اللوتري 2016 .... مرحبا بالجميع
العيد ما عندنا ... الفنان اسامة الشيخ {شخصيا} يصدح في تورنتو
الفنان الكبير صلاح فالوله يحي حفل العيد بشيكاغو - الاحد 5 أكتوبر
مؤتمر: أزمة دارفور بعد مرور عقد، السبت 4 اكتوبر 2014 أمستردام

مرحبا Guest [دخول]
أخر زيارة لك: 02-10-2014, 09:24 AM الرئيسية

مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2009متجربة الصين
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
أقرا احدث/اخر مداخلة فى هذا الموضوع »
05-02-2009, 11:24 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



تجربة الصين

    طعا لاننا لا نتعظ من فشلنا الممتد من 1956 ولا نستفيد من تجارب الشعوب
    اليت على نفسي نقل تجربة متقدمة وواعية جدا بل اضحت معجزة انها الصين عبر كتاب رحلة الي الصين للصحفي المصري جمال البناوحصريا على هذا البورد عسي ولعل نتجاوز خرافتنا في زمن العلم والمعلومات ونضع حارطة طريق علمية تجعل للسودان اسم في القرن الحادي والعشرين
    وهذا الامر يخص اهل الحكم واهل المعارضة على حد السواء


    الحلقة (1)

    رحلة إلى الصين
    مقدمة
    هذا الكتاب محاولة للتعرف على الصين، واكتشاف بعض ما جرى وما يجرى فيها من تغيرات تبدو فى عيون زوارها أقرب إلى المعجزات وفى عيون آخرين تبدو ثورة حضارية واقتصادية وتجربة مبهرة فى التنمية وبناء الإنسان.
    والصين الآن توصف فى كتابات الرحالة والمراقبين بأنها بلد تحدى المستحيل.. بلد الأرقام الضخمة.. التنين الأصفر.. العملاق الأسيوى القادم الذى يتسلل بخطوات هادئة وائقة ليتخذ مكانا فى المقدمة بين دول العالم الكبرى.
    ومثل هذه الأوصاف إنما تعكس الدهشة والانبهار، الأن التاريخ الحديث لا يعرف دولة أخرى انتقلت فى عشرين عاما فقط من دولة نامية من دول العالم الثالث إلى دولة تنافس الدول الكبرى فى العالم الأول.. دون أن تفقد توازنها أو تواضعها.. وما زالت تخفى من عوامل قوتها أكثر مما تظهر.
    والدهشة هى الشعور الطبيعى لكل من يزور الصين الآن خصوصا إذا كان قد زارها قبل ذلك بثلاثين أو عشرين أو حتى خمسة أعوام.. فقد بدأت نهضتها من نقطة الصفر، وتعداد شعبها 800 مليون نسمة، والأمية منتشرة بنسبة تزيد على 90% ومثل هذه النسبة من شعبها تحت خط الفقر. والزراعة بدائية.. والصناعة تعتمد على إدارة وتكنولوجيا قديمة.. وعندما تحركت للخلاص من آثار قرون من الاستعمار والتخلف مع ثورة ماوتسى تونج عام 1949 عاشت محاصرة تقريبا، ووضع الغرب أمامها العقبات، ونتيجة لرواسب القرون من الاحتلال والاستغلال كانت هى أيضا تشعر بالخوف على ثورتها وحلمها فأغلقت أبوابها تقريبا، وبدأت مسيرة عمل وتضحية جماعية لبناء كل شىء.. وظلت سنوات تعمل بهدوء.. وصبر.. وبعيدا عن العيون.. ولكنها تعرضت لانتكاسة خطيرة فى سنوات الثورة الثقافية التى قادتها زوجة ماوتسى تونج وعصابة الأربعة، واستمرت هذه الانتكاسة عشر سنوات كاملة، تحولت فيها البلاد إلى فوضى شاملة، وتوقف كل شىء تحت شعار الحفاظ على مبادئ الثورة من أعدائها.. وبعد أن انتهت هذه الفترة المظلمة عادت الصين مرة أخرى تواصل مسيرتها بفكر جديد، وروح جديدة، وقيادة جديدة.
    وكان هذا الفكر الجديد مواكبا للمرحلة التى قادها دنج شياو بينج ورفع فيها شعار (الإصلاح والانفتاح على العالم). وإذا كانت الصين قد استغرقت أكثر من نصف قرن لوضع حد لحالة الفقر والتخلف وتغيير صورة الحياة العقيمة للصين القديمة، فقد أنشأت فى عشرين عاما فقط نظاما صناعيا حديثا، وزاد الإنتاج الوطنى الإجمالى 56 ضعفا، ووصلت إلى 1250 مليون نسمة، ومع هذا العدد الضخم من البشر لم تعد فيها مشكلة الغذاء أو الكساء، بل حققت تحسنا ملحوظا فى مستوى المعيشة تبدو آثاره واضحة من النظرة الأولى فى المدن والريف لكل زائر.
    وكانت رحلتى لمعرفة كيف استطاعت الصين أن تحقق هذه النهضة فى عقدين فى الزمان فقط نجحت خلالهما فى جذب الاستثمارات، وبناء قاعدة صناعية وتكنولوجيا لا تقل عن مثيلاتها فى دول أروبا، ونجحت فى غزو أسواق العالم بمنتجاتها الرخيصة الجيدة، وانتقلت من العالم القديم المتمركز حول الأطلسى إلى عالم آخر من النمو حول الباسفيكى، واحتلت مكان القلب فى التحول الأسيوى، واستطاعت صياغة علاقاتها التجارية والسياسية مع الولايات المتحدة بالذات صياغة فريدة.. فيها الخلاف وفيها الاتفاق.. فيها الصراع والتعاون.. وفيها التحدى وتفادى الصدام.. ونجحت فى حل هذه المعادلات الصعبة كما نجحت فى الحفاظ على حالة الاستقرار التى تمكنها من المضى فى التغيير والتحديث.
    الصين الآن كما يراها المراقبون تمثل لعالم الصناعة النهم الذى لا يشبع أبدا ما كان يمثله العالم الجديد بالنسبة لأروبا منذ قرون أرضا جديدة شاسعة.. فيها قدرات هائلة.. وعوامل نمو.. وفرضا للربح الوفير.. ويمكن أن تصبح بعد سنوات نقطة ارتكاز المنافسة العالمية. والدليل على ذلك أن فائض تجارتها مع الولايات المتحدة يتزايد عاما بعد عام ويوشك أن يصل إلى مستويات سياسية خطيرة، ولذلك يتوقع بعض الباحثين أن الصين والولايات المتحدة ستصبحان القوتين العظيميين، وستكون لهما أهداف مختلفة.. ويتحدث بعض الباحثين أيضا فى الولايات المتحدة عن (الخطر الصينى) ويقولون إن على الأمريكيين أن يستعدوا لمواجهة واحتواء نذا الخطر. ودليلهم على ذلك أن حجم التجارة بين الصين والولايات المتحدة يزيد على ألف مليار دولار سنويا، والعجز فى الميزان التجارى بينهما لصالح الصين يبلغ ستين مليار دولار سنويا.
    والصين تعيش فى وسط دول آسيا التى تعرضت لأزمات اقتصادية، وقد استطاعت أن تحمى نفسها من الوقوع فى أية أزمة، ولم تضطر إلى تخفيض عملتها كما فعلت دول شرق آسيا، لأن العملة الصينية ليست مرتبطة بأى عملة أجنبية، وليست قابلة للتحويل حتى الآن إلا وفق قواعد وشروط، وبالتالى لا تستطيع أية قوة أجنبية التلاعب بسعر العملة، فهى فى مأمن من تأثير الضغوط الخارجية على اقتصادها وعملتها، وهذا هو السر فى قدراتها على النجاة فيما وقعت فيه دول مثل أندونيسيا أو ماليزيا أو حتى اليابان.
    ويتفق كل من كتب عن الصين على أن الميزات الكبرى فى الصين كثيرة منها أن تكلفة العمالة منخفضة جدا، وأن مهارة ودقة العامل الصينى طوال الوقت دون كلل أو محاولة للتهرب أو التمارض والتزامه بالعمل صفات ليس لها مثيل فى أية دولة أخرى. وهذا ما يجعل الصادرات الصينية قادرة على الوقوف بقوة فى المنافسة فى الأسواق العالمية مع الدول الكبرى.
    وكانت هجمات الغرب على الصين تأتيها من نقطتين.. الأولى أنها آخر قلعة للشيوعية وملكية الدولة لوسائل الإنتاج والتخطيط المركزى للاقتصاد فى عالم يسود فيه الاقتصاد الحر أو اقتصاد السوق.. والثانية هى الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيطرة الحزب الواحد.. ولكن انهيار الاتحاد السوفيتى عام 1998 كان دليلا على أن الإسراع فى تغيير نظام الملكية، وفتح الأبواب للديمقراطية عشوائيا دون إعداد المجتمع إعدادا كافيا يمكن أن يؤدى إلى تفكك المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.. وأن سياسة التدرج فى تطبيق اقتصاد السوق والديمقراطية هو الذى يناسب دولة كالصين كبيرة الحجم وسكانها 1200 مليون نسمة، وفيها 55 قومية، ولابد لها أن تضمن أن يكون التغيير آمنا وتظل وحدة البلاد قائمة ولا يحدث فيها ما حدث فى الاتحاد السوفتى من تفكك.
    لم تنخدع الصين بالسراب الذى انخدع به الاتحاد السوفيتى عام 1997 وكان بمثابة قطعة الجبن التى جذبت الفأر إلى المصيدة، حين شهد الاتحاد السوفيتى فى ذلك العام تدفق الاستثمارات الأجنبية، وارتفعت قيمة الأسهم مع الخصخصة المتعجلة، ولكن هذه الفورة كانت قصيرة الأجل أثرى من ورائها عدد محدود من ذوى الحظوة، ثم انتهى الأمر إلى الدمار والخراب وتحول الاتحاد السوفيتى إلى دول متعددة، وعانت روسيا لسنوات أزمة اقتصادية وصلت إلى حد العجز عن دفع مرتبات الموظفين وأفراد الجيش.. وما زالت روسيا حتى الآن تصارع للبقاء واستعادة نفوذها.. وكان ذلك درسا أكد للصين صواب نظريتها عن التحول من التخطيط الشامل وملكية الدولة لجميع وسائل الإنتاج إلى (اقتصاد السوق الاشتراكى) وهى نظرية ابتدعتها الصين، وملخصها التحول إلى اقتصاد السوق مع الاحتفاظ بالتخطيط الشامل والدور المركزى للدولة والسير خطوة خطوة، وعدم الانتقال إلى الخطوة التالية إلا بعد التأكد من إتمام الخطوة الأولى بنجاح.. سياسة التدرج هى سياسية الإصلاح الاقتصادى والسياسى القائمة منذ عشرين عاما وتؤكد النتائج نجاحها.
    وتفتح الصين أبوابها للاستثمارات الأجنبية، ولكنها تؤمن بأن الأجانب لا يملكون معجزة تحقيق النمو والتحديث، ولا يهمهم ذلك كثيرا، وعلى الصين وشعبها أن يجدوا بأنفسهم طريقهم الخاص بهم، ويعتمدوا على أنفسهم أولا، وكل نجاح يتحقق بجهودهم سيكون قوة جذب للأجانب ليأتوا للاستثمار بشروط الصين وليس بشروط الأجانب وهذا ما يجعل الصين قادرة – مثلا – على وضع قيود على الصادرات الأمريكية فى مجالات معينة مثل توليد الطاقة، والسناعات الدوائية، والآلات، والاتصالات عن بعد.. وقادرة على اتخاذ مواقف مستقلة فى القضايا الدولية، ولا تتحول – مثل غيرها من الدول الأسيوية – إلى دولة تابعة.
    ولقد زرت الصين لأول مرة عام 1995 وأثار دهشتى ما تحقق فيها من تنمية وتقدم اقتصادى، ورأيت صورة الصين وشعبها مختلفة عما قرأته عنها فى عصورها القديمة والحديثة على حد سواء، ولكن رحلتى الثانية فى أواخر عام 2000 كانت شيئا آخر.. وجدت طفرات ومعجزات حدثت خلال السنوات القليلة الماضية فى كل مكان ذهبت إليه.. ليس فقط بإنشاء مدن حديثة فى سنوات قليلة فيها ناطحات سحاب تنافس المدن الأمريكية الكبرى مثل نيويورك وسان فراسيسكو، أو فى وجود مصانع الصواريخ والأقمار الصناعية وأقمار التجسس والإلكترانيات والألياف الضوئية وأجهزة الليزر وشبكات الانترنت والتليفون المحمول وغيرها من المنتجات التكنولوجية المتقدمة.. ولكن وجدت الصين متفتحة لأفكار جديدة تتم مناقشتها علانية وبحرية، ووجدت روحا جديدة من عدم الاكتفاء بما تحقق والرغبة فى تحسين الأوضاع القائمة، ولأول مرة لا أسمع العبارات المحفوظة من أقوال الزعماء ولكن أسمع النقد لكل شىء، والإرادة لتحقيق ما هو أكثر، والإصرار على أن الصين ما زالت دولة نامية، ومستوى معيشتها ما زال منخفضا، وتحتاج إلى فترة طويلة لتحديث كل شىء فيها.
    وجدت الصين وقد خرجت نهائيا عن عزلتها وانفتحت على العالم، وبدأت تظهر فى الصحف مقالات تتناول السلبيات وتطالب بالإصلاح هنا وهناك، ومع الانفراج فى الإعلام انتشر (الانترنت).. وأهم من ذلك أن قادة الصين فتحوا مجالا واسعا للجدل والحوار عن المستقبل السياسى والاقتصادى وما هى أسلم الطرق للوصول إلى هذا المستقبل.. وكان من حظى أن أكون عضوا فى الوفد المصرى فى المؤتمر الدولى رفيع المستوى الذى عقد فى بكين لبحث مكان الصين فى القرن الحادى والعشرين وشارك فيه رؤساء حكومات سابقون ومفكرون وخبراء من أمريكا وروسيا واليابان وألمانيا واستراليا وبريطانيا وبقية دول العالم، وكان هذا المؤتمر دليلا على رغبة الصين فى الاستماع إلى (الآخر)، والتعرف على رؤية العالم لها فى الحاضر والمستقبل، والاستفادة بالرؤى والأفكار المعبرة عن المدارس الفكرية المختلفة فى العالم.
    وعدت من هذه الرحلة وأنا مؤمن بأن الصين فعلا كما يقال عنها (مختلفة).. مختلفة فى اقتصادها ونظامها السياسى، ونفهومها للديمقراطية، وهذا الاختلاف نابع من أوضاع الجغرافيا السياسية أولا، ومن الميراث التاريخى الثقيل من الماضى الاستعمارى البعيد والقريب، ثانيا ومن ثقل حجمها السكانى، ثالثا وهى تنطلق إلى بناء ذاتها بوعى بظروفها وطبيعة تكوينها، ولا تتأثر بالضغوط الخارجية، ولا تعمل إلا ما يتفق مع هذه الطبيعة وهذه الظروف.
    ولست فى حاجة لأن أكرر أن كل زائر للصين تواجهه صعوبة اللغة الصينية وضرورة اعتماده على مترجم، وكان من حظى أن صاحبنى اثنان من جمعية التفاهم الدولى يجيدان اللغة العربية، كما كان معى فى معظم لقاءاتى وجولاتى السفير المصرى المتميز الدكتور نعمان جلال، الذى كان يستعد لمغادرة الصين بعد انتهاء فترة عمله فيها وقد ترك أثرا طيبا. كذلك كان معى السيد محمد أبو الوفا السكرتير الثانى بالسفارة فى بكين والسيد ياسر هاشم القنصل المصرى فى شنغهاى، والسيد حامد صقر المستشار الإعلامى، والسيدة هالة عنارة مديرة مكتب وكالة أنباء الشرق الأوسط فى بكين، وقد لقيت منهم مساعدات كبيرة وأجد نفسى مدينا لهم بالشكر.
    ولا أدعى أنى استطعت بكل ما فى الصين، فهى عالم كبير وليس من السهل الإحاطة بكل شىء فيها إحاطة شاملة، مع تنوع الأصول العرقية، والقوميات، واللهجات، والديانات والثقافات. والاختلافات الجغرافية والسكانية.
    ولا ينبغى أن نغفل ونحن نتحدث عن الصين أن مسيرتها ليست سهلة، فهى فى الحقيقة تسير فى حقول ألغام، وهناك تعارض مصالح بينها وبين بعض جيرانها من ناحية، وصراع مع الولايات المتحدة لا يخفى عن العيون وصل إلى ذروته فى معركة استعادة هونج كونج ومكاو وما زال الصراع فى الذروة من أجل استعادة الصين لجزيرة تايوان ضمن سياسة (توحيد الوطن) وإن كانوا لا يتحدثون عن ذلك الصراع كثيرا، والولايات المتحدة من جانبها لا تخفى أنها تعتبر الصين العدو المحتمل وتسعى إلى تحجيم قوتها ودورها الاقليمى والعالمى والحد من سرعة انطلاقها التجارى والاقتصادى والعسكرى، ودول كثيرة فى العالم أصبحت تخشى غزو المنتجات الصينية لأسواقها بعد أن بللأت هذه المنتجات الأسواق بأذواق تناسب المستهلكين فى كل بلد، وبأسعار أقل بكثير من أسعار المنتجات الماثلة فى الدول الغربية، ونتيجة لذلك أصبحت الصين دائنة لمعظم دول العالم، وبينما ديونها الخارجية محدودة، ووصل الاحتياطى النقدى الأجنبى فيها إلى رقم يفوق الاحتياطى فى أية دولة أوربية.
    ولا يعنى ذلك أن الصين قد انتهت من حل مشاكلها المتراكمة منذ مئات السنين، فما زالت فيها مشاكل كثيرة، وهم لا ينكرون ذلك، ويتحدثون عن مشاكلهم بمنتهى الصراحة، ولم يعد الصينيون حريصين على إخفاء المشاكل كما كانوا قبل عشرين عاما، ولم يعد أحد يقول لك أن كل شىء كامل، أو أنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان، أو يردد أن الصين فوق الجميع، وعندما بدأت الصين التفاوض مع منظمة التجارة العالمية للدخول فى عضويتها وقفت بصلابة ترفض شروط المنظمة.. كانت منظمة التجارة العالمية تريد أن تكون عضوية الصين على أساس أنها دولة متقدمة، وظلت الصين متمسكة بأن تدخل كدولة نامية وتحصل على الامتيازات والإعفاءات والتسهيلات الممنوحة للدول النامية، وبالصبر الصينى الذى لا مثيل له استمرت المفاوضات خمسة عشر عاما إلى أن سلمت منظمة التجارة العاملية وقبلت شروط الصين بالكامل وكانت الصين هى آخر عضو انضم إلى المنظمة فى أواخر عام 2001.
    ويتحدثون هناك كثيرا عن التخلف فى الريف وفى مناطق غرب الصين، لأن مشروع التنمية والتحديث بدأ فى جزء واحد فى المناطق الشرقية الساحلية، وكانت الحكمة من ذلك أنه من المستحيل تنمية الصين كلها فى وقت واحد، والآن وبعد عشرين عاما تحققت لمناطق الشرق التنمية. فبدأت الصين فى تنفيذ خطة جديدة لتنمية الجزء المتخلف من البلاد فى المناطق الغربية، ويقولون إن هذه المناطق الغربية تحملت التضحيات من أجل تنمية المناطق الشرقية وأصبح على المناطق الشرقية بعد أن وصلت إلى درجة ملحوظة من التقدم والثراء أن تسدد الدين، وتسهم فى تنمية الغرب، وبذلك تتحقق التنمية فى الصين كلها وهذا هو الهدف الذى يعطونه الأولوية فى هذه المرحلة.
    ولا زالت الأمية والفقر فى بعض المناطق. وتعانى الصين أيضا من البطالة نتيجة تطبيق اقتصاديات السوق، ولم تعد الدولة مسئولة عن توظيف كل مواطن بصرف النظر عن الجاجة إليه. كما تعانى الصين من ظواهر سلبية مثل انتشار المخدرات، والتفكك الأسرى، وهى مشكلات لا يخلو منها مجتمع فى العالم اليوم، وهم يعترفون بوجود هذه الظواهر السلبية، ويعملون بجدية على التغلب عليها.
    ويلفت نظر الزائر انتشار الثقافة الأمريكية إلى حد ما لدى بعض الشباب فى المدن الكبرى.. وإعجاب الشباب بالوجبات السريعة والملابس والموسيقى الأمريكية، خصوصا بعد انتشار الفضائيات وخروج الصينيين إلى دول العالم بأعداد كبيرة، وزيادة أعداد مستخدمى الإنترنت، وبعد أن تهاوت الأسوار القديمة، وانفتحت الأبواب للغرب بما فيه من حسنات وسيئات، وهم يحاولون تجنب السيئات بقدر الإمكان، وإن كان الأمريكيون يرون أنهم يستطيعون التأثيرعلى كل دول العالم وليس على الصين وحدها. وإن كان الشعب الصينى فى عمومه ما زال محتفظا بتقاليده وعاداته الاجتماعية وتقاليده الموروثة ولم يتأثر بالثقافة الغربية.
    وفى رأيى أن الصين أقرب إلينا من أمريكا. والبعض يتصور أن مصر والدول العربية يمكن أن تأخذ بالنموذج الأمريكى فى الاقتصاد والتنمية والثقافة والتعليم، وهذا مستحيل، لأن ظروف أمريكا وقدراتها مختلفة تماما عن ظروفنا وقدراتنا.. أمريكا بلد الوفرة.. بلد الأراضى الشاسعة البكر التى لم يتم استغلالها بالكامل حتى الآن.. بلد التقدم المذهل فى العلوم والتكنولوجيا والصناعة.. بلد يزيد إنتاجه على احتياجات شعبه.. بلد يقدم ما يفيض من حاصلاته الزراعية معونات للدول الفقيرة ويلقى بعض المحاصيل فى المحيط، ومصر على العكس، لديها ندرة فى الموارد، والخبرات، وسوقها محدود، وقدراتها المالية أقل من أن تحقق كل طموحها، ولكن رغم الاختلاف فى الحجم والمساحة والقدرات أقرب إلينا، فهى مثلنا صاحبة حضارة قديمة متميزة عمرها خمسة آلاف سنة، وهى مثقلة مثلنا بأحمال الماضى، ومهما يقال عن كثرة مواردها فهى تكفى بالكاد شعبها الذى يمثل خمس سكان العالم، وقد عانت مثلنا من مشاكل فى إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة، وضعف الطلب الداخلى والخارجى، كما نجحت فى تخفيف القيود على الاقتراض والائتمان، وأنشأت نموذجا لا مثيل له فى المناطق الصناعية هى الأصلح لنا، لأنها ليست شديدة التعقيد مثل التكنولوجيا الأمريكية، ولكنها تكنولوجيا متوسطة وأسعارها فى حدود الممكن، ويتم تصنيعها بمواد نستطيع إنتاجها محليا ويمكن اكتساب الخبرة فيها بسهولة.. أى إن المسافة التكنولوجية بيننا وبين الصين أقرب كثيرا من المسافة الشاسعة بيننا وبين أمريكا والمسافة الثقافية أيضا أقرب كثيرا.
    عوامل التقارب، وجسور التفاهم بيننا وبين الصين كثيرة، ونستطيع أن نتعلم الكثير من تجربتها، وعلينا أن نطلب العلم من الصين، وإن كان كل من قابلته فيها كان يقول لى إنهم يطلبون العلم منا.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

05-02-2009, 11:28 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)



    pluginspage="http://microsoft.com/windows/mediaplayer/en/download/"
    id="mediaPlayer" name="mediaPlayer" bgcolor="#000000" showcontrols="false"
    showaudiocontrols="false" showtracker="-1" showdisplay="0" showstatusbar="0"
    videoborder3d="-1" enabletracker="false"
    src="/nsdoc/06ece687-494b-4c47-811e-b39392434543/?id=1158825828424"
    url="/nsdoc/06ece687-494b-4c47-811e-b39392434543/?id=1158825828424"
    autostart="-1" designtimesp="5311" loop="false">

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

09-02-2009, 12:47 PM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    الحلقة(2)
    سائح فى الصين
    كانت الفكرة الشائعة فى عقولنا أن الصين بعيدة جدا، وربما تكون أبعد بلاد الدنيا بالنسبة لنا.. هذه الفكرة من رواسب العصور القديمة التى كانت فيها المواصلات والاتصالات بدائية وبطيئة.. وكان الذهاب إلى الصين يستغرق شهورا والاتصال بالتليفون شبه مستحيل، وربما يكون من أسباب تعمق هذه الفكرة فى عقلنا الباطن وجود سور الصين العظيم الذى يعطى الحديث عنه الإحساس بأن الصين بلد معزول ومحاط بالأسوار، وربما يكون من الأسباب أيضا أن الصين عاشت سنوات طويلة منغلقة، ومعزولة عن العالم، ولم تكن ضمن سياساتها التوسع فى العلاقات مع العالم الخارجى، إما لمشاكل داخلية، وإما لتخوف من الأجانب، وإما رغبة فى التفرغ لحل مشاكل مئات الملايين من البشر الذين يعيشون فيها ويعانون من آثار الاستعمار والتخلف.
    ومهما تكن الأسباب، فلم تعد الصين بعيدة ولا معزولة الآن، ولكنها فتحت أبوابها، وبدأت تدعو الوفود من جميع دول العالم لزيارتها، وتنظم رحلات سياحية إلى معالمها المتميزة ذات الطابع الخاص جدا، والمحملة بعبق التاريخ السحيق، وفى السنوات الأخيرة أصبح قطاع من الشعب الصينى يخرج إلى العالم للسياحة، وأصبحت الصين مدرجة ضمن الدول المصدرة والمستوردة للسياحة.
    وكانت ضمن الأسباب التى جعلت الصين تبدو بعيدة، أن المواصلات إليها كانت صعبة، فلم تكن هناك خطوط طيران مباشرة كافية إليها، والمطارات كانت صغيرة وقديمة والإجراءات فيها معقدة، وخصاصا إجراءات التعامل مع البنوك وبطاقات الائتمان والدخول والخروج بالعملات الأجنبية، وكانت هذه كلها عوامل طاردة للسياح، وكذلك كانت المواصلات الداخلية متعبة والقطارات قديمة، وباختصار لم يكن هناك ما يشجع المرء على تكبد كل هذه المشاق من أجل زيارة الصين، ولم يحدث التطور إلا بعد التسعينات، فحدثت طفرة فى خدمات هيئات السياحة، والطيران المدنى والمطارات، والسكة الحديد، والموانى، وبعد أن كانت فى الصين شركة واحدة للطيران أصبح فيها اليوم 23 شركة طيران منها 17 شركة للطيران الداخلى، وأصبح هناك 94 خطا دوليا مباشرا بين الصين و53 مدينة فى 30 دولة، وأصبح فيها 139 مطارا حديثا، وتمتلك شركات الطيران الصينية 450 طائرة بوينج وإيرباص وغيرها من طائرات المسافات الطويلة أمريكية وأوربية الصنع، وتصنع الصين طائرات لنقل الركاب اسمها》 يوان – 7 《 للمسافات المتوسطة.. ومع تزايد حركة السياحة والتجارة اعتبرت شركات الطيران العالمية أن الصين هى السوق الواعدة بالنسبة لها.
    ولا يزال القطار هو الوسيلة المفضلة للمسافات المتوسطة والقصيرة، وخطوط السكك الحديدية تبلغ 60 ألف كيلومتر، وهى ليست طويلة بالنسبة لمساحة الصين، وتصل إلى كل المقاطعات والمناطق فيما عدا التبت. وهناك قطرات سياحية خاصة سريعة ومزودة بتسهيلات لا تجدها فى القطارات العادية، فيها تليفويون يعرض مشاهد ورامج ومعلومات عن أهم المواقع السياحية، وفى بعض القطارات تجد البوفيه والبار، ودخلت مؤخرا خدمة السيارات الليموزين التى تطلبها بالتليفون وتنقلك إلى أى مكان فى الصين، وقد ظهرت نتائج عمليات الاهتمام بإنشاء الطرق الحديثة، وتطبيقا للمبدأ الذى وضعه الحزب وهو أن》 بناء الطريق أول خطوة على طريق الثروة《 تعبيرا عن إدراك العلاقة بين المواصلات وتنمية الاقتصاد القومى، ويقولون لك بفخر إنهم أنشئوا طرقا حديثة طولها مليون و 21 ألف كيلومتر بخلاف الطرق السريعة لا تقل عن مثيلاتها فى الولايات المتحدة، ويلفت النظر أن تجدعليها سيارات مرسيدس وشيفورليه، وبى. إم. دبليو المستوردة وسيارات فولكس فاجن، وأودى التى تنتج فى الصين بالتعاون مع ألمانيا.
    ***
    ولم يعد صعبا أن تجد سيارة تاكس فى كل مكان وفى أى وقت وكذلك لم يعد غربيا أن تجد بعض الطرق معلقة كما فى بكين وشنغهاى، أو أن تجد خطوط المترو تجرى تحت وفوق الأرض كما فى بكين وشنغهاى وتيانجين، أو تجد المترو يسير بك فى أربعة أنفاق تحت قاع النهر فى شنغهاى، ويقولون لك إن خطوط المترو أوشكت أن تنتهى فى مدن أخرى جديدة.
    وكل ذلك يعتبر بالنسبة للصين نوعا من الخيال تحقق فى وقت قصير نسبيا.
    كذلك لم تعد الاتصالات مشكلة، فالصين الآن تستخدم التكنولوجيا الحديثة من الألياف البصرية والاتصالات الرقمية والميكرويف، والأقمار الصناعية، والتليفون المحمول ويمكنك الاتصال بسهولة بأى مكان فى العالم.
    ويدهش الزائر للصين يجد أفكارا سياحية حديثة لم تكن موجودة منذ سيوات قليلة، مثل برنامج》 زيارة الأزقة《 فى بكين، ويركب فيه السائح عربة مكشوفة ذات ثلاث عجلات ليتجول فى الأزقة القديمة الضيقة التى يرجع تاريخها إلى مئات السنين، ويمكن للسائح أن ينزل من العربة ويدخل بعض الأماكن التاريخية ليشرب شاى الياسمين المشهور أو يتناول الطعام، وفى شنغهاى برنامج طريف اسمه》 كن مواطنا فى شنغهاى ليوم واحد《 وفيه يمكن للسائح أن يقيم فى بيت مع سكان شنغهاى فى الشوارع والأزقة والأحياء القديمة أو فى بيوت حديثة مع أبناء الطبقة المتوسطة الجديدة، ويخرج السائح فى الصباح مع صاحب البيت لتوصيل حفيده الصغير إلى الخضانة أو المدرسة، ثم يذهب معه إلى السوق لشراء ما يلزم البيت، ويعود معه ليشارك أهل البيت فى إعداد الطعام، ويستطيع أن يتعلم طريقة إعداد بعض الأكلات الصينية المعروفة.. وبعد الظهر يشرب السائح الشاى مع صاحب البيت ويخرجان فى نزهة فى بعض الأحياء والحدائق والأسواق، ثم يتناول العشاء مع الأسرة ويشاهد معهم التليفزيون، ويعود بذكريات 24 ساعة مع أسرة صينية تعايش خلالها معهم فى كل شئونهم وتعرف على الكثير من أفكارهم وعاداتهم وأسلوب حياتهم.
    وقد يكون من حظ السائح أن يتصادف وجوده فى أحد الأعياد أو الاحتفالات الكثيرة فى الصين مثل عيد الربيع أو عيد منتصف الشهر الثامن القمرى ليشاهد أكبر وأجمل مهرجانات الصواريخ والألعاب النارية ويرى الأطفال فى الشوارع بملامس وقبعات جديدة، وعروض الطبول والرقصات الشعبية فى الشوارع، ومهرجانات الفوانيس.
    ويجذبون السياح بالطعام الصينى الذى أصبح شائعا فى أوربا وأمريكا، وليس هناك مدينة كبرى فى العالم ليس فيها مطاعم صينية، ولكن الطعام الصينى فى الصين ذاتها له طعم خاص ومختلف جدا عن الطعام الذى تقدمه المطاعم الصينية فى الخارج. وتكتشف أن الطعام الصينى ليس واحدا، ولكنه جزء من الثقافة الصينية، وينقسم إلى أربع مجموعات رئيسية: مطبخ شاندونج، ومطبخ شيشوان، ومطبخ فوانجدونج، ومطبخ هواييانج، ولكل منها فروع مختلفة، ويقولون: إن الأطباق المسجلة رسميا خمسة آلاف طبق بخلاف الأطباق الأخرى الخاصة بكل قومية من القوميات وهى 55 قومية، ولكل منها أكلات خاصة بها. ولذلك تجد أن ما تعرفه عن الطعام الصينى كما نجده فى أى بلد كان خارج الصين ليس طعاما صينيا حقيقيا. ولكنه متأثر بما هو سائد من عادات غذائية فى كل بلد، أما الطعام الصينى الحقيقى فلا تجده أبدا إلا فى الصين.. لذلك يقولون إن السائح لن يعرف الصين إذا لم يشاهد سور الصين العظيم وأوبرا بكين وعروض الأكبروبات، وتناول الطعام الصينى التقليدى فى المطاعم التقليدية وخصوصا مطاعم البط البكينى.
    والسياحة فى الصين شهدت فترات من الصعود والهبوط، ولم تبدأ السياحة فى العصر الحديث إلا مع بداية العشرينات فى مدينة شنغهاى عندما أنشأ أحد البنوك التجارية قسما للسياحة فى عام 1923، وأصبح هذا القسم بعد ذلك مكتبا مستقلا للسياحة يقدم خدماته للسياح المحليين والأجانب، وبعد سنوات أصبح لهذا المكتب عشرون فرعا فى المدن الرئيسية، ثم توسع أكثر فامتد نشاطه إلى الخارج وأصبح له مكاتب فى بعض دول جنوب شرق آسيا. وكانت الصين متخلفة اقتصاديا وتعانى من الحروب، ولذلك لم تكن بها قاعدة اقتصادية لتنمية السياحة، ولم تبدأ فى تنظيم قطاع السياحة إلا بعد عام 1949، بعد أن زادت أعداد الصينيين المغتربين الذين يترددون على وطنهم ومعهم من المال ما يكفى للقيام برحلات للسياحة الداخلية، ثم بدأت بعض وفود من الأجانب فى زيارة الصين بحثا عن الأماكن والآثار التاريخية القديمة، وللتعرف على هذا العالم الغامض من الجبال والمعابد والطقوس والأطعمة والعادات التى تبدو مدهشة للأغراب، وبدأ فى عام 1956 إنشاء أول مكتب للسياحة الدولية، قام بتوقيع اتفاقيات لجلب سياح من الاتحاد السوفيتى السابق ودول شرق أوروبا وفرنسا، وبعض دول أوروبا الغربية، وكان أكبر رقم وصل إليه عدد السياح بين عامى 1956 و1958 لا يزيد على عشرة آلاف سائح، وفى الستينات تحسن الوضع السياسى والاقتصادى فى الصين، وقام رئيس الوزراء الشهير شواين لاى بزيارات إلى 14 دولة فى آسيا وأوروبا وأفريقيا فى عام 1964 وحده، وأقامت الصين علاقات دبلوماسية مع فرنسا، وبدأ تشغيل خط طيران مباشر بين الصين وباكستان، فازداد عدد السياح نتيجة لذلك حتى وصل عددهم ِإلى ثلاثة عشر ألف سائح أجنبى عام 1965 بعدها أنشأت الصين هيئة السياحة، لكن الثورة الثقافية التى استمرت عشر سنوات من 1966 إلى 1976 أوقفت كل مظاهر النشاط والعمل.. وتحولت الصين إلى فوضى عامة شملت البلاد فتوقف النشاط السياحى، ولم يعد السياح إلا عندما بدأت وفود سياحية محدودة العدد تصل إليها من رومانيا، ويوغسلافيا، وبعض دول شرق أوروبا واعتبر وصول 30 سائحا أمريكيا فى ذلك الوقت حدثا تاريخيا فى تاريخ الصين..
    ***
    لم تعرف الصين السياحة بمعناها الحقيقى إلا بعد أن بدأت تطبيق سياسة الانفتاح والإصلاح، وفتحت أبوابها على العالم كضرورة للنهوض بالاقتصاد والاستثمار.. ومع نهاية السبعينات بدأت تستقبل أفواجا سياحية، ووضعت الدولة خطة لتطوير المرافق السياحية والتوسع فى تقديم خدمات متميزة لجذب السياح، واستعانت بخبرات متخصصة فى السياحة وإدارة الفنادق وتنظيم الرحلات، وفتحت باب الاستثمار الخارجى ومنحت المستثمرين فى قطاع السياحة إعفاءات وتسهيلات كثيرة..
    وشجعت الدولة السياحة من منطلق سياسى، واعتبرت السياحة نافذة للانفتاح على الخارج؛ لكى يعرف العالم الصين بصورة أفضل، ربط المغتريين الصينيين بوطنهم الأم، وبدء تنفيذ برامج جديدة بالنسبة للصين مثل السياحة فى الأنهار وخصوصا النهر الأصفر حيث تسير السفينة فى النهر فيشاهد السياح معالم القرى والجبال والترارى.. وسياحة طريق الحرير لمن يريد أن يتعرف على الطريق الذى كانت تسلكه قوافل التجارة القديمة محملة بالحرير من الصين مارة بالجبال إلى أفغانستان إلى أن تصل إلى العالم العربى. ونظمت حملات للدعاية للعلاج بالأعشاب الصينية وبالإبر الصيينية وتمرينات تشيقسونج، وسياحة تسلق جبال التبت، وفى مروج منغوليا.. وتنوعت أشكال الفنادق السياحية من الخيمة المنغولية إلى التبت الصينى التقليدى القديم بالخيزران، أو فى الكهوف، وازدادت صناعة المنتجات الصينية التقليدية، التى يقبل عليها السياح مثل الحرير والخزف، والتماثيل، كما ازداد عدد الأماكن التى تقدم الغناء والرقص وألعاب الاكروبات والفنون الشعبية لكل قومية من القوميات، واهتمت الدولة بإنشاء وتجديد المتاحف.. متحف الحرير.. ومتحف الشاى.. ومتحف التقاقير والأعشاب والطب الشعبى الصينى.. ومتاحف التاريخ والفنون القديمة والحديثة وقرى يعيش فيها السياح حياة صينية بالكامل.. ومقبرة جنكيز خان.. وشلالات هوانجقوشو..
    وفى كل مدينة من المدن الكبرى يجد السياح من الأماكن والأنشطة مايكفى لقضاء أيام كاملة يتعرف خلالها على تاريخ وحضارة الصين وفنونها المتميزة لكل قومية.. ونتيجة لكل ذلك ازداد عدد شركات السياحة، فأصبحت الآن 45 شركة بعد أن كانت ثلاث شركات فقط، معظمها للقطاع الخاص الصينى والمشترك، وعرفت الصين السياحة الرياضية وتسلق الجبال، وسباقات رالى الدرجات البخارية والسيارات، وأصبح لديها جيش من المرشدين السياحيين يجيدون كل اللغات من الإنجليزية والتايلاندية والعربية والفارسية والرومانية والبرتغالية والسويدية. وبعد أن كان عدد الفنادق فى عام 1949 لا يزيد على 19 فندقا فى كل الصين أصبح فيها الآن أكثر من 16 آلاف فندق من مختلف المستويات منها 2500 فندق بالاستثمار الصينى والأجنبى وأصبحت بعض فنادق》 خمسة النجوم《 ضمن الفنادق المشهورة عالميا فى سجلات السياحة، فندق بالاس أو تشينا، أو ورلد أو شيراتون السور العظيم، أو تشان فوقون، أو قوى بين فى بكين لا تقل عن أشهر فنادق نيويورك أو باريس، وعشرات الفنادق مثلها فى شنغهاى، وقوانجتشو ونانجينج، وكلها تعمل بإدارة قيادات صينية اكتسبت الخبرة فى أوروبا وأمريكا، والآن فقط أعلنت الصين أنها مستعدة للدخول فى المنافسة فى سوق السياحة الدولية بالبرامج والفنادق والخدمة المتكاملة..
    وحتى بداية الثمانينات فقط قامت الدولة بإنشاء أول كلية وأول مدرسة للسياحة، والآن أصبح فى الصين 850 مدرسة و170 كلية ومعهدا، وتمنح الكليات درجة الماجستير فى فروع السياحة المختلفة، وتستعين بخبراء وأساتذة أجانب للتدريس، وترسل بعثات إلى الخارج بالآلاف لتكوين أجيال من خبراء ومديرى السياحة، ومنذ عام 1978 وقعت حكومتها اتفاقات للتعاون السياحى مع 23 دولة، منها مصر، وأنشأت مكاتب للسياحة فى نيويورك ولوس أنجلوس وتورنتو، ولندن وفرانكفورت ومدريد وكل العواصم والمدن الكبرى فى العالم تقريبا، وللصين الآن 55 شركة سياحية فى أنحاء مختلفة من أوروبا واليابان واستراليا وأمريكا..
    ***
    هذه باختصار هى قصة السياحة فى الصين، بدأت من الصفر وسارت خطوة خطوة حتى أصبح عدد السياح 67 مليون سائح.. وأصبح دخل الصين من السياحة 15 مليار دولار سنويا ويقولون هذه هى صناعة 》 الشمس المشرقة 《 والمواصلات والفنادق الجيدة والخدمة المتميزة التى تشعر السائح أنه ملك متوج.. وبعد أن كان المصدر الأول للسياح إلى الصين هو اليابان وأمريكا وكان نصف السياح منهما حتى عام 1988، تصاعدت أرقام السياح من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وسنغافورة والفلبين، ثم ازداد عدد سياح استراليا وكندا..
    والدعاية السياحية فى الصين قائمة على دعوة السياح إلى زيادة أماكن غريبة بالنسبة لهم ولا يعرفها كثيرون فى العالمم، وتجربة أسلوب للحياة لم يجربه إلا قلة، واكتساب تجارب تختلف عما اعتاد عليه الزائر فى بلاده..
    وكانت مشكلة المشاكل بالنسبة للسائح هى صعوبة التفاهم، فلا أحد يعرف اللغة الصينية، والذين يعرفون اللغات الأجنبية من أبناء الصين كانوا قلة، أما الآن فلم تعد هذه مشكلة، لأنك تستطيع أن تذهب إلى أى مكان وستجد من يعرف لغتك يرشدك، وبعض السياح يرون أن اختلاف اللغة ليس حاجزا يمنع التفاهم.. بل هى دليل على أنهم تركوا بلادهم ويعيشون فى بلاد لم يعرفوها، ولذلك يعد غريبا أن تجد مجموعات أو أفرادا من السياح الأجانب يقومون برحلات فردية ويضعون لأنفسهم برامج خاصة بهم، مستعينين بالخرائط والكتب والدليل السياحى والانترنت..
    الجديد أيضا أن الشعب الصينى بدأ يعرف السياحة الداخلية فى بلده مع التطور الاقتصادى وظهور الطبقة المتوسطة نتيجة سياسة الانفتاح، ووجود شركات استثمارية أجنبية تعطى للعاملين فيها أجورا مرتفعة نسبيا عن مستويات الأجور التى كانت سائدة قبل الانفتاح، وازدادت السياحة الداخلية أيضا بعد تطبيق نظام يومين إجازة اسبوعيا. ونتيجة للتطورات الجديدة فى حياة الشعب الصينى أصبحت نسبة الإنفاق على السياحة والسفر فى أيام الإجازات تمثل 10% من إجمالى إنفاق الأسرة فى العاصمة بكين، و11% من شنغهاى، ومعدل إنفاق الفرد فى اليوم الواحد 25 دولارا فى مدينة قواندونج، و20 دولارا فى اليوم فى شنغهاى، و18 دولارا فى بكين..
    وبدأت الصين تعرف سياحة المكافآت للعمال والموظفين المتميزين فى المناطق المتقدمة اقتصاديا فى الجنوب، ويقول لك المسئولون عن السياحة فى بكين إنهم مندهشون لأن الأرقام أمامهم تشير إلى أن 60% من السياح الصينيين داخل الصين من الريف.. وهذا يدل على أن الفلاح الصينى الذى عانى الحرمان مئات السنين بدأ ينطلق ليرى الدنيا خارج قريته، بعد أن كان هو وآباؤه وأجداده مكبلين فيها لا يجدون ما يدفعونه ثمنا لتذكرة سفر.. والدهشة تصل إلى منتهاها لأن الأرقام تقول إن عدد أبناء الريف الذين يقومون برحلة سياحية واحدة على الأقل سنويا وصل إلى 800 مليون فرد، أما سكان المدن والمناطق الصناعية فإنهم يقومون برحلات إلى الريف والغابات والجبال هربا من الحياة فى المدن المليئة بالعمارات الشاهقة والإيقاع السريع والضغط العصبى.. ولأن متوسط الأعمار فى الصين كبير يلاحظ الزائر كثرة عدد الشيوخ يجلوسون أمام بيوتهم أو فى الحدائق يتبادلون الأحاديث أو يقرءون الصحف أو يلاعبون الأحفاد.. هؤلاء الشيوخ المتقاعدون أصبحوا ضمن سوق السياحة.. أما الشباب فلهم معسكرات ورحلات بالآلاف.. ويتوقعون أن يصل عدد السياح فى برامج السياحة الداخلية الفردية والجماعية مليار فرد، ينفقون ما يعادل 32 مليار دولار.
    أما سياحة الصينيين إلى الخارج فقد أصبحت هى الأخرى صناعة كبرى، وصل عدد السياح من الصين إلى مختلف دول العالم خمسة ملايين ونصف مليون سائح، ولذلك أدرجت جنوب شرق آسيا الصين فى قائمة أكبر الأسواق المصدرة السياح.
    ***
    ويقولون لك: إن امتلاك الصينى سيارة كان حلما من الأحلام البعيدة مثل قصص ألف ليلة وليلية، ولكنه اليوم أصبح حديث كل من تقابله، بعد أن أسبحت الأسر القادرة على شراء سيارة خاصة 6 ملايين أسرة تمثل 2% من إجمالى عدد الأسر الصينية، وأصبح فى الصين أكثر من مليونين و 250 ألف سيارة خاصة، ويتوقعون أن يتضاعف هذا الرقم فى عام 2010، وستزداد حركة السفر والسياحة الداخلية نتيجة لذلك، وإذا كانت السياحة الداخلية تحقق ما يساوى 13 مليار دولار للدولة سنويا فإنهم يتوقعون زيادته عاما بعد عام.
    وفى بعض القرى يستقبلك الفلاحون بالفواكه الجبلية والأكلات المحلية ويوفرون لك الحمير والعربات التى تجرها الأبقار والخيول للتنقل بها والتقاط الصور معها، وهذه المظاهرات الشعبية تجذب السياح وتبهرهم.
    ***
    ومن أهم المواقع السياحية فى الصين مقبرة اكتشفوها تحت الأرض قريبا من مدينة شيان التابعة لمقاطعة شانسى، وتضم تماثيل بالحجم الطبيعى من الفخار دقيقة الصنع لجيوش الإمبراطور ( شى هونج ) وهى من أهم المزارات، تجد فيها المطاعم والاستراحات والمقاهى وينتشر فيها باعة التحف والمشغولات الصينية التقليدية من الحرير والتطريز والأحذية، والملابس والخزف والتماثيل، ويتكلمون أكثر من لغة، ومن لا يجيد لغة أجنبية يجيد البيع والتفاهم بالإشارة.
    وحين جلست مع رئيس مكتب العلاقات الخارجية لحكومة المقاطعة السيد ( كوا سريانجو) ورئيس مكتب السياحة السيد ( باى زيمن ) كان الحديث عن هذه المقاطعة التى تقع فى غرب الصين وعدد سكانها 36 مليون نسمة، من الجنوب معظمهم جبال، وفى الوسط سهل ينتج الفواكه، ويقولون: إن هذه المقاطعة هى سلة فواكه الصين، وفى الشمال هضبة يسمونها هضبة التراب الأصفر، وكان فى حديثهما فخر بهذه المقاطعة، لأنها ذات حضارة وتاريخ عريق، وعاصمتها مدينة ( سيان ) وينطق بعض الصينيين اسمها ( شيان ) نتيجة اختلاف اللهجات – كما يحدث عندنا من اختلاف فى النطق بين أهل بحرى وأهل الصعيد -، وقالا: إن مدينة ( سيان ) هذه كانت عاصمة لعشر أسر حكمت الصين فى التاريخ القديم، وفيها مدافن 73 إمبراطورا، أشهرها مقبرة الإمبراطور ( شين ) إمبراطور الصين الأول، فهذه المقاطعة كانت عاصمة الصين.. ومن هذه المقاطعة بدأت ثورة الصين، وتشكلت فيها اللجنة المركزية للحزب الشيوعى، وفى مدينة ( يا أن ) فى هذه المقاطعة تشكلت أفكار ماوتسى تونج، وظل يخطط للثورة ثلاثة عشر عاما وانطلق منها فى المسيرة الكبرى التى اجتاحت الصين، وسار وراءه ملايين من الفلاحين والفقراء والعمال حتى وصلوا إلى العاصمة واستولوا عليها..
    قال لى المسئولان أيضا: إن السياح الأجانب يحبون هذه المقاطعة ولذلك فالفنادق كاملة العدد، ويذهب السياح إلى جبل ( هوا ) القريب.. وجبل ( تاى باى ) ويصل عدد السياح الأجانب لمدينة ( سيان ) إلى 600 ألف سائح سنويا، أما السياح من الصينيين فيصل عددهم وفق الإحصائيات إلى 20 مليونا، ودخل هذه المقاطعة من السياحة يعادل مليارا و200 ألف دولار سنويا.
    تحتل هذه المقاطعة المركز الثالث فى عدد المدارس والكليات، وفيها 40 كلية حكومية و60 كلية أهلية منها كلية هندسة المواصلات التى تخرج فيها الزعيم الصينى الحالى جيانج زيمين. و200 مركز للدراسات والبحوث لتطوير الصناعة والزراعة والخدمات، وفيها صناعات متقدمة جدا مثل صناعة الصواريخ، والبتروكيماويات، والإلكترونيات، والجرارات، والنسيج، وتصدر للخارج أجهزة التليفزيون والثلاجات والآلات الزراعية.
    وفى مدينة ( سيان ) تخرج الزعيم》 زيمين《 وعمل مهندسا فى وزارة الصناعات الإلكترونية بالمقاطعة حتى وصل إلى منصب مدير الشئون الخارجية فيها، ثم انتقل إلى شنغهاى ووصل إلى منصب عمدة شنغهاى، ثم أمين عام اللجنة المركزية للحزب فى شنغهاى، وفى عام 1979 انتقل إلى القيادة المركزية فى بكين، ولذلك يأتى ذكر مدينة ( سيان ) كثيرا عند الحديث عن الزعيم 》 زيمين《، ويقولون: إن كثيرا من أعضاء القيادة المركزية للحزبتخرجوا فى الكليات الجامعية فى مدينة ( سيان ).
    ولإقناعى بالتطور الذى حدث فى الصين قال لى المسئولون عن المقاطعة: إن المناصب القيادية فى المقاطعة لا يصل إليها إلا الأكفاء وبعد اختبارات صعبة وبناء على الخبرات وتقارير الكفاءة، ولا يهمنا من أين يأتى المدير، من الداخل أو الخارج، انلمهم أن يكون على درجة كفاءة عالية، وهذا هو نظام اقتصاد السوق الاشتراكى.. لابد أن يكون المدير مستعدا لقيادة سيارته بنفسه بدون سائق، ويستخدم الكمبيوتر بنفسه، ويجيد لغة أجنبية واحدة على الأقل، وحتى الذين يقدمونلك الطعام والشاى فى الفنادق حاصلون على شهادة الدراسات الثانوية من المدارس الفندقية، وكل القيادات لابد أن ينضموا إلى دورات دراسية فى مدرسة الحزب للتعمق فى فهم وتطبيقات الفكر الجديد، ومن لا يجتاز الامتحان بنجاح يفقد وظيفته حتى ولو كان وزيرا.
    ***
    هكذا تحولت الصين من مجتمع مغلق إلى مجتمع مفتوح داخليا وخارجيا.. عقول الناس أيضا أصبحت مفتوحة للفكر الجديد ولديهم رغبة فى التطوير.. يتحركون أكثر بعد أن كانوا مقيدين داخل المدن والقرى التى يولدون ويعيشون ويموتون فيها. أصبحوا يشعرون بأنهم جزء من العالم، ويفتحون بلادهم لكل من يزورهم من أى مكان فى العالم، ويستعدون ليحتلوا مكانا متقدما ويشاركوا فى قيادة العالم.
    ويقولون فى الصين، إن عدد السياح الأجانب فى عام 2020 سيزيد على 167 مليون سائح سنويا، وسيصل عدد المشاركين فى السياحة الداخلية إلى أضعاف عددهم الحالى وإن كل فرد فى الصين سيقوم برحلة واحدة على الأقل سنويا، وبعضهم سيقوم بأكثر من رحلة. وسكان الصين 1200 مليون نسمة، ويقولون أيضا: إن المنافسة فى سوق السياحة لن تكون على الأسعار فقط بل ستشمل نوعية الخدمات، الأمن، ومستوى العاملين فى المواقع السياحية، ومدى توافر أماكن وتجارب جديدة ترضى حب الاستطلاع والرغبة فى المعرفة والراحة التى يجدها السائح، ولذلك فهم يعملون يهمة لتحديث المرافق والفنادق والطرق والمواصلات، ويقولون إنهم ينشرون بين أفراد الشعب ( ثقافة السياحة ) أى كيفية التعامل مع السياح والترحيب بهم ومساعداتهم ليشعر السائح أن كل صينى يقابله صديق له.
    أما المنظمة العالمية للسياحة ( WTO ) فإنها تتوقع أن تتفوق الصين على أمريكا وفرنسا وأسبانيا وإيطاليا، وتصبح أكبر بلد فى العالم سيتقبل السياح من الخارج، ويستند هذا الرأى أن الأسعار فى الصين مازالت أقل كثيرا من الأسعار فى أوروبا وأمريكا.
    ولا تتسى أن أهم سمات شخصية الصينى التواضع، وعدم المبالغة فى إظهار التفوق، وهذا يدعو إلى توقع أن يكون ما تحققه الصين أكبر من ذلك.
    كل شىء يتغير فى الصين.. وبسرعة.. وهذا دليل الحيوية.
    وكل شىء يتحرك إلى الأمام.. وبسرعة.. وهذا دليل التقدم..
    وإذا كانت الصين قد حققت الكثير فى سنوات محدودة، فإنه يبدو أنها ستحقق أكثر فى السنوات القليلة القادمة كما يتوقع المراقبون فى الغرب.
    .........


    ونواصل لمن كان له وعي او القى السمع وهو شهيد
    قبل ما الزول يقعد في كرسي الحكم يسال نفسه
    هل يملك وعي او مشروع دولة حقيقي؟؟!!!
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

10-02-2009, 01:28 PM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    الحلقة(3)

    بكين تتحدى
    قبل أن أبدأ رحلتى إلى الصين أعدت قراءة كتاب》 موعد مع الشمس 《 للأستاذ محمد حسنين هيكل، وهو كتاب من مطبوعات دارالمعارف صدر عام 1973 عن رحلته الشهيرة إلى الصين واليابان والهند وباكستان بدأها بزيارة استغرقت 12 يوما للصين.
    وبالصدفة وجدت نفسى – تقريبا – أتبع خطى الأستاذ هيكل مع فارق الزمان بين الرحلتين، فقد مرت بينهما 28 عاما، تغيرت فيها الصين كثيرا جدا، ولكن بقيت 》 روح الصين 《 كما تحدث عنها الأستاذ هيكل.
    وبالصدفة أيضا وجدت نفسى فى ذات الفندق الذى نزل فيه الأستاذ هيكل منذ 28 عاما، فندق الشعوب فى شارع السلام المساوى، وقيل لى إن هذا الفندق يحمل عبق التاريخ وأمجاد صعود وانتصار ثورة ماوتسى تونج، وكان أكبر وأفخم فندق فى بكين ينزل فيه رؤساء الدول وكبار ضيوف الدولة وقادة الحزب الشيوعى، وقد أصبح فى بكين الآن عشرات الفنادق تتفوق عليه فى السعة والفخامة. ولكن بقيت له ميزة موقعه فى وسط العاصمة ويطل على شارع واسع جدا يصل عرضه لأكثر من 60 مترا، ولاحظت فارقا آخر فقد استمع الأستاذ هيكل قبل أن يبدأ رحلته إلى سياسى عربى قال له: أنت ذاهب إلى الصين؟.. إنك سوف ترى مجتمع النمل!، إنك فى الغالب سوف تنزل فى فندق 》 الشعوب 《 ، وإذا حدث ذلك، فإنى أرجوك أن تستيقظ مبكرا ذات يوم، وأن تنظر من نافذة غرفتك إلى الشارع تحتك، وسوف تجد على الناحيتين فى الشارع الواسع منظرا لن يبرح ذاكرتك.. طابورا لا ينقطع من راكبى الدارجات الذاهبين إلى عملهم فى صباح على هذه الناحية من الشارع، وطايورا آخر لا ينقطع على الناحية الأخرى فى موعد العودة فى المساء، سوف تجدهم كالنمل فى الحركة، وفى الشارع العام، لن تجد فى بكين إلا هذه الطوابير من راكبى الدراجات.. ليس فى الشارع سيارات، لأن السيارات لا تخصص إلا لنواب الوزراء ومن فوقهم، وللأعمال الرسمية فقط، وفى بكين مترو تحت الأرض، وهو فخم وأنيق، ولكنه للمستقبل.
    ***
    وفعلت كما فعل الأستاذ هيكل.. استيقظت مبكرا، ونظرت من نافذة حجرتى على الشارع الواسع فوجدت طابورا هائلا من السيارات من مختلف الأنواع.. سيارات مرسيدس وبى.ام.دبليو، وفولفو.. سيارات يابانية وأمريكية، وسيارات من صناعة الصين بعد الانفتاح.. ووجدت أن طوابير راكبى الدراجات أقل مما رأيته فى زيارتى الأولى سنة 1995 وأقل بكثير جدا مما رآه الأستاذ هيكل.. ولم أجد المجتمع الصينى مجتمع النمل.. وإن كان قد بقيت فيه بعض خصائص النمل مثل النظام.. والعمل الجماعى.. والنشاط الذى لا تراه فى أى بلد آخر.. والإصرار على الوجوه الذى يحمل معنى التحدى..
    ووجدت نفسى اتفق مع ما قاله أحد رفقاء الأستاذ هيكل من أن أحدا لا يستطيع أن يتخذ موقفا وسطاً إزاء الصين.. الصين شىء يفرض نفسه، إما أن تتعصب له.. وِإما أن تتعصب ضده.. وأتفق أيضاً مع رؤية السير 》 اليك دوجلاس هيوم 《 حين كان وزيرا للخارجية وعبر عنها فى تقرير قدمه إلى مجلس الوزراء البريطانى بعد رحلة إلى الصين فقال: 》 سوف يكون مهما بالنسبة للعالم كله أن يتابع عن كثب تجربة الصين، لأنها فريدة فى التاريخ هناك شعب يريد أن يعتمد على نفسه كلية فى بناء تطوره وتقديمه، وهو حتى لا يريد أن يقترض من الخارج لتمويل مشروعاته 《.
    ولمست بنفسى صدق ما قاله الأستاذ هيكل بعد خروجه من الصين حين سئل 》 كيف وجدت الصين؟《 فقال: إن أبرز ما لفت نظرى هو 》 قوة الاندفاع《.. هناك قوة دافعة تحرك الصين بغير حدود.. وهذه القوة مزيج من عناصر مختلفة، يمكن أن يطول النقاش حول أصولها وجذورها، ولكن أحدا لا يمكن أن يختلف حول الطاقة التى تولدها. هناك فى الصين شعب من ثمانمائة مليون ( أصبح الآن 1200 مليوناً ) وهذا الشعب يتحرك إلى هدف، ولا أعتقد مما رأيت أن هناك أحداً يستطيع أن يحول دونه ودون بلوغ هدفه.
    هذه 》 لقوة الدافعة التى رأى الأستاذ هيكل أنها الشىء اللافت للنظر فى الصين، هى التى لمستها فى كل مكان ذهبت إليه من بكين، إلى شنجن إلى سيان إلى قواندونج وشنغهاى وغيرها.. ورأيت ما رآه الأستاذ هيكل.. الكل يأكل بما فيه الكفاية.. ويلبس بما فيه الدفء والكرامة، والكل يعمل بغير انقطاع.
    وساءلت نفسى، تماما كما فعل الأستاذ هيكل: ما هو سر ما حدث فى الصين وهو شىء أقرب إلى المعجزة؟، وتوقف الأستاذ هيكل ليقول إنه لم يستعمل كلمة 》 معجزة《 جزافا لأنه حريص على الكلمة وضنين بها، ولكن انتقال الصين من عصر المجاعات، إلى عصر التحدى.. التحدى لظروف الفقر والجوع والتخلف والحجم الهائل للسكان، والتحدى للاتحاد السوفيتى الذى رفض إعطاء الصين أسرار القنبلة الذرية وقالوا لهم:》 إن القنبلة الذرية ليست لعبة 《، إلى عصر أصبح فى الصين ما يكفى 1200 مليون إنسان من الطعام والملبس والتعليم والعلاج والمواصلات والمساكن، ون،أصبحت لديها قنابل ذرية، وقنابل هيدروجينية، وصواريخ عابرة للقارات، وِإنتاج صناعى يغزو كل الأسواق العالمية بدون استثناء بما فيها أسواق الولايات المتحدة.
    ***
    ووجدت نفسى استعيد ما توصل إليه الأستاذ هيكل عند تحليل الأسباب الى تكمن وراء المعجزة، فوجدتها مازات كما لمسها لم تتفير.
    السبب الأول: أن إنسان يعمل، ويؤمن بأن بلاده فى معركة للحاق بالدول التى سبقت إلى التقدم وشعوبها ليست أفضل من الشعب الصينى، وليست هناك وسيلة للحاق بها إلا بالعمل.
    السبب الثانى: أنه ليس هناك فاقد أو عادم أو ضائع.. وتكرر معى ما حدث للأستاذ هيكل حين دعى إلى عشاء فى مطعم 》 بط بكين 《 الشهير، فكان العشاء سبعة أطباق من بطة واحدة!، فى أول طبق خمس قطع مختارة باردة من البطة.. وفى الطبق الثانى كبد البطة مقليا.. وفى الطبق الثالث أضلاع البطة بالصلصة.. وفى الطبق الرابع قلب البطة فى قطع صغيرة محمرة. وفى الطبق الخامس لسان البطة وأمعاؤها والبنكرياس، وفى الطبق السادس الرئيسى جسم البطة نفسه مشويا.. وفى النهاية طبق حساء من عظام البطة مسلوقة.. وحين قال: لمضيفه: 》 لم يبق من البطة غير ريشها، وأرجو ألا نأكله 《..
    قال له المضيف: 》 لا.. إن يبيع ريش البط لأغراض صناعية 《..
    وهذا بالضبط هو السمة الغالبة فى سلوك الصينيين فى حياتهم الخاصة، وفى إدارة المصانع، وأيضا فى إدارة الدولة.. الاستفادة من كل شىء.. وليس هناك فاقد أبدا.
    السبب الثالث: هو التنظيم الدقيق، وهو شىء محسوس فى كل بقعة على أرض الصين.
    وهكذا رأيت بكين، وفى كل لحظة أتذكر ما رآه الأستاذ هيكل وما قاله، لأقارن بين ما كان منذ 28 عاما، وما هو حادث الآن، وقد وجدت أن الفارق هائل، ولو ذهب الأستاذ هيكل إلى الصين اليوم فسوف يفاجأ بصين جديدة مختلفة تماما عن الصين التى رآها عام 1973.. مختلفة فى كل شىء.
    ***
    والصين الآن تكتفى بالمعجزة التى حققتها، ولكنها تعمل بقوة أكبر استعدادا لدورة الألعاب الأولومبية التى ستعقد فيها عام 2008، وسوف تتوافد فيها فرق رياضية، ومشجعون، وإداريون، وسياح، يُقَدَّرُ عددهم بما يقرب من المليون، وسوف تأتى مئات الوفود الصحفية، وبعثات من شبكات التليفزيون العالمية، وينطلقون بالكاميرات إلى كل مكان، وينقلون إلى العالم السلبيات والإيجابيات.. وهم يعملون لتكون صورة الصين كما سيراها العالم فيها من الإبهار ما يكفى ليكون إيذانا بدخول الصين إلى نادى الدول العظمى.
    ولذلك يدهشك ما يحدث فى بكين.. تسير اليوم فى طريق دائرى فيه ثمانى حارات فى كل اتجاه من الاتجاهات، ولا تكاد تبدى إعجابك به حتى تعرف أنه تم إنشاء أربعة طرق مثله والخامس على وشك الانتهاء.. ومما تكاد تفتح عينيك دهشة من منظر حى من الأحياء مثله.. وما تكاد تقف إعجابا بعظمة وفخامة فندق هائل حتى يقال لك إن بكين أصبح فيها خمسون فندقا مثله.
    ومن القصص الطريفة التى سمعتها من بعثة التليفزيون المصرى التى كانت تزور بكين فى هذا الوقت أنهم سألوا عن السوق التى نمكنهم شراء بعض الهدايا منها بأسعار رخيصة فقال لهم أحد المصريين المقيمين فى بكين: اذهبوا إلى سوق الحرير القريب من مبنى السفارة المصرية، وكنا فيه منذ أيام واشترينا منه أشياء جميلة ورخيصة، وفى الصباح ذهب أعضاء بعثة التلفوزيون إلى السوق الحرير فلم يجدوها، ووجدوا مكانها حديقة هائلة فيها أشجار وزهور ومقاعد وخمائل.. قيل لهم: إن السوق كانت هنا منذ أيام.. ولكنها أزيلت ضمن خطة تطوير بكين استعدادا للدورة الأولمبية.. وأقيمت سوق جديدة انتقلت إليها المحلات والباعة.. لأن عمدة بكين قرر أن تكون المساحة الخضراء فى بكين 60% من مساحتها.
    وظل أعضاء بعثة التليفزيون يكرورون القصة لكل من يقابلهم.
    بكين التى رأيتها عام 2001 لا تقل عن أية عاصمة أوروبية.. أما بكين عام 2008 فسوف تتفوق على بعض العواصم الأوربية.. وما شاهدته يؤكد أن ذلك سوف يحدث يقينا.
    ***
    وبكين لم تعد مدينة مغلقة.. لم يعد صعبا أن تحصل تأشيرة دخول للسياحة وتنتقل بحرية فى أنحاء الصين دون أن يسألك أحد لماذا جئت هنا؟.. والمطار الصغير الذى شاهدته عام 1995 فى زيارتى الأولى.. أصبح مكانه الآن مطار يتفوق فى الضخامة والفخامة على مطارات بعض العواصم الأوروبية.
    الصين فتحت أبوابها للسياحة.. هم سعداء لأن بكين الآن مدينة سياحية من الدرجة الأولى.
    وعند طلوع الفجر يتجمع السياح كل يوم مشدوهين فى الميدان السماوى》 تيانا نمين 《 ليشاهدوا طابور حرس الشرف الكبير بملابسه الجديدة الزاهية وهو يرفع علم الصين، ويؤدى التحية العسكرية، مع طقوس وتشكيلات مبهرة، ثم تتجمع طوابير الجنود أمام بوابة السلام المقدس التى تعلوها صورة ضخمة للزعيم الراحل ماوتسى تونج، وتواجهها المجينة المحرمة.. وهى عبارة عن مدينة محاطة بالأسوار هى فى حقيقتها قصر إمبراطور الصين، (منذ 600 سنة) واستغرق العمل فى الجزء الرئيسى منه 18 عاما، واستقر فيه الامبراطور من أسرة 》 تشينج 《 وعاش فيه 24 امبراطورا، ويضم تسعة آلاف غرفة تضم فى البداية الجزء الأمامى الذى يضم قاعة العرش ومكتب الامبراطور ومساعديه ويليه الجزء الثانى حيث كان الامبراطور يستقبل سفراء الدول الأجنبية وفيه قاعة واسعة وغرف يبدل فيها الإمبراطور ملابسه، ثم الجزء الثالث وهو مخصص للامبراطورة وضيوفها، وأخيرا الجزء الخاص لسكنى الامبراطور وفيه صالونات وغرفة النوم، وغرف الوصيفات والخدم الخصوصيين.. وعلى جانبى القصر مئات الغرف لمكنى المحظيات والخدم والموظفين، ويحيط بالمدينة التى كان محرما على الشعب الصينى الاقتراب منها أسوار عالية كانت أعلى من كل المبانى فى بكين القديمة، وفى أركانها أبراج الحراسة.. وداخل المدنية حديقة للزهور النادرة خلفها غابة هائلة.. ومساحة هذه 》 المدينة المحرمة 《 حوالى 750 ألف متر مربع.
    من هذه المدينة المحرمة كانت تحكم الصين لفترة تزيد على 500 سنة، ويسمونها أحياناً》 المدينة الأرجوانية 《 نسبة إلى الحوائط القرمزية الضخمة التى تحيط بها، وتحيط بها الخنادق والمائية لحمايتها، وأبوابها الضخمة كانت تغلق فتصبح المدينة قلعة حصينة، واللون الذهبى الامبراطورى هو الغالب مع الزخارف الصينية شديدة الدقة، والأسقف مغطاة بالفيروز، والعرش الامبراطورى مكسو بالحرير ومطعم بالذهب والأحجار الكريمة النادرة، والأرض كلها من الرخام الزجاجى الأملس.. ومن المعجزات أن هذا القصر نجا من النار والحروب والفوضى التى صاحبت انهيار الامبراطورية فى الصين.. ومن الغريب أن أعرف أن الزعيم الراحل ماوتسى تونج كان يقيم فى 》 هذه المدينة المحرمة 《 ولكنه لم يكن يشغل منها سوى ثلاث حجرات فقط وظلت مئات الحجرات خالية، والآن لم يعد أحدا يسكن هذه المدينة وبقيت من أهم المعالم السياحية العالمية.
    ومسجل فى تاريخ هذا القصر العجيب أن عدد العمال والمهندسين الذين شاركوا فى بنائه يزيد على 200 ألف عامل ومهندس، واستغرق البناء 14 عاما فقط، وانتهى العمل فيه عام 1420.
    وفى كل فناء فى المدينة تماثيل مذهلة.. للأسد الذى يمثل رمز قوة الصين والتنين الذى يعتبر فى الأساطير هو الصين، وللامبراطور طريق خاص من الرخام يتحرك فيه محمولا على محفة على أكتاف العبيد، أما الوزراء والأمراء والقادة والحاشية فلهم طريق آخر، ولا يجرؤ واحد منهم على وضع قدميه على طريق الامبراطور.
    وداخل 》 المدينة المحرمة 《 ترى مئات السياح يلتقطون الصور، وترى أيضاً مئات الأسر الصينية من مقاطعات ومدن بعيدة جاءوا مع أبنائهم لمشاهدة معالم بكين الحديثة والقديمة بعد ازدياد السياحة الداخلية فى الصين.
    وسور الصين العظيم القريب من بكين أحد معجزات الدنيا السبع يرجع تاريخه إلى منتصف القرن السادس عشر، وهو سور هائل يحيط بالمدينة ويصعد على الجبال ويهبط فى الوديان، ويزوره ملايين السياح، يركبون عبارة الماوتسي تونج تقول: ليس عظيما من لم يصعد إلى قمة سور الصين العظيم.. وحين صعدت كادت أنفاسى تنقطع، ولم أجد أمامى إلا أن أفعل كما يفعل طابور السياح الطويل، بأن أقف بجانب هذه اللوحة، ليلتقط لى مصور واحد مسموح له بالتصوير مقابل عشرين إيواناً (حوالى دولارين ونصف دولار) ويعطيك إيصالا بالمبلغ مع الصورة الفورية.
    وإلى جانب القصور والمعابد الأثرية الضخمة، تجد فى بكين المبانى التى أنشئت بعد
    الثورة الشيوعية (عام 1949 ) فى عهد ماوتسى تونج وهى متأثرة بالطراز السوفيتى، وعندما قامت الثورة الثقافية التى خربت الحياة فى الصين واستمرت عشر سنوات من سنة 1966 إلى سنة 1976 هدموا سور المدينة، واختفت بعض أجزاء من السور العظيم، وقام الفلاحون باسم الثورة الثقافية بسرقة الحجارة واستخدموها فى بناء مساكن فى القرى.
    ***
    سكان بكين يزيدون قليلا على 12 مليوناً، ويعمل فيها مليونا عامل من المهاجرين من الريف بحثا عن فرصة أفضل للحياة والعمل، إلى جانب بقايا الأحياء القديمة التى ترى فيها شوارع واسعة مضيئة وعلى جانبيها مراكز تجارية لا تقل عن مثيلاتها فى نيويورك أو باريس، كما تلاحظ أن الحدائق والمتنزهات كثيرة جدا وواسعة جداً..
    وفى بكين أكثر من دار للأوبرا أشهرها دار 》 أوبرا بكين 《 وقد اختفى فى الشوارع الزى الصينى الأزرق التقليدى الذى اشتهرت به الصين منذ ثورتها حتى نهاية حكم ماوتسى تونج. وأصبح الصينيون يرتدون البدل وأربطة العنق الفاخرة والأحذية اللامعة الرخيصة التى ينتجونها، وعدد غير قليل منهم أصبح يملك سيارة خاصة، حتى أصبحت العاصمة تشكو من زحام المرور رغم اتساع الطرق.
    فى بكين يجتمع القديم والجديد.. المهاجرون من الريف يستغلون كعمال بناء أو فى خدمات النظافة وقيادة سيارات الأجرة، أو جمع القمامة، أو بيع الفاكهة والبطاطا على نواصى الطرق الكبرى، أو نائمين فى محطات السكة الحديد، والأثرياء الجدد من نتاج الانفتاح الاقتصادى من رجال الأعمال والمستثمرين ورؤساء ومديرى الشركات والمصانع التى أقيمت باستثمارات أجنبية يعيشون فى الأحياء الراقية ويركبون السيارات الفارهة.
    ومازالت بكين هى العاصمة المركزية التى تحكم البلاد.. وتعمل على قمة الهرم.. هرم الحزب الشيوعى الحاكم الذى تنتشر قاعدته فى المصانع والقرى والمدن والمقاطعات وتتدرج مستوياته إلى أن يصل إلى اللجنة القيادية فى بكين.. وهرم البيروقراطية الذى يبدأ من المحليات التى تتمنع بالحرية وخصاصا المناطق الصناعية ومناطق الاستثمار والتصدير، ولكن التخطيط المركزى مازال قائما جنبا إلى جنب مع اقتصاد السوق والحرية الاقتصادية.
    ***
    يقولون لك فى الفندق إنك لن تستمتع إلا إذا سرت على قدميك أو استأجرت دراجة، وتجولت فى انحاء بكين على حريتك، ويمكنك تأجير دراجة من الفندق. وفى الطرق الرئيسية فى بكين ممرات مخصصة لراكبى الدراجات، وقيادتهم للدراجات هادئة بدون سرعة أو تزاحم، وفى الميادين أماكن مخصصة لوقوف الدراجات وفيها حراس وهى أشبه بالجراجات ولها رسوم بسيطة.
    وتدهشك كثرة المطاعم فى بكين، فقد اختفت المطاعم القديمة التى كانت الدولة تملكها وتديرها، وحلت محلها مطاعم مملوكة لشركات وأفراد وهى مزدحمة دائماً بالطبقة المتوسطة الجديدة، ويمكن أن تجد عشاء يكلفك أقل من خمسة دولارات ويتدرج حتى يصل إلى أكثر من مائة دولار فى مطاعم ملكية.. الهامبورجر الأمريكى والسوشى اليابانى وغيرها من الأطعمة المميزة لدول العالم تجدها فى مطاعم متخصصة ولن تجد عمال المطعم يقفون أمامك طلبا 》 للبقشيش 《 كما يحدث فى بعض الدول الأوروبية.. فالصينيون لا يعرفون 》 للبقشيش 《حتى الآن.
    ولا تزال وجبة البط البكينى المشهورة هى الوصفة التقليدية لكل من يزور بكين.. ومعها أنواع من الحساء وأطباق الخصراوات والأعشاب الصينية اللذيذة والمفيدة أيضاً.. وفى بكين مطاعم تقدم الموسقى والرقص مع العشاء.. وفى بعضها راقصات صينيات يتفوقن فى الرقص الشرقى على راقصات العالم العربى.. وفى الفنادق الاستثمارية الفخمة التى تشبه القصور تجد الطعام الصينى الفاخر أو الأوربى والأمريكى، وتجد الخدمة الممتازة التى تشعرك أنك ملك، وتجد الملاهى الليلية والأندية الصحية.
    وفى بكين كما فى كل مدينة صينية تجد موسيقى البوب الصاخبة، ولا تكاد تسمع الموسقى الصينية التقليدية الهادئة، وأوبرا بكين مزدحمة دائماً وكاملة العدد تقدم موضوعات تاريخية، وفتجد الأباطرة والقادة هم الأبطال، وتلاحظ الإسراف فى استخدام الألوان فى الملابس، والأصباغ على وجوه الممثلين، ربما لسشعروك بأن هذا تمثيللاً.
    المسارح فى بكين تزيد على 12 مسرحا والمحلات التى تعزف فيها فرق الجاز والروك من الصينيين لا يمكن معرفة عددها، وفى المناطق الخلوية تقام مهرجانات موسيقية فى الصيف، والحانات مفتوحة طوال الليل وتقدم الملاهى الليلية عروض الليزر مع الرقصات الصينية والأمريكية والمسيقى الخاصة بأمريكا اللاتينية وكلها فرق من الصينيين.
    عشرات من محلات البقالة الغربية، والسوبر ماركات.. والشارع التجارى الرئيسى فى بكين هو شارع 》 وانج فوجنج 《 ملىء بالمراكز والمحلات التجارية الكبرى متعددة الطوابق فيها كل شىء ابتداء من الملابس الحريرية الصينية إلى السجاد الصينى المشهور، إلى الأدوية والمعدات الطبية إلى الملابس الرياضية إلى المشغولات اليدوية والتحف المصنوعة يدويا من الخشب والأحجار إلى الكتب، والخرائط وشرائط الفيديو، والأقراص الممغنطة للكمبيوتر، والبطاقات البريدية ذات الرسوم الجميلة إلى احتياجات الديكور.
    والأسواق فى بكين من الأماكن التى يقضى فيها السياح معظم اوقاتهم، ففيها العديد من الأسواق المركزية الحديثة وتشمل مطاعم ومحلات لتقديم المشروبات المحلية والمستوردة.. وفيها أسواق للسلع القديمة تجد فيها أشياء لا قيمة لها، وتحفاً ذات قيمة كبيرة من البورسلين والجواهر والأثاث، وفيها أيضاً تحف مقلدة ببراعة يصعب اكتشافها.. وفيها 》 سوق الأحد 《 لبيع السلع الرخيصة والمستعملة مثل 》 سوق الثلاث 《 و》 سوق وكالة البلح 《 فى القاهرة، ويأتى إلى هذه السوق الكثيرون من الريف لبيع سلع مختلفة من التماثيل الخشبية، والقبعات والأوانى الخزفية، والملابس المزركشة، والسجاجيد العتيقة، والأثاث القديم..
    وتخرج من جولتك فى الأسواق لتسأل نفسك: كيف استطعوا تقديم هذه المنتجات الجميلة ذات الذوق الرفيع والصناعة الجيدة المتقنة، بهذه الأسعار الرخيصة؟.
    ومع كل الضخامة والفخامة والجمال فى معظم أحياء بكين مازالت الأحياء القديمة موجودة، بالحوارى الضيقة، والبيوت من الخشب والطين، والأطفال والدواجن وجبال الكرنب والفحم تكاد تسد الأزقة فلا تسمح بمرور اثنين معا.. وهذه الأحياء فى طريقها إلى الإزالة قبل عام 2008.
    ومن المشاهد التى لا أنساها فى أحد الشوارع الكبرى فى الليل حيث رأيت مئات من العربات الصغيرة عليها أنواع من اللحوم والعصافير والخضراوات تقلى فى الزيت ويقف أمامها مئات يلتهمون كعامهم ويبدو أن هذه أرخص وجبة عشاء فى بكين.
    ***
    وفى بكين الحى الإسلامى.. وفيه جامعة كبيرة مشهورة، وسكان هذا الحى مسلمون وقريبا من هذا الحى المعبد البوذى الكبير 》 فايونسى 《 وهو مفتوح للزوار حيث يمكنهم رؤية الرهبان أثناء صلواتهم وراحتهم، وهم يرتلون الترانيم فى قاعات الصلاة، أو وهم مجتمعون لتناول طعامهم على موائد خشبية بسيطة عليها الأوانى الصينية التقليدية، وهذا المعبد يرجع تاريخ إنشائه إلى القرن السابع، وأعيد بناؤه عام 1442 وفيه مجموعات رائعة من التماثيل منها تمثال ضخم لبوذا من النحاس.
    وفى وسط الحى الإسلامى جامع تاريخى فى شارع 》 أوكس 《 أقيم عام 996 وهو أقدم وأكبر جامع فى بكين يتميز بالطراز الصينى للمبانى، ويزين البوابة الأمامية سطح مكسو بالآجر يعكس الطابع الصينى، وفى صحن الجامع نقشت الآيات القرآنية باللغة العربية، ويعلوه برج يصعد إليه أئمة الجامع لرؤية هلال رمضان، ومحظور دخول الجامع إلا بعد الوضوء، وفيه قاعة خلفية مخصصة للسيدات، ولا تدخل إلا السيدة التى ترتدى ملابس طويلة.
    وبعيداً عن الجامع معبد اسمه 》 معبد الإلهة 《 》 تيانتان 《 وبناؤه معاصر لبناء المدينة المحرمة، وكان الامبراطور يقدم فيه القرابين للإلهة مع فصول السنة، وله أربع بوابات، وملحقة به حديقة كبيرة، ويقف على الباب المرشدون السياحيون لشرح مكونات المعبد للسياح بلغات متعددة، ويقولون لك إن هذا المعبد أقيم عام 1420 ولكنه دمر فى عام ( 1889 ) نتيجة حريق هائل، وأعيد بناؤه بعد ذلك مباشرة، وفى الداخل أربعة أعمدة تمثل فصول السنة، و12 عمودا تمثل الشهور، وفى الخارج عشرة أعمدة تمثل أجزاء اليوم الواحد، والمعجزة فى هذا البناء أن الأعمدة تقيم السقف بدون مسامير أو مواد لاصقة، ومن السقف يتدلى تنين يرمز إلى الامبراطور 》 ابن الإله 《 وللمعبد برج فيه جرس يستطيع الزائر أن يصعد ويضرب الجرس تبركا وطلبا للحظ الحسن، ولكن هذا الجرس لم يكن مخصصا لذلك، ولكنه كان مخصصا للإعلان عن قدوم الامبراطور وموكبه حين يأتى لأداء الطقوس الدينية فيه، وحين يغادر عائدا إلى قصره.
    وفى بكين تجد 》 قرية فرانك 《 وهى ضاحية فيها العديد من المطاعم تقدم الأطعمة والمشروبات الأمريكية بعد أن أصبح الها مبورجر والدجاج المقلى على طريقة 》 كنتاكى 《 منتشراً.
    ***
    بكين.. المدينة ذات الطابع الخاص.. التى تعكس سحر الشرق.. روح الصين.. وتعكس فى نفس الوقت الحداثة وروح العصر.. هى مزيج من الصين وأوروبا وأمريكا.. يجتمع فيها الماضى والحاضر.. والمستقبل.
    الشىء الذى يلفت النظر، أنها تتغير بسرعة عجيبة.. أحياء بأكملها تتم إزالتها فى أيام، وأحياء بأكملها يتم إنشاؤها فى شهور، وطرق واسعة ليس لها مثيل فى دول أروبا فيما عدا طريق جوركى الشهير سفى موسكو، وناطحات سحاب وميادين هائلة منظمة بصورة رائعة تذينها حدائق، ونافورات، وتماثيل، ومقاعد جميلة.
    تشعر بعد أيام فى بكين أنها تستعد للتحدى.. لتقول لأمريكا وأوروبا: لقد أصبحنا دولة عظمى.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

05-02-2009, 06:03 PM

ناذر محمد الخليفة

تاريخ التسجيل: 28-01-2005
مجموع المشاركات: 28016
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



fg (Re: adil amin)

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

11-02-2009, 08:42 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    شنغهاى تنافس نيويورك
    شنغهاى أكبر وأجمل وأغنى مدينة فى الصين.. يسميها الأجانب 》 باريس الشرق 《 ويسميها الصينيون 》 لؤلؤة الشرق 《 .. وفى التسعينات من القرن الشعرين – مع سياسة الانفتاح على العالم، وجذب الاستثمارات الأجنبية، لتكون النموذج للازدهار الاقتصادى والتجارى والصناعى وتنافس هونج كونج.. بل وتنافس نيويورك أيضا..! وقال دنج زياو بنج عبارة يحفظها كل أبناء شنغهاى عن ظهر قلب ويقولونها لك عشرات المرات بفخر.. قال 》 إذا كانت الصين هى التنين، فإن شنغهاى هى رأس التنين 《 وكان يقصد أنها ستكون رأس حربة.. أو رأس جسر.. لمشروع كبير لتحديث الصين.. لتصبح الصين دولة صناعية كبرى وتلحق بالدول الصناعية السبع الكبار التى تقرر مصير العالم.!
    عندما نزلت مطار شنغهاى فى الليل ذهلت من الاتساع والتنظيم.. مطار هائل لا يقل عن مطار جون كيندى فى نيويورك أو مطار أورلى فى باريس، بل هو أحدث وأنظف وأجمل..
    وفى الطريق ذهلت مرة أخرى من اتساع الطرق، وكثرة السيارات الفاخرة من كل الأنواع.. وخاصة سيارات مرسيدس وليكساس آخر موديل.. وأضواء النيون الملونة تملأ جوانب الطريق بإعلانات عن كل شىء.. سيارات..تليفزيونات.. تلفون محمول من كل الماركات.. عطور باريس.. ملابس أمريكية وإيطالية.. وفروع لأكبر بيوت الأزياء فى باريس.. بيير كاردان.. كريستيان ديور.. رالف لورين.. فيرساتشى..
    فى الفندق التقيت بعدد من المصريين والعرب والصينيين وسمعت منهم المثيرة.. إن شنغهاى أصبحت رمزا لنجاح الصين فى سياستها الاقتصمادية فى الانفتاح، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحديث الصين، وهى الآن قطعة متقدمة جدا ومستواها لا يقل عن مستوى نيويورك، أو سان فرانسيسكو، أو لندن.. فهى تجمع بين الجمال والتفوق الصناعى والتجارى، وتجمع بين الطابع الصينى التقليدى والطابع الأوربى والأمريكى، وهى تتغير بسرعة مذهلة، قالوا لى إنها تتغير كل سنة..
    شنغهاى مدينة كبيرة.. يسكنها 17 مليون نسمة، وفيها خطان للمترو يربطان جميع أنحاء المدينة الكبيرة، والتذكرة بسعر موحد باثنين 》 يوان 《 بما يعادل ربع دولار، وفيها سوق المال الشهير، وإنتاجها يمثل سدس إجمالى الناتج القومى للصين الجديدة المليئة بالحيوية والجدية.. فيها أكبر خبراء المال والصناعة.. وأكبر شركات المقاولات العالمية.. وفروع تلمس أنها من أكبر مدن 》 البزنس 《 فى العالم.. ومعهم حق عندما اعتبروها نيويورك الصين.
    ***
    كانت شنغهاى مجرد قرية صغيرة لصيادى الأسماك تطل على الشاطىء.. وبعد حرب الأفيون الأولى جعلها البريطانيون ميناء مغتوحاً للأجانب، وتحولت القرية الصغيرة إلى مدينة يحكمها ويديرها البريطانيون والفرنسيون، والأمريكيون، وجعلوها مستقلة عن الصين، ولا تخضع لقونين الصين، ونقلوا ثقافاتهم وعاداتهم وأساليب حياتهم إليها، ولذلك تجد فيها حتى الآن خليطا من الثقافات، وفنون العمارة، والعادات الاجتماعية.. ولأنها مدينة مفتوحة حدث فيها تزاوج بين الثقافات الأوربية والأمريكية والثقافة الصينية، وأصبحت منفتحة على العالم بأكثر من أى مدينة أخرى.. ولذلك تجد فيها مدارس اللغات.. ومدارس تعلم بالصينية.. وفيها مطاعم تقجم الطعام الأمريكى ومطاعم تقدم الإيطالى والفرنسى والمكسيكى والشرقى.. وفيها أكثر من دار أوبرا ومسرح وعشرات من دور السينما تعرض أفلاما من كل أنحاء العالم.. وأندية.. وملاعب.. وبيوت تجميل للسيدات وللرجال أيضا.. وفنادق 5 نجوم و4 نجوم و3 نجوم ونجمتان ونجمة واحدة.. وإن كانت كلها غالية.. وكلها ذات غرف صغيرة نظرا لكثرة الزوار من السياح ورجال الأعمال.. الغرفة فى فندق 5 نجوم تكلفك أكثر من 250 دولار فى الليلة، وفى 4 نجوم أكثر من 200 دولار، وفى 3 نجوم من 150 إلى 200 دولار، وفى نجمتين من 75 إلى 150 دولاراً، أما فندق نجمة واحدة فالليلة تكلفك 75 دولاراً.. ولكثرة السياح والأجانب أصبحت المطاعم الصينية فى شنغهاى تقدم الأكلات الصينية التقليدية ولكن بمذاق مختلف لأنها خليط بين الطعام الصينى والطعام الأوروبى والأمريكى.. وتشاهد فيها نساء يرتدين ملابس باريسية.. وشباب يقضى للليل فى الديسكو والأندية الليلية.. وفى يد كل من تقابله فى الشارع تليفون محمول..
    ***
    فى شنغهاى أعلى مستوى للمعيشة فى الصين.. وأعلى الأجور.. وأعلى المبانى.. فى سنة 1978 كان فيها 150 مبنى مكوناً من 50 طابقاً فأكثر، والآن فيها 1500 مبنى أكثرها يعتبر من ناطحات السحاب.. فيها أعلى فندق فى العالم.. وفيها مبنى ناطحة سحاب مكون من 87 طابقا سيمونه 》 برج التليفزيون 《 وهو تحفة معمارية لا مثيل لها.. فهو على شكل سمكة كبيرة، وفى الأدوار السفلى متاحف عن حضارة الصين عبر التاريخ وتجسيد للحياة فى كل عصر بتماثيل الشمع شديدة الإتقان، وفيها أحياء كاملة طبق الأصل.. وفى أعلى البرج مطعم فاخر، وتحته طابق للزوار يشاهدون منه بانواراما هائلة للمدينة كلها.. وتكاد ترى هونج كونج على مرمى البصر.
    وبرج التليفزيون كان ثالث أعلى مبنى فى العالم.. كان المبنى رقم واحد هو مركز التجارة العالمى فى نيويورك، والثانى هو ناطحة السحاب المشهورة فى عاصمة ماليزيا كوالالمبور وهو مكون من برحين مثل مركز التجارة العالمى، وكان المبنى الثالث هو برج التليفزيون فى شنغهاى، وبعد انهيار مركز التجارة العالمى فى 11 سبتمبر 2001 أصبح مبنى شنغهاى هو الثانى.. ولكنهم بدءوا فى إنشاء ناطحة سحاب فى العالم وتكون رمزا للصين الحديثة.. وسينتهى العمل فيها بعد عامين.
    ***
    ثلث مساحة شنغهاى خضراء.. حدائق وغابات.. وفى المدينة عشرات الأندية والملاعب، وستاد رياضى عالمى، وأكثر من دار أوبرا ومسرح، وعشرات من دور السينما تعرض أفلاما من كل أنحاء العالم، وفيها 14 جامعة ومركزاً ثقافياً، وفيها صفرة المثقفين وأساتذة الجامعات فى الصين، ويتميزون بحرية الفكر والانفتاح على العالم والاتصال بالجامعات والمراكز الثقافية فى الدول الكبرى والدول النامية، وفيها عدة صحف تصدر باللغة الصينية، وصحيفة مشهورة تصدر باللغة الإنجليزية هى 》 شنغهاى ديلى 《 .
    فى الأسواق والمراكز التجارية كل ما يخطر على البال من السلع والتحف والملابس والعطور وأربطة العنق الصينية والأوربية والأمريكية أكثرها مصنوع فى الصين من إنتاج فروع ومصانع الشركات الأصلية، والقليل منها مستورد بالكامل من الخارج.. فهى – كما يقولون – مدينة كل شىء لأى إنسان..
    ***
    ولأن شنغهاى أكبر مركز ثقافى فإن فيها كل الأفكار، وكل الديانات، وكل الأيديولوجيات.. وفيها أكبر تجمع للمثقفين والمفكرين..
    وأهل شنغهاى حريصون على أن تكون مدينتهم مصدر قوة للصين كلها.. ولذلك أصبحت منطقة جذب للاستثمارات الأجنبية حتى إنها جذبت فى 6 شهور فقط من يناير إلى يونيو 2001 أكثر من 4 مليارات دولار وبدأ الإنتاج فى 123 مسروعا جديداً باستثمارات أجنبية أو مشتركة، والهدف المحدد لها أن يصل رقم الاستثمارات إلى 6 مليارات دولار حتى نهاية العام. أما الصادرات من شنغهاى وحدها فقد بلغت فى النصف الأول من عام 2001 أكثر من 14 مليار دولار.. والولايات المتحدة هى أكبر مستثمر فى شنغهاى وفى الصين عموما، تليها اليابان، وتليها تايوان، ثم الاتحاد الأوربى بصفة عامة.. والمنطقة الجديدة للاستثمارات التى تعتبر امتدادا لشنغهاى هى منطقة 》 بودونج 《 وقد انتهت الأعمال الإنشائية للبنية الأساسية.. مطار دولى كبير جدا تم افتتاحه سنة 1999 – الطريق المؤدى إليه من شنغهاى فى اتجاهين وكل اتجاه فيه 6 حارات للسيارات، المياه والكهرباء والصرف الصحى استكملت، والحدائق والغابات والفنادق والأحياء السكنية والملاعب والمدارس انتهى إعدادها، ولذلك بدأ المستثمرون يتوافدون من 67 دولة وبدأت الشركات والمصانع فى العمل، وانتهى بناء أكبر بورصة فى العالم فى هذه المنطقة الجديدة التى أقيمت سنة 1990 وأصبحت شنغهاى بها أكبر المراكز الاقتصادية والمالية والتجارية الدولية فى آسيا كلها. وبلغت قيمة صادراتها للخارج 6 مليارات دولار. وهونج كونج هى المستثمر رقم واحد فى منطقة بودونج الجديدة وبلغت استثماراتها 9 مليارات دولار، تليها الولايات المتحدة 4.6 مليارات دولار، ثم اليابان 4.5 مليارات دولار.
    ***
    شنغهاى مدينة لها سحر خاص.. هى أكبر مدن الصين على الإطلاق ومن أكبر مدن العالم.. مساحتها 620 ألف كيلو مبر مربع، وهى فى موقع جغرافى متميز.. على ساحل بر الصين الشرقي، عند مصب نهر اليانجتسى.. فيها أكبر ميناء فى الصين.. وداخل أراضيها مجموعة من الأنهار والجداول المتشابكة.. مثل نهر هوانجبو الذى يخترق المدينة ثم يتجه إلى الشرق لمسافة 80 كيلومتر إلى أن يلتقى مع نهر اليانجتسى، ويصبان فى صناعية كبرى، وبها أكبر صناعات التعدين، والآلات، والسفن، والكيماويات، والإلكترونيات، والغزل والنسيج، وإنتاجها 7% من إجمالى الإنتاج الصناعى فى الصين كلها، وعمليات الشحن والتفريغ للبضائع فى مينائها 22% من إجمالى حركة موانى الصين كلها..
    ***
    وشنغهاى مثل باقى المقاطعات والبلديات فى الصين.. لها مجلس لنواب الشعب، ولها حكومة محلية، ومجلس نواب الشعب فيها هو الجهاز المحلى لسلطة الدولة وهو المختص بإصدار القرارات الخاصة بالمدينة، ومراجعة الخطط المحلية للبناء الاقتصادى والمرافق العامة ومراقبة أداء الأجهزة الحكومية، وله حرية إصدار لوائح محلية خاصة بالمدينة ما دامت لا تتعارض مع دستور الدولة وقوانينها. أما الحكومة المحلية فى شنغهاى فهى الجهاز التنفيذى المسئول عن الإشراف على الأجهزة الحكومية وتتولى مختلف الشئون الإدارية فى منطقتها، وهى مسئولة أمام مجلس نواب الشعب ولجانه. ومسئولة أيضا أمام قيادة الدولة الممثلة فى مجلس الدولة ( مجلس الوزراء ).
    وقصة منطقة 》 بودونج 《 نقطة تحول مهمة فى دفع اقتصاد شنغهاى، وجذب الاستثمارات الأجنبية بمعدلات عالية، حتى أصبحت أولى المناطق جذبا للاستثمارات الأجنبية، ولها سمعة عالية على المستويين الاقتصادى والتجارى، خصوصا بعد أن عقد فيها المنتدى الاقتصادى لمجلة 》 فورشن 《 الاقتصادية العالمية فى سبتمر 1999، وكان هذا المنتدى بمثابة إعلان عالمى عن القفرة الهائلة التى تحققت فى 》 بودونج 《 ..
    ولم تتحقق معجزة منطقة 》 بودونج 《 من فراغ، ولكنها كانت وليدة التسهيلات، والمزايا التى منحتها الحكومة الصينية للسستثمرين الأجانب، كما منحت الحكومة المركزية للسلطة المحلية فى هذه المنطقة صلاحيات واسعة اعتبرها البعض تطبيقا مبكرا لنظرية 》 دولة واحدة ونظامان 《 التى طبقت بعد ذلك فى هونج كونج وماكاو بعد عودتهما إلى الصين.
    وقرارات مجلس الدولة الصينى فى ديسمبر 1997 قسمت المشروعات المقدمة للاستثمار فى منطقة 》 بودونج 《 إلى أربع فئات:
    الفئة الأولى: المشروعات التى تشجعها الحكومة الصينية فئة 》أ《 وهى مشروعات التكنولوجيا المتقدمة، ومشروعات تطوير المنتجات القائمة والمساهمة فى تحسين جودة المنتجات المخصصة للتصدير، والمشروعات التى تساهم فى تطوير وتحديث المدينة.
    والفئة الثانية: مشروعات فئة 》ب《 مقيدة بشروط معينة وتشمل: المشروعات التى تستخدم تكنولوجيا متوافرة بالفعل فى الصين أو المشروعات التى تنتج بضائع وسلعاً متوافرة بالفعل فى السوق الصينى، سواء كان إنتاجها فى داخل الصين أو مستوردة من الخارج. والمشروعات التى تستهلك طاقة عالية وبدون استخدام تكنولوجيا متقدمة، أو التى لها قدرة تنافسية محدودة فى السوق المحلى أو الخارجى. والمشروعات التى تخضع لقيود تفرضها القوانين، أو تخالف بعض اللوائح والنظم القائمة.
    والفئة الثالثة: فئة 》ج《وهى مشروعات محظورة، يتم رفضها مثل المشروعات التى يمكن أن تهدد الأمن القومى، والمشروعات الضارة بالبيئة أو التى لها آثار سلبية على صحة الإنسان.
    أما الفئة الرابعة: فهى الفئة 》د《 وهى المشروعات التى لا تدخل فى نطاق الفئات الثلاث السابقة.
    والتسهيلات الممنوحة للمستثمرين فى الضرائب لها نظام:
    ضريبة الدخل وقيمتها فى الصين 15% من الأرباح.. أما الشركات الاستثمارية التى تعمل فى مجالات الطاقة والمواصلات ومحطات الكهرباء، والشركات المعنية بالمطارات والموانىء والطرق السريعة ومحطات توليد الكهرباء فهذه تتمتع بإعفاء كامل من ضريبة الدخل لمدة 5 سنوات من بدء العمل، وفى السنوات الخمس التالية تحصل على تخفيض 50% من قيمة الضريبة، وإذا كانت ستعمل 15 سنة فأكثر يتم احتساب سنوات الإعفاء الكامل اعتبارا من السنة الأولى التى تحقق فيها أرباحا حقيقية.
    وشركات الاستثمار المشترك إما أن تكون شركة باستثمارات صينية أجنبية، وإما أن تكون شركة باستثمارات أجنبية بالكامل، أو أن تكون فى شكل مؤسسة تعاونية، وتتمتع كلها بإعفاء كامل من ضريبة الدخل لمدة عامين فقط، ثم تحصل على تخفيض 50% من قيمة الضريبة لمدة 3 سنوات أخرى، وإذا كانت ستستمر فى العمل لمدة عشر سنوات فأكثر يتم احتساب الإعفاء الكامل اعتبارا من السنة الأولى لبدء تحقيق أرباح فعلية وليس من سنة بدء العمل.
    أما البنوك والمؤسسات المالية فهى تتمتع بالإعفاء الكامل من ضريبة الدخل لمدة عام واحد، وفى العامين التاليين تحصل على تخفيض 50%، وإذا كان حجم استثمارات البنك أو المؤسسة المالية أكثر من 10 ملايين دولار وستعمل لمدة 10 سنوات فأكثر يتم احتساب سنوات الإعفاء الكامل اعتبارا من السنة الأولى لتحقيق أرباح.
    والشركات التى تنتج للتصدير تتمتع بإعفاء كامل لمدة عامين، وتخفيض الضريبة 50% بعد ذلك لمدة 3 سنوات، وإذا كانت الشركة تستخدم تكنولوجيا عالية يستمر التخفيض 50% لمدة 3 سنوات أخرى، وبعد ذلك تخفض الضريبة عليها لتصبح 10% ( بدلا من 15% ) بشرط أن يتم تصدير 70% من إنتجها للخارج.
    والشركات التى ليس لها مكاتب فى الصين، ولكنها تحقق أرباحا فى منطقة 》 بودونج 《 من أعمال مثل بناء العقارات، إقامة المعارض والحفلات، فإن ضريبة الدخل بالنسبة لها 10%.
    وإذا قامت الشركات المشتركة Joint Venture بتحويل نصيبها من الأرباح خارج الصين فإنها لا تدفع عن هذه الأرباح ضرائب من أى نوع، وإذا قامت مؤسسة مشتركة بإعادة الاستثمار لبعض أموالها فى ذات المشروع أو فى مشروع جديد يعمل لأكثر من 5 سنوات فإنها تسترد 40% من قيمة الضريبة على الدخل التى دفعتها. وإذا كانت إعادة الاستثمار فى مجالات التصدير أو استخدام التكنولوجيا العالية فإن المؤسسة تسترد كل ضريبة الدخل التى دفعتها.
    وهكذا جعلت الصين من الإعفاءات من الضريبة أداة من أدوات جذب الاستثمارات وتوجيهها نحو التصدير أولا، ونحو جلب التكنولوجيا العالية ثنيًا، وبهذا المنطق أيضا قررت الإعفاءات من رسوم الاستيراد وضريبة المبيعات ( وهى عندهم ضريبة القيمة المضافة ) فالمشروعات التى تستخدم المكنولوجيا العالية تتمتع بهذا الإعفاء المعدات المستوردة الممولة من قروض أو هبات من حكومات أجنبية أو مؤسسات مالية دولية.
    وماذا كانت النتيجة؟
    كانت النتيجة أن أنشئت شركات مشتركة مثل شركة 》 شنغهاى ميتسوبيشى 《 برأس مال صينى يابانى، ومثل شركة 》 لانشيخ دايو 《 برأس مال صينى كورى، وجميع الشركات التى تتواجه داخل المنطقة الحرة فى 》 بودونج 《 تصدر إنتاجها للخارج ولا تدفع أية رسوم أو جمارك، وإذا قامت بالتصدير إلى داخل الصين تدفع الضرائب والرسوم كاملة. وتسمح الحكومة الصينية للبنوك والمؤسسا المالية الأجنبية فى 》 بودونج 《 باستخدام العملة الوطنية الصينية فى تعاملاتها وهذه الميزة غير متاحة لأى بنك أجنبى يعمل فى الصين خارج 》 بودونج 《.
    والمنطقة الحرة فى 》 بودونج 《 حرة فعلا.. بحيث يتم دخول الواردات إليها بدون تصاريح استيراد مسبقة، ويتم إعفاؤها من رسوم الاستيراد، وكذلك تعفى من رسوم تصدير البضائع التى تصدر للخارج من المنطقة الحرة وبدون إذن تصدير.. وتمنح إعفاء من الرسوم الجمركية المعدات والمواد المعمارية وتجهيزات المكاتب الخاصة بالاستخدام وبدون تصريخ مسبق، وفيما عدا التليفون المحمول! والبضائع التى تدخل من داخل الصين إلى المنطقة الحرة تعتبر فى حكم تصدير من الصين وتسدد عنها الرسوم المقررة للتصدير للخارج.
    ونظام منح الأراضى للمستثمرين له قواعد وأصول فى الصين ولا تمنح عشوائيا لكل من يدعى أنه مستثمر.
    الأرض فى الصين كلها، وكذلك فى 》 بودونج 《 لا يمكن شراؤها لتصبح ملكية خاصة لأفراد شركات أو مؤسسات، ولكن تمنح لهذه الشركات 》 حق الانتفاع 《 لمدد تصل إلى 75 عاما كحد أقصى، وتصل أسعار 》 حق الانتفاع 《فى كل منطقة وفقا لجدول يتراوح بين 30 دولارا فى السنة للمتر المربع فى أرخص المناطق و600 دولار للمتر المربع فى أغلى المناطق، ويمكن تأجير الأرض بالمتر لمدة سنة أو أكثر بأسعار تتراوح بين دولارين و10 دولارات للمتر.
    ومسموح فى الصين الآن شراء المبانى بدون الأرض التى تخضع لحق الانتفاع لمدة أقصاها 75 سنة ويتراوح الإيجاريين 60 دولارا و470 دولارا متر المبانى، أما إيجار المبانى لمدة سنة أو أكثر فيتراوح بين 5 و75 دولارا فى السنة.
    وقانون منطقة》 بودونج 《يفرض على شركات الاستثمار أن تدفع للعاملين الصينيين مرتبات أعلى بنسبة 120% من مثيلاتها من الشركات خارج المنطقة الحرة، وتفرض على الشركات التأمين على العاملين.
    ***
    وقانون الاستثمار فى منطقة》 بودونج 《قانون أثبت نجاحه وحقق أهدافه فى جذب الاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا العالية.. ويمكن أن نستفيد من هذه الخبرة بدلا من أن نبدأ التفكير وحدنا من نقطة الصفر فى كيفية جذب الاستثمارات وتشجيع المستثمرين. وهم يشجعون الشركات الاستثمارية على بناء أحياء سكنية ولديهم مخطط الإنشاء مجموعة من المبانى العصرية، وقذ دشنت الحكومة فى النصف الأول من عام 2001 مشروعات باستثمارات أجنبية خالصة ومشتركة بلغت 123 مشروعا.
    وفى شنغهاى عقد مؤتمر لشباب رجال الأعمال من 21 دولة مع المسئولين الحكوميين فى المدينة، وكان الهدف من هذا المؤتمر تعريف شباب المستثمرين فى هذه الدول على التطورات التى تحدث فى الصين وفى العالم، وشهدت شنغهاى قمة رؤساء منظمة 》 ايبك 《 APEC وحضرها رؤساء أمريكا وكندا والصين ورئيس وزراء اليابان وقادة 21 دولة.
    ***
    والأرقام عن حركة التجارة بين مصر وشنغهاى تحتاج إلى وقفة. ففى عام 1998 كانت قيمة الصادرات المصرية إلى شنغهاى مليونا و 70 ألف دولار وقيمة الواردات المصرية من شنغهاى 44 مليونا و16 ألف دولار، وكان الفرق بين الصادرات والواردات من هذه المدينة ما يقرب من 43 مليون دولار لصالح شنغهاى. وفى عام 99 زادت الصادرات المصرية إلى شنغهاى فأصبحت 5 ملايين و80 ألف دولار والواردات 42 مليون دولار، وفى عام 2000 بلغت الصادرات المصرية إلى شنغهاى 17 مليون دولار والواردات 44 مليون ونصف مليون، وفى ثلاثة شهور فقط من يناير حتى مارس 2001 بلغت الصادرات المصرية 5 ملايين دولار والواردات من شنغهاى 12 مليونا.. وهذا هو الفرق.!
    الصادرات المصرية إلى شنغهاى تشمل الرخام، والقطن، ومواد خام للغزل والنسيج، والسجاد، والسيراميك، والخردة، والدائن، والواردات من شنغهاى إلى مصر تشمل: سيارات وقطع غيارها، وأفرانا، ومعدات، وقطنا، ومنتجات معدنية، وتليفزيونات، وراديو، وأجهزة تسجيل، وملابس، ولعب أطفال.. الخ
    ***
    وتسأل فى الصين: كيف حققتم كل هذا النجاح فى جذب الاستثمارات الأجنبية؟ فيقولون لك: الاستقرار السياسى، السوق الواعدة، إمكانية كبيرة جدا لتطوير العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد، وتحسن مستمر فى الخدمات والبنية الأساسية، استقرار العملة، تزايج احتياطى النقد الأجنبى، انخفاض تكاليف الإنتاج نسبيا، وهذه العوامل مجتمعة هى التى تخلق مناخ الاستثمار، ولا يخلق هذا المناخ بالقانون وحده، أو بالإعفاءات الضريبية وحدها..
    وتسألهم: وماذا حققتم بالضبط؟
    فيقولون: فى السنوات الثلاث الأخيرة من القرن العشرين تجاوز إجمالى الاستثمار فى الصين 1200 مليار دولار، منها 800 مليار دولار لبناء المنشآت الأساسية فقط، وفى هذه السنوات وصل حجم الواردات 600 مليار دولار أكثرها رأس مال مشروعات وتكنولوجيا وأجهزة وآلات للمصانع الجديدة.. وخفضنا التعريفة الجمركية.
    وتسألهم: ماذا استفدهم.؟
    فيقولون: أضافت الاستثمارات الأجنبية عائدات كبيرة إلى الميزانية الصينية، ووفرت فرص عمل لأكثر من 17 مليون مواطن، وحصلنا على 26 مليار دولار قيمة الضرائب على الأعمال ذات العلاقة بالأجانب، وساعدت الاستثمارات الأجنبية فى الإسراع بعملية إصلاح الشركات المملوكة للدولة واستفادت من ذلك 120 ألف شركة، وكسبنا شيئاً مهماَ هو اكتساب الخبرة بالتكنولوجنا العالية والإدارة الحديثة، وأصبح لدينا عمال ومتخصصون وخبراء يتعاملون مع هذه التكنولوجيا العالية والإدارة الحديثة..
    وليست شنغهاى وحدها الجاذبة للاستثمارات الأجنبية ولصناعات التصدير والتكنولوجيا.. فهناك مناطق أخرى حققت معجزات لا تقل عن معجزة شنغهاى وبودونج.. وقصة نجاح الصين فى جذب الاستثمارات العالية والشركات عابرة القارات قصة مثيرة.. ويمكن أن نستفيد منها، ولدينا فرص وميزات لا تقل عما لديها..
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

11-02-2009, 09:11 AM

معتز تروتسكى

تاريخ التسجيل: 14-01-2004
مجموع المشاركات: 9829
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    خالص التحايا
    استاذنا
    adil amin

    اخبارك وصحتك
    واصل السرد لعلنا نستفيد من تجارب الغير بغض النظر...
    التحايا النواضر..
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

11-02-2009, 09:57 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: معتز تروتسكى)

    Quote: خالص التحايا
    استاذنا
    adil amin

    اخبارك وصحتك
    واصل السرد لعلنا نستفيد من تجارب الغير بغض النظر...
    التحايا النواضر..


    الابن العزيز معتز
    تحية طيبة
    المشكلة مش الناس البعيدة عن مركز القرار ولكن المشكلة في ناس المؤتمر الوطني الذىن يحتفلون مع الصين من ناحية ويشكلون لها عبء اخلاقي كبير في المحافل الدولية وداخل السودان بفسادهم وعجزهم وقمعهم المستمر لاصوات الحق والخيرين على ان يكونو في مستوى المسؤلية على الطريقة الصينية...وانت ادرى بالصين مني وقد درست هناك...اليس كذلك؟


    ونواصل عشان خاطرك مع الحلقة الرابعة لازم زول يحتفل بخمسينية الصين هنا في البورد كمان
    وكمان عشان يستفيدو ناس الحزب الشيوعي السوداني كمان


    ..........

    قصة نجاح
    كل من قابلته فى الصين كنت أسأله: ماذا فعلتم لجذب الاستثمارات الأجنبية لإقامة مصانع متخصصة فى التكنولوجيا الحديثة؟
    وكانت الإجابة دائما: اذهب إلى المناطق الخاصة التى جذبت المستثمرين والشركات العالمية الكبرى.. فستجد أن المسالة ليست مهلة.. التلفزيون أو الدعوات على العشاءأن المسالة ليست مهلة.. التلفزيون أو الدعوات على العشاء.. أو الاتصال برؤساء الدول.. المستثمرون يبحثون عن 》 مناخ الاستثمار 《 أى الظروف التى تجعلهم يحققون ربحا مضمونا وبدون مشاكل عقبات.. يبحثون عن تسهيلات بدون رشاوى أو عمولات أو بأقل قدر منها..
    وسألت: أين أذهب لأكتشف السر؟..
    قالوا: فى الصين مناطق كثيرة ستجد سفيها السر.. اذهب إلى ثلاث منها على الأقل لترى فى كل منها بعض زوايا التجربة..
    وهكذا وجدت نفسى ذات مساء فى طائرة متجها إلى مدينة شنجن التى قالوا لى إنها كانت أفقر وأسوأ مناطق الصين، وكانت عبارة عت قرية ساحلية صغيرة مهملة من قرى الحدود مكونة من البيوت الفقرية ويسكنها 30 ألفا يعيشون على صيد السمك والرعى والزراعة البسيطة.. وقد احتفظوا بأحد أحياء المدينة القديمة وأكواخها من الطين والقش وبعض سكانها، وأمام العشش الماعز وأدوات الصيد.. لكى يظهر الفارق بين الأمس واليوم.
    قالوا لى: إن هذه المدينة كانت حتى سنة 1980 مساحاتها ثلاثة كيلو مترات مربعة فقط لا غير، ولكى يتم تحويلها إلى منطقة جاذبة للاستثمارات الكبرى حدث ما يلى:
    أولاك أقيمت شبكات مواصلات حديثة ومنتظمة بريا، وجويا، وبحريا فأنت تستطيع أن تصل إليها من أى مكان فى العالم بسهولة. وتستطيع أن تتصل بأى مكان فى العالم بمنتهى السهولة.. وسيسير مترو الأنفاق فيها بعد سنتين والعبّارات تسير فى خطوط منتظمة من وإلى هونج كونج فى ساعة واحدة، ولذلك فإن بعض الخبراء الأجانب العاملين فى هونج كونج يفضلون الإقامة فى شنجن.
    ثانيا: أنشئ فى المدينة مطار دولى على أحدث طراز يتسع لثلاثة أضعاف حجم الطيران والمسافرين الحالى، وهو من أكبر أربعة مطارات فى الصين.
    ثالثا: أنشئ ميناء دولى تحتل المرتبة الثانية على مستوى البلاد من حيث حجم النقل والحاويات.
    رابعا: أنشئت شبكات من الطرق والمياء والكهرباء والصرف الصحى.
    خامسا: تم تخطيط المدينة عصريا وخصصت كل منطقة لنوع من النشاط ووفرت الدولة مساحات من الأرض لكل المشروعات. وأتسعت المدينة حتى أصبحت مساحتها أكثر من 300 كيلو متر مربع، وأصبح عدد سكانها أربعة ملايين ونصف مليون من الصينيين والأجانب من كل الجنسيات.. شمل تخطيط المدينة توفير كل ما يحتاج إليه الأجانب: فنادق 5 نجوم.. مساكن من مستويات متعددة، ملاعب جولف، مدارس دولية للغات لأبنائهم، أندية، مدينة ثقافية وترفيهية كاملة فيها لعب أطفال تقضى فيها الأسرة إجازاتها فلا تشعر بالملل.
    ***
    قالوا لى: لقد عملنا – باختصار – على أن تكون هذه المدينة مركزا إقليميا فى مجال الاقتصاد، ومدينة عالمية عصرية بمعنى الكلمة.. راعينا أن يكون بناء المنشآت الأساسية من الدرجة الأولى عالميا، وكانت أول مشكلة هى النقص فى موارد المياه.. كيف يمكن تحقيق تنمية بدون توفير المياه الكافية للصناعات وللمستهلكين؟.. ولذلك بدأنا بمشروعات لتوفير المياه تكلفت 600 مليون دولار..
    وبالسيارة قمت تجولة فى أحياء المدينة.. ولم أصدق أن هذه مدينة فى الصين.. فهى أجمل وأكثر تنظيما وتنسيقا من كثير من المدن الأوروبية.
    منطقة تجارية فيها مراكز تجارية على مستوى المراكز الكبرى فى أوربا.. ومنظقة للمؤسسات المالية والاقتصادية فيها مبانى البنوك العالمية الكبرى وفيها أيضا بورصة شنجن التى بدأت سنة 90 فى إدارة الأوراق المالية على سبيل التجربة وأصبحت الآن بورصة مليئة بالحركة والحيوية.
    ومنطقة صناعية فيها شركات عملاقة.. كل الشركات العالمية فيها.. وصل عدد شركات الاستثمار فى هذه المدينة 20 ألف شركة معظمها يعمل فى التكنولوجيا الحديثة لإنتاج الكمبيوتر وأجهزة الاتصالات الأرضية والفضائية وشبكات الانترنت والتليفزيون واقراص C.D. وD.V.D. والأثاث ومستلزمات الديكور والأدوات الطبية وآلات الصناعة والملابس والساعات.
    فى هذه المنطقة تجد مصانع لشركات كومباك وI.B.M. للكمبيوتر، وآلات التصوير السينامائى والفيديو وهيتاشى اليابانية المعروفة وسامسونج وعشرات المصانع لشركات من هذا المستوى.
    ويدهشك أن هذه المدينة الصناعية هى فى حقيقتها حديقة كبرى وكما قال العمدة لى تسى بين – فإن المساحة الخضراء فيها تبلغ 45% من المساحة الكلية للمدينة، وفيها وسائل التسلية وقضاء الإجازات وأوقات الفراغ.. فيها 9 أندية للجولف واستاد رياضى ضخم تقام فيه مباريات دولية مستمرة.. وحدائق جميلة جدا وكبيرة جدا.. ومنظمة جدا.. أجملها قرية 》 لثقافة والفلكلور الصينى 《 وفيها مساحات لكل قومية فى الصين وفى كل منها تقدم عروض للفنون الشعبية، والقصص والأساطير فى شكل تمثيلى وغنائى ورقصات تعبيرية وحديقة للحيوانات وفيها أيضا حمامات سباحة وشواطئ.. وفى هذه المدينة 139 فندقا وبلغ عدد الليالى السياحية فيها سنة 2000 حوالى 14 مليون ليلة، منها 4 ملايين ليلة سياحية لزوار من خارج الصين، ولزوار هذه المدينة تمنح تأشيرة الدخول فورا ومجانا للمجموعات السياحية وهذا شجعهم على قضاء بضعة أيام ضمن برنامج السياحة إلى هونج كونج.
    فى هذه المدينة أندية للرشاقة والسونا ومراكز تجميل.. وفيها أيضا مكتبة عامة ضخمة والكتب فيها بمختلف لغات العالم.. وفيها متاحف وأندية للعلوم وخمسة مسارح تستضيف فرقا مسرحية وغنائية من مختلف دول العالم وفيها 77 مستشفى و450 عيادة طبية وفيها كنائس ومعابد، وباختصار فيها كل ما يحتاج إليه المستثمر الأوربى والأمريكى للإقامة بالأسلوب الذى تعود عليه فى بلده دون أن يشعر أن هناك شيئا ينقصه وهذا يغريه بتكرار الزيارة ويغرى الكثيرين بالإقامة مع أسرهم.
    ***
    عمدة شنجن 》 لى تسى بين 《 يقول: إن قيمة الإنتاج فى المدينة حقق خلال السنوات العشر الأخيرة زيادة سنوية بنسبة 6% وأصبحت المدينة وإنتاجها من التكنولوجيا الحديثة Hightic يمثل 35% من إجمالى الإنتاج، وفى الخطة التى ننفذها ستصبح هذه المدينة فى سنة 2010 مدينة عصرية دولية بالمعنى الكامل والعمل مستمر فى تطوير صناعات التكنولوجيا الحديثة وربط المدينة بهونج كونج.
    ووقول العمدة أيضا: إن أصعب المهام لتحديث البلد هو إصلاح أجهزة الحكومة والشركات المملوكة للدولة، وهذه المدينة بدأت سنة 1944 باختيار 35 شركة مملوكة للدولة لتجربة النظام الإدارى الحديث فيها، ثم بدأت فى سنة 1997 تطبيق لوائح نظم جديدة لاختصاصات ومسئوليات رئيس مجلس الادارة والمدير العام ومجلس الادارة ولجنة المراقبة. وأصبح لمجلس الإدارة ولرئيس مجلس الإدارة حرية التصرف، وفى نفس الوقت فإن لجنة المراقبة تراقب أعمال مجلس الإدارة، وفى كل شركة مجلس مديرين لتحقيق القيادة الجماعية، ثم ركزنا على إصلاح نظم التسويق، ووضعنا نظاما للحوافز، وفى شركات التكنولوجيا الحديثة أصبح للعمال نصيب من الأسهم، وبذلك ارتبطت مصالحهم بزيادة وتحسين الإنتاج وتحقيق الأرباح، وهذه النظم تطبق الآن فى 136 وحدة.. كذلك تغير نظام التوظيف.. لم يعد التوظيف بمجرد الحصول على شهادة، لكن باختيار الشخص الذى تنطبق عليه المواصفات اللازمة للوظيفة، وبامتحان ومنافسة بين المتقدمين لتشجيع المتفوقين والموهوبين..
    يقول العمدة: مثلا فى شركة جيندى يتم فصل العمال الثلاثة الذين يحتلون المراكز الأخيرة فى التقييم وهم الذين لا يسايرون التطور، أو يهملون فى عملهم، أو يقل إنتاجهم عن المعدلات الموضوعة لكل منهم..
    فى هذه المدينة شركة متخصصة للاستثمار فى العلوم والتكنولوجيا برأس مال مشترك 66% منه للحكومة والباقى للمستثمرين الأجانب مقابل التكنولوجيا المتقدمة، وفتح قنوات التسويق الدولية. وهذه الشركة الآن هى الثالثة على مستوى العالم ىف إنتاج الرأس المغناطيسى للآلات الحاسبة وتصدر جميع منتجاتها إلى أسواق أوربا وأمريكا.
    يقول العمدة أيضا: فى المدينة مجموعات من رجال الأعمال من عدة دول متخصصين فى التكنولوجيا والإدارة والتسويق، ونحن الآن نختار لإدارة شركاتنا أكفأ من يستطيع إدارتتها بصرف النظر عن جنسيته ووجود مدير أجنبى على درجة عالية من الخبرة والكفاءة يساعد على خلق كوادر من الإداريين المحترفين.
    ***
    الجولة السريعة فى هذه المدينة تجعل الإنسان لا يصدع ما يراه وما يسمعه.. المنطقة المخصصة للصناعات التكنولوجية الحديثة فيها أكثر من 35 شركة عالمية كبرى منها 17 شركة من أكبر 50 شركة فى العالم.. وهذا ساعد على إنشاء شركات بأموال صينية قطاع خاص وبخبراء من الصين ومن الخارج منها مثلا شركة 》 ليجند 《 للكمبيوتر، وشركة 》 مجموعة سور الصين العظيم للكمبيوتر 《.. وشركات أخرى تعمل فى مجالات تكنولوجيا المعلومات، والأحياء، وعلوم الفضاء، واستثمار البحار، والموارد الحديثة، حتى إن قيمة إنتاج هذه المدينة فى تكنولوجيا المعلومات فقط وصل إلى 9 مليارات دولار سنويا، وقد حصلت الصين على حقوق الملكية الفكرية لهذه المنتجات من الشركات الأمريكية واليابانية والأوربية..
    وتقيم مدينة شنجن معرضا دوليا كل سنة لمنتجاتها التكنولوجية الحديثة وتدعو الشخصيات المشهورة فى صناعات تكنولوجيا المعلومات والمواد الحديثة والصناعات القائمة على استخدام الجينات والهندسة الورائية.. وفى معرض العام الماضى شاركت 37 دولة منها الولايات المتحدة، وبريطانيا، وألمانيا، واليابان، وفرنسا، وسنغافورة، وشاركت فيه 2856 شركة من الصين.. وعلى هامش المعرض أقيمت ندوة اشترك فيها الخبراء من هذه الدول لبحث مجالات فتتح التجارة الإلكترونية، وتحديث نظم الاستثمار والمخاطر، ومبتكرات التكنولوجيا الحديثة، وكيفية تطوير هيئات التأمين والمخاطر فى تجارة منتجات التكنولوجيا الحديثة.
    هذا المعرض وحده انتهى وحجم التجارة التى تمت فيه خلال 6 أيام 6 مليارات ونصف مليار دولار.. وبهذا المعرض ظهرت مدينة شنجن على الساحة العالمية.. وزاد تدفق الاستثمارات من الشركات الأجنبية.. شركة لوسينت الأمريكية قررت إنشاء مركز للبحوث واستثمار التكنولوجيا العالية وأعلنت أن هذه المدينة أصبحت قاعدة مهمة لتطوير صناعات التكنولوجيا الحديثة.. وشركة 》 فوشيكانج 《 أكبر شركة لإنتاج مكونات الكمبيوتر فى العالم قررت استثمار 200 مليون دولار فى إنشاء قاعدة للإنتاج والأبحاث وأعلنت عن مشروع لتطوير هذه القاعدة حتى تصبح مدينة شنجن أكبر مدينة للكمبيوتر فى العالم!
    ***
    مع الدكتورة دينج لينا المسئولة عن العلاقات الخارجية فى شنجن استمعت إلى قصص أقرب إلى الخيال عما تحقق فى هذه المدينة فى عشر سنوات فقط.. أصبحت مساحة شنجن ضعف مساحة هونج كونج.. المساكن فى شنجن أرخص بنسبة 70% من هونج كونج الإقامة فى شنجن والمسافة ساعة واحدة.. حركة البناء فى منتهى النشاط.. متوسط دخل العاملين فى المدينة 4 آلاف دولار فى السنة، بينما متوسط الدخل فى الصين 800 دولار سنويا، الفنادق عنصر جذب، مثلا فندق 》 وزهو 《 400 غرفة ينافس أرقى فنادق نيويورك وباريس، المدينة تحتل رقم 11 على مستوى العالم فى حركة الميناء وتسهيلات السفن وشحن البضائع رغم أن هذا الميناء الحديث عمره 7 سنوات فقط، فى المدينة مكتب واحد لكل معاملات المستثمرين.. الميزة التى تقدمها المدينة للمستثمرين 》 بيئة خالية من المشاكل 《.. قطارات هوائية فائقة السرعة تربطها ببكين والمدن الصينية الكبرى..
    فى مدينة شنجن صحيفة يومية زرتها فوجدت المبنى مكونا من 60 طابقاً!
    ***
    وحاولت أن أخفى دهشتى أيضا عندما زرت شركة 》 هواوى 《 للتكنولوجيا.. وهى شركة مملوكة بالكامل للقطاع الخاص برأس مال رجال الأعمال الصينيين يعمل فيها 19 ألف مهندس وخبير وفنى وعامل.. تنتج معدات الاتصالات ذات المستوى العالمى.. لها 45 فرعا فى أنحاء العالم منها فرع مشترك مع رأس مال برازيل فى البرازيل، والفرع الثانى برأس مال روسى مشترك ومقره فى روسيا، وفى الشركة خمسة مراكز للدراسات والبحوث تجذب أكفأ الخبراء الصينيين الذين كانوا يعملون فى الشركات العالمية الكبرى فى الخارج، وللشركة 40 مكتب تمثيل فى 40 دولة من بينها مصر، و33 مكتبا داخل الصين، ولها فرعان فى أيريكا وفرع متخصص فى تطوير التليفون المحمول و5 مراكز بحوث خارج الصين للاستفادة من والتطوير فى السويد متخصص فى إنتاج الجيل الثالث من التلفون المحمول بالصوت والصورة، ومركز فى موسكو لأبحاث ترددات الراديو، وأبحاث تطوير إنتاج برامج الكمبيوتر والأقراص الممغنطة، ومركز أبحاث فى بنجالور فى الهند متخصص أيضا فى برامج الكمبيوتر.
    هكذا تمد شركة واحدة أذرعها فى كل أنحاء العالم بحثا عن تطوير إنتاجها وفقا لآخر ما وصل إليه العلماء فى كل الدول.. ولها أيضا مصانع فى الخارج – بدلا من التصدير من الصين – لتوفير مصاريف الشحن وتقليل التكلفة، وبذلك تنتصر فى المنافسة وتقدم إنتاجها بسعر أرخص؛ لها مصنع فى روسيا الإنتاج محولات التليفون بالكمبيوتر ينتج 600 ألف محول سنويا، ولها مصنع فى البرازيل، ومصنع فى كولومبيا، ومصنع فى أمريكا لإنتاج مولدات قوى كهربائية، وتصدر لمصر محولات التليفون وأجهزة الاتصال بالانترنت، وتصدر إلى كينيا وزيمبابوى شبكات المعلومات الذكية، وتصنع فى المانيا مكونات المحولات وهى موجودة فى تايلاند، وفيتنام، وسنغافورة وتصدر لها شبكات المعلومات..
    قال لى المسئول فى الشركة: سيكون لدينا بعد عامين مركز أبحاث جديد تحت الإنشاء الآن سيضم 10 آلاف باحث.. ولدينا الآن 21 خط انتاج، وإنتاجنا يبلغ عشرة مليارات دولار سنويا ولدينا طاقة لزيادة الإنتاج، ولكن ظروف السوق الدولية تجعلنا نتوقف عند هذا الحد ونكتفى بالعمل وردية واحدة.. نحن نهتم جدا بالتطوير وبالأبحاث العلمية. فى سنة 98 أنفقنا على الأبحاث 67 مليون دولار، وفى سنة 99 أنفقنا 162 مليون دولار. وفى سنة 2000 أنفقنا 264 مليون دولار..اهتمامنا بالأبحاث والتطوير يتضح من خريطة العمالة فى الشركة؛ الخبراء والباحثون والعلماء يمثلون 45 % من عدد العاملين وفى التسويق وخدمة المستهلكين 35% وفى الإنتاج 10%، وفى الإدارة والخدمات 10%.. والمستوى العلمى للعاملين فى الشركة مرتفع 85% من العاملين بدرجة الدكتوراه والبكاريوس..
    أما مبيعات هذه الشركة فهى فى صعود سنة بعد سنة.. 80% من الشركة مملوك للعاملين فيها بأسهم داخلية ليست مسجلة فى البورصة، وتطرح الشركة الأسهم الجديدة مرتين فى السنة، لكى تلبى طلب العاملين عليها لأنها تحقق لهم عائدا مجزيا.
    إنتاج الشركة متنوع: محولات شبكات وهوائيات التليفون المحمول، تكنولوجيا الاتصالات، شركة الكاتيل فى المرتبة الأولى، وشركة لوسن الأمريكية فى المرتبة الثانية، وسيمنس الألمانية فى المرتبة الثالثة، وشركتنا ترتيبها 12 على مستوى العالم، مع أن عمر الشركة 12 سنة فقط.. تنتج الآن شبكات للترددات الواسعة لإسراع التعامل مع الانتنت؛ والسوق فى الصين تستوعب جانبا كبيرا منها مع انتشار استخدام الانترنت.. ننتج شباكات 》 الفيديو كونفراس 《 ومحولات الصورة ورقائق الكمبيوتر ونصدرها الأمريكا..
    كل هذا فى مدينة واحدة.. فهل هى المدينة الوحدية التى أصبحت تتحدث عن نفسها تحت عنوان 》 صدق أو لا تصدق 《؟.
    ***
    وطبعا ليس مصنع 》 هواوى 《 وحده الذى أذهلى.. أذهلنى مصنع آخر اسمه 》 ليوتشو 《 لإنتاج الآلات الهندسية، يحتل المركز الأول من حيث كمية الإنتاج وقيمة المبيعات.. هذا المصنع ينتج 30% من إنتاج الصين من سيارات النقل والحفارات والجرافات والبلدوزرات. ويصدر إنتاجه إلى 30 دولة، وأسهمه فى البوصرة، وأنشأ شركة استثمارات مشتركة مع شركة ألمانية لإنتاج أجزاء توصيل الحركة للآلات، ومما يلفت النظر أن كل شركة فى الصين فيها قسم كبير للأبحاث والتطوير ومتابعة الجديد فى العالم فى مجال عملها.. هذه الشركة أيضا فيها قسم للبحث العلمى يعمل فيه عدد كبير من الخبراء الصينيين الحاصلين على الدكتوراه من دول أوربية.
    ومصنع آخر تابع لمجموعة 》 ليوتشو 《 يصنع سيارات النقل وسيارات الميكروباس، فى سنة 98 وصلت مبيعاته إلى 100 ألف سيارة.. ولذلك قال مدير المصنع بثقة: إن ترتيبنا الأول فى الصين من حيث الإنتاج ، ولكن نحن نعمل بكل طاقتنا لتحسين وتطوير إنتاجنا الإنتاج ليصل إلى 150 ألف سيارة للتصدير.
    ليس هذا فقط، فقد قال مدير الشركة أيضا: أنا وكل العاملين ندرك أن أمامنا اختبارات صعبة، ونحن نستعد لمرحلة انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، ليس من السهل منافسة السيارات الأوروبية والأمريكية التى اكتسبت شهرة.. ولكننا يقبل التحدى وسندخل المنافسة فى السوق العالمى..!
    فى شركة 》 ليوتشو 《 للحديد والصلب قال مديرها: إنها كانت تخسر حتى سنة 1998 وكانت خسائرها 35 مليون دولار وأستمر هذا الوضع حتى زادت أزمة الشركة مع انهيار أسعار الصلب فأصبحت الخسائر 140 مليون دولار ووقعت الشركة فى ورطة كبيرة.. وبدأنا برنامجا للإصلاح المالى الخسارة إلى لاربح، وبلغت أرباحها 8 ملايين دولار بعد سداد الخسائر.
    ولم نفعل إلا ما هو ضرورى.. خفضنا تكاليف الإنتاج.. وخفضنا عدد العاملين من 20 ألف عامل إلى 10 آلاف.. وقمنا بإعادة توزيع الموظفين فى إدارات الخدمات.. وأوقفنا يزيف الإسراف فى كل صوره..
    الذهول لم يفارقنى وأنا أتابع ما قيل لى عن شركة أخرى اسمها 》 وين تك 《 للإلكترونيات تنتج كمبيوتر محمولا للجيب وأجهزة للاتصال بالانترنت، وتبادل المعلومات والاتصال بين أجهزة الكمبيوتر الشخصى..
    صدق.. أو لاتصدق!

    الشىء الذى يلفت النظر فى الصين أن الانفتاح أدى إلى توسيع الطبقة الوسطى ونشأة طبقة رجال المال والأعمال.. وفى خارج الصين هناك عشرات الآلاف من الصينيين حققوا ثروات وأصبحوا فى مواقع مهمة فى المراكز العلمية والشركات والجامعات.. هؤلاء جميعا ولاؤهم للصين.. يستثمرون أموالهم داخل الصين.. ولايلجئون إلى الكسب السهل السريع.. يركزون جهدهم على الاستيراد والتجارة، ولكنهم يعملون فى الصناعات الدقيقة والتكنولوجيا العالية، ويفتحون الأسواق للتصدير ويستعينون بكل من يساعدهم فى أى مكان فى العالم.. ولذلك يستقدمون خبراء من الخارج ليشاركوا فى إدارة الشركات ومراكز الأبحاث.. وينقلوا الخبرة من الدول المتقدمة.. وكل خطة يضعونها ينفذونها بالكامل وبكل دقة.. الكلام عندهم يعنى العمل.. والوعود عندهم لابد أن تنفذ.. والحساب عسير لمن يتكلم ولا يعمل.. ولمن قدم وعدا ولم ينفذه!.
    تلمس من كل من تقابله الجدية.. والعزيمة.. والطموح.
    الروح المعنوية عالية جدا لدى كل من قابلتهم من المسئولين وغير المسئولين وتلمس ذلك فى الشارع وفى المصنع وحتى على وجوه الشيوخ على المعاشى الذين يتجمعون فى الحدائق ليتبادلوا الأحاديث والسمر ويلعبوا مع أحفادهم..
    ومعركة الصين هى جذب الأموال من الخارج للتنمية. وتحصل على الأموال من قروض من حكومات أجنبية، ومؤسسات مالية دولية، وتصدر سندات وأسهما فى الأسواق الخارجية، كما تجذب المستثمرين الأجانب.. وتقدم لهم كل الخدمات التى يحتاجون إليها بحيث لا يشعرون بالنقص.. تؤجر شديدة جدا لمنع التهريب المداخل وتسهل لهم استيراد مكونات الصناعة لتجميعها وإعادة تصديرها..
    والنتيجة أن الصين حصلت فى 19 سنة فقط – من 1979 إلى 1997 – على رأس مال أجنبى بلغ 348 مليار دولار منها 220 مليار دولار استثمارًا أجنبيًا مباشرا موجها كله للصناعات المتقدمة.
    الصين الآن فى المركز الأول بين الدول النامية، وفى المركز الثانى على مستوى العالم بعد أمريكا فى جذب الاستثمارات الأجنبية..
    هى قصة نجاح فى التنمية..
    قصة بطول شرحها..
    ولكن لابد أن نعرفها.. بكل تفاصيلها ودقائقها.. لنتعلم منها..
    وما أحوجنا لأن نتعلم!..
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

11-02-2009, 10:02 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    معجزة الانفتاح
    نموذج الإصلاح الاقتصادى فى الصين نموذج خاص جدا وليس له مثيل فى العالم.. وإذا قمنا بدراسته وتحليل نتائج الإصلاح الاقتصادى فى كل الدول النامية، فلن نجد دولة استطاعت تحقيق كل هذا النجاح الذى حققته الصين.. حتى إن كل الذين كتبوا عن الصين من الغرب والشرق قالوا إنها حققت معجزة، ولذلك كان أول ما أردك معرفته فى رحلتى هو: كيف حققت هذه المعجزة..؟ وهل هى قابلة للتكرار؟ وهل يمكن لنا أن نستفيد منها؟
    الصين بدأت تنفيذ سياسة الانفتاح الاقتصادى على الغرب فى سنة 1978.. ولم يكن هذا الانقلاب فى السياسة الاقتصادية من الانغلاق إلى الانفتاح وليد لحظة من لحظات الإلهام.. أو استجابة لرغبة فى تحقيق 》 صدمة كهربائية 《 للمجتمع الصينى أو للغرب.. ولكنه جاء بعد دراسات ومناقشات استغرقت وقتا طويلا، ثم أعيد بحثها فى الدورة الثالثة الكاملة للحزب، وتبلورت الدراسات والمناقشات فى نظرية جديدة غيرت المفاهيم الأساسية فى سياسات الصين الداخلية والخارجية، وأسموها 》 النظام الاشتراكى ذا الخصائص الصينية 《 وهو نظام يجمع بين بعض آليات السوقن ويسمح لبعض المناطق بحرية العمل لتطبيق آليات السوق بالكامل، مع الإبقاء على سلطة الدولة، والالتزام بالتخطيط الشامل الذى يسير بدقة وتنفذ فيه الخطط الخمسية بالكامل.
    الانفتاح فى الصين لم يتحقق بخطوة واحدة ولم يفتح الباب على مصراعيه للاستثمارات الأجنبية بين يوم وليلة، ولكن النظرية كانت قائمة على مبدأ 》 الإصلاح المتدرج فى كل الاتجاهات وكل المجالات 《، إصلاح النظم الإدارية وتطوير عقلية الموظفين والأخذ بسياسة الحساب والثواب العقاب.. إصلاح التشريعات الاقتصادية.. وإصدار قوانين تحدد بوضوح الإطار الذى يعمل فيه الاستثمار الأجنبى.. وإصلاح هياكل الدولة بالاعتماد على كوادر من الخبراء والمتخصصين وأصحاب المواهب والقادرين على تنفيذ السياسة الجديدة بعقلية متفتحة.. وإصلاح نظم الرقابة والمحاسبة لأن الانفتاح الاقتصادى يفتح الباب عادة للفساد.. والانحراف الإدارى.. وبعد ذلك بدءوا فى إنشاء مناطق جديدة..
    فى سنة 1979 وبقريبا فى الوقت الذى بدأنا فيه اعتبار بورسعيد مدينة حرة أنشئوا خمس مناطق اقتصادية خاصة تقع معظمها فى جنوب شرقى الصين، واعتبروها بوابة الانفتاح على العالم الخارجى، وحددوا هدفها بجذب الاسصتثمارات الأجنبية.. ومنحوا المستثمرين تسهيلات فى الضرائب وغيرها.
    وفى سنة 1984 – أى بعد 5 سنوات – زادت المناطق الخاصة فأصبحت 14 مدينة ساحلية تتعامل مباشرة مع العالم الخارجى بحكم موقعها وسهولة المواصلات والاتصالات بينها وبين أمريكا وأوروبا.. ومن هذه المدن شنغهاى.. وداليان.. وتيانجين.. ونينبو.. الخ.
    وفى سنة 1990 أى بعد 5 سنوات أخرى أنشئوا منطقة جديدة قريبة من شنغهاى مساحتها 350 كيلو متر مربع لتكون مركزا جديدا ومتطورا لقيادة مدينة شنغهاى، وتساير أحدث ما فى العصر من تكنولوجيا ومن تقدم حضارى، وتتمتع بأفضل امتيازات الاستثمار الأجنبى.
    وفى سنة 1933 جعلوا المدن الواقعة على حدود الصين مع جيرانها تتمتع بخصائص ومزايا مدن الانفتاح، لإعطاء تسهيلات للتجارة والاستثمار المشترك بينها وبين جيرانها.
    وفى السنة – 1992 – أنشئوا 13 منطقة تجارة حرة على مستوى الدولة كلها.
    وأيضا أنشئوا مناطق تنمية الاقتصاد والتكنولوجيا وتشمل 32 منطقة لتطوير اقتصاد المدن واستيعاب التكنولوجيا الحديثة، ولإعطاء الفرصة للمستثمرين الذين يستخدمون التكنولوجيا المتفوضة High Tec. ومعها أنشئوا 52 منطقة للصناعات التكنولوجية فى المدن الكبيرة والمتوسطة. وأنشئوا منطقة 》 يانجبو 《 على نموذج المناطق الحرة فى الدول الأجنبية.. واعتبروا عواصم المقاطعات ومناطق الحكم الذاتى والبلديات مدنا مفتوحة وعددها 31 منطقة.
    ***
    وفى الصين عشرات النماذج للنجاح فى تنفيذ سياسة الانفتاح وجذب الاستثمارات الأجنبية والزيادة فى حجم التصدير، ومقاطعة جيانجسو مثال على ذلك، فقد أصبحت خلال عشرين عاما من العمل الجاد من المقاطعات المتقدمة اقتصاديا وتكنولوجيا، وتحقق أعلى معدل نمو اقتصادى بين مقاطعات الصين.
    وكانت هذه المقاطعة قد بدأت فى سنة 1990 تنفيذ استراتيجية الانفتاح، وكانت جملة صادراتها فى سنة 1974 فى حدود 77 مليون دولار، ارتفعت فى عام 1990 فأصبحت 2949 مليون دولار، ثم قفزت فى عام 1996 لتصل إلى عشرة مليارات دولار، ومن يناير إلى أكتوبر عام 2000 أى خلال عشرة شهور فقط، وصلت الصادرات إلى 21 مليارا و13 مليون دولار.. ومع ذلك فإن المسئولين فى جيانجسو يتحدثون بتواضع عن هذه الأرقام المذهلة، ويقولون إذا كانت الصادرات قد وصلت خلال 23 سنة إلى ما يزيد على 10 مليارات دولار سنويا وارتفع رقم الصادرات من 10 إلى 20 مليار دولار سنويا فى أقل من 4 سنوات، فإن هذا يدل على أننا نستطيع أن نحقق ما هو أكثر!
    ومقاطعة جيانجسو على الساحل شرق الصين قفزت بصادراتها من المركز الخامس إلى المركز الثانى على مستوى الصين، وتحولت صادراتها من السلع التقليدية إلى المنتجات الصناعية ذات التكنولوجيا المتقدمة، وبعض شركاتها خرجت لإقامة فروع لمصانعها فى دول أخرى مثل مجموعة 》 قواندا 《 التى أنشأت مصنعا فى كمبوديا ومجموعة أقامت مصنعا فى الولايات المتحدة لتجميع أجهزة D.V.D. ومجموعة 》 جينشنج 《 التى أنشأت مصنعا لتجميع الدراجات البخارية فى كولومبيا، وشركة 》 جيانجسو 《 لإنتاج اجهزة القياس التى أنشات مصنعا فى الاكوادور.. وبذلك تصل الصناعات الصينية إلى داخل الأسواق فى الدول الأخرى، وتنافس بأسعار أقل من السلع المثيلة، وفى نفس الوقت تصدر هذه المقاطعة الأجهزة التكنولوجية الجاهزة للخارج..
    وحتى أكتوبر عام 2000 أنشأت مقاطعة 》 جيانجسو 《40053 شركة باستثمارات أجنبية ومشتركة وفيها 12 شركة يزيد حجم صادرات كل منها على مائة مليون دولار..
    وفى هذه المقاطعة مناطق للتنمية التكنولوجية المتقدمة، ومركز لأبحاث تطوير التكنولوجيا، وفيها 2200 مؤسسة كبرى للتجارة الخارجية، و2460 شركة ومكتبا للتصدير، والهدف الآن أمام هذه المقاطعة أن يصل حجم صادراتها عام 2005 إلى 40 مليار دولار.. وعندما يأتى عام 2005 وتحقق رقما أقل من ذلك فسوف يكون الحساب عسير لكل المسئولين فى هذه المقاطعة.
    ***
    وفى الصين تسمع وترى وتلمس من المسئولين عن تحديث البلاد وتنفيذ سياسة الإصلاح والانفتاح والتكنولوجيا ما يدل على الجديدة الشديدة، مثلا مدير عام شركة الإنتاج شاشات التليفزيون يخصص إنتاجها بالكامل للتصدير قال: إن السر فى تقدم الصين أنها أصبحت تحترم أصحاب الخبرة والكفاءة، والمجتمع الذى لا يحترم أصحاب الكفاءة ولا يقوم بإعداد أصحاب الكفاءة العالية سيظل مجتمعا متخلفا عن غيره ولن يتقدم أبدا، والمجتمع الذى يعتمد على استيراد التكنولوجيا الجاهزة من الآخرين ولا ينتقل إلى مرحلة إنتاج التكنولوجيا ويعمل على تكوين الخبراء والعلماء والمهندسين بالمستوى العالمى سيظل مجتمعا كسيحا يزحف وراء غيره إلى الأبد وينتظر الصدقات من القادرين.
    وقد تأثرت بهذه الكلمات وأعتبرت أننى وضعت يدى على أحد أسرار المعجزة الصينية.
    ***
    هكذا نفذوا سياسة الانفتاح بالتدريج.. خطوة خطوة.. وكلما تأكدوا من نجاح تنفيذ مرحلة انتقلوا إلى المرحلة التالية.. تطبيقا للحكمة الصينية التى تقول وأنت تعبر النهر يجب أن تتأكد أن قدميك تلمسان الأحجار فى القاع. وهى حكمة تماثل الحكمة المصرية القديمة التى لا تنفذها والتى تقول يجب أن تتأكد وأنت تسير أنك تقف وتسير على أرض صلبة.. أو الحكمة العربية التى تقول: 》 قدر لرجلك قبل الخطو موضعها 《 وكانت فلسفتهم فى التدرج هى اختبار آليات السوق فى نطاق محدود لمعرفة تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية، للاستفادة من الإيجابيات والسلبيات وتفادى الأخطاء عند الخطوة التالية فى التوسع، وعندما يتأكد نجاح التجربة فى بعض المناطق تكون هذه التجربة هى القاطرة التى تسحب باقى عربات القطار.. ولذلك بدءوا الانفتاح بالمناطق الاقتصادية الخمس، ثم أعقبتها المدن الساحلية ذات الاتصال الباشر بالعالم الخارجى منذ فترات طويلة بحكم الموقع، وقد حققت هاتان الخطوتان نجاحا كبيرا فى جذب الاستثمارات الأجنبية، وتحققت فى هذه المناطق الخمس معدلات غير مسبوقة فى التنمية، نتيجة لإعطاء الحكومة صلاحيات اقتصادية وإدارية للسلطات التنفيذية لهذه المدن.. والنجاح يقود إلى مزيد من النجاح.. وهكذا تشجعت الحكومة الصينية على خوض التجربة بصورة أكثر حماسا وجرأة فى سنوات التسعينات.. وبدأت فى قبول التحدى.. بالسعى إلى استيراد ونقل التكنولوجيا الحديثة وخاصة فى مجالات الإلكترونيات والصناعات الدقيقة لكى تحقق طفرة تشجع باقى المدن والمقاطعات على تحقيق الحلم بدخول عصر التكنولوجيا المتقدمة.. وجعلوا من المناطق الجديدة مثل منطقة 》 بودونج 《 رمزا للسياسات التفضلية فى تجربة الانفتاح والإصلاح الاقتصادى.
    ***
    هذه الكيانات التى 》 تطبق سياسة الإصلاح والانفتاح 《 لم تكن منفصلة بعضها عن بعض، ولكن بينها تداخل كبير.. فالمناطق الاقتصادية الخاصة الحديثة تقع داخل أربع مقاطعات، والمدن الساحلية التى تطبق فيها سياسات الانفتاح تضم مناطق للتجارة الحرة، ومناطق لتنمية الاقتصاد والتكنولوجيا، منطقة جديدة مثل 》 بودونج 《 هى ضاحية جديدة أضيفت إلى مدينة شنغهاى.. وهكذا نفذت سياسة الإصلاح والانفتاح فى حلقات متداخلة جغرافيا وإداريا تتوزع بين المقاطعات، والبلديات، ومناطق الحكم الذاتى، وفى النهاية فإن الدولة حاضرة دائما وليست غائبة، وفى منتهى اليقظة وليست نائمة!
    والصينيون يعتبرون أن المناطق الاقتصادية الخاصة هى الأساس الذى تم البناء عليه فى تجربة الإصلاح الاقتصادى والانفتاح، وهذه المناطق نجحت نجاحا مذهلا فى جذب الاستثمارات الأجنبية، وتشجيع قيام شركات ومصانع يخصص إنتاجها للتصدير.
    وهذه المناطق الخاصة التى بدأت بخمس مناطق ظل إنتاج مصانها مخصصا للتصدير للخارج، وتتجمع فيها مراكز البحث العلمى لتطوير الإنتاج، والمصانع ذات التكنولوجيا العالية، ومراكز التجارة والبنوك والاتصالات والخدمات المتصلة بالتجارة والنقل والشحن والتصدير، والخدمات اللازمة للمستثمرين. وفى هذه المناطق نظام خاص للإدارة الاقتصادية.. وتشجيع المستثمرين الأجانب يصل إلى حد منحهم أفضلية فى الضرائب أكثر مما فى المناطق الأخرى، وفيها أيضا تسهيلات فى الدخول إلى الصين والخروج منها لا تخضع لشروط ونظام الدخول والخروج فى سائر أنحاء الصين.. وأعطت الحكومة لهذه المناطق صلاحيات واسعة فى مجال الإدارة الاقتصادية وعينت فيها سلطة خاصة لإدارتها تتمتع بالمرونة وحرية الحركة.. وتخضع فى النهاية للحساب على النتائج!
    ومن خلال هذه المناطق استطاعت الحكومة الصينية تجربة النظام الرأسمالى وآليات السوق لكى تقرر ما ستفعل بعد ذلك لتطوير وتنمية باقى الأقاليم، وجذبت الاستثمارات الأجنبية بصورة مباشرة ومن خلال تعاون مشترك بين رأس المال الصينى والأجنبى، ونجحت فى استيراد التكنولوجيا المتقدمة، واستعانت بخبراء فى الإدارة من أوربا واليابان، وتوسعت فى المعرفة والاحتكاك بالأسواق العالمية، وبالنظم المالية والمصرفية العالمية الحديثة، وحققت زيادة هائلة فى الصادرات وزيادة فى الدخل من العملات الأجنبية، وفتحت طريقا آمنا لزيادة التعاون الاقتصادى والتجارى على المستوى الدولى.
    ***
    وإذا أردنا أن نستفيد بأكثر النماذج نجاحا فى تجربة الانفتاح فى الصين، وأكثرها تشابها مع منطقة شمال غرب خليج السويس فى مصر فعلينا أن ندرس نموذج منطقة 》 بودونج 《 وهى تقع على ضفاف نهر اليانجتسى بمساحات من الأرض واسعة وموارد طبيعية متنوعة، وكثافة سكانية، وتتوافر فيها البنية الأساسية اللازمة للمشروعات الصناعية والزراعية.. والأرض والأيدى العاملة رخيصة.. وفيها أعداد كبيرة من العلماء والكوادر الإدارية والفنية المدربة.
    ويقولون إن جوهرة منطقة دلتا نهر اليانجتسى هى مدينة شنغهاى، ومعهم حق لأن شنغهاى قريبة الشبه بمدينة نيويورك، الخدمات فيها على أعلى مستوى.. وناطحات سحاب.. كل بنوكالعالم الكبرى.. ولكن المهم أن منطقة بودونج الجديدة التى أنشئت مؤخرا شرقى شنغهاى اصبحت هى المركز الرائد فى هذه المنطقة وأكثر مناطق الصين انفتاحا الآن، وسيؤدى وجودها إلى تحويل شنغهاى إلى مركز اقتصادى ومالى وتجارى عالمى ينافس نيويورك، وفرانكفور، ولندن، وتتحقق بذلك طفرة فى اقتصاديات دلتا نهر اليانجتسى وهى الآن أكثر المناطق الصينية جذبا للاستثمارات الأجنبية.
    قد اختاروا منطقة بودونج بالذات لتستفيد من موقع شنغهاى وفيها ميناء تجارى عالمى، وأيضا لتوافر الكوادر الفنية والعمالة المدربة الماهرة الرخيصة.. شنغهاى هى قبلة العقول والخبرات من كل أنحاء الصين وفى جميع المجالات.
    وهذه منطقة 》 بودونج 《 الجديدة منحت الحكومة للمستثمرين فيها مزايا تفصيلية أكثر من المزايا الممنوحة فى المناطق الأخرى.. فالرسوم الجمركية أقل على بعض السلع وبعض السلع الأخرى تتمتع بالإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية، وكذلك يتمتع المستثمرون فيها بإعفاءات من الضريبة الصناعية والتجارية، وضريبة الدخل، والضرائب المحلية، ورسوم تراخيص الاستيراد والتصدير.. الخ.
    وأكثر من ذلك تمسح الصين لرجال الأعمال الأجانب بإنشاء مؤسسات مالية، وفتح محال ومراكز تجارية، وشركات للخدمات، وتقوم بإدارة هذه المنطقة سلطة خاصة مستقلة لا تخضع لحكومة شنغهاى، وتدير ملطات المدينة أمورها بحرية كاملة ولا ينطبق على المدن الكبيرة والمتوسطة خضوع للسلطة المركزية فى بكين.. ويرأس سلطة منطقة بودونج عمدة.
    ومنطقة بودونج الجديدة تتكون من 9 أحياء أو مناطق أساسية:
    منطقة للتجارة والبنوك والمؤسسات المالية الكبرى، ومنطقة لتصنيع منتجات التصدير، ومنطقة للتجارة الحرة، ومنطقة للصناعة، ومنطقة للصناعات التكنولوجية الدقيقة، ومنطقة للزراعة الحديثة التى تستخدم الأساليب العلمية، ومنطقة سكنية غاية فى الدمال ومليئة بالحدائق والنافورات والتماثيل وبالمدارس والملاعب والأندية والكازينوهات والمطاعم، ومنطقة ثقافية وسياحية مليئة بالمكتبات والجامعات والمدارس ودور السينما والمسارح ومدينة الملاهى، ومنطقة الحديقة المركزية وهى جنة على الأرض يمكن للأطفال أن يلعبوا فيها اليوم كله دون ملل، ويمكن للكبار أن يقضوا فيها وقتا جميلا ويتنفسوا هواء نقيا.. باختصار إن منطقة 》 بودونج 《 فيها كل ما يطلبة المستثمر الأمريكى أو الأوروبى أو اليابانى، بحيث لا يشعر بأى فارق أو يقص فى مستوى التعامل والمعيشة والنظافة عما تعود عليه فى بلده حتى ملاعب الجولف وأندية ركوب الخيل والسباق.. الخ.
    والنتيجة أن منطقة التجارة والمال فى وسط بودونج ومساحتها 28 كيلومتر مربع أصبح فيها 75 مؤسسة مالية منها 45 مؤسسة مالية أجنبية تشمل 20 بنكا أجنبيا من أكبر البنوك فى العالم ومسموح لها بالتعامل بالعملة المحلية فى معاملاتها، وطبعا لها كامل الحرية فى تحويل النقد الأجنبى دخولا وخروجا، وهناك 6 أسواق للأوراق المالية على المستويين المحلى والإقليمى، وفيها فروع لشركات الاتصالات العالمية الكبرى مثل الكاتيل، وسيمنز، وغيرهما من الشركات متعددة الجنسيات،، وفيها مراكز تجارية.. وفيلات وقصور للمليونيرات من المستثمرين.. وكل مستثمر يجد كل ما يطلبه!
    والمنطقة الصناعية فى بودونج التى يخصص كل إنتاجها للتصدير تقع فى القلب ومساحتها 20 كيلومتر مربع، وفيها 350 مشروعا صناعيا برأسمال صينى خالص، أو أجنبى خالص، أو مشترك، والاستثمارات فيها تبلغ عشرة مليارات دولار، ورأسمال أى مشروع فيها لا يقل عن 25 مليون دولار.. وفيها أيضا 115 مشروعا صناعيا تعمل كلها بكامل طاقتها الإنتاجية ويحقق إجمالى إنتاجها ما يعادل 4 ملايين دولار، و77% من هذه المشروعات تستخدم أحدث الأجهزة المتطورة وتكنولوجيا عالية من أشهر الشركات التى أقامت مصانع لها فى هذه المنطقة، وأكثر الصناعات متخصصة فى صناعات الاتصالات، والإلكترونيات، والأجهزة الطبية الدقيقة، والهندسة الوراثية، والكمبيوتر، وإنتاج السيارات من معظم الشركات الألمانية والإطالية والأمريكية واليابانية.
    اما المنطقة المخصصة للتكنولوجيا العالية فتبلغ مساحتها 17 كيلومتر مربع، وفيها معامل البحث العلمى، والمصانع التى تستخدم التكنولوجيا فى مجالات جديدة على الصين مثل الأدوية الحيوية والجينية، والشرائح الإلكترونية الدقيقة، وتكنولوجيا المعلومات، وأقيم فيها حتى الآن17 مشروعا تستخدم تكنولوجيا حديثة جدا من 48 مشروعا حصلت على الترخيص بالعمل فى هذه المجالات الدقيقة ومنها مجال إنتاج البرمجيات، وبلغ الإنتاج فى مجال تكنولوجيا المعلومات أكثر من 150 مليون دولار.
    أما منطقة التجارة الحرة فى بودونج فهى قريبة من مصب نهر اليانجتسى ومساحتها عشرة كيلومترات مربعة وفيها مخازن الشركات العملاقة متعددة الجنسيات مثل I.B.M. للكمبيوتر، وJ.V.C وفيليبس، وموتورولا، وميتسوبيشى، وفيها عدد كبير من صالات العرض التجارية ومصانع منتجات التصدير. وفيها 3700 مشروع برؤوس أموال 4 مليارات دولار من بينها مليارا دولار استثمارات أجنبية مباشرة.. ووصل حجم التجارة من صادرات وواردات هذه المنطقة الحرة فقط ثلاثة مليارات و500 مليون دولار.. ولزيادة حجم التجارة الخارجية لهذه المنطقة بلغت خطوط شحن وتفريغ السفن 6 خطوط طاقتها 675 ألف طن سنويا زادت 37% فى سنة واحدة.
    هكذا حققت بودونج أهدافها بنجاح.. جذبت الاستثمارات الأجنبية بصورة مدهشة.. وأقيمت فيها مشروعات جعلتها منطقة جذب عالمية.. ومنطقة تصدير هائلة.. بالإضافة إلى ما حققته من زيادة دخول العاملين فيها منننن أبناء الصين، وزيادة نصيب البلاد من العملات الأجنبية.
    وهذا ما يجعلنا ندرك كيف أستطاعت الصين أن تصل برقم الاحتياطى من النقد الأجنبى إلى 190 مليار دولار.
    هكذا فعلت الصين فى المناطق الحرة ما لم نفعله نحن فى بورسعيد وفيها مقومات نجاح لم نحسن استغلالها، وما لم نفعله فى عشرات المناطق الحرة التى تحولت عندنا إلى مجرد مخازن، ومنافذ للتهرب من الرسوم الجمركية والضرائب، وتهريب السلع إلى السوق المحلية من الأبواب الخلفية.
    ومع ذلك، ما زالت أمامنا الفرصة لنستفيد من تجربة الصين ونعيد بورسعيد مرة أخرى لتكون مدينة حرة للصناعة والتصدير للخارج، وليست مدينة للاستيراد من الخارج والتهريب إلى السوق المحلية.. أمامنا الفرصة بشروط.
    ونستطيع أن تجعل المنطقة الحرة التى يجرى إنشاؤها الآن فى شمال غرب خليج السويس مثل المنطقة الحرة فى بودونج؟
    أعتقد أننا نستطيع – ولم لا؟! – إذا فعلنا ما فعلته الصين.
    فالمعجزة قابلة للتكرار.. إذا تكررت عوامل وجودها.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

12-02-2009, 08:36 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    التعليم هو البداية

    كان موعدى مع وزيرة التعليم مقررا ضمن البرنامج قبل الزيارة بشهور، ولكنى فوجئت عندما وصلت إلى بكين باعتذار من مسئول من الوزارة لأن الوزيرة خارج بكين وقد التحقت بدورة دراسية فى الحزب.. وقلت لمحدثى مازحا: أرجو أن تنجح الوزيرة فى الامتحانات.. ثم سألته: وماذا يحدث إذا لم تنجح؟
    قال محدثى جادا: لا.. إذا لم تنجح فهذه مشكلة.. الوزير الذى لا ينجح فى دراسة مبادئ وفلسفة وبرنامج الحزب يفصل فورا.. منصب الوزير منصب سياسى.. فكيف يتولى هذا المنصب وكيف يستمر فيه من لا يملك عقلية سياسية، ورؤية سياسية، وخبرة سياسية؟.. أعتقد أن هذا عندكم أيضا.
    قلت له: طبعا.. عندنا ما هو أكثر.. الوزراء عندنا قيادات سياسية ويتمتعون بخبرة سياسية نادرة، وقلت لنفسى: أرجو ألا يكون على علم بالحقيقة!.
    وكان موعدى فى هذا اليوم فى وزارة التعليم لألتقى بالمسئول عن تطوير التعليم فى الصين البروفيسور مانشنج زهو، وكان شاغلى أن أتعرف على سر المعجزة التى حققتها الصين.. المعجزة التى جعلتها تنتقل من بلد متخلف، جاهل، أمى، إلى بلد صناعى وتكنولوجى فيه مئات الآلاف من حملة الدكتوراه فى الدرة والاتصالات والصناعات الدقيقة ذات التكنولوجيا العالية. ماذا فعلوا حتى وصلوا إلى درجة المنافسة فى البحوث العلمية مع أمريكا ودول أوربا؟.
    فى نفس اليوم كان لشبكة 》 الصين اليوم 《 تقرير بعنوان 》 الصواريخ الموجهة الصينية أصبحت فى المقدمة عالميا 《.. قالت فيه إنه بعد أربعين عاما من العمل الشاق، والابتكار، والتطوير أصبحت الصواريخ الموجهة الصينية فى المقدمة، وجاء هذا تتويجا للعمل الجاد وبخطة طويلة المدى، فى سبتمبر 1961 أنشىء المعهد الثالث للعلوم وصناعات الفضاء كقاعدة للبحوث العلمية، والتصميم، والإنتاج التجريبى للقذائف الصاروخية الموجهة، بدأت هذه البحوث فى ظروف صعبة للغاية، فلم تكن هناك سابقة خبرة، ولم يكن ممكنا الحصول على المعرفة والتكنولوجيا من الدول المتقدمة التى تفرض السرية على أسرار التقدم العلمى والاختراعات وتفرض الحظر على وصول أية معلومات تساعد الدول النامية على تحقيق أية خطوة لها قيمة فى تقدمها العلمى، ومع ذلك فقد نجح هذا المعهد، خلال خمس سنوات، فى إنتاج الجيل الأول من القذائف الموجهة أرض – بحر، واستغرق الوصول إلى هذا الصاروخ.. وعلى أساسس حصيلة البحوث والنتائج فى هذه المرحلة نجح المعهد فى إنتاج أكثر من عشرين طرازا من عدة أنظمة للقذائف الفضائية الموجهة وصلت إلى المستوى العاملى وفى استخدامت متعددة، وتم تطوير هذه الصواريخ حتى أصبحت صغيرة الحجم، وعالية الدقة، ولديها القدرة على مقاومة التشويش، والانطلاق على ارتفاعات منخفضة جدا.. وكان هذا نجاحا جعل الصواريخ ا لموجهة التى تنتجها الصين فى المقدمة على مستوى الدول الكبرى.
    وقال لى أحد خبراء أكاديمية البحث العلمى فى بكين إنه بعد تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح، دخلت صناعة الصواريخ الموجهة مرحلة جديدة من التطور، فبعد نجاحنا فى إنتاج الجيل الأول من القذائف الموجهة جو- بحر، والجيل الأول من القذائف الموجهة المضادة للسفن الحربية وهى قذائف ذات محرك تستخدم نوعا من القيود الصلب من إنتاجنا، بعد ذلك وصلنا إلى إنتاج قذائف موجهة على ارتفاعات منخفضة جدا، وتنطلق بسرعة أكبر من سرعة الصوت، ثم أنتجنا نوعا آخر من هذه الصواريخ تصل إلى مدى أبعد.. وأصبحت لدينا 》أسرة كبيرة《من الصواريخ الفضائية الموجهة متعددة الطرازات والأنظمة..
    بعد ذلك حققت الصين مرحلة أعلى فى تطوير القذائف الفضائية الموجهة معتمدة فى ذلك على قدراتها، وعلى علمائها ومعاملها، وحولت المعهد الثالث للعلوم والصناعات الفضائية إلى معهد من نوع آخر.. كانت مهمة هذا المعهد فى البداية إعداد البحوث والتصميمات وإجراء التجارب لمحركات الصواريخ، والقوى المحركة الهوائية، فأصبح معهدا للبحوث فى تصميم وإنتاج واختبار الصواريخ بكميات كبيرة.. سواء الصواريخ الفضائية الموجهة المضادة للسفن الحربية أرض بحر، وبحر- بحر، وجو- جو، والصواريخ الموجهة من عمق المياه إلى سفن حربية.. وعرضت بعض هذه الأنواع فى العرض العسكرى الذى اقيم فى العيد الوطنى الخامس والثلاثين والعيد الوطنى الخمسين.. وتم استخدامها جميعا فى المناورات العسكرية وحققت نجاحا فى الدقة وأصابت كلها الأهداف.
    وللصين الآن عدد من الأقمار الصناعية فى الفضاء، صناعة صينية مائة فى المائة.
    ***
    وكان طبيعيا أن يكون هذا المعهد هو البداية لمعرفة كيف حققت الصين هذه النهضة الكبرى التى يعتبرها بعض المراقبين معجزة.. وقيل لى إن هذا المعهد وحده حقق الكثير من الإنجازات وله إنتاج ملموس.. حتى إنه فاز بأكثر من ألف جائزة للتقدم العلمى والتكنولوجى على مستوى الدولة، وعلى مستوى وزارة الصناعات الفضائية.. (وبالمناسبة فى الصين وزارة متخصصة فى صناعات الفضاء وهى صناعات متعددة ومعقدة وليست صناعة واحدة وحققت طفرات أدهشت بها العالم)، كذلك فاز المعهد الثالث للعلوم والصناعات الفضائية بعدد كبير من جوائز الدولة للتقدم العلمى والتكنولوجى، وأصبح مصدرا من المصادر الأساسية لتوفير الاحتياجات العسكرية للصين، كما أصبح مصدرا مهما لتطوير الاقتصاد الموجه للخارج، وأقام علاقة جيدة للتبادل التكنولوجى والتعاون مع الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا.
    ***
    وفى صحف الصباح كان هناك خبر عن تحديث مؤسسات إنتاج برامج الكمبيوتر، و》السوفت وير《 وتخصيص اعتمادات كبيرة لهذا المشروع، وقال الخبر إن بكين وحدها فيها أكثر من 1500 مؤسسة لإنتاج برامج الكمبيوتر قيمة إنتاجها ثلث الناتج الوطنى الإجمالى، وقيمة صادرات هذه المؤسسات بلغ ثلثى حصيلة الصادرات من》السوفت وير《.
    وتحت عنوان 》 السيارة الصينية قد تصبح عالمية《 قالت الصحف إن أحد أنواع السيارات التى تنتجها الصين وأسمها 》 العلم الأحمر《 نفذت برنامجا لتطوير إنتاجها لكى تصل إلى مستوى منافسة السيارات الأوروبية واليابانية ويكون لها وضع أقوى فى السوق العالمية! وقال رئيس الشركة المنتجة لهذه السيارة إن التطوير سيتم بالتعاون مع شركات السيارات العالمية العملاقة للاستفادة بالتكنولوجيا ورأس المال، وهذه السيارة تنتجها الصين منذ سنة 1958 وكانت تعتبر السيارة السياسية أو سيارة البروتوكول لأنه لم يكن مسموحا لأى مسئول رسمى أن يركب سيارة من إنتاج بلد آخر غير الصين، وكان الرئيسان ماوتسى تونغ، ودنج سيا بنج لايركبان غير هذه السيارة، وعندما زار الرئيس نيكسون الصين فى الزيارة التى أعتبرت زيارة تاريخية وجد هذه السيارة الصينية فى اتنظاره ولم يركب الرئيس الأمريكى سيارة غيرها على أرض الصين.
    وكانت هذه السيارة أقل من السيارات الأمريكية والأوربية، ولكن فى السنوات العشر الأخيرة بدأت الشركة المنتجة لها فى تطويرها تطويرا شاملا، وأنتجت موديلات جديدة منها معتمدة على التكنولوجيا الأجنبية الحديثة، وأصبح إنتاجها يراعى متطلبات السوق وأذواق العملاء وقدراتهم المالية، فأنتجت موديلات تتفاوت اسعارها ابتداء من السعر الذى يناسب المواطن العادى إلى السعر الذى يناسب الطبقة الجديدة التى تبحث عن الفخامة والكماليات.
    وهكذا قبل أن أبدأ لقائى مع مسئول تطوير التعليم، ومع رئيس أكاديمية البحث العلمى وجدت أمامى الحقيقة: إن الصين دخلت عصر العلم والتكنولوجيا بقوة، وأصبحت لديها القدرة على المنافسة العالية، واستعدت لتحديات العولمة بدون كلام كثير وطنطنة فارغة.
    ***
    بدأ المسئول عن تطوير التعليم فى الصين بإعطائى فكرة عن أوضاع التعليم عموما، فقال إن الصين فيها 826 ألف مدرسة فى مراحل التعليم العام، و176 ألف مدرسة رياض الأطفال، وعدد الطلبة 244 مليون طالب منهم 22 مليون طفل، وهناك ملايين يتلقون تعليما منتظما دون أن يكونوا ضمن تلاميذ المدارس.. ولذلك فإن مشاكل التعليم فى الصين هى أكبر مشاكل من نوعها فى العالم من حيث الحجم والنوعية.. ومع ذلك فإن عملية تطوير التعليم تسير بقوة وجدية وبسرعة لأننا نسابق الزمن ونريد أن تلحق بالدول المتقدمة.
    وقال لى إن الحكومة طرحت استراتيجية جديدة للنهوض بالتعليم والبحث العلمى فى سنة 1995، وتقرر اعتبار تطوير التعليم هدفا قوميا أساسيا، لرفع كفاءة الاستعداد القومى، وتربية الكوادر، وعقد مجلس الدولة (مجلس الوزراء) مؤتمرا فى شهر يونيو 2001 لدراسة ما تم تنفيذه وأصدر المؤتمر قرارا بإعطاء الأولوية فى الدولة للتعليم، واعتبار التعليم الأساسى هى أهم مشروعات المرافق والبنية الأساسية للصين.. وقد بلغت نسبة المنتظمين فى المدارس الابتدائية 99.1% فقط لمن هم أقل من 45 سنة ونسبة الأمية فى الصين عموما فى كل الأعمار 13%.
    والتعليم إجبارى لكل طفل وطفلة فى الصين لمدة 9 سنوات، ومشروع محو الأمية ينفذ إجباريا، والاهتمام الآن بالتوسع فى التعليم الثانوى العام والمهنى بعد المرحلة الإعدادية، كما تشمل خطة الدولة زيادة فرص الالتحاق بالجامعات والتعليم العالمى، والآن ربع سكان الصين يتلقون التعليم والتدريب.. ربع السكان أى 306 ملايين مواطن- فهذا أكبرمما هى عليه الآن خلال 5 سنوات لأننا نعتبر أن المدخل لتحديث الصين هو التعليم.
    ولكن التعليم فى الصين – كما فى كل الدول – يواجه مشكلات، أولها انخفاض مستوى التعليم عموما، فالأرقام كبيرة، ولكن المسألة ليست بالكم. التقدم لا يتحقق إلا بتحسين نوعية التعليم، وتحسين نوعية الخريجين، ومدى صلاحيتهم للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة واحتياجات السوق، والسوق الآن لا تحتاج إلى مجرد خريج متعلم، ولكنها تحتاج إلى كفاءة عالية فى استخدامات الكمبيوتر ووسائل الاتصال الحديثة، وفى التسويق، وإدارة الإنتاج، والتعامل مع الأجهزة الحديثة، نحن نركز الآن على إعداد خريج يقدر على العمل الذى تعلمه بكفاءة، المشكلة أن هذا يحتاج أموالا كثيرة جدا.. جدا.. ولذلك فإن عملية إصلاح التعليم تقوم على أن تتحمل الدولة المسئولية الأكبر فى التمويل والاستثمار والإدارة لمراحل التعليم الإجبارى، أما التعليم غير الإجبارى، فإن الدولة تشرف عليه ولكن لا تتحمل التكلفة بالكامل، فى المدارس والجامعات الحكومية يتحمل الطالب جزءا من تكلفة الدراسة، وفى المدارس والجامعات الأهلية يتحمل التكلفة بالكامل، والفكرة الآن أنه بالنسبة للمجالات التربوية التى لا تقدر الحكومة على الإشراف عليها حاليا، يجب على الحكومة أن تترك للقطاع الأهلى العمل فيها. وهذا النوع من المدارس نسميه مدارس شعبية أو مجتمعية لأنه لا تهدف إلى الربح. وعلى الحكومة أن تركز على إصلاح النظام القائم فى إدارة التعليم وإدارة المدارس والجامعات.. ووضعت الحكومة تنظيما جديدا لإنشاء وإدارة المدارس الأهلية غيرالحكومية، وهى الآن تمثل 5% من حجم المدارس، والحكومة تشجع إنشاء مدارس أهلية فى جميع المراحل، لتخفيف الأعباء المالية الضخمة عن كاهلها، وفى نفس الوقت تواصل زيادة الاستثمار فى التعليم وخاصة فى مراحل التعليم الإجبارى.. وتتحمل الحكومة جزءا من تكلفة التعليم الجامعى والعالى والتعليم ا لثانوى العام الفنى ويتحمل الطالب جزءا من هذه التكلفة، ومع هذا ا لنظام لم يعد التعليم الثانوى والجامعى مجانا مائة فى المائة ولكن تقدم الحكومة منحا مجانية للمتفوقين، وتنفذ نظاما للقروض للدراسة، وتعطى للطلبة الفقراء فرصة التعليم مع إعفائهم من دفع نصيبهم فى التكلفة، والحكومة تشجع المجتمع المدنى على الاستثمار فى التعليم.. ونحن نعيد النظر فى المقررات والمناهج الدراسية وتطورها لتناسب العصر وتتفق مع أهداف الدولة فى النهوض بالصين.. نهتم بالتعليم المستمر مدى الحياة.. ونهتم بالربط بين الدراسة النظرية والتدريب العملى.. نحن نهتم الربط بين الإنتاج والبحوث العلمية والتعليم فى المدارس والجامعات.
    فى الصين الآن أكثر من 1000 جامعة رسمية و700 جامعة أهلية، والاهتمام كبير بالمكتبات، والعامل وتوفير أجهزة الكمبيوتر فى المدارس والجامعات بأعداد كافية.
    ***
    قلت مندهشا: لم أسمع من قبل أن التلميذ فى الصين يدفع جزءا من تكلفة الدراسة. كم يدفع التلميذ من هذه التكلفة؟
    قال المسئول عن تطوير التعليم فى الصين:
    أرجو أن تتصور الأعداد الهائلة التى تدخل كل سنة المدارس والجامعات.. إن عددالمقبولين فى الجامعات هذا العام بلغ مليونين و500 ألف طالب، فهل يمكن أن تتحمل الدولة كل التكلفة، مع تكلفة 233 مليون طالب منتظم فى مراحل التعليم الأساسى والثانوى؟.. الالتزام الآن بتوفير التعليم الأساسى لمدة تسع سنوات مجانا وتتحمل الدولة التكلفة بالكامل، والدولة تتبنى مجانية التعليم الأساسى حيث لا يدفع التلميذ سوى ثمن الكتب الدراسية فقط، والمناطق الفقيرة فى 592 محافظة لها نظام خاص تقدم فيه الدولة تسهيلات للتلاميذ.. ونتيجة للتغير الاجتماعى مع سياسات الإصلاح والانفتاح ارتفعت مستويات المعيشة لقطاعات وفئات غير قليلة فى المجتمع الصينى وهؤلاء يفضلون إلحاق أبنائهم بالمدارس الثانوية الشعبية والأهلية.
    وقد بلغ عدد هذه المدارس حتى الآن 50 ألف مدرسة، منها 40 ألف مدرسة لرياض الأطفال، و7 آلاف مدرسة ثانوية، والمدارس الثانوية ليست ضمن التعليم الإجبارى، ولذلك فإن الطالب يدفع تكاليف الدراسة فيها بالكامل وهى فى المتوسط من 1400 إلى 1500 يوان (الدولار يساوى 8 يوانات).
    وقال: كذلك يدفع الطالب فى الجامعة بين 25% و30% من تكلفة التعليم بما يساوى مبلغا يتراح بين 4 آلاف يوان(500 دولار) و10 آلاف يوان (1250 دولار) ينويا. باختلاف الجامعات والتخصصات، كما يدفع ثمن الكتب وتكاليف الإقامة إذا كان مقيما فى مساكن الجامعة، والحكومة تقدم منحا دراسية مجانية للمتفوقين، وتقدم القروض للطلبة المحتاجين لقروض.. وكان فى الصين 300 جامعة تخضع للإشراف المركزى أصبحت الآن 150 جامعة، وهناك 70 جامعة تشرف عليها حكومات المقاطعات.
    وقال: أما الدراسات العليا فهذا موضوع آخر.. فالدولة تتحمل نفقات الدراسة والأبحاث والتدريب لطلبة الماجستير والدكتوراه.. وقد بلغ عدد رسائل الماجستير 200 ألف رسالة حتى الآن، لأن الدولة تشجع أصحاب المواهب العلمية والقادرين على البحث والابتكار فى جميع المجالات. وفى الصين 787 مركزا للأبحاث بعد الدكتوراه، ووصل عدد الباحثين بعد الدكتوراه إلى 9700 باحث، وهناك 62 مركزا آخر للبحوث الخاصة بالإنتاج وتطوير الصناعات، وكثير من هؤلاء أصبحوا ركائز لبحوث وطنية وروادا فى الأوساط الأكاديمية والتكنولوجية وحصل 20% منهم على جوائز لإنجازاتهم العلمية، وتأسس صندوق لدعم شباب العلماء.
    وقال المسئول عن تطوير التعليم فى الصين:
    إن عدد الذين يعملون فى مجال التعليم فى الصين الآن يبلغ 14 مليونا بين معلم وموظف وإدارى، وعدد تلاميذ الفصل فى الابتدائى 18 تلميذا، وفى التطورات العلمية فى العالم، وإصلاح نظام الامتحانات، وإدخال نظم تكنولوجيا المعلومات وتطبيقها، وإصلاح الإدارة التعليمية وهذه مسألة مهمة جدا فى هذه المرحلة.
    ***
    وقال المسئول عن تطوير التعليم أيضا:
    إن الجامعات فى الصين لا تعتمد كلية على الدولة لتمويل احتياجاتها وكل جامعة لها موارد من أنشطة تقوم بها لتخصل على المال بإجراء أبحاث وتقديم خدمات للشركات والمصانع، وإقامة دورات تدريبية.
    وقال:
    كانت الحكومة تتحمل مسئولية تشغيل جميع الخريجين من الجامعات.. الآن كل خريج يبحث لنفسه عن العمل الذى يصلح له حسب احتياجات السوق.. ولم يعد هناك التزام من الدولة بإيجاد عمل لكل خريج، وفرص العمل موجودة لمن تتوافر فيهم الكفاءة المطلوبة.
    ***
    وقال لى أيضا:
    عندنا 800 ألف كمبيوتر فى 70 ألف مدرسة متصلة بالإنترنت وعندنا 10 ملايين تلميذ يتعاون مع الكمبيوتر يوميا أثناء الدراسة، وأصبح التعليم بالتليفزيون عن طريق الأقمار الصناعية جزءا من عملية التطوير، وعندنا 104 محطات تليفزيونية تعليمية على مستوى المقاطعات والمدن و3 قنوات تعليمية تغطى الصين كلها عن طريق الأقمار الصناعية.
    ***
    قلت: عندنا يشكو الآباء من ثقل حقيبة المدرسة.. ويطالبون كل سنة بتقليل المناهج وتقليل عدد الكتب والواجبات المدرسية.. هل هذه الشكوى عندكم أيضا؟
    - لعلك لاحظت فى الساعات الأولى من الصباح يملأ التلاميذ الشوارع يخطوات سريعة حاملين على أكتافهم حقائب ثقيلة، وبالدراسة وجدنا أن حقيبة تلييذ الابتدائى وزنها من 5 إلى 8 كيلوجرامات، وحقيبة تليمذ الإعدادى أكثر من 10 كيلوجرامات، وفى كل حقيبة بالإضافة إلى ذلك كراسات الواجب المنزلى وأوراق اختبار ومفكرات جيب.. والتلاميذ يتحملون ما هو أكثر من ثقل الحقائب.. إنهم يتحملون القيام بواجبات منزلية وامتحانات تجريبية كثيرة جدا.. واليوم الدراسى فيه 7 أو 8 حصص بالإضافة إلى فترة قراءة إجبارية خارج المقررات قبل الدراسة وبعد الدراسة.. وبعض التلاميذ يحضرون دروسا اضافية مجانية فى يومى الراحة، والأعياد والعطلة الصيفية وإجازة نصف السنة، وبعض المدرسين يعاقبون التلاميذ بإجبارهم على نسخ نصوص الكتب عشرات المرات.. حقيقة إن كثرة الواجبات جعلت التلميذ مثقلا ولا يتمتع بأوقات فراغ، خصوصا مع اقتراب الامتحانات حيث تزداد كميات الواجبات المنزلية، فيصعب على التلاميذ حتى الحصول على الوقت الكافى للنوم، وهذه الحقائق ظهرت لنا من نتيجة دراسة إحصائية قام بها مركز بحوث الشباب والأطفال عام 99 .. ومن هذه الحقائق أن أوقات أداء الواجبات المنزلية يوميا تجاوزت كثيرا المعيار الذى حددته الدولة. فالدولة حددت أن تكون الواجبات المنزلية لتلميذ الابتدائى فى حدود نصف ساعة يوميا، ومن الصف الرابع إلى السادس تصل إلى ساعة كاملة، وفى الإعدادية تكون الواجبات المنزلية فى حدود ساعة ونصف ساعة يوميا، وحددت الدولة أن يحصل الطالب على 9 ساعات نوم يوميا، ولكن ظهر أن نسبة غير قليلة تتجاوز واجباتهم هذه الحدود بكثير وتقل ساعات نومهم عن 7 ساعات. وقد اعترف المسئولون فى وزارة التعليم بأن تخفيف أعباء التلاميذ ليس موضوعا جديدا، بل إنه قضية يهتم بها كل وزير للتعليم، ولكن لم تجد حلا رغم مرور سنوات على إثارة هذا الموضوع.. قامت وزارة التعليم بتصفية الكتب وإلغاء 39 كتابا، وقررت يقوم التلميذ بالإنتهاء من الواجبات فى داخل المدرسة.. وعلماء الاجتماع والتربية قالوا إن كثرة الواجبات والمذاكرة سوف تظل ما دام نظام التعليم موجها للامتحانات فقط، ونادوا بإصلاح النظام الحالى للامتحانات وتقييم التلاميذ.. المشكلة أن كل أب يريد أن يدخل ابنه الجامعة.. ولذلك نضغط الآباء والمعلمون على التلاميذ لرفع مستواهم ليحصلوا على درجات عالية تؤهلهم لدخول الجامعات.. وعموما فالموضوع يمثل إحدى المهمات والتحديات أمام التعليم فى الصين فى القرن الجديد.. ولكن لابد أن نضع فى اعتبارنا أن الصين تريد أن تتفوق.. وتريد أن يكون أبناؤها على درجة عالية من التعليم والإلمام بما يستجد فى العالم فى مجالات العلوم.. القرن الجديد ليس فيه مكان لأنصاف المتعلمين.. أو أنصاف الأكفاء.. إنه قرن العلم، والقوة، والتفوق، والكفاءة، والتعليم الجيد هو الذى يحقق لنا ذلك.
    ***
    قلت: والعلاقات التعليمية بين مصر والصين؟
    قال: هناك تعاون كبير.. وزير التعليم المصرى معروف فى الصين جيدا، وقد زار الصين أكثر من مرة واشترك فى مؤتمرات دولية عقدت فى بكين، وطرح الإنجازات التى حققتها مصر لتطوير التعليم، وكان حديثه موضع اهتمام وفود الدول المشاركة فى هذه المؤتمرات، وكذلك تمت ترجمة كتابه عن التعليم والمستقبل واستفدنا كثيرا من هذا الكتاب، وبين مصر والصين اتفاق ثقافى منذ سنة 1962 ويتم تجديده كل 3 سنوات وكان آخرها فى ديسمبر 2000 ويسرى حتى 2004، ووفقا لهذا البرنامج يتبادل البلدان 20 منحة تعليمية سنويا، وتخصص المنح المقدمة من الصين لدراسة اللغة الصينية ولدراسة الماجستير والدكتوراه فى المجالات العلمية المختلفة، وكلما انتهت منحة أحد الدارسين يحل محله دراس آخر وهكذا.. والمنح المصرية تخصص للدراسة فى الأزهر الشريف، ويرشح لها الطلبة من الجمعية الإسلامسة الصينية وهى منح سنوية.. وقد تطورت العلاقات المصرية الصينية فى مجال التعليم فى السنوات الأخيرة بتشجيع من الرئيس مبارك والرئيس زيمن.
    ***
    هكذا كان الحديث مليئا بالمفاجآت..
    فى الصين مدارس غير حكومية.. وفى الصين (آخر قلعة للاشتراكية فى العالم) يدفع التلميذ جزءا من التكاليف بعد المرحلة الإلتزامية.. لم يعد التعليم عندهم مجانا كالماء والهواء.. ماذا حدث فى البلد الاشتراكى الوحيد فى العالم الآن؟!
    جاءتنى الإجابة من الصحفى 》هاو لى ونج《وهى أن المفاهيم حول التعليم تغيرت تدريجيا فى السنوات العشرين الأخيرة نتيجة التغيرات الاقتصادية.. كانت الحكومة وحدها هى التى تنشئ وتدير وتمول جميع المدارس فى جميع مراحل التعليم حتى الجامعات.. الآن أصبح الأفراد ينشئون جامعات كأفراد أو كجماعات، ويحصلون على دعم جزئى من الحكومة، وأكثر من ذلك تسمح الصين الآن بوجود مؤسسات تعليمية أجنبية.. التغير الآخر يحدث الآن فى المفاهيم والقيم الاجتماعية حول التعليم.. كان الطالب الذى لا يجد مكانا فى التيار الرئيسى فى المجتمع، عمل محترم، ويصعب عليه أن يجد مكانا فى التيار الرئيسى فى المجتمع، ولا يكون أمامه إلا أن يرث مكانة والديه الاجتماعية وينضم إلى صفوف العمال الزراعيين، أو الحرفيين وغيرهم من فئات المجتمع الدنيا، ولذلك يبذل الأبوان كل ما يملكانه ويحرمان نفسيهما من كل شىء لتوفير فرصة التعليم الجامعى للابن (بالمناسبة ليس مسموحا لكل أسرة بأن يكون لها إلا طفل واحد فقط) ومع مئات وعشرات الملايين من التلاميذ فإن الفرصة محدودة، والامتحانات صعبة لكى تفرز أفضل العناصر للتعليم الجامعى، وفى ظل هذا الوضع ظهرت الجامعات الأهلية منذ عشر سنوات كفرصة أخرى لمن لم يجدوا فرصة فى الجامعات الحكومية.. والجامعات الأهلية فى الصين تواجه مشاكل تجعل مستوى الدراسة فيها أقل من مستوى الدراسة فى الجامعات الحكومية.. نقص الاساتذة ونقص الكفاءات الإدارية.. ونقص الخبرة للموظفين.. ولكنها مع ذلك تسير وتتحسن سنة بعد سنة.. وأصبح الاباء يعيشون حياة متقشفة ليوفروا مصاريف التعليم لأبنائهم.
    وعندما زرت مدينة شيان عاصمة مقاطعة شنشى فى غرب الصين قالوا لى إن فى هذه المدينة (التى يعتبرونها من المناطق المتخلفة) أربعين جامعة أهلية قبلت هذا العالم 120 ألف طالب جديد، وفيها ايضا معهد أهلى للترجمة يقبل الطلبة بعد الثانوية، وفى هذه المدينة متوسطة الحجم أربعون كلية أخرى حكومية يدرس فيها 200 ألف طالب.. وقالوا لى إن الحكومة مازالت تضدد فى التصريح بإنشاء جامعات أهلية جديدة وتضع لها شروطا الضمان مستوى التعليم فيها، ومع ذلك فإن خريجى هذه الجامعات الأهلية يعتبرون من الدرجة الثانية بالنسبة لخريجى الجامعات الحكومية.
    وقال لى مرافقى فى مدينة》شيان《:
    عندنا مثل يقول إذا أردت أن تحسن عملك فعليك أولا بإعداد آلة جيدة لتعمل بها، والآن نقول إذا أردت للصين أن تتقدم فلابد من البدء بإعداد الإنسان أولا.. ونحن نعيش فى عصر العولمة.. واقتصاد السوق.. والبقاء للأصلح.. وفى المنافسة العالمية لابد أن يكون الإنتاج الصناعى والزراعى والتكنولوجى على أعلى مستوى وإلا خرج من السوق العالمية.. فما بالك إذا كان المنتج هو الإنسان؟!
    إلى هذا الحد تغيرت الصين!..
    والصين الآن سوف تتغير أكثر وأكثر.. الذين رأوها منذ خمس سنوات سوف تفاجئهم التغيرات الهائلة التى حدثت فيها.. والذين سيزورونها بعد سنة واحدة تنتظهرهم مفاجآت أكبر.. لأنهم فى الصين يعملون.. ويعملون.. وعيونهم على المستقبل.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

15-02-2009, 09:19 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    سرالتقدم
    فى أغسطس 2001 أقيمت فى بكين دورة الألعاب الأولمبية العالمية لشباب الجامعات واشتركت فيها أكثر من 100 دولة، وفى حفل افتتاح الدورة فوجئت وفود الدول المشتركة، كما فوجئ مشاهدو التليفزيون فى أنحاء العالم بانطلاق صاروخ أمامهم يحمل قمرا صناعيا، ارتفع إىل مسافة خمسة كيلو مترات فى الفضاء، ثم هبط من القمر الصناعى صاروخ مندفع فى اتجاه الاستاد إلى أن وصل بالضبط إلى الشلعة فأصابها، فأضاءت الشعلة معلنة بدء الدورة.
    وكانت هذه أول مرة يشاهد العالم هذه الطريقة لإضاءة شعلة بدء دورة رياضية، إذ تقوم كل الدول المتقدمة بإضاءة الشعلة بلهب يحمله بعض اللاعبين أو بإطلاق أشعة الليزر. ولكن الصين أرادت أن تقدم أمام هذا التجمع الدولى حدثا يؤكد أنها وصلت إلى مستوى متقدم جدا فى علوم وتكنولوجيا الفضاء، حتى إن بعض المعلقين قالوا إنها، أرادت أن تعلن أنها أصبحت مستعدة لحرب الفضاء، وأن لديها تكنولوجيا متقدمة للصناعات الخاصة بهذه الحرب.
    وفى المعرض الدولى لتكنولوجيا المعلومات الذى تنظمه وزارة صناعة المعلومات تقدم الصين سنويا آخر منتجاتها فى صناعة تكنولوجيا المعلومات، والكمبيوتر، والبرمجيات، والوسائط المتعددة، و》 الفيديو كونفراس《، والاتصالات السلكية واللاسلكية، وشبكات الإنترنت، والجيل الجديد من التليفون المحمول، والأجهزة المنزلية بتكنولوجيا جديدة.
    وهذا يعنى أن الصين وصلت إلى درجة من التقدم العلمى والتكنولوجى جعلتها قادرة على التحدى والمنافسة وإقامة معرض تقدم فيه مع الدول الكبرى آخر ما وصلت إليه من تقدم فى تكنولوجيا المعلومات وتقف معها موقف الند وتقول للعالم: لم تعد الفجوة بيننا وبين الدول الكبرى واسعة فى الابتكارات العلمية وإنتاج التكنولوجيا المتقدمة.
    وهذا المستوى الذى وصلت إليه الصين لم يأت مصادفة، ولكنه جاء بعد عمل شاق وصامت عشرين عاما أقامت خلالها العديد من المراكز العلمية بأحدث الأجهزة والمراجع، وأعدت كوادر للبحث العلمى والتكنولوجى مؤهلين ومدربين وحاصلين على أعلى الدرجات العلمية من الجامعات الكبرى فى الدول المتقدمة، وهم ثمرة سياسة التوسع الكبير فى إيفاد البعثات للحصول على الدكتوراه والتدريب فى الولايات المتحدة ودول أوربا، حتى إن عدد العالمين فى ميادين العلوم والتكنولوجيا وصل الآن إلى ما يزيد على مليونين و100 ألف، منهم مليون ونصف مليون من العلماء والمهندسين، ويزيد الإنفاق الحكومى على هذه المراكز العلمية والتكنولوجية على 16 مليار دولار سنويا.
    ونتيجة لذلك نجحت الصين فى عام 1999 فى إطلاق أربعة أقمار صناعية وتصنيع الصواريخ من مختلف الأنواع، كما نجحت فى إطلاق أول سفينة فضاء صناعة صينية 100% أطلقت عليها اسم 》 شين تشو《 تم إنتاجها بناء على أبحاث وتصنيع صينى، وجعلت ذلك رمزا إلى ما وصلت إليه من تقدم فى أبحاث وتكنولوجيا الفضاء، وقدرتها على إرسال إنسان إلى الفضاء فى عام 2005 كما هو مقرر. وبذلك تكون ثالث دولة فى إرسال بشر إلى الفضاء بعد الولايات المتحدة وروسيا، بعد أن أطلقت سفينتى فضاء عامى 1999 و2001 تحملان حيوانات.
    ***
    وهذا التقدم فى البحث العلمى والتكنولوجى صاحبه تركيز على تطبيق معايير الجودة على المنتجات حتى بلغ عدد الهيئات المختصة بفحص الجودة 5500 هيئة مركزية على مستوى الصين كلها وعلى مستوى المقاطعات والمحافظات والمدن الصناعية.
    وعندما أردت زيارة وادى السيلكون فى الصين اكتشفت أنه ليس واديا واحدا أو اثنين ولكن عدة أودية تكنولوجيا منها مثلا وادى السيلكون فى منطقة》 تشونجوانتسون《.. وهى من أشهر معالم بكين باعتبارها مركز تجمع لعدد كبير من شركات العلوم والتكنولوجيا المتقدمة، ومنها أيضا وادى السيلكون فى جنوب غرب الصين فى مدينة》 تشنجدو《 الذى أقيم فى عام 1990 لتكنولوجيا المعلومات وصناعة الأجهزة الخاصة بها. وفى هذا الوادى معهد فرعى للأكاديمية الصينية للعلوم، و70 كلية ومعهدا عاليا وأكاديمية للبحوث وأشهرها كلية 》سيتشران《باسم المقاطعة التى يقع فيها هذا الوادى. وبفضل ما يحققه وادى السيلكون من ابتكارات أصبحت مدينة تشنجدو أكبر سوق تجارية للمنتجات الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات، والمبتكرات فى الأجهزة الإلكترونية للمكاتب والشركات، ومنتجات الكيمياء الحيوية، وفى هذا الوادى مركز للاستشارات الفنية والتكنولوجية، ومركز لإعداد الكوادر، وسوق تجارية كبيرة لمنتجات المصانع المقامة فى الوادى، وهى تعتبر ثانى أكبر سوق للكمبيوتر فى الصين، بعد سوق وادى السيلكون فى غرب بكين، وفى هذا الوادى عشرات الشركات المتخصصة فى إنتاج الأجهزة التكنولوجية والإلكترونية الدقيقة، والكمبيوتر، وشهد هذا الوادى مهرجان ا لكمبيوتر الدولى الأول عام 1998 والمهرجان الثانى عام 2000، وأصبح من المهرجانات الدولية، والجديد فى هذا الوادى أن الجامعات شريكة فى إنشاء شركات إنتاجية لضمان التكامل بين البحث العلمى وتطبيقاته العلمية فى تطوير الصناعات الدقيقة والحديثة وإنتاج معدات وأجهزة جديدة بتحويل براءات الاختراع إلى واقع.
    ***
    وبجانب كل هذا فإن فى وادى السيلكون فى مدينة 》 تشنجدو《 صناعات ضخمة للأدوية الصينية، وبجانبها معهد لأبحاث العقاقير والأدوية والأعشاب التقليدية، وفى هذا الوادى أيضا مركز للتجارب الذرية، ومصانع لإنتاج الأدوية البيولوجية، وقطع غيار السيارات، والدراجات البخارية، وفيه كذلك 846 مشروعا إنتاجيا أقيمت باستثمارات أجنبية، وتحولت المنطقة كلها من منطقة زراعية إلى منطقة صناعية متقدمة، وخصصت فيها منطقة للزراعة المنوذجية بالتكنولوجيا الحديثة، وفى هذه المنطقة أيضا 5 كليات متخصصة للدراسات العليا للدكتوراه وما بعد الدكتوراه، وتنظم الشركات فى هذه الوادى الملتقى السنوى لشركات الإنترنت. وبكل هذه الإمكانات تجذب رجال الأعمال الأجانب ليستثمروا فيها باعتبارها نموذجا ناجحا للتزاوج بين ابتكارات البحث العلمى وتطبيقها فى صناعات جديدة، حتى بلغ عدد البحوث العلمية التى تحولت عمليا إلى منتجات أكثر من 200 مشروع، وفى هذا الوادى أكبر شركة منخصصة فى شراء حقوق الملكية الفكرية مثل إنتاج أجهزة التليفون العمومى بالبطاقات الذكية، وفى هذا الوادى مصنع لشركة سيمنز المعروفة لإنتاج الكابلات الخاصة بالأجهزة المرئية، وفى مشروع تنمية هذا الوادى يجرى إنشاء》 مدينة التعليم《 وتضم مجموعة الجامعات والمعاهد ومدينة سكنية متكاملة مساحتها 46 كيلو متر مربع للمعلمين وأساتذة الجامعات والطلبة.
    ***
    وفى مدينة 》 شنيانج《 القديمة حقق الصينيون معجزات أخرى بتحويلها إلى مدينة حديثة لا تقل عن المدن الأوروبية. وفى هذه المدينة تم إنتاج أول طائرة مقاتلة صينية، وأول محول عملاق للجهد الكهربائى، وأول إنسان آلى ذكى، وبهذا التقدم الهائل أصبحت المدينة فى العربة الأمامية فى قطار التطور الاقتصادى السريع الذى ينطلق من محطات كثيرة فى الصين.
    ومدينة شنيانج أصبحت أيضا قاعدة للصناعات الثقيلة، ومركزا للاستثمار الصينى والأجنبى فى البحوث العلمية والتكنولوجية، وفيها 22 كلية ومعهدا منها 13 للعلوم الطبيعية، وفيها أيضا 139 هيئة حكومية للبحوث العلمية بالإضافة إلى 167 مركزا للبحوث تابعة للشركات الإنتاجية، ولذلك تحتل هذه المدينة المركز الأول فى عدد براءات الاختراع التى سجلتها وحولتها إلى منتجات جديدة، وهى أيضا الرتبة الأولى عىل مستوى الصين كلها فى عدد الصفقات وقيمة صادراتها من المنتجات التكنولوجية 4 مليارات دولار سنويا تشمل تكنولوجيا المعلومات والمواد الجديدة، والمنتجات البيولوجية والأدوية، ومنتجات توفير الطاقة وحماية البيئة، والآلات الزراعية الحديثة، والإنسان الآلى الذكى، وفى هذه المدينة 423 مدرسة، و5 أحياء سكنية للمعلمين. وكما قال عمدة المدينة》 نريد تربية أحسن، وتعليما أكثر تطورا وكفاءة، ولذلك فلا بد من توفير بيئة أفضل لهذا التعليم المتميز《.
    ***
    شركة واحدة هى شركة》 هوالينج《 تنتج 8 ملايين جهاز تكييف فى السنة بالتعاون مع شركة ميتسوبيشى اليابانية، وصادرات هذا الشركة 30 مليون دولار سنويا.
    ***
    ويقولون فى مقاطعة》قواندونج《 إن قلة عدد الباحثين والخبراء وأصحاب الكفاءة من المتخصصين كانت هى العقبة أمام تنفيذ برنامج》التقدم فى العلوم والتكنولوجيا《 فى البداية عام 1958، ولكن الآن أصبحت》قواندونج《 فى المرتبة الثالثة بعد شنغهاى وبكين، والهدف المحدد لهذه المقاطعة الآن هو أو تلحق بالنمور الآسيوية الأربعة، وفى طريقها لتحقيق هذا الهدف زادت المنتجات ذات التكنولوجيا الجديدة العالية بنسبة 52% وأصبحت تنتج الصواريخ والأقمار الصناعية بالإضافة إلى نصف إنتاج الصين من أجهزة ومعدات الكمبيوتر و20% من》الهارد ديسك《 و10% من الأقراص المنغنطة فى العالم، وتم التوصل إلى إنتاج مزيلات السموم بتكنولوجيا الهندسة الوراثية، كما أصبحت مركزا لإنتاج صناعات الكيمياء الحيوية، وتكنولوجيا المعلومات. والأجهزة الإلكترونية والمواد الجديدة، والأجهزة الكهروميكانيكية، وتنتج 1600 نوع من المنتجات التكنولوجيا الجديدة.
    ومن أجمل ما سمعته فى هذه المقاطعة أنها تعتمد على العقول أكثر مما تعتمد على الأموال والآلات، ولذلك أصبحت مركز جذب للموهوبين وأصحاب الكفاءات، ويردد المسئولون فيها المثل الصينى القديم الذى يقول》 إنك تحتاج إلى عشر سنوات لإنشاء غابة ومائة سنة لبناء إنسان《.. دلالة على أن بناء الكفاءات والقيادات العلمية والصناعية والإدارية عملية ليست سهلة، ويقولون أيضا إن بناء البشر يبدأ بتحسين التعليم، وليس المهم عدد المدارس والجامعات والأساتذة، المهم هو نوعية ما يحصل عليه الطالب من تعليم وهل يساعد على تكوينه العلمى وبناء عقله وشخصيته وكفاءته فى العمل بعد التخرج؟ ويقولون إن كل الدول فى العالم هدفها دون استثناء تحقيق التنمية الاقتصادية، ولكن كيف يمكن بناء اقتصاد قوى بدون بناء الإنسان القادر على تحقيق هذا الهدف؟..
    وهم يدركون جيدا أن الصراع العالمى على امتلاك القوة الاقتصادية لا يتحقق إلا بامتلاك القوة العلمية والتكنولوجية. وبالتواضع الصينى يقول حاكم المقاطعة: ما زالت أمامنا مسافة للوصول إلى مستوى الدول المتقدمة.
    هكذا حققت الصين قفزة واسعة فى مجالات العلوم والتكنولوجيا والصناعات الجديدة، والبداية كما قال المدير العام لمركز العلوم والتكنولوجيا》زو شنشنج《 إن مؤسسات البحث العلمى الصينية تعمل وهى على وعى بأنها ليس لديها وقت تضيعه، وإن دولا كثيرة سبقتها، وعليها أن تقبل التحدى، وتعمل بجدية على اللحاق بالعصر، وتطور الصناعات الخاصة بالتكنولوجيا المتقدمة وتكنولوجيا المعلومات، وقال أيضا: نحن نعمل تبكل طاقتنا لتقليل الفجوة بين الصين والدول المتقدمة فى ابتكار الأجهزة والوسائل الحديثة، وفى الابتكارات العلمية وتسجيل براءات الاختراع.
    وقال أيضا: لقد أقامت الصين أول معرض دولى لتكنولوجيا المعلومات فى عام 2001 لتقدم إتناجها إلى جانب الإنتاج العالمى وتبين للعالم أن الصناعات فى تكنولوجيا المعلومات أصبحت أكبر وأهم الصناعات فى اقتصاديات الصين والآن، وبلغ حجم الإنتاج 120 مليار دولار فى سنة 2000، وفى السنوات الخمس القادمة سوف يحقق هذا القطاع نموا بنسبة 25% وستضاعف حجم المبيعات عما وصل إليه عام 2000، فنحن نجرى.. ولانتوقف.. ولانبطئ سرعتنا رغم ما نلاقيه من صعوبات فى الحصول عىل التكنولوجيا المتقدمة وحقوق الملكيةن الفكرية من الدول الكبرى، وللتغلب على هذه المشكلة نشأت فى الصين شركات متخصصة للحصول على حقوق الملكية الفكرية من الدول المتقدمة، وإجراء أبحاث جديدة لتطوير الإنتاج الحالى بجهد العلماء والباحثين الصينيين وبخاصة فى صناعة الإلكترونيات والمعلومات، وقد بلغ عدد الاختراعات المسجلة فى الصين فى السنوات الثلاث الأخيرة فى الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات أكثر من 23700 اختراع، وتم تطبيق واستغلال 17% منها حتى الآن فى الصناعات القائمة، أما براءات الاختراع المسجلة لشركات أجنبية فهى تزيد 20 مرة على عدد براءات الاختراع الصينية، وتتصل بالتكنولوجيا الدقيقة مثل إنتاج أجهزة تخزين المعلومات إلكترونيا، وأجهزة الرصد والتتبع، والإلكترونيات ومعدات الاتصالات الجديدة، والتليفزيون الرقمى، وشبكات المحولات المتقدمة، والوسائط المتعددة، والفيديو كونفراس، الجيل الجديد من التلفون المحمول والكمبيوتر، والبرمجيات.
    والنجاح كما تكرر القيادة الصينية- أن يتم التواصل بين الابتكارات العلمية والبحث العلمى من ناحية وتطبيقها فى إنتاج صناعات جديدة وجيدة ومتطورة وتلبى احتياجات السوق العالمية بالمعايير التنافسية من ناحية أخرى.
    ولكى تضمن الصين الحصول على التكنولوجيا المتقدمة من الدول الكبرى أنشأت مركز التعاون العلمى والتكنولوجى عام 1982 تابعا لوزارة صناعة المعلومات. وهو متخصص فى تقديم المخترعات الجديدة فى مجالات الإلكترونيات، وتبادل المعلومات مع الدول الكبرى التى يمكن أن تستثمر فى الصين فى صناعة تكنولوجيا المعلومات، ويتعاون هذا المركز مع الجامعات ومراكز البحوث فى تقديم المشورة والخبرة والمعونة للمصانع لتطوير منتجاتها، وينظم المركز معارض دولية للصناعات التكنولوجية الحديثة، كما يتولى تدريب الكوادر فى الصناعات التكنولوجية لرفع كفاءتهم، ويستعين بخبراء ومستشارين فى المجالات التكنولوجية الجديدة من الدول الكبرى، ويعمل كوكيل لتصدير المنتجات التكنولوجية الصينية، وتقديم المعلومات والخبرة للدول الأخرى، فهو يعمل فى اتجاهين : الحصول على أحدث ما فى العالم من تكنولوجيا للاستفادة بها فى الصين، وتصدير التكنولوجيا الصينية لمن يطلبها من الدول النامية، ويعمل بالتعاون، مع مراكز البحوث والجامعات المنتشرة فى الصين ومع أكاديمية العلوم وأكاديمية تطوير الصناعة.
    ***
    التحول فى الصين يتخلى فى انتشار شركات إنتاج شبكات الكمبيوتر ومنها شركات باستثمارات أمريكية، واستخدام الإنترنت يزداد انتشارا فى الصين، وانتشرت معه التجارة الإلكترونية عن طريق الإنترنت، ووصل عدد المشتركين فى الإنترنت إلى أكثر من 7 ملايين مشترك، رغم أن قيمة الاشتراك فى الإنترنت فى الصين مرتفعة، ويعملون على أن يصل عدد المشتركين فى الإنترنت إلى 30 مليون مشترك فى عام 2003.
    وشركات إنتاج شبكات الإنترنت نواجه مشكلات فى نقص التمويل ونقص الكفاءات الفنية والإدارية بما يكفى لهذا التوسع الهائل فى المشروعات، ولذلك يبذلون جهودا كبيرة فى جذب الاستثمارات والكفاءات الأجنبية للعمل فى الصين، ويقدمون لها التسهيلات والإغراءات لكى تصبح الصين》 جنة المستثمرين《 فى العالم.
    ***
    البحث العلمى هو سر التقدم فى الصين.. فقد نجحوا فى تنظيم مؤسسات ومراكز البحث العلمى، ووضعوا لكل منها أهدافا محددة، وبرنامجا زمنيا، وتوسعوا جدا فى إرسال بعثات للدراسة فى الدول الكبرى، ويذهب الآلاف من الطلبة والباحثين كل سنة للدراسة فى الولايات المتحدة والدول الأوروبية، كما أنشئوا مراكز متخصصة للحصول على الاختراعات والتكنولوجيا الجديدة من كل مكان فى العالم، وفروا لكل مشروع عوامل النجاح من تمويل وأجهزة وباحثين تتوافر فيهم الكفاءة ويعملون بحماسة وشعور بأنهم يقومون برسالة وطنية.
    وفى حوار مع المدير العام لوزارة البحث العلمى》 يوان شو جوانج《 حول استراتيجية البحث العلمى وطريقة العمل فى الوزارة وفى مراكز ا لبحث العلمى المختلفة، قال إن الوزارة هى المشئولة عن تطوير البحث العلمى والتكنولوجى فى الصين، وتضع خطة خمسين تلتزم بتنفيذها أمام قيادات الدولة، وهى تنفذ الآن الخطة الخمسين العاشرة 2001-2005 وتتضمن إدخال التكنولوجيا الحديثة فى الصناعة حتى تصل إلى المستويات العالمية، ومتابعة نتائج أعمال مراكز البحث العلمى وتتضمن إدخال التكنولوجيا الحديثة فى الصناعة حتى تصل إلى المستويات العالمية ومتابعة نتائج أعمال مراكز البحث العلمى العديدة المنتشرة فى أودية السليكون والمقاطعات والمناطق الخاصة والملحقة بالمصانع، والانفتاح على العالم للحصول على أحدث فى الدول المتقدمة من تكنولوجيا.
    وقال: إننا نهتم بالبحوث الأساسية والنظرية، ولكننا نركز اهتمامنا أكثر على البحوث التطبيقية لتطوير الصناعة والزراعة.. هدفنا تحويل نتائج البحوث إلى منتجات.. ونسعى إلى أن نعتمد على أنفسنا، ونوفر كل الضمانات لتنفيذ الخطط والبرامج كاملة وبدقة، ويجرى الآن تنفيذ مشروع لتطوير أكاديمية العلوم وإعادة بنائها، وزيادة الاستثمارات فى البحث العلمى، وزيادة مرتبات العلماء والخبراء والباحثين، وقال: إن للبحث هدفا رئيسيا هو تحسين المنتجات، ومسايرة التطور فى السوق العالمية، وتمويل البحوث يأتى الجانب الأكبر منه من الدولة، وجزء منه يأتى من عائد مشروعات تنفذها مراكز البحوث للمصانع والشركات، وعندنا عقود مع مؤسسات صناعية نقدم لها الاستشارات ونجرى لها الأبحاث التى تطلبها للارتقاء بمستويات الأداء وتحسين منتجاتها، وسياستنا قائمة على تشجيع الباحثين على بذل جهود أكبر، ونعمل على إثارة الحماسة والروح الإيجابية فيهم، وبدأنا تنفيذ أسلوب جديد لتشجيع الاختراع، وهو أن يكون للباحث الذى يتوصل إلى اختراع جديد الحق فى ملكية 20% من عائد هذا الاختراع، وليس لدينا مانع من أن يحصل الباحث على أموال كثيرة ما دام ذلك من عائد جهده.
    ووزراة البحث العلمى تعمل على إعداد أجيال من الباحثين ولها علاقات تعون مع الجامعات فى الصين ومع الباحثين فيها للحصول على الماجستير والدكتوراه، وبفضل هذه العلاقة فإن ما يصل إليه الباحثون فى الجامعات من نتائج تستفيد منه أكاديمية البحث العلمى لكيلا يكون هناك جهد علمى ضائع. ووزارة البحث العلمى تشجع الباحثين على السفر إلى الخارج، والاشتراك فى الدورات التدريبية، وحضور المؤتمرات العلمية الدولية، وزيارة مراكز ومعامل الأبحاث فى مختلف دول العالم، والاطلاع على أحدث ما توصلت إليه.
    والملاحظ أن الدارسين الصينيين فى الخارج يعودون إلى بلدهم فور انتهاء دراستهم، وكثير من العلماء الكبار الذين عاشوا فى الخارج فترة عادوا الآن للعمل فى الصين بعد أن تحسنت المستويات المالية للعلماء والباحثين، وتحسنت ظروف العمل فى مراكز الأبحاث، والعلماء والباحثون فى الصين يعتبرون الآن من ذوى المكانة الاجتماعية المتميزة. وقد انتهت المرحلة التى كان الباحثون فيها يعدون الأبنحاث النظرية من الكتب والمجلات العلمية، وسيعون إلى المال فقط، الآن أصبح الباحثون يركزون اهتمامهم فى البحوث ذات الطابع العملى التى تفيد فى تطوير الصناعة والإنتاج، ومن ناحية أخرى نحن نشجع الباحثين الشباب، وهدفنا تطوير المنتجات القائمة، واستحداث منتجات جديدة وتغيير الهيكل الصناعى فى الصين بتكنولوجيا حديثة مع مراعاة الظروف الخاصة بنا بالنسبة للموارد المالية، ونراعى ألا يكون الإنفاق أكبر من الحدود المتاحة، وعلينا أن نجد حلولا لذلك، ونساعد على تعبئة الموارد البشرية فى البلاد.
    وفى الصين 242 مركزا ومعهدا للبحوث فى مجالات الصناعة والتكنولوجيا الحديثة يجرى إصلاح جذرى لها وفق آليات السوق، كما يتم إنشاء مركز استشارى جديد للمعلومات، ومركز لتطبيق نتائج البحوث، والمبدأ الذى يحكم العمل فى مجالات البحث العلمى أن الكفاءة يجب أن تجد التقدير ويكون لها مكان متميز، وأن تطوير التعليم هو الأساس ونقطة البداية لتخريج أجيال من أصحاب المواهب العلمية. ولذلك فإن التعاون بين وزارة البحث العلمى ووزارة التعليم مستمر لتحسين المناهج وطرق التدريس لتشجيع التلاميذ على الابتكار، كذلك نقدم مساعدات لخريجى الجامعات المتفوقين للحصول على الماجستير والدكتوراه، وأصبح لأكاديمية العلوم حق منح درجات الماجستير والدكتوراه، وتشجع الطلبة على الحصول على منح خارجية للتعرف على ما يجرى فى الدول الأخرى واكتساب خبرات جديدة تضيف إلى خبراتنا.
    وحين سألت عن مشاكل البحث العلمى فى الصين لخصها فى نقطتين: الأولى: عدم اهتمام بعض الباحثين بالبدء من حيث انتهى من قبلهم، أو التوصل إلى نتائج نظرية يصعب تطبيقها، والمشكلة الثانية هى بقايا الأسلوب القديم فى تقديم نتائج البحوث مراعاة فائدتها التطبيقية، ودون مراعاة آليات السوق. ونواجه المشكلتين بإصلاح هياكل مؤسسات البحث وتطوير أساليب العمل فيها، وتضييق الفجوة بين البحوث النظرية والتطبيق، وتشجيع شباب الباحثين لأنهم أكثر استجابة للتطورات الجديدة، وإعطاء الأولوية لتطوير التكنولوجيا المرتبطة بمجالات حيوية للدولة.
    وحين سألت: إن الدول الكبرى محتكرة للتكنولوجيا والابتكارات الحديثة، وتضع ستارا حديديا يمنع وصولها إلى الدول النامية، وفماذا تفعل الصين أمام هذه العقبة؟
    قال: نحن أولا ننتفح على العالم لمعرفة ما تمكن معرفته فى الدول الأخرى، وثانيا: نسعى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية فى المجالات التكنولوجية الحديثة، وثالثا: نشجع الخبراء الأجانب على العمل معنا والتعاون مع الخبراء الصينيين، ورابعا: نعمل على زيادة التبادل العلمى مع مراكز الأبحاث الكبرى فى الدول المتقدمة، وخامسا: نعمل على توفير الإمكانات والموارد الكافية لعمل الباحثين الصينيين لابتكار وتطوير التكنولوجيا المتقدمة ذاتيا.. نحن نعمل فى كل الاتجاهات.
    ***
    هكذا نعمل الصين بذكاء وتصميم وبجدية للانتقال بسرعة مدهشة من حالة إلى حالة.. من حالة التخلف إلى حالة التقدم، ليكون لها مكان بين الدول الصناعية الكبرى عن جدارة.
    والسر فى تقدم الصين كلمات من السهل معرفتها، وليس من السهل تحويلها إلى أسلوب عمل كما فعلت الصين مثل: الجدية، والإتقان، والثواب والعقاب دون تردد أو مجاملة، والتخطيط الجيد لعمل كل مؤسسة وكل فرد، والالتزام بتنفيذ الخطة بدقة والحساب على ذلك دون قبول تأخير أو تأجيل أو أعذار أو نقص.
    ولذلك أصبحت الصين النموذج الذى يجب على الدول النامية دراسته جيدا لمعرفة سر التقدم قبل أن تبدأ تنفيذ مشروعها للتحديث.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

16-02-2009, 12:09 PM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    جيل الشباب يتقدم
    قبل أن أبدأ رحلتى إلى الصين قيل لى إنها بدأت مرحلة تعتمد فيها على قيادات جديدة من الشباب الذين تم تعليمهم تعليما راقيا، وتم تدريبهم وتكوينهم وإعدادهم لتولى مسئوليات القيادة.. وقيل لى إنك سوف تفاجأ هذه المرة.. فقد كنت ترى كل القيادات من الشيوخ وكبار السن فى جميع المستويات، ولكنك سترى الآن قيادات من الشباب هى التى تعطى للعمل السياسى والاقتصادى الحيوية والتجدد، وهى التى تقدم أفكارا جديدة لاستكمال بناء الصين لتصبح قوة عظمى قبل أن ينتصف هذا القرن، وقد بدأ تنفيذ قانون جديد يحدد سن المعاش 60 سنة حتى درجة نائب وزير ويحال الوزراء أيضا للمعاش فى سن 65 سنة دون استثناء!
    وبعد أوصلت إلى بكين طلبت أن ألتقى بنموذج من هذه القيادات الشابة فرتبوا لى لقاء مع السيد جانج جى جين نائب الرئيس لدائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية بالحزب الشيوعى الصينى.. وكان مقررا لهذا اللقاء نصف ساعة ولكنه امتد – دون أن يدرى أحدنا – حتى استغرق ساعتين ونصف الساعة تقريبا.
    والسيد جانج جى جين حاصل على الدكتوراه فى جامعة لندن، ملىء بالحيوية، شديد الذكاء، على إحاطة تامة بتطورات الأحداث فى الشرق الأوسط، ومعجب بالتاريخ المصرى.. ولذلك قال لى فى البداية:
    - إن بيننا علاقات مشتركة قوية.. مصر والصين لهما تاريخ قديم، وحضارة قديمة.. نحن أصحاب الحضارات نفهم بعضنا بسرعة، لأن لنا جذورا فى التاريخ.. وكلانا عانى من الاستعمار والاستغلال والنهب، وكلانا بدأ عصره الحديث بثورة.. نحن فى سنة 1949 وأنتم فى سنة 1952، وفى الوقت الحاضر فإن الصين ومصر لكتيهما دولة نامية، وتواجه نفس التحدى، وهو التنمية الاقتصادية والاجتماعية.. الفرق الوحيد أن مساحة الصين 10 أضعاف مساحة مصر، وسكان الصين 1200 مليون نسمة وأنتم 65 مليونا، فالتحدى أمامنا أكبر، ومهمتنا أكثر صعوبة.
    وقال لى:
    - نحن دائما نقول إن الموارد البشرية هى الثروة الحقيقة لنا، وهى سر التفوق، ولذلك نهتم بتنمية هذه الموارد البشرية أولا، ونعمل على إظهار تفوق الإنسان وقدرته على التغلب على التخلف وآثار عصر الاستعمار.
    قلت له: ولكنكم استطعتم فى وقت قصير نسبيا غزو أسواق العالم بمنتجاتكم الصناعية، وكلما ذهبت إلى عاصمة أوربية أجد البضائع الصينية تملأ المراكز التجارية الكبرى، وهذا يعنى أنكم انتهيتم من مرحلة التخلف ودخلتم مرحلة التفوق الصناعى والاقتصادى والتكنولوجى.
    قال: من الممكن أن تكون المنتجات الصينية كثيرة فى الأسواق، ولكننى أعتقد أنها مازالت تحتاج إلى تحسين الجودة أكثر،، ونحن نصدر كثيرا ولكننا نصدر من منتجاتنا ما يملأ مائة طائرة ولا يكفى ثمنها لشراء طائرة بوينج واحدة.. نحن أمامنا مشوار طويل وشاق لنطور أنفسنا.. نحن نريد أن تكون لدينا القدرة على مواجهة تحديات العولمة.. ونحن واقعيون.. ولا نعطى لأنفسنا حجما أكبر من حجمنا الحقيقى.. فالصين دولة من دول الجنوب، ويجب علينا أن نعمل بكل طاقاتنا لنحقق التنمية.
    ***
    قلت: إن الدول النامية فى مرحلة كان لها تجمع فى حركة عدم الانحياز وكان للصين فيها دور قيادى، هل يمكن أن تقوم الصين بهذا الدور لتجميع الدول النامية لكى تواجه المخاطر معا بدلا من أن تواجهها كل دولة على حدة فلا تقدر على مواجهة العولمة والنظام الاقتصادى العالمى الجديد القائم على قوة وحيدة ومسيطرة؟
    قال:
    - هذا سؤال كبير.. سؤال يتعلق بالاستراتيجية.. ويتعلق بخصائص وظروف الوضع الاقتصادى والسياسى العالمى الآن.. إن الدول النامية تواجه صعوبات كثيرة ومعقدة.. وتحديات العولمة قوية.. فالدول المتقدمة تزداد قوة بالتكنولوجيا والتفوق العلمى، وهذا يجعل الدول النامية فى وضع ضعيف أمامها، وفى نفس الوقت علينا أن نسلم بأن عولمة الاقتصاد أصبحت طريقا حتميا ولا مفر منها لأية دولة، وكل دولة تريد تحقيق التنمية لا يمكن أن تفكر فى تجاهل حالة العولمة الاقتصادية أو تحاول الخروج عليها.. إلى أين تذهب؟ ليس أمام الدول النامية إلا أن تسير فى طريق العولمة لتحقيق التنمية.. وأعتقد أن على كل دولة من الدول النامية أن تبحث لنفسها عن طريق وعن حلول واقعية.. وهذا ينطبق على التنمية الاقتصادية، وعلى الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، والاستفادة من الاكتشافات والاختراعات الحديثة.. وينطبق أيضا على السياسة الخارجية والسياسة الداخلية.. ليس هناك طريق الآن إلا الانفتاح.. الانفتاح على العالم الخارجى.. والانفتاح فى الداخل.. لقد توصلنا إلى أن الدول النامية تحت الضغوط الأجنبية إذا لم تسارع بتطبيق سياسات الانفتاح فسوف تنهار.. فالتنمية الآن بدون الانفتاح الاقتصادى مستحيلة.. ويمكن أن تؤدى إلى الاضطراب السياسى.. وفى نفس الوقت فإن الدول النامية محتاجة لأن تتعاون معا.. هذا التعاون يعطيها القوة ويجعلها فى وضع أفضل مما لو وقفت وحيدة فى هذا العالم الجديد الذى لا مكان فيه إلا للأقوياء والويل للضعيف.. ولذلك فإن سياسة الصين قائمة على التعاون مع الدول النامية.. باعتبارها أكبر الدول النامية.
    ثم قال: نحن نواجه الكثير من المشكلات المعقدة.. مثلا فى عملية تطوير الاقتصاد نجد التكتلات الإقليمية تتطور، ففى امريكا الشمالية مناطق للتجارة الحرة، وفى أمريكا الجنوبية تكتل آخر، وفى دول أوروبا تكتل ثالث، وفى آسيا هناك تجمع دول جنوب شرق آسيا.. وهذه المنظمات الإقليمية تطور كل منها يختلف عن الأخرى، وكذلك يختلف تأثير كل منها عن الأخرى، والبعض يتخذ هذه التكتلات على أنها وسيلة لمواجهة المشاكل التى تهدده بالعولمة، وعلينا – مع الدول النامية – أن نحدد موقفنا ونقرر: هل سنتخذ هذه المنظمات الإقليمية كحل لنا من تهديدات العولمة.. المشكلة الأساسية أن الدول النامية عددها كبير ولكن قوة الاقتصاد فيها جميعا محدودة جدا، فإذا أرادت أن تؤثر فى السياسة العالمية، وفى الاقتصاد العالمى فإن ذلك يحتاج إلى جهد كبير، ووقت طويل، ويحتاج إلى أن يلتقى الخبراء والكوادر فى الدول النامية ليطرحوا مشاكلهم ويبحثوا معا عن أفضل الحلول الممكنة.. هكذا ترى أنك تطرح سؤالا الإجابة عنه صعبة!
    ***
    قلت: فلنطرح سؤالا الإجابة عنه سهلة.. عن أزمة الشرق الأوسط، كيف ترى ما يجرى فى هذه المنطقة البعيدة عنكم جغرافيا ولكنها قريبة منكم سياسيا؟
    قال:
    بالنسبة للشرق الأوسط نرى أن القضية الفلسطينية قضية مؤثرة جدا والأزمة بدأت تأخذ اتجاها خطيرا فى الفترة الأخيرة، لأن إسرائيل تتخذ أقصى درجات العنف، والحكومة الحالية رجعت بنا إلى الوراء خمسين سنة وأعلنت الحرب على الشعب الفلسطينى.
    قلت: وكيف ترى الموقف الأمريكى من الأزمة؟
    قال: الموقف الأمريكى تغير بشكل يثير الغضب فى الشارع العربى.
    قلت: وموقف الصين.. هل تغير؟
    قال: موقف الصين كما هو.. وهو معلن دائما فى كل المنظمات الدولية وفى كل المباحثات.. موقف الصين يؤيد حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولة مستقلة على أرضه.. هذا حق مشروع لكل الشعوب.. فلماذا لا يكون حقا للشعب الفلسطينى؟
    قلت: فى الفترة الأخيرة بدأ القلق فى العالم العربى، لأن الصين أصبحت لها علاقات اقتصادية واسعة مع إسرائيل.. فهل سيؤثر ذلك على الموقف الصينى سياسيا؟
    قال:
    - لا.. الموقف الصينى واضح ولا يتغير بإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع إسرائيل.. إن الصين فى الحاضر كما كانت فى الماضى، وكما ستكون فى المستقبل، الصديق المأمون للدول العربية.. ونحن نشعر بالقلق الشديد إزاء الكوارث التى تحدث فى الأراضى الفلسطينية من كلا الطرفين.. الإسرائيلى والفلسطينى.. الصين تعارض على الدوام اللجوء إلى العنف والقوة لحل المشاكل أو لتعويض الخسائر والكوارث بالإعتداء على الآخرين.
    ثم قال:
    نحن ندين بشكل علنى ما تفعله إسرائيل من قتل الشخصيات الفلسطينية مثلما فعلت مؤخرا مع أبوعلى مصطفى زعيم الجبهة الشعبية.. قد التقى الرئيس جيانج زيمن بالرئيس عرفات منذ فترة قصيرة وأوضح الموقف الصينى من هذه القضية.. وقد أتصل وزير الخارجية الصينى بوزير الخارجية الإسرائيلى وابلغه بالموقف الصينى بشكل واضح.. وبأننا نعتقد أن استمرار حالة الصدام والمجابهة بين الجانبين يؤدى إلى أن تصبح قضية الشرق الأوسط أكثر تعقيدا مما هى عليه الآن.. ونحن نعتقد أن المفاوضات هى الوسيلة الوحيدة للوصول إلى تسوية وحلول سلمية.. وباختصار فإن الموقف الصينى مع كل ما يؤدى إلى السلام والاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط، ونؤيد الشعب الفلسطينى فى حقه فى استعادة أراضيه.. وهذا موقف مع الحق والعدل ولن يتغير..
    ثم قال لى:
    - فى الحقيقة نحن نشعر بقلق تجاه الوضع فى الشرق الأوسط.. وأنت تعيش الأحداث فى المنطقة فقل لى ما تراه.. ومتى سوف يتحقق السلام فى الشرق الأوسط؟
    - قلت: بصراحة، الموقف كان واضحا قبل وصول الإدارة الجديدة إلى السلطة فى الولايات المتحدة، ووصول الحكومة الإسرائيلية. فأصبحت إسرائيل تقتل الفلسطينيين علنا ولا تخجل من ظهور ذلك على شاشات التليفزيون.. وتقتحم القرى بالدبابات.. وتضرب مقار السلطة الفلسطينية ومقار الشرطة الفلسطنية ومقار الحرس الخاص للرئيس الفلسطينى.. وتهدم البيوت.. وتجرف الزراعات.. وتهدد بالمزيد من العنف.. والشعب الفلسطينى يشعر أنه فى مصيدة.. ولا يستطيع أن يعبر عن رفض الحصار والاحتلال والعنف إلا بتفجير سيارة هنا أو هناك.. الضعيف حين يشعر بالظلم وانعدام العدالة لا يجد سلاحا إلا أن يفجر نفسه إعلانا عن حالة الغضب واليأس.. فى نفس الوقت بدأت الإدارة الأمريكية تتخلى عن دورها ومسئوليتها، وتتجاهل الوثائق التى وقعها الرؤساء الأمريكيون لانسحاب إسرائيل من مناطق فلسطينية ولم تنفذ، بينما نفذت إسرائيل العكس واحتلت أراضى فلسطينية جديدة وأقامت مستوطنات جديدة على هذه الأرض. الرئيس كلينتون كان يتابع بنفسه المباحثات بحثا عن تسوية.. وكادت المباحثات فى كامب ديفيد تصل إلى التسوية، ولكنها اصطدمت بأطماع إسرائيل فى ابتلاع القدس الشرقية والسيادة على الحرم القدسى.. وهذا خط أحمر لا يستطيع عرفات ولا يستطيع أى زعيم لدولة عربية أو إسلامية التسليم به.. والآن شارون يدفع الفلسطينيين ليصبحوا إرهابيين.. أو ليستسلموا ويقبلوا العيش فى ظل الاحتلال والحصار.. والولايات المتحدة لها مصالح كثيرة مع الدول العربية.. والإرهاب سوف يخرج عن نطاق السيطرة إذا لم يجد الفلسطينيون العدل.. ثم إن الولايات المتحدة تعتمد على الحكام ولا تريد أن تصدق أن الشعوب العربية أصبحت لها إرادة.. والرأى العام فى الدول العربية ينمو ويضغط على الحكومات، ولم تعد الحكومات والشعوب وفى هذه الحالة ستكون المصالح الأمريكية مهددة.. ولن تستطيع الحكومات أن تسيطر.. الشعوب كلها فى الماضى والحاضر والمستقبل تحارب الاحتلال.. الشعب المصرى حارب الاحتلال.. والشعب الصينى حارب الاحتلال.. والشعب الفرنسى حارب الاحتلال واعتبر ديجول بطلا قوميا لأنه قاد المقاومة ضد الاحتلال.. عرفات مثل ديجول.. وما يفعله الشعب الفلسطينى لا يختلف عما فعلته كل الشعوب التى ترفض الاحتلال وتسعى إلى التحرر.. الولايات المتحدة لا تقوم بدور كاف.. وتصريح هنا أو هناك.. ومبعوث يأتى ويذهب.. هذا لا يصلح لحل مشكلة معقدة وملتهبة كهذه.. وأوروبا أيضا لا تقوم بدور كاف.. ربما لأنها تدرك أن الحل بيد أمريكا وحدها.. والعرب لا يعرفون ماذا تريد إسرائيل؟.. ما هى حدود الدولة الإسرائيلية؟ وإذا كانت لا تحترم الاتفاقات المكتوبة فكيف يطمئن العرب إلى المستقبل؟.. باختصار فالمنطقة مليئة بالقلق والتوتر والأخطار..
    ***
    واستمع إلى السيد جانج جى جين باهتمام شديد، ثم قال:
    - إن محور إهتمام الدول الأوربية يتركز الآن فى البلقان وشرق اوروبا.. وقد قرأت فى الصحف أخيرا أن المختصين فى أوروبا يولون اهتماما بالشرق الأوسط، وأن الخبراء السياسيين الأوربيين يعتبرون أن منطقة الشرق الأوسط هى حدود لأوروبا ويريدون هذه الحدود آمنة.. فالأمن فى الشرق الأوسط مرتبط بأمن أوروبا.
    ثم قال لى:
    - ما رأيك فى الاتحاد الأوروبى؟.. هل يمكن أن يقبل الدول العربية الدور الذى يقوم به الاتحاد الأوروبى؟
    قلت وأنا أضحك: أرى أنك اصبحت صحفيا وتريد أن نتبادل المواقع.. أنا الذى أسأل وأحب أن أتعرف على وجهة نظركم..
    وضحك السيد جانج هى الآخر وقال:
    - هذا حوار.. وتبادل آراء.. وإجابة عن سؤالك أقول إننا نلاحظ أن الولايات المتحدة مهتمة بالشرق الأوسط بشبه جزيرة كوريا، إلى حد ما هذا يؤثر علينا، ومن ناحية أخرى نشعر بالقلق من نظام الدفاع الصاروخى الذى تزمع أمريكا تنفيذه ونريد أن نعرف ضد من سيكون هذا النظام؟.. وأيضا نشعر بالقلق من انسحاب أمريكا من معاهدة كيوتو الخاصة بحماية البيئة فى العالم.. نحن نشعر أن هناك تغيرات كبيرة فى السياسات الأمريكية مع الإدارة الجديدة.. بعض هذه التغيرات ظهر، وبعضها الآخر لم يتضح بعد، وكل الدول تولى اهتمامها بما حدث وما سيحدث من تغيرات.. ونحن أيضا فى الصين نولى اهتماما بلغا بهذه التغيرات.. هناك بعض المشاكل ظهرت فى العلاقات بين الصين وأمريكا مثل موضوع طائرة التحبسس الأمريكية.. وزيادة مبيعات أمريكا للسلاح لتايوان.. بعض الناس فى أمريكا يعتبرون أن الصين تهديد لأميكا.. ونتيجة لهذا الفهم تعثرت العلاقات ولم تسر فى طريق سلس خلال هذا العام، ونحن نكافح إزاء تصرفات أمريكا، وقد أعلنا موفقنا تجاه حائط الصواريخ الأمريكى، وأعلنا أننا لانتراجع فى القضايا المبدئية، وفى نفس الوقت أعلنا أننا نرغب فى تحسين العلاقات مع أمريكا.. وفى يوليو الماضى زار وزير الخارجية الأمريكى الصين وأعلن أن أمريكا لا تعتبر الصين عدوا لها، وأعلن أيضا رغبته فى تطوير علاقات بناءة مع الصين، وسوف ينعقد مؤتمر》أبيك《فى الصين فى أكتوبر الحالى وسيحضره الرئيس جورج بوش وسيزور بكين ويجرى مباحثات مع الرئيس جيانغ زيمن، وهكذا ترى أننا نولى بالغ الاهتمام بتطوير علاقاتنا مع أمريكا.. نحن من صميم قلوبنا نحاول تطوير العلاقات، ولكن لن نتراجع عن مواقفنا فيما يتعلق بالشئون الداخلية والقضايا التى تخص الصين.. ونتمنى أن تصل القمة الأمريكية الصينية إلى نتيجة إيجابية.. ونحن نقول إذا قدمت أمريكا احتراما أكثر للدول الأخرى فسوف تلقى احتراما أكبر من هذه الدول.. ولكن التعامل مع أمريكا ليس بالأمر السهل.
    ***
    قلت: لقد أشرت إلى موضوع التدخل فى الشئون الداخلية.. هذا يحدث بالنسبة لنا ايضا.. فى أمريكا هناك من يثيرون فتنة طائفية فى مصر ويستخدمون المبالغات الإعلامية لتضخيم أحداث عادية تحدث فى أمريكا ذاتها.. إنهم يريدون》دق إسفين《.. أو أن يكون لهم فى مصر》مسمار جحا《! مرة باسم الحرية الدينية، ولكن الهدف الحقيقى أن نظل فى موضع اتهام ونبقى فى موقف الدفاع.
    ***
    قال:
    مشكلة أمريكا تعتبر أن حضارتها هى الأفضل ويجب أن تسود العالم.. والعالم فيه حضارات متنوعة ومختلفة وأكثر عراقة وعمقا فى التاريخ من الحضارة الأمريكية.. الصين مثلا لها حضارة عمرها أكثر من 5 آلاف سنة.. ومصر لها حضارة عمرها 7 آلاف سنة.. مثل هذه الحضارات القديمة لها جذور ليس من السهل اقتلاعها، ولها قوة جذب.. تجذب الآخرين إليها بأكثر مما تنجذب هى إلى الآخرين.. ونحن لاننكر أن الحضارة الأمريكية لديها مميزات خاصة، ويمكننا أن نتعلم منها، ونتفاعل معها، وتاريخ الحضارة فى العالم قائم على تبادل التأثير والتأثر والتفاعل المتبادل بين الحضارات، ولكن لا يمكن لحضارة واحدة أن تحتل العالم كله.. فإن تصور إمكان تحقيق ذلك أمر مضحك جدا!
    وقال لى السيد جانج:
    - فكر معى فى هذا الأمر.. بالنسبة لدولة تريد تطبيق سياسة للتنمية وتسعى إلى السير إلى الأمام.. من الذى يحدد لهذه الدولة الطريق الأنسب لتسير فيه وتصل إلى هذا الهدف.. هل يحدده شعبها أو تحدده لها دولة أخرى؟ هذا هو السؤال المطروح فى العالم الآن، وإجابته عندنا أنه لا يوجد نموذج واحد للتنمية يناسب كل الدول.. ومن حق كل دولة، بل من واجبها، أن تختار الطريق الذى يناسب ظروفها وطبيعة شعبها وتاريخها.. الخ.
    وهناك أنظمة ونماذج للتنمية متعددة، يمكن أن تتواجد وتتعايش معا، ويمكن أن تتفاعل ويستفيد أحدهامن الآخر، ولكن لا يمكن فرض نموذج واحد على جميع دول العالم دون اعتبار للفروق بينها.. والنموذج الأمريكى فيه إيجابيات.. فالاقتصاد فى النظام الأمريكى أكثر حيوية ونموا، ولكن هذا النموذج فيه سلبيات، وسلبيات كثيرة.. مثلا تم القضاء على مبدأ العدالة الاجتماعية، وحدثت فجوة هائلة واستقطاب فى المجتمع.. أصحاب ا لملايين والمليارات فى ناحية.. والمحرومون موجودون فى الناحية الأخرى.. وهذا يؤثر على الاستقرار.. والقضية أن أمريكا تريد من كل دولة أن تطبق المنوذج الأمريكى بحذافيره وبجوانبه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأن تصبح كل الدول تابعة لأمريكا، وهذا النظام ليس معقولا ليس متوازنا ولذلك لن تقبله شعوب تريد نموذجا آخر يناسبها.
    ثم قال:
    باختصار نحن ندعو إلى أن يقوم نظام العولمة أولا على العدل كأساس للعلاقات الدولية السياسية الاقتصادية.. وثانيا على الديمقراطية.. وحرية كل شعب فى أن يقرر لنفسه الطريق والنموذج، وأن يكون القرار الدولى قائما على الديمقراطية أى على التشاور وليس على فرض الأمر الواقع بالقوة.
    ***
    هكذا يفكر الجيل الجديد من القيادات الشابة فى الصين التى بدأت تحتل مواقع بارزة فى العمل العام.. فى الدولة.. وفى الحزب...
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

21-02-2009, 07:13 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    Quote: الإعدام عقوبة الفساد
    عندما قابلت السيد لى تشينج رن النائب الأول لرئيس الجمعية الصينية للتفاهم الدولى، وفوجئت بأنه يتحدث اللغة العربية، ويتذوق النكتة المصرية، ويعرف الكثير عن أحوال مصر، ويحب أم كلثوم، والهرم، والنيل ونجيب محفوظ..
    وكان اللقاء وديا وكأننا كنا صديقين منذ سنوات والتقينا بعد طول الغياب.. وزال التحفظ بعد لحظات قليلة.. وانتهت كلمات الترحيب التقليدية.. وبدأ الحديث بيننا وكأنه سمر عائلى على العشاء.. وكان حريصا على أن يقدم لى أنواعا كثيرة من الطعام الصينى الشهير ويشرح لى مكونات كل طبق بالتفصيل.. ويكرر مع كل طبق: اطمئن.. ليس فى هذا الطعام كله لحم خنزير وليس فيه كولسترول!
    وبدأ الحوار بكلمات رقيقة عن علاقة الحب التى تربطه شخصيا بالعالم العربى عموما، وقد عمل لسنوات سفيرا لبلاده فى المنطقة العربية كان أطولها فى اليمن، وتعلم اللغة العربية فى هذه الفترة، وقرأ كثيرا عن التاريخ والأدب والشعر العربى، ثم تحدث طويلا عن سفيرنا فى الصين الدكتور نعمان جلال فقال إنه يتمتع بثقة واحترام كل القيادات فى بكين، وأنه خبير فى شئون الصين، ويتحدث هو وزوجته اللغة الصينية. ولذلك نشعر أن جسور التفاهم بيننا وبينه كثيرة، ونحن نلتقى كثيرا، والعلاقات بين السفارة المصرية وجمعية التفاهم الدولى وثيقة فلا يكاد يمضى أسبوع ويكون بيننا لقاء هنا أو هناك..
    والسيد لى تشينج رن من القيادات المهمة فى الحزب الشيوعى الحاكم، وكان نائب وزير فى الحزب. والآن يشغل منصبا غاية فى الأهمية فى لجنة فحص الانضباط المركزية فى الحزب، وهذه اللجنة تتابع سلوك كل عضو من أعضاء الحزب، ومدى انضباطه الحزبى، والتزامه بتنفيذ سياسات الخزب فى موقعه، كما تراقب الذمة المالية لكل عضو وتحاسب بمنتهى الصرامة العضو الذى تحوم حوله شبهات انحراف سياسى أو مالى أو استغلال للنفوذ أو ثراء غيرمشروع.. وتشدد الرقابة والحساب والعقاب على كل من يتولى منصبا كبيرا وخصوصا الوزراء.. ويتحدث أهل بكين عن وزير صدرعليه الحكم بالإعدام بعد ثبوت تهمة الفساد عليه.. وتستطيع أن تلمس أن الشفافية ونظافة اليد ومحاربة الفساد هى القضايا التى تحظى بالاهتمام الأكبر للقيادة الصينية، ويقولون إنهم يعرفون أن سياسة الانفتاح تتضمن إغراءات قد لا يستطيع مقاومتها ضعاف النفوس.. فهناك من لديهم استعداد لتقديم رشاوى وعمولات واقتسام الأرباح مع من يسهل لهم تحقيق الثروة بطرق ملتوية على حساب المصلحة العامة.. وفى المقابل لا بد أن تكون الرقابة دقيقة ومستمرة.. ولا بد أن يكون العقاب رادعا.. ولا بد أن يكون الجراء لمن يفسد الحياة الاقتصادية والسياسية درسا يجعل غيره يفكر ألف مرة قبل أن يسلك طريق الانحراف.
    ***
    قال لى السيد لى تشينج رن حين سألته عن》جمعية التفاهم الدولى《، إنها تأسست عام 1981، مع انفتاح الصين على العالم، وهدفها بناء جسور التفاهم والصداقة بين الصين وكل دول العالم، وقد تأسست من الحزب، وعدد من الجمعيات الأهلية المهتمة بالعلاقات الثقافية والخارجية، ومن عدد من الشخصيات البارزة فى المجتمع الصينى ومن المثقفين، ويشترك فى هذه الجمعية ممثلون من》الجمعية الإسلامية الصينية《، ومنذ تأسيس هذه الجمعية أقامت اتصالات وعلاقات مع أكثر من 200 حزب وتنظيم سياسى ومع عدد من المراكز والجمعيات المهتمة بالبحوث والدراسات فى السياسة الخارجية، وفى أكثر من 90 دولة، وتستضيف الجمعية عشرات الوفود من كل الدول وتتلقى دعوات لزيارة دول كثيرة، وتنظم ندوات ومؤتمرات دولية تدعو إليها الشخصيات الدولية البارزة فى كل الدول.
    وأول رئيس لهذه الجمعية كان من قادة الصين، والرئيس الثانى كان عضو المكتب السياسى للحزب كما كان وزير للخارجية فى أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، ورئيس الجمعية الخالى السيد لى كوى شيان هو نائب رئيس المؤتمر الاستشارى السياسى وهو من قادة الصين.. وهكذا ترى أن هذه الجمعية لها أهمية خاصة، لأنها اليد التي تمدها الصين لتصافح بها الشعوب وتقدم نفسها للعالم، لأننا نشعر بأن العالم لا يفهم الصين جيدا، وربما تكون المشكلة فى اللغة الصينية، وعدم دقة الترجمة فى كثير من الأحيان من اللغة الصينية إلى اللغات الأخرى، ونرى أن الاتصال المباشر، والعلاقات مع قادة الرأى العام هى أفضل وسيلة ليعرف هذا العالم الحقائق الغائبة لسبب أو لآخر.
    وحين سألته عن لجنة فحص الانضباط فى الحزبالحاكم، وهل صحيح أن الإعدام هو عقوبة الوزير الذى يثبت عليه الفساد؟
    قال:
    - نعم.. هذه اللجنة المركزية لعموم الصين.. وفى كل مستوى من مستويات الحزب لجنة مماثلة.. وقد حكم بالإعدام على شخصية قيادية كبرى بتهمة الفساد. وكان يشغل منصب نائب رئيس المجلس الوطنى لنواب الشعب، كما كان يتولى منصب رئيس حكومة الحكم الذاتى لمقاطعة كوان شى، حين تجمعت الشبهات حوله أجرى معه تحقيق دقيق جدا، كشف ثبوت التهمة عليه، وكان حكم الإعدام هو الحكم المناسب، لأنه يشفل موقعا رفيعا وبالغ الأهمية، وبقدر المنسب يكون العقاب على الانحراف، وفانحراف الصغار ليس كانحراف الكبار.. الكبار هم القدوة، والجميع ينظرون إليهم ويفعلون مثلهم، والمثل الذى يقول إن السمكة تفسد من رأسها مثل صينى قديم، وإذا فسد القادة والزعماء فسوف يصبح الفساد ظاهرة عامة ويخرب كل شىء.. لذلك فنحن نشدد على مبدأ الشفافية.. والطهارة.. ونحاسب بمنتهى الدقة.. والعيون مفتوحة على ما يفعله كل من يشغل موقعا قياديا فى الحكومة أو الحزب أو القطاع العام..
    قلت: وهل مجرد مثال.. أذكر مثلا حالة (شان سى تونج) وكان عضوا بالمكتب السياسى المركزى فى الحزب، كما كان الأمين العام للحزب فى العاصمة بكين، وكان من أعلى القيادات، وحوكم بالفساد وصدر عليه الحكم بالسجن 7 سنوات، وهو الآن فى السجن يقضى فترة العقوبة.. وطبعا فصل من كل مناصبه..
    قلت: وكيف تعمل لجنة فحص الانضباط؟.. ومن أين تبدأ..؟
    قال:
    اللجنة تتلقى شكاوى وبلاغات من الجماهير.. والناس يرون بعيونهم ويلمسون بأنفسهم.. ومصالحهم تتأثر بالانحراف والفساد.. المحسوبية.. استغلال النفوذ.. الثراء غير المشروع.. الرشوة.. محاباة الأقارب والأصدقاء.. تحقيق منافع مقابل تسهيل الاستيلاء على أرض أو تمرير صفقة.. كل هذه أمور لا تخفى كثيرا على أجهزة المراقبة وعلى الناس.. ونحن نتلقى الشكاوى، ونهتم بكل شكوى، ونأخذها مأخذ الجد، ونحقق فيها، فإذا ثبت أنها مجرد شكوك أو أوهام أو ليس عليها دليل تحفظ، وإذا ثبت أن هذا الشخص خرج على الانضباط الحزبى فإنه يفصل من الحزب فورا.. وإذا كان قد ارتكب مخالفات مالية أو جريمة جنائية تتعلق بالذمة فإنه يحال إلى الجهات القضائية لتتولى التحقيق وتتم محاكمته فى المحكمة المختصة وفقا للقانون.. لجنة فحص الانضباط فى الحزب مسئولة عن عقاب العنصر القيادى الذى يخرج على الانضباط الحزبى، أو يخالف مبادئ الحزب.. ولكن لهذه اللجنة مهمة أخرى هى التربية السياسية لأعضاء الحزب فى كافة المستويات، ودراسة لوائح الحزب فى المستويات المختلفة وتحديث وتطوير اللوائح التى تحتاج للتحديث والتطوير لكى تحقق للحزب الديناميكية ومسايرة التطورات التى تطرأ على المجتمع والفكر الصينى..
    وقال السيد لى تشينج رن:
    .. باختصار كوادر الحزب فى كل المستويات يخضعون للرقابة والمحاسبة.. وهناك قواعد تحدد امتيازات كل درجة ومن يحصل لنفسه على ما هو أكثر منها يخضع للمحاسبة.. مثلا كل من هو فى درجة وزير غير مسموح له بركوب سيارة فاخرة.. الكوادر فى مستوى وزير لهم طراز معين من السيارات.. ومثلا أموال الحزب أموال عامة ولذلك تخضع لأجهزة الرقابة والمحاسبة على الإيرادات والمصروفات..
    ***
    ثم سار بنا الحديث فى اتجاهات كثيرة.. كنت أسأل كثيرا لكى أعرف ماذا يجرى فى الصين، وكان يجيب بوضوح وبتلقائية ودون تحفظ وبقى فى ذاكرتى من إجاباته ما يلى:
    عندما كنت أدرس اللغة العربية فى جامعة بكين كنت أقرأ الصحف المصرية وما زالت هذه العادة تصاحبنى.. ولذلك فأنا أعرف كثيرا من الصحفيين المصريين من كتاباتهم، وأتابع القضايا المثارة فى الصحافة المصرية، وأجد فى كثير منها أنها قريبة من ا لقضايا المثارة فى الصين، ومثل الانشغال بالنظام العالمى الجديد، وانعدام العدالة، وازدواج المعايير، وضرورة تحقيق التوازن والديمقراطية العالمية باعتبارها قدرا لا يمكن الهروب منه. ولكن يمكن التعامل معه بتطوير أنفسنا والاستعداد الجيد له، ومثل ظاهرة النفاق السياسى وهى تمثل أكبر خطر على المجتمع، وأتابع أيضا ما يكتب فى الصحف المصرية عما يعانيه الشعب الفلسطينى من الحكومة الإسرائيلية الحالية، وقضايا كثيرة تشغلكم فى مصر وهى ذاتها القضايا التى تشفلنا فى الصين، لذلك أرى أن التحديات مشتركة ونقاط التقارب بيننا كثيرة.. فنحن معا ننتمى إلى الدول النامية ولدينا خطط للتنمية ونعمل على تحديث بلدينا.
    لقد تعرضنا لضغوط كثيرة لم يحدث مثلها فى التاريخ.. عندنا طبعا صفحات من المعاناة والنضال بسبب الاستعمار الذى ضيع على الصين سنوات كان يمكن أن تحقق فيها الكثير.. ولكن التحديات والضغوط كانت أكثر بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وأوربا الشرقية، وكان ا لسؤال فى العالم كله: هل سيستطيع العلم الأحمر أن يبقى مرفوعا فى الصين..؟ الدول الغربية كانت تتوقع أن الصين ستنتهى إلى نفس مصير الاتحاد السوفيتى، ولكن الصين خيبت ظنون الغرب، وأحبطت محاولاتهم، وأثبتت عدم صحة توقعاتهم.
    ***
    وحين سألته: ماذا تقصدون بنظام السوق الاشتراكى الذى تعملون على تطبيقه..؟
    قال:
    من حقك أن تسألنى كيف نوفق بين نظام السوق والنظام الاشتراكى ونسميه (نظام السوق الاشتراكى)؟. عندنا خطة خمسية للتنمية الشاملة، ونحن ننفذ الآن الخطة الخمسية العاشرة، وهذه الخطة هدفها المحافظة على نسبة النمو فى الاقتصاد فى الصين وهى 7% سنويا، وفى النصف الأول من هذا العام كانت نسبة النمو 7.9%، ولذلك نرى أن تحقيق أهداف الخطة فى حدود الممكن ولن يكون صعبا.
    ولكى تلمس ماذا فعلنا يكفى أن تعرف أن معدل النمو منذ 50 سنة كان 3.8% ومنذ عام 1979 وحتى عام 2000 وصل معدل النمو إلى 9.5% وفى العام الماضى كانت قيمة الإنتاج ألف مليار دولار أمريكى، ومتوسط دخل الفرد فى الصين 800 دولار سنويا، وهو رقم متواضع كما ترى بالنظر إلى أن تعداد الصين يزيد على 1200 مليون نسمة. والصين الآن فى المرتبة السابعة فى العالم بالنسبة للناتج القومى والصناعة والتصدير، ولكن بحسب متوسط دخل الفرد فهى ليست فى هذه المرتبة، ولذلك لدينا إصرار قوى على تحقيق تنمية سريعة لتحسين مستويات المعيشة، ونعمل على إصلاح الهياكل الصناعية فى الأقاليم ووالمدن والقرى.
    وعندنا قضية تشغلنا الآن، هى قضية تنمية غرب الصين.. لأننا عندما بدأنا قلنا نحن لا نستطيع تنمية كل الصين فى وقت واحد، ونحن نريد تحديث الصين بسرعة وإنتاج التكنولوجيا الحديثة والصناعات المتطورة، فبدأنا تنمية الجزء الشرقى من الصين، وكان التركيز على إنشاء البنية الأساسية اللازمة للتنمية من طرق وكهرباء ومساه ومبان ومساكن ومدارس ومستشفيات ومصانع وفتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبى والبنوك العالمية.. وسوف تزور بعض المدن فى الشرق وبعض المدن فى الغرب، وستلاحظ أن الشرق أصبح متقدما.. ولذلك قلنا مؤخرا.. لقد دفع الغرب ثمن التقدم الذى حققه الجزء الشرقى، وعلى الجزء الشرقى أن يسدد هذا الدين.. ونعمل الآن على تطوير وتنمية الجزء الغربى من الصين.. وهذا موضوع سوف تلمسه بنفسك أثناء زياراتك..
    وأيضا استطعنا حل مشكلة الغذاء.. الصين تمثل 7% من مساحة اليابسة فى الكرة الأرضية، ولكن يعيش عليها 22% من سكان العالم.. ولم يكن سهلا تنمية الأراضى الزراعية لإنتاج الغذاء الذى يكفى أكثر من 1200 مليون إنسان، خاصة أن نصيب الفرد من الأرض الزراعية ضئيل.. فلكل عشرة أفراد هكتار واحد، وكان علينا زيادة إنتاجية الأرض، وقد حققنا ذلك، ونعمل الآن على زيادة إنتاج الحبوب باستخدام التكنولوجيا الحديثة فى الزراعة.
    ***
    وفيما يتعلق بالنظرية الجديدة للحزب فقد بدأ تطبيقها منذ أعلنها الرئيس جيانج زيمن فى ذكرى مرور 80 عاما على تأسيس الحزب فى أول يوليو201، وقال فيه إننا أنشأنا نظاما اشتراكيا، وأنجزنا أوسع وأعمق تحول اجتماعى فى تاريخ الصين، وحققنا وثبة كبرى فى التحول وبناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.. سرنا فى طريق الإصلاح.. وفى طريق الانفتاح على العالم الخارجى.. وأقمنا النظام الاقتصادية وقوتنا الوطنية بشكل ملحوظ. ووضعنا حدا لحالة الفقر والتخلف والعقم، وأنشأنا نظاما صناعيا حديثا بسلسلة إنتاج كاملة.. ازداد الناتج القومى الإجمالى 56 ضعفا منذ تأسيس الصين الجديدة.. مع القوة الاقتصادية زادت قدرتنا الدفاعية.. وتقدمنا فى العلوم والتكنولوجيا على نحو ملحوظ. واحتل بلدنا مكانه فى الصفوف المتقدمة فى العالم فى مجالات عديدة من الصناعة والزراعة والدفاع والعلوم.. ولم يحقق النظام الصينى للشعب الذى يزيد على 1200 مليون نسمة حلا لمشكلة الغذاء والكساء، ولكن حقق أيضا ضمانا لتحسن مستويات المعيشة بشكل عام أفضل كثيرا مما كان..
    ***
    أكثر من ذلك.. وضعنا حدا لحالة الرمال المتحركة التى كانت تعيش الصين القديمة فيها.. وحققنا درجة عالية من توحيد البلاد.. وقمنا بإلغاء المعاهدات غير المتكافئة التى فرضتها الدول الغربية على الصين، وقمنا أيضا بإلغاء كافة الامتيازات الإمبرالية فى البلاد.. انتهى الانفصال الإقطاعى.. وفى الصين تعدد فى القوميات.. وفى الصين 55 قومية أصبحت تتعايش فى جومن المساواة.. وفى الصين 8 أحزاب.. وأكثر الناس فى العالم يتصورون أن الصين ليس فيها إلا حزب واحد.. صحيح أن الحزب الشيوعى هو الأقوى.. والأكثر شعبية.. وهو الحزب الحاكم.. ولكن لدينا أحزاب أخرى.. لقد استعدنا هونج كونج ومكاو.. ومن المحتم أن يصبح الحل النهائى لمسألة تايوان حقيقة وتعود تايوان أيضا إلى الوطن الأم..
    قلت مقاطعا: المناسبة.. كيف تنظرون الآن إلى الزعيم ماوتسى تونج؟.. هل تهيلون عليه التراب.. أو ما زال فى نظركم بطلا قوميا..؟
    قال:
    إننا نذكر بكل الاعتزاز ذكرى ماوتسى تونج، وشواين لاى، وليو شاوتشى، وتشوه ده، ودنج شياو بينج، وتشن بون، وغيرهم من الزعماء الراحلين من الجيل القديم، ونرى أنهم هم وغيرهم قدموا مساهمات كبرى للبناء والإصلاحات فى الصين.
    ***
    قلت: نعود إلى استكمال الإجابة عن سؤال عن نظرية اقتصاد السوق الاشتراكى ما هى؟.. وماذا حققت..؟
    قال:
    فى القرن الجديد حددنا برنامج عملنا ويتخلص فى (تحديث الصين، وإعادة توحيد الوطو، وزيادة التنمية). ولذلك أصبح علينا أولا تطوير قوى الإنتاج، وثانيا تحديث البلاد، وثالثا رفع مستوى معيشة الشعب.. الدول الغربية تسعى إلى إثارة المشاكل للصين بإثارة موضوع حقوق الإنسان، مع أنهم يعترفون بأن الصين حققت الكثير فى تحسين مستوىالمعيشة وتوفير الخدمات الضرورية، وشهدت أيضا تغييرا كبيرا فى مجال حقوق الإنسان..
    ونحن نقول للغرب: لماذا لا تتحدثون عن حقوق الإنسان بالنسبة للشعب الفلسطينى..؟ هم يدعون إلى حقوق الإنسان فى العالم ويتدخلون فى الشئون الداخلية للدول باسم حقوق الإنسان بينما يدوسون على حقوق الإنسان الفلسطينى..
    ونعود إلى اقتصاد السوق الاشتراكى.. عندنا خطة شاملة.. وعندنا قطاع عام وقطاع خاص.. وعندنا استثمار أجنبى.. وعندنا مناطق حرة للمستثمر فيها الحرية فى العمل والتصدير وتحويل أرباحه.. وفى الداخل زادت مرتبات العاملين مقابل أن يسهموا فى تكاليف الخدمات. فالطالب يدفع جزءا من تكلفة التعليم والموظف يدفع 5% من تكلفة العلاج.. المواطن الآن لا يحصل على كل الخدمات بالمجان كما كان.. ولكنه يدفع جزءا من التكاليف.. الإصلاح فى حاجة إلى التدرج.. وحسب نظرية الزعيم الراحل دن شياو بنج أن علينا ونحن نعبر النهر سيرا على الأقدام أن نتأكد أن أقدامنا تتنقل على أرض صلبة، ويجب أن تلمس أقدامنا قاع النهر.. وهذا معناه أن علينا ألا نخطو إلا بعد أ نتأكد أ أقدامنا لن تقع فى هاوية.. أى لا بد أ نتأكد من كل خطوة ونطمئن على سلامتنا..
    يقال مثلا إن المرأة ليس لها مكان فى المجتمع الصينى.. هذا المفهوم لا يتفق مع ما حدث فى الصين الحديثة، فقد أصبح للمرأة فرص فى التعليم والعمل.. وتغير وضع المرأة.. توجد سيدات بين نوان رئيس المجلس الوطنى لنواب الشعب والمؤتمر السياسى.. وتوجد وزيرة التعليم..
    الصين تتقدم فى كل المجالات وتساير العصر.. مثلا بلغ عدد مستخدمى الإنترنت الآن 30 مليون شخص..
    ***
    وقال لى السيد لى تشينج رن:
    إن الفرق بين الاشتراكية والرأسمالية هوالفرق فى علاقات الإنتاج.. فى الاشتراكية لا يوجد استغلال، والتركيز على العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة الشعب.. ونحن نعمل على تطوير القوى المنتجة.. نحن نعمل على رفع مستوى العمال والمزارعين.. ونهتم باستيعاب وتطبيق وتطوير العلوم والتكنولوجيا الحديثة، ونعمل على تطوير الاقتصاد على أساس علمى.. ومع التقدم الذى حققناه فإننا نرى أن القوى المنتجة فى الصين متخلفة بوجه عام، ونرى أن الصين ما زالت فى المرحلة الأولى من الاشتراكية، ونرى أن التعداد السكانى كبير، ونرى أن التنمية الاقتصادية والثقافية فيها ليست متوازية.. لذلك نضع فى مقدمة اهتماماتنا تطوير القوى المنتجة.. أما وسائل الإنتاج المتخلفة والتى لا تتفق مع متطلبات التطوير ومع العصر فنحن نرى أن يتم تطويرها تدريجيا إلى أن تتحول إلى الصورة المتقدمة.. نحن نواصل تحسين النظام الاقتصادى الأساسى القائم على الملكية العامة للهياكل الرئيسية.. وعلى التنمية الفردية والمشتركة فى نفس الوقت.. ونعمل على أن يكون توزيع عائد التنمية عادلا لكل بحسب عمله.. ونعمل على التمسك بدولة القانون.. نحن نهتم بالثقافة التى تعكس المرحلة الجديدة من العمل والبناء والإصلاح.. بدلا من رواسب المجتمع القديم أو التى تسللت إلى الصين من الخارج.. نحن نهتم بتكوين جيل جديد يتحلى بالمبادئ الأخلاقية، والتعليم الجديد، والانضباط، ولذلك نهتم اهتماما كبيرا بالتعليم.. نهتم بتوسيع نطاق التعليم.. ونهتم بجودة التعليم ورفع مستواه.. ونهتم بتقوية الروح العلمية بشكل عام.. ونحن نؤمن بنظرية (دع مائة زهرة تتفتح ومائة مدرسة فكرية تتنافس) ولذلك نهتم بنشر الثقافة..
    ثم قال لى السيد لى تشينج رن:
    نحن نحذر أنفسنا من التركيز على المكاسب المادية والمال دون الاهتمام بالمبادئ والقيم والأخلاق.. لذلك نرفع شعار (علينا أن يكون حكم البلاد بالقانون مع حكم البلاد بالفضيلة).. نحن نقاوم عبادة المال، والأنانية الزائدة، ونعمل على تأييد احترام الذات، والثقة بالنفس، والشعور بالكبرياء الوطني.. وما زالت توجد رواسب ثقافات متخلفة فى المجتمع الصينى فيها الخزعبلات، والجهل، والغوغائية، والتفسخ، بل توجد ثقافات تفسد العقول، لذلك نعمل على إصلاح الثقافات المتخلفة، ونبذل جهدنا لمقاومة المفاهيم الخاطئة، ونبدأ بالتربية فى المدرسة لتطوير التقاليد الاجتماعية..
    وقال لى السيد لى تشينج رن:
    نحن مثلكم نحارب الفساد ولا نتهاون فى ذلك.. كذلك نحن مثلكم لا نسمح لمن هم فى السلطة باستغلال السلطة لتحقيق مغانم شخصية، ونحن أيضا مثلكم لا نسمح لمن هم فى مواقع السلطة بأن يشكوا مجموعة مصالح أو مراكز قوى.. وشعارنا أن القيادات يجب أن يكونوا أول من يتحمل الأعباء ويعمل للمصلحة العامة وآخر من يستفيد.
    وحين سألته عن طبيعة الحزب الحاكم ومدى سيطرته قال:
    سأقول لك كيف يعمل الحزب.. الصين بلد كبير.. السكان أكثر من 1200 مليون نسمة.. وفيها قوميات متعددة.. وهى دولة نامية.. ولذلك فلا بد أن يكون للحزب القيادة القومية، وإلا سيقع هذا البلد فى فوضى ويتفكك.. وهذا هو الدرس الذى تعلمناه من تاريخ الصين.. ولكن بعد ثمانين عاما حدثت تغيرات كبيرة فى صفوف أعضاء الحزب، وحدثت تغيرات فى مكانة الحزب وأهدافه.. حدث التطور من حزب قاد الشعب فى الكفاح ضد الاستعمار والاستغلال إلى حزب يقود الشعب وهو يمارس سلطة الدولة.. ثم تطور إلى حزب يقود البناء الوطني فى ظل الحصار الخارجى.. ثم إلى حزب يقود عملية الإصلاح والانفتاح.. وتغير الحزب أيضا من حيث عدد أعضائه.. لقد زاد عدد الأعضاء كثيرا.. وتغير كذلك من حيث طبيعة الكوادر، والآن تحل كوادر من جيل الشباب محل الكوادر كبار السن.. والآن تتولى أعداد كبيرة من الشباب مناصب قيادية، وهذا أعطى للحزب، وللدولة، حيوية جديدة.. وأدى هذا إلى تحرير عقولنا.. وأصبحنا نفكر بالروح العملية.. والمعيار الرئيسي للحكم على طبيعة أى حزب سياسى هو نظيرته وبرنامجه وهل هما يمثلان الاتجاه الصحيح للتطور الاجتماعى ومصالح الغالبية العظمى للشعب أولا..؟
    ***
    وحين سأته عن نتائج تطبيق سياسة الانفتاح قال:
    حدث تغير.. تغيرت تركيبة الطبقات الاجتماعية الصينية إلى حد ما، ظهر رجال الأعمال والفنيون الذين يعملون فى المؤسسات العلمية والفنية من غير القطاع العام، وظهر مديرون وفنيون يعملون فى المؤسسات الأجنبية من غير القطاع العام، وظهر أصحاب مشروعات يعملون لحساب أنفسهم.. وظهر وسطاء.. خبراء لهم مكاتب خاصة.. وبدأت أعداد كبيرة تتنقل من القطاع العام إلى القطاع الخاص، أو يغيرون مهنتهم وظائفهم الجديدة. وباختصار ساهمت سياسة الانفتاح فى تطور القوى المنتجة فى المجتمع سواء فى المجال الصناعى أو التجارى أو القانونى.
    وقلت: ولكن الحزب ما زال يعتنق النظرية الماركسية.. فكيف يمكن التوفيق بين الماركسية واقتصاد السوق؟
    قال:
    إننا نضع التركيز على اقتصاد السوق الاشتراكى، ولكن الظروف التى نواجهها مختلفة عن الظروف التى واجهها مؤسسو الماركسية، وفى ضوء الظروف الجديدة علينا أن نقوم بدراسة شاملة لنظرية العمل وقيمته.. إن هدفنا من بناء الاشتراكية هو ضمان تحسين مستوى معيشة الشعب.. ومع التنمية الاقتصادية سيعيش شعبنا حياة أفضل أو صلاحية شخص بالنظر إلى ماذا يملك، ولكن نحن ننظر من أين جاء بما يملك.. فإن كان قد جاء به عن طريق مشروع.. أى طريق عمله وجهده.. وإن كان يساهم بما يملك فى تحقيق التنمية.. فإن الطريق أمامه مفتوح..
    ***
    قلت: وماذا بالنسبة لقضية الديمقراطية؟
    قال: الأسلوب الأساسى فى التنظيم والقيادة هو (المركزية الديمقراطية) وهى تجمع بين الانضباط والحرية.. فالأفكار والمقترحات والمشروعات تتم مناقشتها فى القاعدة بحرية، ويتم سماع آراء الأعضاء كاملة، وكل الآراء والمقترحات تصعد من القاعدة إلى المستوى الأعلى لتناقش فيها وترفع إلى المستوى الأعلى وهكذا.. وفى النهاية يكون القرار معبرا عن إرادة المجموع.. نعمل دائما على تحسين صنع القرار.. وننفذ مبدأ القيادة الجماعية.. وكل القرارات الرئيسية للجنة الحزب تصدر بعد المناقشات وبأغلبية أصوات أعضاء اللجنة.. ولا يسمح لأحد – مهما كان – أن تكون له وحده الكلمة النهائية.. وهذا يحدث فى لجان الحزب، وفى المجالس الشعبية والحكومية وفى الحكومات المحلية.. وفى المؤتمر الاستشارى السياسى للشعب الصيني، ومشكلتنا أن الذين لا يعرفون كيف تدار الصين لا يعرفون أن الديمقراطية عندنا مبدأ أساسى يتم تطبيقه فى كل المستويات..
    قلت: هل استطاع الجيل الجديد من الشباب أن يحسن إدارة الأمور بعد أن تولى مواقع قيادية.. أو حدثت فجوة أو هزة نتيجة الانتقال من جيل الحكماء إلى جيل الشباب؟
    قال:
    طبعا تم الانتقال بحكمة.. بعد تنشئة كوادر إدارية وفنية وسياسية أفضل تعليما وأكثر كفاءة.. وفى نفس الوقت قمنا بإصلاح نظام شئون العاملين لتكوين فصائل من المسئولين فى المستويات والقيادات العليا.. وبالتدريب والتوجيه أصبح لدينا الآن كوادر مفتوحة ونزيهة وعلى أساس الكفاءة.. وكل من يعمل يمكن أن ينال ترقية إلى درجة أعلى ويمكن أن يقرر خفض درجته على أساس مستوى كفاءته، ووضعنا إجراءات حازمة لمنع ومعالجة سوء التصرف فى التوظف والترقية.. التى تتم بموضوعية.. ونحن نحرص على اكتشاف الموهوبين وإعطائهم الفرصة والمكافآت بقدر مساهماتهم.
    ثم قال لى وهو يضغط على كلماته:
    لقد وضع لنا الرئيس جيانج زيمن مبدأ نلتزم به.. وهو أن حياة أو موت الحزب والدولة يتوقفان على محاربتنا للفساد، وأن تكون لدينا حكومة نظيفة.. والمعركة ضد الفساد معركة مستمرة.. وليس هناك أحد فوق القانون.. ونحن نعتبر السلطة اختيارا للشخص.. ولا نسمح بإساءة استخدام السلطة لمغانم شخصية، أو للحصول على الرشاوى أو خرق ا لقانون.. وكل بادرة فساد أو مخالفة للقانون تخضع للتحقيق.. ولا تسامح فيها أو شفقة.. لأننا نعرف أننا لن نكسب ثقة الشعب إلا بأن نكون قدوة فى السلوك المستقيم.
    قلت: لقد زرت الصين من قبل فى عام 1995 وأرى أن الفارق كبير جدا.. الصين الآن مختلفة تماما عن الصين التى رأيتها مند ست سنوات.. وألاحظ على وجوه الناس راحة وشعروا بالأمان الاستقرار.. كما ألاحظ مبانى جديدة.. وطرقا وكبارى.. وعمارات شاهقة.. ولافتات مضيئة.. ومطاعم تقدم أكلات أجنبية وسلعا مستوردة.. ماذا يجرى بالضبط فى هذه الأيام؟
    قال: هذا لأن الصين دخلت مرحلة جديدة من مراحل التنمية.. هذه المرحلة هى مرحلة بناء مجتمع الرفاهية.. مرحلة الإسراع فى تحديث المجتمع كله.. وفى هذه المرحلة نحن نعمل بمجهود أكبر.. ونحشد طاقاتنا.. وفى نفس الوقت نحن مستعدون للمحن فى وقت السلم.. ونحذر أنفسنا فى هذه المرحلة من الطيش والتهور.. ونضع لأنفسنا هدفا هو الوصول إلى هذه المحطة فى منتصف هذا القرن.. وعندما نصل إليها ستكون الصين قد استكملت مراحل التطور، وستكون لديها ثروة تكفى لرفع مستوى الحياة لكل الشعب، وسنكون قد أنجزنا مهمة تطوير الأفكار، وأنجزنا أيضا التحول الديمقراطى، ونحن الآن نحصن أنفسنا بالمعايير الأخلاقية العالية.. نحن نحرص على أن يكون الكلام عن المثل والأخلاق السامية مرتبطا بالعمل الفعلى وجعل هذه الأخلاق والمثل جزءا من السلوك اليومى لكل مواطن.. ونحن نقول إننا ما زلنا فى المرحلة الأولى من الاشتراكية، وسنبقى كذلك لفترة ليسب قصيرة.. إلى أن نصل إلى استكمال التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعى، لتصل ثمار التنمية إلى الجميع..
    ثم قال وهو يبتسم:
    إن الكلام سهل.. والعمل صعب.. ونحن – باختصار – نربط الكلام بالعمل.. نحن نعمل بكل جهدنا لتنفيذ الخطة العاشرة.. ونعمل على تعديل هيكل الاقتصاد.. ونركز كل جهدنا على الإصلاح، والانفتاح، والتقدم العلمى والتكنولوجى، وكل يوم نسأل أنفسنا كم خطوة خطوناها إلى الأمام، ونحرص على توازن العلاقات بين الإصلاح.. والتنمية.. والاستقرار.. ونحدد التناقضات التى تظهر بين صفوف الشعب ونعمل على فهمها ومعالجتها معالجة صحيحة..
    ثم التفت إلى وهو يبتسم ابتسامة واسعة وقال:
    ما رأيك فى هذا الكلام؟
    قلت: يكفى هذا.. أظن أنى عرفت الآن سر التقدم الذى تحقق فى الصين والذى يعتبره
    البعض معجزة.


    وهذه هي الحلقة المفقودة في تجربة الانقاذ الفاشية والفاشلة والفاسدة والسبب القضاء المهتري وانعدام مبدا المحاسبة الذى اوصلنا الى المحكمة الجنائية الدولية..
    اين المحاسبة اين الشفافية؟؟!!
    اين رد المظالم
    اين القضاء النزيه العادل الذى لا نراه الا في افواه المتنطعين في اجهزة الاعلام
    ....
    اتعلمو من الصين بدل ما تحتفلو بيها وتنططو ذى القرود في التلفاذ يا اهل الانقاذ وثمود
    اللهم هل بلغت اللهم فاشهد

    (عدل بواسطة adil amin on 21-02-2009, 07:15 AM)

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

21-02-2009, 07:17 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    Quote: كيف يفكرون؟
    كان أول انطباع بعد هبوطى إلى مطار بكين، ومشاهداتى فى الطريق، وما رأيته وسمعته فى التليفزيون وفى لقاءاتى مع عدد من المسئولين وغير المسئولين أن كل شىء فى الصين يتغير.. الناس.. والعقول.. والأفكار.. وأسلوب الحياة.. وطريقة التفكير.. والمبانى.. والتطلعات.. والجامعات.. ومراكز البحوث.. كل شىء يتغير.. ولم أجد أماى سرى أن أتخلى عن كل ما كان فى رأسى من معلومات وأفكار عن الصين، وأبدأ من جديد فى فهم حقيقة ما يجرى فى هذا البلد الذى يحقق قفزات مذهلة.. وينظر أمامه بمنتهى الثقة.. ويتحرك إلى الأمام تمنتهى القوة.. وبمنتهى التواضع والواقعية أيضا..
    وفى قاعة الشعب الكبرى (البرلمان الصينى) كان موعدى على العشاء بدعوة من السيد لى قوى شيان نائب رئيس اللجنة الوطنية للمؤتمر الاستشارى السياسى للشعب الصينى، وهو أحد القادة الكبار للحزب الشيوعى الذى يتولى قيادة الصين، ونائب رئيس مجلس الشيوخ أو مجلس الشورى ويسمونه المجلس الوطنى لنواب الشعب، وهو منصب رفيع يجعل صاحبه فى دائرة صنع القرار، وهو أيضا رئيس جمعية التفاهم الدولى التى تعمل على ربط الصين بالعالم.
    وفى القاعة الكبرى – قبل العشاء – دار حوار طويل استغرق ساعتين، ثم امتد بعد ذلك على العشاء لأكثر من ساعة.
    فى البداية قال لى قوى شيان: عندنا مثل صينى يقول: 》إن الناس فى الخارج يعرفون عنك أكثر مما تعرف عن نفسك، ويرون ما يجرى حولك أكثر مما ترى《، وقد رأيت كثيرا من الأماكن، وقابلت كثيرا من الناس، ولأننا نعيش هنا فإننا لا نرى ما يراه الآخرون الذين يأتون من الخارج.. وفى كل مرة ألتقى فيها بأصدقاء أجانب أسألهم: ماذا رأيتم فى الصين؟.. وما رأيكم فيما رأيتم؟.. فما رأيك أن نبدأ اللقاء بهذا السؤال؟
    قلت: إن انطباعاتى عما رأيت أن الصين بلد المستقبل، وأنا شخصيا مذهول من أنكم حققتم كل هذه الإنجازات فى الصناعة والتكنولوجيا، وفى الاقتصاد، والتصدير، وفى التعليم، وفى بناء المدن والطرق والكبارى والمطارات.. أنتم تحققون معجزة فى زمن قصير.. لم تمض سوى عشرين عاما ولكن أرجو أن تسمح لى أن أسأل أنا، وبعد ذلك لك أن تسألنى كما تشاء.. لأنى صحفى.. وعملى أن أسأل.. وسؤالى الأول: كيف استطعتم أن تجمعوا بين النظام الاشتراكى، وسياسة الانفتاح واقتصاد السوق؟ كيف أمكنكم حل هذه المعادلة الصعبة؟
    قال: هذا يرجع إلى ظروف الصين، فقد قامت جمهورية الصين الشعبية عام 1949 وكان عدد السكان فى ذلك الوقت 500 مليون نسمة تقريبا، وعلى وجه الدقة كان العدد 470 مليون نسمة، وكان الإنتاج الزراعى لا يكفى لإطعام هذا العدد، وكانت الحرب قد دمرت الهياكل الصناعية الأساسية، فكان إنتاجنا من الحديد محدودا لايتجاوز 300 ألف طن، وكان المجتمع الصينى شبه إقطاعى، ولم يصل بعد إلى المجتمع الرأسمالى، وحتى ذلك الوقت لم يكن فى الصين قوانين وتشريعات تنظم الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتحدد الحقوق والواجبات.. هكذا كان الحال حين قامت الجمهورية عام 1949.. وبعد قيام الجمهورية لم يكن أمامنا إلا أن نعمل على نقل القوانين والتشريعات الاقتصادية والإدارية من الاتحاد السوفيتى، وأن نطبق نظاما اقتصاديا مركزيا، بحيث أصبحت جميع الموارد ووسائل الإنتاج خاضعة لإشراف وسيطرة الدولة.. وسيطرة الدولة على الأسعار.. وكان الدخل القومى منخفضا لا يكاد يكفى لتوفير الطعام لكل المواطنين وتلبية احتياجاتهم الأساسية.. ولذلك ألقيت أعباء كثيرة على كاهل الدولة.. وكان الدخل الذى يحصل عليه العمال وغيرهم يكفى للغذاء فقط.. وكانت السلع والمنتجات تباع باسعار تحكمية بأقل من التكلفة.. وكان على الدولة أن تواجه مشكلة توفير الغذاء، والعمل، والسكن، والعلاج، وكافة الخدمات الضرورية لكل هذه الأعداد الكبيرة من البشر. ولم تسر عملية الإصلاح والبناء فى طريق مستقيم، ولكن توقفت حركة البناء والتقدم فى عام 1958.. فى هذا العام حدثت أخطاء كثيرة أدت إلى تدمير قوى الإنتاج، وإلى القضاء على معظم الغابات والأشجار لبيعها وشراء الحديد اللازم للبناء، وفى الفترة من عام 1966 حتى عام 1976، ولمدة عشر سنوات هى فترة الثورة الثقافية شهدت البلاد تدميرا لا مثيل له فى الاقتصاد، وانهيارا فى الأسعار وعاشت البلاد فى حالة شلل، حتى الجامعات والمدارس والمصانع توقفت.. وكان الانهيار شاملا.. وكان علينا أن نبدأ من جديد..
    ***
    وقال السيد لى قوى شيان:
    هكذا سارت الأمور.. لا يمكنك فهم ما يجرى فى الصين الآن دون أن ترجع إلى تاريخ الصين وإلى تجارب التقدم والتراجع.. ونحن نعتبر عام 1978 نقطة تحول فاصلة.. فى هذا العام بدأت أولى خطوات الإصلاح على يد الزعيم الراحل دينج شياو بنج الذى فكر فى كيفية مواجهة الحكومة لهذه الأوضاع السلبية بإجراءات محددة، خاصة بعد أن تبين أن النموذج الاقتصادى السوفتى لم يحقق الإنجازات المأمولة، وطرح دينج شياو بنج أفكاره عن الإصلاح القائم على اساس جديد، ونقطة الإرتكاز عنده كانت العمل والبناء الاقتصادى، وكان الطريق إلى ذلك هو الانفتاح على العالم، مع التمسك بالمبادئ الأساسية، ورغم أن الطريق لم يكن واضحا أمامه، ولكن ينج شياو بنج تعلم من التجربة لتصحيح المسار، وسار بحرص ودون تسرع لكى يتأكد أنه يسير على أرض صلبة، وليس معرضا للوقوع فى هاوية، وكان شعاره فى ذلك المثل الصينى الذى يقول: 》إن عليك وأنت تعبر النهر أن تتلمس الأحجار فى القاع《، والمعنى أن يتأكد أنه لن يسقط فى منطقة بلا قاع، وكان المبدأ الأساسى الذى سار عليه منذ بداية الثمانينات هو أنه لا يمكن بناء نظام رأسمالى بدون تخطيط، ولا يمكن بناء اشتراكية بدون سوق، وهكذا سارت الصين فى طريق يجمع بين نظام مركزية التخطيط الاقتصادى ونظام آلية السوق، وحددت الدولة مجالات لكل نظام منهما، واستمرت هذه المرحلة عشر سنوات، وحققت الصين خلالها زيادة ملحوظة فى الإنتاج، وفى نفس الوقت ظهرت سلبيات الانفتاح والحرية الاقتصادية، وأهمها ظهور الاحتكار، وظهور الطبقة الجديدة ذات الدخول المرتفعة والإنفاق الاستهلاكى، وبقيت ازدواحية النظام الاقتصادى.. نظام التخطيط المركزى ونظام التخطيط الإشادى أو التأشيرى، وازدواحية فى الأسعار.. سلع تخضع لسيطرة الدولة فى تحديد أسعارها، وسلع تخضع أسعارها لعوامل السوق، وهذه السلع فى مجالات محددة.
    وقال السيد لى قوى شيان وهو يشرح لى تطور التجربة الصينية: هكذا سارت الصين عشر سنوات.. نظامان فى الاقتصاد.. ونظامان فى الأسعار.. وكان لذلك جانب إيجابى وجانب سلبى، الجانب الإيجابى هو تحقيق نمو اقتصادى وزيادة الإنتاج وتحسين نوعيته وإيجاد فرص عمل.. الجانب السلبى هو ظهور فئة اتخذت من اقتصاد السوق فرصة لتحقيق مكاسب كبيرة..
    وفى عام 1992 طرح بشكل رسمى إقامة نظام السوق الاشتراكى، والتخلى نهائيا عن نظام التخطيط المركزية، ومع وجود تخطيط سنوى لمجلس الدولة يقوم على دراسة مؤشرات واتجاهات السوق بصورة تنبؤية، وليس بالتخطيط المركزى الملزم، والخطة السنوية التى يعدها مجلس الدولة (مجلس الوزراء) تعرض وتناقش وتعتمد من مجلس نواب الشعب (البرلمان) وخلال هذه العملية تم التركيز على أمرين أساسيين:
    الأمر الأول: هو إصلاح هياكل المؤسسات، والفصل بين هذه المؤسسات والدولة، وبدأنا فى إعادة تنظيم الدولة، ففى سنة 1992 إلى 41 وزارة، ثم أنخفض العدد فى عام 1998 فأصبح 29 وزارة، وكان الهدف هو زيادة استقلالية العديد من الهيئات والمؤسسات، وتقوية وزارة الصناعة وتتبعها 8 هيئات للتكنولوجيا، ووزارة البتروكيماويات، ووزارة للإلكترونيات، وأصبحت المؤسسات مستقلة وتعتمد على نفسها فى الإدارة ولا تنتظر تعليمات أو موافقات، وتم إلغاء كل الوزارات ذات الطابع الإدارى، وكنت أنا مسئولا عن إتمام عملية إلغاء هذه الوزارات من سنة 1992 إلى سنة 1998 وكان هذا العمل صعبا للغاية، ولكن لم يكن ممكنا أن نطبق نظام السوق الاشتراكى بدون القضاء على سيطرة المركزية المتمثلة فى هذه الوزارات، وفى نفس الوقت عملنا على تقوية وزارة المالية، والبنك المركزى، وقد شغلت وظيفة محافظ البنك المركزى لسنوات، وكذلك ركزنا على تقوية مصلحة الضرائب، وامتدت هذه الإصلاحات فى الهياكل الإدارية للدولة إلى مستوى المقاطعات، والمحافظات، وكان الشعار هو المثل الصينى الذى يقول:》هذه ليست معابد وليست آلهة《، أى إن كل شىء يمكن إعادة النظر فيه.
    والأمر الثانى: الذى سرنا فى تحقيقه هو إقامة نظام تشريعى وقانونى قوى لتنظيم مجالات الإدارة والاقتصاد.. مثل قانون الميزانية وقانون المحاسبات، وقانون البنك المركزى، وقانون الشركات، وقانون البورصة وغيرها من القوانين التى وصل عددها إلى 80 قانونا تمثل نظاما قانونيا متكاملا.
    فى نفس الوقت ظلت الصين متمسكة بالميزة المهمة للاشتراكية وهى ملكية الدولة للمرافق والمجالات الرئيسية، أما المؤسسات الصغيرة فقد قمنا بعرضها للبيع أو التأجير ويمكن للأجانب شراء أسهمها، فالدولة تسيطر على السكك الحديدية، والاتصالات والمواصلات، وصناعات الحديد والصلب، والبتروكيماويات وتجارة الحبوب، واقتصاد السوق قائم فى نفس الوقت تحكمه القوانين وإشراف الدولة.. ولدينا الآن بورصة فى شنغهاى، وبورصة ثانية فى مدينة شنجن، ولكن الشرايين الأساسية فى الدولة تملكها الدولة.
    ***
    وقال السيد لى قوى شيان: هنا ظهرت المشاكل الناتجة عن آلية السوق، مثلا فى عام 1995 حدث تراجع فى نمو الاقتصاد، وكان النمو بالسالب، وزادت نسبة البطالة نتيجة زيادة عدد العمال الذين تم الاستغناء عنهم، وكان علينا تشغيل هؤلاء فى بناء المرافق الأساسية والبنية التحتية، وواجهنا أيضا مشكلة التضخم مرتين مرة فى سنة 1988، ووصلت نسبة التضخم إلى 18.5% والمرة الثانية فى سنة 1992 وصلت نسبة التضخم إلى 21%، وواجهت الدولة هذه المشكلة بخفض المصروفات، والقروض، والضرائب.
    وفى الحالتين كنا نطبق سياسة مالية إيجابية، فأصدرت الدولة سندات لجذب الأموال لبناء المرافق الأساسية مثل الطرق والسكك الحديدية.
    وما زال أمامنا أن نعمل لتحقيق التوازن والتكامل بين النظام الاشتراكى ونظام السوق المنضبط الذى نسميه نظام السوق الاشتراكى، وأمامنا أيضا تصحيح مسار بعض قطاعات القطاع العام التى تحقق خسائر، وأمامنا مشكلة زيادة أعداد المسرحين، وظهرت عندنا مشكلة جديدة هى أن الفوارق فى الدخل ازدادت واتسعت الفجوة وظهرت الطبقة الوسطى فى الصين.. ونحن فى مرحلة البحث عن أفضل الطرق لمواجهة هذه المشاكل..
    وفى الوقت الحاضر تهدف الدولة إلى المحافظة على تحقيق نمو اقتصادى سريع، وتطوير التشريعات المنظمة للاقتصاد، وتطوير نظام السوق الاشتراكى.
    وقال لى السيد لى قوى شيان: هكذا ترى أن الإجابة عن سؤالك ليست سهلة..!
    ***
    قلت: عندى سؤال آخر يتعلق بنظرتكم للنظام العالمى الجديد الذى يجرى تشكيله الآن.. كيف ترون هذا النظام العالمى الجديد؟.. وأين مكان الصين فيه فى تقديركم؟
    قال: نحن نرى أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، واختفاء المعسكر الاشتراكى، وانتهاء الحرب الباردة، تسعى الولايات المتحدة إلى أن تكون القوة الوحيدة فى العالم، وتعمل على التدخل فى شئون الدول والإشراف على حركة النظام العالمى الجديد، ورغم أننى لست مسئولا عن الشئون الخارجية، فإننى أرى أن هذا شىء مستحيل، وقد أثبتت التجارب التاريخية أن استمرار وجود قوة واحدة أو قطب واحد فى العالم أمر مستحيل، ولا بد أن العالم سوف يتجه إلى نظام التعددية، حيث تتعدد مراكز القوة، وتتعدد الأقطاب، وهذا أمر ضرورى لتحقيق التوازن العالمى، والاستقرار، والتنمية، والسلام. والتنمية هنا خيار استراتيجى.
    قلت: وكيف ترون العولمة..؟
    قال: الحقيقة أن التطور الاقتصادى الذى شهده العالم حقق تطورا سريعا، بحيث أصبحت العولمة أمرا لا يمكن مقاومته، لأن ظاهرة العولمة ترتبط بالتطور، ويبقى أن نفكر ماذا تعمل الدول النامية؟ وأقول: إن عليها الدفاع عن مصالحها فى مواجهة الآثار السلبية للعولمة، خاصة وأن جبهة الدول المتقدمة متماسكة وتحافظ على مصالحها بقوة، مثلا صندوق النقد الدولى تسيطر عليه الولايات المتحدة، لأنها تملك 25% من الأسهم انخفضت الآن إلى 23%، والولايات المتحدة تعمل على السيطرة على هذا الصندوق، بحيث لا يمكن تمرير أى شىء بدون موافقة الولايات المتحدة، والدول الصناعية السبع الكبرى هى التى تتحكم فى الاقتصاد الدولى، وهى لا تكترث بمصالح الدول النامية، وعندما كنت أتولى منصب محافظ البنك المركزى كنت أحضر اجتماعات صندوق النقد الدولى، وقبل كل اجتماع كان وزراء المالية فى الدول الصناعية السبع الكبرى يعقدون معا اجتماعا ليقروا ما سينتهى إليه اجتماع الصندوق.. وهذا ما أراه.. قد يكون صحيحا، وقد يكون غير صحيح، وأرى أن الدول النامية عليها أن تركز قوتها ف التنمية وتطوير اقتصادها لكى تضيق الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة وتشارك فى الاقتصاد العالمى، وتتضامن فيما بينها، لأن التضامن يعطيها قوة.. وهذه رؤيتى من خلال مشاركتى فى مؤتمرات المنظمات الاقتصادية والمنتديات العالمية..
    ***
    قلت: والحزب.. الحزب الشيوعى هو الذى يحكم الآن.. ومع التغيرات الواسعة فى المجتمع الصينى اجتماعا واقتصاديا وسياسيا وتزايد النشاط الفردى.. هل يهدد ذلك الانضباط الذى يتميز به الحزب الشيوعى الصينى.. وباختصار ما هى رؤيتكم لمستقبل الحزب الشيوعى مع نمو الفردية واقتصاد السوق والطبقة الجديدة؟
    وقال السيد لى قوى شيان: إن الحزب الشيوعى الصينى تأسس منذ 80 عاما، وأنا عضو فيه منذ 40 عاما، وقاعدته الجماهيرية واسعة، ولديه القدرة على الاستمرار فى قيادة الشعب، والرئيس جيانج زيمن طرح فى الاحتفال بذكرى مرور 80 عاما على تأسيس الحزب ثلاث مهام رئيسية:
    أولها: تمثيل متطلبات التطور فى قوة الإنتاج الصينى، وثانيها: تمثيل الحضارة الصينية والاحتفاظ بالشخصية القومية، وثالثها: تمثيل المصالح الأساسية للأغلبية العظمى من الشعب الصينى، وهذا الاتجاه يلاقى الترحيب من الجماهير، ونجاح الحزب فى التعبير عن مصالح الجماهير هو ضمان استمراره وتطوره، ومن المهم أن ندرك أهمية عنصر القيادة، التى تمثل المحور لعمل ونشاط وتماسك الحزب، والقيادة هى قوة الدفع والتحرك، وهى التى تعمل على تعبئة الجماهير وراء الحزب، وقيادات الحزب فى الأجيال الثلاثة: ماوتسى تونج، وبنج، وزيمن جميعا على درجة عالية جدا من الكفاءة، وفى الحزب نظام دقيق الاختيار الكوادر والقيادات لأنها هى عنصر التجمع الشعبى حول الحزب، ولذلك فإن التصعيد يتم من القاعدة إلى القمة، وفى القاعدة الجماهيرية للحزب هناك التزام ونظام وآلية لمراقبة السلوك الحزبى لكل عضو، وفى الحزب أيضا نظام المراقبة الصارم لأداء العضو القيادى وكفاءته فى أداء المهام الحزبية التى تكلف بها، هذا النظام يتضمن إجراءات صارمة يتم اتخاذها ضد أى عضو قيادى فاسد، والحزب يحاسب، بكل حسم، العضو الذى يثبت عليه الفساد مهما كان موقعه، وعلى سبيل المثال تمت محاكمة نائب رئيس سابق للمجلس الوطنى لنواب الشعب وحكم عليه بالإعدام، وتم تنفيذ الحكم.. لاتهاون مع الفسا
    .. وفى نفس الوقت هنا نشاط وجهد لجذب عناصر جديدة صالحة.. وبذلك نضمن نظافة واستمرار تماسك الحزب.. واستمرار ثقة الجماهير فيه..
    وقال لى السيد لى قوى شيان: وأنت.. كيف ترى النظام العالمى الجديد..؟
    قلت: أنا أتفق معك فى أن الولايات المتحدة الآن هى الدولة الأقوى عسكريا واقتصاديا وسياسيا، وهى الأكثر نفوذا وتأثيرا على دول العالم، وحتى على الاتحاد الأوربى، وفى نفس الوقت هناك قوى صاعدة فى الأفق العالمى، ومنها الصين، وأعتقد أنها سوف تحتل مكانا مؤثرا فى المستقبل القريب كقوة اقتصادية، ولكنى أخشى على مستقبل الدول الصغيرة النامية، خاصة أن النظام العالمى الجديد يعمل على إعادة رسم الخرائط وتغيير الحدود، وهناك شعوب تعانى من الجوع وشعوب تواجه الموت، ودول تختفى ودول على وشك الاختفاء، أفريقيا تتراجع، ولم يعد لمنظمة عدم الانحياز تأثير، ولا منظمة الوحدة الأفريقة ولا الجامعة العربية ولا حتى الأمم المتحدة.. وطوق النجاة الوحيد للدول النامية أن تتجمع لتصبح قوة يمكن أن يكون لها حساب فى عالم لم يعد يعرف إلا منطق القوة..
    ثم قلت: عموما ليس هدفى أن أعرض أفكارى.. هدفى أن أسأل.. وسؤالى كيف ترى الصين أزمة الشرق الأوسط.. وهل هناك تغير فى مواقفها المؤيدة لحقوق الفلسطينيين؟
    قال: لقد كان الرئيس عرفات فى الصين فى شهر أغسطس 2001، وأجرى معه الرئيس زيمن مباحثات، وكانت تصريحات الرئيس زيمن أثناء زيارة عرفات مؤكدة لاستمرار الموقف الصيني، وقد أعجبتنى كلمة الرئيس كاسترو فى مؤتمر مناهضة العنصرية فى دربان حين أعلن: أن على الدول المتقدمة تعويض الدول النامية عن نهب ثرواتها، وخاصة أفريقيا..
    قال السيد لى قوى شيان: وماذا يجرى فى مصر؟
    قلت: نحن أيضا مشغولون بالإصلاح الاقتصادى، وإعادة بناء الاقتصاد على أساس اقتصاد السوق، والخصخصة، ومشغولون كذلك بمشروعات التنمية الكبرى مثل مشروع توشكى، ومشروع تنمية سيناء، والمنطقة الحرة الجديدة شرق بورسعيد، وغيرها، وأعتقد ان الاستثمارات الصينية أمامها فرصة كبيرة للمشاركة فى هذه المشروعات.
    وقلت: سؤالى الأخير.. فى ظل انفتاح الصين على العالم.. ودخول أنماط جديدة للاستهلاك والسلوك والثقافة، هل يمكن أن يظل المجتمع الصينى محتفظا بطابعه القومى، وشخصيته المميزة، وعاداته، وتقاليده، أو سيتأثر بهذا الانفتاح ويخضع للتغيير، وتدخل فيه عناصر ومؤثرات غربية وأمريكية..؟
    قال: من خصائص الشعب الصينى أنه يحافظ على عاداته وتقاليده الراسخة، وكان ذلك هو السبب فى أن الصين حافظت على نفسها على مر السنين، وبلد مثل الصين له حضارة وثقافة قديمة ليس من السهل تغييرها، ولكن إذا انفتح الباب على مصراعيه على العالم، فإن ذلك يمكن أن يؤدى إلى مشكلات كبيرة.. مثلا الطعام الصينى يتميز بأنه خفيف ويعتمد على الخضراوات أكثر من اللحوم، ولذلك يتمتع الصينيون بالنشاط والحيوية والصحة وتقل فيهم الإصابة بأمراض القلب والشرايين ويعيشون طويلا، ولكن بعد دخول ماكدونالدز وكنتاكى والأكلات الأمريكية السريعة الدسمة، والإعلانات عنها فى التليفزيون، شجع هذا الناس عل تناول هذه الأكلات، فبدأت تظهر أمراض القلب والشرايين والسمنة والسكر.. وبعد عشرين عاما سيكون التاثير أكبر اجتماعيا وصحيا..
    كذلك تأثرت الأسرة بالانفتاح.. فالعائلة فى الصين لها قوة.. الصغير يحترم كبير السن.. والجميع يهتمون اهتماما كبيرا بالأطفال والعلاقة بين الرجل والمرأة فيها توازن، وتطبق سياسة الزوجة الواحدة بشكل صارم.. ولكن حدث تغير.. ازدادت نسبة الطلاق.. بعض العائلات أصبح لها عائل واحد (الأب أو الأم) العائلة أصبحت تعنى بالأطفال أكثر من اللازم.. لأن النظام عندنا هو أن يكون لكل زوجين طفل واحد فقط، حتى نحافظ على تعداد السكان، وقد أصبحنا الآن أكثر من 1200 مليون نسمة.. ولكن ذلك أدى إلى أن الزوجين أصبحا يتعلقان بالطفل الوحيد تعلقا زائدا.. وكذلك يتعلق بهذا الطفل والدا الزوجة والدا الزوج.. والجدود أيضا.. فالطفل الواحد يجد 6 أفراد يهتمون به حتى أصبح الطفل فى الصين إمبراطورا صغيرا.. وهكذا حدث تغير، ولكن فى إطار المحافظة على الطابع القومى.
    ***
    قلت: أرى أن حركة البناء وتطوير المدن تسير بسرعة مذهلة.. وأرى فنادق كثيرة سوف تقام فى كل مكان..
    وقال السيد لى قوى شيان: منذ 40 سنة كان فى بكين فندق واحد، والآن فيها 300 فندق، وفى شنغهاى أكثر من 400 فندق وكذلك فى مدينة كوانجو.. ولكن هذا العدد لم يعد كافيا لمواجهة الزيادة فى أعداد السياح، ولذلك فنحن تنشئ فنادق جديدة، مشكلة بكين أن الهواء به نسبة تلوث وأتربة نتيجة الرياح المحملة بالرمال، وبكين حولها الجبال من ثلاثة جوانب، والسهل فى الجنوب فقط، ونحن نعمل على تحسين البيئة، وإنشاء طرق جديدة دائرية واسعة تكفى لتدفق حركة السيارات المتزايدة..
    ***
    أما العشاء مع المسئول الصينى الكبير والضيوف من كبار رجال الحزب و》جمعية التفاهم الدولى《و》المؤتمر الاستشارى السياسى《، والأطباق الصينية المميزة.. فهذا يستحق حديثا آخر
    ..
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

25-02-2009, 08:40 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    Quote: الصين والعالم
    مبنى وزارة الخارجية الجديد فى بكين أكثر ضخامة وفخامة من مبنى وزارة الخارجية الأمريكية، وفى الدور الأول أكثر من عشرين صالونا على أحدث طراز، وعندما خدلت المبنى وجدت كل هذه الصولونات مشغولة بمقابلات دبلوماسية مع المسئولين فى الوزارة مما يدل على أن حركة اتصالات الصين الخارجية واسعة جدا تشمل خريطة العالم كلها دون استثناء.
    وكان السؤال الذى أريد إجابة واضحة عنه يدور حول حقيقة علاقات الصين مع إسرائيل الآن، بعد تزايد العلاقات الاقتصادية والعسكرية وزيارة الرئيس الصينى لإسرائيل وزيارات وزراء اسرائيل إلى بكين وما ينشر عن شراء الصين لأسلحة من اسرائيل.. إلى مدى يؤثر ذلك على مواقف الصين المعروفة المؤيدة لحق الشعب الفلسطينى فى استرداد أرضه وإقامة دولته.؟
    وكان لقائى مع السيد لى جاو شنج نائب وزير الخارجية وعدد من كبار المسئولين فى الوزارة لقاء وديا للغاية، بدأه بكلمات ترحيب رقيقة، وقال إن علاقات مصر بالصين قوية وتسير فى خط مستقيم، فمصر من أهم الدول النامية وهى تلعب دورا حيويا خاصة فى منطقة الشرق الأوسط، وقد حققت إنجازات كبيرة فى السنوات الأخيرة، ولا ننسى أبدا أن مصر كانت من أوائل الدول التى اعترفت بالصين وأقامت معها علاقات دبلوماسية منذ عام 1957، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تطورت العلاقات بصورة واضحة، والرئيس الصينى جيانج زيمن يولى العلاقات مع مصر بصفة خاصة رعاية واهتماما ويدعم هذه العلاقات باستمرار.. وقال أيضا: إن الإعلام فى مصر والصين قام بدور بارز فى تعزيز العلاقات الودية بين الشعبين، وقال: أنا أعلم أن مجلة (أكتوبر) لها أهمية ودور كبير، وكنت سفير للصين فى الولايات المتحدة وأتابع (أكتوبر) وهى تقوم بدور إيجابى ملحوظ، والاهتمام الإعلامى فى الصين بمصر واضح حتى إن عدد المراسلين الصينيين فى مصر هو أكبر عدد من المراسلين فى أفريقيا، وأؤكد استعداد الصين للعمل مع الجانب المصرى لتعزيز العلاقات أكثر وأكثر فى كافة المجالات.
    بعد هذه المقدمة دخلت فى الموضوع مباشرة.
    قلت للسيد لى جاو شينغ: نبدأ بالموضوع الذى يشغلنىى، وهو علاقة الصين بإسرائيل من ناحية، وبالقضية الفلسطينية من ناحية أخرى، والملاحظ أن علاقات الصين الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية مع إسرائيل فى تزايد مستمر، وهناك شركات إسرائيلية كثيرة تعمل فى مجالات الاستثمار المختلفة فى الصين، وزيارات المسئولين فى الجانبين دائمة ومستمرة وعلى مختلف المستويات الرسمية وغير الرسمية.. وأريد أن أفهم منك بوضوح موقف الصين الآن من الأزمة الحالية فى الشرق الأوسط.. هل حدث نوع من التغير نسبيا فى الموقف الصينى أو أن هذا التغير يمكن أن يحدث مستقبلا..
    قال نائب وزير الخارجية وهو يضغط على كلماته ليؤكدها:
    - أولا: إن الصين باعتبارها عضوا دائما فى مجلس الأمن ظلت تتابع باهتمام تطورات الأوضاع فى الشرق الأوسط وهى الآن تتابع هذه التطورات.
    وثانيا: إن موقف الصين من هذه القضية ثابت، ودائم، وهو أن نقطة الانطلاق الأساسية للدبلوماسية للدبلوماسية الصينية فى الشرق الأوسط هى دعم السلام..
    وثالثا: إن جميع دول الشرق الأوسط تنتمى إلى الدول النامية، وشعوبها فى حاجة قوية وملحة للتنمية الاقتصادية، ورفع مستوى المعيشة، وتحتاج لذلك إلى توفير المناخ الملائم للتنمية والبناء..
    ورابعا: إن الصين تتعاطف مع مطالب شعوب المنطقة لتحقيق السلام، وعندنا مثل صينى يقول: 》لنضع أنفسنا فى مكان الآخرين《.
    ثم قال:
    - إن عدد سكان الصين الآن يزيد على 1200 مليون نسمة، ورغم ما تحقق من تحسن فى مستوى المعيشة، فإن ما تحقق لا يكفى، وهدفنا تحسين نوعية الحياة للمواطن الصينى، وهذا الهدف لا يتحقق إلا فى مناخ السلام، وشعوب الشرق الأوسط فى نفس الظروف، ولها نفس الهدف، وباتالى هناك احتياج شديد لإقامة السلام.. والصين ظلت منذ البداية، وستظل داعما قويا لمعلية السلام فى الشرق الأوسط، وأقول لك بوضوح.. هذه السياسة لن تتغير نتيجة تطور علاقات الصين بدولة معينة.
    وقال أيضا:
    - لقد مر عام كامل على اندلاع المصادمات الإسرائيلية الفلسطينية، والحكومة الصينية تتابع بقلق، وباهتمام شديد، ما يحدث فى المنطقة.
    ***
    قلت: وكيف ترى موقف إسرائيل؟
    قال:
    - إن إسرائيل تضرب عرض الحائط بكل المساعى للوساطة من المجتمع الدولى، وتتمادى فى استخدام الحقوق العسكرية مما أدى إلى خسائر فادحة فى الأرواح والممتلكات، والصين استنكرت وتستنكر هذه التصرفات الإسرائيلية.. وقد أثبتت تجارب التاريخ فى العالم فشل كل المحاولات لحسم المشاكل بالقوة العسكرية.. وسوف تبوء بالفشل كل محاولة لفرض حل بالقوة العسكرية.. وسأعطيك مثالا واحدا.. فى القرن الماضى واجه العالم الرأسمالى أزمة اقتصادية عالمية مرتين.. بعض الدول الرأسمالية حاولت شن الحرب لتسوية هذه الأزمات، واندلعت لهذا السبب الحربان العالميتان الأولى والثانية، وفى الحرب العالمية الثانية استطاعت دول المحور أن تتقدم بسرعة وبسهولة.. وفى الجبهة الآسيوية كانت النزعة العسكرية اليابانية مسيطرة وحققت نجاحات كبيرة على الجبهة الآسيوية.. سيطرت اليابان على منطقة جنوب شرق آسيا.. واحتلت شبه جزيرة كوريا وجزءا كبيرا من الأراضى الصينية، وكان اليابانيون مبتهجين بهذه النتائج، ووصل بهم الأمر إلى الحد الذى تصوروا فيه أنهم قادرون على فرض سيطرتهم بالقوة العسكرية، وظنوا أنهم يستطيعون هزيمة الولايات المتحدة.. وشنوا ا لهجوم على السفن الأمريكية فى ثلاث ساعات.. وماذا حدث بعد ذلك؟
    انتهت الحرب بهزيمة ساحقة لليابان، وتم إعدام كثير من اليابانيين، ومنذ أيام كنا تحتفل بذكرى مقاومة الشعب الصينى للاحتلال اليابانى، وكان رئيس الوزراء اليابانى يزور مقابر القتلى اليابانيين فى الحرب العالمية الثانية فى ضريح باسكوانى الذين ارتكبوا جرائهم حرب.. وعلى الجبهة الأوربية كان هتلر يتقدم بشكل كبير وسريع واكتسح دول غرب أوربا، وهذه الانتصارات دفعته إلى الطمع فى احتلال روسيا ونسف اتفاقية الصداقة بين ألمانيا وروسيا.. فماذا كانت النتيجة..؟ باءت بالفشل محاولته لفرض سيطرته بالقوة العسكرية وانتهى به الأمر إلى هزيمة ساحقة.. هكذا ترا أن تاريخ العالم يثبت أن اللجوء إلى الحرب والقوة العسكرية لا يحل أية مشكلة، والقوة العسكرية لن تؤدى إلى حل لمشكلة الشرق الأوسط. وقد ثبت بعد مواجهات دامت نصف قرن أن المجابهة بالقوة العسكرية لا تؤدى إلى الحل، وعندنا مثل صينى قديم جدا يقول: إن النهر يتدفق، وإذا ضربت النهر بسيفك فقد يتوقف تدفق المياه لحظة، وبعدها سوف تتدفق المياه. كما كانت ولن يتأثر النهر بهذه الضربة! والخلاصة: أن الحروب لا تحل المشاكل..
    ***
    وقال نائب وزير الخارجية:
    - إننا نقدر الجهود المبذولة من دول الشرق الأوسط وفى مقدمتها مصر حتى يتم وقف إطلاق النار واستئناف مباحثات السلام، ونحن نأمل فى أن تبذل مصر جهودا أكثر، لمكانتها وباعتبارها دولة كبيرة ومؤثرة فى المنطقة لدفع عملية السلام.
    قلت: وعلى أى أساس ترى الصين أنه يمكن أن يتحقق السلام؟
    قال:
    - الصين تدعو إلى مفاوضات سلام على أساس قرارات الأمم المتحدة ومبدأ الأرض مقابل السلام، وتنفيذ جميع الاتفاقات والتفاهمات التى سبق أن توصل إليها الفلسطينيون والإسرائيليون، وكان كونفوشيوس يقول: (الإنسان لا يستقيم بدون الأمانة).. الأمانة ضرورية.. والصين مستعدة للعمل مع الدول المعنية وفى مقدمتها مصر لتحقيق سلام عادل وشامل.
    ***
    قلت: ونحن فى عالم جديد مع العولمة.. والنظام العالمى الجديد.. كل شىء يتغير.. فكيف ترون مستقبل العلاقات العربية الصينية؟
    قال: إن الدول العربية وشعوبها أصدقاء موثوق بهم.. علاقات الصداقة التقليدية بيننا قائمة ومستمرة.. ونحن نشكر للدول العربية تأييدها الدائم للصين فى المحافل الدولية وأعتقد أن هناك مجالات كثيرة يمكن أن يزداد فيها التعاون بين الصين والدول العربية.
    والشعب الصينى يواجه فى القرن الجديد 3 مهام كبرى:
    المهمة الأولى: تنمية الاقتصاد وتحسين مستوى معيشة الشعب.
    المهمة الثانية: السعى إلى التوحيد الكامل للأراضى الصينية وخاصة تايوان.
    والمهمة الثالثة: العمل مع شعوب العالم لصيانة السلام العالمى.
    ونجاح الصين فى هذه المهام لا ينفصل عن تأييد ومساندة الدول النامية ومنها الدول العربية.
    قلت: وكيف سيكون الحال بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية بعد مفاوضات شاقة استغرقت 15 عاما؟
    قال:
    - إن انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية سوف يساهم فى مزيد من انفتاح الصين على الأسواق العالمية.. سوف نفتح الأبواب للاستثمارات والتجارة مع دول العالم المختلفة بما فيها الدول العربية.. ومنذ أيام عقدت ندوة عربية صينية فى مدينة (شامن) لبحث وسائل تشجيع الاستثمارات العربية فى الصين، وتشجيع رجال الأعمال والشركات فى الصين على الاستثمار فى الدول العربية.. نحن نرحب برجال الأعمال المصريين للعمل فى الصين.. ونشجع رجال الأعمال الصينيين للخروج من الصين ليستثمروا فى الخارج.. وسوف نعمل على بذل جهود أكبر لتعزيز التعاون الاقتصادى والتجارى ورفعه إلى مستوى جديد.
    قلت: وماذا عن مساعدات الصين للدول النامية؟
    قال: من الطبيعى أنه مع زيادة القدرة الاقتصادية الصينية سوف تزداد مساعداتنا للدول النامية، وخاصة الدول الأفريقية والدول العربية، وفى الفترة الأخيرة قدمنا مساعدات فى بعض المشروعات، ولكن ذلك ليس كافيا. وزيارة المساعدات مرتبط بمقدرتنا على تقديم هذه الزيارة.
    ***
    قلت: وماذا عن القضية التى تحدثت عنها وهى توحيد الصين؟
    قال:
    - بالنسبة لتوحيد الوطن هذه قضية لا مساومة فيها.. ونحن نأمل أن يتم توحيد الصين بالوسائل السلمية على أساس دولة واحدة ونظامين.. وقد نجحنا فى استعادة إقليم هونج كونج، وإقليم مكاو سلميا، ولن نسمح أبدا باستقلال تايوان، والتزام الصين بعدم استخدام القوة لاستعادة تايوان يرجع إلى أننا لا نريد أن نضيع فرصة التوحيد السلمى. ونحن نسجل شكرنا العميق لمصر والدول العربية لموقف المؤيد لقضيتنا فى التوحيد السلمى للوطن.
    ***
    قلت: وكيف ترى الصين النظام العالمى الجديد؟
    قال:
    - عدد سكان الصين يزيد على 1200 مليون نسمة.. صحيح أننا حققنا زيادة فى الدخل القومى والتنمية، ولكن عندما تقسم هذا الدخل الكبير على عدد السكان ستجد أننا مازلنا دولة نامية.. الدخل القومى أكثر من ألف مليار دولار، واحتل اقتصادنا المرتبة السابمعة فى العالم.. ولكن مع هذا الرقم الهائل فإن متوسط دخل الفرد لا يزيد على 800 دولار سنويا.. بينما متوسط دخل الفرد فى مصر ضعف هذا الرقم..!
    ونحن نرى أن النظام العالمى الجديد غير عادل.. الدول الغنية ازدادت غنى. والدول الفقيرة ازدادت فقرا، واتسعت الهوة بين الاثنين.. مثلا متوسط دخل الفرد فى 20% من الدول الغنية يزيد 74 مرة على متوسط الدخل فى 20% من الدول الفقيرة وفق إحصاء عام 2000، فى حين كان الرقم عام 1996 ستين مرة فقط، وقد زرت ساحل العاج منذ سنوات فقال لى رئيسها إن النظام العالمى غير عادل، حتى إن سعر القهوة فى باريس من البن الذى ننتجه يزيد 300 مرة على السعر الذى يشترون به البن من عندنا! وفى مواجهة هذا النظام العالمى غير العادل ليس أمام الدول النامية إلا الحرص على صيانة السلام والتضامن معا للإسراع بالتنمية الاقتصادية وزيادة الاهتمام بالتعليم، والعلوم، والتكنولوجيا، والصين من جانبها تنبهت إلى ذلك ووضعت الحكومة استراتيجية التنمية وإنعاش الاقتصاد بالاهتمام بالتعليم والعلوم والتكنولوجيا.
    وعلى الصعيد السياسى النظام العالمي الجديد غير عادل أيضا، وليست فيه ديمقراطية فى العلاقات الدولية، بعض الدول الغربية تبدو مهتمة بالتأكيد على القيم الديمقراطية، ونحن نؤكد ذلك أيضا، ولكننا نرى أن هذه الدول غير مخلصة فى تطبيق الديمقراطية فى العلاقات الدولية.. هم يمارسون الديمقراطية داخل بلادهم فقط، ولكن لا يمارسونها فى علاقاتهم الدولية.. ونحن فى الصين صادقون فى الدعوة الديمقراطية فى الداخل والخارج.. وندعو إلى المساواة بين الدول الكبرى والصغرى.. نرفض السماح للدول الكبرى بإبذال الدول الصغرى.. ونرفض التدخل فى الشئون الداخلية للدول.
    قلت: كأنت تعنى الولايات المتحدة؟
    - الولايات المتحدة تعطى نفسها الحق فى التدخل فى الشئون الداخلية للدول بما فيها الصين، الصين من بين ضحايا عدم الديمقراطية فى العلاقات الدولية.. الولايات المتحدة تبيع أسلحة متقدمة لتايوان، وتايوان جزء من الصين.. وما تفعلها الولايات المتحدة يؤثر على عملية التوحيد السلمى للوطن.. والولايات المتحدة تتدخل فى مجال حقوق الإنسان فى الصين، وتطرح مشروعات ضد الصين فى لجنة حقوق الإنسان فى الأمم المتحدة، رغم ما حققته الصين من إنجزات كثيرة فى هذا المجال.. مثلا فى سنة 1949 كان متوسط عمر الفرد فى الصين 39 عاما، وفى سنة 2000 أصبح متوسط التبت 35 عاما، والآن أصبح 71 عاما، وهذا يعنى أنه حدث تحسن ملموس فى حقوق الإنسان فى الصين، ولكن الأمريكيين يقولون إن هذه الإنجازات فى تحسين مستوى المعيشة والرعاية الصحية ليست من حقوق الإنسان.
    والحكومة الصينية اتخذت إجراءات لتعزيز الحرية الدينية وفقا للدستور.. وبهذه المناسبة أود أن أسجل الشكر لمصر لتأييدها لنا فى قضية حقوق الإنسان.. وأقول لك إن الحكومة تتولى تجديد المعابد فى التبت. وقدمنا طنا من الذهب لتجديد معبد فى التبت. أليس ذلك عملا ملموسا يؤكد الحرص على الحرية الدينية وحقوق الإنسان.
    ***
    قلت: هذا يقودنى إلى سؤال عن حادث طائرة التجسس الأمريكية التى قامت الصين بأسرها.. وانعكاس هذا الحادث على العلاقات بين الصين وأمريكا؟
    قال:
    - فى يوم الحادث وكان يوم الأحد أول أبريل جاء السفير الأمريكي لمقابلتى وجلس على مقعدك هذا فقلت له إن هذا اليوم فى الصين هو يوم الأشجار.. والرئيس زيمن والمسئولون الصينيون جميعا فى إجازة وهم الآن إما يزرعون الأشجار فى كل مكان وإما يأخذون نصيبهم من الراحة.. وقلت له نحن نحترم يوم الإجازة ولكنكم لا ترتاحون يوم الإجازة وتحلقون بطائرتكم فوقنا.. هل هذا عمل مناسب؟ بعد أن قدمت الولايات اعتذارا قمنا بالإفراج عن طاقم الطائرة وعددهم 24 فردا، وسمحنا بنقل الطائرة بعد فكها إلى أجزاء، وعندما اتصل الرئيس الأمريكي بوش بالرئيس زيمن تلفونيا أكد الرئيس بوش على اهتمام الجانب الأمريكي بمستقبل العلاقات الصينية الأمريكية وتأييد الولايات المتحدة لانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وقال إنه يتطلع إلى لقاء الرئيس الصيني فى شنغهاى على هامش اجتماعات منظمة (أيبك) وأشار إلى أن الولايات المتحدة وهى أكبر الدول المتقدمة، والصين باعتبارها أكبر الدول النامية بينهما نقاط مستركة كثيرة.. واتفقنا على إقامة علاقات بناءة لخدمة السلام، والاستقرار الإقليمي والعالمي، والتنمية.
    وقال السيد تساو شنج:
    - طبعا هناك خلافات بيننا وبين الولايات المتحدة.. وهذا أمر طبيعى.. وليس من الطبيعى أن تكون مواقف دولتين كبيرتين متطابقة تماما والخلاف الأكبر حول قضية تايوان، رغم وجود ثلاثة بيانات مشتركة بيننا.. تعهدت الولايات المتحدة بموجبها بتأييد مبدأ الصين الواحدة وأنها تعارض استقلال تايوان، وتعارض انضمام تايوان إلى الأمم المتحدة.. أو أية منظمة دولية، والحزب المشتركة، والآن نقول: إذا التزمت أمريكا بهذه المبادئ فإن العلاقات بين البلدين سوف تشهد تطورا كبيرا، وسوف يحقق التعاون الاقتصادى بينهما طفرة واسعة، ولا شك أن لقاء الرئيسين الأمريكى والصينى فى شنغهاى فى أكتوبر 2001.. وفى التعاون الاقتصادى ما يمكن أن يمثل خطوت موفقة..
    ***
    قلت: هل يعنى ذلك أن مشكلة طائرة التجسس انتهت وأغلق الملف؟
    قال:
    - ما زالت هناك مشكلة.. هى أن تدفع لنا أمريكا التكاليف.
    قلت: وماذا وجدتم فى هذه الطائرة؟
    قال وهو يبتسم:
    - لم أشهدها.. قالوا إنها طائرة متخلفة.. وقلت لهم إنها طائرة تجسس لا تحتاج إلى سرعة كبيرة أو ارتفاع كبير.. وكانت بيننا مفاوضات شاقة.
    ***
    قلت: أعرف أن حديثنا استغرق ضعف الوقت المقرر.. استغرقنا الحديث.. وما زالت هناك تساؤلات..
    قال وهو يضحك:
    - عندنا مثل صينى يقول عندما يلتقى الأصدقاء يطول بينهم الحديث ولا ينتهى، وعندما يلتقى الخصوم لا يجدون لديهم كلمة واحدة.. وسنستكمل الحديث قطعا.. ربما فى القاهرة.. أو فى بكين.
    وعندما كان يودعنى قال لى:
    - لقد أحببت مصر.. وزرتها ثلاث مرات.. وعندما كنت هناك آخر مرة كتبت قصيدة فى الطائرة عن مصر والهرم والتاريخ والمستقبل.. وأخذها موسيقار صينى وقام بتلحينها وأذاعتها الإذاعة الصينية.
    قلت:
    مشغول بهموم السياسة الخارجية.. وشاعر..
    قال:
    هكذا نحن.. وزير الخارجية كان شاعرا.. والزعيم ماوتسى تننج كان شاعرا. الصينيون فهم شاعرية.. وبالمناسبة فإننى أتمنى زيادة التبادل الثقافى بين مصر والصين.. هناك مجالات كثيرة للعمل.. تبادل زيارات الكتاب والفنانين والصحفيين.. ترجمة الأعمال الأدبية فى البلدين.. إقامة ندوات مشتركة فى الموضعات التى تهمنا معا..
    قلت له: وأنا أيضا أتمنى ذلك!
    ***
    وبعد أن عدت إلى القاهرة أرسل إلى سفيرنا فى بكين الدكتور نعمان جلال نص القصيدة التى كتبها السيد لى جاو شنج نائب وزير الخارجية الصينى بعنوان》لا تقلق أيها النيل العظيم《مع ترجمة لها وقد أرسلها إلى نائب الوزير تنفيذا لوعده:
    وتقول القصيدة:
    تتدلى السماء حتى تلامسه
    وتنساب أمواجه الخضراء بجرأة
    عبر سبعة آلاف عام
    تغطس الآمواج الرقيقة
    وتطفو على السطح وتسقط
    أين النهاية..؟
    يجرى متعرجا عبر صحراء أفريقيا
    ينثر الخير على الجانبين
    ويأتى الربيع ويرحل
    ثم يأتى الخريف ويرحل
    وتتجدد الأشجار الخضراء
    وتتجدد الزهور البيضاء
    والأمواج الرقيقة تطفو وتسقط
    الحياة تتجدد... وهو كما هو
    أين النهاية..؟ أين النهاية..؟
    لا تقلق أيها النيل العظيم
    فأنت مثل الزمن.. لن تنال منك السنون
    وأنت مثل الزمن لا تشيب
    وأمواجك من الشرق إلى الغرب تسير
    حاملة النوايا الحسنة
    وتنساب النوايا الحسنة عبر القارات الخمس
    وعلى ضفافك يتحرك الناس بحرية
    وتعيش العقول فى راحة
    يتحرك الناس بيسر
    وتعيش العقول فى هدوء
    قررنا بعد قرون...


    والغريب في الامر لم يتعظ المؤتمر الوطني من ماضيه الانقاذي المشين وولم يقود تحولات جذرية بعد نيفاشا تضع السودان في الوضع الامثل في العالم..سودان خالي من قرارات مجلس الامن.. ومن من المظالم الداخلية..
    والان بعد استنفاذ كافة الفرص و وادمان الاساليب الملتوية التي وضعتهم في مواجهة مجلس الامن وقرارت المحكمة الجنائية الدولية ...يتنطعون في التلفاز عن الشراكة الذكية مع الصين
    بئس الشريك الذى يحرج الصين في المجتمع الدولي ولا يتعلم منها كيف يدير صراعاته مع العالم..
    ولا زالت الدروس مستمرة لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

22-03-2009, 11:39 AM

adil amin

تاريخ التسجيل: 01-08-2002
مجموع المشاركات: 11752
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: تجربة الصين (Re: adil amin)

    Quote: الصين تفكر فى مستقبلها
    فى بكين وفى الأسبوع الأخير من سبتمبر 2001 تجمع 236 من رؤساء الحكومات الأوربية السابقين، ورؤساء الشركات العالمية والصينية الكبرى، وأساتذة الجامعات، والشخصيات الدولية، فى مؤتمر لم أشهد له مثيلا فى التنظيم الدقيق، والإعداد الجيد له منذ سنوات، والدراسات العميقة التى عرضت عليه، وكان موضوع المؤتمر: 》الصين والعالم فى القرن الحادى والعشرين《.
    كان واضحا أن القيادة الصينية تريد أن ترى الصين فى عيون العالم من خلال كبار المفكرين والسياسيين والعلماء، تتعرف على وؤيتهم لحاضرها ومستقبلها فى ظل ظروف عالمية جديدة، أصبحت فيها العولمة حقيقة مؤكدة لا مفر ولا مهرب منها، وأصبحت فيها القيادة لقطب واحد هو الولايات المتحدة، وأصبحت فيها حرية التجارة العالمية مفروضة على الجميع. كما أصبحت من حقائق هذا العصر فتح الأسواق وإزالة الحواجز الجمركية، ولم يعد ممكنا لأية دولة أن تلجأ إلى إجراءات لحماية الصناعات الوطنية أو إقامة حواجز أمام تدخل على شعوبها بأية وسيلة.. بعد أن أصبح تدفق الأخبار والصور والمعلومات أمرا واقعا لا حيلة لدولة فى منعه وأصبحت الفضائيات، والتليفون المحمول، والفاكس، والإنترنت، وسائل اتصال فى يد الجميع وتلاشت بها المسافات بين القارات تقريبا، وأصبح على الدول أن تعيد التفكير فى نظم الحكم، وأساليب التعامل مع الشعوب.
    وبالنسبة للصين، فهى على وعى بأن لها مكانا فى هذا العالم الجديد تفضل أن تصل إليه خطوة خطوة، وبهدوء، أقرب إلى التسلل، حتى تصبح قوة بين القوى العظمى فى العالم سياسيا واقتصاديا، ولكنها لا تريد أن تصل إلى هذه المكانة إلا بعد أن تكون قد أتمت استعدادتها، وتهيات للتصدى للتحديات الكبرى التى تواجهها الآن، والتتى سوف تزداد يوما بعد يوم مع تزايد نموها الاقتصادى والسياسى والعسكرى.
    ***
    كان الوفد المصرى فى هذا المؤتمر مكونا من ثلاثة: الدكتور بطرس غالى الأمين العام السابق للأمم المتحدة والأمين العام للمنظمة الفرانكفونية العاليمة، والدكتور محمد شاكر سفير مصر السابق فى لندن ورئيس المجلس المصرى للسياسة الخارجية، وأنا، وكان من المشاركين من خارج الصين، هوارد رئيس وزراء استراليا السابق، وميشيل هيسلتين نائب رئيس وزراء بريطانيا السابق، وكايفو توشيكى رئيس وزراء اليابان السابق، وكاسيمسرى كاسم نائب رئيس وزراء تايلاند السابق، وزيجينيو بريزنسكى مستشار الأمن القومى فى الولايات المتحدة السابق وب كيتنج رئيس وزراء استراليا السابق، وكان بين الأعضاء أيضا هيلموت كول مستشار ألمانيا السابق، ولوكين رئيس مجلس نواب الشعب الروسى (الدوما)، وآلن وينستين رئيس مركز بحوث الديمقراطية فى الولايات المتحدة، وريتشارد وولدبرد رئيس مجلس إدارة صحيفة هيرالد تريبيون الدولية... وعشرات غيرهم.. ومعهم 178 من أكبر الشخصيات الحزبية والأكاديمية والاقتصادية فى الصين..
    ***
    وفى اليوم الأول التقى الرئيس الصينى جيانج زيمن بأعضاء المؤتمر فى قصر الشعب، وتحدث إليهم عن الأهمية التى يوليها لهذا المؤتمر، وقال لرؤساء الحكومات السابقين: أنتم الآن خارج السلطة، ولم تعد قيود المنصب تفرض عليكم الحرص فى الحديث واختيار الكلمات، ولذلك أرجوكم أن تتحدثوا تصراحة وبوضوح، قولوا لنا: كيف ترون الصين الآن؟ وكيف ترونها خلال هذا القرن الجديد؟ فالإنسان لا يستطيع أن يرى نفسه جيدا، ولا أن يقدر الحجم الحقيقى له، ولكن 》الآخر《 يراه بصورة أفضل، ولهذا حرصنا على حضوركم لنعرف رأى كل واحد فيكم، وتأكدوا أننا سوف نستمع جيدا إلى كل رأى، وسوف ندرس بدقة كل فكرة، وسوف نستفيد من كل نصيحة.
    ثم قال الرئيس الصينى: إن أولوياتنا الآن هى : السلام.. والتنمية.. وهذه هى أمنية جميع الشعوب والدول فى كل مكان.. وهى أيضا الهدف الرئيسى للصين الحديثة.. ومع ذلك فإن التوترات الدولية قائمة.. والعولمة الاقتصادية تسيطر على الجميع.. والصين تنتهج سياسة خارجية مستقلة وتمد يدها بالسلام للجميع.. وتريد تبادل الصداقة لكل دول العالم تحقيقا لمبادئها والتزاما بميثاق الأمم المتحدة، وهدفنا إقامة علاقات دولية على أساس أخلاقى وعادل:
    وقال الرئيس الصينى: أعتقد أن الاحترام يجب أن يكون أساس التعامل مع الحضارات والمعتقدات والشعوب جميعا.. ويجب أن يسود الاحترام لتاريخ كل أمة وعدم محاولة تشويه أو طمس هذا التاريخ، أو الإساءة إلى ثقافة أمة من الأمم، أو إلى النظام الاجتماعى الخاص بها، أو إلى النموذج الذى اختارته للتنمية.. ولابد من الاعتراف بحق كل شعب فى الاحتفاظ بهويته القومية وشخصيته المميزة.. لابد من الاعتراف با، هناك اختلافات بين المجتمعات.. ويجب احترام هذه الاختلافات.. والمشكلة الكبرى الآن هى أن الفارق بين دول الشمال ودول الجنوب كبير جدا.. والفجوة بين الأغنياء والفقراء واسعة جدا.. وكذلك فإن الواقع أمامنا أن الصراعات الإقليمية تزداد بعد أن كنا نتوقع أن تجد هذه الصراعات الحلول الكاملة وتتلاشى أو تتضاءل على الأقل..
    وقال الرئيس الصنيى: إن على العالم الآن أن يفهم الصني.. كثيرون لا يفهمون الصين جيدا.. وجزء من هذه المشكلة يرجع إلى اللغة الصينية، فهى لغة غير منتشرة، والبعض حين يترجم ما نقوله يرجع إلى القاموس ويترجم أقوالنا ترجمة حرفية غير مفهومة أحيانا، وغير دقيقة أحيانا أخرى، ولا تعبر عن المعنى الحقيقى أو الفكرة الحقيقية التى نقولها، ولذلك أتمنى أن يفهمنا العالم فهما جيدا أفضل مما هوالآن.. وأتمنى أن يدرك العالم أن الصين الآن صين جديدة.. مختلفة عن الصين التى كانوان يقرءون عنها فى الصحف أو فى كتب التاريخ.. وأتمنى أن يدرك العالم أن الصين تمديدها لكل دول وكل شعوب العالم.. الصين تحتاج إلى الحوار مع كل العالم.. الصين تعمل على تطوير اقتصادها.. وتسعى إلى الاستفادة بالقدرات والخبرات الأوربية.. الصين تعمل على القضاء على الإرهاب بكل أشكاله، وتدعو إىل حوار عالمى حول أسباب انتشار الإرهاب وكيفية القضاء عليه بالقضاء على أسباب وجوده وتغيير المناخ والظروف التى تسمح بنموه..
    وقال الرئيس الصينى: إن القرن الحادى والعشرون من الممكن أن يكون فرصة لتصحيح كثير من الأخطاء وإعادة كتابة تاريخ جديد للعلاقات الدولية، وإنهاء المشاكل.. وبالمناسبة أنا ضد القول بأن الغرب ضد الشرق.. أو أن هناك مواجهة بين أوربا وروسيا والصين.. أنا أرى أن هناك اختلافات فى التجارب والظروف لكل بلد.. وكل بلد لديه مشروع للتحديث، وهذا التحديث لابد أن يستفيد من تجارب الدول الأخرى بما فى ذلك تجارب أوربا وأمريكا..
    وقال الرئيس الصينى وهو يلتفت إلى المستشار الألمانى كول الذى كان يجلس إلى جانبه ويبدو أن بينهما صداقة من نوع خاص: إن الصين كافحت طويلا ضد الاستعمار.. لقد استغرقت 100 سنة فى كفاح من أجل الاستقلال والتحرير.. والآن نحن نعلم أن الصين لا تستطيع أن تحقق أهدافها بدون علاقات مع العالم.. والعالم أيضا لا يمكن أن يتجاهل الصين.. الصين وحققنا هذا العام نسبة نمو بلغت 7.5% ونعمل يجدية كلما حققت تقدما يؤدى ذلك تلقئيا إلى رفع مستوى المعيشة ارتفع.. فى البداية قلنا إننا لا نستطيع تنمية الصين كلها دفعة واحدة فدأنا بتنمية شرق الصين.. وبعد أن تحقق قدر ملحوظ من تنمية الشرق بدأنا فى استراتيجية جديدة لتنمية الغرب، وقلنا إن مناطق الغرب لتحقيق التوازن فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية فى كل الصين.. وهذه هى استراتيجيتنا الآن.. تعلمون أننا نجحنا فى استعادة هونج كونج ومكاو إلى أرض الوطن وتبقى أمامنا تايوان وهى أيضا جزء من أرض الوطن.. وتوحيد أراضى الوطن الصينى استراتيجية ثابتة لا جدال فيها.. سياستنا الخارجية تتلخص فى مبادئ أساسية: السلام.. التعاون مع دول العالم.. عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول.. ونؤمن بالتعاون بين الحضارات والثقافات.. ونحترم خصوصية كل شعب والمعتقدات والقيم التى يؤمن بها.
    وقال الرئيس الصينى: كما تعلمون فأنا لم أكن متخصصا فى الاقتصاد، ولكنى فى الأصل مهندس، درست الهندسة فى الجامعة، وكنت وزيرا، ثم عمدة شنغهاى، ولكنى الآن أقرر أن الاقتصاد أكثر صعوبة وتعقيدا من الهندسة.. إن تعداد شعب الصين أكثر من 1200 مليون نسمة، منهم 800 مليون يعيشون فى الريف، ولن نقول إننا نجحنا فى رفع مستوى المعيشة وحققنا هدفنا إلا إذا نجحنا فى رفع مستوى معيشة هؤلاء.
    عندنا مشاكل.. وضع المرأة فى الصين يحتاج إلى جهد لتصحيحه.. سرنا فى ذلك خطوات.. تعلم الفتيات.. وعندنا قانون جديد للزواج يفرض زوجة واحدة لكل رجل.
    يقولون فى الغرب إن الصين ليست فيها ديمقراطية.. ماهى الديمقراطية؟.. عندنا الحزب الذى يحكم له وحدات فى كل قرية وكل مصنع وكل حى فى كل مدينة، وكل قانون وكل قرار يناقش فى هذا المستوى، وتصعد القرارات إلى المستويات الأعلى فالأعلى.. وتكون حصيلة الحوارات الشعبية أمام لجان المقاطعات ثم مؤتمر الحزب ثم اللجنة المركزية ثم المجموعة القيادية.. أليست هذه هى الديمقراطية؟.. هل النظام الغربى وحده هى النظام الديمقراطى؟
    ثم إننا نقول إننا نطبق اقتصاد السوق الاشتراكى ذا الخصائص الصينية، والعالم لا يفهم ماذا نريد؟ وماذا نعمل وماذا حققنا، أتمنى أن نفهم العالم نظامنا الاقتصادى والسياسى وسيجد أنه النظام المناسب لنا.. وقد حققنا تقدما لا بأس به بهذا النظام وهذا دليل نجاحه.. احتياطى النقد الأجنبى عندنا 190 مليار دولار.. سنضاعف معدلات التنمية.. عملية البناء مستمرة وبسرعة فى المدن والريف.. فى الشرق والغرب.. خطط التنمية الخمسية تنفذ 100% وأكثر.
    وقال الرئيس الصينى بصوت عال: الصين ليس فيها دكتاتورية كما يقولون.. وليس فيها دكتاتور. ولكن فيها زعيم قوى.
    ثم قال: هل تعلمون أن استخدام الكمبيوتر انتشر؟.. عشرات الملايين يستخدمون الكمبيوتر فى أعمالهم.. والملايين يشتركون فى الإنترنت.. والصني هى ثانى أكبر دولة فى العالم فى استهلاك الطاقة.. وفى الصين 229 مليون تليفون.. و85 مليون تلفون محمول..
    وأخيرا قال: الصورة التى نتقل عن الصين أحيانا تكون صورة غير صحيحة.. ولابد أن تصل صورة الصين الحقيقية إلى العالم..
    ***
    كان الرئيس الصينى يبدو فى منتهى الحيوية وروحة المعنوية عالية، ويبدو فى الخمسين من عمره رغم أنه تجاوز الخامسة والسبعين.. ورغم أنه أعلن لكبار قادة الحزب منذ أيام اعتزامه اعتزال منصبه فى خريف 2002 بعد أن حكم البلاد 13 عاما منذ 1989، وتردد أن ثلاثة من أكبر وأقوى القادة الصينيين قرروا أيضا الاعتزال وهم》لي ينج《ورئيس الوزراء 》 تشى رونجى《، وكذلك 》وى خيانكسنج《 سكرتير اللجنة المركزية للحزب.
    ويبدو أن الزعيم الصينى راض عما حققه لبلاده من تقدم فى فترة حكمه وأراد أن يدعو إلى هذا المؤتمر ليترك وثيقة تمثل رؤية عقلاء العالم لدور الصين فى القرن الجديد، وتحدد فلسفة العمل فى السنوات القادمة.
    ***
    وقال نائب رئيس وزراء الصين كيان كيشين فى بداية المؤتمر: إن شعب الصين أمامه ثلاثة أهداف رئيسية عليه أن يتم إنجازها خلال هذا القرن، الهدف الأول هو استكمال عملية التحديث الشاملة فى كل جوانب المجتمع الصينى، والهدف الثانى هو العمل بكل قواه لتحقيق الاستقرار والسلام والأمن فى العالم لأن ذلك هو المناخ الذى نستطيع فيه تحقيق الهدف الثالث وهو التنمية ورفع مسترى المعيشة وتحسين ظروف الحياة للمواطنين إلى المستوى الذى نطمح إليه.
    وقال إن عملية تحديث الصين مرتبطة بانفتاح الصين على العالم، وإعادة بناء النظم القانونية والاقتصادية والتعليمية.. ولقد بدأنا بناء نظام اقتصادى جديد منذ عشرين عاما، وعلينا الآن أن نتقدم نحو زيادة التعاون الاقتصادى والتجارى مع دول العالم.. وأمامنا مهمة داخلية هى توحيد الوطن.. ونحن نتوقع أن تكون السنوات الخمس أو الشعر القادمة مرحلة مهمة فى الانطلاق الاقتصادى والتقدم التكنولوجى فى الصين، أمامنا إلى جانب إقامة الصناعات الحديثة، وامتلاك التكنولوجيا الحديثة، مهمة إعادة بناء المدن لتكون مدنا عصرية، واستكمال البنية الأساسية وتحسين البيئة فى كل أنحاء الصين، وعلينا أن نعمل على بناء نظام قوى للتعليم والبحث والابتكار فى مجالات العلوم المختلفة، وعلينا أيضا أن نعيد تدريب الفنيين على أساليب عمل جديدة وأجهزة تكنولوجية حديثة.
    وقال نائب رئيس الوزراء إن المهام المحددة لنا الآن تشمل أيضا إعادة بناء النظام السياسى والتشريعى والقضائى.. وسوف نشجع الصينيين على الخروج إلى العالم للستثمار والسياحة فى الصين، وسيحقق هذ ا لنا انتعاشا فى التجارة الداخلية والخارجية.. ونحن نستعد لدخول منظمة التجارة الحرة وهذا يحتاج منا إلى مستوى جديد فى الأداء والإنتاج.
    ***
    فى الحوارات الجانبية فى المؤتمر وعلى موائد الغداء والعشاء كان يتردد سؤال على لسان المشاركين: لماذا تعتبر الولايات المتحدة الصني عدوا لها؟!
    وتعددت الإجابات والآراء.. قيل مثلا إن التقديرات العسكرية وتكهنات السياسة الخارجية فى وزارتى الخارجية والدفاع فى أمريكا تتحدث عن احتمال نشوب نزاعات مع الصين وقيل إن البنتاجون يجرى الآن مراجعة استراتيجية على أساس تحويل الجهد العسكرى الرئيسى من أوربا إلى آسيا، وزرع قوة عبر الباسفيك فى مواجهة الصين..
    وقيل إن هذا إن كان صحيحا فسيكون خطا آخر من أخطاء السياسة الأمريكية، لأنها إذا تعاملت مع الصين على أنها عدو فسوف تصبح عدوا بالفعل، وسيؤثر ذلك على وضع الولايات المتحدة فى الشرق الأقصى كحليف لليابان وكوريا الجنوبية، وكلاهما لا يريد حربا أو صراعا بين الصين، والولايات المتحدة يمكن أن تؤثر عليهما وتجرهما للاشتباك فيها، واستمرار هذه السياسة الأمريكية سيؤدى مع الوقت إلى إضعاف العلاقتها مع حلفائها ويؤثر على وضع قواعدها العسكرية هناك.. وهناك ما يكفى لتوتر العلاقات غير موضوع الصين.. ففى اليابان حاليا فيلق للجيش الأمريكى، وفرقة من القوات الجوية، وقاعدتان هائلتان، وعشرون ألف جندى أمريكى من مشاة البحرية فى أوكيناوا بما يمثل مصدرا دائما لتوتر العلاقات الأمريكية- اليابانية. وفى كوريا الجنوبية توجد قيادات القوات البرية والجوية ويوجد أيضا 36 ألف جندى أمريكى، وهذا الوجود العسكرى الأمركى يمثل استفزازا دائما للصين، ومصدرا دائما للقلق لا تستطيع تجاهله.
    وبذور التوتر فى العلاقات بين الولايات المتحدة والصين تشمل موضوع تايوان.. الصني مصممة على ضم تايوان وفقا لسياستها لتوحيد أرض الوطن.. والصين لا تفكر فى حل عسكرى.. ولكنها تعتمد على سياسة النفس الطويل الذى كسبت بها معركة ضم هونج كونج وماكاو.. ولكمن الإدارة الأمريكية ترى استحالة التوصل إلى حل سياسى لمشكلة تايوان.. والصين ترى نه عاجلا أو آجلا سوف يتم إيجاد حل سياسى.. أما ما يقال عن تهديدات الصين بغزو تايوان فهى خديعة أمريكية.. فالصين تعلم أن مثل هذا المحاولة مقضى عليها بالفشل حتى ولو لم تتدخل الولايات المتحدة.. وتعلم ا، التكلفة الاقتصادية لآى حرب تدخلها ستؤثر على مشروع الصين للتحديث والبناء والتنمية الاقتصادية.. وسياسات الصين تخضع للعقل.. والمصلحة.. ولا تخضع للانفعالات العاطفية.. أو》النعرة القومية《.. ويعلم الأمريكيون الصين لم تكن قوة عالمية، وتكتفى با، تكون》المملكة الوسطى《التى تسمو على الآخرين بحكم ثقافتها، كما أن الصني لا تملك قوات عسكرية قادرة على الانتشار خارج حدودها.. الصين لديها جيش ضخم لا يمكن مقاومته إذا كان فى وضع الدفاع، ولكن ليست لديه استراتيجية للهجوم.. ولن يتحرك هذا الجيش الهائل إلا إذا فكر أحمق فى غزو الصين.. فالصين تملك قوات دفاعية متفوقة، وتملك أكثر من عشرين صاروخا من الصواريخ النووية التى يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة ولكنها – كما قال وليامم فاف الخبير فى هيرالد تربيون – ليس لديها سبب يدعوها لشن هجوم على الولايات المتحدة أوعلى غيرها.
    صحيح أن الخلافات قائمة بين الولايات المتحدة والصين حول حق الصين التاريخى فى ضم أجزاء من أراضيها مثل التبت وتايوان وبعض الجزر فى بحر الصين الجنوبى، ولكن هذه الخلافات لا تمثل خطرا على المصالح الأمريكية الأساسية، وليس هناك ما يدل على أن الصين لها أطماع خارجية.
    ولكن الصين تنظر إلى ما يحدث فى اليابان من تطورات بعد أن سعت الحكومة اليابانية إلى إعادة صياغة الدستور السلمى المفورض عليها من الولايات المتحدة، وانتهزت فرصة حرب أمريكا فى أفغانستان لإصدار قانون يسمح بإرسال قوات يابانية للقتال خارج الحدود.. والتوتر قائم بين اليابان وأمريكا فى نفس الوقت بسبب الحقوق الممنوحة لأمريكا لإقامة قواعد عسكرية لها فى اليابان والتى يحتمل أن تكون عبثا على اليابان فى حال نشوب نزاع بين الولايات المتحدة والصين.
    وكل قادة الصين يعلنون رفضهم لما يقوله الرئيس الأمريكى بوش الابن ونائبه ديك تشينى ووزير دفاعه رامسفيلد من أن الصين تمثل تهديدا عسكريا للمصالح الأمريكية أو اليابان، واليابان أيضا تختلف مع الإدارة الأمريكية فى هذه الرؤية.
    ***
    وقيل فى هذا المؤتمر إن علاقات الصين مع روسيا أصبحت فى أفضل حالاتها، وليس هناك تنافس الآن بين الدولتين، وتم توقيع اتفاقية للتجارة بينهما بعد أن تم الاتفاق على إنهاء الخلافات السياسية، وبذلك تدخل الصين وروسيا القرن الحادى والعشرين دون تصادم أو تنافس بينهما أو تفكير فى الدخول فى مواجهات فى أى مكان فى العالم.
    وكان من رأى الدكتور بطرس غالى أن عصر توازن القوى، وتوازن الرعب النووى قد انتهى، وأصبحنا فى عصر البحث عن توازن الاستقرار، ونحن فى عالم تتولى فيه الولايات المتحدة قيادة العالم اقتصاديا وسياسيا، وفى عصر تتأكد فيه العولمة وتفرض نفسها على الجميع، والصين قوة بشرية هائلة، وهى قادرة على أن تأخذ زمام المبادرة بيدها دائما، وقادرة على تحقيق سياستها الخارجية القائمة على السلام والاستقرار والتنمية.. ولكن العالم محتاج إلى تغيير عقلية بعض الذين يحكمونه.. والصين تحتاج إلى حل خلافاتها مع الولايات المتحدة العسكرية والسياسية..
    وقال الدكتور بطرس غالى إن الإنسان الفرد لا يستطيع أن يعيش دون أن يكون له أمل معين.. أو حلم.. والصين لديها أمل وحلم تستطيع أن تحققه، وأمامنا شواهد على قدرتها على الإنجاز حققته من تنمية وتقدم حتى الآن، وما زال القرن فى بدايته المبكرة.
    وتساءل الدكتور بطرس غالى: هل صحيح ما ينشر فى الصحف من أن روسيا يمكن أن تكون فى مرحلة ما مع الولايات المتحدة ضد الصين؟
    وقيل فى مناقشات المؤتمر الكثير.. مثل إن العولمة كانت خيرا للدول الكبرى وشرا للدول الصغيرة وتهددها بالانهيار.. أفريقيا على وشك الانهيار إذا لم يتم تداركها بمساعدات إنسانية لإنقاذ حياة الملايين الذين يموتون والمهددين بالموت جوعا.. والاستقرار والأمن والتنمية لا يمكن تحقيقها فى جزء من العالم وحرمان الجزء الآخر منها.. لأن الاستقرار فى العالم لا يتجزأ.
    وقيل إن العالم فى هذا القرن الجديد يحتاج إلى الديمقراطية فى العلاقات الدولية، لأن العلاقات الدولية قائمة على دكتاتورية دولة واحدة هى القوة الوحيدة التى لا تسمع أحدا ولا تريد أن يشاركها أحد فى القرار وتطالب الجميع بالانصياع لها.. العالم محتاج إلى الديمقراطية فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.. وفى البنك الدولى.. وفى بقية المنظمات الدولية.. العالم محتاج إلى تغيير حقيقى لكيلا يصبح ملكا لقوة واحدة أو دولة واحدة.. لابد أن تتكاتف كل دول العالم لكى يكون العالم فى القرن الجديد ملكا لكل العالم..
    وقيل إن الصين يمكن تعلم دول العالم نموذج التنمية والتحديث مع الحفاظ على التراث والشخصية القومية فى نفس الوقت، ويمكن أن يتعلم العالم من الصين استراتيجية التعامل الخارجى بالأسلوب الهادئ.. بدون تعجل.. وبتخطيط بعيد المدى.. وبالصبر فى التنفيذ.. والاستمرار فى العمل بدون تراخ.. وعدم الاستجابة للاستفزاز.. أو التعامل مع الموقف والأحداث بأسلوب رد الفعل.. وعدم اتخاذ القرار أو القفز فى اللحظة الأخيرة.
    ***
    قيل فى المؤتمر أيضا: إذا كانت مشاكل الحدود بين الصين وروسيا انتهت بالاتفاقية التى وقعت أخيرا وأصبحت الحدود بينهما آمنة.. ولم يعد هناك توتو أو حشود أو قلق بينهما.. إلا أ، القلق فى الصين وروسيا الآن من النظام الدفاعى الصاروخى الأمريكى.. ومفهوم أن حائط الصواريخ الأمريكى الذى تريد إدارة بوش تنفيذه موجه أساسا للصين وروسيا.. وأمريكا تعلم أن الصين ليس لديها أى نظام دفاعى مماثل ولا تفكر فى تبديد أموالها فى بناء نظام كهذا.. وتعلم أن الأزمة الاقتصادية فى روسيا لا تسمح لها بالدخول فى سباق تسلح جديد من هذا النوع. وقد سبق أن فرضت عليها أمريكا فى عهد ريجان سباق تسلح من هذا النوع باسم حرب الكواكب وأدى الإنفاق عليه إلى خراب الاتحاد السوفيتى وانفراط العقد الذى كان يبدو قويا. وأمريكا تعلم أن استراتيجية الصين استراتيجية دفاعية وليست هجومية أو عدوانية.. وإذن فلماذا تريد الإدارة الأمريكية بناء هذا النظام الصاروخى الخطير؟!
    وتساءل البعض فى المؤتمر: هل ستقضى العولمة على الكيانات الإقليمية مثل الاتحاد الأوروبى، ومنظمةالأسيان وغيرها؟.. وكان الرأى السائد أن هذه الكيانات الإقليمية سوف تستمر لأن الاحتياج إليها سيظل قائما لحماية الدول المشتركة فيها من انفراد قطب واحد بالقوة والسيطرة الاقتصادية على العالم.. بل إن العلاقات بين الكيانات الإقليمية ستكون أيسر وأكثر فيما بينها من العلاقات بين الدول وبعضها منفردة.
    ***
    وقيل فى المناقشات الجانبية إن الصين حققت إنجازات مهمة فى استيعاب الاستثمارات الأجنبية للإسراع بالتنمية، وكانت برطانيا أكبر مستثمر أوروبى فى الصين، وقال اللورد تشارلز باول رئيس مجلس الأعمال الصينى البريطانى إنه بالرغم من التباطؤ الاقتصادى فى العديد من دول العالم، فإن علاقات التجارة والأعمال بين بريطانيا والصين تنمو بسرعة ووصلت إلى مستويات قياسية.. وقد أقامت الصين آليات تفاوض بينها وبين دول الاتحاد الأوربى، وكوريا، واليابان، ولجذب الاستثمارات وحل مشاكل المستثمرين أولا بأول، حتى أصبحت ألمانيا أكثر الدول استثمارا فى الصين وتليها بريطانيا.. وفى نهاية عام 2000 وصلت الاستثمارات البريطانية المتعاقد عليها فى الصين إلى 17 مليار دولار، وحجم التجارة الصينية البريطانية وصل إلى رقم قياسى حوالى عشرة مليارات دولار فى العام الماضى بزيادة 25% على العام السابق.
    وقيل فى هذا المؤتمر أيضا إن الصين تستعد للدورة الأولمبية عام 2008 وسوف تثبت للعالم جينئذ أنها جديرة بمكانة فى الصدارة حين تسلط الأضواء على كل ركن فيها، وسيرى العالم أن الصين تغيرت وأصبحت دولة حديثة ومتقدمة.. وكذلك فإن استعدادات الصين للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية تتم بجدية شديدة، وسيرى العالم أن علاقات الصين مع العالم ستصبح على مستوى جديد.
    ولأن المؤتمر استمر ثلاثة أيام واحتشدت فيه عقول العالم وتشعبت فيه المناقشات وشملت أوضاع العالم كله فى القرن الجديد، فإنه يستحق أن نستكمل ما دار فيه، فى الفصل التالى.

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

[رد على الموضوع] صفحة 1 من 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:

تجربة الصين فى FaceBook

· دخول · أبحث · ملفك ·

Home الصفحة الاولى | المنبر العام | | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2014م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الثانى للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2012م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2012م | مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2012 | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2012م |مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2011م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2011م |
مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2011 | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2011م | نمدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2010م |أمدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2009م |مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2008م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2008م |
مدخل أرشيف العام (2003م) | مدخل أرشيف العام (2002م) | مدخل أرشيف العام (2001م) | مكتبة الاستاذ محمود محمد طه |مكتبة البروفسير على المك | مكتبة د.جون قرنق | مكتبة الفساد| مكتبة ضحايا التعذيب | مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان | مكتبة دارفور |مكتبة الدراسات الجندرية | مكتبة العالم البروفسيراسامة عبد الرحمن النور |
مواضيع توثيقية متميِّزة | مكتبة قضية سد كجبار | مكتبة حادثة يوم الاثنين الدامي | مكتبة مجزرة اللاجئين السودانيين في القاهرة بتاريخ 30 ديسمبر 2005م |مكتبة الموسيقار هاشم مرغنى(Hashim Merghani) | مكتبة عبد الخالق محجوب | مكتبة الشهيد محمد طه محمد احمد |مكتبة مركز الخاتم عدلان للأستنارة والتنمية البشرية | مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان | مكتبة سودانيز أون لاين دوت كم |مكتبة تنادينا,الامل العام,نفيرنا | مكتبة الفنان الراحل مجدى النور محمد |
مكتبة العلامة عبد الله الطيب | مكتبة احداث امدرمان 10 مايو 2008 | مكتبة الشهيدة سهام عبد الرحمن | منبر اليوم الحار لخريجى كلية الهندسة و المعمار بجامعة الخرطوم |مكتبة الراحل المقيم الطيب صالح | مكتبة انتهاكات شرطة النظام العام السودانية | مكتبة من اقوالهم |مكتبة الاستاذ أبوذر على الأمين ياسين | منبر الشعبية | منبر ناس الزقازيق |مكتبة تهراقا الفن الدكتور محمد عثمان حسن صالح وردى | اخر الاخبار من السودان2004 |
اراء حرة و مقالات سودانية | مواقع سودانية | اغاني سودانية | مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد | دليل الخريجيين السودانيين | الاخبار اليومية عن السودان بالعربى|
جرائد سودانية |اجتماعيات سودانية |دليل الاصدقاء السودانى |مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان |الارشيف والمكتبات |
|Contact us |About us | Discussion Board |Latest News & Press |Articles & Analysis |PC&Internet Forum |SudaneseOnline Links |

للكتابة بالعربي في المنتدى

للرجوع للصفحة الرئيسية اراء حرة و مقالات
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
اضغط هنا لكي تجعل المنتدى السودانى للحوار صفحتك الرئيسية لمتصفحك
يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع بشرط وضع "نقلا عن سودانيز اون لاين"و الاشارة الى عنواننا WWW.SUDANESEONLINE.COM
الاخبار اليومية Contact Us اتصل بنا أجتماعيات

© Copyright 2001-02
Sudan IT Inc.
All rights reserved.

If you're looking to submit news,video,a press release or or article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de