كان مسلحا بالمعرفة والوعي الكافيين فذلك سيعني بداية عهد جديد للمرأة، وعهد جديد للمجتمع ككل، فتموت عادة الخفاض موتا طبيعيا.
                  

02-11-2009, 00:52 AM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    هناك معلومات مصنفة أكاديميا ومعروفة ضمن المنظمات الدولية، أشك أحيانا في أن الكثير من مثقفينا (من الجنسين) المتصدين لقضية الخفاض على علم بها (لا أقول كلهم)، وذلك لأن هذه القضية كلما ذاعت في فترة من الفترات نجد الكثير منهم يطلقون الأوصاف الحانقة والتجريمات البشعة لفاعليها، ويظنون أنهم بذلك استوفوا واجب التقدمية وحماية حقوق الإنسان.

    من أجل هذا، سأضع بعض المعلومات العامة أدناه، وهي معلومات لن يحتاج لها الجميع، لكنها تفيد عموما:

    (1)
    مثقفونا يصرون على عبارة "ختان الإناث" كثيرا، ولعل هناك نوع من التوجس من عبارة "الخفاض" لا أعرف كنهه، فالخفاض في اللغة العربية يعادل "الختان" بالنسبة للذكور تماما.

    لكن ليست هذه المشكلة طبعا، وإنما هي أن المعادل الانقليزي لختان الإناث هو Female Circumcision.. هذا المصطلح مكروه الاستعمال في عرف المنظمات الدولية، لأنه في رأيها يعطي العملية نوعا من الشرعية بوصفها ختانا، حيث ان الختان طقس له مؤيدون كثر في الساحات الطبية بخصوص الذكور، ولذا فإن عبارة "ختان الإناث" تعطي هذه العملية ظلا من التأييد المعاصر لختان الذكور.. لهذا ظهر مصطلح "تشويه العضو الأنثوي" (Female Genital Mutilation) كبديل لـ"ختان الإناث"، حتى يكون المصطلح دليلا على "الجرم" كما تراه تلك المنظمات.

    لكن وبعد فترة قصيرة من استعمال المصطلح الجديد، ظهرت ردات فعل قوية من جانب المجتمعات التي ما تزال تمارس العادة، وأدت ردات الفعل هذه إلى قطيعة بين هذه المجتمعات عموما وبين ناشطي مناهضة العادة، من المنظمات الدولية وغيرها من الجهات التي تبنت المصطلح.. بطبيعة الحال هذا الوضع ليس في مصلحة البنات ضحايا العادة، فالعائلات لا ترضى أن يقال عنها إنها تشوه أعضاء بناتها، ذلك ببساطة لأنها لا ترى أنها تفعل ذلك! (بل إن منها من يرى أن هذه العملية تجميلية في الأصل، لأنهم ورثوا هذا الفهم عن تاريخ طويل).. هنا شعرت المنظمات الدولية بضعف موقفها، وأدركت أنها بحاجة لأن تتنزل من عليائها تجاه البسطاء ولا تصف عاداتهم بما يحلو لها، وهنا ظهر مصطلح "قص العضو الأنثوي" (Female Genital Cutting).

    هذا المصطلح الأخير (واختصاره FGC) يمثل خطوة من خطوات الاعتراف بالخطأ من جانب المنظمات الدولية، وهي خطوة ضمن خطوات أخرى عدة صارت هذه المنظمات تخطوها في الفترة الأخيرة، ببساطة لأنها أيقنت من التجربة أن التعامل الفوقي مع الشعوب لن يجعلها تغيّر عاداتها، بل قد يؤدي لنتائج عكسية في كثير من الأحيان مما يضر ضحايا العادة أكثر، ومن ضمن تلك الخطوات أن هذه المنظمات صارت تركـّز في تقاريرها الدورية، في السنوات الأخيرة، على أهمية عمليات التوعية والتعامل مع المجتمعات الممارسة للعادة بحساسية ثقافية، لأن القوانين التجريمية والتشنيعات الوصفية أثبتت أنها لا تؤدي فتيلا.

    هذا بعض مما يجري في الساحات الأكاديمية والمنظمات العالمية المشغولة بقضية "الخفاض"، فهل يعلم مثقفونا المناهضون لهذه العادة بهذه المجريات؟ وماذا سيكون موقفهم إذا جاء يوم واعترفت هذه المنظمات العالمية جهارا بأن استراتيجياتها تجاه الخفاض لم تنجح لعدة عقود لأسباب كثيرة، من ضمنها ضعف الحساسية الثقافية لديها؟ وهو على العموم أمر غير مستبعد، إذ يمكن أن يحصل قريبا، ووقتها لا ندري هل سيغير مثقفونا موقفهم، بحكم تغير موقف المنظمات العالمية، أم سيبقون على إصرارهم على تجريم الخفاض والتشنيع به والسعي وراء إصدار القوانين الفوقية.

    (2)
    شئنا أم أبينا، الواقع هو أن المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، تقر بأن هناك أنواعا للخفاض، وتقر بأن هذه الأنواع ليست متساوية في الضرر.

    هناك ثلاثة أنواع معروفة أكاديميا وعالميا للخفاض، أخطرها هو الخفاض الفرعوني (ويسمى أيضا infibulation)، وأخفها ما هو معروف عندنا بخفاض السنة، وهناك نوع رابع تقع ضمنه ممارسات عدة ومتنوعة، تتفاوت في مدى خطورتها وأماكن وجودها الجغرافية ونسبة انتشارها، غير أنها عموما – أي هذه الممارسات ضمن النوع الرابع – محدودة الممارسة في جميع الأرض، كمّا وكيفا.. هذا السرد ليس للمزايدة، إنما لتوثيق ما هو كائن فعلا في الساحات الأكاديمية والطبية العالمية، حتى نكون على أقل مستوى مطلوب من إدراك جوانب القضية التي نتصدى لها.

    بطبيعة الحال هذا لا يعني أن أي من هذه الأنواع "مستحب" أو "جائز" كما يدعي تجار الدين، فجميعها ضار ومرفوض، لكنه يعني من الناحية الطبية أن بعضها أكثر ضررا من الآخر، وأحيانا بصورة كبيرة، كما ان بعض الأنواع (مثل النوع الأول) قابل في بعض الأحيان للإزالة (أي أن تجرى عملية تزيل أثره وتعيد العضو الأنثوي لشكله الطبيعي او قريبا جدا منه).. هذا علاوة على أن اليونسيف مثلا (وهي منظمة للطفولة) تتناول هذه القضية فقط بخصوص الطفلات اللائي يتعرضن للخفاض وهن في سن صغيرة، يجعلهن غير واعيات بما يجري لهن، لكن من حيث الممارسة على أرض الواقع فإن هناك شعوبا كثيرة (بعضها في السودان) تقوم بعادة الخفاض للبنات بعض أن يدخلن مراحل البلوغ، أو على الأقل بعض أن يصلن مرحلة عمرية يكن مدركات فيها بما يجري لهن، ويقبلن به لأنهن مقتنعات به كطقس ضروري من طقوس العبور في ثقافتهن.

    ومنظمة الصحة العالمية تذكر في بعض تقاريرها الأخيرة أن هناك ممرضات متدربات طبيا يجرين عملية الخفاض "في وضع طبي آمن"، إلا أن الأغلبية من القابلات الشعبيات لا يفعلن ذلك، لواقع جهلن التشريحي ولواقع تلوث البيئة التي يقمن فيها بالعملية (راجع المصدر المذكور في الورقة أعلاه)، كما ان الممرضات المتدربات يملن أكثر لإجراء نوعي الخفاض غير الفرعوني.. إذن هناك تفاوت واضح ومعترف به عالميا، سواء كان في نوعية العملية أم في نوعية الظروف التي تقام فيها.. مرة أخرى أكرر إن هذا الحديث ليس للمزايدة، إنما لتوضيح الوقائع.

    كل هذه معلومات يجب أن تكون معروفة، على أقل تقدير، حتى نتصدى لقضية الخفاض بصورة وافية.. والبحث في تنويعاتها سيسوقنا، عاجلا أم آجلا، لأن ندرك أن هذه المسألة غير قابلة للأحكام الحاسمة والشمولية، فهي متنوعة بطبيعتها وتتطلب سياسات متنوعة، إلا أن المظلة الكبيرة هي مظلة التوعية، فالتوعية بطبيعتها عملية واقعية، تتعامل مع الظروف حسب معطياتها ولا تطلق أحكاما مسبقة وشمولية.
    _________
    للمزيد من التفصيل يمكن النظر في الوصلة أدناه، وفيها أيضا وصلات لمصادر أخرى (كما يمكن الاطلاع على بعض المصادر المذكورة في الورقة أعلاه):
    http://en.wikipedia.org/wiki/Female_genital_cutting#Type_IV:_Other_types
                  

02-11-2009, 01:40 AM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    Quote: إن العلاقة بين القانون والتوعية ليست دوما علاقة تكاملية، بل هي أحيانا تكون متشاكسة ومتصادمة حسب المستوى الظرفي من كل جهة.

    القانون القطعي يعطي ستارا واضحا لاستمرار العملية تحت الأرض، وهذا أمر له شواهد تاريخية كثيرة، وحين تصبح العملية "تحت أرضية" فإن هذا يجعل مهمة التوعية أصعب بكثير، لأن أجهزة الإعلام الرسمية تصبح أمام موقفين لا ثالث لهما:
    1. إما أن تتعامل مع أغلبية المواطنين البسطاء كمجرمين، بصفتهم يخالفون قانون الدولة.
    2. او تمضي في حملة توعية هزيلة تعترف فيها بضعف جهاز القانون وضعف تأثيره على حيوات الناس اليومية.
    وفي كلا الموقفين أعلاه هزيمة للقانون ولأهداف التوعية معا.

    نحن لا نقول إن التركيز على التوعية يعني تجاهل القانون، لكننا نقول إن مجهودات المجتمع المدني الحالية تركز على تمرير قوانين صارمة وحاسمة، وهذا خطأ من ناحيتين:
    1. الناحية الأولى هي ذرف مجهود كبير من التنظيم والتمويل كان يمكن أن يُصرف على أهداف التوعية، بدل المؤتمرات والورش والتوصيات التي تخاطب الحكومة بدل الشعب.
    2. والناحية الثانية هي أن القوانين الصارمة تقفل باب الحوار بين من يتبنونها وبين من يعارضونها في إطار الدولة، وبهذا فنحن نخسر الأرضية المطلوبة لمخاطبة بسطاء شعبنا (حتى من قبل بداية الحوار).

    الحل: التركيز على التوعية، ثم على التوعية، ثم على التوعية، بكافة مجالاتها، مع القليل من ضبط القانون.. هذا حل مرحلي يتناسب مع حجم المشكلة وطبيعتها المعاصرة، ويتطور من هذه النقطة حتى نصل فيه لمرحلة يكون فيها المنع القانوني منطقيا.

    قصي همرور
    المصدر: قرار خطير اصدره مجلس الوزراء بالامس !!


    ماذا نعني بالتركيز على التوعية مع "القليل من ضبط القانون"؟

    نعني به أن القوانين التجريمية قوانين فاشلة، وغير ممكنة التطبيق أساسا.. تجريم الخفاض يعني ضمنيا واحد من الآتي (او تشكيلة):
    1. إما نسجن أغلبية المواطنين السودانيين، وهذا إن كان معقولا منطقيا فهو غير معقول لوجستيا، لأننا لا نملك في السودان من الموارد الاقتصادية ما يكفي لبناء سجون تفي بهذا العدد من الناس!
    2. أو نقتلع الطفلات المخفوضات من الأسر كعقاب، وهذا يعني أيضا أن نفتح دور رعاية لمعظم طفلات السودان، وهو إن كان معقولا منطقيا فهو غير معقول لوجستيا، لنفس السبب الخاص ببناء السجون في النقطة "1".. هذا علاوة على أننا هكذا نجعل من البنات المخفوضات يتيمات أيضا، فصارت مصيبتهن مصيبتين بعد أن كانت واحدة.
    3. نضع قانونا تجريميا يقتضي دفع غرامة مثلا، ورغم خطل هذا الرأي وعدم جدواه الواضحة، نقول باختصار إننا لن نستفيد منه أي شيء على أي حال بخصوص توقيف العادة، سوى أنه قد يرفع من ميزانية الدولة (وربما يجعل الحكومة "مبسوطة" بهذا الوضع الذي يدر عليها الأموال، فتكسل بذلك عن دعم جهود التوعية).. كل هذا علاوة على ان جمع الغرامات من المجتمعات الممارسة للخفاض سيكون لوجستيا أصعب حتى من عملية جمع الضرائب، خصوصا في الريف، وهو بالتالي استنزاف لجهد موظفي الدولة في غير محله.
    4. أما الخيار الرابع فهو أن نضع قانونا "فُرجة" لا سلطة فعلية له على أرض الواقع، لان الناس لن تلتزم به على أي حال (فهي لم تلتزم به حين كان موجودا في العقود الماضية على أي حال)، أو أن نطبق القانون على بعض الناس فقط ولا نطبقه على الجميع، وهذا أسوا لأنه يهدم مصداقية جهاز العدل في الدولة، كما يحرض أكثر وأكثر على إجراء الخفاض بصورة سرية "تحت أرضية" تؤدي لعواقب صحية وخيمة على الضحية.

    التركيز على برامج التوعية مع القليل من ضبط القانون هو الحل، وفي هذا يمكن أن نتحاور ونتشاور لنخرج بصيغة جيدة تمثل استراتيجية عامة (وسأحاول وضع المزيد من الاقتراحات العملية قريبا).. الدولة مطلوب منها التواجد القوي في مناهضة الخفاض، ولكن ليس بالقانون الجنائي، إنما عن طريق السياسة العامة.. هناك فرق بين "القانون"(Law) وبين "السياسة العامة" (Public Policy)، وسأحاول تبيان هذا الأمر قريبا.

    نواصل..
                  

02-11-2009, 06:46 PM

Yaho_Zato
<aYaho_Zato
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 1124

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الخفاض.. تاريخ الأخطاء وفرص التصحيح (Re: Yaho_Zato)

    في منظومة التدابير والقواعد التي تقوم بها أنظمة الحكم المعاصرة، في إطار الدولة، لتنظيم مجتمع المواطنين وحفظ حقوقه الأساسية وتحديد واجباته، هناك وسائل عدة وسلطات عدة تقوم بإدارة موازين الحياة العامة.. بعض هذه الوسائل ما نحن بصدده اليوم، والتي تندرج عموما تحت مسمى "السياسية العامة".

    السياسة العامة (Public Policy)
    السياسة العامة هي مقاربة الحكومة لحل المشاكل ومعالجة القضايا المتمثلة في حيز سلطتها الجغرافية، وهي بهذا المعنى تقتضي اتخاذ مواقف معيّنة تجاه القضايا المتنوعة ومن ثم السعي لتنزيل هذه المواقف على أرض الواقع.. الوصول لهذه السياسة العامة في أنظمة الحكم الديمقراطية يمر بمراحل الحوار المدني العام بين الاطراف المتنازعة (المختلفة حول الموقف) ومفاوضة هذا النزاع للوصول لصيغة لبرنامج عمل يحوز على رضا الأغلبية ويكون معقولا من حيث إمكانيات الدولة، اقتصاديا ولوجستيا.

    بعد تبني سياسة عامة محددة تجاه القضية المحددة (وهي قضية الخفاض في خيطنا هذا)، يقوم برنامج العمل على إرشاد التدابير التي ستتخذها الحكومة وتنفذها عبر أجهزة الدولة.. هذه التدابير تتنوع في أدواتها ومستوياتها، ومن هذه الأدوات:

    1. التنظيمات
    2. التشاريع أو القرارت
    3. إصدار القوانين وتفعيلها

    "التنظيمات" نعني بها الحدود العامة التي يرسمها برنامج العمل لمدى تدخل أجهزة الدولة في تطبيق السياسة، وهذه قد تعني تحديد ما إذا كانت الدولة ستقوم بمهة تنفيذ السياسة بنفسها أم ستقوم بدعم منظمات المجتمع المدني (دعما ماديا وتشريعيا) لتسهيل ظروف سعيها لتوطين السياسة العامة.. مثلا تقوم الدولة بوضع تنظيمات مستمدة من السياسة العامة تجاه قضية الخفاض، وتقوم إثر هذه التنظيفات على تحديد حجم وكيفية مشاركة وزارتي التعليم والصحة وأجهزة الإعلام الرسمية في مناهضة العادة، كما تقوم بتحديد مقدار الدعم اللوجستي والرعاية التشريعية التي تسهّل مهمة منظمات المجتمع المدني الناشطة في هذا المجال.

    "التشاريع" أو "القرارات" تعني التصديقات التي بموجبها يتم رسم القوانين على مستويات عدة خارج إطار أجهزة الدولة، بحيث يُشترط في هذه القوانين أن لا تكون متناقضة مع أهداف تلك التشاريع.. مثلا، يمكن لأي منظمة مجتمع مدني أن تقوم برسم دستورها الخاص وقوانين العمل الخاصة بها، على شرط ألا تتناقض هذه القوانين مع قرارات او تشاريع الدولة التي بموجبها تم تصديق شرعية هذه المنظمات وحماية وجودها وتمثيلها القانوني وحقوقها الأدبية وخلافه.. مثلا، لا يمكن لمنظمة مدنية أن تضع في قانونها أنها تدعو "لتشجيع ممارسة الخفاض" ما دام قرار الدولة بخصوص المنظمات المدنية يشترط ألا تقوم أي منظمة مدنية على دعوة للعنف تجاه المرأة والطفل، كما لا يمكن أن تقوم منظمة على أساس الدعوة "لإعلان الجهاد على الكفار" ما دامت تشاريع الدولة تقتضي عدم قيام منظمة مدنية على دعوة للكراهية والعنف.. الدولة لن تتدخل في تفاصيل قوانين المنظمات المدنية ما دامت تلك القوانين غير متناقضة مع الخطوط العريضة لقرارات الدولة، وبهذا فإن قوانين المنظمات ستكون متنوعة ومتباينة بين بعضها البعض، لكنها جميعا لا تصادم التشريع العام المحمي بواسطة الدولة.

    أما "إصدار القوانين وتفعيلها" فهو وسيلة واحدة فقط من وسائل تطبيق السياسة العامة، وهو الفعل الذي بموجبه تُرسم حدود واضحة لجميع مواطني الدولة ومنظماتها، فإذا تم أي تجاوز لهذه الحدود فإن المتجاوز (سواء أكان مواطنا أو مؤسسة) يتعرض للجزاء الذي ستطبقه عليه أجهزة الدولة بالقوة القهرية.. والقوانين نفسها على مستويات، منها:

    1. القوانين المدنية: وهذه يكون مستوى الجزاء على مخالفتها في صورة الغرامة المالية أو سحب بعض الحظوات المدنية (من غير الحقوق المدنية الأساسية).. مثل غرامات المخالفات المرورية، وكذلك مثل سحب رخصات القيادة او سحب تصديقات التجار إذا ثبتت مخالفتهم لبعض قوانين النظافة في محلاتهم التجارية، وغير ذلك من الأشياء المشابهة.
    2. القوانين الجنائية: وهذه يكون مستوى الجزاء على تجاوزها أغلظ، ويتضمن السجن و/أو حجر التنقل وحتى عقوبة الإعدام، كما يتضمن سحب بعض الحقوق الأساسية للمواطن، مثل حق الانتخاب، وقد يكون أحيانا في شكل حرمان الأسرة من حق الأمومة إذا ثبت عدم جدارتها به، بالإضافة لصور أخرى من أشكال الجزاء.. أيضا ما يميز القانون الجنائي أن من يتورط فيه فإن هذا يصبح موثقا في ملفه الجنائي عند الدولة، وهو مما له عظيم الأثر على حياته العامة في تلك الدولة بعد ذلك (وحتى خارجها، فما دام الشخص صاحب ملف جنائي فإن هذا سيلتصق بجواز سفره وبأي وثيقة دولة أخرى).
    3. القوانين العسكرية: وهذه تقع ضمن اختصاص أجهزة الدولة العسكرية في تعاملها مع منسوبيها، وللمؤسسات العسكرية شيء من الاستقلالية عن مؤسسات الدولة المدنية لطبيعة السلطة العسكرية وضرورة نفوذها في نطاقها بصورة مختلفة عما عليه الحال في النطاق المدني.

    والآن، بعد هذا القول المختصر من شخص غير متخصص في أنظمة الحكم ولكن لديه خلفية أكاديمية متوسطة عنها، كل ما نريد قوله في إطار خيطنا هذا إن الحكومة قادرة على تفعيل أجهزة الدولة لمصلحة السياسة العامة في مناهضة الخفاض، بطرق شتى، وهو ما نطالب به، لكننا فقط نختلف مع أغلبية مناهضي الخفاض اليوم بالسودان في أننا نرى أن القوانين الجنائية غير مناسبة في المرحلة الحاضرة كوسيلة من وسائل المناهضة، وقد أوردنا في الورقة أعلاه الأسباب التي تجعلنا نقف هذا الموقف.

    (عدل بواسطة Yaho_Zato on 02-11-2009, 07:00 PM)

                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de