دعونا نتحدّث بصراحة عبد الوهاب الافندى (هل هناك حقّاً "عملية انتقال ديمقراطي" في السودان؟) الخطاب السياسي يُشبه في كثير من مظاه" /> مكتبة معالى ابوشريف
مكتبة معالى ابوشريف

مذكرات المهندس خالد نجم الدين عن أحداث مساء 21 أكتوبر 1964م

خمسون عاما على ثورة أكتوبر: حلمنا الذي سيكتمل

حملة للدفاع عن كرامتنا التي اذلها المشير الراقص ووقف المصريين اسأتهم لنا.

وكذا الاسود يا مريخ , وصدق مازدا ( مباريات الكؤوس تكسب و لا تلعب ) !

احتفالات ثورة اكتوبر بالمملكة المتحدة

المنبر العام

مقالات و تحليلات ابحث

بيانات صحفية

تحديث المنتدى

المتواجدون الآن

مواقع سودانية

Latest News Press Releases

دليل الخريجين

اجتماعيات

الاخبار

أغانى سودانية الارشيف والمكتبات مواضيع توثيقية ومتميزة اغانى مختارة
مرحبا Guest [دخول]
أخر زيارة لك: 22-10-2014, 02:45 PM الرئيسية

مكتبة معالى ابوشريف (الكيك)مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
أقرا احدث/اخر مداخلة فى هذا الموضوع »
29-12-2009, 04:53 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا

    دعونا نتحدّث بصراحة
    عبد الوهاب الافندى


    (هل هناك حقّاً "عملية انتقال ديمقراطي" في السودان؟) الخطاب السياسي يُشبه في كثير من مظاهره الأدب الخيالي:

    السياسيون يكذبون كثيراً، وغالبية الناس يعرفون أنّهم يكذبون، لكنَّ الجميع يشاركون في التمثيلية، تماماً كما يندمج المشاهد مع فيلم ممتع أو القارئ مع رواية شائقة، رغم أنه يعلم أنَّ القصّة مُتخيّلة بالكامل. ولأنَّ الكل يعلم أنَّ السياسيين، مثل الشعراء، يقولون ما لا يفعلون، وفي كل وادٍ يهيمون، فإنَّ الجمهور يتعامل مع عروضهم المسرحية بما تستحق، ويفاضل بين أدائهم على هذا الأساس. ولا يعني هذا أنَّ الشعوب تنخدع بادعاءات المُدّعين أو نفاق المنافقين أو وعود المبالغين، ولكنّها تتعامل مع هذه الدعاوى في إطارها.

    فإذا تصنَّع سياسيٌ بالحنو على الأطفال، أو أظهر الحزن والخشوع على مآسي الآخرين، فلا أحد يعتقد للحظة أنَّ هذه مشاعر حقيقية، ولكنّه يُقدِّر أنَّ السياسي المعني قد سلك السلوك المناسب في الظرف المعني. وهناك مواقع كثيرة في العمل العام يُسبِّب فيها الصدق في التعبير عن المشاعر والآراء لصاحبه من الضرر أكثرمن الكذب. ومن قبيل ذلك ما حدث للإذاعي الكوميدي الأمريكي الشهير بيل مار الذي علَّق في برنامجه التلفزيوني على قناة أي بي سي بُعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر رافضاً اتهام مُرتكبي الحادث بأنّهم جبناء. فقد قال مار إنَّ الجبناء هم من يرسلون الصواريخ ضدَّ أعدائهم من على بعد ألفي ميل، أمّا من يبقى في طائرة وهي تصطدم بمبنى فيمكن أن يُتهم بتهم كثيرة، ليس من بينها الجبن.


    وقد أثارت تعليقات مار عاصفة من النقد سرعان ما أفقدته وظيفته وظلّ لفترة منبوذاً إعلامياً وسياسياً رغم اعتذاره المتكرر والحديث عن "إساءة فهم تعليقاته". ومثل هذا في عالم السياسة كثير، حيث الكذب منجاة والصدق مهلكة. ونحن نتحدَّث هنا عن عالم السياسة في تجلِّياتها الديمقراطية، أمّا الأنظمة غير الديمقراطية فهي تقوم أساساً على الخداع والمخادعة نهجاً. ذلك أنَّ أهم سلاح لدى الأنظمة القمعية هو إخفاء وتمويه الحقائق، بدءاً بإطلاق تسمية "الديمقراطية" على الدوّل الاستبداية الشمولية مثل كوريا الشمالية وسابقاتها، مروراً بالإشادة المتكررة بفضائل الحاكم الأوحد التي لا تُحصى، والحديث عن إنجازات النظام الخارقة، وبالطبع إخفاء كل فشل وتقصير وإظهاره على أنّه فتحٌ مُبين. ولا نحتاج هنا إلى أن نفيض فيما هو معلوم من تفاصيل السياسة السودانية،


    والطابع السريالي لتقلُّبات أهلها الإيديولوجية والسياسية، وتسمية الأشياء بغير أسمائها، ووصف الناس بضدّ ما هم عليه، لأنَّ كل هذا معلوم وظاهر من حاضر السياسة السودانية وماضيها القريب. فكثيرٌ من أحزابنا لا تزيد على كونها ألقاب مملكة في غير موضعها، وكثيرٌ منها يُخالف إيديولوجيته، بل يناقض برامجه المُعلنة، وهي برامج تخالف بدورها الأفعال. أمّا القيادات ومسالكها وسلوكياتها، والتحالفات وتقلُّباتها، فحدِّث ولا حرج. وتعامل الجمهور والنُخب مع هذه الأوضاع، والتكيُّف معها يستحقُّ بدوره دراسات متعمِّقة في سوسيولوجيا الكيانات السياسية وسيكلوجية النفس البشرية. فليس كلُ الممثلين في المهازل كاذبين مخادعين، بل كثير منهم صادق مع نفسه التي نجح نجاحاً يُحسد عليه في خداعها حتى لم يعد يُميز بين الخيال المسرحي والواقع حول الخشبة. ولكن هذا مبحث آخر. ما نودُّ أن نُركِّز عليه هنا هو المسرحية التي تُمثّل أمام أعيننا باعتبارها ترسم ملامح و "خارطة طريق" مرحلة انتقالية تعبر فيها البلادُ وضعاً إعترف الجميع بأنّه استبدادي غاشم، إلى وضع يأمُل البعض (ويخشى آخرون) أن يصبح ديمقراطياً.


    وبحسب هذه "الرواية" (بكل معاني هذا التعبير)، فإنَّ هناك خطوات عملية وتشريعية مترابطة يجري اتخاذها لرسم خارطة الطريق المؤدِّية من صحراء الدكتاتورية إلى واحة الديمقراطية، من بسط للحريات في مجال التعبير والتنظيم، وبناء هياكل ومؤسَّسات تُشرف على عملية الانتقال، بما في ذلك تسجيل الأحزاب، وإعداد كشوف الناخبين، ثمّ الترشيح والاقتراع، وانتهاءً بتسليم السلطة كاملة للشعب عبر ممثليه المُنتخبين. وكجزءٍ من هذه "الرواية" تمّت صياغة دستور انتقالي أكسبتنا نصوصه في الحقوق والحريات حسد مواطني أوروبا، بينما تُكسبنا الممارسات التي تتعايش مع هذه النصوص عطف سكان ميانمار وزيمبابوي. وبحسب هذه "الرواية" فإنَّ من أهم دعائم فترة الانتقال "شراكة" وتقاسم سلطة بين طرفي اتفاق نيفاشا، أي الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، وبقية رصفائهم في "حكومة الوحدة الوطنية" (أي والله، هذا هو الإسم الرسمي للحكومة وليس اختراعاً من بنات خيالي).


    وهناك أيضاً "توافق" بين الشريكين على إجراء استفتاء شعبي في الجنوب يؤكدان أنه ضروري لتأكيد وحدة السودان، لأنَّ الإخوة في الجنوب من شدَّة حرصهم على الوحدة طالبوا باستفتاء يُعبِّروا فيه عن تولُّههم بوحدة البلاد في سابقة لا مثيل لها سُفكت فيها دماءٌ غزيرةٌ من أجل انتزاع حق الانفصال ليس رغبة فيه، بل اشتهاءً للوحدة ومزاياها. وفي داخل هذا العمل المسرحي المُتقن الصياغة والإخراج، نسمع من يتصايحون احتجاجاً على تقصير عن الوفاء بحق الانتقال الديمقراطي، ويجتهدون في الضغط إعلامياً وعبر الشارع وعبر التدخُّلات الدبلوماسية الدولية، حتى يتمّ الوفاء بما قصّر في الوفاء به. ويجتهد آخرون في الحديث عن ضرورة التحرُّك السريع لجعل الوحدة "جاذبة"، ومساعدتها للتزيُّن لخُطّابها المُفترضين.


    وإذا كان هناك بيننا من يُصدِّق أننا نعيش مرحلة انتقال نحو الديمقراطية، أو أنَّ هناك من يعمل حتى تكون الوحدة "جاذبة"، فإنَّ هناك فئة مهنية واحدة على الأقل يمكن أن أتنبأ لها بمستقبل باهر في "السودان الجديد" المُرتقب، مهما كان شكله، ألا وهي فئة محترفي العلاج النفسي. فالمنطق يقول إنَّ الخراف لا تتحمّس لعيد النحر، كما أنَّ الأنظمة الدكتاتورية لا تقود الانتقال نحو الديمقراطية إلاَّ بشرطين: الأوّل أن تنشأ قيادة جديدة تؤمن بالديمقراطية كمخرج لمأزق النُخبة الحاكمة، كما حدث في روسيا مع ميخائيل غورباتشوف، أو الصين في عهد زين زيانغ (قبل خلعه في صيف عام 1989م)، والثاني أن تتصدَّع النُخبة الحاكمة وتتداعى، كما حدث في اسبانيا والبرتغال في منتصف السبعينات، وفي الجزائر أواخر الثمانينات، ومصر في أول عهد السادات. حالياً لا نلمس أي شواهد مُقنعة على أنَّ النُخبة المُهيمنة في المؤتمر الوطني قد توصّلت إلى قناعة بأنَّ التحوُّل الديمقراطي يخدم مصالحها أو يوافق قناعاتها الفكرية، إذ "لو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة". فلو كان لدى القوم قناعة بأنُّ الديمقراطية "عائدة وراجحة" (بحسب تعبير الزعيم الصادق المهدي) لكنّا شهدنا اجتهاداً من القيادات في تنظيم الصفوف وتعديل الخطاب وتطوير أساليب كسب الرأي العام يُعادل الاجتهاد في تسليح وتمويل وتوسيع الأجهزة الأمنية ودعمها بقوانين هي بدورها أسلحة من أسلحة القمع والكبت. نفس الشيء يمكن أن يُقال عن المعارضة، إذ لو أنَّ قادة المعارضة كانوا مقتنعين حقاًّ بأنَّ البلاد مقبلة على تحوُّل ديمقراطي لتغيَّر خطابُهم إلى خطاب تصالحي غير إقصائي تجاه الحزب الحاكم وحلفائه، ولبدأوا في خطوات عملية للتفاوض مع الفئة الحاكمة حول الضمانات الشخصية والمؤسّسية ضد أي استهداف قد يتعرّض له قادة الحزب الحاكم ومؤيدوه بعد تسليم السلطة إلى الحكومة الجديدة المنتخبة. أمّا إذا كان المعارضون يعتقدون أنَّ قادة الحزب الحاكم المُتمترس داخل القوّات النظامية وفي نسيج الدولة وهياكلها البيروقراطية،

    والمُتمكِّن من مفاصل الاقتصاد، سيُسلِّمون الحكم طواعية إلى من يتوعّدونهم بالويل والثبور، ويطفح خطابهم ضدَّهم بكراهية تُنذر بنُذر الإبادة الجماعية إذا تغيَّرت الأوضاع، إن كانوا يعتقدون جادين أنَّ "التسليم والتسلُّم" في إطار انتقال سلمي للسلطة سيتم تحت هذه الظروف، فإنّهم في أمسّ الحاجة إلى مراجعة أطبّائهم النفسانيين، لأنَّ هذا وهمٌ سيكون مُكلفاً لو تم التمادي فيه. قد يكون القدر المعقول من تجارة الأوهام ضرورياً لتفادي انهيار البنية السياسية للمجتمعات، لأنَّ فكرة الوطن نفسها وكلَّ مستويات الهُوية تقوم على قدر كبير من الخيال. فأن يكون المرء سودانياً، أو مصرياً، أو جنوبياً، أو شمالياً، أو منتمياً إلى جماعة دينية أو عرقية أو سياسية، فهذه حالة ذهنية وليست حالة طبيعية، إذ قد يُولد المرء في مكان ما ويعيش عمره كله فيه دون أن يشعر بالانتماء إليه.

    ولكنَّ التمادي في التعلُّق بالأوهام قد يتحوَّل إلى حالة مرَضيِّة تتوَّلد عنها كوارث مُدمِّرة. فيما يتعلَّق بالوضع الانتقالي المُفترض في السودان، فإنَّ تطوُّرات الأسابيع الأخيرة عبَّرت عن اصطدام الحالة المُتخيَّلة بجدار الحقيقة، ولكن قد لايكون هناك خيار عملي غير مجاراة الوهم إلى منتهاه، والمرور عبر العملية الانتخابية، فالاستفتاء ثمّ التعامل مع النتائج لاحقاً. فكما ذكرت في وقت سابق، لا تُعتبر خطّة بعض أطياف المعارضة لإشعال "انتفاضة" في الظروف الحالية عملية والانتخابات على بُعد أشهر فقط. فما دام هناك أمل في التغيير السلمي عبر الانتخابات، لن يبدو مقنعاً للجماهير أن تتقدَّم للدخول في صراع عنيف مع نظام قبِل نظرياً بأن يُسلِّم مصيره إلى انتخابات حرّة يقول فيها الشعب رأيه. فالمطلوب حالياً من المعارضة تعبئة أنصارها لخوض الانتخابات وبذل الجهد للتأكد من سلامة العملية الانتخابية، ثم بعد ذلك لكل حادثٍ حديث


    التيار 28/12/2009
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

29-12-2009, 05:03 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    مجاعة الدندر: الحقيقة المُرة لمن لا يرغب أن يدري

    السودانى

    ا
    السبت, 19 ديسمبر 2009 06:46

    بقل: د. منصور يوسف العجب


    * لقد قمت بزيارة لكل منطقة الدندر شرق وغرب نهر الدندر.
    * للأسف الشديد الدندر قاطبة تعاني من وضع مأساوي.
    * الدندر ليست تعاني من فجوة غذائية كما يروق أن يسميها البعض ، بل من مجاعة حقيقية. الفجوة الغذائية من منظور الاقتصاد الزراعي لا تتجاوز 15% من الاحتياج الغذائي الفعلي للمواطن. الإصرار على تسمية مجاعة الدندر بفجوة غذائية ، لا يعدو كونه تلاعباً بالألفاظ للتعتيم على المضمون السياسي الأكبر للمجاعة.
    * منطقة الدندر التي تشقها ترعة الرهد ، لا يوجد بها مشروع مروي واحد. وأن جل مزارعيها ، كبارهم وصغارهم ، يعتمدون على الزراعة المطرية ، ويعتمد الرعاة على المرعى الذي توفره الأمطار.


    المجاعات كمفهوم عام..
    إن إختلالات القطاع الزراعي الذي يتسم بتدنٍ حاد في إنتاجيته ، وبتبني أنماط للاستثمار غير متوازنة (unbalanced patterns of investment) وبتشوهات في التسويق ملازمة له ومتمثلة في تشوهات في أسواق التسليف الزراعي (imperfections) ، والتخزين ، والترحيل ، والوسطاء ، والشيل ، وإزالة القطاع النباتي المتمثل في الغابات ، والتوسع الأفقي فيه بدلاً عن الرأسي وتكثيف الإنتاج ، كل هذه العوامل مشتركة وخاصة التوسع الأفقي ، قد أدت إلى نوع من الزراعة الآلية اتسم بتدمير البيئة ونتجت عنه أضرار سلبية أضرت بالمحافظة على الموارد ومستويات المعيشة لمواطني الريف لعدم التقيد بالممارسات الزراعية العلمية كمصدات الرياح ، والدورة الزراعية ...الخ. أدى ذلك لتهميش صغار المزارعين والرعاة بحصرهم في رقع هامشية صغيرة ذات خصوبة متدنية مما أدى لتدمير اقتصادهم المعيشي وأفقد الرعاة مراعيهم ومساراتهم التاريخية. ساهم هذا الوضع مساهمة أساسية في نشوء المجاعات والعوز الغذائي المزمن (chronic food insecurity ).
    الزائر للدندر يتجلى له بصورة واضحة الذي لحق بالدندر حيث انعدم الغطاء النباتي كلياً خاصة أشجار الهشاب المعروفة كصديق للبيئة وتحولت التربة إلى عجاج أو كما تسمى محلياً (التربة بردت) ، واختفى المرعى ، وفشل الموسم الزراعي فشلاً ذريعاً ، كما جف نهر الدندر في معظم مجراه قبل أوانه لشح الأمطار لهذا الموسم والمرتبط إلى حد كبير بإزالة الغطاء النباتي الذي يساعد في غزارة هطول الأمطار.
    سمات المجاعة بالدندر..
    * الجوع:(Hunger)
    قد انتشر الجوع بالدندر بصورة مزعجة ، وهدرت معه الكرامة حيث تحول الغالبية من ذوي النفوس العزيزة والكبرياء من نساء ورجال إلى متسولين ينشدون من يسد رمقهم هؤلاء هم الذين آووا من نزح إليهم ووفروا الغذاء لأهل السودان من قبل. هل يستحقون هذا الوضع؟
    * الإفقار (impoverishment)
    ارتبطوا إلى حد كبير بغياب التمكين (endowment ) وغياب الاستحقاق (entitlement ) لصغار المزارعين والرعاة وهم حوالي 85% من سكان الدندر. فكلمة تمكين تشير للأصول التي يملكها الفلاحون وقدراتهم الشخصية التي يستعملونها في تأسيس استحقاقهم للحصول على الغذاء وهذه الكلمة غائبة للإهمال المتعمد للمنطقة كعقاب جماعي. أما كلمة استحقاق فتشير للعلاقات المتأسسة من خلال التجارة ، والإنتاج المباشر، وبيع قوة العمل ، التي بواسطتها يمكن للفرد أو الأسر التمكن من الوصول للغذاء. وللاستحقاق عدة أشكال:
    الأول: يسمى الاستحقاق المباشر والمتمثل في الحصول على الغذاء من خلال الإنتاج والاستهلاك الشخصي. ولكن أين هذا الإنتاج أو المخزون الشخصي لدى الغالبية العظمى من مواطني الدندر؟ الإجابة لا يوجد.
    الثاني: يسمى الاستحقاق بالتبادل (exchange entitlement ) والمتمثل في الحصول على الغذاء من خلال بيع قوة العمل لشراء الغذاء. للأسف سوق العمل بالدندر محدود جداً ومعدلات العطالة تفوق بكثير المتوسط القومي لغياب الحد الأدنى من التدريب المهني والحرفي.
    الثالث: يسمى الاستحقاق التجاري والمتمثل في بيع الإنتاج للحصول على الغذاء. أين هذا الإنتاج في غياب النشاطات الأخرى غير الزراعية؟ كما أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية خاصة الذرة أضر بالقوة الشرائية للغالبية وأدى لتجويعها.
    * الانهيار الاجتماعي: (social breakdown )
    بوادر ذلك ظهرت في هجرة الرجال والشباب من القرى وقفل مدارس الأساس ، خاصة بمنطقة الخيران بالعطشان وفي تذمر الرعاة من غياب المرعى وإصرارهم على دخول الحظيرة ، وفي انحسار نهر الدندر حيث يشتري الرعاة والمواطنون المياه بأسعار باهظة فوق طاقتهم لهم ولمواشيهم من مشروع مياه ود العقيلى الذي يبعد عن بعضهم. لقد هدد البعض بتخريب أنابيب المياه كرد فعل على ارتفاع رسومها وبعدها عن البعض.
    * الموت والفناء:( نرجو الرجوع لإحصائيات وزارة الصحة الولائية)
    يتمثل في تفشي الأمراض بين الأطفال نتيجة لسوء التغذية، وضعف قدرة الأفراد والأسر والجماعات على مقاومة كل واحدة من السمات أعلاه. كما يتمثل أيضاً في نفوق المواشي خاصة الأبقار والضأن لعدم قدرتها على تحمل الجوع والعطش.
    * أسعار الغذاء والمواشي:
    كمؤشر للمجاعة إرتفعت أسعار الغذاء لشح المعروض منه وإنخفضت أسعار المواشي لزيادة العرض خوفاً من ان تنفق في أيادي الرعاة. ارتفاع أسعار المواشي مؤخراً جاء لظروف استثنائية مرتبطة بالأضحية. وهذا ما حدث بالضبط بالدندر حيث ارتفعت أسعار الذرة ارتفاعاً جنونياً وانخفضت أسعار اللحوم. كما يواجه الدندر أيضاً بانتشار وباء الكلظار وانعدام العلاج وارتفاع تكلفته مما يتطلب التدخل العاجل لعدم إنتشار هذا الوباء المعدي ، علماً بأنه امتد من مناطق العزازة جنوباً إلى مقربة من تجمعات الرحل بود مصري على مشارف حاضرة المعتمدية بمدينة الدندر.
    تنوعت المجاعات بالدندر في الأشكال التالية:
    أ/ الرعوية
    ضربت أصحاب المواشي، وتتمثل أسبابها في المدى القصير في الجفاف الذي ضرب المنطقة هذا الموسم، والذي نتج عنه فقدان للمرعى والمياه للحيوانات. أما أسبابها طويلة المدى فتتمثل كما ذكرنا سابقاً في الضغط على الرقع الرعوية لصالح الزراعة الكبيرة والحد من حركة الرعاة بتضييق المسارات. هذا النوع كما هو معروف يظهر ببطء ونسبة لحركة الرعاة يغطي مساحات واسعة في شرق وغرب نهر الدندر ، لكنه في الغالب لا يلاحظ خارج المناطق الرعوية إلا في حالات التغول على الحظيرة والزراعة المروية خارج محلية الدندر ، كما من المحتمل أن يطول جداً في ظل الظروف الحالية التي تتسم بفقدان المرعى في كل المنطقة وانحسار نهر الدندر. وتمثل الاستراتيجيات المتكاملة المرتبطة باستغلال الأرض (land use) وتوفير المياه والتنمية الريفية المتكاملة ، دوراً أهم من عمليات الإغاثة في المدى البعيد في علاجه. ويتطلب التجاوب معه بالإضافة لتوزيع الإغاثات ، شراء الحيوانات بأسعار مضمونة (guaranteed prices) مع توفير التسليف اللازم.
    إن الازدواجية الضرائبية التي يتعرض لها الرُحل في ترحالهم بين ولايتي سنار والقضارف ، أثقلت كاهل الرُحل ، كما أن الرسوم الباهظة للمياه وعبور الجسور التي تقع في الترع زادت من معاناتهم مما حدي ببعضهم الإحجام عن التسجيل للانتخابات لأن الدولة التي تفرض عليهم الرسوم الباهظة من دون مقابل في الخدمات الأساسية لهم ، تعتبر في نظرهم دولة ناهبة ووهمية. وهنا مكمن الخطر! هذه الازدواجية تتم على الرغم من القرار الرئاسي وإقرار السيد وزير المالية بعدم قانونية الازدواجية الضرائبية ، وذلك بالتحايل بحجة تحسين المرعى بالبطانة. نود أن نلفت نظر المسئولين أن المياه التي منبعها محلية الدندر يتم بيعها برسوم في مدن وقرى ولاية القضارف ، ولا تجني محلية الدندر شيئاً منها منذ الثمانينات من القرن السابق.
    كما أن إدارة هذه المياه تأسست بولاية القضارف بدلاً من ولاية سنار حيث موقع المشروع ، مما أفقد محلية الدندر ميزات وعوائد كبيرة.
    * المياه التي نتحدث عنها ارتبطت بمشروع للمياه تأسس في غابة محظورة بمحلية الدندر بود العقيلي ، بولاية سنار وتم تمويله من دولة ألمانيا. المعروف أن أي مشروع يتم تمويله من جهة أجنبية ، تؤول ملكيته بعد تأسيس المشروع للمنطقة التي يوجد بها ، خاصة وأن المشروع المذكور أعلاه يعتبر من الموارد المحلية. يذكرنا الدكتور حسين عمر في كتابه
    (( مبادئ التخطيط الاقتصادي والتخطيط التأشيري في نظام الاقتصاد الحر))" – عام 1998 ، الصفحات 189 ــ 190" ،(( يمكن اعتبار بعض الموارد قومية بطبيعتها فقط ، بغض النظر عن موقعها ، ومثال لذلك أحواض الأنهار ، وتسهيلات الموانيء ، ونظم المواصلات والاتصالات والثروات المعدنية والنفطية ، والصرف الأجنبي ، وتجهيزات الدفاع القومي ، وغير ذلك من البني الأساسية.
    وفي نفس الاتجاه يمكن أيضاً اعتبار بعض الموارد الأخرى في الأساس محلية بطبيعتها. ومثال لذلك الصناعات المحلية التي تلبي مطالب المناطق المحلية، والمياه الجوفية، والخدمات المحلية المشتملة على خدمات الإسكان والصحة والتعليم والرفاهية)). لذلك نقول ( الحساب ولد ). إن عرب رفاعة الشرق الرُحل يقضون حوالي الشهرين من كل عام بالبطانة بولاية القضارف هروباً من ذبابة السُريتة. وإن المياه التي يشرب منها أهلنا بولاية القضارف وتفرض عليها رسوم من الثمانينات ، هي ملك لولاية سنار / محلية الدندر باعتبارها مياه جوفية تم استخراجها من أراضي الدندر. ليس لدينا مانع من أن نتحاسب حساباً عادلاً بين ما تشربه ولاية القضارف من مياه الدندر لفترة تزيد عن العشرين عاماً وتكلفة فترة المرعى التي يقضيها رعاة رفاعة الشرق بولاية القضارف بعد تحسين مراعيها. بعد أن نضع الأسس لذلك ، من الضروري وفي المدى البعيد أن نتجاوز الحيز الجغرافي لفناء اقتصادي أوسع تتداخل فيه المصالح بين ولايتي سنار والقضارف ونعمل على التكامل بين الولايتين.
    هنالك غبن شديد ينتاب الأهل بالدندر من هذه الظلامة والتي يفسرها البعض بأنها سياسة منظمة (systematic policy ) لإفراغ الدندر من سكانها الأصليين المتمثلين في قبائل رفاعة الشرق والذين يتسامحون مع كل من سكن وسطهم من الأهل من كل أنحاء السودان والذي أدى بأن تكون الدندر بوتقة للانصهار والتعايش السلمي بين كل الأثنيات وأصبحت نموذجاً للوحدة الوطنية بشكل فريد.
    ب/ الزراعة والرقعات الصغيرة: تجلى هذا النوع من المجاعة في السكان الزراعيين المبعثرين بالمنطقة وأرتبط بفشل الإنتاج الزراعي الناتج إلى حد ما من الجفاف ، ولكن أسبابه الأعمق ارتبطت بالحرمان من الأرض لصغار المزارعين ولاحتكار الجناين بواسطة بعض المسئولين الكبار وآخرين ، وبالعلاقات الاقتصادية المجحفة ذات الطابع الاستغلالي البشع الذي تعاني منه العمالة الموسمية الزراعية مما يؤثر سلباً على قدرتها المالية والشرائية. هذا النوع من المجاعات يظهر أيضا ببطء وعادة ما يكون محصورا محلياً وهذا ما يفسر تناقض تصريحات المسئولين لما ذهبنا إليه ، ولكن أنواعه الحادة كما حدث الآن تمثلت في تداخل المجاعات المحلية في كل منطقة الدندر وانعدام القدرة في كل منطقة على مساعدة المنطقة المجاورة لها. ولهذا النوع من المجاعات كما حدث بالدندر مركز (epicenter) انبعثت منه الإشارات لارتفاع الأسعار للسلع الغذائية وانخفاض أسعار الحيوانات وهجرة المتضررين. كما أن آثار هذه المجاعة التي ضربت الدندر بدأت تظهر خارج المنطقة وذلك لحدتها.
    إن درء هذا النوع من المجاعات يتطلب وضع الحلول الإستراتيجية المتكاملة لعلاجها والتي تعتبر أكثر أهمية من عمليات الإغاثة . كما أنه من المهم تبني البرامج والسياسات للحفاظ على الأرض وإعادة ترتيب المناطق لتخزين الغذاء بأسلوب حديث قبل حدوث المجاعة لمنعها ، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير الإغاثة الغذائية التي تليق بالبشر. لقد اعترفت ولاية سنار مؤخراً بحوجة المنطقة الماسة للغذاء وأرسلت حوالي ثلاث شاحنات محملة بالذرة. ولكن للأسف لم تف بالحد الأدنى للمواطن، حيث تسلمت بعض القرى والتي يفوق تعداد الواحدة منها الألفي مواطن عدد 20 جوالاً وأخرى 17 جوالاً. كما أن الذرة وللأسف الشديد قديمة جداً وبها سوس وديدان لا تصلح لاستعمال البشر، مما حدا ببعضهم إرجاعها. يجب أن يدرك القراء الكرام بأن المجاعة ضربت 150 قرية بالدندر زائداً تجمعات الرعاة التي تعدادها الكلي على حسب الإحصاء السكاني يقارب الـ 200 ألف نسمة فهل يعقل أن تكون الاستجابة لهم متمثلة في ثلاث شاحنات لهم؟ لمواجهة هذا الوضع هنالك ضرورة ماسة لإنشاء مشاريع الإغاثة المرتبطة بالعمل (labors based relief project ) لتخفيف آثار هذه المجاعة.
    ج/ المجاعة ذات الأساس الطبقي أو الوظيفي (class based occupational famine):
    أكثر الجماعات تأثراً بها هم العمال بالأجر ( wage laborers ) ، والحرفيين ، والمعاشيين ، وصيادي الأسماك والمهمشين بمدينة الدندر وهم أغلبية. وقوعها كان سريعاً مع اتساع رقعتها، ولكن بصورة انتقائية أثرت على مجموعات محددة كما ذكرنا سابقاً. هذا النوع من المجاعة ظهر بصورة واضحة عند زيارتي للدندر في اندفاع المتأثرين بها لمدينة الدندر وخارجها ، وفي معاناة سكان المدينة أنفسهم خاصة وسط النساء اللواتي اندفعن بالمئات طلباً للمساعدة وبعضهن طلبن أن نحضر كاميرا لتصويرهم ورفع حال أوضاعهم للمسؤلين ولكن للأسف لم تكن معنا كاميرا.
    هذه المجاعة على الرغم من قربها للمركز بمدينة الدندر وتسليطنا للضوء عليها وظهور بوادرها منذ منتصف أغسطس ، إلا أنها لم تجد الاهتمام حيث دخل المسئولون معنا في مغالطات لا حصر لها حول حدوثها. يجب أن نؤكد أن تدخل الدولة لمواجهتها يلعب دوراً مهماً جداً وأكثر فاعلية من غيره. كما تعتبر إجراءات السيطرة على أسعار المحاصيل وإنشاء المشاريع لضمان التوظيف (employment grantee ) أكثر الإجراءات فاعلية لمواجهتها.

    *عضو المجلس الوطني
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

29-12-2009, 05:10 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    صحيفة أجراس الحرية
    http://www.ajrasalhurriya.net/ar/news.php?action=view&id=7802
    --------------------------------------------------------------------------------
    بتاريخ : الأحد 27-12-2009
    : تسريبات من دهاليز المؤتمر الوطني:تكوين حزب جديد لضمان فوز البشير
    : في استطلاع رأي أجرته مجموعة من داخل الوطني:
    شعبية البشير في الولايات الشمالية تتراوح بين 36% و27%

    المهدي متقدم على البشير بفارق 15%

    أي رئيس قادم للسودان سيكون تحت سيطرة جهاز الأمن



    تيار من الوطني يسعى لتكوين حزب جديد يضم الأمة والاتحادي!!

    تسريبات حول المفاوضات مع الاتحادي!

    لم يرشح شيء عن المفاوضات مع الأمة!


    أبوذر علي الأمين ياسين



    أجري حزب المؤتمر الوطني دراسة ميدانية (استطلاع رأي) قبل فتح السجل الانتخابي بالولايات الشمالية الستة عشر، وبحسب (مصادر مشاركة) بلغت أعلى نسبة سجلها الرئيس المرشح عمر حسن البشير 36%. وبعد انتهاء التسجيل للانتخابات وبالاحري بعد مسيرة تحالف جوبا التي جرت في آخر أيام التسجيل، جدد حزب المؤتمر الوطني تلك الدراسة على ذات الولايات الشمالية وجاءت النتائج لتوضح أن الرئيس المرشح البشير تراجعت حظوظه لتبلغ ال 27%. والواضح من نتائج الدراستين أنه كلما انفرد المؤتمر الوطني بالساحة السياسية (زادت حظوظ فوز البشير) كما أنه كلما تعدد الناشطون على الساحة السياسية تناقصت وانخفضت حظوظ الرئيس المرشح في الفوز بالرئاسة
    القادمة. وقد أجرت (أجراس الحرية) مارس من العام 2008م دراسة استطلاعية بلغت فيها حظوظ الرئيس المرشح البشير حوالي 43% بولاية الخرطوم، وهي الولاية التي تشكل أكبر حضور وانتشار وأثر للمؤتمر الوطني وحكومته. وكان واضحاً وفقاً لنتائج تلك الدراسة أن المؤتمر الوطني برغم انفراده بالساحة السياسية ومنعه لنشاط القوى السياسية الاخري، إلا انه رغم ذلك لم يحقق نسبة ال 50% والتي تعتبر هي الاخري مؤشر غير مريح لحزب ينفرد بالساحة والسلطة والموارد بأكبر ساحات تواجده وحضوره – ولاية الخرطوم-. كما أن الدراسة أثبتت أنه في حالة نزول لاعبين جدد الى الساحة السياسية فإن المؤشر العام يشير حتماً لتراجع حظوظ المؤتمر الوطني وسط الجماهير.



    والواضح إن مسيرة تحالف جوبا التي منعتها وقمعتها الحكومة كانت ذات تأثير كبير لم ينحصر في تراجع حظوظ الرئيس المرشح البشير 9 نقاط ليهبط من 36% الى 27%، بل في الدفع بتغيرات مفاجئة لم يتحسب لها حتى المؤتمر الوطني ولكن المسيرة وآثارها دفعت المؤتمر الوطني دفعاً لتغيير ليس تكتيكاته، بل حتى استراتيجياته و سياساته الانتخابية بصورة تكاد تكون جوهرية!!؟.



    واذا علمنا أن المسجلين بالجنوب (من غير جبال النوبة، والنيل الازرق، وأبيي) حوالي الخمسة مليون، وأن جملة المسجلين بالسجل الانتخابي حوالي ال 15 مليون يتضح أن نسبة الجنوبيين تبلغ حوالي الثلث. وأن حظوظ الرئيس المرشح البشير محسوبة فقط على مرجعية (ثلثي الناخبين الذين يمثلون كل الولايات الشمالية). وأذا أضفت لهذا الثلث نسبة المسجلين بالمناطق الثلاث يتضح لك أن هناك أكثر من 6 مليون ناخب مسجل هم خصماً يكاد يكون مضموناً على حظوظ الرئيس المرشح البشير. أما وقد أوضحت الدراسات أن الرئيس المرشح سيحصل وضمن الولايات الشمالية أو (ضمن ثلث الناخبين) في أحسن حالاته على 36% وفي اسوأءها على 27%، فإن فوز الرئيس في الانتخابات القادمة تراجع إلى خانة (الفشل المضمون) وهذا هو ما قاد إلى التغيرات التي سنتحدث عنها (وفقاً لمعلومات) وليس قراءات واستنتاجات.







    الأمن سيطرة كاملة:







    كان واضحاً خلال الفترة الماضية حرص المؤتمر الوطني وحكومته على ضمان تمرير قانون الأمن الوطني، ووفقاً لصلاحيات تعطي جهاز الأمن صلاحيات الشرطة ، والنيابة، والقضاء، وفوق ذلك تسيجه وتحرسه بالحصانات التي تشمل حتى المتعاونين معه. وهكذا أصبح قانون الأمن أعلى من الدستور ذاته، ويوفر الحماية لكل المنتمين للمؤتمر الوطني كونه يمكن حسابهم أو اعتبارهم متعاونين مع الجهاز أو وفقاً لهذا الحق الذي وفره قانون الامن يمكن توفير الحماية لهم في أي وقت وتحت كل الظروف التي يتطلبها الوضع السياسي طالما كان يحمل شيئاً من تهديد سياسي على سلطة ووضع المؤتمر الوطني. ولكن يبقى الجزء الاخطر الذي يوفره قانون الامن أن أفراد جهاز الأمن أو ضباطه أو حتى المتعاونين معه يمكن أن يأتيك مرتدياً زي شرطي ويتعامل معك على أساس أنه فرد شرطة، أو يأتيك على أساس أنه وكيل نيابة، أو تقف أمامه على أساس أنه قاضي، وكل ذلك يحق له وفقاً لقانون الأمن المجاز أخيراً.

    وقانون الأمن الوطني بهذا الشكل والصلاحيات يجعله القيم والمسيطر على قوات الشرطة وكل صلاحياتها، هذا بخلاف القوات (الخاصة) التي تتبع له مباشرة والتي هي الاخري لها الحق ووفقاً لقانون الامن الاخير أن تلعب أدوار الشرطة أو الجيش كونها قوات ضاربة ومسلحة بأفضل مما هو وضع الجيش القومي ذاته. واذا اخذنا في الاعتبار التغييرات التي حدثت منذ قدوم الانقاذ وسط القوات النظامية كلها، يكون قد أتضح أن تعويل المؤتمر الوطني وحكومته إنما يرتكز على هذه القوات مضافاً لها قانون الامن الذي يعطيه الحق في فعل كل شئ وفي أي وقت بلا تدخل من قضاء ولو دستوريا أو حتى نواب المجلس الوطني ولو كانوا منتخبين. وهكذا يضمن المؤتمر الوطني بقاءه واستمراره مهما كانت افرازات الانتخابات القادمة ولا يهم من هو القادم الجديد للرئاسة أو الوزارة أو الولاية فقانون الأمن قيّم على كل هؤلاء والقوات النظامية كلها تخضع لجهاز الامن وعليه حتى الرئيس القادم سيكون تحت سيطرة جهاز الأمن ولن يكون وضعه أفضل من وضع مني أركو مناوي الذي قال أن (صلاحيات مساعد حلة أفضل منه) وهو كبير مساعدي الرئيس. ولكن ما الذي يجري؟.


    هل يتوحد الأمة والاتحادي والوطني في حزب واحد؟

    تفيد معلومات (مؤكدة) أن المؤتمر الوطني قد شرع في تكوين (حزب جديد) عبر توحيد المؤتمر الوطني وحزب الامة القومي –الصادق المهدي-، والاتحادي الديمقراطي الموحد- الميرغني- وأن الحزب الجديد سيأخذ اسمه عبر توليفة تختصر وتجمع هذه الاسماء. وتجري الآن المفاوضات والمساومات. ما انتهي منها إلينا أن يترك الميرغني كل نهر النيل والشمالية ويدعم مرشحي المؤتمر الوطني وكلهم كبار القيادات بدعوى أنهم بدأوا فيها مشروعات وأنهم الاحرص على اكمالها، وأن الاتحادي الديمقراطي (سيعطي) 60 دائرة. كما أن المفاوضات جارية مع الصادق المهدي ولم يرشح منها شئ بعد. ومهمة الحزب الجديد الاساسية هي ضمان فوز البشير الذي أكدت الدراسات الميدانية خسارته الاكيدة أمام أي مرشح قوي محتمل. كما أن الحزب الجديد سيضمن تمرير أي تزوير كل ما يقوم به المؤتمر الوطني بعد انضمام المهدي والميرغني له، ويوفر فوق ذلك القبول الدولي لأي نتائج تخرج بها الانتخابات القادمة. وبالمقابل وفي حالة التضحية بالبشير سيكون الرئيس القادم خاضع تماماً لما انتهي إليه الحزب الجديد وسيكون تحت السيطرة الكاملة لجهاز الأمن ولا يمكنه فعل أي شئ أمام سيطرة الجهاز على كل القوات النظامية وغير النظامية المعروفة.


    أما أخطر المعلومات كانت نتائج تلك الدراسات الميدانية التي أجراها المؤتمر الوطني نفسه، والتي تفيد أن أقوى المنافسين للرئيس المرشح هو الصادق المهدي وبفارق يتجاوز ال 15% عن البشير. ولكن ما جدوي نقاش فوز الصادق وقد صار قانون الامن الوطني واقعاً مفروضاً، الامر الذي لن يكون لأي رئيس قادم في ظله أي تأثير ولن يكون قادراً على الدفع بأي تغيير لهذا القانون كونه قانون فوق الدستور ويحمي ويحتمي بكل القوات النظامية وليس لأي جهة حق محاسبة جهاز الأمن أو كبح جماحه. خاصة وأن تاريخنا يفيد أن تدّخل القوات ذات الشوكة يكبل الرئيس اذا لم يطيح به وفي أي وقت يشاء، وليس تاريخ مذكرة القيادة العامة في آخر الديمقراطيات ببعيد ولا ما أفرزه على الساحة السياسية بالقليل وما زلنا نعيشه بكل التفاصيل والآثار. خاصة وأن الرئيس القادم أياً كان لن يستطيع تغيير كل القوات النظامية، وحتى لو استطاع لن تخضع له القوات (الخاصة) على كثرتها وتعدد ولاءآتها، وهذا يفيد بان أي رئيس لن يكون له تأثير وليس له إلا الخضوع لجهاز الأمن والذي وإن لم يتمكن من عزل الرئيس يستطيع أن يخلق البيئة التي توفر كل واقع وامكانات خلعه عبر تحريك كل مفاعيل الفوضي التي يستطيع.



    فشل في توظيف الحراك الجماهيري:



    كان واضحاً من الحراك السياسي الجماهيري الذي جرى على محدوديته أن له أثر بالغ، وأنه نجح في تحريك الساحة ووضعها في الاتجاه الايجابي لكن القوي السياسية فشلت في توظيفه كونها ما تزال تركن إلى الاجندة الخاصة التي هي أهم من توفير الاطار الديمقراطي اللازم والضروري لهذه القوي. حتى الحركة الشعبية اخطأت حينما سمحت بتمرير قانون الامن عبر البرلمان، وكان قانون الأمن هو الأهم للمؤتمر الوطني من أي قانون آخر كونه يبقى على سيطرته مهما كانت أو جاءت المتغيرات. بل جاءت أول افرازات تمرير قانون الأمن خصماً على الحركة الشعبية ذاتها التي ظنت أن تمريره سيكون ثمناً معقولا لتمرير ما تريد ووفقاً لرؤيتها، ولكن عاد المؤتمر الوطني بعد أن ضمن تمرير قانون الأمن ليثبت عملياً أن أي قانون آخر هو ورق لا حرج في توقيعه ثم تغييره وثم التفاوض من جديد على تغيير آخر، وفي النهاية هناك مساحة واسعه لعدم تنفيذه طالما أن قانون الأمن مضى فهو القانون الوحيد والدستور الفريد الذي يريده المؤتمر الوطني. جرى كل ذلك بالرغم من أنه كان واضحاً وواضحاً جداً أن الذي يهم المؤتمر الوطني ضمن كل القوانين هو قانون الامن وأنه القانون الوحيد الذي لن يتنازل عنه قيد مادة، وكل ما عداه ساحة للمناورة مفتوحة على كل النتائج كونها قابلة للإستدراك عبر قانون الامن ذاته لاحقاً.



    كما أن الحراك السياسي الاخير وبالاخص مسيرة الاثنين الاولي والثانية أوضحت بما لايدع مجالاً للشك أن الشارع له أثر بالغ وقوي، وأثبت أن المؤتمر الوطني هو الذي يحتاج (لإستيراد الجماهير) خاصة بعد نتائج الدراسات التي أجراها ووقف على نتائجها، لكن القوي السياسية ما تزال بعيدة عن الدرس تبذل الفرص سهلة للمؤتمر الوطني.



    الحزب الجديد ما يزال تحت نار الطبخ والمساومات، وستوضح الايام القادمات عنه الكثير. لكنه يبقى مؤشراً خطيراً على اعلان انفصال مبكرللجنوب من الشمال. على الاقل وفقاً لكلمات نافع الذي قال ما يفيد بأنهم في المؤتمر الوطني سيتفقوا مع الحركة الشعبية وسيعطوها كل ما تريد، ليعود ويهدد احزاب الشمال بكل وعيد. وبعد مسيرة الاثنين وكل الحراك السياسي الذي صار، يعود المؤتمر الوطني بقبضة قوية تفرد له ليس السيطرة على القوي السياسية الشمالية، بل يجعله في وضع متقدم يقود فيه المفاوضات ويقدم المساومات ويشرع في ما لم يفكر فيه طيلة فتره حكمه الطويلة ... إلغاء المؤتمر الوطني الحزب، وتكوين حزب جديد. والحزب الجديد سيلغي كل أجراءات ترشيح الولاة واختيار مرشحي المؤتمر الوطني التي جرت خلال الفترة الماضية، والذي يبدو أنها لن تشكل خطراً كون المؤتمر الوطني بات يخشي من منتسبيه ومنافستهم بعضهم البعض بأكثر مما يخشى الآخرين. وأنه بات واضحاً أن أقوى مهددات المؤتمر الوطني الانتخابية أنما تأتي من داخله بأكثر مما هي من القوي السياسية الاخرى والجماهير، بل أضحي الحل في التوجه الى القوي السياسية وتكوين حزب جديد مع بعضها.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

21-03-2010, 01:09 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    الديني والدنيوي في حملة الإنتخابات السودانية

    السودانى


    الكاتب بقلم: د. إبراهيم الكرسني
    الأحد, 21 مارس 2010 07:06
    بقلم: د. إبراهيم الكرسني



    لقد ذهلت حقا أن يكون التضليل بإسم الدين مستمرا، وبنفس هذه الدرجة من الكثافة، بعد ما يزيد على العقدين من الزمان لأسوأ إستغلال للدين الإسلامي الحنيف فى أمور دنيوية بحتة، ولا علاقة لها البتة، لا من قريب أو بعيد بالآخرة أو يوم الوعيد!! لقد كنت أظن، وإن بعض الظن إثم، إن الشعب السوداني قد إكتسب مناعة كافية، بعد التجربة المريرة التى عاشها تحت هذه الكذبة البلغاء لنيف وعشرين عاما من المتاجرة بالدين الحنيف، من أن يستمع، مجرد الإستماع، لمن يرفعون هذه الشعارات المتمسحه بإسم الدين، ناهيك عن الإستجابة لنداءاتهم المضللة مرة أخرى.



    لكنني أكاد أجزم الآن، وبعد مشاهدتي لبعض الحملات الإنتخابية لثلاثة من المرشحين لرئاسة البلاد، بأنني أتمتع بقدر من السذاجة لا أحسد عليه، أو قل كنت أعيش "أحلام ظلوط" التي، لا قدر الله، سوف تنتهي بكابوس وطني لا يعلم مداه إلا الله! المرشحون الذين أتيحت لي فرصة مشاهدة أجزاء من حملاتهم الإنتخابية هم مرشحو الحزب الحاكم، والحزب الشيوعي وآخر مستقل.
    تميزت حملة الحزب الحاكم بجرعة دينية مكثفة وزائدة عن اللزوم، حسب تقديري، حتى على القدرات الذاتية للمتدينين البسطاء من أبناء وبنات الشعب السوداني على تحملها. جرعة دينية مكثفة لو سمعها الأنبياء والمرسلون الذين جاءوا بالرسالات السماوية، لرفعوا حواجبهم دهشة، وقطبوا جباههم الطاهرة غضبا من أنبياء آخر الزمان الكذبة، الذين تجرأوا على صحيح الدين، وإنحرفوا به عن مقاصده النبيلة، ليحققوا به كسبا دنيويا رخيصا، أبعد ما يكون عن الأهداف السامية التي نزلت من أجلها الأديان.



    * عشرون عاما من الكذب بإسم الدين.
    * عشرون عاما من الفساد الإداري والمالي المطلق.
    * عشرون عاما من القتل والتقتيل لأبناء الشعب من المعارضين السياسيين، بعضها فى من تجاوز السبعين من العمر، والبعض الآخر ليلة عيد الفطر المبارك.
    * عشرون عاما من إذلال الشعب.
    * عشرون عاما من التنكيل بالمعارضين السياسيين في السجون وبيوت الأشباح.
    * عشرون عاما من تجويع الشعب.
    * عشرون عاما من الموت بالأمراض المستوطنة.
    * عشرون عاما من تجهيل وتغييب الشعب.
    * عشرون عاما من التخريب الأكاديمي بإسم ثورة التعليم العالي.
    * عشرون عاما من جلد وقهر نساء السودان بإسم إحترام المظهر العام.
    * عشرون عاما ملاحقة لمهمشي المدن، كستات الشاي، بإسم تنظيم العمل.
    * عشرون عاما من تشريد خيرة أبناء وبنات الشعب من الكوادر المؤهلة بإسم عدم الولاء السياسي لنظام التوجه الحضاري.
    * عشرون عاما من الحروب الأهلية التي لا يزال بعضها يشتعل حتى وقتنا الراهن فى إقليم دارفور.
    * عشرون عاما من الإفلاس والتدهور الأخلاقي الذي أزكم الأنوف، أسألوا دار المايقوما للأطفال مجهولي الهوية، إن كنتم من المشككين.
    * عشرون عاما من العطش، في بلد حباها الله بأمطار غزيرة وبأطول أنهار العالم، حتى جف الزرع والضرع.



    هذا قليل من كثير من الحصاد المر الذي خلفه لنا حكم الإنقاذ بإسم الدين والإرادة الإلهية، ثم يأتي لنا مرشحهم لرئاسة الجمهورية ليقول لنا إنه ينوي تولي أمور البلاد إلى أبد الآبدين لأن الهدف من هذه الحملة ليس سوى، "هي لله.. هي لله.. لا للسلطة ولا للجاه"..!! كنت أعتقد حتى وقت قريب بأن هذا الشعار وحده سيكون كافيا ليسقط أي مرشح للرئاسة، يكون متوشحا به. لكنني، وكما أسلفت القول سابقا لا يزال البعض منا فى سنة أولى ديمقراطية، حيث توقع وأقر مرشح الحزب الشيوعي، بنفسه وعلى الملأ، بفوز مرشح الحزب الحاكم المنافس له، ومع ذلك لا تزال حملة الحزب الشيوعى للرئاسة متواصلة على قدم وساق!.
    هل يعقل أن تسيطر قوى الهوس الديني مرة أخرى على مقاليد الأمور في البلاد، وتتحصل على شرعية دستورية لا تستحقها، بعد كل ما فعلته بالشعب السوداني، وبعد أن أذاقته الأمرين، وحيث لا تزال آثار الجرائم التي إرتكبتها بإسم الشعب والوطن ماثلة للعيان، لا يراها إلا من عميت بصيرته، أو أصيب بالحول السياسي، أو الخرف السياسي، وهو مرض شائع هذه الأيام على كل حال!؟.



    كنت أظن كذلك بأن فرصة مرشح الحزب الحاكم بالفوز بالرئاسة ضئيلة للغاية، حتى لو ترشح ضده شخص واحد فقط من مجهولي الهوية السياسية! كل هذه الظنون قامت على الحصاد المر لحكم الظلم والإستبداد الذى ذكرت بعض أهم معالمه سابقا. لكن ما شاهدته عيناي من خلال هذه الحملات أثبتت لي بأن ذاكرة الشعب السوداني ليست قصيرة فقط، وإنما أصابها الخرف والشيخوخة، ولا أمل في تنشيطها أو علاجها إلا بأخذ المزيد من "دروس العصر" تحت الأنظمة الدكتاتورية، عسكرية كانت أو مدنية!؟.
    أما المرشح المستقل لمنصب الرئاسة فأمره عجب. لقد أثبت هذا المرشح، ومن فوق منبر إعلامي مشهود له بالكفاءة المهنية، ومشاهد على مستوى العالم، بل يمكن أن أقول بأنه أكثر أجهزة التلفزة مشاهدة، حتى وإن إقتصرت برامجه على المشهد السياسي، وعبر لقاء مباشر بث معه قبل أيام فقط، بأنه مرشح للدار الآخرة بدرجة فارس لا يشق له غبار، حيث أقر، بعضمة لسانه، بأنه وريث الأنبياء والرسل منذ عهد إبراهيم، عليه السلام. هذا المرشح، خريج العلوم السياسية من أحد أعرق الجامعات السودانية، قد أدهش مقدم البرنامج، الحاذق لمهنته، بصورة تثير الشفقة والرثاء، من كثرة تأكيده على أن معركته ليست للسياسة، وإنما موضوع دين ودار آخرة في المقام الأول!!. عندها أضطر مقدم البرنامج على تذكيره، ولأكثر من مرة، بأن لغو الحديث الذي أكثر من تكراره لا يتناسب مع مرشح لأعلى منصب دستوري، ألا وهو رئاسة البلاد، وإنما مع إمام جامع!! فقط أضيف إليه، من عندي، شرط أن يكون مأموميه زمرة من الجهلة، أو الأميين عديمي الذكاء الفطري، أو عديمي الضمير من المتعلمين الإنتهازيين، حتى يستمعوا له!.



    أما المرشح الثالث لرئاسة الجمهورية فهو مرشح الحزب الشيوعي الذي إستضافته قناة النيل الأزرق، في لقاء مباشر بمنبر وكالة سونا مساء الثلاثاء الماضي، وفي معيته بعض من أركان حملته الإنتخابية. لقد إتضح منذ البداية، ومن الأسلوب الإستفزازي الذى أديرت به الجلسة، بأن المقصود بها ليس إدارة حوار سياسي مع مرشح للرئاسة، بقدر ما المقصود منها محاكمة الحزب الشيوعي، منذ أن وجد فوق تراب الوطن، ممثلا في سكرتيره العام. للأسف لقد نجحت القناة في تحقيق هدفها، وبأسلوب فج. لقد اقرت قيادات الحزب بذلك وأعلنته على الملأ، لكن من دون هجمة مضادة لتلافي هذه المؤامرة!!.


    أعتقد أن الهدف الأساسي من وراء هذا اللقاء كان يتمثل في إصدار براءة ذمة لقادة الإنقاذ من جميع الجرائم والفظائع التى إرتكبوها إبان عهدهم الظلامي الظالم، وذلك من خلال دفع قادة الأحزاب الأخرى، وبالأخص الحزب الشيوعي، بالإقرار، وعلى الملأ، بأنهم قد خططوا، وشاركوا ونفذوا إنقلابات عسكرية في السابق، وبالتالي لايحق لهم، من الناحية الأخلاقية، الإعتراض على إنقلاب الإنقاذ، ولو من باب "لا تنهى عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم"، حتى يمكن لقادة الإنقاذ الهروب سالمين من وجه العدالة، غير مساءلين من كل تلك الجرائم، بحجة أن من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بحجر!! هذا هو الفخ الذي نصبه مقدم البرنامج والذي، وللأسف الشديد، كان ضحيته مرشح الحزب الشيوعي للرئاسة، حيث أقر بذلك، حتى دون الإشارة إلى أن الإنقلاب الذى شارك فيه حزبه قد جاء عقب طرد نوابه المنتخبين من البرلمان، وعدم إنصياع الحكومة لقرار المحكمة العليا القاضي ببطلان ذلك القرار، وإستقالة رئيس القضاء على إثر ذلك. بمعنى آخر أن منافذ العمل السياسي قد سدت تماما أمام الحزب وحظر نشاطه، وبالتالي لم يتبق أمامه سوى العمل السياسي من خلال الدبابة!!؟؟.



    أما ثالثة الأثافي، والتي تم التركيز من خلالها على الجرعة الدينية الزائدة للحملة الإنتخابية، فقد جاءت من خلال سؤال مباشر وجهه أحد الحضور للسيد مرشح الرئاسة. كان السؤال كالتالي، "أود أن أوجه سؤالا مباشرا وآمل أن أحصل على إجابة مباشرة: هل تصلي؟".. لقد شعرت عندها بحالة إعياء وغثيان من التردي الذى حاق ببلادنا والدرك الذى وصلت إليه لقاءاتنا الفكرية والسياسية. لكن المأساة تمثلت ليس فى السؤال الذى لا علاقة له على الإطلاق بموضوع الحلقة، والذى كنت أتوقع من مقدم البرنامج عدم السماح به أصلا، ولكنه قد أكد لي دقة حبك المؤامرة لتجريم الحزب الشيوعي، ممثلا فى سكرتيره العام فقط لا غير. أقول أن المأساة تمثلت في رد السيد مرشح الحزب الشيوعي على السؤال والتى كانت كالآتي،"ده نوع أسئلة محاكم التفتيش"، وهذا بالطبع مدخل سليم للإجابة التى لا أرى ضرورة لها مطلقا. ثم أردف قائلا، وليته لم يفعل ذلك، "أنا والله ما قاعد أصلي فى الوقت الحالي"!!؟؟.



    كنت أتمنى أن يرفض السيد مرشح الحزب الرد على هذا النوع من الأسئلة. بل أن يقرر من بداية الحلقة بأنه سوف لن يرد على أي سؤال يتعلق بحياته الشخصية، بما في ذلك معتقداته الدينية، حيث أن المعركة معركة سياسية من الطراز الأول وليست دينية، وأن المنصب الذي يجري حوله السباق هو منصب رئيس الجمهورية، وليس إمام جامع أو شيخ خلوة أو شيخ طريقة!! لكن إجابة مرشح الحزب، وللأسف الشديد، قد قدمت أقوى بينة يمكن أن يقدمها خصومه بغرض محاكمة الحزب الشيوعي، ألا وهي تهمة الإلحاد التي ألصقوها، زورا وبهتانا بالشيوعيين. فهل هنالك حجة ودليل أقوى من إقرار السكرتير العام بنفسه بأنه لا يؤدي مناسكه الدينية بإنتظام!! والإعتراف هو سيد الأدلة، كما يقول أهل القانون بذلك!! ويا بخت صحائف، من قبيل الإنتباهة وأخواتها، والتي ستكون أكبر عناوينها الرئيسية في الأيام القادمة من قبيل، "الشيوعيون يعترفون بإلحادهم"، وما شابهها!! أليس من المحزن حقا أن يمنح البعض خصومهم الذخيرة التي سوف يصوبونها على صدورهم!!.


    لقد نجحت قناة النيل الأزرق، وبنجاح تام في محاكمة الحزب الشيوعي، والذي كان من الممكن له أن يحول الدقائق القليلة التي أتيحت له لمحاكمة نظام الإنقاذ وقياداته، من خلال الجرائم التي إرتكبوها في حق الشعب والوطن، والتي لا تحتاج إلى دليل. كما أتمنى أن لا تنجح هذه القناة مرة أخرى في محاكمة الأحزاب الأخرى، من خلال إستجواب مرشحيها لرئاسة الجمهورية، حتى لا تكون مثل هذه البرامج هي نوع من الدعاية المجانية لمرشح الحزب الحاكم، سواء كان ذلك بوعي، أو بغير ذلك، مع زيادة الجرعة الدينية القاتلة لكل مشروع سياسي يدعو للتغيير والفكاك من ظلمات الوضع الراهن!!؟؟.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

29-12-2009, 05:14 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    صحيفة أجراس الحرية
    http://www.ajrasalhurriya.net/ar/news.php?action=view&id=7800
    --------------------------------------------------------------------------------
    الكاتب : admino || بتاريخ : الأحد 27-12-2009
    عنوان النص : جون برندر غاست: خمس خرافات حول المذابح الجماعية والعنف في السودان
    : نقلاً عن صحيفة الواشنطن بوست

    ترجمة : عبد الفتاح عرمان



    كتب جون برندرغاست، احد مؤسسي حركة (كفاية) الأمريكية المناهضة للتصفية العرقية في إقليم دارفور، مقالاً لصحيفة (الواشنطن بوست) تم نشره بداية الأسبوع الماضي بعنوان "خمس خرافات حول المذابح الجماعية والعنف في السودان"، استهله بالقول:" إنه منذ استقلال السودان قبل نصف قرن لم تشهد أية بقعة في العالم حجم الدمار والعنف الذي شهده السودان الذي فقد
    مليونين ونصف المليون شخص بسبب الحرب خلال العقدين الماضيين فقط.

    ورغم أن المذابح في دارفور مجرد صراع بين الصراعات المشتعلة في السودان، فإنها تنبع جميعاً من نفس المصدر: سوء استغلال السلطة. فالحزب الحاكم، يقمع الأصوات المستقلة ويدعم المليشيات التي ترتكب الإبادة الجماعية وتستخدم الأطفال والإغتصاب كأسلحة لها في الحرب. ويتابع الكاتب:" أن السودان يواجه عاماً حاسماً، حيث ستُقام إنتخابات غير حرة أبريل القادم،

    ثم إستفتاء حول مصير الجنوب وإستقلاله يناير القادم، والذي قد يتسبب في عودة الحرب الأهلية ثانية. في الوقت نفسه، أسفرت التحديات عن خلاف عميق بين الأقوال والأفعال في واشنطن. والخطوة الأولى لتضييق فجوة الخلاف هي دحض الخرافات المنتشرة بين رجال السياسة والدبلوماسيين بشأن السودان. ثم يبدأ الكاتب إستعراض تلك الخرافات: أولاً: إنتهاء المذابح الجماعية في دارفور. ويدحض الكاتب هذا الإدعاء بقوله إن البعض إستنتج توقف المذابح الجماعية في دارفور بعدما توقف النظام السوداني عن حرق القرى في دارفور وبعدما تراجعت أعداد القتلى. بل إن المسؤولين في الإتحاد الإفريقي ادعوا إنتهاء الحرب، بينما وصف المبعوث الأمريكي سكوت غرايشن استمرار العنف في دارفور بأنه "بقايا المذابح الجماعية".

    ولكن الحكومة السودانية تمنع دخول الصحافة المستقلة، وبالتالي يصعب التأكد من مدى العنف وهوية من يثيرونه. كما أن نقص وكالات الإغاثة الدولية ومنعها من دخول بعض المناطق لتقديم المساعدات يساهم في بقاء الصورة مبهمة حول حقيقة ما يحدث. ثانياً: إستثمارات الصين في قطاع النفط السوداني تمنعها من الضغط على الحكومة. ويدحض الكاتب هذا الإدعاء بقوله إن الصين، التي إستثمرت أكثر من 9 مليار دولار في قطاع النفط السوداني خلال العقد الماضي، قدمت الأسلحة إلى النظام السوداني، كما تتدخل لصالحه أمام مجلس الأمن الدولي، ولم تأبه بكل الجهود الدولية لإقناعها بلعب دور أكثر فعالية في هذا الصراع. إلا أن اللعبة قد تتغير إذا عاد السودان إلى الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، والتي ستكون المشاريع الصينية أول أهدافها.


    ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تهتم الصين بالسلام والأمن، وأن تتعاون مع الولايات المتحدة في تصعيد دبلوماسي لإنهاء الصراع في دارفور وحماية السودان من العودة إلى الحرب الأهلية. ثالثاً: الضغوط على السودان لم تنجح، فلنجرب الحوافز. ويعلق الكاتب على هذا الإدعاء بقوله إن المسؤولين بإدارة أوباما والدبلوماسيين الدوليين يصرون على فشل الضغوط والعقوبات والعزلة في تغيير سلوك النظام السوداني، وأنه حان وقت اللجوء إلى الحوافز كحل بديل. غير أن الكاتب يرى أن النظام السوداني لم يتجاوب مع المطالب العالمية لطرد أسامة بن لادن ووقف الدعم للمليشيات التي تتاجر في الرقيق وعقد إتفاق سلام مع متمردي الجنوب إلا بعد تطبيق الضغوط الفعلية الخارجية والتهديد بها.


    ومن ثم، يستطيع مجلس الأمن اللجوء إلى مزيد من الإجراءات الحاسمة للضغط على النظام السوداني. رابعاً: إدانة الرئيس البشير أضرت بجهود السلام. ويدحض الكاتب ذلك بقوله إن عملية السلام في دارفور كانت تحتضر قبل قرار المحكمة الجنائية الدولية واتهام الرئيس البشير بارتكاب جرائم ضد الإنسانية؛ وإن إستمرار العنف كان بسبب عدم تقديم المسؤولين عنه للمحاكمة. ومن ثم، فالحقيقة هي أن قرار إتهام الرئيس البشير منحَ المجتمع الدولي وسيلة ضغط حقيقية لتحريك جهود السلام. خامساً: الولايات المتحدة تبذل قصارى جهدها لإنهاء العنف. ويدحض الكاتب هذا الإدعاء بقوله إن كولن باول، وزير الخارجية في الإدارة السابقة، كان أول مسؤول أمريكي يصرح بأن ما يحدث في دارفور "مذابح جماعية"، وأن الولايات المتحدة تبذل جهدها لإنهائها.


    وعاد المسؤولون في إدارة أوباما إلى تكرار نفس الوعود منذ توليه السلطة. ورغم أن الولايات المتحدة هي أكثر من ساعد السودان بتقديم المساعدات الإنسانية وجهود حفظ السلام، فإن أمامها الفرصة للعب دور أكثر فعالية. إذ يمكنها قيادة الجهود الدولية لوضع إتفاق سلام يواجه الأسباب الأساسية للعنف في دارفور. ويمكنها تشكيل تحالف من الدول الراغبة في فرض عقوبات على النظام السوداني. ثم يختتم الكاتب المقال بقوله إن الإدارة الجديدة تضم بين صفوفها العديد من المسؤولين المهتمين بالعمل الجاد في السودان، ولكنها ستفقد الفرص المتاحة أمامها لإنهاء دائرة الصراع المميت.

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

29-12-2009, 06:39 PM

emad altaib

تاريخ التسجيل: 27-12-2007
مجموع المشاركات: 5300
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    ـــ
    واقع مؤلم للأسف يوسع النفس أستياًء من كل شيء , ولكن دوام الحال من المحال .


    شكراً أستاذنا الكيك
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

30-12-2009, 05:41 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: emad altaib)

    شكرا يا عماد يا طالب تواصل معى واقرا هذا المقال الذى اوردته القدس العربى اليوم 30/12/2009

    فصل آخر من الخلافات السودانية
    عمر الخطيب

    30/12/2009



    درج شريكا الحكم في السودان 'المؤتمر الوطني والحركة الشعبية' على تصعيد خلافاتهما بوتيرة تجافي روح ونصوص اتفاقية نيفاشا الموقعة بينهما سنة 2005.
    أكثر من ذلك درج الشريكان على لملمة خلافاتهما بذات السرعة قبل أن يعودا للاختلاف مجددا حول تنفيذ ما اتفقا على انه حل للخلافات.
    بالنظر لواقع الحراك السياسي الحالي في الساحة السودانية يتضح جليا ان الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني بدآ يتحسبان لأهم استحقاقين في البلاد، وهما الانتخابات الرئاسية والنيابية المقررة في نيسن(ابريل) المقبل والاستفتاء حول تقرير مصير الجنوب المقرر عام 2011.
    فالانتخابات ربما تفرز واقعا سياسيا جديدا اقله كف يد المؤتمر الوطني وكسر حدة الاحتكار والتفرد بشؤون الحكم،لذلك سعت الحركة للتقارب مع احزاب المعارضة الشمالية عبر مؤتمر جوبا الشهير والذي خلص لتحالف مرحلي سرعان ما انهار بعد ان اختارت الحركة الجلوس مع المؤتمر الوطني والخروج بتسوية ضحت بموجبها وللمرة الثانية بحلفائها الشماليين.
    خاضت الحركة والمعارضة الشمالية حملة ضارية لتمرير بعض القوانين المثيرة للجدل في البرلمان وهي قانون الأمن الوطني والمشورة الشعبية الخاصة بمنطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق إضافة إلى قانون الاستفتاء المرتقب في الجنوب.
    سحبت الحركة نوابها من البرلمان وأعادتهم مجددا بعد الاتفاق الأخير مع المؤتمر الوطني، ثم انسحب النواب مرة ثانية بمعية نواب المعارضة الشمالية من الجلسة التي أجيز فيها قانون الأمن الوطني قبل ايام.
    في المقابل استمر المؤتمر الوطني في رهاناته الخاطئة معتمدا على أغلبيته في البرلمان غير المنتخب او استغلاله للتناقضات التي تحكم اصول اللعبة السياسية في البلاد. وفي كل مرة يخرج قادة الحزب ليدافعوا عن منطق تشبثهم بالحكم مرسلين مئات الرسائل مفادها أن أي تغيير في الواقع السوداني لن يتم بمعزل عن المؤتمر الوطني.
    ولان الخلاف أصبح الطابع الأبرز للعلاقات بين الشريكين حملت الجلسة المخصصة لمناقشة قانون الاستفتاء حول مصير الجنوب مفاجأة جديدة من شأنها تدعيم الأصوات الداعية للانفصال في الجنوب والشمال على حد سواء.
    عندما كان المؤتمر الوطني في حاجة لعزل القوى الشمالية وإبعاد الحركة الشعبية عنها قدم ما اعتبرت تنازلات بشأن الاستفتاء وذلك في الاتفاق الموقع بين الجانبين في 13 كانون الاول/ديسمبر.
    وبمجرد التوقيع على الاتفاق والترويج له بدا المؤتمر الوطني يراوغ من جديد وحاول الالتفاف على ما اتفق عليه بشأن قانون الاستفتاء. فبعد تنازله عن شرط ان تكون نسبة المشاركة في الاستفتاء 75 في المئة عاد وقبل بان تكون 60 في المئة على ان تبلغ نسبة التصويت 50+1 لكن الحزب الحاكم مرر القانون رغم اعتراض نواب الحركة وانسحابهم من الجلسة احتجاجا على بند يتيح للجنوبيين المقيمين في الشمال قبل كانون الثاني( يناير) 1956 بالتصويت في الاستفتاء من مراكزهم أي من الشمال وهذا ما ترفضه الحركة التي لا ترى ضرورة لتصويت من امضوا اكثر من 40 عاما خارج الجنوب.
    ردة فعل الحركة الشعبية والموقف الامريكي الذي ندد بملابسات اجازة قانون الاستفتاء اجبرت المؤتمر الوطني على قبول اعادة القانون الى منضدة البرلمان مجددا لعرضه للنقاش والتصويت عليه مرة أخرى، ومعروف ان القوانين التي لا تجاز او يختلف حولها قبل التصويت هي التي تعاد للبرلمان، ما يعني ان المؤتمر الوطني ارسى سابقة تضاف لسجله العامر بالسوابق.
    هل يعني هذا ان المؤتمر الوطني استسلم للضغوط وخشى من ردة فعل الحركة الشعبية التي بدات تلوح بخيار الشارع وخلط الاوراق وقلب الطاولة على الجميع، ام انها استفاقة متأخرة بأن الاحتكام لبرلمان غير منتخب في قضايا مصيرية ربما يؤدي بالكيان السوداني كله. برأي كثير من المتابعين للشأن السوداني فانه يصعب التكهن بما يخبئه المؤتمر الوطني وما ينوي فعله بعد ان بلغ هذا الحد من الغرور والاستهتار بالشركاء والحلفاء قبل الخصوم وعليه فانه لابد من التعامل مع الشأن السودان بمنطق 'رزق اليوم باليوم'.

    ' صحافي سوداني- الدوحة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

30-12-2009, 04:27 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    الأربعاء 30 ديسمبر 2009م، 14 محرم 1431هـ العدد 5933


    بيت الداء .. السلطة

    حيدر طه
    g
    http://www.alsahafa.sd/admin_visitors.aspx[/red]


    مع اقتراب نهاية العام الميلادي الحالي، وفي لحظة مراجعة للأحداث تذكرت شعارا كان انقلاب الفريق إبراهيم عبود قد آثره على كل الشعارات، وفضّله على كل الأحكام والمعايير، فوضعه في صدر الصفحة الأولى لصحيفة «الثورة» الناطقة باسم النظام، وكان شعارا جميلا وحكيما يقول «احكموا علينا بأعمالنا»، وهي دعوة صكها الانقلابيون بثقة وظن متفائلين بأنهم مستعدون للحساب والمساءلة على أعمالهم وليس على معتقداتهم أو توجهاتهم أو شعاراتهم حينما يأتي يوم الحساب السياسي..
    انتشلت هذا الشعار من فوضى ذاكرة تداخلت فيها الأحداث عندما احتشدت ينافس بعضها بعضا، مستفزة بحديث جرى على هامش إحدى المؤتمرات مؤخرا مع عدد من الأشقاء العرب الحادبين على مصير السودان ووحدته ورفعته وتقدمه، وهم يتحدثون عن الأوضاع المتردية في السودان، واحتمالات انفصال جنوب السودان وما إذا كان السلام سيستمر بقوة دفع نيفاشا بعد الانفصال، أو بغريزة بقاء سودانية متبقية في الروح المتداعية. وبجانب ذلك احتلت أزمة دارفور ركنا دنيّاً في اهتمام المشاركين، وكان أشدها إثارة ما سترميه من ظلال وتداعيات كثيفة خلال المرحلة القصيرة المقبلة، وما يحمله غيب « الجنائية» وأثر ذلك على انتخابات الرئاسة... وبالطبع هذه أسئلة الموسم في كل محفل ومؤتمر، وهي أسئلة بديهية وعفوية يطرحها المشاركون على هامش أعمال المؤتمرات والندوات أثناء الوجبات الخفيفة أو الدسمة الثقيلة، وخلال فترات الاستراحة، إما للتعارف أو للمعرفة. والسمة الأساسية في هذه التساؤلات أنها صادقة تأتي من قلب حريص على مصير السودان وأهله ومستقبله.
    ففي المحافل والمؤتمرات التي تزدحم بها عادة الساحات العربية، تذخر الحوارات والمناقشات الجانبية التي تجري على هامش أعمال المؤتمرات، بكثير من الفوائد التي تفتقدها الجلسات الرسمية الباردة برودة الأوراق التي يتابعها الحاضرون بنصف قلب ويسمعها المؤتمرون بنصف أذن، خاصة عندما تكون التوصيات قد أعدت سلفا، توفيرا للوقت وتقليلا للجهد. ودائما ما يكون للمؤتمر جدول أعمال رسمي يحدده المنظمون بدقة متناهية، بدءًا من اختيار عناوين الأوراق ومدة تقديمها والمعقبون عليها إلى الزيارات الجافة لمواقع سياحية أو انتاجية يختارها خبراء ورجال العلاقات العامة بعناية فائقة وحماس ملتهب كجزء من الدعاية للدولة المضيفة، وفخراً بتاريخها وحاضرها.
    وبعيداً عن جدول الأعمال الرسمي وما يستتبعه من برامج رسمية، تفرض الأحداث والقضايا الكبرى والتهديدات والمخاطر التي تواجه بعض الدول العربية، هناك جدول أعمال عفوي يفرض نفسه على الجلسات الهامشية، يتحين فيه المشاركون الفرصة لمعرفة المزيد من المعلومات والأخبار والآراء حول قضايا مثارة تشغل الرأي العام العربي أو تكون جزءاً من الهموم الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي.
    وأسئلة هذا الموسم لم تخرج عن نطاق الأزمة السودانية بكل صورها وإفرازاتها وتعبيراتها في الجنوب ودارفور، فقضايا السودان ستظل تشغل الرأي العام العربي والأفريقي وربما العالمي عن كثب لفترة طويلة مقبلة، ربما لأن في رؤيتهم أن السودان يسبح عكس التيار بخوضه تجربة « انفصال « حية مخالفة للطموح والمساعي والجهود والكلفة والتضحيات، أكثر مما يخوض تجربة «وحدة» ظلت الأمل والرجاء والحلم. ومما لا شك فيه أن تجربة معاشة لعملية «انفصال» بطيئة تثير هواجس أمم ودول وحكومات عديدة في المنطقة، لأنها مثل العمليات الجراحية الصعبة والمصيرية، يعاني فيها المريض مخاوف تسبق إجراء العملية تتضخم يوما بعد يوم كلما اقترب موعد العملية. ومن البديهي أن أهل المريض يعانون مثل ما يعاني خوفا من ضياع الحياة والعمر وفراق أبدي لا رجعة بعده.
    والانفصال يؤلم، معنويا وجسديا، لأنه فراق بعد إلفة ومعاشرة، والوحدة تسعد الروح المعنى، لأنها مثل نيل الجوائز القيمة تأتي بعد رهق السعي ومعاناة الجهد. فكان الألم بادياً على حديث الأشقاء، وفي تعبيرات وجوههم، وأحيانا بين ثنايا مواساتهم. ولكن على الرغم من طغيان أسئلة الموسم واهتمام الجميع بمعضلة دارفور بعد هواجس الجنوب، فقد خرج من بين السائلين أحد المشاركين في الحوار العفوي بسؤال واحد ظل هو المسيطر على التفكير عندما دلف إلى قضية ظنها البعض بعيدة عن بؤرة الحوار ومحور النقاش، على الرغم من أنها أكثر استفزازا عندما استفسر الرجل عن ارتفاع نسب الفقر المدقع العالية في بلد يتمتع بالأراضي الزراعية الصالحة الشاسعة، والماء الوفير والثروة النفطية والحيوانية، والأيدي العاملة والتعليم المعقول..
    وكأن السائل وهو خبير اقتصادي، لا أتذكر الآن غير اسمه الأول، دكتور يوسف، أراد بسؤاله أن يخرج من الأسباب الظاهرة والقريبة والمباشرة للأزمات السودانية المستفحلة إلى الأسباب الباطنة والغائرة وغير المباشرة لكل تلك الأزمات في السودان، محاولا وضع سؤاله في شكل دعابة : هل صحيح أن سبب الفقر هو الكسل السوداني المشهور، وهو يدرك أن ذلك ليس السبب الجوهري، إنما كان قصده تخفيف الحرج من وقع مثل تلك الأسئلة التي اقتربت من وصف السودان بـ «الدولة الفاشلة» التي يحق عليها العقوبات بحجة «المسؤولية السياسية» للمجتمع الدولي عن المعاقين والعاجزين وعدم المؤهلين من الدول نسبة لآثار تصرفاتها وعواقبها الوخيمة على الشعوب وحال الأمم.
    حاولت استبطان ما يرمي إليه من حديث عن الفقر كسبب وراء الأزمات، قبل أن يكشف عن بحوث يعدها حول الفقر في العالم العربي، وكيفية تخفيف معدلاته من خلال المعالجات الاجتماعية والاقتصادية، مشيرا إلى أن الفقر سبب بلاء الدول والمجتمعات، مثل الحروب والعنف والتشرد والبطالة والدعارة والسرقة والكذب والاحباط وقلة التعليم، وفقدان العدالة والاضطرابات والفوضى وعدم الاستقرار، والطلاق والعنوسة، وما يترتب على كل ذلك..
    ظل ذلك الحديث يطرق ذهني كلما تعثرت الحلول وتشتت الجهود واخفقت المساعي لحل أزمات السودان الكثيرة والمزمنة، فيسبر أغوار كل مشكلة ليجد أن وراءها الفقر، حتى أصبح «الفقر» واحداً من الاهتمامات التي تشغل المرء، فيدمن على تتبع أخباره وضحاياه وآثاره وانعكاساته ومعالجاته.
    والدول الفقيرة حسب تعريف البنك الدولي- هي الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد عن 600 دولار سنوياً. ووفقا لتقرير أعده المجلس القومي للسكان في السودان - وهو هيئة حكومية - أن نسبة الفقر بين السودانيين تتراوح بين % 45 و95. %
    ويلاحظ أن الفرق بين النسبتين كبير ومداه واسع يصل إلى نسبة أربعين في المائة، مما ينبئ بأن الاهتمام الرسمي بدقة المعلومات والأرقام مفقود ويكون التقدير خبط عشواء، وهو ما يشير إلى نظرة اللامبالاة الحكومية إلى قضية تعتبر رأس البلاء. وربما كان تقرير مجلس تشريعي ولاية الخرطوم، أكثر دقة إذ أنه كشف عن نسب عالية من الفقراء بالولاية، تفوق الـ (%70) وسط المواطنين.
    وإذا كانت الدول الفقيرة مثل السودان تأخذ بالمعيار التقليدي الذي حدده البنك الدولي، فإن هناك معايير أخرى حددها برنامج الإنماء للأمم المتحدة وهي تضع مستوي رفاهية الإنسان ونوعية الحياة في الحسبان، مما وسّع دائرة الفقر بمفهوم مغاير لمبدأ دخل الفرد.
    وعلى كل حال فإن التعريف الاقتصادي والعلمي ليس مهما بقدر أهمية الواقع المعاش في السودان، الذي جعل أكثر من ثلاثة أرباع مواطنيه فقراء، في وقت كانت حكومة الإنقاذ قد أعلنت أن السودان سيصبح دولة « عظمى» خلال بضع سنين، قدرت ما بين خمس إلى خمسة عشر عاما.
    وللعجب أن السودان بعد عشرين عاما من حكم الإنقاذ يعاني من فقر مدقع على الرغم من استخراج البترول الذي لم يؤد إلى اي تحسين، لا في دخل السودانيين ولا في تحسين معيشتهم، بدليل تقرير المجلس التشريعي لولاية الخرطوم.
    فإذا كان الفقر في العاصمة وصل إلى سبعين في المئة، فإلى أي نسبة وصل في الولايات الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية...؟
    والفقر ليس حالة يعاني منها السودان وحده، ففي كل دول العالم فقراء إلا استثناء في بعض الدول، ولكن ظلت هناك جهود مثابرة لاحتوائه وتخفيف حدته ومنعه من الانتشار، وقد كانت الصين والهند نموذجان لهذه الجهود، في الوقت الذي يبلغ عدد سكان كل منهما أكثر من مليار و300 مليون نسمة، وهذا يلغي أي مقارنة بين السودان والهند في الفقر أو في مكافحته.
    فعدد سكان السودان يبلغ 39 مليون نسمة، وهو رقم متواضع بالنسبة لمساحة الأرض والإمكانيات المادية، كما هو متواضع أمام البرامج والخطط والاستراتيجيات والشعارات والوعود التي ترددها الحكومة دون أن تفطن إلى أنها تكذب كذباً صراح، لا تلعثم فيه ولا استحياء.
    فبعد عشرين سنة ظل السودان دولة فقيرة، يصورها الإعلام المحلي دون أن يدرك على أنها دولة فقر ويصورها الإعلام الأجنبي وهو يدرك على أنها دولة بؤس، يعيش الناس على أسمال بالية وخرق مهترئة وجسوم عارية من اللحم يكاد المرء يرى هياكل عظمية تحت جلد ناشف..
    الصور التي تبثها وسائل الإعلام عن حال السودانيين مليئة بالمأساة والحزن والخوف والدموع، صور هي عبارة عن بيوت من رواكيب وعشش وقش لا يقوى على الصمود في وجه رياح خفيفة ناهيك عن عواصف أو اعاصير، وماء من بئر يتحلق حولها النساء المرهقات الجسد والعقل والروح والأطفال العراة الذين يغطي وجوههم الذباب بأحجام كأنها مربية في مزارع خاصة. هذه الصورة النمطية أصبحت هي الطاغية في ذهن المشاهدين للفضائيات المحلية أو الأجنبية، يصعب تغييرها إلا بعد جهد جهيد، يبدل الصورة الحقيقية التي تجسد الواقع الحياتي للسودانيين، كي تتغير الصور الدعائية والإعلامية.
    ومثل هذه الصور دليل على فقر شامل، في الفكر والإبداع والإعلام والدعاية حتى تلك الكاميرات المصاحبة لكبار المسؤولين الذين يجوبون القرى والنجوع من أجل بقاء السلطة في ايديهم لأطول فترة ممكنة بالانتخابات أو بالقوة، لا تؤدي إلا لمزيد من قبح الصورة.
    وقد علّق مشاهد فطن على مشهد استقبال بعض المسؤولين والأهالي في بعض القرى بغرب السودان للأمين العام لحزب المؤتمر الوطني وهو يرفع يده مرددا التكبير والتهليل الذي لا يفتر المسؤولون الولائيون من تردديه عدة مرات، والأهالي يتبعونهم بالتكبير والتهليل قبل أن يعتلي الأمين العام المنصة مخاطبا الجمع «الكريم « عن إنجازات ثورة الإنقاذ.
    والمفارقة أن الاهالي الذين تجمعوا كرها أو رغبة، تبدو عليهم كل مظاهر الفقر والرهق والتعب واضحة. مظاهر كان من الممكن أن تسترعي انتباه القيادي الحزبي كي يغير خطابة لينسجم مع حال هؤلاء البؤساء، الذين جاء غالبيتهم مسحورين بالاستقبال أو بدافع الفضول، يفعلون كما يفعل أهل القرية المجاورة، أو كما يفعل أهل المدن الذين يحشدون لاستقبال تضرب فيه الدفوف وتعلو الأناشيد وتصدح الميكرفونات بأغاني السيرة الحماسية. فينفعل الوجدان ويهتز الكيان فتكون المشاركة أكثر من وجدانية، تدخل في حساب النصرة والمؤازة والمساندة والتعاطف ليكون لدى المؤتمر الوطني وهم بجماهير مليونية يهز بها الأعداء والخصوم والحاقدين.
    فالصورة في ذهن قادة المؤتمر الوطني ليس مثل الصورة في الخارج، فإذا كانت في الداخل «دلوكة وحماسة» فإن الصورة في الخارج بؤس وشقاء ومأساة وانقسامات وحروب وعنف.
    ماذا يمكن تسمية هذا النوع من المفارقات بين الصورة الحقيقية والصورة الكاذبة المطبلة ..؟
    ربما هي فقر الضمير من الإحساس بالحقيقة، أو فقدان القلب الإحساس بالصدق.
    فالفقر في حالة السودان ليس فقرا اقتصاديا فقط، إنما فقر فكر وسياسة وأخلاق وضمير، ناتج من بيت الداء، من صميم السلطة التي تعمي الأبصار وتغلّظ القلوب وتميت الضمائر، وتفرق الأصدقاء وتمزق الدول وتثير الفتن، إذا لم يحكمها نظام عاقل راشد وحكيم يسمى بالـ «ديمقراطي» وينسب إلى التعددية الحقيقية.
    السلطة في الأصل خادمة، ولكنها تتحول في الأنظمة الإنقلابية إلى طغيان يصيب القادة بالعمى السياسي قبل أن يصيب المواطنين بالفقر والعوز.
    فحالة الفقر وحدها تكفي لمحاكمة النظام.
    فإذا طبقنا ما كان قادة نظام الفريق إبراهيم عبود يرددونه «احكموا علينا بأعمالنا» فإن الوقت قد جاء لنحكم على «الإنقاذ» بأعمالها، ويكفي اعترافات الهيئات التشريعية بفداحة حجم الفقر وانتشاره وعمقه وآثاره المطبوعة في الحرب والعنف والفساد والرشوة والكذب وتفشي الجهل وغيرها من «الموبقات «.. فليأتي الحكم ناجزا في الانتخابات.
    وكل عام والسودان بخير

    الصحافة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

30-12-2009, 04:52 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    صحيفة أجراس الحرية
    http://www.ajrasalhurriya.net/ar/news.php?action=view&id=7898
    --------------------------------------------------------------------------------
    الكاتب : بتاريخ : الأربعاء 30-12-2009
    : مسالة
    مرتضى الغالى


    : ... إذاكانت الإنتخابات سوف تجرى على طريقة (تلقانا نحنا يانا نحنا) أو على نمط الاهزوجة الشعبية اللطيفة (برانا بنعرف مستوانا...ياناس).. بمعنى انها لن تكون حرة ولا نزيهة فلا داعي لها البتّة.. واذا كان يُراد بالانتخابات (تبييض الأموال والوجوه) من أجل أن تتربّع الشمولية على كاهل السودان الي فترات أخرى جديدة، وبداية صفحة متصلة من القهر وهلهلة نسيج البلاد وإظلام صبحها و(إغطاش ضحاها) لتضاف (من أول وجديد) إلي سنوات الاحتكار و(الكنكشة) على مقاليد البلاد بغير شرعية فما جدواها..؟! وإذا كان الجماعة يريدون ان يقولوا للعالم اننا هنا بالإرادة الشعبية عبر إنتخابات (مرسومة ومقسومة) فلا ينبغي الإسهام في تمكينهم من اجلتقنين (هذه الفرية) حتى لا تساهم الأحزاب وقواعدها وجموع الشعب في هذه المسؤولية الجسيمة إذا كان المطلوب مجرد المشاركة الصورية لتمرير مثل (هذه التمثيلية)التي لا يغيب العلم بفصولها وكواليسها ودهاليزها حتى عن (طيور الروابي)...!!



    نعم لا مناص من التأكيد على ضرورة حرية ونزاهة الانتخابات (من قولة تيت) بشروطها ورقابتها ومشاركتها وفرصها المتساوية في الاعلام القومي وحياد الخدمة المدنية والجهاز التنفيذي وضمان القضاء المستقل (الحارس للنزاهة) لا (الساكت على الفظاعة) أو الباصم على التجاوزات... علاوة على التقسيم العلمي الموضوعي للدوائر بالإضافة، الي التاكيد على الاحصاء الذي يقوم على الوقائع لا على الحسابات الهندسية السرية في (أجهزة الحاسوب المخاتلة) التي لم يتم اختراعها من اجل التدليس.. ولكن كل اناء بما يتدفق منه..(وقد عرف الناس الإشارات المبكرة حول (نيّة المباريك) بشأن الإحصاء منذ الحادثة المشهورة التي تم فيها الإبعاد والتقريب والإستجلاب وتغليب الموالاة بديلاً لمخافة الله وبعض جرعات النزاهة التي صعب على الجماعة ابتلاعها)...مع ضرورة كفالة حياد اللجان العليا ورقابة الاحزاب والمجتمع المدني وحق اقامة الليالي السياسية والمسيرات السلمية..!


    أما إذا كانت الاإنتخابات سوف تجري (على ما هو كائن) فلن يعني ذلك سوى المساعدة في تكميم (نغيم فاه السودان) ولجمه بجماعة (الخمسة في المية) مع استخدام آلة الدولة مواردها بالكامل، وتسخيرها في يد فئة صغيرة كانت وبالاً على السودان في مجمل حركاتها وسكناتها منذ ميلادها وصباها التعيس وحتى سنوات الطيش الراهنة.. وإذا لم تكن الإنتخابات حرة نزيهة فلا داعي لها (من اصلوا) ودعوا هذا الحزب وتابعيه (بغير إحسان) يرددون اهزوجتهم الحبيبة التي يقولون فيها ان كل أهل السودان ومجمل أحزابه ومجتمعه المدني (إلا هم) يتحايلون للهروب من الانتخابات... وكأنهم هم وحدهم أصحاب العصمة الذين يتلقون الوحي كفاحاً من جانب الطور...!
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

30-12-2009, 06:33 PM

emad altaib

تاريخ التسجيل: 27-12-2007
مجموع المشاركات: 5300
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    ـــ
    Quote: برأي كثير من المتابعين للشأن السوداني فانه يصعب التكهن بما يخبئه المؤتمر الوطني وما ينوي فعله بعد ان بلغ هذا الحد من الغرور والاستهتار بالشركاء والحلفاء قبل الخصوم وعليه فانه لابد من التعامل مع الشأن السودان بمنطق 'رزق اليوم باليوم'.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

30-12-2009, 09:28 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: emad altaib)

    من يقول لا.. للرئيس..؟!

    عبد الباقى الظافر


    ثار القطب الطائفي الكبير، و حطّم صندوق الاقتراع.. و عندما تمّ استجوابه.. وأدرك الشيخ الاتحادي عمق مأزقه.. خاصة وأن مايو الثورة كانت تراجع ولا تتراجع.. تبطش ولا ترحم.. قال لهم كيف يجرؤ مواطن عاقل و راشد على أن يقول لا للرئيس المُلهم و الزعيم القائد.. و بالطبع لم يتجرأ أحدهم ليعاقب رجلاً يرفض أن يكون الولاء للرئيس محل تساؤل أو موضع شك.. يحتاج لا أو نعم لإثباته. تذكرت تلك الواقعة وأنا أرقب الانتخابات التمهيدية للمؤتر الوطني.. الفكرة جيّدة.. يستحق عليها الحزب الحاكم أن توضع في ميزان حسناته.. على أقل تقدير هو الحزب الوحيد في الساحة..

    و الذي عاد إلى الناس في ربوع السودان بآلية محددة المعالم في الاختيار للولاية العامة.. صحيح أنّ مراكز القوى احتاطت.. وجعلت لإرادة الجماهير حدوداً و سقوفاً عليا.. عندما رهنت الاختيار النهائي للمكتب القيادي المركزي للحزب الحاكم. ولكن حتى هذه اللحظة مخرجات آليات الاختيار هزيلة.. ففي كل الولايات التي تمّ الاقتراع فيها.. يأتي الوالي الحالي و المعين من المركز في المركز الأول.. عفواً هنالك استثناء.. ولكن يجب ألا يؤخذ به.. في القضارف تصدر القائمة كرم الله كركساوي.. و لكن كركساوي كان رئيساً للمجلس التشريعي.. حتى أقاله المركز في تسوية سياسية مريبة.. وفي شمال كردفان حنّت قواعد الإسلاميين للوالي الأسبق د. فيصل، وقدمته على أبو كلابيش القادم من مدرسة مايو الثورة..


    و لا عزاء للقادمين في وجود القدامى. ولكن السيناريو البائس هو ما نقلته إحدى الصحف.. ففي الدائرة 27 الديوم.. رفضت الشورى أن تقدم أي بديل للأستاذ علي عثمان.. وجاء ترتيب الفائزين.. الشيخ علي عثمان ثمّ الأستاذ علي عثمان.. ثمّ أخيراً علي عثمان محمد طه. الأستاذ علي عثمان محمد طه.. نائب الأمين العام للجبهة الإسلامية.. و زعيم المعارضة البارز.. ونائب رئيس الجمهورية.. الأستاذ علي بكل هذا التاريخ لا يحتاج لامتحان (خاص).. حتى يتمّ إعادة اعتماده عند الجماهير. وددت لو أن استطيع أن أفصح لكم عن درجات النجاح التي منحها حسن الترابي لعلي عثمان..

    عندما كان يقارن عليّاً بأترابه وأنداده.. و لكن للمجالس أسرار.. و ما بين الشيخين إلا العداء .. و لكن الفضل ما شهد به الأعداء ..لا ما صنعه المُطبّلون. و لكن من يحلّ (الفزورة).. و يفصح عن السر.. الذي يجعل الوالي عبد الرحمن الخضر الذي لم يبلغ أجله في ولاية الخرطوم عاماً واحداً يصرع الوالي الأسبق عبد الحليم المتعافي.. و كيف يفوز نائب رئيس الجمهورية مثنى وثُلاث في دائرة صغيرة..؟ عندما تكتشفون أصل الحكاية ستدركون عمق أزمتنا.. و لماذا تجعلنا مُنظمة الشفافية في أعلى قائمتها.. إلى ذلك الحين كل استقلال وأنتم بخير.

    التيار
    30/12/2009
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

31-12-2009, 06:48 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    معتاد اجرام رسالى !! ...
    بقلم: لواء شرطه (م) عبد الرحيم احمد عيسى
    الأربعاء, 30 ديسمبر 2009 23:23


    كان القانون الجنائى السابق وبالتحديد قانون الاجراءات الجنائيه يحوى على باب يسمى (مراقبة الشرطه) يفصل فيه بالتحديد الاجراءات التى تتبع لكى يتم وضع معتادى الاجرام تحت مراقبة الشرطه ....فهو يحوى اولا تعريفا لمعتاد الاجرام ثم الاجراءات التى يجب ان تقوم بها الشرطه ان ارادت وضع معتاد اجرام تحت مراقبة الشرطه ... وذلك باحضار صحيفة سوابقه مرفقا معها طلب للقاضى المختص ويكون هذا الطلب مدعما باسباب قويه ومقنعه ثم يقوم القاضى بدراسة الطلب وبعد ان يستوثق من كل البينات يصدر القرار المناسب اما بالقبول او الرفض ويكون ذلك قرارا قضائيا قابلا للاستئناف .... وفى حالة قبول الطلب يحدد القاضى الفتره التى يكون فيها الشخص تحت مراقبة الشرطه والوسيله والمكان والزمان ...بمعنى ان هذا الاجراء يضمن حقوق الانسان كامله حتى ولو كان معتاد اجرام
    قبل يومين كنت استمع صدفه الى اذاعة ساهرون وكان المتحدث عبر لقاء مطول وزير داخليه اسبق فى عهد الانقاذ ..وكان يشرح تجربته فى وزارة الداخليه وماادخله من (ابداعات) وقال عملنا مايعرف (بليالى الرباط) وكنا نسير دوريات ليليه على راسها (رئيس المحليه!!!) وطبعا بعض المرابطين (والمرابط هو الشرطى الشعبى) وبعض افراد الشرطه ثم قال : - كنا نطرق باب معتاد الاجرام ونقول له سوف نحضر ونشرب معاك شاى الصباح واضاف :- كان ذلك كافيا لان يحد من حركته طوال الليل مترقبا حضورنا فلا يخرج لارتكاب جريمه !!
    عندما استمعت لذلك قلت فى سرى لماذا ياترى لم يدعو السيد الوزير معتاد الاجرام للحضور لصلاة الفجر معه فى المسجد (لتعظيم شعيرة الصلاه ) وبذلك يحوله لمعتاد اجرام (رسالى)
    تخيلوا معى ياساده دوريه امنيه يقودها رئيس محليه ربما يكون زول (عنقالى ) ساكت ومعتاد اجرام عندو منزل محترم يعزم الناس شاى الصباح !!ثم باى حق قانونى تطرقون منازل الناس بعد منتصف الليل حتى لو كان فى نظركم معتاد اجرام ولكنه مواطن حر لديه حقوق قانونيه ودستوريه لايحق لاى كائن من كان ان يمسها او ينتهكها الا بموجب اجراءات قانونيه سليمه
    ولكن عندما تغيب المهنيه وتصبح الاجتهادات الفرديه هى التى تحكم سلوك النا س يصبح القانون والدستور فى خبر كان !!
    وياويلنا عندما يتحكم فينا اصحاب العاهات النفسيه والعقليه
    لواء شرطه (م)
    عبد الرحيم احمد عيسى
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

01-01-2010, 09:09 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    بيوت الاشباح ...روزنامة الاسبوع
    كمال الجزولى



    الاثنين

    الأطروحة التي بدأ الصديق د. الواثق كمير نشرها، منذ البارحة 20/12/2009م، على حلقات بصحيفتي (الرأي العام) و(الأحداث)، تحت عنوان (دعوة للحوار مع النفس: الحركة الشعبيَّة والعودة لمنصَّة التأسيس)، وكان، قبل ذلك، قد بعث إليَّ، مشكوراً، بنصّها الكامل، تثير، ربَّما لأوَّل مرَّة في (العلن)، مسألة تعتبر، برغم طابعها الوطني (العام)، من أهمّ المسائل (الداخليَّة) للحركة، بل أخطرها، طرَّاً، وأكثرها تعقيداً على الإطلاق؛ ومع ذلك فلطالما جرى، مؤخَّراً، وبحسب الواثق، تحاشي مناقشتها علي المستوى (التنظيمي)، حتى كادت تنطمر، بالكليَّة، تحت ركام المشاغل السّياسيَّة اليوميَّة للحركة، وتندرج، نهائيَّا،ً ضمن المسكوت عنه في (داخلها الرَّسمي)، وهي المسألة المتعلقة بمدى تحمُّلها لمسئوليَّتها تجاه جعل الوحدة "جاذبة"، ليس، فقط، كأحد مستحقات اتفاقيَّة السَّلام الشامل والدُّستور الانتقالي، بل، في المقام الأوَّل، كأحد مستحقات (السودان الجديد) نفسه، باعتباره (الاستراتيجيَّة) التي ظلت الحركة تبشّر بها، لأكثر من ربع قرن، وسط الملايين من المهمَّشين والمثقفين الوطنيّين الديموقراطيّين، بما يضع على كاهلها عبء ألا تسمح، ولو للحظة، بأن يلتبس موقفها إزاء قضيَّتي (الوحدة) و(التحوُّل الديموقراطي)!

    د. الواثق يرى أن تعسُّر العلاقة بين شريكي الاتفاقيَّة التي تهدف لتحقيق هتين القضيَّتين، ناجم من تشابك ثلاثة أسباب رئيسة. فمن جهة، لم يُجر أيٌّ منهما، داخل صفوفه، "حواراً استراتيجيَّاً جادَّاً وصريحاً حول استحقاقات التحوُّل الديموقراطي، والأبعاد الحقيقيَّة لخياري الوحدة والانفصال، والتبعات السالبة لخيار الانفصال بالأخص"؛ كما ولم يُجر أيٌّ منهما مثل هذا الحوار، من جهة أخرى، بينه وبين جماهيره؛ في حين أن هذين الحوارين يشكلان، برأي الواثق، الآليَّة القمينة بأن تفضي بالشريكين، من جهة ثالثة، إلى "حوار فاعل ومثمر .. يسفر عن نتائج إيجابية تحمى وطننا شرَّ القتال والتمزق".

    لئن كان الغرض، أصلاً، من أيّ (حوار)، هو تبيُّن الخيوط البيضاء من السَّوداء في القضايا المطروحة، واتخاذ المواقف، من ثمَّ، بناءً على ذلك، فقد يصعب، ابتداءً، الاتفاق مع الكاتب على أن المؤتمر الوطني لم يتحرَّ داخله، بإطلاق القول، "الأبعاد الحقيقيَّة لخياري الوحدة والانفصال، أو لمستحقات التحوُّل الديموقراطي". كلُّ ما في الأمر، وبوضوح تام، أن ما يعنيه مثل هذا (الحوار) بالنسبة للحزب الحاكم هو شئ آخر مغاير لما يعنيه بالنسبة للواثق! فالأخير، كما قال بنفسه، يعتبر أن ضرورة هذا (الحوار) نابعة من "الحاجة الماسَّة للدّراسة المتأنية والبحث الأمين" في القضايا المذكورة. وما من شكّ، بطبيعة الحال، في أن كلمتي (التأني) و(الأمانة) إنما تستمدَّان دلالتيهما من ذات السّياق الواردتين ضمنه، وهو سياق محتشد، ولا ريب، بالكثير من (النزاهة) و(حسن النيَّة) تجاه الآتفاقيَّة. فهل، يا ترى، تشكل هاتان القيمتان نفس المعياريَّة بالنسبة لمواقف الحزب الحاكم النهائيَّة؟!

    للإجابة على سؤال (المليون دولار) هذا لا بُدَّ من الأخذ في الاعتبار بحقيقة أساسيَّة، وغير خافية على أيّ مراقب. فالمؤتمر الوطني دخل مفاوضات نيفاشا، ووقع اتفاقيَّتها، مرغماً لا بطلاً! لذا ظلَّ يحتقب، طوال الوقت، ذات (استراتيجيَّته الشُّموليَّة)، ويطلق، باتجاه تحقيقها، ذخيرة من (تكتيكات) يتحسُّب بها لكلّ ما يمكن أن يعيقها، خلال (التفاوض) أو (التطبيق)، مضمراً ألا يتنازل، من حيث (الجوهر)، عن ملمتر واحد من (سلطته المطلقة)، حتى لو اضطرَّته عاصفة (الإيقاد) وشركائها وأصدقائها لإحناء الرأس، إلى حين، والصبر، في المدى القريب، على (تحوير) هذه (السُّلطة)، من حيث (الشَّكل) فقط، دون المساس، في المديين المتوسّط والبعيد، بعظم ظهر المشروع (الشُّمولي) نفسه، ولو مقدار قلامة ظفر!

    وربَّما لا يحتاج التأكد من هذا الأمر لأكثر من محض نظر عابر في الخطاب والأداء السّياسيَّين للحزب الحاكم، وكلاهما قائم على (الاستخفاف) بالاتفاقيَّة، و(التحقير) للحركة، وقادتها، ورموزها، دَعْ الأحزاب الأخرى! ولمن أراد مثالاً قريباً، رغم أننا لا نعتقد أن ثمَّة من يحتاج، حقيقة، إلى ضرب الأمثلة، فدونه (الاستهانة) الفادحة لحزب المؤتمر باتفاقه مع الحركة، مؤخَّراً، حول (قانون الاستفتاء) الذي ما أن أشرقت عليه شمس يوم واحد حتى نقض المؤتمر غزله، ثمَّ وجَّه كتلته البرلمانيَّة بإجازة هذا الغزل المنقوض، رغم انسحاب نوَّاب الحركة من الجلسة، ومعهم نوَّاب الأحزاب الجنوبيَّة الأخرى، بل وحتى النوَّاب الجنوبيّين في كتلة الحزب الحاكم ذاته، ممَّا حدا بياسر عرمان، رئيس كتلة الحركة، لضرب أخماسه في أسداسه عجباً من إجازة قانون لتقرير مصير (الجنوب) في غياب (الجنوبيّين) أنفسهم (سودانايل، 22/12/09)، وكذلك فعل سلفاكير ميارديت، النائب الأوَّل لرئيس الجمهوريَّة ورئيس الحركة الذي زاد بأن وصف الأمر بأنه "تصرُّف غير مسئول!" (الشرق الأوسط، 24/12/09). وثمَّة، قبيل ذلك أيضاً، القوَّة المفرطة التي جابهت بها الشرطة مسيرة الاثنين 7/12/2009م، حدَّ الاحتجاز والضرب في حراسات الشرطة، بما طال حتى أمين الحركة العام، ونائبه، بل ووزيرها بوزارة الداخليَّة التي تتبع لها الشُّرطة نفسها! وقبل ذلك كله كان وزير الداخليَّة السابق قد أطلق فيالق الشرطة على دور الحركة، وبيوت ضباطها في مجلس الدفاع (المشترك!)، إثر معلومات مغلوطة، أو قل مختلقة، بأن سلاحاً قد خبئ فيها! ضف إلى ذلك ما لا حصر له من سوابق انفراد المؤتمر الوطني بالقرارات الكبيرة من خلف ظهر الحركة، كالقرار الابتدائي حول دخول قوَّات حفظ السلام في دارفور، وطرد المنظمات الأجنبيَّة منها، والموقف من المحكمة الجنائية الدوليَّة، وغيرها من القرارات!

    لقد أصاب الكاتب الإسلامي الطيّب زين العابدين حين استنتج من مجمل هذه الممارسات "أن المؤتمر الوطني يريد أن يقول للحركة إن نصيبها من السلطة في الشمال هو الرواتب، والعربات، والمكاتب، والمخصَّصات الأخرى، ولكن ليس من حقها المشاركة في صنع القرارات المهمَّة، ويكفيها ما تمارسه من سلطة مطلقة في الجنوب، فاتفاقيَّة السَّلام كلها بنيت على قسمة الشمال للمؤتمر والجنوب للحركة!"، وأصاب حين وصف، إلى ذلك، موقف الحزب الحاكم من موكب الاثنين وقادته بأنه "خطأ سياسي فادح وقبيح .. يعني استمرار المؤتمر الوطني في منهجه (الشُّمولي)، فهو لم يسمح، ولا مرَّة واحدة، لأيّ موكب .. يحتجُّ على بعض السّياسات، أو يطالب ببعض الحقوق، حتى لو كان موكب بضعة معاشيّين يطالبون بمرتبات هزيلة ما تفتأ تتأخر عليهم"! وأصاب حين خلص، من كلّ ذلك، إلى أن "الشُّموليَّة المستبدَّة ما زالت قائمة، وستبقى ما بقي المؤتمر في السُّلطة .. (فهو) مرعوب، شأن كلّ نظام شمولي، من أيَّة حشود جماهيريَّة تسير في الشارع، ولا يسيطر هو عليها!" (سودانايل، 13/12/09).

    وإذن، فليس صحيحاً أن الحزب الحاكم لم يقف على "الأبعاد الحقيقيَّة لمستحقات الوحدة والتحوُّل الديموقراطي"، بل بحث، ودرس، وقطع أمره، من جهة، بعدم مقاربة خردلة من ذلك إلا بشروطه هو، ومن جهة أخرى بالاكتفاء، فحسب، بإطلاق خطاب سياسي وإعلامي شَّكلاني، قائم، في الصباحات والمساءات، على (مضمضة الشّفاه lip service) بالكلام الأجوف، المفتقر للصّدقيَّة، الخالي من أيّ محتوى حقيقي، والموجَّه إلى (الخارج!)، على نحو مخصوص، عن (رغبته!) في تحقيق هدفي الاتفاقيَّة، دون أن يكبّد نفسه (مشقة) أن يخطو (عمليَّاً)، ولو خطوة واحدة، باتجاه أيّ منهما! يشهد على ذلك تلكؤه المتعمَّد، طوال أربع سنوات، في النهوض بالتزاماته حسب الاتفاقيَّة، ثم نهجه، بعد أن تآكل الزمن المحدَّد تماماً، أو كاد، في التعامل ليس فقط مع قانون (استفتاء الجنوب)، بل، أيضاً، مع قوانين التحوُّل الديموقراطي، كقوانين (الأمن) و(النقابات) و(الانتخابات)، وغيرها، ممَّا يشي بما سيكون عليه، أيضاً، نهجه حيال قانوني (استفتاء أبيي) و(المشورة الشعبيَّة لجنوب كردفان والنيل الأزرق)!

    أما في ما يتصل بضرورة إجراء "الحوار مع النفس"، داخل الحركة، حول جملة هذه القضايا، وفي مقدّمتها قضيَّة (الوحدة)، من كلّ بُد، فذاك أمر آخر نجدنا متفقين بشأنه، تماماً، مع د. الواثق. ذلك أن رؤية الحركة لمستقبل الوطن، منذ بداياتها الأولى، هي بناء سودان (موحَّد) على أسس جديدة. وهي الرؤية التي وفرت، بالفعل، الوقود الفكري للحركة لشنّ نضالها، وإقامة تحالفاتها، وتأسيس علاقاتها الخارجيَّة، وألقت على كاهلها بالتزامات لا يمكن الفكاك منها، أو التشاغل عنها بالجوانب القانونيَّة أو الإجرائيَّة لـ (تقرير المصير)! وبالتالي فهي أحوج ما تكون، الآن، لهذا (الحوار) الذي تأخَّر طويلاً، ليس في مستوى كوادرها القياديَّة، فحسب، بل ووسط قواعدها، من جهة، وبينها وبين الجماهير، في الجنوب والشمال، من جهة أخرى، كي تفي بالتزاماتها تجاه (استراتيجيَّة السودان الجديد)، والتي لن تستطيع أن تفي بها ما لم تضع (كراعها الكبيرة)، بوضوح، في موقع (الوحدة الجاذبة)، بينما كلتا (كراعي) المؤتمر الوطني مغروسة في موضع (الانفصال)، أو (الوحدة المنفرة) في أفضل الأحوال، استلافاً، كما فعل الواثق، لكلمة الراحل جون قرنق الطريفة في تقييمه للموقف المتذبذب لأحد كوادر الحركة من انقلاب الناصر، قائلاً بعربي جوبا: "زول ده كراع معانا وكراع مع الانقلابيين، لكن كراع (كبيرة) بتاعو مع ناس الانقلاب"!

    الثلاثاء

    فتوى (هيئة علماء السودان) بـ (تحريم) المسيرات صدرت منذ 7/12/2009م، ونشرتها الصحف، في وقتها، ومن بينها (السوداني)، وظلَّ الناس يتداولونها طوال الأيَّام التالية، دون أن تعترض الهيئة، أو تنف صدورها عنها، أو تصحّحها، إن كان شاب نشرها خطأ ما! لكنها، ما أن فوجئت، بعد قرابة الأسبوع، بصدور فتوى مضادَّة من الشيخ القرضاوي، رئيس (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)، بأنَّ أمْرَ هذه المسيرات "يدخل في دائرة الإباحة ولا صحَّة لتحريمه" (سودانايل ـ نقلاً عن "الشرق الأوسط"، 12/12/09)، حتى أخذ موقفها يتضعضع، ويتصدّع، ويتهاوى بلا انتظام، فإذا بزكيبة من المغالطات المتهافتة تصدر عنها لموقع (سودانيزاونلاين) الإليكتروني، تزعم فيها أن (السوداني) شوَّهت فتواها، عمداً، لتضليل الرأي العام، وأنها (لم تحرّم) المسيرات، وأنها، فقط، ضدَّ (الفوضي) و(الشغب)، ولو أن الأحزاب "استلمت (التصديق) .. الذي (يجعل) المسيرة (شرعيَّة) .. لوقفنا معهم وآزرناهم!"، وأن "القرضاوي عالم جليل، ومحل احترامنا، ولكن البعض (نقل) له بياننا بصورة مغلوطة .. فله العذر" .. الخ!

    يُفهم من ذلك أن معيار (الشَّرع)، في (فقه) الهيئة، لخروج (مسيرة) تطلب من (الحاكم) صون (حقوق المحكومين)، ليست هي (الكتاب)، أو (السُّنة)، أو (الإجماع)، أو (القياس)، بل (تصديق الشُّرطة) فحسب، بحيث يدور (الحق) معه أينما دار! بعبارة أخرى: حيثما كان (قرار الشُّرطة) فثمَّ (شرع الله)!

    وبعد، هل، تراها، تبقت مزعة لحم في وجه هذه الهيئة؟!

    الأربعاء

    في إجابته على سؤال عن حقيقة (بيوت الأشباح)، أو السُّجون السّرّيَّة لجهاز الأمن، قال الفريق صلاح قوش، المدير السابق للجهاز، إن "هذه حملات سياسيَّة مدبَّرة ومنظمة كانت تستهدف تشويه سمعة الجهاز والعاملين فيه، وهي ادّعاءات باطلة بغرض المزايدة .. بزعم أن هناك استغلالاً سيّئاً للسلطة .. وكنت حريصاً على تصحيح هذا المفهوم، وأن يشعر المواطن بأن هذا الجّهاز جهازه الذي يحميه .." الخ (الأخبار، 23/11/09).

    (بيوت الأشباح) ليست (وهماً)، ولا مؤامرة دبَّرها (خيال) معارضين للنظام يبغون تشويه صورته؛ وإنما هي (حقيقة)، وإنَّ لي، شخصيَّاً، تجربة مريرة فيها، إذ ما كادت تمُرُّ سوى فترة قصيرة على إطلاق سراحي، بعد اعتقال طويل دام لعامين كاملين، قضيتهما، من يوليو 1989م حتى منتصف 1991م، بين سجون كوبر وسواكن وبورسودان (العلنيَّة)، حتى أعيد اعتقالي من مكتبي، ذات ظهيرة في مطلع فبراير 1992م، ومعي الإخوة د. عاصم المغربي، والأستاذ محمد خليل، رئيس تحرير (الشَّماشة) سابقاً، وشقيقه العميد حقوقي عبد الله خليل، وقد تصادف وجودهم في زيارة عمل.

    تم اقتيادنا، هذه المرَّة، معصوبي الأعين، إلى حيث لا نعلم ولا ندري! ولم تفك العمائم عن عيوننا إلا حين أودع كلُّ منا محبساً انفراديَّاً، داخل (بيت) حكومي، عرفت، بعد إطلاق سراحي، أنه يقع إلى الجوار من بناية (سيتي بانك) بشارع البلديَّة بالخرطوم! وللمفارقة، روى لي د. عاصم، لاحقاً، أنه قضى صباه في ذلك (البيت) الذي كان يتبع لوزارة الصَّحَّة، فخصَّصته لوالده، جرَّاح العظام الشهير د. إبراهيم المغربي، ثمَّ خصّص، في الزمان المايوي، لكلتوم العبيد، سكرتيرة جعفر نميري.

    في ما بعد تبيَّنت أن الزنازين المجاورة تضمُّ المرحوم الحاج مضوّي، وميرغني عبد الرحمن، وفاروق احمد آدم، ومحمد وداعة، كلاً في حبس انفرادي، ومعتقلين آخرين كثر في زنازين جماعيَّة، والزنازين أجمعها مرصوصة على هيئة حرف (يو) الأجنبي، تتوسطها باحة صغيرة مردومة بتراب أسود تفتح فيه المياه بالنهارات، حتى يستحيل إلى طين لبيك، تحضيراً لـ (الحفلات الليليَّة)، وما أدراك ما هي!

    قضيت، في ذلك (البيت)، ستة أشهر، بلا كتب، ولا صحف، ولا راديو، ولا زيارات، ولا مقابلة طبيب، ناهيك عن مقابلة قاض! والأدهى أنني شهدت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا طاف بعقل بشر، من صنوف التعذيب، والتحقير، والإذلال، والإهانات للمعتقلين!

    تصحيح الأخطاء التاريخيَّة، إنْ خلصت النوايا، شئ مرغوب فيه؛ أمَّا رواية التاريخ نفسه فشئ آخر ينبغي أن يتسم بالدّقة. فالناس قد يعفوا، لكنهم لا ينسون، وما ينبغي لهم! غير أن العفو لا يقع صحيحاً إلا عند المقدرة. والمقدرة لا تتوفر إلا بتصفية تركة الماضي المثقلة بالآلام العراض والجّراح الغائرة. لذلك، عندما ننادي بإجراءت (العدالة الانتقاليَّة)، وأوَّلها لجنة (الحقيقة والانصاف والمصالحة)، فإنما ننادي، في الواقع، بالتصالح، بدءاً ومنتهى، مع (تاريخنا الوطني)، و(ذاكرتنا الوطنيَّة)؛ وبدهي أن ذلك مستحيل بدون حفظ (التاريخ) بأمانة، والإبقاء على (الذاكرة) متقدة لا تخبو قط!

    الاخبار
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

01-01-2010, 09:46 PM

omer abdelsalam

تاريخ التسجيل: 07-04-2006
مجموع المشاركات: 3432
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    الأخ / الكيك
    اسمح لى بهذا الرابط
    فهو يناقش باستفاضة موضوع الهوية االذى اشرت له في مقدمة البوست
    Quote: لأنَّ فكرة الوطن نفسها وكلَّ مستويات الهُوية تقوم على قدر كبير من الخيال. فأن يكون المرء سودانياً، أو مصرياً، أو جنوبياً، أو شمالياً، أو منتمياً إلى جماعة دينية أو عرقية أو سياسية، فهذه حالة ذهنية وليست حالة طبيعية، إذ قد يُولد المرء في مكان ما ويعيش عمره كله فيه دون أن يشعر بالانتماء إليه.

    مقال صادم : هؤلاء زوروا هوية السودان
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

02-01-2010, 12:38 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: omer abdelsalam)

    شكرا
    عمر عبد السلام
    فعلا رابط مهم وقوى ...
    واضيف لك كمان هذا الحوار النادر مع دالى
    اجرته اجراس الحرية ..





    صحيفة أجراس الحرية
    http://www.ajrasalhurriya.net/ar/news.php?action=view&id=7983
    --------------------------------------------------------------------------------
    || بتاريخ : السبت 02-01-2010
    : الدكتور احمد دالى يتحدث فى واشنطن عن الوضع الراهن و مستقبل الدولة السودانية 1-2
    : *الرئيس محاصر من المحكمة الدولية و الشعب رهينة عنده!
    * الدولة السودانية متقدمة فى مؤشرات الفشل والايلولة للانهيار!!
    العجز التأريخى للشمال عن الاتيان بمذهبية رشيدة لادارة الدولة أدى إلى يأس الجنوبيين


    واشنطن : علاء الدين بشير



    ضمن منبره نصف الشهرى بمنطقة واشنطن الكبرى ، اقام القيادى الجمهورى ، الدكتور احمد المصطفى دالى نهاية نوفمبر الماضى ندوة بعنوان (الوضع الراهن و مستقبل الدولة السودانية) . ادار الندوة الاستاذ فائز عبد الرحمن عبد المجيد على طه قائلا : ان الوضع الراهن فى السودان يتحدث عن نفسه بصورة ابلغ من ان يتحدث الناس عنه ، فهو متدهور من اية النواحي اتيته ، و اضاف ان تحليل الدكتور دالى للاوضاع سيستند على رؤيته المنبعثة من الفكرة الجمهورية التى دعا اليها الاستاذ محمود محمد طه وهى فكرة منشأها الدين الاسلامى ولكنها تدعو الى سودان جديد يتساوى فيه الناس من حيث انهم ناس غض النظر عن الدين او العرق او الجنس.



    فشل شمالى :



    ابتدر الدكتور دالى حديثه بالتعليق على التصريحات المتتالية لقيادات الحركة الشعبية و على رأسهم النائب الاول لرئيس الجمهورية ورئيس الحركة سلفاكير و التى عبروا من خلالها عن يأسهم من الاستمرار فى دولة واحدة مع الشمال من خلال تجربتهم فى تطبيق اتفاقية السلام مع نظام الجبهة الاسلامية ، و اشار دالى الى تزمر بعض السياسيين المعارضين من مواقف قيادات الحركة التى يرون انها تختزل الشمال فى الجبهة الاسلامية ، معتبرا ان الجبهة الاسلامية حقا تعبر عن الشمال لأن الشماليين عجزوا عن تغييرها طوال العشرين عاما الماضية وتماهى معها كثيرون وعارضها اخرون بحسابات مدروسة لانها خاطبت فيهم الانتمائين العروبى والاسلامى . و ارجع دالى الاستيئاس الجنوبى من الاستمرار فى دولة واحدة مع الشمال الى العجز التأريخى للقوى السياسية و النخب فى الشمال عن الاتيان بمذهبية رشيدة لادارة الدولة السودانية تكون قادرة على استيعاب التباين الدينى والاثنى وادارة الاتساع الجغرافى واطلاق مشروع للنهضة الشاملة فى البلاد .



    و قال دالى ان السودان يعيش اليوم فى احط مراحله ، و استعرض فى هذا الخصوص بعضا من سيرة الاداء الحكومى وكيف ان سعر الدولار الذى قالت الجبهة الاسلامية انها تريد ايقاف ارتفاع سعره حتى لا يبلغ 12 جنيها للدولار الأمريكي ليصل اليوم إلى ما يقارب 2500 ، ثم ارتفاع سعر السكر رغم كل الادعاءاتة ورغم وجود اكثر من سته مصانع فى البلاد ليفوق سعره للمستهلك السودانى السعر فى اى مكان اخر فى العالم تقريبا ، وكذلك ادعاءات النظام بإنجازه فى استخراج البترول مبينا ان سعر جالون البنزين فى السودان يفوق سعره في الولايات المتحدة التى تستجلبه من مناطق بعيدة فى العالم و تدفع عليه نفقات ترحيل و ضرائب وغيرها من رسوم و مع ذلك فإنه ارخص من السودان رغم الفارق فى مستوى الدخل و المعيشة للفرد فى البلدين . و تحدث دالى عن التدهور فى تقديم الخدمات فى المجالات المختلفة مشيرا الى ان الخلاف بين مدير الكهرباء السابق و ادارة السد فضح للناس الادعاءات التى كانت ترتفع بأن الرد بالسد ، مبينا ان مدير الكهرباء الذى تمت اقالته ذكر بأن (كهرباء السد لن تدخل الخدمة حتى يدخل الجمل من سم الخياط) ، مبينا ان هذا يفسر القطوعات المستمرة للكهرباء قبل فترة ، و تطرق دالى للانهيار فى التعليم فى مراحله المختلفة و كيف ان مستوى الخريجين السودانيين تدنى حتى صارت دول الخليج لا تقبل خريجى اغلب الجامعات السودانية للعمل فى مؤسساتها المختلفة ، بجانب كثرة الاخطاء الطبية فى السودان نتيجة لضعف القدرات لدى الكوادر الطبية التى تخرجت من جامعات و معاهد (ثورة) التعليم العالى المدعاة من نظام الجبهة ، هذا غير التدهور المريع فى الصحة العامة وصحة البيئة و ما تابعه الناس فى كارثة الفيضانات التى ضربت العاصمة وبعض المناطق الاخرى فى البلاد و العجز الحكومى البائن فى التصدى للمحنة للدرجة التى اعترف فيها وزير البنية التحتية المسؤول بأن السبب الرئيسى فى ذلك يرجع الى ان 75 % من المهندسين فى وزارته غير مؤهلين . و اردف الدكتور دالى : وغير ذلك فإن البلاد تواجه الان نذر مجاعة يسميها نظام الجبهة ب(الفجوة الغذائية) رغم اننا فى موسم الحصاد الان ورغم الادعاءات الكبيرة من قبل عن النفرة الزراعية و اخيرا النهضة الزراعية .



    وقال الدكتور دالى ان نظام الجبهة الاسلامية طلب مؤخرا من صندوق النقد الدولى ان يراقب الاداء الاقتصادى لحكومة السودان ، و معلوم جيدا النتائج التى تنجم على اقتصادات الدول النامية التى يراقب الصندوق ادائها الاقتصادى ، و اضاف ان مفعول الوصفة الصندوقية بدأ فى الظهور و تجلى فى المساعى الدؤوبة من قبل نظام الجبهة لخصخصة مشروع الجزيرة و هيئة الكهرباء و الطيران المدنى ، وسيتم بيع اصول و ممتلكات الشعب لشركات تتبع لافراد من نظام الجبهة على اعتبار انهم قطاع خاص .



    و اعتبر الدكتور دالى ان الوضع الحالى فى دارفور يمثل قمة المأساة التى بلغتها البلاد تحت حكم نظام الجبهة الاسلامية ، فطبقا لاحصاءات الامم المتحدة و المنظمات الانسانية فإن عدد المشردين داخليا و فى دول الجوار من سكان الاقليم بلغ نحو مليونين و نصف المليون مواطن فى الوقت نفسه طرد نظام الجبهة المنظمات الانسانية الدولية التى كانت تقدم العون لهولاء المحتاجين فى اعقاب قرار المحكمة الجنائية الدولية بقبول التهم الموجهة ضد الرئيس البشير ، حيث اتهمت بالتجسس لصالح المحكمة الدولية ، غير ان دالى ارجع السبب الاساسى وراء طردها الى انها –المنظمات- تكتب تقارير تبين فيها الحقائق الماثلة على الارض حول الوضع المأساوى فى دارفور ، و اضاف : ان مسؤولى نظام الجبهة طردوا المنظمات العاملة فى دارفور لأنهم غير مبالين بالنساء والاطفال و العجزة وهم جوعى و عطشى وفى العراء وبلا امن من المليشيات المسلحة الموالية للنظام ، بالرغم من الدعاوى الاخلاقية الكبيرة حول الدولة الاسلامية و قيادتها القدوة التى تعيش رغد العيش بينما تترك المستضعفين من الاطفال و النساء جوعى فى العراء ، لمجرد انهم يريدون ان يدخلوا فى مساومة مع المجتمع الدولى حول قرار المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس البشير ! .



    و اوضح الدكتور دالى انه وفى غير دارفور فإن الاوضاع فى البلاد غير مستقرة ، مشيرا فى هذا الصدد الى العدد الكبير من المليشيات المسلحة فى العاصمة الخرطوم و التى بلغت طبقا لتصريحات مسؤولى النظام اكثر من 45 مليشيا مسلحة ، مبينا ان هذا فى الخرطوم وحدها ، و اضاف انه علاوة على ذلك فأن الدولة السودانية فى عهد نظام الجبهة فقدت الحق الطبيعى فى سيادتها على اراضيها و تنازلت بفعل الضعف عن منطقة حلايب للمصريين اضافة الى اراضى المزارعين السودانيين فى منطقة الفشقة على الحدود مع اثيوبيا ، بينما تابع الجميع ما يجرى على الحدود مع تشاد و تحليق الطيران العسكرى التشادى داخل الاجواء السودانية اكثر من مرة وقصفه لمواقع داخل الاراضى السودانية بينما اكتفى النظام فى الخرطوم بتصريحات خجولة تبين مقدار الضعف الذى يعيش فيه بينما يستأسد فقط على مواطنيه الضعفاء . هذا بالإضافة إلى فضيحة ضرب قوافل تهريب السلاح والبشر في شرق السودان والتي قتل فيها العشرات إن لم نقل المئات.



    انحطاط بلد



    ورأى دالى ان صورة السودان فى العالم الخارجى بلغت مرحلة من التشويه بفعل سلوك نظام الجبهة لم تبلغه طوال حقبها السياسية السوالف و انتهى بها الامر الى ان يصبح رئيسها مطلوبا لدى المحكمة الجنائية الدولية نتيجة اتهامه بارتكاب جرائم فظيعة ضد شعبه ، وصار محاصرا الان و يتحرك فى نطاق محدود للغاية ولا يستطيع ان يباشر مهامه كرئيس شرعى لبلد محترمة و انتهى به الامر الى اعتقال شعبه رهينة فارضا نفسه رئيسا عليه بالقوة .



    وخلص دالى الى ان ذلك انتهى بنا الى ان يكون موقع الدولة السودانية متقدما فى مؤشرات الفشل والايلولة للانهيار فى السنوات الثلاث الماضية. أما تقارير الشفافية العالمية فقد وضعت السودان بين الدول الاكثر فسادا فضلا عن تقارير المراجع العام الحكومى نفسه عن معدلات الاعتداء على المال العام فى كل عام ، و التقارير الدولية التى ترصد مؤشرات الازدهار و حصول السودان فى كل ذلك على مراتب دنيا تجعله تاليا لبلد مثل الصومال لا توجد فيه دولة . واكد دالى ان السودان بلغ هذا الحضيض لانه ايضا لا توجد فيه دولة و انما مافيا سيطرت على امكانيات الدولة ، مستعرضا بعضا من ما وصفه بأنه سلوك يتقاطع مع اخلاقيات و سلوك رجال الدولة ، مشيرا فى هذا الخصوص لواقعة اغتيال الرئيس المصرى و تهريب سلاح العملية فى طائرة سودانير ، وتصفية ضباط الامن الذين تم تكليفهم من قبل قيادات نظام الجبهة بإغتيال الرئيس المصرى بعد فشل العملية خشية من افتضاح امر مصدرى التعليمات فى المواقع العليا للنظام و ذلك وفقا لما كشفه زعيمهم السابق ، الدكتور الترابى فى حديثه الذى بثته قناة العربية قبل ثلاث سنوات تقريبا ولا يزال موجودا (الويب سايت الخاص بالقناة لمن اراد الاستيثاق) ، و اضاف دالى : ثم منح شخصيات اجنبية ارهابية جوازات سفر سودانية للقيام بعمليات تفجير و اغتيال تحت مزاعم الجهاد ، اضافة الى التنكيل بخصومها و تعذيبهم فى بيوت الاشباح حتى افرغت السودان افراغا يكاد يكون شبه تام من المستنيرين الذين يخالفونها الرأى و ارتكابها للجرائم البشعة فى الحروب الاهلية التى خاضتها فى الجنوب ثم اخيرا دارفور مما دفع المجتمع الدولى لملاحقة مسؤوليها على ارفع مستوياتهم بالاتهامات فى ساحات القضاء الدولى . غير ان الدكتور دالى تأسف على ما اعتبره قصورا فى النظر يجعل المجتمع الدولى و القوى السياسية يتعاملون مع مسؤولى نظام الجبهة على انهم مسؤولون فى دولة ، و يجلسون للتفاوض والاتفاق معهم حول قضايا الوطن المصيرية ، وقال ان ابلغ وصف لنظام الجبهة هو ما كتبه الدكتور حيدر ابراهيم على فى احد مقالاته الصحفية حيث ذكر : (يحتاج علماء السياسة والاجتماع لاجتهاد وجهد قليلين، ليكشفوا للعالم نظاماً هو فريد عصره، بل وكل العصور في علاقته الاحتقارية مع شعبه، وفي قدرته على ارتكاب الحماقات، وفي عدم مصداقيته المطلقة، خاصة إذا أراد أن يدخل معك في شراكة أو صداقة الذئب للحمل. فالانقاذيون يدخلون معك في اتفاق أو عهد، ويشهدون العالم ويؤدون القسم المغلظ بأنهم ملتزمون باتفاقهم وعهودهم. ولكنهم يبيتون النية مبكراً في البحث عن أنجع السبل وأخبثها لنقض العهود، وكيف يمكن أن يدوخوا الشريك دوخة الديك البلجيكي، وكيف يدخلون الشريك في متاهة لا يعرف فيها أعلاه من أسفله، ويحتار الشريك أو الحليف أو الصديق، لأنه لا يستطيع أن يمسك شيئاً من الانقاذيين، لأن الانقاذي هو ما نسميه «ود الموية». ووعودها ـ حقيقة ـ ينطبق عليها: كما يمسك الماء الغرابيلُ..!! وعليك أن تعد اصابعك بعد أن يسلم عليك الانقاذي. ولا تنس أنه يجيد اللعب بالبيضة والحجر، وهذا سبب استمراره، ليس إيمانه ولا أمنه، بل فهلوته واحتياله، وعدم الخجل من الكذب والغش.
    ولكي يكون أى نظام أو فرد قادراً على إجادة مثل هذا السلوك، لا بد أن يمتلك قدراً كافياً من الانتهازية وموت الضمير وغياب الحياء والخجل، فالنظام الانقاذي ينظر لكل فعل بحساب الربح والخسارة، ويسأل ما هو المكسب من هذا الفعل؟ وهل المكسب مضمون وبأقل جهد؟ وهو بالتالي لا يفعل أى شئ لوجه الله، وحتي الموت بكل قدسيته وجلاله، قد يكون وسيلة رخيصة للكسب السياسي) . انتهى حديث دكتور حيدر .



    و اكد دالى ان ما قاله الدكتور حيدر صحيح تماما ، لأن نظام الجبهة كذب على الشعب السودانى و العالم منذ اليوم الاول لوصوله للسلطة حول هويتهم حيث قال الترابى انه قال للبشير اذهب الى القصر رئيسا و سأدخل انا الى السجن حبيسا . اضافة الى ان احمد عبد الرحمن القيادي الإخواني ذكر فى احد اللقاءات التى اجريت معه انهم موّهوا على القوى السياسية ليلة الانقلاب بتواجد عدد من قيادات الجبهة فى زواج آل الكوبانى و انه شخصيا وفى اطار التمويه عندما جاء سواقه الخاص في زي رسمي لاعتقاله استيقن تماما ان الانقلاب نجح . و اضاف دالى ان البشير ايضا اغلظ القسم بأنهم ليسوا جبهة و ان الجبهة مثلها مثل بقية الاحزاب التى برأيه افسدت الحياة السياسية فى السودان ، و لكنه عاد بعد مفاصلتهم مع الترابى ليقسم مرة اخرى من اجل تأكيد انتمائه الى الحركة الاسلامية منذ دراسته الثانوية . و تساءل دالى عن السر الكامن وراء كذب مسؤولى الجبهة الاسلامية بهذا السفور دون ان تؤاخذهم ضمائرهم على ذلك قبل ان يستشعروا الحرج امام الرأى العام ؟ . و استدرك دالى مجيبا على السؤال : بأن لذلك علاقة بطبيعة التفكير الذى ترتكز عليه الجبهة الاسلامية و كل حركات الاسلام السياسى و الذى يرى انهم فى دار الاسلام و الاخرون فى دار الكفر ، و ان الحرب خدعة و بالتالى تجوز كل الممارسات الخاطئة فى جوهر الدين من اجل الانتصار للاسلام و الحفاظ على دولة الاسلام بأى ثمن وذلك وفقا لمفهومهم القاصر للاسلام فهم يكفرون خصومهم اولا ثم يبررون كل الممارسات اللا اخلاقية ضدهم ، مبينا ان قيادات نظام الجبهة الحالى عندما كانوا طلابا فى الجامعات كانوا يأخذون ساعات زملائهم الطلاب بعد احداث العنف التى يفتعلونها ، ويأخذون مكرفونات خصومهم السياسين وممتلكاتهم المختلفة كغنائم من الكفار في دار الحرب ، موضحا ان ذلك يفسر لماذا يبرمون الاتفاقات مع القوى السياسية و مع الجهات الدولية ثم يسعون لافراغها من محتواها لدى التنفيذ ، مشيرا فى هذا الخصوص لاتفاقاتهم مع رياك مشار و مع الصادق المهدى فى جيبوتى و مع التجمع فى القاهرة و مع مناوى فى ابوجا ومع الحركة الشعبية فى نيفاشا ثم التفافهم على كل تلك الاتفاقيات ، و قال دالى ان ابرام الاتفاقيات فى فهم الجبهة ليس من اجل حل المشاكل و انما لاحتواء الخصوم و استدراجهم للداخل ومن ثم العمل على زرع بذور الشقاق و الفتن الداخلية بينهم . و تابع دالى : ان نظام الجبهة و حتى يتهرب من دفع استحقاقات الاتفاقات التى يبرمها يستغل سيطرته المطلقة على جهاز الدولة و مواردها و آلتها الاعلامية لتصوير الحصار المفروض عليه من اجل دفع تلك الاستحقاقات ، اما انه هجمة معادية للاسلام ، او يستخدم العرق و القبيلة محاولا استثارة النعرات البدائية فى السودانيين الشماليين على اعتبار ان هنالك مؤامرة تستهدف وجودهم و كيانهم الشمالى ، و تأسف دالى على انسياق عدد من السياسيين والمثقفين الشماليين وراء تلك الدعاوى الساذجة بدلا عن الوقوف بصلابة فى مواجهة تلك الاحابيل التى تريد من خلالها الجبهة الاسلامية الالتفاف بها على دفع الاستحقاقات المشروعة فى الحياة الكريمة التى ناضل من اجلها المستضعفون من ابناء هوامش السودان المختلفة و بالتالى التسبب فى تمزيق البلاد جهويا و اثنيا و دينيا ، و تبصير قومهم و شعبهم بالاستغلال البشع للعرق و القبيلة و الدين الذى توظفه الجبهة الاسلامية فى تفريق قوة السودانيين ضدها حتى تسهل عليها السيطرة .

                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

02-01-2010, 07:56 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    صحيفة أجراس الحرية
    http://www.ajrasalhurriya.net/ar/news.php?action=view&id=8004
    --------------------------------------------------------------------------------
    الكاتب : admino || بتاريخ : السبت 02-01-2010
    : الدكتور احمد دالى يتحدث فى واشنطن عن الوضع الراهن و مستقبل الدولة السودانية 2-2
    : دينق ألور استمع إلى خطاب السودان في الأمم المتحدة كأي أجنبي!
    من يعرف هؤلاء جيدا لن يتورط معهم فى مسرحية هزلية مثل الانتخابات!!
    *اذا فقد النظام السلطة سيفجر البلاد و يحدث فوضى!
    اذا اراد الشماليون الوحدة عليهم مواجهة قضية الشريعة بشجاعة

    واشنطن : علاء الدين بشير



    ضمن منبره نصف الشهرى بمنطقة واشنطن الكبرى ، اقام القيادى الجمهورى ، الدكتور احمد المصطفى دالى نهاية نوفمبر الماضى ندوة بعنوان (الوضع الراهن و مستقبل الدولة السودانية) .

    ادار الندوة الاستاذ فائز عبد الرحمن عبد المجيد على طه قائلا : ان الوضع الراهن فى السودان يتحدث عن نفسه بصورة ابلغ من ان يتحدث الناس عنه ، فهو متدهور من اية النواحي اتيته ، و اضاف ان تحليل الدكتور دالى للاوضاع سيستند على رؤيته المنبعثة من الفكرة الجمهورية التى دعا اليها الاستاذ محمود محمد طه وهى فكرة منشأها الدين الاسلامى ولكنها تدعو الى سودان جديد يتساوى فيه الناس من حيث انهم ناس غض النظر عن الدين او العرق او الجنس. في الجزء الأول من الندوة تحدث الدكتور عن الفشل الشمالي التاريخي في إدارة الدولة بصورة تستوعب التنوع الديني والعرقي والثقافي كما تحدث بالتفصيل عن نظام الإنقاذ الذي يسميه (نظام الجبهة الإسلامية) مشيرا إلى ما سببه من أزمات للدولة السودانية كما تحدث عن أزمة الفكر والأخلاق في المشروع الفكري والسياسي للإسلاميين وتطرق لأزمة دارفور والمحكمة الجنائية الدولية



    صمت فى انتظار المصير المحتوم !


    انتقد دالى حالة الصمت التى عليها السودانيون الان رغم كل الذى يحدث لهم و ببلادهم و المصير الذى يسوقهم نظام الجبهة الاسلامية اليه ، و العبث الذى يمارسه بإستغلال الدين و العرق ، و حالة العجز و الخوف من مواجهة هذا الاستغلال بينما تمضى بلادهم حثيثة نحو الانقسام بسبب المزاعم عن امكانية تطبيق الشريعة الاسلامية و التى لم يستطع السودانيون الشماليون حتى اليوم مواجهتها رغم الحقائق الساطعة التى كشفتها لهم التجربة العملية لحكم نظام الجبهة الاسلامية ، مشيرا الى انه اعلن الجهاد فى السابق ضد الجنوبيين على اعتبار انهم كفار ،

    ثم عاد ووقع معهم اتفاق سلام وضع بموجبه زعيمهم سلفاكير فى منصب النائب الاول لرئيس الجمهورية رغم انه لم يسلم او يدفع الجزية عن يد وهو صاغر كما تقول ابجديات الشريعة الاسلامية التى ادعى قادة الجبهة انهم يعملون على تحكيمها ، و اضاف ان الجبهة الاسلامية حينما وقعت الاتفاق كانت تضمر احتواء الحركة الشعبية به ، وهو بالفعل ما حدث الان حيث ابدى سلفاكير وعدد من قادة الحركة زهدهم الواضح فى استمرارهم فى دولة واحدة مع الشمال تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية ، وقد ظل سلفاكير كثير التواجد بجوبا رغم انه النائب الاول لرئيس الجمهورية لأن كثيرا من الصلاحيات التى كفلتها له الاتفاقية و الدستور تم الالتفاف عليها من قبل نظام الجبهة الاسلامية ،

    بجانب ان وزراء الحركة الشعبية فى حكومة الوحدة الوطنية لا يمارسون صلاحياتهم فى الوزارات كما يفترض ، مشيرا فى هذا الصدد الى التهميش الذى لحق بوزير الخارجية ، دينق الور للدرجة التى تسند فيها رئاسة وفد السودان لاجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة فى اكتوبر الماضى الى مستشار الرئيس ، غازى العتبانى رغم ان القواعد المرعية فى مثل هذه المناسبات ان تكون رئاسة الوفود فى حال غياب الرئيس او نائبه الى وزير الخارجية ، و اردف دالى : ان دينق الور كان جزءا من الوفد الذى رأسه غازى و لم يطلع وهو وزير الخارجية على خطاب السودان المقدم الى اجتماعات الجمعية العامة و سمعه مثله مثل أي فرد من أفراد الوفود الاجنبية داخل قاعة الامم المتحدة بالرغم من ان الخطاب يفترض انه اعد بواسطة وزارة الخارجية فى الخرطوم او بعثة السودان بالامم المتحدة التى يرأسها سفير و معه ديبلوماسيون يعملون جميعهم تحت امرة وزير الخارجية .

    و قال دالى ان النماذج كثيرة على سلوك نظام الجبهة فى شراكته مع الشعبية ، مبينا ان الشراكة صورية بين الطرفين ، و ارجع دالى ذلك الى الاستعلاء بالايمان حيث ان الكافر فى الشريعة الاسلامية لا سلطة له فى الدولة المسلمة وفقا للمفاهيم التى يعتنقها نظام الجبهة ، مشيرا الى الفتاوى التى اصدرها عبد الحى يوسف و محمد عبد الكريم بتكفير الحركة الشعبية و المنتسبين اليها، فأعجب لدولة إسلامية وزراؤها كفار!!، مشيرا الى ان الاثنين من حلفاء النظام الحاكم الاشداء و يسمح لهما بتقديم المحاضرات فى وسائل الاعلام الحكومية و التدريس فى الجامعات الحكومية و امامة المصلين فى مساجد البلاد المختلفة ، و هما اعضاء ايضا فى الهيئات الدينية التابعة للنظام ، و لم يصدر عن المسؤولين فى النظام ما يفيد بأنهم ضد هذه الفتاوى فى حق شركائهم فى الحكم .


    وتطرق دالى الى الشراكة فى الثروة بين الشمال و الجنوب وقال ان اتفاقية السلام قضت بأن يتم اقتسام عائدات البترول المستخرج من الجنوب بواقع 50 % لكل ، لكن الحركة الشعبية و وفقا لتصريحات مسؤوليها على ارفع مستوياتهم لا تدرى كمية المنتج و المباع من البترول ولا احد فى السودان يعرف حقيقة ذلك الاّ مجموعة صغيرة جدا داخل نظام الجبهة لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة ، و تابع دالى : غير ان منظمة قلوبال ويتنس البريطانية استقصت الامر و اصدرت تقريرا قبل اشهر قليلة كشفت فيه الفروقات فى الارقام المعلنة من قبل نظام الجبهة فى كل المراحل من الانتاج و حتى البيع ،

    و كيف ان معظم الشركات العاملة فى الخدمات المختلفة المتعلقة بالبترول، إن لم تكن كلها، تتبع لنظام الجبهة و لكن لا احد ينتبه لذلك ولا تدخل ضمن الحصة المقتسمة مع الحركة الشعبية ، واردف : هذه الشركات تأخذ قيمة عقوداتها من تكلفة الانتاج و التى تغش الجبهة فى ارقامه بينما تقتسم مع الجنوب المعلن فقط من عائدات البيع ، و رأى دالى ان دفوعات مسؤولى الجبهة بعد نشر التقرير كانت خائرة وضعيفة و محض ذر للرماد فى العيون من اجل صرف الانتباه عن الحقائق التى وردت فى تقرير قلوبال ويتنس .


    وقال دالى ان هذا هو الوضع الماثل الآن و الذى نريد للجنوب ان يظل به جزءا من السودان. مؤكدا على الرغبة الاكيدة له فى ان يظل الجنوب جزءا من البلاد و لكنه اعتبر ذلك ضربا من الاستحالة فى ظل الشروط الظالمة للوحدة و التى يعمل نظام الجبهة على تكريسها ، و شدد دالى على ان اى اتجاه لجعل خيار الوحدة جاذبا ليس بالحديث العاطفى و انما بالسعى الجاد و الصادق من اجل خلق سودان يحترم فيه الانسان من حيث انه انسان بغض النظر عن دينه او عرقه او جنسه .


    و رأى دالى انه فى حال انفصال الجنوب سيواجه تعقيدات و مصاعب كثيرة حتى يتأهل و يصبح دولة ، لانه سيكون دولة مغلقة بدون منفذ على البحر ، كما ان عملية ترسيم الحدود بينه و الشمال ستواجه بمشاكل كبيرة الى جانب عملية بناء الهياكل للدولة الجديدة ستواجه بصعوبات كبيرة بالنظر لقلة الكوادر الناجمة عن ضعف مستويات التعليم وقلة المتعلمين فى الجنوب نتيجة للحرب الطويلة التى دارت فى الاقليم و حرمت قطاعات عريضة من مواطنيه من اللحاق بفرص التعليم ، الى جانب الواقع القبلى الماثل حتى اليوم و الذى يتجلى فى الصراعات القبلية التى تخلف اعدادا كبيرة من الضحايا ، و اوضح دالى انه لا يقول هذا الحديث من باب الوصاية على خيار الجنوبيين و انما من باب الحرص و اسداء النصح لجزء عزيز من ابناء شعبنا ، و تابع : ان الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق كان يدعو لسودان موحد على اسس جديدة ، لكن للاسف الوضع الراهن لا يوفر هذا المطلب ، و نظام الجبهة غير حريص على وحدة السودان و انما على بقائه فى الحكم بأى ثمن ، بل ان سلوكه العملى يمضى فى تمزيق السودان لان انفصال الجنوب سيكون هو البداية لانفصال اجزاء اخرى من الوطن فى جبال النوبة و جنوب النيل الازرق و ربما دارفور فى وقت لاحق .



    خدعة الانتخبات :


    و سخر دالى من الجدل الدائر بين القوى السياسية و النظام حول نزاهة الانتخابات و اجراءات التسجيل ، واعتبره جدلا بلا جدوى ، و ابدى دهشته من عشم الاحزاب فى احداث تغيير بانتخابات يتحكم نظام الجبهة فى كامل هندستها و اجراءاتها حتى فى المهاجر البعيدة ، و قال ان الشكاوى التى صاحبت اجراءات التسجيل فى امريكا كان ينبغى ان تنبه الغافلين . وقال ان من يعرف تنظيم الاخوان المسلمين جيدا لن يتورط معهم فى مسرحية هزلية مثل الانتخابات ، مبينا انهم كانوا مستعدين لأن يقتلوا فى سبيل السيطرة على اتحاد طلاب جامعة الخرطوم ، فكيف يستقيم ان يفرطوا فى دولة استولوا عليها عن طريق الانقلاب ، و اثروا من خلالها و ارتكبوا فيها و بها كل الكبائر ليأتى غيرهم ليقتفى اثار ما ارتكبوا او يحرمهم من هذه البقرة الحلوب التى سيطروا عليها و اضاف : (من يظن ان تنظيم الجبهة سيسلم الدولة بأخوى و اخوك واهم ولا يعرف طبيعة الاخوان المسلمين) . مبينا ان نظام الجبهة استطاع تزوير نتائج انتخابات المحامين وهم طليعة مثقفة عملها القانون فما بالك بالبسطاء والأميين في أرياف السودان الحزين . و تابع ان نظام الجبهة لن يقدم على الانتخابات لانه تغير و اصبح ديمقراطيا، يؤمن بالتداول السلمى للسلطة وقبول الآخر ، و انما كان حماسهم لها لانهم تأكدوا من سيطرتهم المطلقة على كل عمليات الانتخابات وضمنوا تزويرها و ايقنوا ان خصومهم من الضعف بحيث لن يستطيعوا منازلتهم و كشف اساليب تزويرهم ، مبينا ان الغرض من كل ذلك هو انقاذ الرئيس و مسؤولى النظام الآخرين الذين يتهددهم شبح الملاحقة القضائية من المحكمة الجنائية الدولية وذلك عن طريق وضع هذه المساحيق و اضفاء شرعية زائفة على النظام امام المجتمع الدولى .


    و اكد دالى ان تزوير الانتخابات بدأ منذ التعداد السكانى ، مرورا بإجراءات التسجيل ، مبينا ان النظام يستغل فى كل ذلك امكانيات الدولة ، و اضاف : (لا اخلاق لنظام الجبهة الاسلامية حتى يعتقد الناس انهم سيقيمون انتخابات نزيهة) ، و اعتبر دالى كل من يشارك فى الانتخابات بالشروط و التدابير التى وضعت حتى الان مساهما فى ترسيخ نظام الجبهة عبر اعطائه شرعية يرفعها فى وجه العالم لانقاذ الرئيس . ورأى ان نظام الجبهة ان لم يفز فى الانتخابات لأى سبب فأنه سيفجر السودان و يخلق فوضى .
    وقال دالى ان السودان يمر بأصعب فترة فى تأريخه الحديث وفى الوقت نفسه فإن قياداته اقل من المستوى و ليس لديهم اهتمام حقيقى بما يجرى للشعب ، و غالبية المثقفين سلبيون ، منتقدا فى هذا الصدد الدكتور عبد الله على ابراهيم ، مرشح رئاسة الجمهورية الذى قال انه رجل عاش فى الغرب و يعرف ماهى الديمقراطية و الاجراءات المتبعة لقيام انتخابات نزيهة و لكنه عندما الغى كرنفال تدشين حملته الانتخابية من قبل سلطات النظام ، ذهب الى احد مسؤولى النظام وهو مندور المهدى و اتفق معه على بيان مشترك من حوالي سبعة أسطر، قبل ان يشكر الجهات الامنية التى الغت له حملته الانتخابية!! .
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

05-01-2010, 05:02 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    الثلاثاء 5 يناير 2010م، 20 محرم 1431هـ العدد 5939


    فليكن 2010 عام التغيير

    حيدر طه

    قد يكون من المستساغ أحيانا أن يبدي شخص دهشته أمام حقائق معلومة ووقائع مشهودة لا تستحق الدهشة، وقد يوصف مثل هذا الشخص بالبراءة أو السذاجة، وقد يوصف بالغباء أو الاستغباء، ولكن أن يبدي مسؤولون في الحكومة وقياديون الحزب الحاكم دهشتهم من الحديث عن التغيير الشامل و»إنكاره وتكفيره»، فذلك إما أن يكون نتيجة غباء فطري أو استغباء مقصود. وهما رذيلتان تلتصقان بممارسات عشرين عاما من السياسة العوجاء التي قادت السودان إلى ما هو عليه الآن. حال تردي مريع لا يحتاج إلى برهان أو شاهد ودليل. إنما يحتاج إلى تغيير شامل.
    ومطلب التغيير لا يحتاج بدوره إلى تبرير ومداورة أو استغراب. فالأصل في السياسة هو التغيير وليس الركود، خاصة عندما تكون الدواعي ملحة والضرورات عاجلة..
    وفي السودان ليس هناك أدعى للتغيير من الدواعي الملحة التي تستوجب « هبّة وطنية « تنتظم في حركة اجتماعية واسعة لا تستثني أحدا، فردا وجماعة ومنظمة ومؤسسة وحزبا، له في التغيير شوقا ومصلحة ومصير وهوية وكرامة وحياة. هولاء بمنطق العدد هم الغالبية الغالبة في المجتمع السوداني، يحتاجون فقط إلى تنظيم وتعبئة ليتحول العدد إلى قوة، والكم إلى نوع، والتلقائية إلى حركة فاعلة.
    والتغيير المنشود يتطلب هذا الحجم من الطاقة والحركة والفاعلية الاجتماعية، لأن التخريب الذي حدث في بنية السودان التحتية والفوقية خلال عشرين عاما أفظع وأضخم من برامج سياسية تطرحها احزاب لخوض الانتخابات التي لا تخلو من مخالفات مسبقة، وتزوير مبيت.
    وعلى الرغم من حتمية التزوير والخداع والتزييف والتي بدأت مبكرا ومسبقا، فإن الانتخابات تعد مناسبة مهمة لاختبار قدرة «قوى التغيير» على الفعل، لأن الانتخابات لن تكون المعركة الأخيرة، إنما هي البداية التي ينطلق منها مشروع التغيير الشامل لنظام، ليس من جدل، أنه أغلق سبل التطور الطبيعي والديمقراطي لأكثر من عشرين عاما، بل انحرف بمسار التطور إلى مسارب أخرى قادت البلاد إلى هاويات في كل الجهات.
    وعندما أكرهت حكومة الإنقاذ على فتح هذه السبل تحت ضغط الداخل والخارج، فتحتها مواربة لتكون محروسة بقوانين ولوائح وإجراءات حتى لا يتسلل من «فرجها» غير أهل الإنقاذ، وهو ما يبطل أي حديث عن الديمقراطية الحقيقية التي يستحقها الشعب السوداني بجدارة.
    فالمسؤولون في الحزب الحاكم يعلمون علم اليقين أنه في حال وجود بيئة ديمقراطية صحية وصالحة، فإن تغيير النظام لا يصبح مطلبا بعيد المنال، إنما يصبح قاب قوسين أو أدنى، بل يصبح أمرا بديهيا وحتميا لكل ذي عقل ونظر وضمير يدرك أهمية إزالة أكبر معوقات التطور في سودان اليوم.
    ودواعي التغيير كثيرة، يصعب حصرها لكثرة ما يستوجب التغيير. ويمكن إيجازها في سطر واحد، هو تغيير ما أفسده المؤتمر الوطني فيما يتعلق بمصير الدولة، شعبا وأرضا وأجهزة وقيم ودستور وقوانين ومؤسسات ومجتمع.
    فهل يمكن تحقيق ذلك دون تغيير النظام برمته وليس بترقيعه..؟
    مثلا: هل يمكن محاربة الفساد المتفشي في كل مفاصل الدولة دون استئصال بؤره وتجفيف مستنقعاته ومطاردة مافياته.. مما يساعد على ترسيخ قيم جديدة ويعيد الثقة في بناء إنسان سوداني صالح في مجتمع صالح.
    وهل يمكن استعادة قيم الشعب السوداني التي غمرتها ممارسات آسنة لعشرين عاما دون تغيير النظام الحاكم ومؤسساته..؟
    واستدراكا فإن الحديث عن النظام ليس حديثا عن السلطة.. فلابد من التمييز بين الاثنين.
    ولكن ما النظام الحالي..؟
    سؤال فاجأني به أحد الزملاء الصحفيين العرب، ورغم المفاجأة، لم تكن الإجابة عنه مترددة غير هنيهة لاستجماع صوره المتعددة، فقلت له : النظام الحاكم جمع أمساخ اختلطت فيما بينها. مسخ ديني ومسخ علماني، مسخ عسكري ومسخ مدني، مسخ رأسمالي ومسخ ديمقراطي، مسخ إخواني ومسخ إيراني.
    والمسخ في اللغة والتعريف هو تحويل صورة الشيء إلى أقبح منها، وفي معنى آخر هو إفساد طعم الشيء، وفي معنى ثالث هو المشوه الخلق. والمسيخ هو أيضا الأحمق.
    والمتتبع بإمعان في أسلوب النظام وهويته وسياساته واتجاهاته يرى أن كل تلك المعاني مجتمعة ومنفردة تنطبق بحذافيرها عليه، وقد يكون أهل النظام سعداء بهذه الصورة المضللة لمن لا يتمعن أو يدقق، فبعض السعادة من الجهل.
    وبطول المدة، حذق أهل النظام فن مداراة المسخ، بعمليات تجميل مكثفة، أحيانا باستخدام المكياج، وفي معظم الأحيان بعمليات جراحية، اودت في نهاية الأمر إلى فقدانه الحواس، وبقيت حاسة واحدة مصطنعة اعتنى بها النظام إيما اعتناء، وهي حاسة الأمن التي انحصرت مهامها في أمن النظام الذي يتطابق في الملامح مع أمن الدولة، والذي يتطابق في زواياه مع أمن السلطة صعودا إلى « أمن الجبهة «.. وبهذه التطابقات عرف الجميع الحدود والقيود والسدود، أكثر من معرفة الحقوق.
    وقد عمل النظام جاهدا على إرغام السودانيين على التعايش السلمي مع هذه الأمساخ بالتعود قدر الإمكان، مستخدما موهبة القهر، بكل أنواعه الصلبة والناعمة، ولفترات طويلة لتطويع الذوق السوداني ليرى القبح جمالا والتشوه انسجاما، والتسلط نظاما، والرشوة حقا، والمعارضة كفرا.
    والنظام نفسه غارق في هذا الاعتقاد، إذ يرى نفسه في مرآة نفسه بهذه الصورة فيتوهم أنها جميلة، بل غاية الروعة، وانه ليس هناك أفضل منه، ولا أجمل منه، ولا أحكم منه. ولذلك قرر ألا يسلم السلطة إلا إلى « المسيخ الدجال».
    وهذا الوهم المتفاقم، مرض نفسي عضال لا شفاء منه وليس مرضا سياسيا يمكن معالجته بالإصلاح والتهذيب. ومن مضاره أن عدواه تنتقل بسهولة إلى الجميع عبر وسائل إعلام «الإنقاذ» التي تعطس وهماً وتتنفس كذباً وتشهق خداعا وتزفر نفاقا. ولا ينجو منه إلا من أنعم الله عليه بقوة المناعة وصلابة الإرادة.
    وعلى الرغم من كل مساعي النظام كي يكون طبيعيا، يستطيع السودانيون التعايش معه، إلا أنه فشل في تحقيق ذلك عبر وسائله فلجأ إلى « تشويه الآخرين» إما بالتحالف أو الشراكة. وقد استجاب من استجاب ورفض من رفض. ولكن في كل الأحوال كانت حصيلته خاسرة، ورصيده عاجزا.
    فقد حاول منذ بداية استيلائه على السلطة، قبل عشرين عاما، أن يحذف الأحزاب من الخريطة السياسية بوهم أن ذلك هو التغيير المنشود في بنية المجتمع السياسي، وبحساب أن ذلك من المرغوبات الوطنية العاجلة، التي تعد واحدة من إنجازاته. وهو في حقيقة الأمر كان يريد إحداث « فراغ حزبي» كي يستطيع ملأه بمستحدثات تكويناته المتقلبة الأسماء والعناوين، دون أن يعلم أن ذلك من باب المستحيلات.
    فتجارب الشعوب قدمت دروسا ثرة في هذا الجانب، فتعلم من رغب في التعلم فأحسن الحكم، وأهملها الممسوسون بالغرور فعاثوا في الأرض فسادا. ودلت تجربة عشرين عاما أن أهل الإنقاذ لا يحسنون قراءة التاريخ ولا استيعاب تجارب الماضي، ولذلك ظلت تجربتهم في الحكم لا تنقطع عن تكرار الأخطاء، بل أصبحت تدمنها حد المتعة. وكان أول خطوة يبغيها النظام لدى استيلائه على السلطة أن يمحو « رموز الحركات السياسية والدينية « من ذاكرة الناس، معتقدا أن « الكيانات الدينية» مجرد كتل عمياء تتبع الزعماء والقادة دون وعي كأنها لم تبلغ سن التمييز. فقد مارس قبله «نظام مايو» تلك الخطيئة متوهما أن إزاحة الزعماء سيجعل الأحزاب السياسية والتكوينات الدينية مجرد أصفار تائهة تبحث عن رقم في خانة الشمال يحضنها ويحميها..
    بهذا التصور اعتقد نظام « الإنقاذ» أن التغيير السياسي هو مجرد إزاحة أشخاص وقادة أحزاب وزعماء كيانات من الواجهات، فهذا إجراء سطحي، لا يمس باطن المجتمع وقاعه ولذلك ظلت « الانقاذ « انقلابا ولو تدثر باثواب الثورة ورطن مفرداتها.
    وفي مقابل تلك الهجمة المتوحشة، نهضت الأحزاب متحدية مشروع تصفيتها بقوة، مدافعة عن نفسها بشراسة، ومناهضة لعقلية تريد من السودان أن يكون فضاء لا يسبح فيه إلا قلة حاكمة. لم يكن قادة الإنقاذ يفكرون في ديمقراطية ولا تعددية ولا مجتمع إلا « مجتمعهم الحضاري الممسوخ «، وقد خاب ظنهم كثيرا، حينما أجبروا على قبول واقع كانوا يرفضونه فكريا ونفسيا وعقائديا وثقافيا، بالشراكة مع الحركة الشعبية في حكومة وحدة وطنية اسماً لا فعلاً، جاءت توليفتها غريبة الشكل والمضمون، عجيبة المظهر والمخبر، خلافاتها أشد من وحدتها وصراعاتها أكثر من انسجامها.
    أليس هذا مسخا للمفاهيم والمعتقدات والانتماءات والأسماء، بل أليس ذلك مسخا للوطن وللشعب وللسياسة..؟
    إنها تشوهات أصابت المجتمع السوداني خلال عشرين عاما، مرشحة للاستمرار والانتشار إذا لم يحدث التغيير الشامل.
    هنا تصبح قضية التغيير أدعى وأوجب، من أجل التخلص من الأمساخ، واستعادة الوجه الجميل للسودان، وهنا تصبح قضية التغيير فرض عين وليست فرض كفاية..
    فقد كان مطلب التغيير فرض كفاية عندما كانت مقاومة النظام تقوم بها مجموعة من الأحزاب والنقابات عبر وسائل لا يشترك فيها جميع قطاعات الشعب، لأن الأمر لم يكن متاحا حيث لا يسمح به الواقع في ذلك الوقت، ولا تهيأت له ظروف المكان. الآن تهيأت ظروف تسمح بـ « حراك اجتماعي وسياسي « متصاعد ينشد التغيير ليس فقط بالانتخابات، ولكن بزخم اجتماعي تتحرك فيه كل الفعاليات والفئات ومنظمات المجتمع المدني، مستفيدة من مناسبة الانتخابات دون ان تتوقف عندها، بل تتعداها من أجل صياغة مجتمع سوداني أصيل غير مشوه.
    وعليه تصبح قضية التغيير الشامل لإزالة المسخ فرض عين لا تسقط عن أي سوداني يستطيع أن يؤدي واجبا للوطن كي يتعافى.
    وأشواق التغيير ملتهبة في نفوس الغالبية الغالبة من الشعب السوداني، ولكن قطاع منه آثر الابتعاد إما لعدم الاطمئنان إلى السياسة وعواقبها وتقلباتها وانقلاباتها، أو لعدم الاطمئنان إلى نتائج أي حركة غير موحدة الأهداف والوسائل والمنطلقات.
    لإزالة هذه المخاوف يقع على كاهل القوى الاجتماعية والسياسية الساعية للتغيير الشامل، من أحزاب ونقابات ومنظمات المجتمع المدني الديمقراطية وحركات الشباب بفاعليتهم في مواقعهم العنكبوتية العمل على توحيد حركتهم في اتجاه واحد هو التغيير الشامل.
    وتشكل الأحزاب المتحدة في الهدف، طليعة لوحدة حركة التغيير، فإذا نجحت في توحيد صفوفها فإن ذلك يدعم الثقة في نفوس الغالبية الغالبة الذين لا يريدون غير أن يطمئن قلبهم كي ينخرطوا في حركة واسعة تكون الانتخابات إحدى محطاتها، وليست محطتها النهائية. فالتغيير الشامل ليس تغيير سلطة بسلطة، ولا نظام بنظام فقط، بقدر ما هو صياغة قيم أصيلة تشكل الأرضية والحاضنة والحصن لنظام ديمقراطي مستدام.
    وتوحيد الأحزاب خطوة مهمة نحو استعادة المبادرة للحركة الاجتماعية للتغيير.. فقد راهن النظام طويلا على تفتيت الأحزاب وعمل على تحقيق هدف تمزيقها بدأب يحسد عليه، وبإنفاق أموال « عامة « إذا انفقت في التنمية ومحاربة الفقر ودعم التعليم لكان السودان في مصاف اندونيسيا وماليزيا وربما سنغافورة..فاهدر مال كثير من إيرادات الضرائب والجمارك والزكاة، ومن عوائد البترول ورسوم المخالفات، وإرساء المناقصات، وريع الأراضي وربا المرابحة وفوائد البنوك وجباية التسهيلات واقتناص الهدايا والمجاملات، بالإضافة إلى «برشتت الكومشن» وفروقات بيع الجملة والقطاعي من موجودات القطاع العام فيما عرف بـ «الخصخصة».
    هذا نظام عورته لا تخفى وانحرافه لا يحتاج إلى شهود في محاكمة عادلة. ولكنه يحتاج إلى تغيير شامل، تبدأ أول خطواته باستعادة الاحزاب لوحدتها. فمن فضائل المرحلة الماضية أنها هزت الأحزاب وغربلت صفوفها وأعضاءها، فسقط من سقط، وصمد من صمد.
    وقد أدت الغربلة دورها وقامت بتنقية الحزب بـ « فصادة وحجامة « لم يبع لها بتاتا ولم يضرب لها وقت موعد. حجامة تسحب الدم الفاسد كي يصح الجسد، وتنشط الشرايين وتتدفق الدماء الزكية النقية في دورة النشاط السياسي لتعطي حيوية مجددة وطاقة إضافية لبلاد تستطيع بها تحقيق ما افتقدته خلال عشرين عاما ماضية.
    فخلال المرحلة المقبلة لابد من استعادة مفقودات أساسية، هي الديمقراطية بصورتها الحقيقية والتنمية بطرائقها العلمية والإحساس بالوطن وإحساس الوطن بالمواطن..
    والاحساس بالوطن له تعبيرات عديدة ويمكن ملاحظة هذه القيمة المفقودة لدى السودانيين الذين يملكون «جنسيات مزدوجة»، واحدة للولاء الطبيعي وأخرى للأمان. فكثير من السودانيين مستعدون لدفع كلفة الإقامة لمدة ستة أشهر صالحة للتجديد، كأنهم أجانب أصلاء، فقط كي لا يتطفل أحد من اصحاب الصلاحيات الاستثنائية على حياته، فلديه حصانة الانتماء إلى جنسية أخرى، أضحت هي الأصل والسودانية هي بديلة تستخدم عندما يحين وقت الفخر بالأوطان.
    فمن دفع هؤلاء السودانيين الشرفاء إلى هذا الاختيار، غير الإجحاف في حقوقهم المواطنية، وهوياتهم المهنية وتسفيه افكارهم ومبادئهم ومعتقداتهم.
    وهؤلاء يشكلون كتائب مهمة في حركة التغيير الشامل..
    فالتغيير له قواه ودواعيه وموجباته.. ومن موجباته إيقاظ كل القوى لتنخرط في حركة التغيير.. فقد أعجبني قول الشاعر العرقي أحمد مطر عندما يقول:
    اثنان في أوطاننا
    يرتعدان خيفة من يقظة النائم:
    اللص...... والحاكم
    ولا تعقيب على أبيات الشاعر مطر، غير دعوة من يهمهم الأمر: فليستيقظ النائم فينا.. للقبض على اللص وتغيير الحاكم

    الصحافة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

05-01-2010, 05:14 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    التاريخ: الثلاثاء 5 يناير 2010م، 20 محرم 1431هـ

    د.غازي صلاح الدين: «1-2»
    قانون الإستفتاء وصفة حرب.. وهذه القضايا لابد من حسمها..!!

    حوار: الطاهر حسن التوم

    رفض قانون الإستفتاء لجنوب السودان في نسخته الأولى داخل البرلمان، ولا يزال يرفضه رغم أنه أجيز في غيابه وبات أمراً واقعاً، هل (حرد) د.غازي صلاح الدين مستشار الرئيس ورئيس كتلة المؤتمر الوطني في البرلمان حقاً وغاب عن الجلسة، وما هي النقاط الخطيرة في القانون، وكيف يرى الحركة الشعبية، ومشروعها السودان الجديد، ولماذا سقطت الإشارة للمسيرية في قانون إستفتاء أبيي، وما قصة الجسر الذي لم يرغب الشريكان في عبوره، جميعها قضايا يفتحها هذا الحوار مع قناة النيل الأزرق، وتنشره (الرأى العام) لأهمية القضايا التي تطرق إليها.
    * البعض إعتبر أنك غبت عن جلسة التصويت على قانون الإستفتاء لأنك (حردان)؟
    - وصفتني بعض الصحف بأنني غاضب، لكنني عندما أتحدث للكثير من الشباب عما ينبغي أن يتميز به القائد أقول لهم أن يتجنبوا الطاقات السالبة مثل الغضب والحرد، وليست كالشجاعة أو الحب أو الرضا التي هي طاقات موجبة، لذلك لا أؤمن بالغضب والحرد في السياسة، ولكن من حق الإنسان أن يسجل موقفاً دون أن يوصف بأنه غاضب، وهذا ما حدث.
    * حدث، ولكن خارج المؤسسات؟
    - التعديل الذي أدخلناه نحن على المادتين «27» و«67» كان تعديلاً أقره المكتب القيادي للمؤتمر الوطني، وليس لدي علم أن المكتب القيادي إجتمع مرة أخرى لينقض ما أبرمه سابقاً ولذلك أعتبر نفسي ملتزماً تماماً بما أقره المكتب القيادي والمؤسسة.
    * سنعود إلى ذلك، لو تأملنا الآن في المشهد السياسي لوجدنا أن الحركة الشعبية وظفت من قبل كل قوى المشهد السياسي الشمالي لتحقيق أهدافها منذ مؤتمر أسمرا في حق تقرير المصير والدولة العلمانية، ثم مذكرة الترابي قرنق، وكانت مطية لإتفاق للحركة مع المؤتمر الوطني، الجميع كانوا في هذه الساحة تحت التوظيف، والجميع كان يبحث عن بندقية قرنق لتكون إلى جانبه، وفي سبيل ذلك كانت هذه التنازلات؟
    - هذا واضح، ولكن لماذا حدث ذلك، أنت في العمل السياسي تحتاج إلى حماية وإلى عصبة كما قال ابن خلدون، فأنت لا تستطيع أن تعمل مفكراً في الهواء غير ملتصق بالأرض ولابد أن تكون لديك جماعة تأوى إليها، والحركة الشعبية تمثل بالنسبة لبعض القوى السياسية الآن- وربما كان ذلك خطأ في الإتفاقية أو سلوكنا السياسي- تمثل حيزاً للحماية، فهي تحكم بلداً داخل السودان باسم آخر ولديها كامل السلطات السياسية والتنفيذية والأمنية والإقتصادية، وهي تعمل في الشمال أيضاً، لذلك كان تداعي بعض القوى السياسية لتحتمي بكنف الحركة، وكان سلوكاً غريزياً أضطرت إليه هذه القوى السياسية ولم يكن سلوكاً مبدئياً، وينبغي أن نتعمق في السؤال ونقول لماذا أضطرت هذه القوى السياسية لفعل ذلك، هذا سؤال وجيه بالنسبة لي كقيادي في المؤتمر الوطني، وأعتقد في الأطروحة التي تقدم أن واجبنا في المؤتمر الوطني أن نقيم كياناً واسعاً يشمل هذه القوى السياسية، ولا يستثني الحركة فأنا لست مع عزل الحركة لكنني ضد أن تترك لها مساحة المناورة لتستخدم المباديء المعلنة لتحقيق عكس تلك المباديء، أن تتحدث عن الوحدة الجاذبة ولكنها تسعى للإنفصال في الحقيقة، أن تتحدث عن التحول الديمقراطي وتفعل غير ذلك في الجنوب، الأحزاب تحتاج للحماية والمال، والحركة لديها يد مطلقة في أموال الجنوب وحولت لها حتى الآن أكثر من ثمانية مليارات دولار، وليس لدى حكومة الجنوب مراجع عام، وأعترف ممثل حكومة الجنوب في آخر جلسة إستماع في الكونغرس بوجود مشكلة في إدارة المال بحكومة الجنوب، هذه الأموال سيكون من الغباء ألا نفترض أنها تتسرب للشمال لتمويل الحركة السياسية والمظاهرات التي يقال إنها لدعم التحول الديمقراطي وهي ليست كذلك، وللحركة مقدرة على التلون حسب الظرف والساعة والحليف المرحلي، عندما تتحالف مع الوطني تتحدث عن الوحدة، وعندما تتحالف مع القوى السياسية الشمالية تتحدث عن التحول الديمقراطي، وعندما تتحالف مع القوى السياسية الجنوبية تتحدث عن الإنفصال، هذه ظاهرة لابد من دراستها لأننا في النهاية لا نريد أن نخترع أسماء وهمية نخدع بها أنفسنا لنتحدث عن أن السودان بلد ديمقراطي ولا يطبق ذلك في أرض الواقع، لدى تساؤلات أطرحها كشخص يفكر وليس من موقف حزبي، ما جدوى الصيغة القائمة الآن، وقلت ذلك لقيادي بالحركة ، قامت إتفاقية السلام على فرضيتين، أن تحقق الوحدة والسلام، فإذا انتهت إلى أنها لم تحقق الوحدة ولم تحقق السلام فما الفائدة منها، وأحتج هو على ذلك وأعتبره تنصلاً من قبل المؤتمر الوطني، فقلت له إنني حر في طرح آرائي لكن هذا سؤال يطرحه الشعب، وقانون الإستفتاء الذي أجيز هو وصفة حرب، تحديداً المادة «67»، أراه مثلما أنكم تنطقون، وتطبيق هذا القانون في ظل سوء النية سيؤدي إلى إنفصال وإلى حرب.
    * سنعود إلى القانون، لكن السؤال يظل قائماً، ما الذي يحول دون التنازل للقوى الشمالية، وهم أقرب؟
    - هناك فوضى فكرية، أو حوار طرشان كما يقال، يبدو أن المقاصد النهائية والوسائل ليست واضحة عند كل القوى السياسية، ما يفكر به الوطني ليس ما يتحدث عنه حزب الأمة بالوفاق الوطني، ولا ما يتحدث به الإتحادي الديمقراطي، والتحدى أمام هذه القوى هو أن تجد وصفاً مشتركاً لما تعنيه بالوفاق الوطني، هل القضية هي قسمة كيكة السلطة، وأنت تعلم أنها كيكة لم يبق منها في هذه المرحلة إلا فتات وسيلتهم في الأيام القادمة لأننا بصدد إنتخابات بعد أربعة أشهر، هو عدم وضوح الرؤية الفكرية.
    * في جانب من ؟
    - في جانب الجميع، كلهم يطرحون شعارات بنوايا حسنة، وهي صادقة لكنها في المحك العملي ليست قابلة للتوفيق لأن كل شخص يرى الصورة النهائية بشكل مختلف، عندما نتحدث عن الوفاق الوطني الآن، هل هو إعادة تشكيل للحكومة، أم المقصود إعادة تشكيل المجلس الوطني أم التنسيق حتى قيام الإنتخابات أم تقديم ضمانات بأن تكون الإنتخابات حرة ونزيهة، وكلها أطروحات في الساحة الآن، أعتقد أن الإخفاق الذي جرى أنه لم يحدث ترتيب متفق عليه لوضع تعريف دقيق لما نعنيه بجمع الصف الوطني، ولم تقدم الحركة نموذجاً جيداً لأن تجمع أحزاب جوبا بدأ كما لو أنه محاكمة للمؤتمر الوطني وتاريخ الشمال كله، وهذه من خصائص مشروع السودان الجديد، أنه مشروع تجريمي لكل تاريخ الشمال، حتى الإستقلال لا يعترف به، وبالتالي بدأ كأن مؤتمر جوبا محاكمة وضراراً للوطني وبذلك فقد كثيراً من مشروعيته الأخلاقية لدى الناس وتحول إلى مشروع مظاهرات في الخرطوم.
    * هل هناك سودان جديد بعد مشاكوس، ومقايضة مشروع بمشروع، أن تقر بأن يحكم الشمال إسلامياً، ومشروع السودان الجديد الذي نعرفه يقوم على دولة علمانية، فقيل إن المقايضة تمت على أساس دولة إسلامية في الشمال مقابل تقرير المصير؟
    - هذا هو الإلتزام الأخلاقي بالطبع، لأن زعيم الحركة آنذاك قال نحن لم نحقق مشروع السودان الجديد والمؤتمر الوطني لم يحقق مشروعه الحضاري كما طرحه، لكننا توصلنا إلى شيء بين الإثنين، وبالتالي كان الموقف الأخلاقي ألا تحاكم الشريك على أنه لم يلتزم بالسودان الجديد، ولماذا نلتزم بالسودان الجديد، وهو مشروع تجريمي لتاريخ الشمال، بما فيه كل القوى الشمالية التي شاركت في مؤتمر جوبا، ومشروع السودان الجديد لا يستأنس بأطروحات مثل الحركة الإتحادية، أنا إسلامي لكنني أعرف أن الإستقلال كان نتيجة لهذه الحركة السياسية التي أنتمي إليها بوجه من الوجوه وإن لم يك تنظيمياً أو عضوياً، والسودان الجديد منبت ويعتبر أن كل ما تم في الأربعينات على يد مؤتمر الخريجين والخمسينات والستينات، كان مجرد مؤامرة ضد الجنوب، وينادى المشروع بنصرة المهمشين بينما نرى أن تحالفهم في مؤتمر جوبا كان مع أقطاب السودان القديم، الذين يمثلون السودان القديم بأقوى مما يمثله المؤتمر الوطني.
    * هل هو إستغفال إرادي، هل تستغفل القوى الشمالية وهي تمضى إلى جوبا نفسها، هذه مسائل تبدو واضحة للغاية للمراقب؟
    - الإخفاق لا يحدث أحياناً من عدم وضوح الرؤية بل من شلل الإرادة، ومشكلتنا أقرب لأن تكون مشكلة إرادة، الرؤى المختلفة يمكن أن يوفق بينها، ولكن لابد من إرادة سياسية تقتضي تضحيات لابد من تقديمها، والإتفاق على مراحل ومعالم طريق، وهذا لم يحدث، وكتبت عن ذلك، أن هناك مشكلة في فكرة الحزبية نفسها، هل الحزب الآن يمثل الأداة التي يمكن أن تتوسل بأطروحاتها إلى الجماهير لتكتسب مشروعية، هناك الآن أطروحات جديدة تتمثل في المجتمع المدني وهناك أشخاص زاهدون في الحزبية، والاحزاب تعاني من مشكلات تمويل وتنظيم، ومشكلات تقريب المقربين وإبعاد المبعدين، ويتمظهر ذلك في شكل شلل سياسي وفكري.
    * هل هي معلومات مؤكدة أن الحركة الشعبية تقوم بتمويل بعض القوى الشمالية؟
    - المعلومات تقول ذلك، ولكن الأمر لا يحتاج لمعلومات، ظللنا نتساءل أين ذهبت الثمانية مليارات دولار ولم نتحصل على إجابة.
    * وهل يعني ذلك أنها ذهبت للقوى الشمالية بالضرورة؟
    - إذا كنت لا تستطيع أن تقتفي أثر النقود فيمكن أن تفترض أنها انفقت في استراليا أو أمريكا ويمكن أن تستنتج أنها أنفقت في شمال السودان ولا يحتاج ذلك لذكاء شديد.
    * الحركة بدأت السباق نحو الإنفصال، ولكن هل وصل المؤتمر الوطني بالفعل إلى هذا اليقين وبدأت ورشة في جنوب أفريقيا تناقش كيف يكون الإنفصال سلساً وجاذباً؟
    - أحب أن أذكر الناس بحقيقة تغيب حتى على الموقعين على إتفاق مشاكوس، بخلاف تجارب الإنفصال التي رأيناها في كثير من الدول، فإن الإلتزام السياسي للقوى الموقعة كان في نيفاشا، أن الطرفين كانا يناديان بالوحدة، وفي إنفصالات أخرى كباكستان كانت هناك حركة إنفصالية مشروعة، في أريتريا كان هناك تيار عارم نادى بالإنفصال، ولكن هنا كان الإلتزام نحو الوحدة، وبالتالي يجب أن يحاسب الطرف الذي لا يلتزم بها سياسياً، أنا مؤمن بالوحدة وأعتقد أن تقرير المصير ينبغي أن يفهم في هذا السياق لكننا نحترم القرار إذا صدر في النهاية من القاعدة الشعبية في الجنوب، لكن الحركة تثبت كل يوم أنها أصبحت في جوهر مشروعها حركة إنفصالية، وسبب ذلك تراجع مشروع السودان الجديد، وكان واضحاً من دفاع الحركة عن بعض بنود قانون إستفتاء جنوب السودان أنها إنفصالية.
    * على ذكر القانون، المادة «27» موضوع الجدل، كان بندها الثالث يقول، لا يجوز للناخب المذكور أدناه التسجيل والإقتراع في المواقع الأخرى، وهو كل من تعود أصوله إلى أحد الأصول الإثنية في جنوب السودان ولم يكن مقيماً إقامة دائمة دون إنقطاع في جنوب السودان قبل أو منذ الأول من يناير 1956م.
    ب- مقيم إقامة دائمة متواصلة دون إنقطاع أو أياً من الأبوين أو الجدين مقيماً إقامة دائمة متواصلة دون إنقطاع في جنوب السودان قبل أو منذ الأول من يناير 1956، ما الذي تخشاه الحركة من وراء إلغاء هذا النص؟
    - سألت أحد كبار قادة الحركة أثناء جولات المباحثات الثلاثية التي كان يرعاها المبعوث الأمريكي، لماذ تريد تقييد حق الجنوبي الدستوري في التصويت، ونحن اعتمدنا تعريف الجنوبي كما ورد في دستور حكومة جنوب السودان، وكنت أقول له لماذا يذهب إلى الجنوب ليسجل، ثم ليصوت، هذا شرط تعجيزي، وهذا يقدح في نواياكم ويقدح في حرية ونزاهة الإستفتاء، لكنه أصر وقال لي في النهاية نحن نخشى من التزوير في الشمال، فقلت له ونحن نخشى أن يحدث التزوير في الجنوب، والدواء للتزوير هو إحكام آليات الرقابة، ويمكن أن يحدث التزوير في أي مكان، لذلك فهذا النص نص تمييزي، بين الجنوبي والجنوبي الآخر، والتعديل الذي دخل على النص في المادة «4» كان جيداً، ويقول التعديل، دون الإخلال بالمذكور أعلاه يجوز للجنوبي المولود في الشمال التصويت في أي مركز، وهذه الفئة ربما تصل إلى مئات الآلاف من الجنوبيين، وبذلك النص القديم فإن أي جنوبي ولد في الخرطوم أو حلفا خلال العشرين سنة الماضية لن يستطيع التسجيل أو التصويت في الخرطوم أو حلفا، ولابد أن يذهب للتسجيل على حسابه والتصويت على حسابه إلى قريته التي جاء أهله منها للشمال، لكن القانون أبقى على ضرورة عودة الجنوبيين من أصول جنوبية والتي هاجرت من الجنوب قبل 6591، ويبقى السؤال لماذا تميز هؤلاء؟
    الراى العام
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

05-01-2010, 05:21 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    مسالة
    مرتضى الغالى

    بتاريخ : الثلاثاء 05-01-2010 09:03 صباحا

    ماذا صنعت مفوضية الانتخابات في ضمان حياد اللجان وحياد الإعلام القومي بين القوى السياسية؟! ومتى تريد أن تبدأ إفساح المجالات للأحزاب والتنظيمات السياسية والمدنية لتتحدث عن الانتخابات وتحث جماهيرها، وتجد نصيباً من الإعلام الذي تعلم المفوضية كيف يُدار الآن، كما تعلم أن أجهزة الإعلام الرسمية ليست ملكاً للمؤتمر الوطني.. ولا ينبغي لها أن تكون...!
    لقد لمست الندوة المفيدة التي إقامتها منظمة ألق للإنتاج الإعلامي مع مؤسسة
    فريردش ايبرت حول (الانتخابات والإعلام) أوتاراً حسّاسة، وأثارت نقاطاً غاية في الأهمية.. حملت ملاحظات وإفادات المشاركين، ومنهم كثيرون مما لا يماري احد في وطنيتهم وحيادهم تجاه القوى السياسية، ولكن (لا حياد في طلب الحق) أو الإشارة إلي الظواهر السالبة، ولا حياد في ضرورة نشر الحريات، وفي إتاحة الفرص المتساوية، وفي فك أيدي المؤتمر الوطني عن خناق أجهزة الإعلام القومي، التي لو كانت بالفعل قنوات حزبية صرفة (من حر مال المؤتمر الوطني) لما قامت بما تقوم به الآن من المجاهرة السافرة صباح مساء بنقل رؤية واحدة (من عدسة واحدة) وتصوير كل ما يجري في السودان من كوة وحيدة - هي المؤتمر الوطني- الذي يصيغ أخبار الوقائع كما يريد،ويضع الأجندة الإعلامية كما يحب، ويظهر ما يهوى، ويخفي ما يشاء، و(يغطّس حجر ما يريد تغطيسه) ويأتي لنا كل يوم بالسادة منسوبيه الذين ملأوا علينا الشاشات منذ (عام الرمادة) ولا يزالون... فلا أحاديث الا أحاديثهم ولا ذكريات الا ذكرياتهم، ولا ومواعظ وفتاوى الا من وعّاظهم ومشايخهم.. ولا خطبة جمعة الا من (خطيبهم الأوحد)... وإذا حدث ما يخالف هذه القاعدة فهو من باب ذر الرماد على الجفون ليقولوا لك لقد استضفنا فلان أو علان من المعارضة في يوم كذا...وما جاءوا بأحد المشاركين في لقاء الا وجاءوا له (بثلاثة من جماعتهم) يسبقون حديثه، ويعقبون عليه، ويقاطعونه ويسرقون مساحته الزمنية، ثم إذا فتحوا المجال للمشاركات الخارجية على الهواء حشدوا لها مناصريهم وحجبوا الآخرين.. ثم لا يتردّدون في إعلان أنهم في انتظار هاتف من جماعة الرأي الآخر.. ثم إذا بهم يتناسون ذلك أو يزعمون تعسّر الاتصال بسبب عقبات أثيرية.. والأثير و(غراهام بيل) منهم براء... حتى أصبح الناس يعرفون مثل هذه الألاعيب لأنهم قد علموها في مجالات أخرى؛ حتى على مستوى الوزارات...!! فإذا كان هناك وزير من الحركة الشعبية أو التجمع الوطني جاءوا له بوزير دولة (من تحته) ووزير دولة آخر (في موازاته) تحتهم وكيل وزارة من جماعتهم..ثم جاءوا له (من فوقه) بمستشار بماكينة مرسيدس ...فأين المهرب...!!

    احراس الحرية
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

05-01-2010, 06:25 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    [B]صحيفة التيار وكتابها احيانا يخرجون من ثوب الصحافة التقليدى الذى رسمه لهم اهل الانقاذ الى براح الجراءة ..الكاتب عبد الباقى الظافر كتب هذا المقال طالبا بصراحة من البشير الابتعاد عن السلطة وترك المنصب لغيره وهو ما يدخله فى خلية نحل تعيش على العسل وسوف تهجم عليه الى ان تقتله لانه تجرا وتحدث عن اهل الكهف اهل العسل النائمين فى حضن السلطة ونعيمها ..

    اقرا المقال

    مذكرة عشرة جديدة.. !!
    عبد الباقى الظافر


    في أمسية من شتاء العام 1997م جاء الفريق ( وقتها) عمر البشير بلباس عسكري و بحرس خاص إلى اجتماعات مجلس شورى المؤتمر الوطني، و من قبل لم يعتد إخوة الرئيس في التنظيم أن يغشاهم الرئيس في تلك الهيئة وبذلك الصولجان، و بالفعل كان ذلك اليوم استثناءً، إذ رمى عشرة من أحباء و تلاميذ الشيخ حسن الترابي بمذكرة تحد من سلطات أبيهم الذي علمهم السياسة. المذكرة التي أصبحت تأريخاً فاصلاً في مسيرة الإسلاميين في الحكم و المعارضة، كانت جولة في صراع لم ينته بعد؛ و لكنّها أفضت بالشيخ الترابي بعيداً عن مفاصل الحكم، عاكفاً في بيته في المنشية، ينتظر حظه مع السلطان، و الذي ربما لن يأتي أبداً؛ و لكن المذكرة منحت الإنقاذ عمراً إضافياً، و مدَّتها بحيوية هي الآن في أمس الحاجة إليها. في ميقات مذكرة العشرة الأولى كان الرئيس البشير جزءاً في أي معادلة سياسية تهدف لإخراج البلاد من عنق المحنة، هو الشخص الأكثر قبولاً داخل الحركة الإسلامية، و يتمدد ذلك القبول إلى حضور شعبي كبير بين مكونات الأمة السودانية، غرماؤه في ساحة الأحزاب والتنظيمات يرونه و كيلاً لا أصيلاً في عملية تغييب الحكم الديمقراطي في السودان، عالمياً العالم يراه بُقبعة العسكر لا بعمامة آيات الله في السودان. ولكن تلك أيّام ولّت، فداخل تنظيم الحزب الحاكم يواجه البشير تحديات، هذه التحديات تبدو في شكل فقاقيع كثيرة و لكنّها متناثرة، إن اجتمعت بيّنت شكل الأزمة؛ انشقاق يضرب حزبه في ولاية الجزيرة، و خروج محدود لقادة حزبه في كردفان نحو الغابة، و والٍ في الجنوب يتحدّى تعليمات الحزب الحاكم ويستعصم بمكتبه، و في القضارف يجبر الحزب شيخه كرم الله عباس على الخروج؛ ولكنّ عباس يعود محمولاً على أكتاف القواعد مرة أخرى. الأحزاب و التنظيمات في السودان لا تنظر بعين الرضا لحكم البشير، بل بات في حكم المؤكد أن يتحالفوا ضده في انتخابات الصيف القادم. خارجياً يبدو وضع المشير في غاية التعقيد، العالم يحمله بالحق والباطل كل أزمات السودان، و لن يمنحه إقراراً و اعترافاً وإن فاز في انتخابات مُبرأة من كل عيب و منقصة. هذا الوقت هو أفضل وقت للمشير البشير أن يختار الرحيل، يرحل بطوعه واختياره، و يختار بكامل إرادته خليفته في الحزب والدولة.. بهذه الخطوة الشجاعة يحمي البشير مجده الشخصي.. استلم السودان وطناً في حالة حرب.. و سلّمه واحداً موحداً يعيش في بعض وئام. هذه الخطوة الجريئة تحتاج من رجال حول الرئيس أن يقدموا مصلحة الوطن على مصلحة الحزب، ومصلحة التنظيم على مصلحة الرئيس. كانوا عشرة فأين هم الآن..؟

    النيار
    5/1/2010
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

05-01-2010, 06:28 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    ماذا بقي من إسلام "الإسلاميين" وإسلاميتهم؟

    عبد الوهاب الافندى


    خلال الأسبوع الماضي وجدتني دون قصد وتعمُّد مني في قلب جدال محتدم عن حاضر الحركة الإسلامية المضطرب ومستقبلها المحاط بالغموض. حدث هذا حينما كررت مقولتي المعروفة بأنّ الحركة الإسلامية السودانية تعيش أزمة تكاد تكون أزمة وجود، وأنّ أيٍّ من المطالبين بوراثة هذه الحركة المأسوف على شبابها وشيخوختها (بما في ذلك المؤتمر الوطني وحركته "الإسلامية"، وغرمائه في المؤتمر الشعبي) لم يقدم إجابة شافية على المعضلات التي واجهتها. وقد اعترف بعض الحضور، وعلى رأسهم الشيخ الجليل ياسين عمر الإمام والأستاذ عبدالله حسن أحمد، بوجود هذه الأزمة، وبالحاجة إلى معالجتها بنقد ذاتي هادف. وكرر ياسين ما رُوي عنه من قبل من أنه أصبح يخجل من أن يدعو أي شخص للانضمام للحركة الإسلامية، بما في ذلك أحفاده وأهل قرابته. من جهتهم فإنّ عدداً من المشاركين في هذا الحوار (وجلهم من منتسبي المؤتمر الشعبي) سعوا إلى تبرئة تنظيم من وزر ما آلت إليه الحركة الإسلامية، بل أضاف بعضهم أنه لا توجد الآن حركة شعبية خارج المؤتمر الشعبي، وأنّ البقية خارجون تجب عليهم التوبة والندامة. تذكرت أثناء هذا الحوار نص "رسالة مفتوحة" وجهها لي أحد كرام الإخوة من منتسبي الحركة الإسلامية - عليها رحمة الله- كنت اطلعت عليها مصادفة خلال الأسابيع القليلة الماضية، وأنا أتصفح الانترنيت بحثاً عن شيء آخر، رغم أنها سُطرت ونُشرت قبل أكثر من عام. صاحب هذه الرسالة كان الأخ هاشم أبوبكر الجعلي المحامي، وقد عرفناه منذ أيام الدراسة السنوية أخاً كريماً كنا نراه من أهل الصدق والمجاهدة، والله حسيبه. وفي رسالته تلك (نُشرت في الرأي العام في أغسطس من عام 2008) عبّر الأخ هاشم عن الكثير من الغضب والألم لانتقادات وجهتها في برنامج "ما وراء الخبر" في قناة الجزيرة لما سمي بالحركة الإسلامية في السودان أثناء انعقاد مؤتمرها العام في ذلك الشهر. ما أحفظ الأخ هاشم كان (بين أشياء أخرى) تقريري بأن ما يسمى بالحركة الإسلامية السودانية ليست بحركة ولا هي بإسلامية، وانتقادي لتصرفات أعضائها وتحولهم إلى مجموعة من الهتافين. وقد رأى هاشم بأنني أكرر في حق الحركة ما وصفه بـ "اتهامات منظمات النظام العالمي الجديد" للحركة، ووصف شيوخها الأجلاء بالهتافة مع إنكار فضلهم. وقال عما أوردته عن انتخابات أمانة الحركة الإسلامية واستخدام الضغوط، ومنها فرض التصويت بالبطاقة مع نصب الكاميرات أمام صندوق الاقتراع، بأنه نبأ "نُقل من فاسق" (يقصد عن فاسق). وأنشأ أخونا المحامي هاشم يقول: " إنّ الحركة الإسلامية ليست من قبيل التجمعات الفارغة التي يمكن أن يوصف رجالها بـ «الهتافة»، فمن بين صفوفها خرج الآلاف في مسيرة الجهاد والاستشهاد ولم تنعم الحركة الإسلامية بالحكم لأغراض الدنيا، بل تصدى رجالها وشبابها ونساؤها لكل أنواع التعدي والظلم من القريب والغريب، وصبروا وصابروا ورابطوا، ولكن ظل بعض بني جلدتهم من أمثال الأخ عبد الوهاب يرمونهم من خلف أسوار النظام العالمي الجديد بهجر القول وبئيسه. أنكر الدكتور عبد الوهاب على الحركة الإسلامية كسبها وحظها من العلم والجهاد، وحاول أن يصورها مجردة عن الدثار الأخلاقي فنسب إليها ارتكاب جرائم الإبادة والاغتصاب وما شابه ذلك، مستنداً إلى إتهامات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، مصدقاً ومؤيداً لها ومبشراً بها. ولي أن أسأل الأخ د. عبد الوهاب إن كان يريد أن يلقى الله وهو يزعم أنّ الحركة الإسلامية وقياداتها في السودان تنظم حملات الإبادة الجماعية وتبارك عمليات الاغتصاب الجماعي للنساء في دارفور؟ أو يلقاه وهو عود في نار الفتنة؟!". ما قرأته من دفاع هاشم عن الحركة الإسلامية المزعومة، وما سمعته من دفاع عن المؤتمر الشعبي وإنكار أي دور لعضويته وقياداته في ما أصاب الحركة والبلاد والعباد من بلاء، هو أبلغ دليل على عمق الأزمة، وواحد من أهم مظاهرها. فهناك إغراق مدهش في خداع الذات، ومغالطات في أبسط الحقائق. ولعل إحدى أهم الآليات التي تستخدم لتحقيق هذا التغييب للوعي بالذات، استخدام المصطلحات الملتبسة. فالحديث عن "مجاهدات الحركة الإسلامية" يتعمد استخدام المصطلح بمعاني متعددة يلغي بعضها بعضاً. فهذه المجاهدات (إذا سلمنا بها)، تشمل فيما تشمل "مجاهدات" محمد صالح عمر وجعفر شيخ إدريس والرشيد الطاهر والحبر يوسف نورالدائم وصادق عبدالله عبدالماجد وداوود يحيى بولاد وخليل إبراهيم وبارود صندل، وبالطبع الشيخ حسن الترابي. وكل هؤلاء تحولوا فيما نعلم في وقت ما إلى مواقف ناقدة لأوضاع من ادعوا الحديث باسم الحركة. فكيف يفتخر البعض اليوم بمجاهدات مَنْ يعتبرونهم خصوماً؟ بنفس القدر فإنّ القول بأن الاتهامات المتعلقة بدارفور هي اتهامات "منظمات النظام العالمي الجديد" فيها نظر، لأنّ مصدر الاتهامات الأصلي هو طائفة من أهل دارفور المسلمين، إذ هم من ادعى ويدعي أنّ الحيف وقع عليهم. وقد صدقهم في ذلك بعض "مجاهدي الحركة الإسلامية" ممن انضموا إلى صفوفهم أو استمروا يؤازرونهم، وأعلنوا تصديقهم لاتهاماتهم. أما تعبير "النظام العالمي الجديد"، وهو تعبير ابتكره وبشّر به جورج بوش الأب بُعيد انهيار النظام الشيوعي، كهدف وأمنية. ولكن البعض "يشم رائحة الأماني" كما قال جحا، ويصور ما لم يزد على مجرد الأماني حقيقة واقعة، لها سلطانها و"منظماتها". ولسنا هنا بصدد تقييم هذه الدعاوى، ولكن الأخ هاشم باعتباره محامياً (ولندع هنا جانباً كونه يدعي الانتماء الإسلامي)، من المفترض فيه أن يطالب بالتحقيق في أي تُهم من هذا النوع (أو أي نوع آخر) لا أن يتحدث بعمومية عن كونها افتراءات لا صحة لها. وبالعكس فإنّ هذا الموقف الدفاعي بدون التأمل في التُهم ومصدرها هو إدانة لا شعورية للذات. فكان الأحرى بكل مَنْ سمع بتهم كهذه ألا يبادر بالإنكار إن لم تكن له صلة بالجناة، فلعل مرتكب هذه الكبائر هو "منظمات النظام العالمي الجديد" أو العصابات الصهيونية، أو حركات التمرد التي قصدت من ذلك تشويه صورة الحكومة. أما من يسرع بالإنكار قبل التأكد، فهو المريب الذي يقول خذوني. ليس هذا مبحثنا على كل حال، لكن المسألة تتعلق بالإنكار المدهش للحقائق والوقائع. فالقول بأنّ ما يسمى بالحركة الإسلامية لا هي حركة ولا هي إسلامية ليس تهمة، بل تقرير لواقع. فمعروف أنّ "الحركة الإسلامية" تم تشكيلها بقرار من تنظيم آخر، هو حزب المؤتمر الوطني لتكون ذراعه "الإسلامية"، تماماً كما تُنشئ بعض المصارف الربوية "نوافذ إسلامية"، ولنفس الغرض: توفير الغطاء والمعذرة لمن أراد أن يتعامل مع هذه المصارف دون أن يتورط في الربا المحرّم. أما المؤتمر الوطني فهو بدوره تنظيم أنشأته السلطة، ويخضع خضوعاً تاماً للنظام التنفيذي. وكما أظهرت أحداث رمضان/ديسمبر 1999، فإنّ أي محاولة لهذا التنظيم للخروج على سلطان الدولة، تمّ ويتمُّ قمعها بشدة وحزم. إذن فما يسمى بالحركة ليست تنظيماً، حتى يكون إسلامياً أو غير ذلك، بل هو مؤسسة بيروقراطية من مؤسسات الدولة تُدار من علٍ ومن خارجها. وقد أكدت واقعة انتخابات قيادة الحركة ذلك. وإذا كان الأخ هاشم قد زعم أنّ ما أوردناه هو من نقل أهل الفسق، فهو إدانة أخرى للذات، حيث أنّ الاتهام هنا نقل عمن شهدوا من أعضاء هذه الحركة، فإنْ كانوا فُسَّاقاً فحسبنا الله ونعم الوكيل. ونزيد أخانا هاشم من الخير، حيث نؤكد له أننا علمنا من مصادر الحركة أنّ عدداً من أنصار مرشح الدولة أخذوا يطوفون على الأعضاء بمقولة مفادها، أنّ فلاناً هو "خيار الحركة الإسلامية" للقيادة، تماماً كما دأبت كوادر الأحزاب أن تفعل بين يدي أي انتخابات نقابية أو غيرها، لتقول إنّ فلاناً هو مرشح الحزب. ولكن مثل هذا القول يصبح تناقضاً مع النفس لو جاء في انتخابات الحزب نفسه. فإذا كانت الحركة المزعومة موجودة وحاضرة عبر مؤسساتها التي كانت تباشر حقها ومسؤوليتها في انتخاب قيادتها، فمن أين جاءت تلك الحركة الإسلامية الأخرى التي اجتمعت لتقرر في غياب مؤسسات الحركة، أنّ فلاناً أو غيره هو مرشحها المفضل؟ إنّ البداية يجب أن تنطلق من الاعتراف بالحقائق الأولية. فدعوى الحركة الإسلامية الملحقة بالمؤتمر الوطني بأنها الصوت الإسلامي الأبرز والغالب في السودان لا تنسجم مع واقع كونها كياناً خُلق ليؤدي دوراً مرسوماً من قبل جهات أخرى. فهو لا يتحدث باسم الإسلام، وإنما باسم من صنعوه. وهي لا تتظاهر مجرد تظاهر بالخروج عن النص، حتى على طريقة حزب البعث العراقي الذي كان يصطنع وجود تنظيم قومي وآخر "قطري"، ويحلل للأول انتقاد أنظمة "صديقة" ويتبرأ من المسؤولية عن ذلك. ولكننا لم نسمع مثلاً عن الحركة الإسلامية إياها إدانة لقمع المسلمين في الصين، ولا براءة من تأييد الحكومة لذلك القمع في تصريحات علنية جعلها متواطئة في قمع أبرياء حتى لو كانوا غير مسلمين. ومثل ذلك كثير. بنفس القدر، فإنّ دعوى منتسبي المؤتمر الشعبي بأنّ انحرافات وأخطاء الحركة الإسلامية لم تبدأ سوى صباح الرابع من رمضان، قد تصلح كدعاية حزبية، ولكنها أصبحت أهم عائق أمام الإصلاح الحقيقي عبر نقد الذات ومعالجة ما كان من أخطاء. وفي الحالين تكون إسلامية الحركة المعنية موضع تساؤل، إن لم يكن إسلامها كذلك. فالحركات التي تسمي نفسها إسلامية تبرر دعواها بأنها تدافع عن قيّم الإسلام بعد أن أهملها غيرهم أو نسيها أو تنكر لها أو عاداها. فهي تذكر وتعظ وتدعو وتجاهد بكل الوسائل لإعلاء تعاليم الدين في وجه غفلة أو عداء الآخرين. وقد زاد بعض قيادات الحركة من أمثال المودودي وسيد قطب، فزعموا أنّ رسالة هذه الحركات ليست إصلاح الدين وإحيائه، بل إرساء قواعده ابتداءً، كما فعل الجيل الأول من المسلمين حين نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام، فلا إسلام اليوم خارج إسلام الحركة الإسلامية، وإنما جاهلية عمياء. ولكن غالبية الحركات ترى رسالتها الإحياء والإصلاح، لأنّ إسلام الآخرين ناقص وقاصر. من هنا فإنّ أضعف الإيمان لكي تنسجم هذه الحركات مع دعاواها هو أن تتوقف عند حدود الله، وتتعظ لوعظ من يعظها بمواعظ الدين، ولا تكون ممن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، أو تتبع سنة عبدالمك بن مروان الذي قال في خطبة مشهورة: "والله لا أسمع بعد اليوم رجلاً يقول لي اتقِ الله إلا ضربتُ عنقه". ومن ذلك ألا تكون حجة عضويتها أمام الله والناس "إننا أطعنا سادتنا وكبراءنا"، أو كنا ننفذ تعليمات التنظيم. وقد اعتبر أخونا هاشم في نقده أنني كنت منذ وقت مبكر ممن "لا يطيقون أسْر القوالب التنظيمية ولا يتحملون ضوابطها". وهذه تُهمة صحيحة مائة بالمائة، خاصة حين لا تكون التنظيمات ديمقراطية في هياكلها ووسائلها. فنحن لا نعطّل عقولنا ولا ضمائرنا ونتبع أوامر التنظيم حتى لو كانت منكراً بيناً وخروجاً عما أمر به الله ورسوله. وإذا صدقنا هاشم (وهو صادق)، فإنّ الانضباط التنظيمي في حالة "الحركة الإسلامية" يكون التزاماً بما يفرضه المؤتمر الوطني وهو حزب غير إسلامي باعترافه، لأنّ حوالي ربع عضويته هي من غير المسلمين، ومن وراء ذلك التنظيم السري الذي يملي بدوره على المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية معاً، كما حدث حين صدر "توجيه" بتحديد نتيجة الانتخابات لصالح من تم اختياره سلفاً (وهي توجيهات تترى كما رشح هذه الأيام فيما يتعلق باختيار مرشحي المؤتمر الوطني للدوائر والمناصب). فماذا بقي من إسلامية الحركة الإسلامية إياها، بل من إسلامها، إذا كان الانضباط التنظيمي الذي يبشر به هاشم وإخوته هو هذه الطاعة العمياء لجهة لا يعرفها الكثيرون؟ وأين هي تلك الحركة الإسلامية التي يزعم الأخ هاشم أننا خرجنا عليها؟ دلونا يرحمكم الله. ولأنّ هذا الموضوع شائك ومعقد، فإنّ لنا إليه إنّ شاء الله عودة.

    التيار 5/1/2010
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

06-01-2010, 02:59 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    مسالة
    مرتضى الغالى
    بواسطة: admino
    بتاريخ : الثلاثاء 05-01-2010 09:03 صباحا


    ماذا صنعت مفوضية الانتخابات في ضمان حياد اللجان وحياد الإعلام القومي بين القوى السياسية؟! ومتى تريد أن تبدأ إفساح المجالات للأحزاب والتنظيمات السياسية والمدنية لتتحدث عن الانتخابات وتحث جماهيرها، وتجد نصيباً من الإعلام الذي تعلم المفوضية كيف يُدار الآن، كما تعلم أن أجهزة الإعلام الرسمية ليست ملكاً للمؤتمر الوطني.. ولا ينبغي لها أن تكون...!

    لقد لمست الندوة المفيدة التي إقامتها منظمة ألق للإنتاج الإعلامي مع مؤسسة
    فريردش ايبرت حول (الانتخابات والإعلام) أوتاراً حسّاسة، وأثارت نقاطاً غاية في الأهمية.. حملت ملاحظات وإفادات المشاركين، ومنهم كثيرون مما لا يماري احد في وطنيتهم وحيادهم تجاه القوى السياسية، ولكن (لا حياد في طلب الحق) أو الإشارة إلي الظواهر السالبة، ولا حياد في ضرورة نشر الحريات، وفي إتاحة الفرص المتساوية، وفي فك أيدي المؤتمر الوطني عن خناق أجهزة الإعلام القومي، التي لو كانت بالفعل قنوات حزبية صرفة (من حر مال المؤتمر الوطني) لما قامت بما تقوم به الآن من المجاهرة السافرة صباح مساء بنقل رؤية واحدة (من عدسة واحدة) وتصوير كل ما يجري في السودان من كوة وحيدة - هي المؤتمر الوطني- الذي يصيغ أخبار الوقائع كما يريد،ويضع الأجندة الإعلامية كما يحب، ويظهر ما يهوى، ويخفي ما يشاء، و(يغطّس حجر ما يريد تغطيسه) ويأتي لنا كل يوم بالسادة منسوبيه الذين ملأوا علينا الشاشات منذ (عام الرمادة) ولا يزالون...


    فلا أحاديث الا أحاديثهم ولا ذكريات الا ذكرياتهم، ولا ومواعظ وفتاوى الا من وعّاظهم ومشايخهم.. ولا خطبة جمعة الا من (خطيبهم الأوحد)... وإذا حدث ما يخالف هذه القاعدة فهو من باب ذر الرماد على الجفون ليقولوا لك لقد استضفنا فلان أو علان من المعارضة في يوم كذا...وما جاءوا بأحد المشاركين في لقاء الا وجاءوا له (بثلاثة من جماعتهم) يسبقون حديثه، ويعقبون عليه، ويقاطعونه ويسرقون مساحته الزمنية، ثم إذا فتحوا المجال للمشاركات الخارجية على الهواء حشدوا لها مناصريهم وحجبوا الآخرين.. ثم لا يتردّدون في إعلان أنهم في انتظار هاتف من جماعة الرأي الآخر.. ثم إذا بهم يتناسون ذلك أو يزعمون تعسّر الاتصال بسبب عقبات أثيرية.. والأثير و(غراهام بيل) منهم براء... حتى أصبح الناس يعرفون مثل هذه الألاعيب لأنهم قد علموها في مجالات أخرى؛ حتى على مستوى الوزارات...!! فإذا كان هناك وزير من الحركة الشعبية أو التجمع الوطني جاءوا له بوزير دولة (من تحته) ووزير دولة آخر (في موازاته) تحتهم وكيل وزارة من جماعتهم..ثم جاءوا له (من فوقه) بمستشار بماكينة مرسيدس ...فأين المهرب...!!

    اجراس الحرية
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

07-01-2010, 04:17 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    الخميس 7 يناير 2010م، 22 محرم 1431هـ العدد 5941

    نص راي
    من ينقذ المؤتمر الوطني من نفسه؟

    د.خالد التيجاني

    ربما حتى وقت قريب كان قادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم, أو بعضهم على الأقل, يعتبرون الاستحقاق الانتخابي المقبل مجرد نزهة في الساحة السياسية السودانية, أو حلم ليلة صيف هادئة لا يلبث أن يسفر صبحها وقد حقق الحزب أغلبية مريحة في الانتخابات تؤهله للاستمرار في الإمساك بزمام السلطة ويجدد فيها سيطرته شبه المطلقة على الأمور في البلاد, ولكن هذه المرة بالطبع بشرعية انتخابية صريحة، ومعترف بها دولياً بعد عشرين عاماً من طلب هذا الاعتراف الدولي غير الممزوج بمواقف مترصدة ظلت تعكنن على المؤتمر الوطني سلطته وتلهث أنفاسه.
    وهذه الصورة الواثقة بالنصر السهل التي طالما روّج لها قادة المؤتمر الوطني، ويعززها إظهار الحرص الأكيد والتصميم على إجراء الانتخابات في موعدها ومقاومة أية محاولة لتأجيلها ربما أثارت غيرة أو حتى حسد خصوم الحزب الحاكم,، كيف لا وقد دانت له السلطة المطلقة، وتوفرت له الإمكانيات المادية الضخمة، ويستند على تنظيم سياسي محكم، وها هو يستعد لحصد ثمار عوامل القوة المتوفرة لديه لتمديد سلطانه عبر الانتخابات التي لا يبدو أن أياً من معارضي المؤتمر الوطني استعد لها حقاً, الذين أضاعوا وقتاً ثميناً في التردد بين المقاطعة أو المشاركة حتى تبين لهم أن إجراء الانتخابات بات أمراً لا مفر منه، فضلاً عن أن القوى المعارضة فشلت في إنشاء تحالف موحد قوي بعد انفضاض تحالف جوبا الذي كان يبشّر بعد ذلك، بعد أن اتضح أن الحركة الشعبية استخدمت تلك الورقة للضغط على شريكها للحصول على أكبر قدر من المكاسب لتمرير القوانين وفق مطالبها في تلك الصفقة التي أنتجتها مساومات الشريكين.
    ولكن مع هذه الصورة التي تبدو مريحة للمؤتمر الوطني مع تشتت خصومه بين يدي الانتخابات الوشيكة، هل الوضع حقاً كذلك داخل الحزب الحاكم، وهل هو مستعد لاحتفال بنصر مبكر في الانتخابات؟. قد يبدو ظاهر الأمر كذلك، ولكن الحقيقة هي أن المؤتمر الوطني يواجه خلال الأيام والأسابيع والأشهر القليلة المقبلة واحدة من أصعب التحديات، والتي يصعب التكهن بمآلاتها،. والمفارقة أن المصاعب التي تواجه المؤتمر الوطني هذه المرة لا تأتيه من خصومه، بل تهب عليه من خويصة نفسه, أي من تلقاء داخله ولعلّه يجد نفسه في مواجهة أزمة لا تقل عن تلك التي أفضت به إلى الإنشقاق قبل عشرة أعوام في تلك المفاصلة الشهيرة. وهي تحديات تمتد من جدوى القيمة السياسية الفعلية للنصر الانتخابي الذي يرجوه إن تحقق له، إلى الآثار السلبية المحتملة لاحتدام التنافس بين رموزه التي أوقد أوارها السباق الانتخابي.
    ومن المعلوم أن المؤتمر الوطني خلافاً لموقف الحركة الشعبية تبنى بقوة إبان مفاوضات السلام إجراء انتخابات عند منتصف الفترة الانتقالية, بينما كانت تريد الحركة أن تستمر المعادلة التي أرستها اتفاقيات السلام لما بعد انقضاء الاستحقاق على تقرير المصير، وهدف المؤتمر الوطني من ذلك واضحاً فهو يريد من إجراء الانتخابات في هذا التوقيت تحديداً أن تكون طريقه الممهد للحصول على الجائزة الكبرى لإنجازه اتفاقية السلام، والاستمرار في السلطة ليس بتفويض شعبي صريح فحسب، ولكن للحصول على ما هو أهم من ذلك، انتزاع اعتراف دولي لا تحيط شكوك بمشروعية سلطته مما يؤهله لتطبيع علاقاته المتوترة مع المجتمع الدولي التي طبعت سني حكمه العشرين الماضية. وليفتح الطريق أمامه لدخول نادي الممجتمع الدولي بلا منغصات أو مكدرات. كما كان الأمل أن تكتب اتفاقية نيفاشا السطر الأخير في فصول حالة عدم الاستقرار التي تلازم البلاد، ليتنفس المؤتمر الوطني الصعداء ويمارس حكماً طبيعياً وينصرف لإدارة شؤون الدولة بعيداً عن طابع إدارة الأزمات المتلاحقة التي ظلت تلاحقه على مدى عقدين من الزمان.
    ولكن بحر السياسة الهائج, كما السفن التي لا تجري الرياح دائماً بما تشتهي, قلب الطاولة في مواجهة المؤتمر الوطني لتأتيه الانتخابات التى سعى لها في ظل ظروف ليست مواتية بالكامل, ولا تخدم الأغراض التي أصرّ من أجل تحقيقها على إجراء الانتخابات في هذا التوقيت بالذات. فما أن وضعت حرب الجنوب أوزارها حتى شبّ حريق دارفور, وهو حريق لم يقتصر على أرض الإقليم ولكن امتد لهيبه إلى الخرطوم, قلب السياسة السودانية, ومضى لتصل ألسنته إلى رمز الحكم والحزب الحاكم الرئيس عمر البشير بإجراءات المحكمة الجنائية الدولية, صحيح أن مسألة المحكمة الجنائية الدولية لم تحدث تأثيراً سلبياً مباشراً على المستوى الوطني, أو المستوى الإقليمي, ومن المؤكد أنها أنتجت حالة تأييد وتعاطف مع البشير على عكس ما كان متوقعاً, ولكن في الوقت نفسه خلفت للبلاد تأثيراً سلبياً بالغ الخطورة ومعقداً على المستوى الدولي, خاصة بالطبع في الدوائر الغربية التي تتحدى مشروعيته وتشكك فيها بوضوح مما تفصح عنه مواقف الولايات المتحدة وفرنسا.
    وكما هو معلوم فإن المؤتمر الوطني أعلن مبكراً منذ مؤتمره العام الثاني قبل ثلاثة أعوام أن المشير البشير هو مرشحه للرئاسة حتى قبل أن يكون موضوع الانتخابات مطروحاً في الساحة السياسية, في خطوة فُهمت حينها على أنها محاولة لقطع الطريق أمام أية محاولة لتحدي زعامة البشير داخل الحزب على خلفية الأحواء التي رافقت اتفاقية السلام السلام الشامل وما كان مفترضاً أنه بداية لتحولات سياسية كبرى, وجدد الحزب في مؤتمره العام الثالث في أكتوبر الماضي ترشيحه للمشير البشير ولكن هذه المرة في تحد واضح لإجراءات المحكمة الجنائية الدولية.
    وبالنظر إلى أن فرص البشير بالفوز بالانتخابات تبدو ذات حظوظ كبيرة خاصة في ظل فشل المعارضة حتى الآن, وقبل ثلاثة أشهر فقط من إجراء الانتخابات, في إرساء تحالف موحد قوي يتوافق على مرشح واحد قادر على أن يكون منافساً حقيقياً للبشير, ولجأت المعارضة إلى تكتيك يفترض حرمان البشير من الفوز من الجولة الأولى, ولتفرض جولة ثانية يكون فيها التحالف ممكناً خلف من يحرز أعلى الأصوات من بين صفوفها.
    بيد أن السؤال الذي ربما يربك حسابات المؤتمر الوطني لا يتعلق باحتمالات عدم فوز مرشحه, وهي على أية حال تبدو ضئيلة, ولكن يتعلق بالجدوى السياسية لأجندته المستقبلية بهذا الفوز المرتقب للبشير في السباق الرئاسي, صحيح أن المؤتمر الوطني سيحقق أهم مكسب يسعى له, وهو الاحتفاظ بالسلطة من أعلى قمة هرمها, ولكن تلك الاستمرارية ستعني بالضرورة وراثة التعقيدات الراهنة التي تحيط بالوضع السياسي في البلاد, ربما لن يجد المؤتمر الوطني صعوبة في إدارة سلطته على المستوى الداخلي, وحتى الاحتفاظ بعلاقاته الخارجية الإقليمية ومع بعض الدولة الصديقة, ولكنه من المؤكد سيكون عليه الاستمرار في مواجهة تحالف المجتمع الدولي المناوئ الذي تقوده الترويكا الأمريكية والفرنسية والبريطانيةز وصحيح أن المؤتمر الوطني نجح في التعامل مع هذا السياسات الغربية المعادية له على مدى العشرين عاماً الماضية, ولكن بكلفة عالية, وأحياناً بتنازلات باهظة الثمن, ولكن السؤال إلى متى سيكون المؤتمر الوطني قادراً على الاستمرار في هذه المواجهة إلى ما لا نهاية, وقد وهن عظمه, ولم تعد المعطيات التي مكنته من الثبات في المواجهات السابقة متوفرة, وقد جرت تحت الجسر مياه كثيرة. ولا أحد يستطيع أن يتكهن بما يمكن أن يؤدي إليه استمرار حالة العداء مع القوى الغربية, أو ما يمكن أن يصيب البلاد من جرائها.
    بالطبع يدرك صُناع القرار داخل المؤتمر الوطني الأوضاع المعقدة التي يجابه فيها الانتخابات وعواقب ذلك, وهو ما يدور الهمس بشأنه في كواليسه بين ناشطي الحزب, ولكن الإدراك بعواقب هذا التحدي لا يكفي وحدها لتجنب أسوأ احتمالاته, فالحزب يبدو بلا بدائل لمواجهة هذا الوضع المأزقي, وزعامة البشير التي تكرست بلا منازع خاصة على مدى السنوات العشر الماضية منذ الانشقاق الكبير، جعلت مجرد التفكير في بحث أمر خلافته شأناً غير مطروح. فضلاً عن أنه لا يبدو أن هناك من هو مستعد لتحدي هذه الزعامة المطلقة, حتى لو رغب البشير طوعاً أن يتخلى عن قيادته, ذلك أن زعامة البشير للحزب أصبحت واقعياً نتاج تحالف فريد من نوعه في الساحة السياسة السودانية, بين المؤسسة العسكرية وحزب مدني, والمفارقة هي أن انقلاب الانقاذ لأول عهده خلف وضعاً تقوده نخبة مدنية بغطاء عسكري, ولكن جاءت المفاصلة وانشقاق المدنيين لتقلب المعادلة وتسلم القيادة للمؤسسة العسكرية بغطاء مدني, وهو ما يجعل مهمة الحزب صعبة في إيجاد بديل من داخله يكون قادراً على نيل ثقة المؤسسة العسكرية ويملك في الوقت نفسه بعداً سياسياً مقبولاً شعبياً,
    والتحدي الآخر الذي يواجه المؤتمر الوطني في غضون الفترة القليلة المقبلة، قدرته على الاحتفاظ بوحدته في ظل التنافس المحتدم لنيل ترشيح الحزب في الانتخابات المقبلة في مستويات السباق الانتخابي المختلفة, فقد أفضت محاولة الحزب إلى إشراك مؤسسات الحزب الأدنى في عملية اختيار المرشحين, التي تحسم في نهاية الامر بقرار من قيادة الحزب المركزية ولا تستند بالضرورة على ما أفرزته تلك الانتخابات الداخلية الأولية, أفضت هذه المحاولة إلى الكشف عن وجه قبيح للممارسة السياسية داخل الحزب, فقد فاضت الصحف في الكشف عن التجاوزات التي حدثت في أغلب الولايات عند اختيار الولاة في هذه الكليات الانتخابية, وجرى حديث عن استخدام أموال, وعن تزوير, وعن استخدام بعض الولاة المرشحين سلطاتهم في لقمع خصومهم وإخراجهم من دائرة التنافس, وعن استدعاء العصبيات القبلية والعنصرية، وهلم جرا , وبدا لافتاً أن قيادة الحزب المركزية لم تكلف نفسها عبء نفي ما تناقلته الصحف, وهو أمر لا يكفي لأن بعض قادة الحزب المتنافسين في بعض الولايات لم يتورعوا عن اتهامهم منافسيهم باستخدام هذه الاساليب الفاسدة.
    ولعل ما أثارته الصحف هو ما حدث على مستوى الانتخابات التمهيدية الداخلية للولاة, ولكن الأمر نفسه ينطبق على مستويات الانتخابات الآخرى, وهو ما يشير إلى أن حمى الأساليب الفاسدة قد استشرت بين المتنافسين للحصول على ترشيح الحزب.
    وهذه مؤشرات بالغة الخطورة أشار إلى عواقبها على استحياء بعض قادة الحزب وأعربوا عن قلقهم لما يمكن أن تفرزه من عواقب سيئة, وأملوا أن ينجحوا في احتوائه ولكن في كل الأحوال فإنه بعيداً عن تأثير هذا الأمر على حسابات الحزب الداخلية، إلا أنه ألحق ضرراً بالغاً بسمعة الحزب الذي طالما تباهى بتقديمه نموذجاً مثالياً للممارسة الحزبية, وطالما دعا خصومه إلى ممارسة سياسية نزيهة, ولكن ما حدث يوفر ذخيرة ثمينة لخصوم المؤتمر الوطني الذين ظلوا يتهمونه بممارسة الاحتيال السياسي بحسبانه (سنة مستحبة), والسؤال الذي يطوف بذهن المراقب المحايد كيف يمكن أن يضمن الحزب الحاكم انتخابات حرة ونزيهة في البلاد إذا كان عاجزاً عن تحقيق النزاهة في انتخاباته التمهيدية الداخلية؟. والصمت على هذه الممارسات المشينة يمنح وجاهة لاتهامات هؤلاء الخصوم. فضلاً عن أنه يضع المشروعية الأخلاقية لشعارات الحزب على المحك.
    ولعل الحزب الحاكم يدفع الآن ثمناً غالياً للأسلوب الذي ظل يتبعه في تصنيع قيادات مفصلة على مقاس لعبة السلطة دون اعتبار لآليات تنافس حقيقي حر في اختيار القيادات, فما أن تراءت لحظة خلط أوراق السلطة والعودة إليها عبر بوابة الانتخابات حتى تحسس كل مقعده, لتفرز هذه الممارسات الفاسدة, فالهدف بات هو الحفاظ على مقعد السلطة أو الوصول إليه بأي ثمن, وولّى زمان شعار (هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه), وهو أمر طبيعي حين تفقد السلطة أي هدف موضوعي لها وتتحول من أداة تنفيذ برامج من أجل المصلحة العامة إلى مجرد وسيلة لتحقيق المصالح الذاتية والمآرب الشخصية.
    ولعل بوادر التفلت من الالتزام الحزبي على خلفية التنافس المحموم بين يدي الانتخابات التي باتت مؤشراتها واضحة سيجعل المؤتمر الوطني في انتظار أوقات صعبة، في ظل خيارات محدودة مع غلبة البواعث الشخصية فما يرضي هذا لن يقبل به ذاك، وهكذا تكر المسبحة، ويزيد الأمر تعقيداً أن الحزب مقبل على انتخابات دون أن يطرح برنامجاً انتخابياً قبل الدخول في معمعة الصراع لحجز مقاعد السلطة القادمة. حتى يكون اختيار المرشحين على أساس قدرتهم على تنفيذ التزامات البرنامج وليس من أجل الاحتفاظ بمواقع من هم من السلطة، أو الوصول إليها لمن ينافسونهم عليها.
    ويبقى أمراً آخر يواجه المؤتمر الوطني في مقبل أيامه فقد أسفرت الصراعات الأخيرة بين الشريكين، والمساومات التي جرت والصفقات التي عُقدت لتمرير القوانين عن تباين مكشوف في المواقف بين قيادات الصف الأول مما ينبئ بأن حمى التيارات المتصارعة دخلت أيضاً إلى حوش المؤتمر الوطني، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على كاهل الحزب المثقل أصلاً.
    وفي ظل هذه المعطيات فإن المؤتمر الوطني في حاجة حقيقية لإدارةحوار جريء وعميق داخله، ومعالجة مشاكله هذه قبل أن تستفحل، فحالة البلاد المضطربة لا تستحمل المزيد من القوى السياسية المنهكة, ويبقى السؤال من ينقذ المؤتمر الوطني من نفسه؟.


    الصحافة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

07-01-2010, 04:18 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    الخميس 7 يناير 2010م، 22 محرم 1431هـ العدد 5941


    مخاطر قانون استفتاء أبيي

    د. الطيب زين العابدين

    انهارت مقاومة المؤتمر الوطني أمام ضغط الحركة الشعبية بعد تنظيم الحركة لمظاهرة السابع من ديسمبر بالتعاون مع أحزاب المعارضة الشمالية، فوافق على عجل بإجازة قوانين استفتاء شعب جنوب السودان لتقرير المصير، واستفتاء سكان منطقة أبيي والمشورة الشعبية لولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وكان المؤتمر يناقش مع الحركة تلك القوانين من خلال لجنة مشتركة لشهور عديدة زادت عن السنة دون أن يتوصلا إلى وفاق، فقد أراد المؤتمر أن يجعل انفصال الجنوب أمراً عصياً بجعل نسب تسجيل الناخبين للاستفتاء والتصويت لإجازة الانفصال عالية في حدود الـ 75%، وذلك حتى لا يتهم فيما بعد بأنه تسبب في انشطار البلاد بعد أن كانت موحدة منذ الاستقلال إلى عهده الميمون. وصمد المؤتمر على موقفه «الوطني» في اللقاءات العديدة التي عقدها مع الحركة بحضور المبعوث الرئاسي الأمريكي (اسكوت غرايشن) في كل من واشنطن والخرطوم وجوبا، ولكن مقاومته انهارت بعد مظاهرة السابع من سبتمبر، فقبل بأن يمرر القوانين الثلاثة كما أرادتها الحركة الشعبية وبنفس الشخصيات التي كانت تتمنع على الحركة من داخل اللجنة المشتركة! وارتضى المؤتمر أن يتنازل عن الاتفاق الأول الذي أبرمه الأستاذ علي عثمان مع الدكتور رياك مشار بخصوص نسب التسجيل واعتماد الانفصال ونقضته الحركة في اجتماع مكتبها السياسي، بل وأرغم المؤتمر كتلته البرلمانية التي سعت لتعديل القانون، حتى لا يميز بين الجنوبي المقيم في الشمال لسنوات طويلة والجنوبي الذي يسكن في الجنوب أو جاء حديثاً للشمال، وحتى يتم نقاش القضايا الموضوعية لما بعد الانفصال المذكورة في القانون قبل أن يحين موعد الاستفتاء، أرغمها على إعادة النظر في قانون استفتاء شعب الجنوب وإجازته كما اتفق عليه أولاً بتعديل طفيف. ولا بد أن لقيادة المؤتمر الوطني المتنفذة أسبابها السياسية التي دفعتها لهذا التغيير المفاجئ في المواقف إلى درجة المشاكسة مع كتلتها البرلمانية، قد يكون منها خوفها الشديد من نزول الجماهير للشارع تعترض على بعض سياساتها الحمقاء، وأنها تريد أن تجتذب الحركة الشعبية من أحضان أحزاب المعارضة حتى لا تتحالف معهم في الانتخابات القادمة.
    وقد لا يعني عدم تصويت الجنوبيين الذين جاءوا إلى الشمال قبل يناير 1956م (تم استثناء من جاء بعد ذلك التاريخ بأن يصوت في الشمال)، في أماكن إقامتهم بالشمال الكثير؛ لأن أعدادهم قليلة ولأنهم أصبحوا بالفعل من سكان الشمال الذين سيختارون البقاء فيه بصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء. أما التنازل عن مناقشة القضايا الموضوعية (مثل الحدود ومياه النيل والبترول والجنسية والقوات المدمجة والخدمة المدنية) قبل الاستفتاء فيحمل جرثومة الاحتكاك والنزاع بين دولتين منفصلتين، أو كما قال د. غازي روشتة حرب جاهزة، وستكون الحركة عندها في موقف تملي فيه إرادتها على حكومة الشمال المعزولة دولياً وإقليمياً والمهمومة باحتمالات الانفلات الأمني في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ومنطقة أبيي. ونفصل في بقية هذا المقال القول عن مخاطر قانون استفتاء أبيي المجاز، والذي نحسب أن تطبيقه سيقود إلى نذر حرب جديدة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولن ينفع الحكومة تراخيها في القضية لأن المتضررين من أبناء المنطقة (المسيرية) سيقفون بصلابة ضد من ينتزع حقوقهم في العيش بأرضهم مهما بلغت عدته وعتاده وتأييده الدولي، وستجد الحكومة نفسها مضطرة لأن تسجل موقفاً يحفظ ماء وجهها مع أهل الحق الذي يحرسونه بأرواحهم مثل ما فعلت سابقاً عندما صدر قرار لجنة الخبراء حول حدود منطقة ابيي.
    يتمثل الإشكال في قانون استفتاء أبيي حول أهلية الناخب الذي يشارك في الاستفتاء، والأهم من ذلك هو قبول الطرف الذي يخسر الاستفتاء بنتيجته. تقول المادة (6-1) من بروتوكول حسم نزاع أبيي: «سكان منطقة أبيي هم: أعضاء مجتمع دينكا نقوك والسودانيون الآخرون المقيمون في المنطقة.» هذا النص مع أنه لم يذكر «المسيرية»بالاسم كما ذكر دينكا نقوك، إلا أنه اشترط الإقامة في المنطقة بالنسبة للطرفين، ورغم أن المادة المذكورة وردت مرجعية لقانون الاستفتاء إلا أنها ذكرت بصيغة مختلفة وكأنها تعفي دينكا نقوك من شرط الإقامة في المنطقة وهي: «يشترط في الناخب أن يكون من سكان منطقة أبيي حسب المادة (6-1) من بروتوكول حسم نزاع أبيي وهم: 1. أعضاء مجتمع دينكا نقوك. 2، السودانيون الآخرون المقيمون في منطقة أبيي حسب معايير الإقامة التي تحددها المفوضية». وقد رفض الدكتور رياك مشار تعديل هذه الصيغة لتكون مثل ما وردت في البروتوكول وجاء خصيصاً إلى المجلس الوطني ليسجل رفضه أمام اثنين من قيادي المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في مكتب رئيس البرلمان؛ مما يعني أن موقف الحركة الشعبية سيكون هو السماح لكل دينكا نقوك أينما كانت إقامتهم بالتصويت في الاستفتاء، وبالطبع ستتولى الحركة نقلهم واستضافتهم بالمنطقة عند التسجيل والتصويت! وقد جرت العادة في تكوين المفوضيات السابقة أن ترشح الحركة نصف الأعضاء ويرشح المؤتمر النصف الآخر، ثم الاتفاق بين الطرفين على رئيس محايد أو شبه محايد. ويعني ذلك أن الترجيح سيكون بيد شخص واحد ليقرر مصير قبيلة يعد أفرادها بمئات الآلاف وسكنوا تلك المنطقة لمئات السنين. ما لكم كيف تحكمون! نفس الغباء السياسي الذي حدث في اتفاقية السلام حول قضايا الترتيبات الأمنية التي أسست لثلاثة جيوش متوازية في بلد واحد وإعطاء حق ال?يتو لفريق الخبراء الأجانب لترسيم حدود أبيي يتكررمرة أخرى في مفوضية استفتاء أبيي بإعطائها حق تحديد معايير الإقامة لفئة واحدة من السكان تخلت عنها حكومتها التي تدعي التحدث باسم كل الشمال دون الفئة المحظية بالسند الدولي وبحكومة الجنوب. ومن المنطقي أن تسعى الحركة الشعبية لزيادة من سيصوتون في الاستفتاء لمصلحة انضمام منطقة أبيي إلى الجنوب، ولا يمكن أن يتم ذلك في حالة حصر التصويت على الدينكا والمسيرية المقيمين في المنطقة؛ لأن أعداد المسيرية هي أكثر من ضعف عدد الدينكا. لقد تسجل من المسيرية في منطقة أبيي للانتخابات القادمة حوالي 67 ألف ناخب، واستحقوا بذلك دائرة انتخابية مستقلة (الدائرة رقم 32 شمال أبيي)، في حين لم يتجاوز عدد المسجلين من الدينكا 27 ألف ناخب لذلك أضافتهم مفوضية الانتخابات إلى دائرة قوقريال في بحر الغزال، وهذا تسجيل المنطقة التي حددتها محكمة لاهاي الدولية. وقد صرح بعض قادة المسيرية بأنهم إن لم يمكنوا من التصويت في الاستفتاء على قدم المساواة مع الدينكا فلن يسمحوا بإجراء الاستفتاء ولا بترسيم الحدود. فماذا ستقول لهم حكومة المؤتمر الوطني التي تعرف جيداً منطق القوة وتتعامل به كلما سنحت لها الفرصة؟
    والسؤال المهم هو: هل ستقبل الحركة الشعبية لو جاءت نتيجة الاستفتاء بضم منطقة أبيي إلى جنوب كردفان؟ لا أظن ذلك! وهل سيقبل المسيرية بنتيجة الاستفتاء إذا تم بصورة غير منصفة لهم وضم منطقتهم إلى بحر الغزال؟ لا أظن ذلك! لا أذكر حكومة المؤتمر الوطني كطرف في المعادلة لأن همها الوحيد هو بقاؤها غير المحدود في السلطة، ولا بأس لديها في سبيل ذلك من التضحية بقطعة أرض في الشمال (حلايب) أو الجنوب (أبيي) أو الشرق (الفشقة)، وبقبيلة واحدة أو اثنتين أو أكثر! وهذا الوضع هو أيضاً روشتة حرب جاهزة كما يقول غازي بعد ظهور نتيجة الاستفتاء، إن حدث الاستفتاء! فما هو المخرج إذن؟ لا ينبغي لأهل السودان الطيبين أن تنتهي بلادهم بعد ستة عقود من الاستقلال إلى انفصال وتمزق وحرب بسبب سياسة شمولية تتسم بقصر النظر والانتهازية وحب السلطة. المخرج في تقديري هو اقتسام الأرض بتراضٍ سياسي تام بين المجموعتين القبليتين اللتين تقطنان المنطقة منذ أكثر من مئة سنة، تتواجد المسيرية بكثافة شمال نهر الرقبة الزرقاء ويتواجد الدينكا بكثافة جنوب نهر الرقبة الزرقاء، فمناطق السكنى للطرفين معروفة ومحددة. ولا ينبغي أن تتدخل الحكومتان في مفاوضات القسمة ولكن لا بأس عليهما من تحفيز الطرفين بحوافز مادية وعمرانية وتنموية حتى يتوصلا إلى قسمة مرضية تحقق السلام والأمن والتعايش السلمي بين القبيلتين اللتين لهما تاريخ ناصع من التعايش بفضل قيادات حكيمة سلفت. ورغم صعوبة الاتفاق بعد أن تسيست القضية وقطعت كل هذا الشوط في المماحكات والتحكيم، إلا أن التراضي على القسمة بين القبيلتين أخف وطأة من ويلات الحرب وتكلفتها إن بقي لنا بعض من أهل العقل والحكمة!

    الصحافة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

07-01-2010, 09:37 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    قراءة في أزمة وطن مزمنة ..السودان....إلى أين المصير ؟ ..
    بقلم: د. منصور خالد
    الثلاثاء, 05 يناير 2010 09:19
    الخطيئة الأولى





    في السابع والعشرين من أكتوبر 2008 كُلفت، من بين آخرين، بالإسهام بورقة عن الاستفتاء حول تقرير مصير شعب جنوب السودان، الذي نصت عليه اتفاقية السلام الشامل (وقعت عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان مع حكومة السودان في التاسع من يناير 2005).

    وكانت المحاضرة هي الثانية في برنامج المحاضرات الحولية التي ينظمها ويرعاها مكتب رئيس حكومة جنوب السودان حول القضايا العامة التي يهتم بها، بوجه خاص، أهل الجنوب، ويُدعى للمشاركة فيها الوزراء والبرلمانيون وكبار الموظفين إلى جانب الدبلوماسيين المقيمين بجوبا وأجهزة الإعلام. موضوع المحاضرة كان هو ممارسة حق تقرير المصير حسب السوابق التاريخية، والتجارب المعاصرة للأمم. أما الموضوع المحدد الذي طُلب مني تناوله فهو «الاستفتاء: الخيارات المطروحة، التجارب الدولية، والتحديات المتوقعة». لاستيفاء الموضوع حقه من البحث، وإلقاء إضاءات كاشفة على الجوانب الخافية أو المسكوت عنها، تناولت في المحاضرة موضوعات ثلاثة: الأول ممارسة حق تقرير المصير عبر الاستفتاء في تجارب الأمم. الثاني: جذور الدعوة لتقرير المصير في السياسة السودانية. والثالث: ممارسة ذلك الحق في إطار اتفاقية السلام الشامل (2005) والتداعيات المرتقبة لنتائجه، أياً كان خيار شعب الجنوب.

    -----

    منذ ذلك التاريخ انساب ماء غزير تحت الجسر، مما اقتضى بضع إضافات للنص حتى يصبح أكثر راهنية. كما أصبح موضوع الاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان طبقاً رئيساً في موائد التحليل عبر الصحافة ومن فوق المنابر. وبما أن التحليل، بما في ذلك تحليل الدم، صناعة مفهومية تهدف إلى إرجاع الشيء إلى عناصره الأولية للكشف عن خباياه، يصبح من الضروري البحث والتقصي في المصادر الأولية للبحث ثم التفطن فيها قبل الاندفاع إلى إصدار الأحكام. راعينا فيما كتب مؤخراً حول استفتاء جنوب السودان، خاصة في الصحف السودانية، حجم الافتراضات التي لا ترتكز على قدم وساق، والأحكام التي لا يتبعها دليل يُركَن عليه، بل التلبيس في استعراض الوقائع من جانب كتبة ومخبرين لا يحترمون عقول قرائهم، ولا يملكون الحد الأدنى من الرحمة بهم.

    لهذا استصوبنا أن نُجلي في هذه المقالات بعض الحقائق التي تعين القارئ على بناء حكمه في هذه القضية المصيرية: قضية استفتاء جنوب السودان حول خياري الوحدة أو الانفصال، على الحقائق المجردة بدلاً من الحدس والتخمين، أو إلقاء الكلام على عواهنه. فمن الخير للناس، كما قال الفيلسوف الألماني غوته «أن يفهموا القليل من أن يسيئوا فهم الكثير».

    على جانب آخر، نشرنا في عام 2005 عقب التوقيع على اتفاقية السلام الشامل سلسلة مقالات في جريدة «الرأي العام السودانية»: اتفاقيات السلام.. البدايات والمآلات لم نذهب فيها للتفاؤل المطلق، رغم أن عوامل التفاؤل كانت كثيرة. كما لم نتعجل الحكم، فرب عجلة تَهبُ ريثا.

    وفي مطلع 2007، أي بعد عامين من التجربة، تابعنا تلك المقالات بأخريات في نفس الصحيفة تحت عنوان: عامان من السلام.. حسابات الربح والخسارة. أشاءنا إلى كتابة تلك المقالات الرغبة في تقويم تطبيق الاتفاقية تقويماً نُبين فيه الإنجاز والإخفاق، وننبه إلى المآلات السيئة التي سيقود إليها ذلك الإخفاق في التنفيذ.

    نشرنا أيضاً في عام 2009 سلسلة من المقالات في جريدة «الأخبار» السودانية تناولنا فيها التغيير السياسي الذي أحدثته الانقلابات العسكرية والانتفاضات الشعبية في السودان، إن كان هناك ثمة تغيير، وبين ذلك الذي نجم عن اتفاقية السلام الشامل.

    في كل تلك المقالات لم نكن نجتلي الأحداث في أعماق كرة بلورية، بل نتابع فصلاً اتفاقية السلام التي ما تركت موضوعاً أقرته إلا وألحقته بجداول للتنفيذ حَدَدت فيها مواقيته، ومصادر تمويله، واسم الجهة المنفذة، ربما بدرجة تبعث على الضجر والملالة.

    لا شك في أن كثيرين قرأوا تلك المقالات، ولا شك ايضاً أن كثراً آخرين صرفهم عن القراءة طول المقالات، أو ألهاهم عنها أنهم لا يحبون القراءة أصلاً. مع ذلك، فإن قسماً غير صغير من أولئك هم من الكتبة الراتبين الذين يصدرون الأحكام على كل شيء، بدءًا من اتفاقية السلام السودانية وانتهاءً بثقب الأوزون والتغيير المناخي، ولله في خلقه شؤون.

    فمن خَلقِه حَدْسية يوقنون في داخل أنفسهم أن الطريق إلى المعرفة هو الحَدْس. لهذا، إن عدنا إلى التنبيه أو الإشارة لتلك المقالات فلا نفعل أكثر من ترداد ما قلناه أمس بمنعرج اللوى، وفي ذلك .

    ما تُرانا نقول إلا قديماً

    أو مُعاداً من قولنا مكرورا

    مكعبات الدومينو

    وفي اللحظة التي قاربنا فيها النهاية من تسطير هذه المقالات وقعت أحداث السابع من ديسمبر التي كان لها دوي وجلجلة. تلك الأحداث زادت من يقيننا بصحة تحليلاتنا للمفارقات الكبرى بين ما قالت به اتفاقية السلام ونص عليه الدستور وبين الممارسات العملية في الحكم والسياسة التي لا تؤدي إلا لنتيجة واحدة: تمزيق السودان وتكريس الحكم فيه، لا بيد حزب واحد، بل في يد أوليغاركية لا تعنيها في كثير أو قليل النهايات المأساوية التي قد تقود لها تلك الممارسات.

    بجانب ذلك، أدخل في قلوبنا الروع والإسراف في التلويح باستخدام القوة لقهر الآخر، خاصة إن كان ذلك التلويح موجهاً لمواطن يسعى للتعبير عن مطامحه وأشواقه السياسية، لا نحو جماعة خارجة أو خارجية تعمل على بث الفتنة بين الناس. مبعث الروع هو إيحاء المُرِوعين أن لا غضاضة عليهم، في سبيل البقاء في الحكم، أن يطحنوا النساء ويسحقوا الرجال دون وعي منهم أنه عندما يموت الإنسان، حسياً أو معنوياً، يموت المكان.

    فما هي مصلحة أي حاكم وطني في ان ينتهي وطنه إلى حالة تتيتم فيها المباني، وتتجعد الأرواح، ويقيظ البشر فيها في حَرور دائم. إن السلطة العامة التي لا تسعى لتحقيق مصلحة الكافة بما يرضيهم، تصبح تسلطاً عاما. وفي قول عمر رضي الله عنه: «ولانا الله على الأمة لنسد لهم جوعتهم ونوفر لهم حاجتهم فإن عجزنا عن ذلك اعتزلناهم». إغفال هذه القيم المعيارية للحكم التي أرساها الإسلام لا يكفر عنه التذلل اللفظي أو الرمزي لله لأن مثل ذلك التذلل يستر واقعاً متصدعاً داخل النفوس.

    على أي، الدافع الأهم لكتابة هذه المقالات هو أن السودان يمر اليوم بمرحلة خطيرة من تاريخه لا نغالي إن أسميناها مرحلة انهيار مكعبات الدومينو، فالدومينو لا يتماسك إلا بتساند مكعباته على بعضها البعض. هذا الانهيار إن وقع لن يكون بسبب كارثة طبيعية، وإنما بصنع بشر، «قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم». هذا الانهيار، إن جاء، فسيجييء في ظرف أخذ فيه السودان يترقب، كما أخذ اصحابه الكثر عبر العالم، يتمنون له، بعد اتفاقية السلام، نهاراً مشرقاً بعد طول ظلام.

    لقد ظلت قضية السودان: وحدته واستقراره والترقي بأهله هي همنا الأول في منابر الرأي وساحات السياسة، دون أن يلهنا ذلك عن هموم أخرى. فإلى جانب السياسة يقوى عزمنا ويشتد على الانصراف إلى ما يُثري الوجدان، أو يؤنس النفس، أو يُغذي الفكر، أو يُوفر للمرء رزقاً حلالاً. السياسة هي مهنة من لا مهنة له، وزينة من لم يحابه الله بزينة أخرى يتحفل بها.

    لهذا، لن يُروِّعنا عن قول الحق علوا او رفعة في موقع عام، لأن أعلى موقع نَعض عليه بالنواجذ هو احترام النفس فوق الزمان والمكان، ولا يكون ذلك إلا بالتصالح مع النفس والصدق معها. وعلنا نستعيد ما سطرناه من قبل (الرأي العام 7 أبريل 2009) بأنه «لو كان صواب الناس أو خطؤهم على قدر الرغبة أو الرهبة فليس لنا ما نرغب فيه أو نرهبه، فحمداً لله أن أمانينا لم تنكمش في اماني بعض اهل السياسة الذين لا حياة لهم وراءها».

    لكل ذلك، سنحرص في هذه المقالات على الوضوح في التحليل لمواقف طرفي الاتفاقية، ونحن طرف منها، حتى لا نقع في ظِنة المداراة. وكما قلنا في مقالٍ غَيرْ إن المنطقة المحررة الوحيدة التي نملك السيطرة عليها هي العقل، لهذا ما برحنا نقول مع شيخ المعرة

    يرتجى الناسُ أن يقوَم أمامٌ

    صائحٌ في الكتائب الخرساء

    كَذِّبِ الظَنَ لا إمامَ سوى العقل

    مشيراً في صُبحِه والمساء

    بهذه الروح نقتحم أحراش السياسة السودانية.

    دون الإلمام بالظروف التي نشأت فيها، ثم تطورت، فكرة ممارسة شعب جنوب السودان لحق تقرير المصير قد يَعسُر على المرء إدراك العوامل التي قادت للنص على ممارسة ذلك الحق في اتفاقية السلام الشامل، ودستور السودان الانتقالي لعام 2005م على الوجه الذي جاء في الوثيقتين. لهذا، ندعو القارئ لصحبتنا في رحلة غير قصيرة عبر تاريخ السياسة السودانية منذ إعلان استقلال السودان، ذلك التاريخ الذي ظل يتلوى على غير وِجهة.

    رغم تلويه، لا ننظر للماضي بغضب. فالمراقب الموضوعي للأحداث لا يتعبد في الماضي ولا يحقد على التاريخ بل يراجعهما مراجعة تستعرض حساب الربح والخسارة ثم يتمعن ملياً في الحاضر ويستقرئ النذر التي تلوح في الأفق.

    التاريخ الذي نستذكر لا يجهله الكثيرون إلا أن التذكير به ضروري لأسباب عدة. من الأسباب أن كثيراً منا لا يستعيد ذلك التاريخ من حافظته الا بِولَهٍ نوستالجي، رغم أن إدمان النوستالجيا في قراءة التاريخ قد يُغري الناس بما فيه هلاكهم، لا سيما والتاريخ لا يخضع أبداً لرغائب البشر. منها أيضاً أن عدداً ليس بالقليل يقرأ التاريخ قراءة مختزلة أو اصطفائية تشوه الأحداث.

    التاريخ هو جملة الأحداث والأحوال التي يمر بها الكائن الطبيعي أو المعنوي، ولهذا لن تتأتى دراسة تلك الأحداث دون تثبت من وقائعها ومقاربة ومضاهاة بين الحدث والآخر. يقول ابن خلدون في المقدمة إن دراسة التاريخ تقتضي «حُسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط لأن الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرد النقل، ولم تُحَكَّم فيها اصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن من العثور ومَزَلة القدَم والحَيد عن جادة الصدق».

    الأحداث والأحوال هي لُحمة التاريخ وسداه، وليست هناك لحمة بدون سدى. هي أيضاً مُدرَكاتٌ تترابطُ وتقترنُ مع بعضها البعض، لهذا فإن تَبعيضَها، أي تجزئتها، لا يُعين على الفهم السديد لحقائق التاريخ. إضافة إلى ذلك فإن التبعيض يحول دون إدراك التفاعل الجدلي بين الأحداث والظواهر إذ كثيراً ما ينشأ سوء الفهم للأمور من عدم القدرة على الربط بين الأحداث، أو تجاهل الوُصلة بين العلة والمعلول، وهذا ما يسميه ابن خلدون «تطبيق الأحوال على الوقائع».

    لأغراض دراستنا هذه نتناول، قبل أن نجيء على اتفاقية السلام الشامل، مرحلتين من مراحل تاريخ السودان: الأولى هي الفترة التي بدأت عشية الاستقلال وحتى نهاية حكم الرئيس نميري، أي بداية ثمانينات القرن الماضي؛ والثانية هي تلك التي امتدت من سقوط ذلك الحكم إلى توقيع اتفاقية السلام الشامل.



    الفيدرالية وحق تقرير المصير

    في عشية الاستقلال أعلن جنوب السودان بلغة لا مواربة فيها، عبر ممثليه في البرلمان، استعداده ورغبته في إقرار وحدة السودان شريطة أخذ تطلعات الجنوبيين في الاعتبار. عبر عنهم بنجامين لوكي عضو البرلمان عن دائرة «ياي» في جنوب الاستوائية عندما طالب في 12 ديسمبر 1955 بتكوين مؤتمر من كل الأحزاب للاتفاق على «أن يتضمن إعلان الاستقلال بياناً يُعلَنُ فيه عن قيام دولة فيدرالية تضم الجنوب والشمال في إطار سودان موحد».

    ذلك الاقتراح رفضته أحزاب الحكومة والمعارضة على السواء، ولكن رغبة منها في إعلان الاستقلال في البرلمان في أول يناير 1956م، وافقت تلك الأحزاب على إضافة فقرة في إعلان الاستقلال تتعهد فيها بأن مطلب الجنوب بالحكم الفيدرالي «سيؤخذ بعين الاعتبار» في دستور السودان الجديد عند صياغته. ولئن كان رفض الأحزاب الشمالية لمطلب الجنوب بالفيدرالية أمراً يفتقد أي مبرر معقول، فإن قبول نواب الجنوب لذلك الوعد الغامض موقف يُحسب لهم إذ أن الذي دفعهم إليه هو الحرص على إعلان الاستقلال في اليوم المعين. ?

    ماذا كان مصير ذلك الوعد الغامض؟ ما أن ناقشت الاقتراح اللجنةُ التي توفرت على صياغة الدستور حتى رفضته باستهانة بالغة. أعلنت اللجنة أنها، بعد إعطاء الاقتراح ما يستحق من عناية، «وجدت أن أضرار الفيدرالية تفوق مزاياها». ولا شك لدينا في أن الميزان الذي رَجَح مضار الفيدرالية على مزاياها ميزان باخس، إذ لم يولِ اي اعتبار لمخاوف وقلق الذين طالبوا بالفيدرالية ابتداءً.

    الرد على ذلك التقدير الذي اجتزف على غير روية جاء على لسان واحد من الأعضاء الجنوبيين الثلاثة في لجنة الدستور (ساتيرنينو أوهورو نائب توريت). قال النائب لزملائه في اللجنة: إن «الجنوب لا يُضمر أية نوايا سيئة للشمال.

    وأنه، بكل بساطة، لا يرغب في شيء غير تصريف أموره المحلية في إطار سودان موحد». أضاف النائب أن «الجنوب لا يريد الانفصال عن الشمال، وإن كان ذلك هو مبتغاه فلن تستطيع أية قوة في الأرض الحيلولة دون ذلك». ثم مضى ساتيرنينو للقول: «إن الجنوب يطالب بالارتباط فيدراليا بالشمال، باعتبار أن ذلك حق أصيل يملكه بموجب مبادئ حق تقرير المصير».

    تلك كانت هي المرة الثانية التي يتحدث فيها سياسي جنوبي بارز عن حق تقرير المصير في خطاب سياسي عام. المرة الأولى كانت في رسالة بعث بها بنجامين لوكي بوصفه رئيساً للمؤتمر الجنوبي في 16 نوفمبر 1954م، أي قبل ما يزيد قليلاً على العام من إعلان الاستقلال، إلى الحاكم العام البريطاني ووزيري الخارجية المصري والبريطاني. قال لوكي في تلك الرسالة: «إذ تعذرت الفيدرالية فلا مناص من أن ينفصل الجنوب عن الشمال بالطريقة التي انفصلت بها باكستان عن الهند» (كتاب الشرق الأوسط في ثورة بقلم السفير البريطاني في القاهرة، السير همفري تريفيليان).



    حكمة عبد الحمن المهدي

    ذلك الحديث المنذر، وتلك الرسالة المتوعدة، لم تتوقف النخبة السياسية في الخرطوم عند رفض المطلب الجنوبي البسيط: الفيدرالية، وإنما ذهبت في جرأة بالغة إلى التضييق على السياسيين الجنوبيين الذين يدعون للفيدرالية. مثال ذلك تقديم عضو مجلس الشيوخ، ستانسلاوس بياساما للمحاكمة بعد إعفائه من الوزارة وتجريده من الحصانة البرلمانية.

    ومما يدعو للأسى أن ستانسلاوس هذا كان من أكثر الساسة الجنوبيين حرصاً على وحدة السودان على أساس الحكم الفيدرالي، بل كان من أكثرهم إلماماً بثقافته. ولد ستانسلاوس في دارفور وحفظ القرآن عن واحد من شيوخها ثم ارتحل إلى بحر الغزال حيث تنصر على يد قس قبطي يدعى بطرس غالي، ولا نحسب أن للرجل صلة ببطرس غالي باشا. ومع تنصره ظل ستانسلاوس يستشهد في الكثير من مداخلاته البرلمانية بالقرآن الكريم. واظب ستانس (كما كان يسميه أصدقاؤه تصغيراً أو ترخيماً لا أدري) على الدعوة للفيدرالية منذ ابريل 1955 عندما أعلن عن قيام حزبه: حزب الأحرار.

    ولتأكيد حرصه على الوحدة، يروي ستانسلاوس في مذكراته التي نشرت في عام 1990 قصة لجوئه إلى الإمام عبد الرحمن المهدي، أحد الراعين للحكومة القومية، ليستنجد به. استدعى الإمام ثلاثة من أهل الحل والعقد في تلك الحكومة للحوار مع السياسي الجنوبي: الصديق المهدي رئيس حزب الأمة، وإسماعيل الأزهري رئيس الحكومة القومية، وعبد الله خليل الأمين العام لحزب الأمة ووزير الدفاع في تلك الحكومة وقال لثلاثتهم، حسب رواية ستانسلاوس: «لقد عجز الأتراك عن هزيمة الجنوبيين، ولم يستطع والدي المهدي السيطرة عليهم.

    كما لم يتمكن الإنجليز من دحرهم إلا بصعوبة. هؤلاء الجنوبيون، كما أبلغني بياساما، يريدون أن يحكموا بلدهم بالطريقة التي تُطمئنهم في إطار السودان الموحد. اذهبوا وأعطوهم ما يريدون».

    هذا ما لم يحدث. ومن ذلك التاريخ، أخذت حكومة الخرطوم «القومية» تعامل كل جنوبي يدعو للفيدرالية وكأنه شوكة في الخاصرة. قُدم ستانسلاوس للمحاكمة بتهمة الدعوة للفيدرالية وكأن تلك الدعوة قد أصبحت جريمة. أما ساتيرنينو فلم يتعرض لمحاكمة وإنما ترك أمر محاكمته وعقوبته للأجهزة الأمنية التي اغتالته في الحدود اليوغندية.

    في ذات الوقت، اندفع بعض السياسيين، كما اندفع ذوو التأثير على الرأي العام في صحف الخرطوم، إلى حملة عنيفة ضد الفيدرالية تشي بغير قليل من سوء الفهم لها أو، على الأقل، وهم مريب حولها.

    فمن بعض دعاواهم، مثلاً، أن الفيدرالية «استراتيجية استعمارية» تهدف إلى تقطيع أوصال السودان جاء بها المستر لوس، مستشار الحاكم العام. ومن المدهش أن الحزب الشيوعي السوداني (الجبهة المعادية للاستعمار) الذي كان الأكثر تقدماً من بين الأحزاب البرلمانية المعارضة في نظرته للمشكل الجنوبي ودعوته لحكم ذاتي للجنوب انضم إلى معارضي الفيدرالية، ربما لظنه أنها فكرة أراد بها الاستعمار زرع جيب له في جنوب البلاد.

    فشل هذه الطبقة السياسية، ومن والاها من المعلقين الصحافيين، في ان تعي أن الفيدرالية لم تكن، عبر الانقسام الايديولوجى في العالم، عائقا لوحدة الدول الاتحادية، وإنما كانت اللحُمة التي حافظت على تماسك تلك الدول، أمر يدعو للأسف. يخيل لنا أن ذلك الجيل من رجالات السياسة والصحافة كان يتظنى أن السودان نسيج وحده، لا يسري عليه ما يسرى على الدول الأخرى، أو بلسان سوداني فصيح هو «فريد عصره ما مثله شيء».



    لينين: حق تقرير المصير مثل حق الطلاق

    نعم، الفيدرالية عبر العالم هي التي أدامت وحدة الولايات المتحدة، كندا، البرازيل، الهند، المانيا الغربية آنذاك، ونظريا الاتحاد السوفيتي. ودعنا نقف عند حالة الاتحاد السوفييتي لأنها كانت حالة فريدة. فعند وضع دستور 1924 أصر لينين على منح حق تقرير المصير، بما في ذلك حق الانفصال، لكل دول الاتحاد.

    قال لينين للذين عارضوا اقتراحه في لجنة صياغة الدستور: «الامتناع عن دعم حق تقرير المصير لشعوب الإتحاد، حتى وإن أفضى إلى الانفصال، ينم عن سذاجة ونفاق، تماماً كنفاق الذين يعارضون حق المرأة في الطلاق لأنه يؤدي إلى تدمير الأسرة». ممارسة ذلك الحق، رغم موقف لينين الحاسم، ظلت أمراً نظرياً بعد رحيله، وإن بقي النص في الدستور.

    وكان لخليفة لينين (جوزيف ستالين) أسلوب آخر في التعامل مع الحقوق الدستورية للأفراد، ناهيك عن حقوق الأقوام والجماعات. فمع إبقاء ستالين على ذلك النص في دستور 1936م (والذي يطلق عليه المؤرخون اسم دستور ستالين) أمعن السياسي الجورجي الأصل في روسنة، لا جرجنة، كل ولايات الاتحاد بهدف القضاء على خصوصياتها الثقافية.

    أما مع الافراد فلم يطق حتى الخلاف مع رفاقه إذ أعدم ثلاثة ممن شاركوا في وضع ذلك الدستور: نيكولاي بوخارين، كارل راديك، ياكوف ياكوفليف. وكان لواحد منهم (بوخارين) الفضل الأكبر في وضع دستور 1936م. ورغم كل التقلبات التي طرأت على الاتحاد أبقى برزنيف في دستور 1977، (الذي يعرف بدستور برزنيف) على النص الذي يمنح دول الاتحاد حق الانفصال (المادة 72). ومن طرائف الأمور ان ذلك النص لم يُفَعَّل إلا عند انهيار الاتحاد السوفييتي.

    إذن، من البرازيل جنوباً وأستراليا في الجنوب الشرقي إلى ألمانيا الغربية شمالاً مروراً بالهند، ومن كندا والولايات المتحدة غرباً إلى الاتحاد السوفيتي شرقاً، لم تكن الفيدرالية، عملياً أو نظرياً، أداة لتمزيق الشعوب بل وسيلة للحفاظ على وحدتها في ظل احترام التنوع.

    ومما تجدر الإشارة إليه أن جواهر لال نهرو اعتمد عند وضع دستور الهند، من بين ما اعتمد عليه من مراجع، على الدستور السوفيتي لإنشاء النظام الاتحادي في الحكم، وعلى الدستور الأميركي فيما يتعلق بسيادة حكم القانون (وثيقة الحقوق التي ضُمنت في التعديلات الدستورية) والمحكمة العليا.

    فأية تجربة تلك، إذن، التي استهدى بها من ذهبوا للزعم بأن مضار الفيدرالية تفوق مزاياها، خاصة في بلد هو أكبر مستودع للتنوع الاثني والثقافي والديني في أفريقيا؟ لهذا حق لنا القول ان قرار رفض الحكم الفيدرالي للجنوب، لم يكن قراراً سياسياً خاطئاً فحسب، بل كان هو الخطيئة الأولى (ُْيهيَفٌ َّيَ) في السياسة السودانية.

    جميع المحاولات التي تلت لحل ما عُرف بمشكلة الجنوب لم تكن أكثر من مسرحية سخيفة مكرورة من بعد أن أوهم ساسة الشمال أنفسهم أنهم بمفردهم القادرون على تقرير مصير البلاد بأسرها، أو شُبِّه لهم أن الفيدرالية هي معول لهدم وحدة الأوطان، رغم كل التجارب التي تثبت العكس، ورغم جرس الإنذار الذي أطلقه اثنان من ساسة الجنوب الذين انحازوا للطبقة الحاكمة منذ فترة الحكم الذاتي الانتقالي: داك ديي وبولين ألير، وكان كلاهما عضوين في الحزب الوطني الاتحادي ووزيرين في حكومته، بالاستقالة من الحزب والوزارة.

    ومن الطبيعي ان تتوالى إخفاقات الذين لا يدركون أن لخطيئتهم الاولى وُصلة بالتردي المتصاعد في حال البلاد، وبخاصة في علاقات الشمال بالجنوب.



    قراءة في أزمة وطن مزمنة..قضية- السودان....إلى أين المصير ؟

    السودان .. من عودة الوعي إلى الخديعة (2)

    في السابع والعشرين من أكتوبر 2008 كُلفت، من بين آخرين، بالإسهام بورقة عن الاستفتاء حول تقرير مصير شعب جنوب السودان، الذي نصت عليه اتفاقية السلام الشامل (وقعت عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان مع حكومة السودان في التاسع من يناير 2005). وكانت المحاضرة هي الثانية في برنامج المحاضرات الحولية التي ينظمها ويرعاها مكتب رئيس حكومة جنوب السودان حول القضايا العامة التي يهتم بها، بوجه خاص، أهل الجنوب، ويُدعى للمشاركة فيها الوزراء والبرلمانيون وكبار الموظفين إلى جانب الدبلوماسيين المقيمين بجوبا وأجهزة الإعلام. موضوع المحاضرة كان هو ممارسة حق تقرير المصير حسب السوابق التاريخية، والتجارب المعاصرة للأمم. أما الموضوع المحدد الذي طُلب مني تناوله فهو »الاستفتاء: الخيارات المطروحة، التجارب الدولية، والتحديات المتوقعة«. لاستيفاء الموضوع حقه من البحث، وإلقاء إضاءات كاشفة على الجوانب الخافية أو المسكوت عنها، تناولت في المحاضرة موضوعات ثلاثة: الأول ممارسة حق تقرير المصير عبر الاستفتاء في تجارب الأمم. الثاني: جذور الدعوة لتقرير المصير في السياسة السودانية. والثالث: ممارسة ذلك الحق في إطار اتفاقية السلام الشامل (2005) والتداعيات المرتقبة لنتائجه، أياً كان خيار شعب الجنوب.

    كما أصبح موضوع الاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان طبقاً رئيساً في موائد التحليل عبر الصحافة ومن فوق المنابر. وبما أن التحليل، بما في ذلك تحليل الدم، صناعة مفهومية تهدف إلى إرجاع الشيء إلى عناصره الأولية للكشف عن خباياه، يصبح من الضروري البحث والتقصي في المصادر الأولية للبحث ثم التفطن فيها قبل الاندفاع إلى إصدار الأحكام. راعينا فيما كتب مؤخراً حول استفتاء جنوب السودان، خاصة في الصحف السودانية، حجم الافتراضات التي لا ترتكز على قدم وساق، والأحكام التي لا يتبعها دليل يُركَن عليه، بل التلبيس في استعراض الوقائع من جانب كتبة ومخبرين لا يحترمون عقول قرائهم، ولا يملكون الحد الأدنى من الرحمة بهم. لهذا استصوبنا أن نُجلي في هذه المقالات بعض الحقائق التي تعين القارئ على بناء حكمه في هذه القضية المصيرية: قضية استفتاء جنوب السودان حول خياري الوحدة أو الانفصال، على الحقائق المجردة بدلاً من الحدس والتخمين، أو إلقاء الكلام على عواهنه. فمن الخير للناس، كما قال الفيلسوف الألماني غوته »أن يفهموا القليل من أن يسيئوا فهم الكثير«.

    ------

    في منتصف ستينيات القرن الماضي تسلمت السلطة حكومة تختلف عن الحكومات التي سبقتها، لا سيما في إقبالها على معالجة أسباب الحرب في الجنوب. تلك هي الحكومة التي ترأسها سر الختم الخليفة، رجل التعليم البارز بعد سقوط حكومة الرئيس إبراهيم عبود في 21 أكتوبر 1964م. لم يكن سر الختم ذا خبرة بالسياسة إلا أن خدمته في الجنوب في مجال التعليم، والتصاقه بأهله وتفاعله معهم، جعلا ذلك المعلم ينظر إلى القضية بمنظار آخر، لا هو منظار السياسي الذي تُعَتم الأحكامُ المسبقة رؤاه، ولا هو منظار الأيديولوجي الذي وُضِعت على طرفي عينيه غمامتان (ٌيًَمَّْ) تحولان بينه وبين الرؤية يميناً ويساراً بحيث لا يرى، مثل الخيل في مضمار السباق، إلا ما دونه.

    كان الواجب الأول لحكومة سر الختم هو الإعداد للانتخابات في فترة انتقالية محددة، مع ذلك هدته الحكمة، هو وصحبه، لأن يولي قضية الجنوب الاهتمام الأكبر. لأجل ذلك أشرفت حكومته على عقد أول مؤتمر منذ الاستقلال للتداول حول ما يسمى بمشكلة الجنوب. شاركت في ذلك المؤتمر، الذي أطلق عليه اسم مؤتمر المائدة المستديرة كل الأحزاب الوطنية، بما فيه الأحزاب الجنوبية في الداخل والخارج. وكان للإداري داؤود عبد اللطيف ـ وحسبك داؤود من سخي همام ـ إسهام كبير في إقناع من هم بالخارج من ساسة الجنوب بالإشتراك في المؤتمر. كما دُعيت للمشاركة في ذلك المؤتمر خمس دول أفريقية هي: مصر (فتحي الديب)، الجزائر (التجاني هدام)، أوغندا (فيليكس اوناما)، غانا (ويلبيك)، نيجيريا (الحاجي يوسف مايتاما سولي).

    عند افتتاحه مؤتمر المائدة المستديرة (16 مارس 1965) قدم سر الختم برنامجاً لمعالجة »قضية الجنوب« لم يسبقه عليه أحد من ناحية شموله، كما من ناحية صدقيته. في ذلك البرنامج لم تكُ شيةِّ من خداع النفس، أو تكذبٌ على التاريخ، أو تهربٌ من المسؤولية عما فعله أسلافنا في الماضي (مثل الرق) أو تبرير لأخطاء السياسة الشمالية المعاصرة حول الجنوب.

    جاء في ذلك البرنامج:

    - القوة ليست حلاً لهذه »المشكلة الإنسانية الحيوية« ذات الجوانب الاجتماعية المتعددة بل ان استعمال القوة زاد المسألة تعقيداً.

    - الاعتراف بكل شجاعة ووعي عميق بفشل تجارب الماضي بجانب الاعتراف بالفوارق العرقية والتاريخية.

    - ضرورة تهيئة المناخ للتفاوض.

    - لمشكلة الجنوب نظائر وأشباه في افريقيا وبعض بلاد العالم الأخرى.

    - المشكلة مثل نظائرها مشكلة معقدة لأسباب طبيعية تتعلق بجغرافية القطر وتكوينه البشري من جهة، ولأسباب سياسية تاريخية تعود إلى الاستعمار وأخرى معاصرة على رأسها الأخطاء التي وقعت فيها الحكومات القومية المتعاقبة منذ الاستقلال.

    - إضفاء الصفة العرقية على الصراع الشمالي ـ الجنوبي ينطوي على تعميمات وفروض مضللة لا يمكن الاعتماد عليها في أي نقاش جاد. فالعروبة التي يتصف بها السودان ليست صفة عنصرية بل هي رابطة لغوية ثقافية. ولو كانت العروبة غير هذا لخرج من نطاقها معظم العرب المحدثين في أفريقيا بما في ذلك سكان السودان الشمالي جميعاً.

    - السودان صورة مصغرة لأفريقيا في تنوع سكانها وتباين ثقافاتها، لهذا تمتزج العروبة والافريقية امتزاجاً تاماً في المديريات الشمالية ويشعر السكان، وهم في ذلك صادقون، بأنهم عرب وأفريقيون في وقت واحد وبدرجة متساوية.

    - تجارة الرقيق المخزية التي قام بها أسلافنا كانت وصمة عار، ومع انقضاء ذلك العهد تركت شعوراً من الكراهية وعدم الثقة في نفوس الجنوبيين أججه الاستعمار والأوروبيون المنافقون.

    - الظن الخاطئ من جانب الحكومة العسكرية بأن مشكلة الجنوب، أكبر مسألة سياسية قومية واجهت البلاد، هي مسألة أمن ونظام.

    - التفاوت في درجات النمو الاقتصادي بين الجنوب والشمال، مع أن ذلك التفاوت لا يعاني منه الجنوب وحده بل تعاني منه مناطق أخرى في الشمال مثل دارفور وكسلا.

    ولإثبات حسن نواياه اختار سر الختم جنوبيين في وزارتين من أهم الوزارات: الداخلية والنقل والمواصلات، الأمر الذي لم يحدث من قبل ولم يحدث من بعد، لا سيما بالنسبة للوزارة التي تهمين على قوى الأمن. ذهب رئيس الوزراء الجديد، من بعد، إلى إحاطة نفسه بكوكبة من الخبراء ذوي الدربة في قضايا الجنوب منهم الباحثون والإداريون والقانونيون والإعلاميون. على رأس هؤلاء كان الراحل محمد عمر بشير والذي ظل الجنوب هاجسه الأول حتى مماته. من بينهم أيضاً الصحافي المخضرم محجوب محمد صالح، والقانوني البريع يوسف محمد علي، والإداري المقتدر الراحل عبد الرحمن عبد الله. وكان للأخيرين دور كبير في صوغ قرارات لجنة الاثني عشر التي تَرجَمت ما قرره مؤتمر المائدة المستديرة إلى مشروع دستور.

    تلك الحكومة لم تبق في السلطة لتكمل مهمتها ولكنها، على الأقل، أبقت أثراً هاماً يهدي أهل السودان سواء السبيل. وقد أوجعني كثيراً وأنا أطالع ما أوردته الصحف من تعليقات وتقارير صحافية حول الذكرى الخامسة والثلاثين لانتفاضة أكتوبر، أن لا أرى في تلك التقارير مقالاً أو خبراً واحداً عن إسهام حكومة أكتوبر في مؤتمر المائدة المستديرة لمعالجة المشكل الجنوبي، وهو أهم إنجاز لها. أغلب ما أوردته تلك الصحائف هو التفاخر: من الذي صنع الثورة؟ ومن الذي أجهضها؟ وكل واحد منهما يقول: »الحق معي«. على أن تقويم الأنظمة، كانت وليدة ثورات أم انتفاضات، لا يكون بالمزاعم حول من هو صانعها، وإنما بالذي صنعت وأنجزت. رحم الله المعلم الفذ سر الختم ومن معه من الراحلين، وسَقياً ورَعياً لمن بقي منهم.



    اتفاق أديس أبابا

    عند تسلمها السلطة في 1969، وضعت حكومة مايو إنهاء الحرب في الجنوب في مستهل برنامجها السياسي، وكان أول إعلان عن ذلك هو بيان التاسع من يونيو 1969م الذي كان للحزب الشيوعي دور كبير في صياغته، كما لعب عضو الحزب، الجنوبي البارز جوزيف قرنق (لا يمت بصلة لجون قرنق)، دوراً هاماً في التفاوض مع ممثلي المعارضة الجنوبية خارج السودان من أجل الوصول إلى حل سلمي. بيد أن الترجمة الفعلية لذلك البرنامج بدأت مع مفاوضات أديس أبابا في عام 1972م والتي صحبتها خارطة طريق متكاملة للتفاوض. خارطة الطريق تلك استهدت بقرارات لجنة الاثني عشر، وجاء ذلك بمبادرة من الراحل جعفر محمد علي بخيت. كان في ظن جعفر، أولاً أن تلك القرارات تضمنت مشروع دستور متكامل لترتيب الأوضاع في جنوب السودان رغم عجز الحاكمين آنذاك عن تنزيله إلى حيز الواقع. وثانياً، بما أن ذلك المشروع كان محل إجماع من أغلب القوى السياسية فلا محالة من أن تلقى الاتفاقية التي ستؤسس عليه قبولاً واستحساناً من معارضي نظام مايو. وهكذا أصبحت قرارات لجنة الاثني عشر أساساً لاتفاقية أديس أبابا (1972) التي وقعتها حكومة مايو، مع حركة تحرير جنوب السودان بقيادة جوزيف لاقو في ربيع عام 1972م، ومن ثم ضُمِنت في دستور 3791م.

    على إثر تلك الاتفاقية نَعِم الجنوب بعشرة أعوام من السلام، وبقدر من الحكم الذاتي تجاوز ما أوصى به مؤتمر المائدة المستديرة. ومن المؤسف أنه رغم ظنون جعفر بخيت بأن القوى السياسية السودانية التي تراضت في فترة الديمقراطية على تلك القرارات سنسعد باتخاذها أساساً لاتفاقية أديس أبابا رفضت تلك القوى الاتفاقية، لا لذاتها وإنما كُرها في صانعيها. ولو وقف الأمر عند هذا لهان، ولكن صحبته أفائك لا تصدر من رجل رشيد مثل قولهم ان الاتفاقية احتوت على بنود سرية. ولا يدري المرء كيف يمكن لاتفاقية تم التفاوض بشأنها والتوقيع عليها علانية أمام ثلاثة وسطاء ورقباء: الامبراطور هيلاسلاسي، مجلس الكنائس العالمي، ومراقب من منظمة الوحدة الأفريقية (نائب الأمين العام، محمد سحنون) ثم أودعت في منظمتي الأمم المتحدة والوحدة الأفريقية ليطلع عليها من شاء من الباحثين، أن تتضمن بنوداً سرية. وعلى أي، لم يفصح حتى اليوم العليمون بالأسرار عن هذه البنود. هي الغيرة فحسب، وهذا هو حال السودان الذي يختلط فيه الذاتي بالموضوعي حتى في أخطر الأمور.



    الخدعة الأخيرة... نميري ينقلب على اتفاقية اديس ابابا

    تحقيق الرئيس نميري لذلك الإنجاز كان محل تقدير من العالم، وإشادة جهيرة من أفريقيا التي وفد ثلاثة من زعمائها إلى السودان ليباركوا حلول السلام في ربوعه: الإمبراطور هيلاسلاسي، المعلم جوليوس نيريري، الرئيس ليوبولد سنغور. وفي اجتماع القمة الافريقية في الرباط تباري الرؤساء الأفارقة، وعلى رأسهم الملك الحسن الثاني، ليس فقط في الدعم السياسي للاتفاق، بل أيضاً بالدعم المادي حتى تتمكن حكومة السودان من الوفاء بالالتزامات التي فرضها الاتفاق. عن ذلك التباري لم تتخلف حتى الدول الفقيرة مثل اثيوبيا وتنزانيا. بيد أن أعظم هدية قدمت للسودان في تلك المباراة، هي هدية منظمات التحرير الأفريقية. باسم هؤلاء تحدث أميلكار كابرال (غينيا بيساو) ليطالب القمة الأفريقية بإعفاء السودان من التزاماته المالية نحو حركات التحرير الأفريقية حتى يسخر ككل إمكانياته لتثبيت وحدة السودان التي وصفها كابرال بأنها اكبر مساهمة منه لتحرير افريقيا.

    أما في جنوب السودان فقد أضحى نميري بطلاً نُظمت في مدحه الأهازيج. ولكن، لما تَمضِ عشرةُ أعوام على توقيع الاتفاقية حتى قام نميرى بإلغائها وسط دهشة ممن أشاد به وترنم باماديحه. تَراجُعُ زعيم شمالي عن اتفاقية نال بها كل ذلك الاستحسان، أمر يستعصي علي الإدراك. أما بالنسبة لأهل الجنوب، فإن كان الازورار في سني الاستقلال الأولى عن الاستجابة لمطلب محدود يتاح فيه للجنوب حكم فيدرالي يُرضي أهله ويُبقي على وحدة البلاد أمراً نيئاً لم يُحسنْ طبخُه، فإن تراجع نميرى عن اتفاقية أديس ابابا أصبح هو الدليل الذي ما بعده دليل على مخادعة حكام الشمال للجنوبيين، لا يعِدونهم بشيء إلا لصرفهم عن قصدهم.

    ولن يُعفي نميري عن المسؤولية أن كان إلى جانبه جوزيف لاقو عند إعلان إلغاء الاتفاقية قائلاً: »الاتفاقية ليست قرآناً أو إنجيلاً. لقد صنعت الاتفاقية مع جوزيف لاقو وها نحن نلغيها اليوم«. ويا حسرة على نفر من المعلقين الذين يجعلون من تعضيد لاقو لنميري في إلقاء الاتفاقية تزكية وتبريراً، خاصة بعد أن اضطر الرئيس الراحل إلى أن يودع خيرة قادة الجنوب الذين ناصروه في السجون: بونا ملوال، هيلاري لوقالي، بيتر جات كوث، قاما حسن، كلمنت أمبرو مُلحِقاً بهم صديقهم الوحدوي أمين عكاشة. إزاء ذلك الوضع لم يجد نميري سياسياً جنوبياً واحداً ذا مِرة ليجعل منه رئيساً للجنوب فجاء بأحد ضباطه ممن لم تعرفهم سوح السياسة: قسم الله عبدالله رصاص.

    إلغاء اتفاق أديس أبابا أصبح لكل هذا الخديعة النهائية التي لها ما بعدها. وفي الحالتين، جعل الأثر التراكمي لسوء التقدير في حالة عدم الاستجابة لمطلب الفيدرالية عند الاستقلال، والاستهانة بالعقود المبرمة في حالة إلغاء اتفاقية أديس أبابا، من السودان أنموذجاً لكيف ترمي القيادات بيدها في التهلكة وتورد نفسها وبلادها موارد الهلاك. هذا تاريخ اختاره بأنفسهم صانعوه ومن تبعهم بغير إحسان من أكاديميين وإعلاميين. مع ذلك يتمنى أولئك الأكاديميون والإعلاميون أن لا يذكر ذلك التاريخ ذاكر.

    نقلا عن الرأي العام
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

10-01-2010, 07:47 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)


    انتخابات السودان القادمة تحت المجهر
    بقلم :الصادق المهدي



    الانتخابات العامة في عوالمنا العربية والإفريقية والآسيوية، اكتسبت سمعة سيئة بتزوير إرادة الناخبين لمصلحة الحاكمين، فتحولت في كثير من الأحيان من دورها كآلية للديمقراطية، لدور زائف يمنح الحاكمين شرعية شكلية. الانتخابات السودانية القادمة ستجرى في مناخ خفّت فيه قبضة الحزب الحاكم الشمولي بدرجة ما، نتيجة للتالي:


    * اتفاقية السلام فرضت درجة من التعددية بإقامة شراكة بين حزبين متباينين في الأيديولوجية والتطلعات السياسية: المؤتمر الوطني، والحركة الشعبية.


    * تراجع الحزب الحاكم منذ عشرة أعوام عن القبضة الأحادية وأفسح هامش حرية.


    * قانون الانتخابات، وتكوين المفوضية التي سوف تدير الانتخابات؛ خضعا لدرجة من التشاور.


    * هنالك وجود دولي كبير في السودان، للأمم المتحدة وللاتحاد الإفريقي ولمنظمات إغاثة دولية، فالانتخابات تجري في مناخ عيون دولية مفتوحة.


    لذلك فالمتوقع أن تكون انتخابات السودان المقبلة أفضل من الانتخابات التي جرت تحت النظام الحالي على طول تاريخه، وأفضل من بعض الانتخابات سيئة السمعة التي جرت في بلدان عربية وإفريقية.


    لكن مع هذه النبرة التفاؤلية هنالك مخاوف مشروعة، فالحزب الحاكم مازال يقبض على مفاصل السلطة متحكماً في أجهزة البلاد المدنية والنظامية، وقد اكتسب سمعة عدم الوفاء بالتزاماته، رغم التوقيع على التزامات محددة: أخل باتفاقيات السلام من الداخل (1997) مع فصائل منشقة من الحركة الشعبية، وبنداء الوطن 1999 والتراضي الوطني 2008 مع حزب الأمة، وباتفاقية السلام مع الحركة الشعبية في 2005، وباتفاقية أبوجا في مايو 2006 مع حركة تحرير السودان.


    وباتفاقية الشرق أكتوبر 2006 مع جبهة الشرق، وباتفاقية القاهرة 2005 مع التجمع الوطني الديمقراطي، والتي يقول الموقعون عليها إنها ما زالت حبراً على ورق. هذا السجل القاتم جرده من الثقة المطلوبة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في ظل سلطانه. لقد استقبلت مفوضية الانتخابات بدرجة من حسن الظن، ولكن بعض تصرفاتها جعلت كثيرين يتهمونها بالخضوع لمصالح الحزب الحاكم. اتهامات عززها موقفها من مخالفات عملية تسجيل الناخبين المبتدئة في أول نوفمبر 2009 والمختتمة في الأسبوع الأول من ديسمبر.


    النسبة العددية للمسجلين للانتخابات داخل البلاد معقولة، ولكن نسبة التسجيل في المهجر مختلة للغاية، فعدد كبير من المهجرين سيحرمون من حقوقهم المدنية والسياسية والدستورية. وفي ما يتعلق بالحكم على نزاهة التسجيل، فإن كافة الأحزاب المتنافسة في الشمال رفعت للمفوضية مآخذ محددة وطالبت بالتصحيح، وأحزاب أخرى طعنت في نزاهة التسجيل في الجنوب. القوى السياسية قاطبة قدمت طعوناً موثقة في نزاهة التسجيل، ولكن المفوضية لم تشأ أن تتخذ أية إجراءات تصحيحية.


    أهم المآخذ على نزاهة التسجيل:


    * تسجيل القوات النظامية في أماكن العمل، وعن طريق كشوفات أو بحشد الجنود في أماكن معينة، مما يخالف القانون بالتناقض مع شرطي الإقامة والمسؤولية الفردية في التسجيل، وبشبهة استخدام الانضباط في غير محله.


    * عدم نشر السجل الانتخابي في الموعد المحدد قانوناً، وعدم نشره في بعض الأماكن أصلاً.


    * غياب التوعية بمراكز التسجيل، وعدم الالتزام بعدد المراكز المعلن ولا بالمراكز المتنقلة لدى الحاجة. والتسجيل أحياناً في بيوت أعضاء الحزب الحاكم.


    * استغلال المؤتمر الوطني للسلطة وإمكانات الدولة.


    * اعتماد اللجان الشعبية لشهادات السكن كأوراق ثبوتية، وهي مسيسة تابعة للمؤتمر الوطني، رصدت تجاوزاتها باستخراج شهادات لصغار السن، واستلام إشعار التسجيل، وتضليل المواطنين بكشوفات مزيفة، وغيرها، مما نتج عنه تعدد التسجيل.


    * إرهاب المواطنين في مراكز التسجيل عبر حشود أفراد جهاز الأمن.


    * قانون جهاز الأمن الذي يعطيه صلاحيات واسعة، كان سيفاً مشهراً في وجوه كوادر الأحزاب وناشطيها تهديداً واعتقالاً.


    * ربط صرف مرتبات بعض موظفي الدولة بتسليم إشعار التسجيل وإيداعه.


    * إبعاد مجموعات كبيرة، مثل الرحل في ولاية النيل الأزرق وشمال كردفان.


    * انحياز أجهزة الإعلام للحزب الحاكم والدعاية له، مع التعتيم على الأحزاب الأخرى، في مخالفة المادة 66/3 من القانون. وإهمال مطالباتنا المتكررة بتكوين جهاز إعلامي قومي مستقل، يوزع الفرص في الأجهزة الإعلامية القومية بالتساوي بين الأحزاب وفقاً للقانون.


    * نشطت الحكومة في تقديم خدمات للمواطنين عن طريق بعض البنوك وديوان الزكاة، ونسبت ذلك للمؤتمر الوطني، مخالفة المادة «96» من قانون الانتخابات.


    ؟ الخروج بدفتر التسجيل من بعض المراكز دون علم رئيس اللجنة، ومنع مندوبي الأحزاب من الاطلاع عليه عند إعادته.


    * تعمد استمرار التسجيل أيام عيد الأضحى، مخالفة للإعلان الصادر عن المفوضية.


    * إهدار حق المغتربين الدستوري وحصر مشاركتهم في انتخابات رئاسة الجمهورية، ومحدودية مراكز التسجيل في دول المهجر وتأخر بداية التسجيل فيها. فأعداد المهجرين السودانيين من 5 إلى 8 ملايين، والمستهدف للتسجيل 50% والمسجلون 112 ألفاً!


    هذا المناخ المريب زاده ارتياباً ما جرى في انتخابات اتحاد المحامين. المحامون المنافسون للاتحاد الحالي باسم «التحالف الديمقراطي للمحامين» أحصوا عدداً من تجاوزات القيادة القابضة على الاتحاد، وهي قيادة منتمية للحزب الحاكم، وعددوا تجاوزات اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات. وهم لذلك لا يعترفون بنتائج انتخابات اتحادهم، وأعدوا العدة لاتخاذ الإجراءات القانونية وتصعيد الأمر للجهات المعنية محلياً وإقليمياً ودولياً، بالتنسيق مع القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني.


    إن إجراء الانتخابات العامة في هذا المناخ المشحون بالاتهامات وسوء الظن، يرجح الشك في نتائجها وما يترتب على ذلك من استقطاب وصدام.


    وبصرف النظر عن هذا المناخ السالب، فإن ثمة قضايا تجعل أمر الوطن كله فَرَطاً. بل يكاد المسرح السياسي السوداني كله أن يكون مسرحاً للا معقول:


    * مرشح الحزب الحاكم الأكبر، إذا فاز فإن فوزه لن يحميه من ملاحقات جنائية دولية، بل ستشل حركته الدولية وبالتالي حركة الدولة السودانية.


    *مرشح الحزب الحاكم الثاني إزاء رجحان انفصال الجنوب إذا جرى الاستفتاء في موعده، عليه أن يستقيل من رئاسته وإلا صارت البلاد تحت رئاسة حاكم «أجنبي».


    * مؤسسات الحكم في الشمال «محزبنة» لصالح المؤتمر الوطني، وفي الجنوب لصالح الحركة الشعبية، فإذا فاز مرشح من غيرهما في الشمال والجنوب سيكون تحت رحمة حزب معارض!


    ما لم تتصد القوى السياسية السودانية لهذا الموقف من جميع جوانبه، عبر مائدة مستديرة لتهيئة المناخ ومعالجة التناقضات، فإن بلادنا ستكون أضحوكة الأجيال القادمة والعالمين!


    هذا هو التشخيص الموضوعي للحالة الانتخابية السودانية، وروشتة العلاج هي أجندة وطنية شاملة تدرسها وتقرر بشأنها القوى السياسية السودانية، لكيلا نرزأ البلاد بكوميديا مأسوية، وشر البلية ما يضحك.


    رئيس وزراء السودان السابق




                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

10-01-2010, 11:35 AM

محمد ابراهيم قرض

تاريخ التسجيل: 29-11-2004
مجموع المشاركات: 1871
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    دائما ما تأتي
    بالمفيد يا الكيك ..
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

11-01-2010, 08:54 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: محمد ابراهيم قرض)

    اشكرك
    اخى محمد ابراهيم قرض واتمنى ان ارضى كل الاذواق باختيارى ...
    واتركك هنا لهذا المقال الرائع هدية منى ..
    المقال للدكتور منصور خالد عن العالم السودانى الكبير التجانى الماحى فى ذكراه ...




    صحيفة أجراس الحرية
    http://www.ajrasalhurriya.net/ar/news.php?action=view&id=8348
    --------------------------------------------------------------------------------
    الكاتب : admino || بتاريخ : الإثنين 11-01-2010
    : فى الذكرى الاربعين لرحيل التجاتى الماحى 2
    : اورشليم ................ قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين
    د. منصور خالد


    أهاج هذه الخطرات حدثان: الأول رسالة من صديقِ عُمرٍ عرفته، كما عرفه رفاق دربنا، رجلاً في غاية الحِجى والفضل والرزانة . ومع تواتر تلاقينا عبر الرسائل، أو عند وفوده للسودان أو زياراتي لبريطانيا، لم أقرأ او أسمع من ذلك الصديق كلمة زوراء في حق فرد، أو تأنيباً لأحد، إلا هذه المرة. الحدث الثاني هو ما نقلته لي باحثة مجتهدة من حق أبويها أن يفاخرا بها. ما فتئت تلك الباحثة تطل على الناس عبرالصحف، تكاد تمسك بالجمر وتسير، لا تُبالي، فوق الاشواك.


    كتب صديقي الأثير الدكتور فاروق محمد فضل من أكسفورد حيث إستقر به المقام وأرفأن العيش - ومن الذي لا يرفئن عيشه في الريف الاوكسوني - يحدثني عن أمرين. أمران لا يجمع بينهما إلا رغبة هذا النائي البعيد عن الوطن، القريب منه بالحس والوجدان، في الوفاء بما حسبه ديناً عليه للوطن الذي أنجبه. الأمر الأول هو إستنقاذ مؤسسة خيرية بريطانية تعمل في السودان لعون المستضعفين من أبنائه وبناته. والثاني حول رحيل واحد من عمالقة الطب: الدكتور عبد الحليم محمد. رفأنينة الحياة لم تَحُل بين فاروق وبين الِهمة بما يدور في بلاده، والعزم على الوفاء بما لوطنه عليه من دين مستحق.

    ¬
    معاً من أجل السودان


    كتب إلى فاروق، كما أحسب أنه كتب لغيري، حول منظمة "معـاً مـن أجـل السـودان" (Together for Sudan) التي تكاد تنهار. أنشأت هذه المؤسسة الدكتورة ليليان كريق هاريس، زوجة السفير البريطاني الأسبق بالسودان: الان قولتي. ويضم مجلس إدارتها في بريطانيا نفر من البريطانيين الذين يستهمهم أمـر الســـودان بعيداً عن السياسـة. من هؤلاء، إلى جانب السفير وزوجه، البروفيسور هيرمان بيل الذي عاش زماناً فــي وطـــن النوبـيـيـن بشـمـال السودان. شعــــار المنظمة هـــو "تمكــــيــن المستضعـفين عـــن طـــريــق التعــــلـــيم" (Power to the Powerless through Education). وتركز المنظمة نشاطها في المناطق الطرفية من الخرطوم، جبال النوبة، مناطق النوبيين في شمال السودان، دارفور. وبتقاعد زوجها السفير ونزوحه إلى أمريكا فقدت ليليان هاريس، كما إفتقدت المنظمة، الدفع الكبير الذي كان يقدمه لها. ميزانية المنظمة للمشروعات التي نفذتها لم تتجاوز ربع المليون دولار في العام، إلا أنها حققت ما يكشف عن كيف يمكن للمنظمات أن تفعل الكثير بالقليل:
    • تدريب مئتين وسبع وأربعين (247) معلماً

    • تقديم مئتين وتسع وستين (269) بعثة دراسية جامعية.
    • ¬
    • توفير المكآفات المالية لواحد وتسعين (91) معلماً.

    • تمكين مائة وخمسين (150) طالباً من المصابين بالإيدز من الإستمرار في التعليم والقيام بدورات تدريبية وتنويرية لما يزيد عن الأربعة الاف شخص من المصابين بذلك الداء الخبيث.
    • توفير الإضاءة بالطاقة الشمسية لأربع وعشرين (24) موقعاً.

    • تقديم خدمات في طب العيون لقرابة الأربعة عشر ألفاً ممن يحتاجون للعناية شملت قرابة الثلاثمائة جراحة عينية .

    إستجابة لدعوة صديقي الوطني الغيور الذي اعرف جيداً أنه سخر جزءً من ماله لهذا العمل الخيري و أفلح في حض بعض زملائه من الأطباء على ذلك، أدعو في هذا المقال الخيرين – أفراداً أو مؤسسات - لتمكين هذه المنظمة التي أنشأتها سيدة من غير بني جلدتنا أحبت أهل السودان من أداء مهامها النبيلة. ليس لدي شبهة من شك في حرص هذه الصحيفة على إجلاء الأمر على قرائها، كما لا ينتابني شك في ان في السودان أفراداً ومؤسسات سيقلقهم كثيراً إنهيار هذه المؤسسة النافعة.

    والنجم إذا هوى

    الأمر الثاني الذي أبكى صديقي النائي / القريب هو ما لمسه من إهمال لذكرى واحد من معلميه ، بل معلم أجيال من زملائه الأطباء: الدكتور عبد الحليم محمد. يوم أن طرق سمعي نبأ رحيل ¬
    حليم، وأنا في جوبا، قلت: لم يرحل رجل، وإنما إختَرَم الموتُ نفساً كبيرة، وهوى نجم كان يتلألأ في سماء بلادنا.
    في بعض ما كتبت في الماضي أسميت الراحل: "الشيخ الحكيم". ذلك أسم كان يطلقه الأقدمون على إبن سينا، إذ ما ترك أبن سينا باباً من أبواب المعرفة إلا وطرقه. كتب في الطب - علمه الأساس الذي تمهر فيه - كما كتب في الأخلاق والموسيقى والمنطق والفلك والتوحيد والرياضيات (مختصر الأرثماطيقا).
    أحمد الله على حظوتي بصحبة ذلك النجم الثاقب الذي كان يتلألأ في سموات بلادنا. لم اعرف حليماً كما عرفه صديقي فاروق معلماً ومدرباً ومنبعاً ثراً لعلوم الطب، بل عرفته كرجل لكل الفصول. وأحمد الله ثانية على حِباء حليم لي بلقائه في كل صقع من أصقاع العالم قادتني إليه ظروف العمل، أو رمتني إليه عوادي البشر والزمان حين ضيَق البعضُ الواسَع في وطننا.
    لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها **** ولكن أخلاق الرجال تضيق ومما يضيق به الرجال "إحتمال الاذى ورؤية جانيه".
    في لندن، باريس، القاهرة، واشنطون، أديس ابابا، كان الملتقى مرات ومرات مع حليم. ولا تسألن حليما في غدوه ورواحه عن مبتغاه من الترحال. إذا إجترأ سائل على ذلك لقال له:

    ¬
    يقولون لي ما أنت في كل بلدة

    وما تبتغي؟ ما ابتغى جَلَ أن يُسمى


    يالها من ملتقيات تلك التي جمعتني مع الشيخ الحكيم. كان الشيخ الحكيم محدثاً ذا أفانين. يحدث عن الأدب شعراً وحكاوي، وعن الغناء شعراء ومؤدين، وعن الرياضة التي هو عليم بأسرارها وخبير بسرائر اهلها، وفي السير، خاصة سير رفاق دربه الذين تنضرت بهم حياته: محمد أحمد محجوب ، يوسف مصطفى التني، خلف الله بابكر، ومحمد عشري الصديق. ما ذكرت اللقيا مع حليم إلا وردت في مخيلتي صورة صديق قديم آخر، صلاح عثمان هاشم. ورغم آصرة القربى بين صلاح وحليم كان الذي جعل تلك الآصرة تتوشج بينهما ثقافتهما الثرة، وبعدهما عن وساوس الناس وحكاكاتهم. لا أعطش الله قبريهما.
    في تلك الملتقيات لم يستنكف الشيخ الحكيم الحديث عن مغامراته فتى وكهلا، بل حتى وهو شيخ يحبو نحو التسعين دون أن يوحي لك ابداً، أو يجعلك تتظنى، أنه كان يتأنق في الشهوات. ما اجمل الصدق مع النفس. لا عجب. أو ليس حليم هو القائل في "موت دنيا" (الكتاب الذي صاغه مع المحجوب) "كانت لنا مغامرات منها البرئ ومنها غير البرئ".

    ¬
    آخر لقاء مع الشيخ الحكيم كان في القاهرة عندما هاتفني فتحي محمود ليبلغني - وأنا في حفل عشاء أقامه صديق عزيز: الفريق عمر قناوي – أن حليماً قد وصل لتوه ويود لقاءك قبل سفره في الصباح الباكر إلى أوروبا. قلت لفتحي: "سيزدان الحفل بمشاركة حليم، فهيا بكما". كما قلت لمُضيفي: "هذا سوداني من طينة غير تلك التي عُجِن منها من تعرف من السودانيين: هو سياسي وأديب وطبيب وعالم، وفوق ذلك هو رجل يَتَكثرُ به عارفوه". ذلك كان هو اللقاء الأخير قبل أن تأخذ بحليم الشيخوخة وتنيخ على منكبيه لتُقعده.
    شكـــراً لفــاروق فقــد أوفــــى حليمــاً بعـض حـقـــه: تطـوع بكتــابة اكثر مـــــن تأبـين لــــه غــــداة وفـــاته: فـــي التايمـز اللندنية، والقـارديان، وحولــية اللــجــــــنة الملكـية للطـب (Journal of the Royal Society of Medicine ). ثم ذهب خطوة أخرى بوضع لوحة تحمل أسم الراحل الكريم في مقر الجمعية بشارع ومبول، كلفته مبلغاً ليس بالزهيد لم يستكثره على معلمه، إلى جانب لوحة اخرى بإسم زوجة فاروق الطبيبة الراحلة.
    ¬
    رحيل حليم أفجع الكثيرين من أبنائه النبهاء وعَبَر كل واحد منهم عن حزنه بالطريقة التي إرتأى، ولكن تسآلت أين المؤسسات؟ من بين هذه المؤسسات ما بكى وناح بعض القائمين عليها عند وقوع الرزء العظيم. أو هل كان ذلك هو منتهى جهدهم للإبقاء على ذكر الرجل؟
    ومن أبى في الرزء غير البُكا
    كان بُكاه منتهى جهده
    أين جامعة الخرطوم التي ربما لا تستذكرأن حليماً كان هو أول رئيس لمجلس جامعة الخرطوم غداة إستقلال السودان. ذلك منصب كان يحتله قبل الإستقـــلال الحــاكم العــام وكـــان يطـــلق علــيه إســــم الراعي (The Visitor). أو لا يؤهله ذلك المنصب، ان لم يكن قد أهله علمه وعطاؤه، لإنشاء قاعة للمحاضرات بأسمه. وأين ولاية الخرطوم ومعتمديتها، أو هل نمى إلى علمها أن حليماً كان هو أول عمدة (Mayor) للمدينة يديرها هو والإداري الحاذق داؤود عبد اللطيف بمفردهما في زمان لم تتورم فيه المدينة وتتورم إدارتها، وهو ورم خبيث في الحالتين. أو لا يجعل هذا، الشيخ الذي أعطى المدينة وما ابقى شيئاً، حَرياً بأن يُطلق اسمه على جادة او ميدان عام فيها؟ واين الصحافة التي تناسل فيها الأبناء والبنات حتى نُباهي بهم الأمم، أو ليس لحليم الذي كان من أوائل محرري جريدة المؤتمر دين ¬
    مستحق؟ ثم اين نقابة الأطباء؟ اتساءل عنها كما تساءل فاروق الوفي في خطابه، ما الذي صنعت لتُبقى على أسم الرجل حتى ولو كان ذلك بإطلاق إسمه على المستشفيات التي تولى إدراتها كأول سوداني عند الحكم الذاتي والإستقلال: مستشفى أمدرمان والمستشفى الجنوبي في الخرطوم. ثم أين أهل الرياضة الذين كان حليم رسولهم إلى العالمين، فيم وبم تذكروه؟ أو لا يستأهل الراحل الشامخ الذي اضفى بأسمه وسمته على الرياضة السودانية زهاءً ومصداقية، أن تنسب إليه واحدة من إستادات الرياضات المتعددة.
    ذهب حليم وبقينا نحن خلفاً له، فينا من لا يرحم حياً أو يترحم على ميت. تلك حالة تستوجب اللعنة، كحال الإعرابي الذي شهد جماعة تبكي ميتاً بدمع سخين. قال الإعرابي: "لعنكم اله، تبكون الميت ولا تقضون دَينه". أسأل الله أن لا تصبح بلادنا مثل اورشليم، قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين. (لوقا13: 43 ، ومتى: 23: 37).
    طبيب النفوس وملقح العقول

    الحدث الثاني هو إتصال الطبيبة النفسية ناهد محمد الحسن بي لتنبئني بعمل عظيم ستُقدم عليه مع نفر من عارفي فضل عبقري آخر من عباقرة السودان. مبعث أسى هذه السيدة الميفاءة، هذه المرة، هو إستخفاف أهلنا بكبريات الإمور، ومنها إيفاء من قَدرَوا حق قدرهم. ذِكرُ ذلك العبقري خَفَت في بلد طالما تداول سمع الناس فيه ذكر كثيرين لا ¬
    غناء عندههم. العبقرية تنسب لكل من إستجاد صنعته وحذق في مهنته وذاع صيته في العالمين، ومن هؤلاء الدكتور الراحل التجاني الماحي الذي نظمت ناهد للإحتِفاء بالذكرى الأربعين لرحيله (9 يناير 1970) وقد إنضام إليها في ذلك الجهد: إتحاد الكتاب السودانيين، مركز قاسم عثمان نور للمعلومات، المؤسسة السودانية للتراث الطبي، ومركز الخاتم عدلان. جميع هؤلاء سيلتقون في رحاب جامعة الأحفاد. لله درها، تلك المؤسسة التي ظلت تتساعى في همة وسخاء لإحتضان مثل هذه المناسبات.
    سألتني، بعد تأسيها على قلة الوفاء، إن كان لدي ما أضيف إلى ما تعرفه ويعرف صحبها عن مناقب الرجل. قلت: أن التجاني رجل لا يُوفي حقَه حديث، ولا يستوعب سيرته مقال، ولا تُجلَي مناقبه العدة في مطاوى كتاب واحد. فعطاء الرجل للإنسانية كان عطاءً بَتلاً بلا نظير. ثم قلت للباحثة المُلحِفةِ في غير أضجار أو مدعاة للتبرم، إن كان لي ما اضيف إلى ما ينبغي أن يكون علم الكافة في سيرة التجاني الحافلة فهو شذرات مما الممت به عن تقدير العالم له في الاروقة الدولية، وعن أثره على العالم المحيط بنا، أو عبر محاياتي له في باريس.

    كثيراً ما يرد إسم التجاني، كما يرد إسم حليم، على صفحات الشبكة الدولية للمعلومات مصحوباً بدورهما كاعضاء، أو رؤسساء دوريين، لمجلس السيادة، إبان الفترة التي أعقبت إنتفاضة إكتوبر 1964. ذلك ¬
    المجلس هو أعلى المواقع الدستورية في السودان الذي تتشهاه بعض النفوس. رئاسة التجاني وحليم جاءت إليهما منقادة ولم يسعيا لها، وعلني أظلم أياً من الرجلين إن قلت عنه: "ولم يك يصلح إلا لها، ولم تك تصلح إلا له". يصلح لكليهما كسبهما العلمي الذي تفردا فيه، فالعلماء ورثة الأنبياء لا الأمراء. ذلك هو العلم الذي قال عنه ابو حنيفة: "لو علم الامراء ما نحن عليه من علم لحاربونا عليه بالسيوف".
    عِلمُ التجاني، ونحن في سيرته، طبق الآفاق، فما من موقع ذُكر فيه اسمه إلا وجاء مصحوباً بنعت "اب الطب النفسي في أفريقيا". ذلك نعت ينبغي أن يفاخر به السودان، قبل أن يتباهى به المنعوت. وقد أصبح للتجاني في ذلك العلم تلاميذ كثر من السودانيين وغير السودانيين. ومن الأخيرين الدكتور توماس لامبو النيجيري الذي عمل على مدى عشر سنوات نائباً للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية. لم يكتف لامبو بإستدراج التجاني ليكون واحداً من كبار مستشاري المنظمة بل إنتهى به الأمر لأن يصبح حوارياً للتجاني. إرتحل لامبو إلى السودان ليقضي ستة أشهر في صحبة التجاني ليتعلم عنه تأصيل الطب النفسي في التربة الأفريقية. قال لامبو لصديق له ولي: الدكتور صلاح منديل الذي كان يعمل تحت إمرته:"لقد تعلمت من التجاني اكثر بكثير مما تعلمت من كلية الملك في جامعة لندن ومن جامعة بيرمنجهام". وأكثر ما تعلم لامبو عن التجاني، فيما روى، هو أن التجاني لم يكن يعالج المريض الفرد، بل كان يبحث عن علاجه في البيئة المجتمعية التي يعيش فيها، أي أنه كان يعالج ¬

    أدواء المجتمع. هذا موضوع اقدر مني على الخوض فيه الثلة من العلماء الاطباء التي ستتلاقى في التاسع من هذا الشهر لإستذكار سيرة التجاني الماحي.
    بذلك العلم، رحل لامبو إلى موطنه، نيجيريا ليقوم بثورة في الطب النفسي الذي لم يكن يستهوي ابداً أهل نيجيريا، خاصة في ما كان يعرف عند أهلها وأهلنا بالمصحات العقلية. جاب لامبو كل أنحاء نيجيريا بحثاً على خبراء الطب التقليدي في معالجة المرضى النفسيين، مستهدياً بما تعلمه من التجاني وما خبره من تجاربه في السودان، ليستعين بهم في "تأصيل" المعارف المستحدثة، أو "توطين" الطب النفسي الحديث، كما يُقال برطانة اليوم.

    أما محاياتي للعالم الفذ في باريس فقد كشفت لي وجهاً آخر من وجوه ذلك الرجل الموسوعي العظيم. كان التجاني، إبان عملي بمنظمة اليونسكو، يواظب على زيارة مدينة النور كل صيف؛ لم يغب عنها مرة واحدة طوال فترة إقامتي فيها. وما حط رحاله في تلك المدينة إلا وهاتفني لألحق به في مقهاه المفضل، مقهى السلام (كافيه دي لا بيه) في ميدان الأوبرا لتناول قدح من الشاي. وكان الموعد دوماً هو الساعة الخامسة مساءً مما يُنبي عن ترتيب، لا رتابة، في حياة الرجل. فعدم الترتيب في الحياة يعكس دوماً عدم إنتظام في التفكير. وما أن تبدأ شمس ¬

    الصيف الباريسي تتقبض لتدخل في مغربها حتى يقول لي: "هيا بنا إلى الحي اللاتيني".
    كانت الرحلة إلى ذلك الحي "المضمخ بعطر الحضارات" من امتع الرحلات في حياتي: ما مررنا بمعلم تاريخي إلا وأخذ التجاني يروي لي تاريخه وكأنه آثاري. وما أن شهد منظراً تستريح له النفس إلا وأخذ يحدو، بل يترجز في حدائه، لجمال ما رأى. وبين هذا وذاك كان كثير الإستشهاد بالقرآن، وليس ذلك بغريب على حفيد الشيخ حامد أب عصا. وكان في الرجل دوماً تواضع العلماء، ما وجهت إليه سؤلاً إلا وتَلَدَن في الأمر، أي تمكث فيه قبل ان يجيب. وما سعيت لمجادلته في شئ إلا وأصغى إلى في أناة، وفكر فيما اقول في سماحة حتى وإن كان فيما أقول سخفاً لا يخفى. ذلك رجل فريد، يؤنس به، وتتلقح العقول بصحبته.
    في تلك الرحلة كان السير يحط بنا دوماً عند مكان إختاره هو ، ولم أختره أنا ساكن باريس والعليم بدروبها. محط الرحلة مكتبة صغيرة تقع في شارع مهجور يقع في منطقة سان جيرمان ويُفضي إلى حدائق لوكسمبرج. عَرَّفني الرجل بتلك المكتبة، ولم ابرحها طيلة إقامتي في مدينة النور. في تلك المكتبة كان التجاني يقضي الساعات ينقب عن المخطوطات والخرائط، والرجل النقاب في اللغة هو الباحث ذو الفطانة. وكلما سألته عماذا يبحث؟ كان يقول: "إتبعني يا بني". كنت أتبعه ليقيني بأنه أدرى بالشِعاب. لم يكن الرجل، فيما تعلمت، يبحث عن عيون الكتب ¬
    الطبية، بل عن كل ما كتبه الرحالة الاجانب
    عن السودان، وما كُتب عن المصريات، وما كتبه المؤرخون عن حضارات أفريقيا الإسلامية: حضارات كانم ومالي وتكرور. وما اشار إلى الأخيرة إلا وترنم:

    أمطري لؤلؤاً جبال سرنديب
    وصُبي جبال تكرور تِبرا
    سرنديب هو الإسم الذي كان يطلقه البلدانيون العرب على سري لانكا، وتكرور هي موطن التكارير التي كان التجاني يسعى لكيما يستخرج منها التبر. وما خرج الرجل من ذلك المنجم إلا بالعشرات من الكتب والمخطوطات يحملها وكانه يحمل جواهر نفيسة.
    التجاني واحد من العارفين، واحوال الكمال للعارفين، كما يقول مولانا جلال الدين الرومي، "لا يعرفها فج ساذج ومن ثم ينبغي أن نُقصِر الكلام مع هؤلاء ونقول لهم سلاماً" (المثنوي). ذهب العارف ونحمد الله أنا لم نحمل على القول:"ذهب الذين يعاش في اكنافهم". ذهب العارف بعد أن ترك لنا من ورائه سيرة طبقت الآفاق، وآثار لا يدرك قيمتها إلأفجاج، ثم "ثلة من الاولين وثلة من الآخرين" تدرك قيمة العلم، وتُبجِل العلماء، وتحتفي بذكرى العباقرة. تحية لناهد وتحية لجامعة الأحفاد، وتحية عاطرة للمؤسسات التي تستذكر التجاني الماحي في الذكرى الاربعين لرحيله.
    ¬
    بقي لي سؤال ينبغي أن يسأله كل حادب على صيانة ما خلف أمثال التجاني من آثار. ما الذي حاق بمكتبته العامرة التي أهداها لجامعة الخرطوم؟ لا شك لدي أنها لم تنجُ من القوارض الحشرية والحيوانية التي أهلكت الكثير من المكتبات في بلادنا. وكلي يقين أيضاً أنها لم تكن بمنجاة من القوارض البشرية. عَلّ الذين تجمعوا لإستذكار التجاني في اربعين رحيله يصرفون همهم لإنقاذ ما خلف التجاني من ذخائر معرفية في تلك المكتبة.
    التجاني فيما أعلم، لم يكن ينظم الشعر إذ إنغمس طوال حياته في الكشف عن غوامض النفس البشرية واسرارها. ولو قُيض له أن يفعل لتقفي أثر توماس هاردي، القاص والشاعر البريطاني. كان آخر ما سطر هاردي هو قصيدته التي اراد بها رثاء نفسه. قال: تَرى الناسَ إذ يعلمون أنني أخلدت إلى السكون الأبدي يُطلون على السماء الحافلة بنجوم الشتاء. يسترقون السمع إلى صوت يناجيهم أن نزل بينهم وبيني ساتر يُغيِّب وجهي عنهم، لا يرونه أبداً. ولكن يهامسهم ذلك الصوت بأنه ولى من كانت عينه لزيمة بكشف الغوامض والاسرار". وهكذا كانت عين التجاني.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

14-01-2010, 10:23 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    تعقيب على الطيب مصطفى عندما يتطاول الأقزام !! (1-3)
    بواسطة: admino
    بتاريخ : الأربعاء 13-01-2010 08:17 صباحا

    د. عمر القراي

    اجراس الحرية


    لم أر في الآونة الأخيرة، رجلاً منذور الحظ من الحساسية، متبلد الشعور، غث العبارة، يتمتع بقدر مهول من السماجة، والفظاظة، وقلة الذكاء الفطري، مثل الطيب مصطفى، صاحب صحيفة "الانتباهة" . أسمعه وهو يقدم نصيحة، للاستاذة أسماء محمود محمد طه: ( أود أن انصح اسماء محمود محمد طه بأن تنعتق من زمرة شياطين الإنس فقد قرأت أنها مع كثيرين غيرها خرجت من قيد والدها الهالك بمجرد ان جندل
    وسقط في مزبلة التاريخ فهلا تبرأت من والدها كما تبرأ ابراهيم الخليل من أبيه آزر) !! (الإنتباهة العدد 1479 بتاريخ 10 يناير 2010م).


    فهل يمكن لرجل به مسكة عقل، أن ينصح إمرأة واعية، يريد لها ان تنتفع بنصيحته، وتستجيب لها، يحدثها بأن أباها (سقط في مزبلة التاريخ)، ويريد لها ان تقبل كلامه، كناصح أمين، وهو يقول عن أبيها (الهالك) ؟! أليس من الجلافة، وبداوة الطبع، أن يحدث رجل إمرأة، أي كانت، عن أبيها بهذه الصورة السخيفة ؟! وهل الطيب مصطفى، حسب فهمه المتواضع للدين، مطالب بإتباع سنة ابراهيم عليه السلام، أم سنة محمد صلى الله عليه وسلم ؟! فحين نزل قوله تعالى في شأن المنافقين (أستغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين) جاء (روى العوفي عن أبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لما نزلت هذه الآية أسمع ربي قد رخص لي فيهم فوالله لأستغفرن لهم أكثر من سبعين مرة لعل الله ان يغفر لهم " ...


    وقال الشعبي لما ثقل عبد الله بن أُبيّ أنطلق ابنه الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان أبي قد إحتضر فأحب أن تشهده وتصلي عليه ... فأنطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه وهو عرق وصلى عليه فقيل له أتصلي عليه ؟ فقال : " إن الله قال "إن تستغفر لهم سبعين مرة" ولأستغفرن لهم سبعين وسبعين وسبعين " وكذا روى عروة بن الزبير ومجاهد بن جبير وقتادة بن دعامة ورواه ابن جرير بأسانيده ) (تفسير ابن كثير – الجزء الثاني ص 360 . دار الحديث: القاهرة) . وحتى إبراهيم لم يبدأ بالتبرؤ من أبيه بل بدأ بالاستغفار له، قال تعالى ( إلا قول ابراهيم لابيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شئ )، ولم يتبرأ منه الا ¬ بعد أن تأكد له أنه عدو لله .. وحين كانت السنة السائرة، على عهد ابراهيم، أن يتبرأ الشخص من أبيه إذا كان عدو لله ، كانت سنة النبي الكريم، أن يحضر، ويصلي، ويستغفر، لعبد الله بن ابي بن سلول كبير المنافقين، الذي لم يشك احد في عدائه لله ورسوله .. فأي السنتين أحق بالاتباع لو كنتم تعلمون ؟!


    وهل قدم الطيب مصطفى، واشياخه في الحركة الإسلامية، عبر تاريخها دليلاً واحداً، على أن الاستاذ محمود عدو لله، حتى يطالبوا بالتبرؤ منه، إتباعاً لنهج إبراهيم، وصداً عن نهج محمد صلى الله عليه وسلم ؟! وهل يستبعد من الطيب مصطفى، وأخوته في المؤتمر الوطني، أن يكفروا الاستاذ محمود، بعد أن كفروا شيخهم، ومرشدهم، لأنه أختلف معهم، حول تقسيم أموال السحت، التي يتجرعونها ولا يسيغونها، من قوت الشعب ودمه ؟! ومع كل ذلك، لم يصف ابراهيم أباه، بهذه العبارات المنتنة، التي يطلقها الطيب مصطفى، بلا رقيب من ضمير، أو خلق .. فلماذا يريد لاسماء ان تقبلها منه، وتستمع لنصيحته ؟! ثم إذا كانت الاستاذة أسماء، قد أنشأت مركزاً ثقافياً، أطلقت عليه إسم والدها، لترفع من ذكره، وتحيي من سيرته الملهمة، لأرفع قيم الدين والبطولة، أليس من البلادة الفطرية ان يقول عنها شخص (فقد قرأت أنها مع كثيرين غيرها خرجت من قيد والدها) ؟! أين قرأت هذه الفرية ، وهل أنت تفهم ما تقرأ ؟! لو كنت تفهم، لحوت صحيفتك البائسة، مناقشة للآراء، والمواقف المخالفة لك، بدلاً من ان تكرر ( كلام ياسر عرمان يفقع المرارة)، ومرة أخرى (تصريح باقان يفقع المرارة )، فأنت دائماً موتور، ومتأذى، من مفاهيم، كان يمكن ان تناقشها وتفندها، لو أنك كنت تفهم ما يقال ويكتب !! يقول الطيب مصطفى ( أريد ان أذكر بأن محمود محمد طه سجن بالفعل من قبل الاستعمار البريطاني لكن هل تعلمون لماذا ؟ أجيب بأن محموداً قد سجن بالفعل لأنه شارك في تظاهرة ضد قرار الاستعمار البريطاني بمنع الختان الفرعوني !!


    أي الرجل كان من مناصري الختان الفرعوني ولم يخرج لمناهضة الاستعمار البريطاني !! )(الانتباهة 10/1/2010م). وحتى لو سلمنا جدلاً بهذه الحديث الساذج، الذي دلّ به الطيب مصطفى، على جهله المزري بتاريخ هذا البلد، أليس الاعتراض على قرار الاستعمار البريطاني، أي كان هذا القرار، مناهضة للاستعمار ؟! ولماذا لم يترك أشياخ الحركة ¬ الاسلامية، الذين يعتبرهم الطيب مصطفى أئمته وزعماءه، موضوع الختان جانباً، ويعترضوا على قرارات الاستعمارالأخرى، فيسجنوا، لأسباب أخرى، في نفس الوقت، الذي سجن فيه الاستاذ محمود بسبب إعتراضه على قانون الخفاض ؟! أما الحقيقة التي تعامى عنها الطيب مصطفى، فهي أن الاستاذ محمود، سجن قبل حادثة الختان الفرعوني، لكتابة منشورات، وزعت علناً ضد الاستعمار.. فقد جاء ( مثل الاستاذ محمود محمد طه المهندس أمس أمام قاضي الجنايات المستر مكدوال متهماً من بوليس الخرطوم تحت قانون التحقيق الجنائي لتوزيعه منشورات سياسية من شأنها الإخلال بالأمن العام وقد أمره القاضي أن يوقع على صك بكفالة شخصية بمبلغ خمسين جنيهاً لمدة عام لا يشتغل بالسياسة ولا يوزع منشورات أو يودع السجن لمدة سنة إذا رفض ذلك ، ولكن الاستاذ محمود رفض التوقيع مفضلاً السجن وقد اقتيد لتوه الى سجن كوبر) ( صحيفة الرأي العام 3/6/1946م).


    ولقد كذب الطيب مصطفي، حين قال ان الاستاذ محمود كان يؤيد الختان الفرعوني، فقد جاء في منشور الحزب الجمهوري، الذي كان سابقاً لثورة رفاعة (اننا بمعارضتنا لهذا القانون لا نود ان ندافع عن عادة الخفاض الفرعوني ، أو نحلل الاسباب التي اوحت بها لابناء السودان وجعلتها تستمر بين ظهرانيهم حتى يومنا هذا ، ولكننا نود ان نناقش ترتيبات خاصة وسياسات خاصة إبتدعتها حكومة السودان إبتداعاً وتريد ان تجبرنا على إتباعها) ويمضي المنشور ليقول (إن الخفاض عادة سيئة ولها مضارها المتعددة ، ولكن السودانيين كبقية الشعوب لهم عاداتهم الحسنة ، وعاداتهم السيئة والعادات السيئة لا تحارب بالقوانين وإنما بالتربية والتعليم الواعي ..


    لا شك ان مجرد التفكير في الإلتجاء الى القانون للقضاء على عادة مستأصلة في النفوس، تأصل الخفاض الفرعوني، دليل قاطع على ان حكومة السودان، أما ان يكون قد رسخ في ذهنها اننا شعب تستطيع القوة وحدها ان تثنيه عن كل مبدأ ، أوعقيدة أو ان تكون قد ارادت ان تقول للعالم الخارجي، أن السودانيين قوم متعنتون، وان تعنتهم الذي ألجأنا للقانون لاستئصال عادة الخفاض الفرعوني الهمجية ... أما القانون في حد ذاته، فهو قانون أريد به إذلال النفوس، وإهدار الكرامة والترويض على النقائص والمهانة .. قل لي بربك أي رجل يرضى بأن يشتهر بالتجسس على عرض جاره ؟ وأي كريم يرضى بأن يكون سبباً في إرسال بنات جاره أو صديقه أو عشيرته للطبيب للكشف ¬ عليهن ؟! عجباً لكم ياواضعي القانون أن تستذلونا باسم القانون ! أومن الرأفة بالفتاة ان تلقوا بكاسبها في السجن ؟! )( منشور الخفاض- الحزب الجمهوري –الأرشيف يونيو 1946م). وإذا كان الطيب مصطفى، لا يقرأ تاريخ الحركة الوطنية، ولا يهتم ليبحث فيه، ألم يقرأ الصحف السودانية في السبعينات، ولو من باب تأهيل نفسه، في مجال الصحافة الذي تقحمه بلا دراية ؟! فقد كتب التجاني عامر، المؤرخ السوداني المعروف، وهو يتحدث عن الاحزاب السودانية ( الحزب الجمهوري: قد يكون هذا الحزب من أقدم الأحزاب السودانية بحساب الزمن، وهو أول حزب صغير، يعمل خارج نطاق النفوذ الطائفي باصرار، بل بمناجزة وصدام، واسمه يدل على المنهج الذي انتهجه لمصير السودان ومؤسس الحزب هو الاستاذ محمود محمد طه، الذي كان من أبرز الوجوه الوطنية، في مستهل حركة النضال ) الى ان يقول ( وقد تعرض محمود للسجن الطويل، في خصومات أيجابية مع الانجليز، منها حادث " الطهارة الفرعونية" في رفاعة، وهو حدث اجتماعي، رفعه محمود الى مستوى المساس بالدين والوطن) ( صحيفة الصحافة 16/4/1975م). والاستاذ محمود لم يدخل السجن ( لأنه شارك في تظاهرة ضد قرار الاستعمار البريطاني بمنع الختان الفرعوني) كما ذكر الطيب مصطفى زوراً وبهتاناً ، وإنما لأنه قاد ثورة رفاعة، إذ خطب في الناس في مسجد رفاعة، وتقدمهم فعبروا النهر، وحاصروا المركز بالحصاحيصا، وحطموا نوافذه ، واخرجوا المرأة من السجن، ورجعوا بها الى أهلها .. وكانت تلك أول مرة، يرغم فيها الاستعمار، على تكسير قراره ، وتراجع هيبته، حتى انفتح الطريق الى المقاومة الحقيقة، للحكم البريطاني. وتم إعتقال الاستاذ محمود، بعد تدخل الجيش، فقد جاء (جاءت قوة كبيرة من البوليس من مدني برئاسة مفتش المركز ، وفي نفس الوقت عسكر خارج رفاعة البلك الرابع من فرقة الهجانة بقيادة الصاغ أحمد عبد الله حامد الذي دخل الى رفاعة برفقة ضابط سياسي وقابل المفتش وكموندان البوليس ورجع الى مقر فرقته واعتقل الاستاذ محمود محمد طه وأحضر الى المركز ، واثر ذلك تحرك جمهور كبير نحو المركز وفي الحال نقل الاستاذ محمود الى معسكر البلك الرابع خارج المدينة وتحركت فصيلة من البلك الرابع لتعزيز قوة بوليس مركز رفاعة ) (الرأي العام 7/10/1946م) ¬ كما جاء في الأخبار ( علمنا أن الاستاذ محمود محمد طه رفض ان يقبل محامياً للدفاع عنه وانه أعلن بأنه لن يدلي بأية اقوال للتحقيق إلا على أساس مناقشة قانون منع الخفاض الفرعوني . وكان الاستاذان المحاميان الاستاذ أحمد خير والأستاذ زيادة قد تقدما للدفاع عن الاستاذ فشكرهما الاستاذ واعتذر لهما بأنه سيباشر القضية بنفسه ) (الرأي العام 12/10/1946م).


    وحين وقف الاستاذ محمود أمام القاضي ابورنات في محكمة مدني مدافعاً عن نفسه كان مما قاله (1- أهالي رفاعة جميعهم أبرياء ، وزملائي الذين سجنوا أبرياء ، وأنا برئ ، والمسألة في الحقيقة ، سلسلة أخطاء من الإدارة ، من أولها إلى آخرها .. كلما أخطأت الإدارة مرة ، وتمسك الناس بحقهم ، اعتبرته مساساً بهيبتها ، فاستعلت ، وأخذتها العزة بالإثم ، فقفزت في خطأ آخر ، هو في زعمها ، يعيد لها هيبتها في نفوس الناس .. وما علمت أن إجتماع الأخطاء ، لا ينتج منه ولا صواب واحد. (2- الوضع الصحيح المجمل لهذه المسألة ، هو أن الإدارة قد ضربت أهالي رفاعة فصاحوا من ألم الضرب بصوت خفيض ، ثم ضربتهم فصاحوا، ثم ضربتهم فصاحوا ، فاستاءت من أن يصيح المضروب المتألم ، فقدمتنا للمحاكمة ، فكانت هذه المحكمة.. ولو كنا نملك ما تملك ، لقدمناها نحن لهذه المحكمة ، ولكنا لا نملك جيشاً ، ولا بوليساً ، ولا سجوناً وقيوداً ، ولو ترك القطا ليلاً لنام . (3- قلت بالأمس ، إني وبالمثل أي عضو من أعضاء الحزب الجمهوري ، لا أنكر تهمة الإثارة ، لمجرد أنها تهمة إثارة ، إنما أنكر تهمة الإثارة ، بالنقد الذي لا يحترم الحقائق وبالتشويش المغرض .. ولقد كان من دواعي الشرف لي ، ولحزبي ، لو صح أني أنا الذي أثرت أهالي رفاعة حول هذه القضية ، لأنها من القضايا التي نقدنا فيها الحكومة ، وسننقدها الى ان تقلع عنها .. ولكن للأسف ، فإن الإدارة قد سبقتني الى هذا الشرف ، فاثارت أهالي رفاعة ، واثارتني معهم .. فلننظر . (7- قالت جريدة الرأي العام في يوم 24 سبتمبر، تحت عنوان رئيسي " القضاء ينظر في قضية الخفاض برفاعة " ، بعد حديث لها " وقد علمنا من مكتب الصحافة هذا الصباح ، أن قضية الخفاض التي سببت كل هذا الشغب ، هي الآن ، تحت نظر رئيس القضاء بالمصلحة القضائية ، وان التهم الموجهة الى الذين اعتقلوا في هذه الحوادث ، لا دخل ¬ (8- لها بآرائهم في موضوع الخفاض .. ولكنها تتعلق اولاً وأخيراً باستخدام القوة ، لتحقيق غاية ، في الوقت الذي كان في الاستئناف مفتوحاً أمام المتظاهرين. (9- هل باب الاستئناف مفتوح أمام المتظاهرين ؟ .. لننظر .


    (10- قالت الحكومة في بيان رسمي ، في الصحف ، ما يأتي " حصلت أخيراً في رفاعة حادثة أدينت فيها إمرأة لخفضها ابنتها خفاضا غير مشروع وحكم عليها بأربعة أشهر سجناً ، وقد قدم استئناف لمدير المديرية ، فرفضه ، وحبست المرأة في السجن" .. ومع ذلك فالحكومة تقول إن باب الاستئناف مفتوح !! وهذا الاستئناف رفض مع ان المرأة ، مسجونة بغير أدلة كافبة للإدانة ، وفيما أعلم لم يخبر المستأنفون ، ولا نحن مندوبي الهيئات ، الذين قابلنا المفتش ، بهذا الاستئناف ، وانما أعيدت المرأة للسجن والسلام .. فان لم يكن هذا سوء النيّة والاستخفاف بالناس فماذا عساه يكون؟ (12- مفتش رفاعة ، سجن أمرأة مصونة شابة ، في سجن عمومي مع خادمة عاهرة .. فحدثناه في ذلك ، فاعترف بعدم صلاحية السجن للنساء ، في رفاعة ، فأطلقها بضمانة ، وظل ما ظل في رفاعة لا يذكرها، فلماذا عندما ذهب الى الحصاحيصا، أمر باعادتها، الى نفس السجن؟! فهل تسمي هذا استخفافاً، بدين الناس، واخلاقهم، أم تسميه جهلاً بالناس، أم هما معاً ؟! سمه ما شئت فهو برهان ثالث . (13- إن تصرف المفتش هذا ، يجعل ما قمت به أنا ، في الجامع ، وما قام به الناس بالمركز ، شيئاً مفروضاً علينا ، في واجب الدين ، وواجب الاخلاق ، وواجب الحياة نفسها ، بل إن الناس قد سلكوا سلوكاً يستحق الثناء ، وقد شرحنا تفصيله للمحكمة ).
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

14-01-2010, 10:32 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    أمة الامجاد وهدر الامكانات ....
    بقلم: د. حيدر ابراهيم علي
    الأربعاء, 13 يناير 2010 17:38



    تتخذ الايديولوجيات المتعصبة الانسان وسيلة لتحقيق اهدافها،ولا يعني الانسان لها أي شئ.ولا قيمة أصيلة للانسان الا بمقدار ما يخدم أغراض تلك الايديولوجيا،فهو مجرد وسيلة.لذلك يمكن التخلص منه بوسائل متعددة لو مثل عقبة أو مشكلة في طريق تقدم أو نجاح الايديولوجيا.وهذا سبب تخلص ستالين وهتلر وبول بوت من الآف الاشخاص دون أي تردد أو شعور بالذنب والخطأ.فالايديولوجيا فوق الجميع،وارواح الناس مبذولة للفداء،وما هتاف بالروح بالدم نحميك يا فلان، الا الاستبطان الصريح لتلك الفكرة.لذا لم يكن غريبا أن تضحي الايديولوجيا الاسلاموية ممثلة في انقلاب الانقاذ بمئات السودانيين لضمان استمرارها.وضحت بالكثيرين من الطرفين في الجنوب ودارفوروفي حوادث اصغر،وب28 ضابطا في لحظات لحماية السلطة،خاصة وانها في هذه الحالة تدعي الدين وتنتسب له. وليس بالضرورة أن يكون الموت من خلال القتل المادي المباشر،فهناك قتل من خلال الشعور بالاحباط والظلم والغبن والاضطهاد وتقليل القيمة والتهميش.
    يمكن القول ،أن أعظم جرائم وخطايا الانقاذ- وهي كثيرة- هي عملية القتل المعنوي للانسان السوداني من خلال الحرمان من حق العمل بالفصل التعسفي وتعطيل الشباب والخريجين (والتي تسمي خطأ العطالة بينما هي تعطيل مقصود لأنها تقع علي شباب مؤهلين وذوي كفاءات). يعتبر الحرمان من حق العمل قتلا معنويا لأنه ينزع عن الفرد الميزة التي جعلت منه انسانا.فتاريخ التطور الاجتماعي والبيولوجي يري أن الانسان اصبح عاقلا بالعمل حين استخدم يده وبالطبع عقله وعينيه.وبعد العمل كوّن الانسان المجتمع ومضي صاعدا في سلم المدنية والتقدم.فالعمل ليس مجرد حاجة مادية،ولكنه حاجة نفسية وروحية.أما علي المستوي السياسي وحقوق الانسان،فإن حق العمل يعني الانتماء والمواطنة،وإن المرء يشارك في بناء.فالمسألة ليست مجرد الحصول علي مرتب،بل الشعور بالمشاركة والقيمة المكتسبة من شعور المساهمة في بناء الوطن،مهما كان حجم المساهمة.لذلك،يعتبر تعطيل مواطن وابعاده قسرا عن المشاركة في تطوير وطنه من خلال العمل والانتاج ، هو التهميش الحقيقي والذي يفوق أي اقصاء أو إبعاد آخر مهما كانت اسبابه:اثنية أو دينية.
    وكثيرا ما يهمل السودانيون التمسك بحقوق إنسانية أصيلة،أو قد يجهلون هذه الحقوق في احيان كثيرة.فقد اكدت مواثيق حقوق الدولية علي حق الانسان في العمل.فقد ورد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان،خاصة المادة(23) ما يلي:-
    1-لكل شخص حق العمل،وفي حرية اختيار عمله،وفي شروط عمل عادلة ومرضية،وفي الحماية من البطالة.
    2- لجميع الافراد،دون أي تمييز،الحق في أجر متساو وعلي العمل المتساوي.
    3- لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولاسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية،وتستكمل،عند الاقتضاء،بوسائل اخري للحماية الاجتماعية.
    4- لكل شخص حق انشاء النقابات مع آخرين والانضمام اليها من أجل حماية مصالحة.
    هذه حقوق واضحة وصريحة في ميثاق دولي وقع عليه السودان ويفترض أن يكون ملزما له وان يكون السودان ملتزما بلا تردد بهذه المواد والبنود.ولكن النظم الشمولية مثل نظام الانقاذ تري في التوقيع أوالانضمام للاتفاقيات الدولية مجرد تبرئة ذمة واستباقا لأي ادانة حين ينتهك النظام تلك الحقوق.لذلك،تظل الاتفاقيات مجرد حبر علي ورق،ما لم تفرض الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقة علي النظام احترام تلك العهود والمواثيق.فهذه قضايا بدهية:الحق في العمل والعمل حسب المؤهلات وأن يكون الأجر أو المكافأة أو الدخل ملبيا لتحقيق الحاجات الاساسية لحياة كريمة.وشوارع السودان ملئية بالآف المحرومين من هذا الحق ويقبلون وضعيتهم وكأنها قضاء وقدر وليس من صنع بشر متسلطين.
    يبدو عنوان المقال وكأنه يتحدث عن امة الامجاد – حسب النشيد المعروف-وكأنه
    سوف يعدد امجاد وانجازات واشراقات السودان أو أمة الامجاد التي يصفها النشيد في أحد مقاطعه:
    امتي ياامة الامجاد والماضي العريق
    يانشيدا في دمي يحيا ويجري في عروقي
    الي أن يقول:-
    امتي سيري إلي المجد وجدي في المسير
    حققي بالعمل البناء احلام الدهور
    واصعدي بالعلم والاخلاق للنصر الكبير
    اصعدي ياارض اجدادي وامي وابي
    وحدد الشاعر وسائل الارتقاء الي المجد وتحقيق احلام الدهور في العمل والعلم والاخلاق.ولكن امة الامجاد المقصودة في هذه المقال تتكون من سائقئ ومالكي سيارات الامجاد.فهم في غالبيتهم مهارات وقدرات العمل مع خصال وفضائل العلم والاخلاق.فقد حظيت كزبون دائم للتنقل بسيارات الامجاد،بالحديث والدردشة مع سائقي.وقد اكتشفت أنني حيال فئة اجتماعية يمكن أن تكون حكومة ظل لديها كل التخصصات والخبرات مع الوعي ومحبة الوطن رغم كل المرارات.فأنت تجد بين سائقي الامجاد ضباط من القوات النظامية في عز شبابهم وقوتهم احيلوا الي المعاش للصالح العام!مازلت لا اعلم صالح من هذا الذي يشرد المؤهلين لاسباب حزبية بحتة.وتجد بين السائقين ،شبابا من الخريجين في مقتبل العمر واصحاب تخصصات دقيقة مثل هندسة الكمبيوتر والكهرباء ومن يحضّرون لدراسات عليا في العلوم السياسية أو الاعلام.وفي صباح الاثنين الماضي ركبت مع شاب يدعي علي حسن،وعلمت من الدردشة أنه متخصص لغات:انجليزي وفرنسي،وله المام جيد بلغات اوربية اخري لأنه عاش لفترة في اوربا.وفشل في الحصول علي وظيفة مترجم.
    السؤال كيف تكونت امة الامجاد هذه؟المنبع الاول هو الفصل التعسفي وتعطيل الخريجين عن العمل.فقد اتخذت الانقاذ من حملات الفصل التعسفي آليات لاذلال المعارضين من خلال التجويع خاصة وأن الدولة حين المشغل الرئيس للمواطنين.وأعرف الكثير من الحالات التي تم فيها فصل الزوج والزوجة معا وفي نفس اليوم.وقد صاحب هذه الوسيلة آلية تسهيل هجرة المفصولين بقصد افراغ البلاد من المعارضين،وكان بامكان الأمن حظر سفر الكثيرين.ومن لم يفكر في الهجرة أو فشل فيها،فله مكان محفوظ خلف مقود احدي الامجادات. أما الشباب المعطّل عن العمل،فالسبب في حرمانهم من العمل يعودالي أن شروط التعيين ليست عادلة ولا حرة ولا نزيهة(وهذا مصير الانتخابات القادمة!)فمن الواضح ان نظام الانقاذ اختار وبلا حياء تفضيل اها الولاء علي اصحاب الكفاءةوبالتالي لم تعد المنافسة مبنية علي التأهيل والتفوق والكفاءة.اذ يطلب من المتقدم للعمل ايراد اسماء ثلاثة يمكن الرجوع‘ففي البلدان المتقدمة تكون هذه المرجعية من الاساتذة الذين درسوا المتقدم ولكن في السودان يراد بها معرفة صلة المتقدم للوظيفة باشخاص في التنظيم.واصبحت القبيلة ذات اهمية في ارانيك التقديم،خاصة في المؤسسات ذات المرتبات العالية والامتيازات وقد صارت محتكرة لمؤيدي والمتعاطفين مع النظام.
    ومن الواضح أن السودان قد اصبح دولة ووطن الحزب الواحد الذي اعطي نفسه حق حرمان السودانيين من حقوقهم في العمل.وهذا وقد اصبحت موارد الدولة حاكورة رمزية يمتلكها النظام.وظاهرة "امة الامجاد" تعري نظام الانقاذ ،والذي يزوّر تسمية:حكومة الوحدة الوطنية،فهي تبين ان الانقاذ هي تجديد لقصة مدينتين حسب ديكنز.مدينة الانقاذ مقابل بقية السودانيين،إذ غابت المساواة بين المواطنين.كما اختلت مبادئ الرجل المناسب في المكان المناسب.وقد سلحت الايديولوجيا الجهل والركاكة بالسلطة المطلقة. وتعمل علي اضعاف الولاء للوطن لان الوطن لم يعطهم شيئا،خاصة الشباب الذين يرون آباءهم الدافعين دم قلوبهم لتعليمهم والآن تملأهم الحسرة والغيظ لأن آمالهم في فلذات اكبادهم طوحت بالميل.وهكذا تهدر امكانات الوطن من أجل مشروع ثبت فشله حيث اعاد البلاد للمجاعت رغم انتاج النفط،ورمي بالاستقلال الذي جاء بلا شق ولا طق في احضان الوصاية والانتداب الامريكي الجديدين
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

15-01-2010, 09:35 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    الخميس 14 يناير 2010م، 29 محرم 1431هـ العدد 5948


    ضرورة تأمين المناخ السياسي قبل الانتخابات

    عمر الترابي
    Alnahlan.new@hotmail.com
    عمر الترابي

    ظلت الديمقراطية خلال النصف الثاني القرن الماضي خياراً مُرتضىً لتوطيد حُكم الشعب في العديد من الفعاليات التنظيمية التي تتمايز شكلاً ومضموناً وتختلف صيغها ومراميها ومجالاتها من المجالسِ الشعبية والبلدية مروراً بمجالسِ الحُكم والأحزاب صعوداً إلى مؤسسات الرئاسة وقمم الهرم القيادي في الأمم، وبذلك الإختلاف تتأثر الديمقراطية أيضاً فتختلف أشكالها ومسمياتها ولكنها تتحد في قيامها علَى أُسسِ التداول السلمي للسلطة و حكم الأكثريّة مع مراعاةِ حقوق الأقليّات والأفراد وحتماً فإن هذا المُسمى يضيق ويتسع في مخاطباته للمجتمع الحر أو الحكم الرشيد، وشارات الديمقراطية غالباً ما تُبشر بالرضى الشعبي وتخمد التأورات التي تُهيِّجُها نيرانُ الكبتِ ويُزكيها الطغيان- إلا أن كل أطوار هذه الممارسة يجب أن تكون محكومةً بضوابط التراضي و الإلتزام بنهج وطني ٍّمستقيم-، وقطعاً يأتي الإنتخاب واسطة عقدٍ في هذه الممارسة الهامة كإحدى آليات تداول الحكم بالتراضي في الديمقراطيات الحديثة نيابيةً كانت أم مباشرة، و نحمد إلى الله ان بلادنا بعد غياب طويل (نأمل) أنها تنحى اليوم نحو التحول الديمقراطي و تتأهب للدخول في الإنتخابات إمضاءً لميثاق السلام الذي وُقِّع في نيفاشا لتحقيقِ السلام الشامل والتنمية المستدامة في السودان.


    والحق أن السودان عاش في السنين الأخيرة، سنوات حرجة؛ فالتطور المُتسارع للأوضاع وصل بالناس إلى مرحلةِ الأزمة الشاملة، حتى أن بعض الأجيال وهنت لديها الأحلامُ بميلادِ دولة عصرية يتساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات وتهاوت الأمنيات صريعة، بل أن البعض اعتبر أن مشروع الدولة الوطنية مهدد بالسقوط حيال الأزمات التي دُبرت و أديرت لهذا الوطن، هذا الشعور وفّر أرضية مناسبة أقنعت كل أطراف الصراع في السودان بأهمية اللجوء إلى الديمقراطية، إذ أُعتبر أن غيابها هو سببٌ أصيل لجمة الكوارث التي ألمت بالبلاد، فولّدت هذه القناعة الإتفاق المشار عليه عاليه ومتمماته من اتفاقيات سلام، وميثاق نيفاشا هو الذي قرر إجراء تراتيب لتمكين السلام في الوطن أولاً ثم أعقبها بانتخابات لتضمن استمرارية السلام وبناء الدولة العصرية التي تعتز بهويتها السودانية ومكوناتها.


    قطعاً تأتي هذه الإنتخابات في مرحلة مفصلية من تاريخ الأمة و التفاعل معها كحالة استثنائية وتناول أمرها بفكر- ينفك عن إسار النصية وينهض بمقصدياتها- لهو ضرورة وطنية، فهذه الإنتخابات ستكون بوابة لتاريخ جديد و يعتقد البعض أنها ستكون من موجهات وحدة السودان من عدمها، ولا يتوانى أحد في إبداء تخوفه من ما ستفضي إليه إن لم تُجرى بالطريقة المستقيمة، فحتى تتحقق مقاصد الإنتخابات و قيم الديمقراطية يجب تأمين المناخ السياسي حتى لا ينالنا الندم بعد فوات الأوان متعذرين بإلتزامنا حرف عهد وتناسينا قصده، فالتجارب الإنتخابية التي انتظمت في العديد من الدول تجعلنا أكثر حرصاً على ضرورة تأمين المناخ السياسي، لنتجنب الفوضى و لنتعظ من التجارب في الدول الصديقة (كينيا، موزبيق، إيران)، التي تابعنا تجاربها بكثير من الأسى ورأيناها تتفلت عن القيم التي يبنبغي أن تتسم بها الممارسة الديمقراطية، وقد تسببت انتخاباتها في حالة كان من الممكن تجنبها لو أُعملت الحكمة و وُفِّرَ المناخ السياسي الحميد لإجراء انتخابات، ورأينا كيف أثر ذلك في الإقتصاد المحلي لتلك الدول وغشى بالإضراب أثراً حتى على السلم والأمن العالميين.


    إن عملية التحول نحو النظام الديمقراطي ليست عملية محسومة سلفاً، ولا تأتي في إطار (نقل) تجربة الآخر من الأمم ذات السبق الديمقراطي حرفياً، بل هي مسعىً تراكمياً يُوالى بالتطور والنقد والمراجعة والتنقيح، ويُراعى فيه دوماً ضرورة تحقيق مقاصد العملية الإنتخابية واستدرار الرضى الشعبي، وأي ممارسة تخرج عن هذه المقصدية لا يصح وصفها بالديمقراطية إلا تجملاً!


    حالة الإستقطاب السياسي و ما أفرزته من مناخ سياسي مشحون وما أزاكها من جدال سياسي وقانوني أخير بين شريكي الحكم و حلفائهما، زادت من وتيرة التوجسات التي دعت المراقبين إلى المطالبة بعمل سريع يُنقذ الإنتخابات ويضمن سلامتها، هذا بدوره أحيا معاني الوفاق وضرورته بين الأحزاب السياسية، لذلك كان لا بد من ظهور تيار وفاقي عام يُعاصِي حالة التوتر المتأججة التي تهدد سلام وأمن الوطن ومكوناته.
    جاءت مبادرة مولانا الميرغني القديمةُ الجديدة، لترفع راية السلام وشارة الوفاق وبرّاق الأمان، وهي مبادرةٌ متجردة من حزب ديمقراطي يجِدُ في تنزيل معاني الديمقراطية وقيمها في السياق الذي يحفظ للأمة هويتها ويضمن وحدتها ويؤيد سعيها نحو الخير، فتاريخه المشرق انضاف إليه مثابرته الحالية في دعم التحول الديمقراطي نضالاً ثم مشاركة في التحول بالطرح و النقد البناء ومن ثم التلمس لعلاج أدواء الأمة، فقد كان أول الأحزاب تحديداً لرمزه الإنتخابي (العصى) وكان أول من قاد حملات التوعية بأهمية التسجيل في الإنتخابات ودبت قواعده حركة دؤوبة ونشطة، وبالتزامن مع ذلك كان يرفع شعار (أولية الوطن) وضرورة أن تكون الإنتخابات منزهة عن التلبيس والغرض، و تزامن مع ذلك عرضه للوحدة الوطنية الذي قدمه للحيلولة دون انفصال الجنوب.


    لم يُخيب شريكا الحكم في السودان الظن الشعبي بهما فقد أعلن المؤتمر الوطني دعمه وتأييده للمبادرة، و بحكم العلاقة التاريخية بينهما يبقى دعم الحركة الشعبية القديم (متجدداً)، فقد كانت الحركة الشعبية أول من دعم المبادرة في طرحها الأول فالأكيد أنها اليوم ستجدد دعمها فما بينها وبين الإتحادي أصيلٌ منذ أن تواثقا على وحدة السودان أرضاً وشعباً في 1988م، والقيمة الحقيقة التي ستحققها مبادرة صاحب السيادة السيد محمد عثمان الميرغني «حفظه الله»، هي أنها ستُعيد أجواء الحوار الوطني وتُعيد البريق للحل (السوداني- السوداني)، وعودة الحوار الوطني ستؤدي إلى وفاق وطني عام، وحدّ أدنى من الإجماع الوطني الذي سيكون بدوره صمام أمانٍ للوطن.
    لعل سياق الطرح في هذا المقال كان القصد منه تكرّيس المبادرة لعلاج أزمة المناخ السياسي بإعادة الوفاق لضمان تحقيق مقاصد الديمقراطية وتأمين عواقب الإنتخابات، وإن كانت مقاصد المبادرة تتسع لأوسع من ذلك ولكن لفت النظر لهذه الجزئية يُضاعف من جهود القائمين عليها ويُسارِع بخطواتهم نحو تحقيق مؤتيات الوئام، فمسؤولية المبادرة اليوم أن تخاطب التيارات السياسية كلها، وكما أُعلن فإنها ستخاطب الجميع بلا ممايزة ولا إقصاء، وجلوس أهل السودان في صعيد واحد هو نصف الحل بلا شك.
    إن حاجة الأمة السودانية اليوم للوفاق تفوق حاجتها إلى أي شئ آخر، فالمشكلات الحقيقة التي ينبغي أن تُفرغ فيها الجهود و توجه إليه العقول، ما تزال بعيدةً عن التناول بسبب غياب جو الوفاق الوطني، وهي مشكلات في عمق المجتمع و بين أوساطه، و إنشغال النُخبة السياسية بتأطير الأُطر العامة و ترسيخ المبادي وتقويم المباني يحرم الأمة من عطائهم في هذه الجوانب الحية، فبلادنا بفعل عوامل عدة دخلت إلى دائرة مشكلات اجتماعية مثل العنف المدرسي! و مشكلة المخدرات مثلاً وغيرهن من القضايا التي لا تُحل بسن القوانين وإنما تحتاج إلى جلسات وندوات ومؤتمرات فكرية وتنمية لكل البواعث الأيدلوجية لتخاطب المشكل الإجتماعي والتعليمي والسياسي.
    لذلك يأتي عشمنا بأن تتوافق هذه النُخب، خاصةً وأنه قد تهيأت لنا الآن مبادرة وطنية خالصة لا شروط فيها، و قد اكتسبت موافقة وتأييد من فعاليات المجتمع و قيادات الأحزاب، حتى يتواثقوا على الحد الأدنى من الإجماع الوطني، ويتنادوا إلى مواثيق شرف تعصم التجربة الديمقراطية من الإنزلاق إلى وحل الفشل، فيأمنوها عبر تمليك السلطة-المنتخبة المقبلة- قدرةً على فض التراعات، و الإسهام في توفير بنية اقتصادية فعالة، و كبح محاولات تغيير البنية الأساسية للمجتمع.
    مما يُبشر بإمكانية اختراق الوضع المأزوم والتقدم نحو الحل عبر هذه المبادرة، عبقرية الزمان الذي أُنعشت فيه، فالبلاد تحتفل هذه الأيام بفواتح عام هجري وميلادي، و ذكرى الاستقلال المجيد وأيضاً أعياد السلام (نيفاشا)، وتأتي أيضاً هذه المناسبة لنرفع مناشدتنا بضرورة تفعيل اتفاق القاهرة الذي وقع بين التجمع الوطني الديمقراطي و الحكومة السودانية، وهو اتفاق قومي مجيد، انفك عن إسار الجهة و الإثنية وخاطب مشكل السودان بقومية واضحة، فالإحتفاء الرسمي به يُبشر بوحدة السودان ويمجدها، خاصةً وأنه شمل توقيع فخامة نائب رئيس الجمهورية الأستاذ علي عثمان محمد طه نيابة عن حكومة السودان و صاحب السيادة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني نيابة عن التجمع الوطني الديمقراطي والراحل الدكتور جون قرنق نيابةً عن الحركة الشعبية لتحرير السودان، وكانوا في معية الشقيقة مصر المضيافة و شرفها بالحضور فخامة الرئيس محمد حسني مبارك، فإتفاق بهذا العمق ينبغي أن يُعمم خيره و يُرعى تنفيذه، ليتمم عمل مبادرة مولانا الميرغني للوفاق الوطني باعتباره الأساس الأول للمصالحة الوطنية.
    إن أمل جميع بني السودان اليوم أن تُتَوج جهود مولانا الميرغني و حزبه العملاق بوفاق سوداني شامل، فعبر هذا الوفاق الوطني الشامل سنمضي واثقين من أن تجربتنا الديمقراطية القادمة ستصب في تدعيم الرضى الشعبي و سيتقبل أهل السودان كما العهد بهم- نتاج العملية الإنتخابية (المنزهة عن التلبيس والتزوير) والذي سيكون حكومة رشيدة ورصيفتها معارضة وطنية يعملان سوياً من أجل الوطن، فعلى قادة الأحزاب الوطنية أن يغتنموا هذه الفرصة؛ فان لهذا الشعب حقاً ينبغي أن يؤدى، فأعيدوا بالوفاق الحلم لأبناء هذا الوطن، إنهم يحلمون بوطن يسع الجميع متصالح و متسالم يسوده العدل والأمان، وهذا سادتي لا يتأتى إلا بالوفاق، والوفاق لا يتأتى إلا بتصافي النوايا واستحضار التقوى التي تربي في النفوس معاني إصلاح ذات البين و تنأى بهم عن الحوالق والمهالك والمزالق التي تجلبها المماحكة والشحناء والبغضاء والعداء، إن المسؤولية الآن هي العمل على تهيئة مناخ يُدَّعم مساعي هذه المبادرة، والله المسؤول أن يُصلح ذات بيننا و يرحمنا بالوفاق وينجينا من الشقاق، به الإعانة بدئاً وختاماً.

    الثحافة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

16-01-2010, 00:20 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    عن الإسلام وحركاته: هل هناك أصلاً حاجة لحركة إسلامية؟ ..
    بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي
    الخميس, 14 يناير 2010 09:02


    هناك رواية متناقلة مفادها أن الشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين كان قد طلب من العاهل السعودي الملك عبدالعزيز آل سعود السماح له بإنشاء فرع للحركة في المملكة، فجاءت الإجابة بالرفض، بحجة أن كل سكان المملكة "إخوان مسلمون" أصلاً ولا حاجة لهم بمثل هذه الحركة. وهناك منطق في هذه الحجة، لأن نشأة الحركات الإسلامية جاءت على خلفية غياب وفشل المؤسسات الإسلامية التقليدية في القيام بواجب الدفاع عن أسس بقاء المجتمعات الإسلامية وقيمها في وجه هجمة الحداثة الاستعمارية. وكان سقوط الخلافة هو الحافز الأول الذي دفع إلى التفكير في إنشاء حركات تدافع عن الإسلام، ولكن الشيخ البنا لم يفكر جدياً في إنشاء حركته إلا بعد أن طاف على العلماء والمشايخ يندبهم للتصدي لما رآه خطراً ماحقاً يهدد أسس المجتمعات الإسلامية ممثلاً في استشراء التغريب والتنكر لتعاليم الدين. ولو أن العلماء استجابوا للشيخ ونظموا الحملة التي طلب فالأرجح أن المعلم الشاب كان سينصرف إلى هم آخر.



    ولم يكن من المتصور أن تقوم حركة إسلامية في المدينة في العهد النبوي، ولا في فجر عهد الخلافة الراشدة، لأن كل أعضاء ذلك المجتمع (باستثناء طائفة المنافقين بالطبع) كانوا حركة إسلامية. ولعل أول "حركة إسلامية" في العصر الإسلامي (أو حركة ترفع راية "العودة إلى الممارسات الإسلامية الحقة، أو "سيرة الشيخين" في هذه الحالة) كانت حركة التمرد على الخليفة عثمان رضي الله عنه. وسرعان ما لحقت بها حركة الخوارج، ثم الحركات الشيعية بمختلف توجهاتها، ثم حركة أحمد بن حنبل وبعدها بحقب حركة ابن تيمية. وما يجمع بين هذه الحركات الاعتقاد بأن القيادة السياسية ومعها غالبية المجتمع قد انحرفت عن النهج الإسلامي الصحيح، وأن الفئة المعنية هي وحدها التي تجسد الولاء الكامل لذلك النهج وأن من واجبها إعادة الدولة والمجتمع إلى حظيرة الإسلام.



    بحسب هذا المنطق فإن الحاجة إلى الأحزاب الإسلامية تظهر حين يعم الانحراف. وعليه فلو عاد الأمر إلى جادة الطريق فإن الحاجة لهذه الأحزاب تنتهي. وقد طبق آية الله الخميني هذا المنطق عملياً حين ما أمر بحل الحزب الجمهوري الإسلامي، حزب الثورة الإسلامية في إيران، في عام 1987. وهذه حالة تثير الانتباه، لأن هذا الحزب نشأ بعد الثورة الإسلامية، وأصبح ذراعها الأقوى في وجه خصومها. وقد استجاب الخميني لطلب مشترك تقدم به أكبر هاشمي رفسنجاني وآية الله على خامنئي بحل الحزب بسبب الخلافات العميقة التي تفجرت وسط قياداته وعضويته، خاصة حول السياسات الاقتصادية. فالأمر لا يتعلق هنا بحل الحزب الإسلامي بعد اتخاذه وسيلة لبلوغ السلطة كما حدث في السودان، بل حل التنظيم الذي نشأ بعد الثورة. والمقابل لهذا الأمر في الحالة السودانية يكون حل المؤتمر الوطني بعد الانشقاق.



    نورد هذه المقدمة ونحن نستأنف حديثنا الذي بدأ الأسبوع الماضي حول إنهاء وجود الحركة الإسلامية في السودان من قبل النظام الذي جاء إلى السلطة عبرها، وذلك لنتأمل هذه الحالة بعقل مفتوح. فليس من الضرورة أن تستتبع دعوة الكف عن المغالطة حول وجود حركة وهمية القول بأن وجود الحركة ضروري، أو أنه من غير الممكن الاستعاضة عنها بتنظيم من بالأشكال، بل بالمضمون والوظيفة.



    من ناحية المبدأ، ليس هناك ما يمنع قيام أحزاب إسلامية في دولة تدعي أنها إسلامية (وإن كانت الحكومة الحالية غير واضحة في هذا الخصوص، حيث تدعي الإسلامية حين يحلو لها، وترفع دعاوى أخرى عند اللزوم)، وإن كانت وظيفتها ستختلف بالضرورة. ففي الولايات المتحدة التي تدعي أنها جمهورية ديمقراطية، هناك حزب جمهوري وآخر ديمقراطي. وفي معظم الدول الديمقراطية هناك أحزاب تتسمى بالديمقراطية (مع إضافة بعض الأوصاف، مثل "اشتراكي" أو "مسيحي").



    ولكن كلمة السر هنا هي "ديمقراطي"، لأن النظم الديمقراطية تسمح بتشكيل أي أحزاب وتنظيمات يريدها المواطنون. ومن ناحية نظرية، فإن السودان أيضاً مقبل على تحول ديمقراطي، مما قد يتيح أيضاً الفرصة لتشكيل حركات إسلامية. ولكن حتى الآن فإن الحكومة تبذل كل وسعها حتى لا تقوم حركة إسلامية مستقلة عن الدولة. ولكن هذا لم يمنع من قيام حركات ترفع راية التوجه الإسلامي، من أبرزها المؤتمر الشعبي الذي لا تدخر الحكومة وسعاً في محاربته. ولكن هناك تنظيمات "إسلامية" أخرى، مثل السلفيين وحركة الإخوان المسلمين، وهي تنظيمات متحالفة مع السلطة.



    ولكن المشكلة الأكبر التي ستواجه أي حركة إسلامية تريد خوض غمار المنافسة الديمقراطية في السودان هي إرث النظام الإنقاذي وممارساته التي ستشكل عبئاً ثقيلاً على أي حكومة. فقد كان للحركة الإسلامية السودانية قبل عهد الإنقاذ خطاب تجديدي ديمقراطي، ولكن الممارسات خلال العهد الإنقاذي كانت أبعد ما تكون عن مقتضى ذلك الخطاب. وما تزال الحركة الإسلامية بأجنحتها المختلفة في حالة إنكار وإحجام عن أي نقد ذاتي موضوعي يعيد صلة الحوار بينها وبين بقية طوائف المجتمع. فما لم تتم هذه المواجهة مع الذات والتصالح مع الآخر، فإن مستقبل الحركة الإسلامية في أي وضع ديمقراطي قادم سيواجه مشاكل كثيرة ويتحول إلى حالة طائفية تؤدي إلى الاستقطاب وتهدد الاستقرار.



    وهذا يعيدنا إلى النقطة المحورية التي أشرنا إليها في الحلقة الماضية، وهي أن كلا جناحي الحركة مسؤول عن تلك الممارسات. فعلى سبيل المثال نذكر أن حل الحركة الإسلامية ومنع أي محاولات لحلها تم قبل الانشقاق، وقد تعرض بعض من حاولوا إعادة الحياة إلى الحركة الردع والقمع، كما حدث مع الأخ محجوب عروة الذي تعرض للاعتقال والتحذير حين شرع مع آخرين في جمع توقيعات تطالب بعقد اجتماع لمجلس شورى الجبهة الإسلامية. وقد تعرض كاتب هذه السطور ولا يزال لهجمات شرسة لأنه دعا إلى النقد الذاتي ومارسه. ويجب هنا أن أسجل لإحقاق الحق أن كلاً من الشيخ الترابي والأستاذ علي عثمان تقبلا نقدي بصدر رحب وناقشاني فيه بموضوعية. ولكن هذا لم يمنع من أن النظام ككل كان رافضاً للنقد وإعادة تقييم التجربة، ويعتبره تشويشاً على الأفضل وخيانة على الأسوأ.



    رفض الأنظمة التي ترفع الشعارات الإسلامية سواء أكانت في السعودية أو إيران أو السودان السماح بقيام حركات إسلامية مستقلة ينبع من الحرص على احتكار السلطة الدينية باعتبارها مصدر الشرعية الأهم لهذه الأنظمة. وفي هذه الحالة فإن قيام حركة إسلامية مستقلة ذات مصداقية لا يقل خطراً على هذه الأنظمة من قيام جيش مستقل عن السلطة. ففي الحالين يتحول مركز السلطة إلى موقع منافس. نفس الخطر يمكن أن تشكله مؤسسات دينية تقليدية مستقلة، مثل المراكز التعليمية وتجمعات العلماء. وكما شهدنا في حالات الصراعات والنزاعات التي تندلع مع السلطة وحولها، فإن الأنظمة تحتاج إلى المؤسسات الدينية التقليدية والأصوات الإسلامية لتعضيد وتبرير مواقفها، كما في تبرير المشاركة الأجنبية في حرب الخليج، أو حرب إيران مع العراق، أو التعاون الإيراني السري مع إسرائيل وأمريكا. وبنفس القدر فإن وجود أصوات تعارض هذه التوجهات من داخل المؤسسات الدينية تشكل خطراً كبيراً على الأنظمة وتم التعامل معها بحزم.



    هذا بالطبع لا يمنع قيام حركات ذات طابع إسلامي تدخل في مواجهة (قد تصبح عنيفة) مع السلطة، كما حدث مع تنظيم القاعدة في السعودية. ولكن كثيراً من هذه التنظيمات تبقى سلمية التوجه، كما حدث مع حركة الإصلاح المعارضة في السعودية وبعض تحالفات العلماء ذات التوجه الراديكالي هناك. وفي إيران قامت جماعة خاتمي وقبلها حزب الحرية الذي كان يتزعمه مهدي بازرغان، وأخيراً حركة موسوي "الخضراء". وتوجد جيوب في مؤسسات العلماء كان أبرز رموزها العالم الراحل آية الله منتظري. وكما في السودان فإن الحكومات تناصب هذه الحركات العداء وتراها عدواً أشد خطراً من خصومها التقليديين من علمانيين وقوى خارجية.



    إذا عدنا إلى قضية وجود ومستقبل الحركة الإسلامية في السودان. فالحركة الآن غائبة مغيبة، وغير مسموح بوجودها، وإن وجدت فهي معارضة محاربة. وفوق ذلك فإن الحركة الإسلامية ككل مواجهة بتحديات إرث الإنقاذ الثقيل، مثلما واجهت الأحزاب الشيوعية (وغيرها مثل بعث العراق وناصريي مصر) إرث تجاربها وحصادها المر، بحيث لم يعد بإمكانها التحدث بمصداقية عن جنة الشيوعية الموعودة بعد كل ما حدث. وبالمثل فإن المشروع الإسلامي، ليس في السودان فحسب، بل في العالم كله، قد واجه ضربة كبيرة بعد التجربة السودانية بحيث أصبح من الصعب الآن على أي حركة تنادي بمشروع إسلامي أن تتجنب الاتهام بأنها ستنزلق في ممارسات تخالف روح ونصوص الإسلام. فقد أساءت هذه التجربة للأسف للإسلام وأصبحت مصدر صد عن سبيل الله وتنفير للناس من دعوات تطبيقه، وهو أمر لا يمكن تجاوزه بسهولة.



    إذن المشكلة لا تقتصر على كون الحركة الإسلامية غائبة أو بعيدة كل البعد عن الفاعلية، وإنما كونها تحمل أوزاراً ثقيلة من تركة الممارسات السابقة لم تتم مواجهتها بعد. والمطلوب الآن ليس هو الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه، أو التعلق بأوهام لا وجود لها، وإنما مواجهة التحديات التي تواجه الإسلام وحركته في السودان عبر نقد ذاتي بناء، واعتراف صادق بالحقائق والوقائع وتحمل للمسؤوليات حتى ينطلق الجميع إلى الأمام.

    Abdelwahab El-Affen
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

16-01-2010, 11:00 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    طعن في اهلية ترشيح البشير للانتخابات ...
    بقلم: كمال الصادق
    الخميس, 14 يناير 2010 09:24


    بالامس اعلن عن ترشيح المواطن عمر حسن احمد البشير مرشحا لرئاسة الجمهورية عن حزب المؤتمر الوطني للانتخابات المقرر اجرائها ابريل القادم وذلك بعد ان اعلن تقاعده من قيادة الجيش والقوات المسلحة برتبة المشير يوم الاحد

    ولما كان حق الطعن في اهلية المرشح مكفول بموجب قانون الانتخابات ضد اي مرشح ايا كان منصبه السابق او الحالي لتفصل فيه الهيئة في نهاية المطاف حسب جدولها المعلن مادام المرشح قد طرح نفسه لرئاسة السودان ويمكن استئنافه امام المحاكم ..فإننا انطلاقا من ذلك والتزاما بهذا القانون نتقدم بهذا الطعن في اهلية المرشح المواطن عمر البشير لانتخابات رئاسة جمهورية السودان للفترة القادمة

    ويستند طعننا المقدم عبر هذا الباب للمفوضية والقوى السياسية والمجتمع الدولي والاقليمي والراي العام السوداني صاحب المصلحة والحق على ان المواطن عمر حسن احمد البشير الذي قدم للترشيح لرئاسة الجمهورية مشتبه به بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في دارفور وبموجب هذا الاشتباه صدرت في مواجهته مذكرة توقيف دولية صادرة من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي وعرضت المذكرة رسميا امام مجلس الامن وعمم امر القبض على كل دول العالم وارسل ايضا الى حكومة السودان وهو بموجب هذه الاتهامات وهي خطيرة جدا في رأينا المتواضع يجب استبعاد ترشيحه لرئاسة السودان الى حين مثوله امام القضاء وتبرئة نفسه من لائحة الاتهامات المشبه بها ، وغض النظر عن منصبه طالما هنالك تهمة وامر قبض صادر في مواجهته من محكمة اي كانت تلك المحكمة كمواطن فإن ذلك يقدح في اهليته ويسقط تماما ترشيحه لرئاسة الجمهورية

    وحتى لانقع في خطل الخلط بين منصبه السابق للانتخابات كرئيس للجمهورية ودعوتنا بنقد ترشيحه كمواطن نقول اذا كان هناك ضابطا اداريا في محلية واتهم بإختلاس مالي وهناك لائحة اتهام في مواجهته بأمر قبض وتقدم بإستقالته وجاء للترشيح في الانتخابات فإنه لايحق له الترشيح للانتخابات في اي من مستوياتها الثلاث ما لم يقف امام محكمة وتبرأ ساحته من التهم المنسوبة اليه

    الامر الثاني ان المرشح المواطن عمر البشير وبموجب امر القبض الدولي الصادر في مواجهته ايضا لايستطيع ان يؤدى واجباته الرئاسية كرئيس لجمهورية السودان اذا فاز في الانتخابات القادمة ونعني بذلك السفر وحضور المنابر الدولية وتمثيل السودان فيها والدفاع عن حقوقه ، فهو – البشير - لم يستطع منذ صدور امر القبض الدولي السفر الى دول بعيدة من محيطه و على سبيل المثال لايستطيع السفر الى اوروبا والامركتين الشمالية والجنوبية وحتى مقر الامم المتحدة في نيويورك بل و بعض الدول المحبطة بالسودان مثل تشاد ويوغندا وافريقيا الوسطي وكينيا والكنغو الديمقراطية بجانب كثير من البلدان الافريقية عدا العربية بإستثناء المملكة الاردنية الهاشمية وكذلك الاسيوية واليابان واستراليا وهو بهذه الصفة يفقد الاهلية في الترشيح لرئاسة السودان التي تتطلب من رئيسه المنتخب القادم ان يكون واسع الحركة دوليا لا محاصرا وغير مطارد ومهدد بالقبض عليه في اي مطار خارج السودان ويستطيع في نفس الوقت ان يلتق كبار زعماء العالم خاصة وان السودان مقبل على عام حاسم في ان يتفكك وينقسم او يتوحد وفي اعتقادنا ان المرشح المذكور لايمكن ان يجعل من الهدف الاخير ممكنا وفقا للاسباب المبينه اعلاه

    ولو ان غدا تقدم المواطن على كوشيب الذي يواجه نفس الاتهامات وهو لايحمل اي صفة رسمية بطلب ترشيح لرئاسة الجمهورية لتقدمنا بنفس طلب الطعن ولذات الا اسباب ، فالثابت ان هناك جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وقعت في دارفور ويجب تقديم مرتكبيها للمحاكمة وذلك بنص تقرير ي لجنة دفع الله و امبيكي

    فما هو رأي مفوضية الانتخابات في هذه العريضة وماهو رأي القوى السياسية وعلى نحو خاص تحالف (جوبا) والنشطاء ومنظمات المجتمع المدني والرأي العام السوداني وحتى المؤتمر الوطني نفسه في هذا الطعن ونلتمس قبوله والامر بإسقاط ترشيح المواطن عمر البشير لانتخابات رئاسة الجمهورية القادمة فهذا خير له وللسودان وكفى الله المؤمنين القتال





    اتجاهات ومواقف – اجراس الحرية


                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

16-01-2010, 11:35 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    أنتِفوها... يرحمكم الله! ..
    بقلم: فتحي الضَّــو
    الثلاثاء, 12 يناير 2010 09:02


    بما أن العصبة ذوي البأس أصبحوا يوحون للناس أنهم بصدد تغيير جلود الديكتاتورية والشمولية، ويريدون أن يستبدلوها بجلود الديمقراطية والتعددية، في انتخابات يقولون عنها إنها ستكون حرة ونزيهة. نحن نقول لهم إن التغيير الحقيقي يعني عدم تناسي الماضي بكل قبحه وسوءاته. فثمة بيوت سيئة السمعة كانت وصمة عار في حياتنا السياسية.. كان الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، فمن ذا الذي يملك صكوك الغفران؟ وثمة أرواح أُزهقت ونفوس عُذبت وأعراض أُنتهكت، فمن ذا الذي يغفر ويصفح؟ وثمة أرزاق قُطعت وأخلاق تضعضعت وقيم تخلخلت فمن ذا الذي يقول عفا الله عما سلف؟ وثمة حروب اشتعلت وعقائد تصادمت، وأحلام وطن قُبرت فمن ذا الذي يستطيع أن يُحي العظام وهي رميم؟

    تعلمون – سيداتي وسادتي – حاول دهاقنة العصبة ذوي البأس في بواكير عهدهم بالسلطة بالمُغتَصَبة، تشنيف آذان السودانيين باحدي بدع الضلالة التي تصطك لذكرها الأسنان وترتعد من سيرتها الفرائص. إذ إدعّوا يومذاك أن العناية الالهية إبتعثتهم في مهمة دنيوية تهدف إلي (إعادة صياغة الانسان السوداني) غير آبهين بإنقطاع الوحي عن العباد بخاتم انبيائه، ولا بانتهاء المهام الربانية التي اوكلها الله لآخر رسله، والذي رحل عن دنيانا الفانية بعد أن رضى لنا الاسلام ديناً. لكن بالرغم من كل هذا فقد كانت تلك العبارة من الشعارات ذات العيار الثقيل، ولها من الترهيب والجبروت بحيث تستطيع أن ترسل كل من يحاول الاقتراب الي محرقة التكفير. ولم يكن ثمة مناصٍ أن يفر البعض بدينهم متوخياً السلامة عند (نجاشي) لايُظلم عنده أحد. وضرب آخرون اكباد الأبل نحو قوم موسى لعلهم يجدون عندهم عصاه لتلقف ما يأفكون، وقطع رهط المحيطات والبحار متجهين صوب فسطاط الكفر ليطعمهم من جوع ويأمنهم من خوف!

    وقيل يومئذٍ أن الذين تواصوا علي وثيقة الاعلان العالمي لحقوق الانسان قبل نحو نصف قرن أو يزيد قليلا، تحسسوا موطيء أقدامهم ومقابض أقلامهم، وكادوا أن يعلنوا عجزهم وفشلهم وخيبتهم، لأنهم بقدر ما اجتهدوا وصاغوا الخيال واقعاً، وظنوا أنهم لم يتركوا فيه شاردة ولا واردة إلا وضمنوها تلك الوثيقة، إلاّ انه لم يخطر ببالهم أن عصبة يمكن أن تأتي إلي سدة سلطة - بغض النظر عن شرعيتها - وتدعو جهرةً الي خلق جديد في روح انسان قديم، ثمَّ تدعى كذباً أنها قادرة على أن تسوى بنانه.. ليخط به ما لم يخطر على قلب شعوب وأمم!

    على عكس ما درج عليه الناس، فكر الصاغة ثم قدروا أن مشروع إعادة الصياغة يستوجب توفير كل أسلحة الدمار الشامل، تلك التي تحيل المُثل والأخلاق والقيم الي هشيم تذروه الرياح في غمضة عين. استنهضوا من بين الركام متشاعر موهوم، وظيفته الترغيب في الآخرة، ولكن بتسفيه الدنيا التي أوصي المولي بها عباده خيراً. وأزاحوا الغبار عن مغنٍ إفتري علي الناس عبثاً، وطفق يرهق عباد الله بتلك الطلاسم التي تخدش الوجدان وتبلّد المشاعر وتدمي القلوب التي في الصدور!

    بيد أن الصاغة رأوا أيضاً ان الصياغة لن يكتمل بدرها إلا إذا إستنبت القوم تلك الشعيرات في أذقانهم وهم مقمحون، فهرعوا الي بطون الكتب الصفراء يستخرجون منها سموم تلك الأفاعي الزاهية الوانها، ومثلما يسري الطاعون في مدن المسغبة، صحا الناس ذات يوم ووجدوا وجوه أصحاب المشروع وقد إكتست شَعَراً، واضحت تهلل وتكبر شِعراً يقول أن السلطة التي قتل قابيل هابيل بسببها هم فيه زاهدون. وبغض النظر عن الضلالة في الدعاوي، إلا أن تضليل الغاوي تمثل في تلك الشعيرات التي وضعت البعض في حرج بالغ. لأن تكوينهم البايولوجي لا يساعد على إستنبات ذلك الزرع في الوجوه، فاستجلبوا له كل أنواع السماد البشري ليستغلظ ويستقوي علي سوقه وليعجب الكفار. لكن دون جدوى، إذ بدت الوجوه بشعيراتها المتطايرة كحُمرٍ مستنفرة.. فرّت من قسورة!

    إزاء الترهيب الوظيفي والاجتماعي والارهاب الفكري والديني، لم يكن أمام الذين في روما سوى أن يفعلوا ما يفعله الرومان - كما يقول الفرنجة - ولهذا لم يكن بمستغربٍ أن يجاري البعض الظاهرة، ليبدوا وكأنهم ينتمون لقبيلة أهل الولاء. فجنح البعض كذلك إلي إستنبات شعيرات تدرأ عنهم شبهة التكفير وتبعد عنهم سيف الفصل التعسفي المصلت على الرقاب، لكن ذلك ما لا يمكن أن تتجاهله المخيلة الشعبية، ويفوت علي فطنة الذين تعودوا علي مداراة همومهم بالسخرية، فأطلقوا علي الظاهرة مسميات تتسق والإنتهازية التي نهلت منها، فسموها مرة (دعوني أعيش) وأخري (من أجل أبنائي) وثالثة (تمكنّا) ورابعة (تفرعنّا)، وتجدر الإشارة أن الأخيره هذه من مسكوكاتي الخاصة، والتي أسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتي، بعد أن إستهوتني القافية ووجدت فيها التعبير الأقرب لها من حبل الوريد!

    تذكرون - سيداتي وسادتي – وما أبأس ذكرياتنا، يومذاك خرج علينا عرّاب النظام الجديد من (نور السجن) إلي (ظلام السلطة) وذلك بعد أن اكمل شهور (العُدّة السياسية) التي قضاها مع ضحاياه في السجن العتيد، فنحروا له قطعان من الخراف والأبقار والجمال، فحركت رائحة الدم شهوة القتل والانتقام والثأر في قطيع ثيران المصارعة الاسلاموية، فصاح نائحهم يا معشر بني غربان نريدها حمراء بكل يد مضرجة تدق! ومن أراد أن تثكله أمه فليحاول أن ينزع منّا قميصاً ألبسنا له الله! هنيهةً وحتى يبث الرعب في النفوس وتخرج العيون من محاجرها، قاموا بنحر 28 نفساً زكية في الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وقالوا للناس من رأي منكم هلاله متسربلاً بدماء الكفرة الفُجرة فليصم أبد الدهر!

    بعد أن جاءته الخلافة تجرجر أذيالها إعكتف فارس بني مروان قليلاً في مدينة (قُمْ) الكائنة في أطراف العاصمة، وقال لحوارييه متي أضع العمامة تعرفوني، وبدأ يرسم لهم المشروع سطرا سطرا، ويصدر لهم الفرمانات شفاهة دون قلم يُدمي بنانه، وأصبحت داره كدار أبي سفيان، من دخلها فقد أمن نفسه وأهله من غوائل الدهر. ثم خرج عليهم ذات يوم وقد إرتدي بزة عسكرية، وأشار عليهم بعصاه جنوباً وقال لهم بصوت جهير: يا سارية خاصرة الوطن! فحمل النيل الأبيض دماءً حمراء أثقل من الماء ووضع أوزارها عند ملتقي النيلين. وصحا أهل المدينة النائمة ليجدوا أن عاصمتهم وقد تحولت إلي سرادق كبير للعزاء!

    ثمّ مدّ قرين الحجاج بن يوسف الثقفي بصره إلي ما وراء الحدود، فتلبسته أوهام الأممية، فقال مخاطباً الغافلين والذين في آذانهم وقر (هذا نموذج سوداني سنحسنه ونهديه للعالم!) ويومئذ كان في ذاك الوطن مواطناً يدعي أبوبكر الصديق يزجر ابنه لمجرد أنه طلب منه (حق الفطور) وآخر اسمه علي بن أبي طالب وقد وضع يديه علي خديه لأنه لا يملك (ثمن الدواء) لزغب حواصل يتضورون سقماً، وثالث اسمه عثمان بن عفّان يهيم علي وجهه بعد أن فُصل للصالح العام، ولم يك ساكن القصر الذي بناه غردون هو عمر بن الخطاب الذي صعد المنبر بغتةً وقال: أيها الناس تعرفون أنني رعيت في مكة غنم خالات لي من بني مخزوم نظير حبات من تمر أو قبضة من زبيب، ثم ترجل عن المنبر، كمن خلّف من وراءه حملاً ثقيلاً، فباغته عبد الرحمن بن عوف متسائلاً: لماذا قال ما قال، فأجابه ويحك يا ابن عوف خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد فمن ذا أفضل منك؟! فأردت أن أعرفها قدرها!.

    تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، ولكنك لن تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت. يومئذٍ وقفت العصبة ذوي البأس في العقبة، وهي لا تلوي علي كبير شيء. ولهذا لم يكن غريباً ولا مفاجئاً ان يختلف اللصان ويظهر المسروق للناس والشمس في رابعة السماء، ذلك لأن اعادة الصياغة لا تأتي عبر دبابة، ولا تسكن بيوت اشباح، ولا تأكل اموال الدولة بالباطل، ولا تعوث في الأرض فساداً، ولا تستحل السحت، ولا تقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تخون الأمانات، ولا تكذب إن أقسمت، ولا تنام متخمة وفي (الرعية) من يبيت الطوي، ولا تكنز الذهب والفضة وفي ريع دولتها حق للسائل والمحروم!

    عندما كان المشروع الحضاري تتساقط أوراقه واحدة تلو أخري فيما أسميناه في مقال سابق (بالإستيربتيز الأيدولوجي)، كان المكلومون يبحثون عن ابنه السفاح المسمي (اعادة صياغة الانسان السوداني) فأدركوا أنه حي يرزق، فقد نجحت العصبة في مهمتها الدنيوية والأخروية ولكن في مسار آخر علي عكس ما إجتهد الفارابي في تضميينه مدينته الفاضلة، وبخلاف ما رمي له أفلاطون في جمهوريته المثالية، بل من عجب أن فرّت من مثالهم، حاكمية سيد قطب وتراسيم أبو العلاء المودودي، والمفارقة أن المتهم رقم واحد والموصوم بالارهاب الدولي والذي سبق وأن قسّم العالم إلي فسطاطين، تبرأ منهم هو أيضاً قبل أن يدير لهم ظهره ويعود من حيث أتي. وعليه ليس علي المتلجلج أو الملتبس حرج إن لم يستطع تصنيف دولة العصبة الراهنة، بعد أن أصبحت بلا مرجعية، أى بلا لون ولا طعم ولا رائحة!

    بعد ما يناهز العقدين من الصياغة الاجبارية، كانت المحصلة تدعو للحزن والرثاء، إنتشرت الظواهر السالبة في المجتمع، إزدادت معدلات الفقر، تفاقمت الجريمة، تمدد الفساد المالي، تفشي الفساد الأخلاقي، انحسرت القيم الجميلة التي كان يستظل بها الناس وتباهوا بها شعراً ونثراً، وحلت مكانها ثقافة أخري تدعو للرذيلة وتُحور مسمياتها، فقد أصبحت السرقة شطارة، والاختلاس فهلوة، والنصب ذكاء، والاحتيال علاقات عامة. تحول أصحاب الايادي المتوضئة والأفواه المتمضمضة إلي غزاة استباحوا مدينة غريبة، سآموا أهاليها سوء العذاب، واستحيوا نساءها بذرائع الحلال مثني وثلاث ورباع، وتطاولوا في البنيان بدعوي أن ربك حثهم علي الحديث بنعمته، وأصبح مألوفاً أن يري الناس دينهم الذي جُبلوا عليه بالفطرة وقد ولي الادبار، وقال البعض قولته التي جرت مثلا دارجاً بين الناس: لو كان بمثل ما يدعون فنحن منه براء!

    لكن الأنكي وأمر أن القول نفسه أجرته الضغينة علي لسان أحد السبعة العظام الذين نهضت دولة العصبة علي أكتافهم (أسماهم البعض يومذاك توهماً بالمجلس الأربعيني) تحدث السيد يس عمر الأمام لصحيفة ألوان (12/8/2007) بعد أن غادر وكر السلطة الدافيء، فقال قولاً تقشعر منه الأبدان (الحركة الإسلامية دخلت السلطة وخرجت مضعضعة وفيها فساد شديد وفيها ظلم وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التى تحملها للناس، وزارني بعض الأخوان بالمنزل وكان من ضمنهم حسن الترابي، وقلت لهم بأنني أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام فى المسجد الذى يجاورني بسبب الظلم والفساد الذى أراه، وقلت لهم بأننى لا أستطيع أن أقول لأحفادي أنضموا للأخوان المسلمين، لأنهم يرون الظلم الواقع علي أهلهم (فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للأسلام في السودان، أنا غايتو بخجل) وأكد قوله في فقرة أخري (أعتقد أن تجربة السودان جعلت المواطن العادي لديه ظن سييء في شعار الاسلام ولا عشم له حوله) والمُوسِي أن رجلاً اسمه محمود محمد طه وهو من غير جماعة يس، عندما أجري الله مثل هذا القول علي لسانه قبل ربع قرن، كان ثمنه حياته!

    أيضاً كان ذلك قول يس عضو الجماعة، أما قول يس الذي أرسله الله بشيراً ونذيراً فقد قال قبل أكثر من أربعة عشر قرناً (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن خان) وذكَّرهم في حديث آخر كيف تكون القدوة الحسنة (والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وربّ يس الذي أنزله قرءاناً عربياً يهدي إلي الرشد قال مخاطباً يس النبيّ كيما يتعظ يس عضو العصبة (اليوم نختم علي أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) بيد أن هذا وذاك مما تتغافل عن رؤيته جماعة يس، وقد تذكَّره عضوها يس في لحظة ضعف انساني!.

    عوضاً عن ذلك شغلوا أنفسهم بمعارك وهمية، فقالوا عن الدولة المدنية مالها؟ قلنا يومئذٍ نحدثكم أخبارها.. علي لسان المفكر الفرنسي جان جاك روسو (1721-1778) صاحب كتاب العقد الاجتماعي ذائع الصيت، والذي صدر قبل قرنين ونصف أي في العام 1762 وقد ترك أثراً كبيراً في الفكر السياسي الثوري العالمي بصورة عامة والفرنسي بصورة خاصة قال: (إن فرداً ما قد يخضع نصف العالم، ولكنه يظل دائما مع ذلك فرداً، فمصالحه هي مختلفة تماماً عن مصالح الآخرين. وعندما يموت تتحلل ممتلكاته وتتبعثر، فهو مثل شجرة بلوط كبيرة تنهار وتتحول إلي رماد بمجرد أن تلتهمها النار) لكن ذلك ما لا تقرأه العصبة التي جاءت إلي السلطة متلحفة عباءة لويس السادس عشر مواطن روسو نفسه والقائل (انا الدولة والدولة أنا)!

    إن إعادة الصياغة بالصورة التي إرتأتها العصبة ذوي البأس وخططت لها، كانت مجرد ذر رماد في عيون واقع لا يمكن للعين أن تخطئه، فيه المتحول الذي تجسده سلسلة تفاعلات تاريخية، بدايةً بالدولة الكوشية والمروية والنوبية (المسيحية) بممالكها الثلاثة (نوباتيا، المقرة، علوة) ومروراً بالممالك الاسلامية المختلفة (الفور، الداجو، الفونج، المسبعات، تقلي)، ثم التركية التي جثمت نحو ستين عاماً علي صدر البلاد، ومثلها الحكم الثنائي البريطاني المصري، وبينهما المهدية، وإنتهاءً بدولة ما بعد الاستقلال بعلوها وهبوطها، أما الثابت فذلك ما تقوله اللوحة الفسفسائية الجميلة والممثلةً في التعدد الأثني والثقافي والفكري والعقائدي، فما لكم كيف تحكمون؟.

    الآن بعد أن قَبر المؤتفكة أو قَبر الواقع مشروعهم الاسلاموي المخادع، وغشت بعضهم صحوة ضمير، نحن ندعو برباط المواطنة المخلصة، والعقيدة السمحاء غير المشوة بغرض، كل من استزرع واحدة بعد العام 1989 من شاكلة التي سخرت منها المخيلة الشعبية أن ينتفوها، لأنها منتنه كدعوة الجاهلية تماماً، مثلما أنها تذكرنا بتلك الحقبة الكالحة التي حاولت أن تقزم انسانيتنا وتستحقر كرامتنا. وليتذكروا قول يزيد بن ربيعة في شأن عبد الله بن زياد والي سجستان: ألا ليت اللحى كانت حشيشاً/ فتعلفها خيول المسلمينا) وفي مقاربة اقتبس منه شاعرنا الراحل صالح عبد القادر تلك الرؤى وقال (ألا يا هند قولي وأخبريني/رجال الشرع صاروا كالمعيز/ألا ليت اللحى كانت حشيشاً/فتعلفها خيول الانجليز) وليدركوا انفسهم قبل أن يدركهم قريض شاعرنا الفحل الراحل عبد الله عمر البنا في قوله (وهيكل تبعته الناس عن سرف/ كالسامري بلا عقل ولا دين/ يحتال بالدين للدنيا ليجمعها/ سُحتاً وتورده في قاع سجين)!

    إن الذين نعنيهم يعلمون انفسهم، ولكن في المقابل نحن نعلم أن هذه الدعوة المخلصة لوجه الله، ستزيد بالمقابل الذين رعوا أذقانهم ليس رياء الناس أو كذب يفترونه أو انتهازية يتوسلون بها مصلحة، ستزيدهم ثقة في انفسهم ووطنهم ودينهم. وتعلمون يا من هداكم الله أن الظاهرة كانت من قبل أن تهبط علينا ثعالب المشروع الحضاري، دليل علي التسامح الذي كان يعم المجتمع، وفيه تلك الهرمية الجميلة التي يحترم فيها كبيرنا صغيرنا، ويوقر فيها صغيرنا كبيرنا! فعندما يُزين بها الكبير وجهه يناديه الصغير تحبباً بإحدي الحسنين، إما يا عمّ إن كانت سوداء تبهر وجه الطامحين، أو يا حاج إن كانت بيضاء تسر الناظرين. ولكن تأمل بعدئذٍ كيف تحولت الظاهرة إلي (فوبيا) علي إثر الصياغة المزعومة، فقد قال لي صديق يعمل في مجال المال والأعمال، أنه دائما ما يكون مهجوساً من اثنين في تعاملاته التجارية... الذين زرعوها في وجوههم عنوة واقتدارا، والذين يكثرون من القسم بمناسبة أو بدونها، فاحذر أخى واختي المؤمنة أن تُلدغوا من احدى الحيتين!
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

20-01-2010, 08:39 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    الأربعاء 20 يناير 2010م، 5 صفر 1431هـ العدد 5953


    قراءة في ثلاثة مواقف: خيار المؤتمر.. قنبلة الحركة.. وإنذارات المعارضة

    حيدر طه

    ترشيح عرمان قنبلة رمتها الحركة في الشمال دون تحديد دقيق لموقعها وآثارها ونطاق تأثيراتها وضحاياها
    لابد لكل حدث أن يتضمن عدداً من الأسباب والعوامل والعناصر والدوافع، بينها ما هو جوهري ومنها ما هو ثانوي، ومنها ما هو مفاجيء يأتي من غير ما يتوقعه الآخرون، أو عكس ما كان يتوقعه الآخرون، ومنها ما هو عادي ومقروء قبل أن يحدث. وقد جرت ثلاثة أحداث في سياق التنافس في الانتخابات تشكل المشهد السياسي في السودان الآن، وهي أيضا تعبير عن مواقف ثلاث كتل سياسية لها تأثيرات على العملية الانتخابية وما ستسفر عنه مستقبلاً.
    فمثلا، الحدث الأول لم يكن مفاجئا، فترشيح المؤتمر الوطني للمشير عمر البشير كان متوقعا منذ أن حسم الصراع مع د. حسن الترابي قبل أكثر من عشرة أعوام. فقد استطاع البشير بما أوتي من أجهزة وصلاحيات رسمية و»مكانة دستورية»، غير المكانة الحزبية، أن يستولى على « المؤتمر الوطني» كما استولى على الحكم في السودان بانقلاب عسكري بتخطيط وتدبير وتنظيم ومشاركة من قيادة وكوادر الجبهة الإسلامية، استخدمت فيه أجهزة الدولة وكل وسائل الخديعة والتمويه بالزي العسكري ليستمر حكمه عشرين عاما ثقالاً، وما زال يقول هل من مزيد.
    عشرون عاما كافية إذا منح المشير نفسه فرصة التأمل في التجربة وأجرى عملية جرد حساب نهائي بروح رياضية وليست ديمقراطية، وبضمير صادق خال من مخادعة النفس كأنه يستمع إلى أنين البسطاء في المدن والقرى، المحرومين من الحلم بغد أفضل والمغموسين في ضنك العيش بحثا عن كرامة الحياة.
    وكان من الحصافة أن يرشح المؤتمر الوطني شخصا آخر، لا يحمل كاهله اوزار تجربة فاشلة بكل المقاييس، لأن الرئيس في نظم الحكم الحديثة يحمل اوزار مساعديه وموظفيه ومستشاريه ولو كان بريئاً مغيبا أو مهمشا، أو ضعيفا، كما يتحمل مسؤوليات خطل السياسات والقرارات وخطايا التنفيذ واخطاء التطبيق.
    فالرئيس في نظم الحكم الدستورية يحمل وزر أجهزته ومؤسساته، خاصة عندما تكون فاسدة ومضللة ومخربة. والسودان صفحة مفتوحة لمن يبصر فأحواله لا « تغبى أحدا»، وأوضاعه لا يحسد عليها.. وهنا لا نتحدث عن الجوانب الشخصية للمشير، فمن عرفه عن قرب يحمد له كثيراً من الشمائل والخصال، ولكن نحن في بصدد حديث عن « مرشح للرئاسة « بعد عشرين سنة من معرفته السياسية والموضوعية التي لا تزكيه لسنوات إضافية ولو كانت أربع سنوات.
    فقد كان الفريق إبراهيم عبود صاحب مخترع أول انقلاب عسكري في السودان، بإيعاز من عبد الله بك خليل، رجلا مليئا بالإنسانيات واللطف والأبوة والكرم والتواضع، ولكن هذا لم ينفِ ان حكمه أفسد مسيرة الديمقراطية وكان له « فضل السبق « في الديكتاتوريات التي لاحت السودان خمسين عاما دون هوادة. ولم يكن المشير جعفر نميري اقل تواضعا وشعبية من الرجلين ولكن حساب الحقل ليس كحساب البيدر. فكل مقام له حساب وميزان.
    وقد يكون ترشيح احد قادة المؤتمر الوطني أمر مرهق ومعقد لأسباب كثيرة منها:
    أولا، لأن الرئيس هو الرئيس، وعين المؤتمر لا تعلو على جبين المشير، مهما كانت سطوة التنظيم الخاص أو مجموعة « فلان « .
    وثانيا لأنه لم يعد في المؤتمر الوطني من هو جدير بالترشيح، فهم في المحصلة أشباه تحوصلوا في « جماعة مصلحة « قادرة على جذب الأشباه من كل موقع ومكان خاصة عندما يكون للمال لمعان وللوظيفة بريق وللصلاحيات رنين وطنين.
    وثالثا لأن الخلافات داخل المؤتمر الوطني بلغت من الشدة والحدة ما لا يمكن لفصيل أو مجموعة أو شلة تربطها مصالح أو صداقات أو زمالات، أن تفرض مرشحها من دون إنشقاق آخر كبير في ظرف دقيق لا يتحمل المؤتمر أية هفوة من هفوات اعضائه المتحاربين بالرصاص في بعض الدوائر، وهو ما جعل المؤتمر في وضع صعب صنعته روح التنافس غير المنضبط والأهواء المنفلتة من اسر التنظيم والمزاجات التي تغلب على الخطط والبرامج والسياسات.
    والتحارب بالرصاص بين أعضاء حزب واحد، امر شاذ عن تقاليد العمل السياسي والحزبي، وهو امر غير مسبوق، جاء في صحبة مناهج العنف التي تبنتها « الحركة الإسلامية « بكل مسمياتها المتنوعة منذ حادث « العجكو» في جامعة الخرطوم، حتى هذه اللحظة التي تمددت فيها الظاهرة حتى ارتدت إلى صدر الجماعة نفسها في صراع مفتوح ومفضوح ومكشوف في مناطق ولاية الجزيرة التي بدأت إفرازت « مأساتها « تتضح الآن في مواقف جلية تجاه حكومة «الإنقاذ».
    وقد يكون وضع الجزيرة غير موات للمؤتمر الوطني الآن لما فيه من تعقيدات ارتبطت ليس فقط بالترشيحات المتعددة والاختيارات المتناقضة والمواقف المتأرجحة، إنما بوضع المزارعين والموظفين الذين كانوا يرون في مشروع الجزية حياتهم ومستقبل أبنائهم ومصيرهم ومصير أحفادهم..
    ومن المؤكد أن قادة المؤتمر لم يولوا الجزيرة كبير اهتمام عندما « قرروا مصيرها « بعيدا عن أهلها، ولم يضعوا حسابا للانتخابات، فـ « دقسوا» عن أهمية توقيت القرارات التي يشكل تحريكها من وقت إلى آخر، مسألة ترتيب أوليات وحسابات. فلم يحسبوا لتلك القرارات نتائج وعواقب.
    وفي مسألة الحساب افتقد المؤتمر حسه القديم، ربما لتخمة أو لتبلد اصيبوا به من كسل التعود على الحكم، واعتبار التحديات أمراً يمكن معالجته بالفهلوات القديمة والخدع السريعة والحيل المكررة.
    وما التبس على قادة المؤتمر حسابان في أمر الانتخابات والترشيحات هما:
    الأول، حساب المجتمع الدولي الذي ما زال عند موقفه السابق من قضية المحاكمات الدولية. وهو أمر يصعب نسيانه تحت وهم أن العالم يمكن أن يسقط قضية بالتجاهل كما يعتقد بعض قادة المؤتمر. وما يؤكد هذا الأمر أن تقارير صحفية تحدثت خلال الأسابيع الماضية عن أن فرنسا بعثت برسالة إلى البشير عبر دولة عربية أخرى توضح له عدم رغبة «المجتمع الدولي» في رؤية اسم المشير بين المرشحين لرئاسة السودان، وهو ما بلغته به الدولة العربية قبل أن يعلن المؤتمر الوطني ترشيحه..
    وبعد تسلم الرسالة أقدم الرئيس البشير في اليوم الثاني على إعلان ترشيحه، تحدياً للرغبة الدولية ونكاية بالرسالة الفرنسية.
    وبعيدا عن التدخل الدولي ورفضه جملة وتفصيلا، ينبغي أن يدرس فحوى الرسالة الفرنسية بدقة وهدوء وعدم تشنج، لأن باريس بدأت تلعب دور « الناصح الأمين» في الشؤون الدولية تقربا للولايات المتحدة وإحلالا لموقع لندن على عهد بلير أيام كانت على ودها وتحالفها مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في كل الصراعات والحروب والمواقف.
    وتقول التقارير الصحفية إن رسالة باريس كانت عبارة عن مقايضة واضحة ملخصها : عدم الترشح مقابل تجاهل المحاكمة تدريجيا أو نسيانها نهائيا.
    ومن الطبيعي ألا يطمئن البشير إلى النوايا ولو كانت حسنة، لأن مثل تلك المحاكم من الممكن نبشها وإحياؤها في اي وقت يرى فيه المجتمع الدولي أهمية لمقاضاة أحد المتهمين.
    ولكن ماذا لو تم تفعيل هذه المحاكمة بعد الانتخابات، خاصة إذا ثبت تزوير الانتخابات والتضييق على المرشحين الآخرين والتلاعب في الإجراءات بما لا يعطي انطباعا بأن السودان أجرى انتخابات حرة ونزيهة.
    وإذا فاز البشير.. هل ستقتصر علاقات الرئيس السوداني ببعض الدول فقط، الشقيقة والصديقة ( القريبة جغرافيا) ام هي مرحلة أخرى يستطيع أن يحدث فيها وبها اختراقات مهمة في الجدار الدولي ..؟
    والثاني، حساب إعداد المسجلين في القيد الانتخابي وقد بلغ 16 مليون ناخب، وهو ما فاق حسابات المؤتمر الوطني وخيال الآخرين، في وقت كان توقع السجلات لا يتعدى 8 ملايين. فمن أين أتى هؤلاء المسجلون الذين فاضوا عن سجلات المؤتمر الوطني .. ولمن هم ينحازون.. ومن حثهم على التسجيل.. ومن وضعهم في قائمة الناخبين..؟
    هذه تضريبات لا يحلها اللجوء إلى ضرب « اخماس في أسداس» قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع، أو أن يجتهد المؤتمر لإجراء مسح جديد لمعرفة أين يقف بالضبط، حتى لا يفاجأ بأن هناك قوم سجلوا من وراء ظهره يرجحون الكفة لغير صالحه.
    والخطأ في الحساب هو أن يعتقد المؤتمر أن هؤلاء جميعا من مناصريه وناخبيه، أو أن يكون هناك خطأ في التسجيل يرقى لمستوى الخطيئة يستوجب إعادة التسجيل.

    أما الحدث الثاني فهو ما وصفه أحد الأصدقاء الكوميديين بـ «القنبلة العرمانية» التي رمتها الحركة الشعبية في الشمال لتثير جدلا ليس فقط وسط المعارضة ولكن أيضا وسط الحزب الحاكم الذي يتطلع إلى شراكة جديدة مع شريكه الحالي.
    وقد جرت تفسيرات عديدة لترشيح ياسر عرمان للانتخابات الرئاسية وهو كان مفاجئا للكثيرين حيث لم يكن اسم عرمان واردا في مخيلة الجميع، ولا كان مطروحا حتى داخل الحركة الشعبية إلى وقت قريب، حتى جاء اجتماع جوبا الأخير الذي طرحت فيه ثلاثة اسماء كان ابرزهم مالك عقار ابن النيل الأزرق، وعبد العزيز الحلو ابن جبال النوبة، وياسر عرمان ابن الوسط. الثلاثة هم من قادة الحركة الذين ينتسبون إلى الشمال موطنا وإلى الجنوب منطلقا وانتماء فكري وسياسي باعتبار الجنوب هو « قاعدة السودان الجديد» في مفهوم الحركة القديم.
    وبالطبع لابد من أن يتبادر السؤال الأهم في بعض الأذهان، إذا كان خيار المرشح تفرضه الجغرافيا قبل الفكر والمبادئ وهو: لماذا لم يرشح د. منصور خالد وهو المستشار لرئيس الحركة الراحل جون قرنق ومهندس العلاقات الخارجية للحركة نحو الغرب..؟
    ربما الإجابة الموضوعية ترى أن الذين حملوا السلاح ودخلوا الغابة ليسوا مثل أولئك الذين ظلوا حملة رايات الفكر وبناة جسور العلاقات، خاصة في حركة ما زالت تهيمن عليها الهوية العسكرية.
    ولكن لماذا الجغرافيا تفرض الخيارات إذا كانت الحركة الشعبية تؤمن بأنها حركة قومية ( سودانية ) لها في الشمال منتسبون كما لها في الجنوب؟!
    هذا هو بيت القصيد من ترشيح ياسر عرمان، فالرجل بحساب الثقل يعتبر اثقل وزنا من مالك عقار ومن عبد العزيز الحلو اللذين لم يمدا جسور التواصل مع أهل الشمال كما مده ياسر عرمان.
    فبحساب الانتماء فهو ينتمي إلى عدة جماعات مؤثرة في التركيبة السياسية في السودان..
    أولا هو قائد في الحركة ( وصفة القائد تطلق على مستوى من الذين عملوا في الحركة في مستويات رفيعة داخل الغابة وخارجها )، ولذلك يحوز على تأييد قواعد الحركة في الشمال والجنوب، إضافة إلى نسبه مع الدينكا بزواجه من إحدى بناتها مما اكسبه امتدادا اجتماعيا في أكبر قبائل السودان قاطبة.
    وثانيا، هو من أبناء اليسار المعروفين منذ كان طالبا في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، معتد بآرائه ومنهمك في معتقداته، فلم يقيده انتماؤه السابق عن الانتماء إلى الحركة الشعبية التي رأى فيها بذرة « سودان جديد».
    وثالثا، هو من أبناء قبائل الجعليين الذين شكلوا ثقافة الوسط مع شركائهم في القبائل الأخرى من الشمال، وتداخلوا معها دون تعقيدات أو تبرمات أو توجسات تقليدية، بل لهم وجود في كل الاحزاب دون انغلاق.
    ورابعا، يعد ياسر عرمان من ناحية العمر والجيل، في مؤخرة الجيل الثالث، وهو الحلقة التي تربط بين الثالث والرابع. فهو ليس صغيرا على الرئاسة فقد تولاها نميري في سن التاسعة والثلاثين، وتولاها أحمد الميرغني في سن الخامسة والأربعين حيث ولد في 16 أغسطس 1941، وتولاها عمر البشير في سن الخامسة والأربعين حيث ولد في يناير 1944، ولا نظن أن عرمان اقل سنا من هؤلاء عندما تولوا الرئاسة.
    اما من ناحية الاسم فهو قريب الشبه إلى اسم ياسر عرفات، فالنغمة واحدة، ولكنها في السودان قد يكون لها دلالة « الحداثة» بجيل جاء بأسماء لم يعهدها السابقون لهم.
    ولكن هل كل تلك الخصائص والأوصاف تميزه عن غيره، في الحركة أو في بقية الأحزاب، وتؤهله لمقعد الرئاسة..؟
    خيار ترشيح عرمان جاء بعد حسابات دقيقة أجرتها الحركة الشعبية وبعد تداول طويل، حساب الربح والخسارة في كل الحالات والتحولات والاحتمالات، أي حساب الضمانات.
    فالحركة قلبها في الجنوب وعينها على الشمال، لا تريد أية خسائر في الجنوب، وتريد مكاسب في الشمال. هكذا كانت حسبة الحركة، فسلفاكير لا يتخلى عن الجنوب من أجل السودان كله، فهذا حسبة المغامر، وليس في يد الحركة المغامرة في أمر الجنوب، ولا ينبغي لها إذا كان الكسب وفيرا والسلطة مضمونة.. ومالك عقار يجب أن يحتفظ بموقعه في النيل الأزرق، وعبد العزيز الحلو لا يجب أن يفرط في جبال النوبة ووسط كردفان.
    ووصلت الحركة إلى نتيجة مفادها : أن عرمان للشمال..
    ..
    فقد كان ترشيح عرمان بمثابة قنبلة رمتها الحركة في الشمال دون تحديد دقيق لموقعها وآثارها ونطاق تأثيراتها وضحاياها، خاصة وأن قوى المعارضة تفاجأت بها، وهي بذلك تثير جدلا سيكون طويلا لن ينتهي بانتهاء الانتخابات، بل سيستمر إلى ما بعد الاستفتاء حول تقرير المصير وإعلان نتائجه.
    والمدهش أن قنبلة عرمان سبقت قصدا اجتماع احزاب المعارضة ليكون أمرا واقعا لا رجعة عنه ولا مقايضة فيه. وهذا أيضا جاء بحساب دقيق لأن الأحزاب إما أن يكون خيارها منح عرمان أصواتها أو أن تعتزل العملية الانتخابية لتقف محايدة أو مقاطعة.
    وهذا لم يوضع في حساب الحركة الشعبية بأن بعض قواعد الاحزاب قد تنسحب من «الواجب» بدوافع سياسية وتنظيمية ونفسية، لان البعض قد يعتبر أن المعارضة اخذت على حين غرة بقرار الحركة.

    ففي حساب بعض القوى المعارضة ان عرمان ليس ملائما لكثير من القوى السياسية في الشمال والجنوب على حد سواء، قوى ترى أن بعض رموزها ومرشحيها افضل حظا من عرمان إذا اتفقت قوى التغيير على مرشح واحد يستطيع الفوز بسهولة ويسر إذا احسنت هذه القوى ترتيب أوضاعها وحشد قواعدها وتنظيم قدراتها والتنسيق المتواصل فيما بينها.
    ولكن يبدو أن الترشيح والاختيار وقرار الحركة كان تقدير قوة واستجابة لقواعد، وليس هوجة عاطفة.
    وعليه فإن القوى السياسية استطاعت بلع الطعم والمأزق، بإعلان عن موقف ما زال مترددا بين المشاركة والمقاطعة.. فهو موقف انتظار غير مريح، عندما قالت في بيانها : إذا تعذر استجابة الحكومة للمطالب الموضوعية التي حددتها المعارضة هناك فصائل قررت المقاطعة يأساً من أية قيمة ديمقراطية للانتخابات القادمة. هؤلاء يواصلون موقفهم ويقومون بالتعبئة المطلوبة للتنسيق المستمر بالمقاييس المطلوبة لنزاهة الانتخابات.
    وفي الوقت نفسه تواصل فصائل الإجماع المعنية عملها من أجل خوض الانتخابات بموجب تنسيق في البرنامج يدعم استحقاقات اتفاقيات السلام والإصلاحات المطلوبة.
    أليس في ذلك المشهد نوع من الالتباسات التي تحتاج إلى إيضاحات كثيرة وعميقة حتى ينجلي الافق عن رؤية تقود البلاد نحو تغيير حقيقي..؟


    الصحافة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

21-01-2010, 09:56 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    ترشيح عرمان ...إعلان نهاية المؤتمر الوطني ...

    بقلم: ابوذر علي الأمين ياسين
    الثلاثاء, 19 يناير 2010 06:32


    معادلة التحدي الانتخابي تجعل من انتصار البشير (ولو تزويراً) انتصار بقيمة وطعم الخسارة!!، فترشيحه نتائجه مسلمات... أقلها بقاء واستيطان الفساد الذي هو أبرز سمات دولة المشروع الحضاري الاسلامي، وأكبرها وأخطرها حتميمة تفكك البلاد لأكثر من دولة. في مقابل انتخاب وانتصار مرشح الحركة الشعبية ياسر سعيد عرمان يضمن أول ما يضمن وحدة البلاد وذهاب كل المخاطر التي تتهدد وحدتها وتماسكها، ونهاية الفساد والافساد. وبناء وترسيخ الديمقراطية والعدالة للجميع. إن المعادلة الانتخابية تطرح أما الشعب السوداني وكل قواه السياسية تحدي من يؤسس رؤآه وبرامجه على المستقبل وأمال وطموحات الشعب، ومن يسعى لترسيخ أوضاعه الحالية بالسلطة ولو ذهب الشعب والوطن الذي يمثلون.

    يبين اختيار الحركة الشعبة لياسر سعيد عرمان مرشحاً لرئاسة الجمهورية، المستوى والفرق بين من يتصدى للتحديات ويقود المبادرة تجاهها ويؤسس ويوطن نفسه على الرؤية الاستراتيجية التي تستشرف المستقبل القريب والبعيد، مؤكداً وبقوة على مشروع الوحدة وفق أسس جديدة. وبين مشروع المؤتمر الوطني الذي يستند على حماية الرئيس وبعض القيادات الكبيرة بالدولة والحزب وإن أفضى ذلك لإضطراب البلاد وتمزقها. بل وأكثر من ذلك وياللعجب!، يوظف ويهدد بتفتيت البلاد لضمان انتخاب مرشحه للرئاسة، وفرضها على الشماليين قبل الآخرين عبر تخويفهم بمصير البلاد التي يساوم بها المؤتمر الوطني!!!؟. والتعجب من استراتيجية المؤتمر الوطني الانتخابية تأتي من اختياره للبشير مرشحاً وهو يعلم حجم المخاطر التي يتكلفها ترشيحه على البلاد كلها، بل ويخاطر بذلك رغم آثار ذلك على حزب المؤتمر الوطني نفسه، الذي عجز عن تقديم قيادة أخرى، برغم من أن مرشحه الحالي البشير قد حكم 21 عاماً وهي مدة تستوجب أول ما تستوجب تجديد دماء الحزب بقيادة جديدة أمام مرحلة تشهد تحولات كبيرة ومفصليه على كافة المستويات، تفتح آفاق المستقل أمام حزب المؤتمر الوطني، و ضرورة تجديد دماء الحزب ورؤآه ومناهج تعامله ليس مع القوى السياسية الاخرى بل حتى مع عضويته التي لا اعتبار لها ولا وزن للدرجة التي تُقاد فيها و(بالقوة – كما هو واضح من تهديدات نافع على نافع لمن يرفض مرشحي الحزب من منتسبيه) لإمضاء خيارات لم تختارها قواعد الحزب وقواه الحية، بل فرضت عليها فرضاً من المركز وهذه خطوة لا تنم عن ذرة ديمقراطية، وتُؤكد أن المؤتمر الوطني لا يحتمل الديمقراطية حتى داخله وبين الموالين والمنتمين له فكيف سيتحملها قاعدة ومنهجاً للحكم والتعامل أمام التحديات الكبيرة والمخاطر التي تواجه البلاد وكل قواها السياسية.

    طرح المرشحين فقط يوضح وبجلاء الفروقات ويستجلي الخيارات الأوفق للمستقبل. المؤتمر الوطني الذي يرفض التعامل مع كل القوى السياسية بما فيها شريكه في الحكم الحركة الشعبية، لدرجة الاعتداد والتلويح بأنه سيكسب الانتخابات وقد أعد للآخرين قبورهم، بل ظل المؤتمر الوطني يماطل ويناور ويساوم الحركة الشعبة رغم الشراكة والاتفاقية الموقعة بينهما واستحقاقاتها للدرجة التي كادت أكثر من مرة أن تفجر الحرب من جديد. في الوقت الذي تمد فيه الحركة الشعبية يدها لكل القوي السياسية الشمالية والجنوبية، وفوق ذلك آفاقها مفتوحة لكل جهات السودان النازفة خاصة دارفور، تصبر على مناورات المؤتمر الوطني الخطرة وتتجاوزها بمشاركة الأخرين وفي معيتهم.

    يقدم المؤتمر الشعبي مرشحاً من الجنوب كأقوى إشارة لإهتمامه الأكبر بوحدة البلاد، وتقدم الحركة الشعبية شمالياً كأقوى اشارة لإهتمامها بوحدة البلاد. في حين يظل المؤتمر الوطني قابعاً عند محطة قدومه للسلطة في 1989م لا يرغب في أي تغيير بل عنده أي تغيير يمثل الخطر ذاته ويجسده. ومنذ قدوم الانقاذ الاشخاص هم ذات الاشخاص هم الوزاء دائما وفي أي وضع، والرئيس هو ذات الرئيس، والبعد العسكري هو ذات البعد بل هو الجوهر، والسياسات هي ذات السياسات، بل كل من يرغب في تغيير ولو محدود وان جاء من أهل المؤتمر الوطني فهو خائن يخدم اجندة اجنبية إن لم يكن كافر، يجابه بالقوة والقهر وليس بالاقناع والحوار.

    وفي الوقت الذي أسس المؤتمر الوطني استراتيجيته الانتخابية على اللعب على التهديد الدولي الذي تمثله بقوة محكمة العدل الدولية ومطالبتها الشهيرة بالقبض على الرئيس البشير، باعتبارها المرجعية الجماهيرية الاقوى والملطقة، مهملاً كل قضايا والازمات والمخاطر التي تتهدد وحدة البلد والتي ترتبت وكانت نتاج سياسات ذات الحزب وحكومته التي يقودها البشير. تؤسس الحركة الشعبية استراتيجيتها على التعويل على الوحدة، وضمان الاستقرار، وأكثر من ذلك تلافي كل خطر قد يترتب على اتهام محكمة الجنايات الدولية طارحة بذلك حل للمشكلة بصورة تدعم احقاق العدالة وضمان عدم الافلات من العقاب، لكنها تسوتجب من شريك له سهم في اتفاقية السلام التعامل مع هذا الملف الذي يجب أن يضمن كرامة السودان وقياداته بذات روح الاقدام في التصدي للقضايا التي تمس مسقبل البلاد واستقرارها التي تطلع به الحركة الشعبية على خلاف المؤتمر الوطني.

    أما على المستوى التنظيمي (الداخلي) فإن الفروقات كبيرة وظاهرة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية. ففي الوقت الذي تُظهر فيه الانتخابات والاعداد والاستعداد لها وطرح المرشحين مدي اهتزاز المؤتمر الوطني وعدم تماسكه كحزب بيده السلطة وكل جبروتها وامكانياتها، خلافاً لتاريخ طويل تجاوز العقدين حاكماً، إلا أن الخلافات التي اثارتها ترشيحاته الانتخابية وعلى كافة المستويات فضحت حال الحزب الذي (تُفرض) فيه الترشيحات وعلى كافة المستويات من مستوى الرئاسة الذي عليه خلاف كبير كون ما يترتب عليه لا يحتاج إلى تخمينات بل هو واضح ووفقاً لحسابات معلومة، نزولاً لأقل دائرة حيث يفجر الترشيح القسرى خلافات كبيرة لا يملك حزب المؤتمر الوطني تجاهها سوى التهديد بالوعد والوعيد واستخدام القوة والمخاشنة. وهذا وضع لا ينبئ بأن المؤتمر الوطني هو الحزب الأجدر بعد أكثر من عشرين عاماً أن يكون حزب المستقبل، خاصة وأنه قاد بسياساته البلاد نحو التمزق ليس تجاه الجنوب ولكن تجاه دارفور وأبيي وجبال النوبة والنيل الازرق والشرق وربما الشمال خاصة بعد قتل المتظاهرين ضد مشروعات السدود وبلا تردد أو محاسبة. كما أنه لا كبير هم له بمنسوبيه وبأمكانه أن يفعل بهم كل شئ وبلا سقوف كما تدفع بذلك حادثة (محمد الخاتم موسى يعقوب) الذي اختفي وبيد الاجهزة الامنية ولم يعرف عنه شئ حتى الان رغم تدخل الرئيس شخصياً، والاغرب أن الحكومة توفر لمن فعلوا ذلك وباعضاء وممثلي حزب كل حماية تنجيهم من المساءلة القانونية.

    بالمقابل تجمع الحركة الشعبية وبكل مكتبها السياسي على اختيار شمالي من عضويتها في تماسك فريد، وتدفع به لخوض معركة الرئاسة ليس نكاية في المؤتمر الوطني الشريك ولكن وفقاً لرؤية وخطة مؤسسة على طرحها للسودان الجديد، متحدية كل عنفوان الانفصال الذي يمثل الرغبه الغالبة لأهل الجنوب، ووفقاً لطرح متماسك لا يخل بأي خيار قد ينتهي له الاستفتاء القادم. فالوحدة مشورع استراتيجي اذا لم يؤكد عليها الاستفاء القادم، فأن مرشح الحركة الشمالي سيكون هو عنوان تجديد طرح الوحدة وخوض غمار معركتها القادمة التي يجب أن تتم وفقاً لحوارحولها يؤسس لتجديد القواعد التي تضمن وحدة مؤسسة على المواطنة والعدالة والديقراطية واطلاق الحريات، وحدة يؤكدها كل شعب السودان وليس شعب الجنوب فقط هذه المرة، وطوعاً بلا ضغوط من قوى داخلية ولا هياب من أخرى خارجية. بل كل الشعب في الجنوب والشمال سيخوض معركة الوحدة الطوعية المتوافق عليها والتي يعمل الجميع على تأسيسها وفقاً لما يرضيهم ويدعم تماسكهم ضمن سودان جديد.

    وبعد كل شئ ينبئ بأن الكسب الأكبر والاكيد أقوى ولصالح الحركة الشعبية مقارنه بالمؤتمر الوطني. فحساب الارقام أول وأهم مرتكز يؤكد موقف الحركة الشعبية الانتخابي التي لها قرابة الخمس مليون مسجل بالسجل الانتخابي بالجنوب فقط، والتي لها وجود بالشمال أقوي تماسكاً وله ذات الموقف تجاه مرشح الحركة. في الوقت الذي يتصارع فيه أهل المؤتمر الوطني حول مرشحيهم، القواعد تختار مرشحها، لكن المركز هو صاحب الترشيح. ثم تنفجر الصراعات وتتسع دائرة الرفض وكل يتوعد الاخر فلا تماسك ولا ضمانات لقواعد متينة لفوز قادم ولو جرت الانتخابات (داخل حزب المؤتمر الوطني وبين مرشحيه). وتماسك الحركة الشعبية حول مرشحها ينهي كل الترتيبات التي تسحب لها ووضعها المؤتمر الوطني لتوفر له الفوز بغض النظر عن ما هي أو ما يترتب عليها. فتماسك الحركة الشعبية يجعل خيار التزوير خطراً كبيراً يحتاج إلى إعادة حساب. وخيار افتعال الفوضى الانتخابية لأجل عرقة الانتخابات يحتاج أكثر من غيره للمراجعة. بل حتى خيار اللجؤ لأعلان حالة الطوارئ يحتاج إلى أكثر من مراجعة. ولما كانت الانتخابات القادمة بالنسبة للمؤتمر الوطني مسألة بقاء أو نهاية، فإن ترشيح الحركة الشعبية لياسر سعيد عرمان يعجل بتلك النهاية وعبر الانتخابات مهما كان وضع أوشكل تعامل المؤتمر الوطني ومهما كانت تكتيكاته. وهذا يحتاج لقراءات اخرى قادمة نقف فيها على تكتيكات المؤتمر الوطني ومدي محدوديتها وخطلها واستخفافها بالآخرين.

    ونختم بأن ترشيح ياسر سعيد عرمان علامة فارقة في تاريخ السودان اتفقت أو اختلفت في النظر إليها. وأن الانتخابات القادمة لن تكون نزهة تُحصد فيها النتائج بتدابير سابقة مهما كانت. ترشيح ياسر عرمان يعني أن المعركة لن تكون ألا معركة حقيقية إما أن تخوضها بكل مستحقاتها. أو ان تخوضها وأنت ضامن للخسارة الأكيدة اذا كنت مؤتمر وطني.
    ]
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

21-01-2010, 10:00 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    يا أيُها المبعُوث فِينا ...
    بقلم: فتحي الضَّـو
    الاثنين, 18 يناير 2010 06:44




    يا أيها المبعوث فينا بالفكر الحُر، والمواقف الشجاعة، والسماحة النادرة، من ذا الذي غيرك يمكن أن يقول كلمة حق كهذه في وجه سلطان جائر (أنا أعلنت رأيي مراراً في قوانين سبتمبر 1983 من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام، وأكثر من ذلك فإنها شوهت الشريعة، وشوهت الاسلام، ونفرت عنه.. يضاف إلى ذلك إنها وُضعت وأُستغلت لإرهاب الشعب وسوقه إلى الاستكانة عن طريق إذلاله.. كما أنها هددت وحدة البلاد..هذا من ناحية التنظير. أما من حيث التطبيق، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها، غير مؤهلين فنياً، وضعفوا أخلاقياً.. عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية، تستعملهم لإضاعة الحقوق، وإذلال الشعب، وتشويه الاسلام، وإهانة الفكر والمفكرين، وإذلال المعارضين السياسيين. ومن أجل ذلك فأنا غير مستعد للتعاون مع محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحُر والتنكيل بالمعارضين السياسيين).

    يصادف اليوم مرور ربع قرن على صدور الحكم الجائر باغتيال شهيد الفكر الإنساني الاستاذ محمود محمد طه. جاء ذلك وفق ما هو معروف بعد محكمة هزيلة شيعت القانون إلى مثواه الأخير قبل أن يترجل الفقيد الراحل على منصة الاعدام، ومن قبل أن يفتر فمه عن ابتسامة وضيئة هزمت الانتصار الزائف لقوى الشر وخفافيش الظلام. لم تستغرق تلك المحاكمة المهزلة – كما أطلق عليها الأخوان الجمهوريون – سوى دقائق معدودات لمحاكمة فكر نذر الاستاذ محمود له حياته لِما يُناهز النصف قرن. بل حتى لو استغرقت تلك المحكمة دهراً ما كان ذلك ليغير شيئاً في مواقفه الشجاعة التي أبداها يومذاك، لأنها لم تكن عفو الخاطر ولا وليدة اللحظة، فهي عبارة عن تراكمات لمواقف مماثلة في وجه كل سلطان جائر، سواء كان من المستعمرين الذين جثموا على صدر البلاد، أو من الحكام الوطنيين الذي ضلوا الطريق، وأعمتهم السلطة وغررت بهم، فما عادوا يميزون بين الحق والباطل، بين النور والظلام، بين الكرامة والإهانة!

    أن يجهر إنسان بقول الحق في وجه سلطان جائر، ذلك لعمري يمثل أعلى سنام الشجاعة والتحدي. فما أقسى أن يقول المرء لجلاديه أنهم غير مؤهلين فنياً، وما أصعب أن يقول الضحية لقاتله إنه ضعيف أخلاقياً، وما أجرأ أن يصم البريء المذنب بأنه مجرد خاتم في أصبع سلطة غاشمة تقلبه حيث تشاء. ولهذا لم تكن الكلمات التي عبر بها الاستاذ محمود محمد طه عن موقفه حيال تلك القوانين سيئة الصيت، تعابير إنشائية أو سجع يسلو المرء به نفسه. فأنظر – يا من يكاد يصرعك العجب – قوة هذه الكلمات في اللغة (شوهت ونفرت وهددت وأستغلت) ثمَّ هل هناك سقفاً أعلى في ذات اللغة أكثر من أن يقول المرء أن تلك القوانين صممت من أجل (إهانة وإذلال وإرهاب وتنكيل) الشعب، من ذا الذي يمكن أن ينطق بقول كهذا وهو يعلم أن حاكماً جاهلاً بأمور دينه ودنياه يتربص به ليقتله. حاكم ضرس اللغة العربية وهو يكشف عن ذاك التربص في تعليقه المقتضب على البيان التاريخي (هذا أو الطوفان) فيكتب (إنشاء الله) هكذا، وهو بالطبع يقصد (إن شاء الله). وكان يمكن أن يكون هذا الخطأ غير ذي بال، لولا أنه قال (إنه قضى الليل كله يقرأ في المراجع الدينية، ولم يجد للاستاذ مخرجاً) هل هناك استهانة بالفكر والمفكرين أكثر من هذا، مواطن مفكر يفني العمر كله بحثاً عن المعرفة، وحاكم جاهل يقضى ليلة واحدة ليبحث له عن مخرج!

    نحن لا نجتر تلك الكلمات التاريخية بعد مرور ربع قرن عليها من أجل ذكرى فرضت نفسها في التاريخ السوداني فحسب، ولكننا نقرأها بعين الحاضر ونتمعن فيها دروس الماضي ونستلهم من خلالها رؤى المستقبل. فعندما يقول الاستاذ محمود (إن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها، غير مؤهلين فنياً، وضعفوا أخلاقياً) لابد وأن يتساءل الذين لم يشهدوا ذاك التاريخ المظلم: أين الثلاثي الذي تولى تلك المهمة المخزية الآن؟ الذي نعلمه ويعلمه المتابعون أن أحدهم وهو السيد النيل أبو قرون كاد أن يشرب من نفس كأس التكفير، فقد أُتهم في بداية تسعينيات القرن الماضي بملابسات لا ندري كنهها، وإن ماثلت الردة التي ألصقها بشهيد الفكر الانساني، فما كان منه إلا وأن أصدر بياناً إعلانياً قرأه الناس في (صحيفة السودان الجديد أو الانقاذ الوطني، لم اعد أتذكرها) وفيه تبرأ مما نسب إليه واعلن توبته وإنزوى لركن قصي. وثانيهم المكاشفي طه الكباشي حامل أوزار المحاكمة المهزلة، فلم يكن بعسير عليه أن يستبدل كهفاً بكهف، فاستكان تحت ظل (سلطان جديد) بلسان لم يجرؤ حتى الآن على ذكر تلك القوانين في المجلس الذي احتمى بمظلته. أما السيدة بدرية سليمان، ثالثة الأثافي، فقد خلا لها الجو في عش العصبة ذوي البأس، فباضت وأصفرت، للدرجة التي لم تجد فيها حرجاً أن تسفر على رؤوس الأشهاد عن أنها كانت أحد منفذي الانقلاب المشؤوم. وبغض النظر عن هذه السابقة النادرة، هل يمكن لك يا عزيزي القاريء أن تتخيل ولو لبضع ثوان، سيدة قاضية تدثرت ببندقية كلاشنكوف بدلاً عن أن تتزمل بالقانون؟ أنظر كيف تكون الجريمة جريمتان والذنب ذنبان. قاضية تنتهك القانون عوضاً عن حمايته، ثم تتبختر بين الناس، كأنها جاءت بعرش بلقيس من قبل أن يرتد طرف سيدنا سليمان!

    نحن لا نعيد استرجاع تلك الكلمات التاريخية بعد مرور ربع قرن من أجل ذكرى فرضت نفسها في التاريخ السوداني فحسب، ولكن نعيدها لنقول أن الاستاذ محمود محمد طه لم ينطق بها طلباً لمغنم أو بحثاً عن شهرة، فهو وإن فعل فإنما فعل ذلك من أجل أن يترك لنا إرثاً نستطيع به أن نواجه أنظمة الظلم والقهر والاستبداد.. قالها لنتزود بها في مواجهة الشمولية الغاشمة. كان يريد أن يعلمنا كيف يمكن أن نتحرر من الخوف والتردد واللامبالاة، ثمَّ نجسد الشجاعة في اسمى معانيها. أما هو فلم يكن ذلك بغريب عليه، فنحن نعلم من خلال مسيرة حياته الثرة مواقفه الوطنية التي لم تخلُ من شجاعة متميزة، فقد ذاق طعم السجون ومرارتها، وصبر على الأذي والاهانة كحال كل حامل رسالة سامية، وصمد أمام ترهات المهوسيين أعداء الفكر والانسانية. من عجب ونحن نحتفل باستقلال السودان مطلع كل عام جديد، والذي بينه وبين ذكرى اغتيال الاستاذ محمود نحو أسبوعين. فما أن تهل علينا هذه الذكرى حتى يتبارى القوم في ذكر محاسن الذين ضحوا وناضلوا واسهموا في صنع تاريخ الأمة، ثمَّ يغفلون - سهواً أو عمداً – سيان، سيرة الاستاذ محمود الذي كان أول سجين سياسي في تاريخ الحركة الوطنية على يد الاستعمار البريطاني المصري في العام 1946، ليس هذا فحسب بل سجل له التاريخ إنه رفض أي مساومة هدفت إلى اطلاق سراحه، مقابل توقيعه على تعهد يقضي بعدم ممارسته أي نشاط سياسي!

    كنت قد ذكرت في مقال سابق ضرورة أن نعيد للاستاذ محمود إعتباره، ككل مفكر كان نبياً وسط قومه. كلنا يعلم أن المحكمة الدستورية العليا نقضت الحكم الجائر في العام 1986 وابطلت فرمانات المحكمة المهزلة، ولكن في تقديري كان ذلك جانب اجرائي لا ينبغي أن يصرف النخبة السودانية المثقفة عن القيام بدورها التاريخي، فإن في تقاعسها نذير بأنها يمكن أن تؤكل كما أكل الثور الأبيض ذات يوم. ينبغي أن نسرد سيرة الشهيد البطل لأبنائنا بفخر واعتزاز، نقول لهم أن سودانياً قحاً وبطلاً يشبه أبطال الاساطير الإغريقية، حلق في سماواتنا، ثمَّ مضى إلى الموت شامخاً كالطود الأشم، لم ترتعد له فريصة ولم يرمش له جفن. كان سلاحه الوحيد آنذاك ابتسامة غامضة أرهقت قاتليه، ولم يستطعوا أن يزيلوا ابهامها حتى اليوم. ليس أيسر على جموع المثقفين السودانيين أن يحيوا سيرة من ضحى بحياته لينير لهم الطريق، وذلك بتسمية الشوارع والميادين باسمه، وكذلك مراكز ومنظمات المجتمع المدني، دون تباطؤ يحيل ذلك إلى وقت معلوم. ولنا في كلماته أعلاه عظة وعبرة، فهو لم يقل لنفسه لم يحن الوقت، أو توخي ظرفاً لن يأتي من سلطة غاصبة!

    كما أن التحدى الحقيقي يجييء في ظل افتتاح مركز الشهيد محمود محمد طه الثقافي، فإلى جانب سعادتي التي لا توصف بهذا الانجاز الذي طال انتظاره، إلا أنه يحدوني أمل كبير أن يكون هذا المركز أكبر منارة تتواءم والسيرة العطرة للشهيد محمود محمد طه. فبالرغم من الرمزية التي رمى إليها القائمون بالأمر في تخصيص داره كمقر لهذا المركز، إلا أنه ينبغى أن يكون أكبر حجماً، ويتسع لكل قاصد، ثمَّ يتمدد وتنشأ له فروع في كل الولايات، ولنعد أنفسنا ليوم يتبارى فيه الفنانون النحاتون لإقامة تمثال يجسد شخصية الاستاذ محمود ويذكر الناس بعظمته وتاريخه التليد.. ويؤمه الذين آمنوا بالفكر حراً وبالحرية نبراساً وبالعدالة الاجتماعية غايةً!

    نتذكرك يا رائدنا أيها الشامخ كأشجار التبلدي، الراسخ كجبل مرة، الممتد عطاءً كنهر النيل. نتذكرك يا شهيد الفكر الانساني الحر كلما تلجلجت ألسنتنا عن قول الحق في وجه حاكم ظالم، نتذكرك حينما يتمدد الظلم ويتمادى الظالمون ونلوذ بالحياة خوفاً وطمعاً ورهبة. نتذكرك عندما يتقهقر منَّا الذين ينبغوا أن يتقدموا الصفوف فيولوا الأدبار، نتذكرك حينما نجعل الدنيا مبعث عيشنا وغاية همنا غير عابئين بحياة ذل وإهانة وإنكسار. نتذكرك حينما يفسد الفاسدون وينسوا أنك ارتديت من الثياب أبسطها وتخيرت من الطعام أفقره، نتذكرك حينما يقبلون على المال فيكنزوه ويستأثرون بالذهب فيلبسوه، وأنت الذي كان مالك أوراق بيضاء يقرأ فيها الناس أحاديث دينهم ودنياهم، وكان ذهبك صمتاً يتأمل دقائق الكون وسر الخلق وعظمة الخالق.

    في ذكرى رحيلك المفجع نكتب عنك يا سيدي، ما بقى في النفس شهيق من الحلم وزفير من الوجع. أكتب لأعزي نفسي بفعل يتقازم أمام فعلك، وهذا أضعف الايمان. فأنا لم أندم في حياتي على شيء، إلا على عين رمدت ولم تكتحل برؤياك، لم أفجع في شيء إلا على فم صام ولم يفطر بالحديث إليك. سنكتب عنك لأن الكتابة توجعهم وتذكرهم بسوء فعلتهم إن كانوا حقاً يشعرون. سنكتب عنك حتى نبث الرعب والخوف والهلع في نفوسهم، سنكتب عنك حتى يولوا الأدبار يوم الزحف العظيم. فنم قرير العين أيها المبعوث فينا...إن جئنا بالثأر المطاع!!

    عن صحيفة (الأحداث) 17/1/2010
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

21-01-2010, 10:07 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    في ذكرى الأستاذ محمود: ربعُ قرنٍ منذ القتل بسبب الفكر! -2- ...
    بقلم: د. النور حمد
    الاثنين, 18 يناير 2010 10:30


    قبل أن أواصل في حلقتي الثانية، أريد أن أنوه لخطأين حدثا مني سهواً في الحلقة الماضية. وقد نبهني لهن بعض الأخوة الأفاضل. فقد ورد أن الأستاذ محمود خرج من معتقله الأخير في 19 يناير 1985، والصحيح هو 1984م، وليس 1985م. كما ورد أيضا، أن منشور هذا أو الطوفان الذي دعا فيه الأستاذ محمود إلى إلغاء قوانين سبتمبر، خرج في 25 ديسمبر 1985، والصحيح هو 1984م، وليس 1985م. ولابد أن القراء لاحظوا أن هذا مجرد خطأ.



    لم يكن يجول بخاطر أكثرية الجمهوريين والجمهوريات أن الأستاذ محمود، ومن تم اعتقالهم معه من الإخوان الجمهوريين سوف يُحكم عليهم بالإعدام! ولقد ذكر لنا الأستاذ محمود في واحدة من الجلسات التي سبقت المحكمة الأخيرة أن علينا أن نقوم بواجبنا في مقاومة تلك القوانين، وألا نظن أننا لن نلقى في ذلك عنتاً، أو عنفاً. قال إننا ربما نُجلد وأنه ما ينبغي أن نظن أن معجزة سوف تحدث لتحول بيننا وبين ما يمكن أن تواجهنا به السلطة من عسف، واضاف قائلا: (ما تجرِّبوا الله، خلوا الله يجربكم). وقال: (ربما تحدث معجزة، ولكن لا تنتظروها)!! كان أقصى ما بلغته أسوأ توقعاتنا، أننا سوف نُجلد، في واحدةٍ من حفلات الجلد العلنية اليومية، التي كانت فاشيةً في تلك الأيام الكئيبة. فقد كانت فرقعة السياط تنبعث من كل بقعةٍ في العاصمة المثلثة، أُقيمت فيه ما سُميت بمحاكم الطوارئ. تلك المحاكم التي أقام عليها نميري من القضاة من وصفهم الأستاذ محمود بأنهم: ((غير مؤهلين فنياً، وضعُفوا أخلاقياً عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية، تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب، وتشويه الإسلام، وإهانة الفكر والمفكرين، وإذلال المعارضين السياسيين)). والذين وصفهم ايضاً الدكتور منصور خالد عقب تنفيذ الحكم على الأستاذ محمود، بأيام قلائل، بـ "القضاة التالفين"، في مقالته الشهيرة التي صدرت في صحيفة السياسة الكويتية، في يناير 1985م. كانت البلاد تبدو وكأن خبالاً من نوعٍ ما قد ألمَّ بها! فقد أخذ اللامعقول بتلابيبها، وطفق يزحم أجواءها بغبارٍ خانق. حين نطق القاضي المهلاوي بحكم الإعدام، ضد الأستاذ محمود محمد طه، والجمهوريين الأربعة الذين كانوا معه، لم يصدق غالبية حضور المحكمة أن ما سمعوه كان حقيقةً، فقد بدا ما جرى أقرب ما يكون إلى كابوسٍ منامي منه إلى شيء واقعي يمكن أن يحدث في حالات الصحو. هللت قلةٌ من أتباع "الحركة الإسلامية" للحكم، غير أن الأمر بدا للأكثرية شيئا غرائبياً، خرج بعده الناس وبعضهم واجمٌ وبعضهم يهمهم. وسرعان ما انفض السامر، وابتلعت أزقة أمدرمان جمهور المحكمة وجلبته، وخيمت على العاصمة حالة من الترقب.



    كنت ممن يؤمنون إيمان العجائز، بما يسمى بـ "تسامح السودانيين"، وذلك لما ظللت أراه على السطح، من شواهدَ دالةٍ عليه، ولما كان مسيطراً عليَّ من قناعات قامت على أسسٍ عاطفية، غذى أكثرها ما يتردد في الأفواه، في الحياة العامة، عن هذا التسامح المزعوم. أما الأستاذ محمود، فقد ظهر لي مما تأملته لاحقاً من تجربتي معهً، أنه كان يعرف الأمر على حقيقته. فهو، بالإضافة إلى البصيرة الثاقبة التي مخضتها فيه الخلوات، والصلوات، والصيام، في مقتبل العمر، قد عرف الكثير عن الحركة السياسية السودانية منذ أيام مؤتمر الخريجين، في نهايات الثلاثينات من القرن الماضي. بدأت استنتج مؤخراً، أنه كان يعرف ما ظل مخبوءاً من خمائر عنف النُّخَب، التي لم تكن الظروف قد نضجت له ليبرز إلى السطح. لقد تبين لي ضمن ما تبين، أن الأستاذ محمود لم يغادر هذه الحياة في الثامن عشر من يناير من العام 1985، وإنما غادرها قبل ذلك بوقت طويل. غادر الستاذ محمود حياتنا هذه ساعة خروجه من خلوته في العام 1951م. فقد كتب الأستاذ محمود في خلوته تلك بخط يده "وصية متوفى"، لا نزال نحتفظ بالدفتر الذي كتبت فيه إلى يومنا هذا. ويعكف على تحليل هذه الوصية الآن، الأستاذ عبد الله الفكي البشير، ولسوف يرى تحليله لها النور قريباً. في تلك الوصية التي أورد الدكتور عبد الله النعيم طرفاً منها، في المقدمة التي كتبها للترجمة الإنجليزية التي قام بها لكتاب الأستاذ محمود "الرسالة الثانية من الإسلام"، ورد ضمن ما أوصى به الأستاذ محمود أهله: ((لا يُفْرَشُ عليَّ، ولا يُتصدق، ولا أُكَفَّن في جديد، ولا يُناح علي، ولا يُجعل علي قبري أيُّ علامة))!! عاش الأستاذ محمود ما يقارب الأربعين عاماً عقب تلك الوصية، غير أن الشاهد هنا أنه كان مستعداً للذهاب منذ أن كتبها، في ذلك الزمن البعيد! وحين ذهب، استجابت السماء لوصيته، فتم له كل شيء وفق ما طلب، وسأل، وأوصى!



    رأى الأستاذ محمود إرهاصات العنف، وشم شميمه منذ وقت مبكر. سمعته مرةً في تلك الجلسات التي تتم اتفاقاً ساعات الضحى وهو يقول وكأنه يقرأ ما كان يتفوه به من رقٍّ مشدود عند حافة أفق بعيد: ((المهدية لسع فيها باقي!)). ولم أفهم قوله ذلك إلا بعد سنوات طويلة. فالمهدية قد عنفت بخصومها عنفاً شديداً. كان الأستاذ محمود يعرف قوى بركان العنف التي كانت تعتمل تحت القشرة، وكان يعرف مبلغ غشم قوى المتشكل السائد. تلك القوى التي وطن نفسه على مواجهتها، يوم أن اختط لنفسه خطاً ثالثاً، وقف به ضد الإستعمار، من جهة، وضد الطائفية، من الجهة الأخرى. وقف الأستاذ محمود كالسيف وحده، حين هرولت جمهرة المتعلمين الأوائل، من رمضاء الجهاد ضد المستعمر، إلى أفياء الطائفية المريحة. كان ضد الخيارين القائمين آنذاك: الإتحاد مع مصر، تحت التاج المصري، أو الإستقلال تحت الوصاية والرعاية البريطانية بخلق تاج سوداني. وحين خرج من خلوته وصدع بدعوته للبعث الإسلامي على النحو الذي أبانه في كتبه ومحاضراته التي كان يطوف فيها كل أرجاء السودان الشمالي، أضاف إلى القوى التي ظلت تستهدفه، المؤسسة الدينية الرسمية الممالئة لكل العهود السياسية، أجنبيةً كانت أم وطنية. في تلك اللحظة التي وقفت فيها الأمور المتعلقة بمستقبل البلاد السياسي، وبمستقبل الدين فيها، عند مفترق الطرق، عرف الأستاذ محمود أنه قد وضع نفسه في مواجهة كل القوى ذات الوزن في الساحة. ومنذ تلك اللحظة عرف ما يمكن أن يؤول إليه مصيره، وقبل ذلك المصير، قبولاً راضياً، سار به في درب تقاليد ابتلاءات التوحيد، الإبراهيمية، العيسوية، السامقة!



    أما نحن، الذين لازمناه سنيناً، وظننا أننا نعرفه، ونعرف ما كان يحيط به، فقد تبين لنا أننا لم نكن نعرف عنه الكثير. لم تتبدى لنا خيوط الأمور، إلا بعد سنواتٍ طويلةٍ من إعدامه. لم نكن نعرف أنه كان يعرف الوقت الذي ستخرج فيه طاقة العنف المكتومة تحت القشرة. لم نعرف، رغم أننا عرفنا عن أمر محكمة الردة التي عُقدت له في نهايات الستينات، في ما تسمى، زوراً، وبهتاناً، بـ "الديمقراطية الثانية". كان هو الوحيد الذي كان يعرف أن البركان الخامد سرعان ما سيثور. ولذلك فقد كان يسابق الزمن. فما أكثر ما سمعناه وهو يردد: ((ما في وَكِتْ))، ((الوَكِتْ قليِّل)) يقولها هكذا بالتصغير، ليؤكد على قصر ما تبقى من الوقت. كنا نسمعه ولكنا لم نكن نعي حقيقة ما كان يرمي إليه. لقد كنا رازحين في غمرةِ طفولةٍ عقليةٍ غريرةٍ، أبت أن تشب عن الطوق! كان يسابق الوقت، لمعرفته بالقوى التي ظلت تتربص به، فهو ليس بدعاً من المبصرين، الذين تم قتلهم في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، بواسطة الحكام الذين أكلوا الدنيا باسم الدين، منذ العصر الأموي، وحتى زماننا هذا. لم يكن يريد أن يذهب، قبل أن يترك على ظهر الأرض بذرةً قابلةً للنمو، ولذلك فقد كان يصل ليله بنهاره، يُسَلِّك الشباب الذين أهطعوا إلى سوحه، ويكتب الكتب، وينشر المنشورات، ويحاضر، ويستقبل الناس الذين لا ينقطعون عن داره من غبش الفجر، وحتى منتصف الليل.



    في ليلة الجمعة الرابع من يناير عام 1985م، وهي الليلة السابقة لإعتقاله، ختم الأستاذ محمود محمد طه الجلسة التي أقيمت في الساحة الواقعة غرب منزله مباشرة، بحديثٍ عن ضرورة القيام بواجبنا في مناهضة قوانين سبتمبر، أُورد منه هذه الفقرة كما وردت في شريط التسجيل: ((الصوفية سلفنا، ونحن خلفهم .. كانوا بيفدوا الناس .. الوباء يقع يأخذ الشيخ الكبير، الصوفي الكبير، وينتهي الوباء. دي صورة غيركم ما يعقلها كثير .. الجدري في قرية "التبيب"، تذكروها؟ كان في كرنتينة في القرية، لا خروج، ولا دخول. الشيخ الرفيع ود الشيخ البشير، أخو الشيخ السماني مات بالجدري في القرية. شيخ مصطفى خال خديجة بت الشريف، هو صديقنا وبزورنا كتير، قال: ((حصلت وفاة ومشيت أعزي. مرَّ علي الشيخ الرفيع ـ أخو الشيخ السماني شيخ المقاديم الهسع بيعطروا ليكم حلقات الذكر ديل ـ قال لي بمشي معاك .. قال مشينا سوا، إيدو في إيدي، كان فيها سخانة شديدة .. وصلنا محل الفاتحة، واحد قال: يا الشيخ! المرض دا ما كمَّل الناس!! الشيخ الرفيع قال: المرض بينتهي، لكن بيشيل ليهو زولاً طيِّب!! قمنا من المجلس، وصلنا البيت، والسخانة كانت الجدري، ومات الشيخ الرفيع، ووقف الجدري .. السيد الحسن أيضا مات بوباء وانتهى الوباء .. وفي سنة 1951م الشيخ طه مات في رفاعة بالسحائي، وكان مستطير بصورة كبيرة، وما عندو علاج، وما كان بينجو منو زول، الما يموت، يتركو بي عاهة .. مات الشيخ طه والمرض انتهى! الحكاية دي عند الصوفية مضطردة ومتواترة، العلمانيين تصعُب عليهم)). ولم ندرك لحظتها أبعاد ذلك الحديث كما ينبغي، رغم أن قد قيل قبل أربع عشرة ليلةٍ فقط قبل الإعدام. فقد كان في آذاننا وقرٌ من طفولة روحيةٍ غريرة! كان هو في حيز، وكنا في حيز آخر.



    قيل إن الحلاج حين سيق إلى الصلب كان ينشد:

    نديمي غيرُ منسوبٍ

    إلى شيءٍ من الحَيْفِ

    سقاني مثلما يشربُ

    فعلَ الضيفِ بالضيفِ

    فلمَّا دارتِ الكأسُ

    أتى بالنطعِ والسيفِ

    كذا من يشربُ الراحَ

    مع التنِّين في الصيفِ!



    لم يكن الأستاذ محمود مفكراً، بالمعني الشائع للكلمة، وإنما كان صاحب رؤيةvision . والرؤية فوق الفكر. وبما أن الناس، بشكل عامٍ، أسرى للأفكار، فإن استيعابهم لما هو رؤيوي يقتضيهم زمناً، ربما طال، وربما قصر، وفقاً للظروف المحيطة بهم. يقول ديفيد بوم عن الرؤيةinsight إنها: ((تعلن عن نفسها كصورةٍ ذهنية. فمفهوم نيوتن للجاذبية، وفكرة انشتين عن السرعة الثابتة للضوء، وردت إليهم كصورٍ ذهنية، وليس كفرضيات تأسست على تداعياتٍ منطقية. فالمنطق يُعد ثانوياً بالنسبة للرؤية، والمنطق لم يكن في يوم من الأيام، مصدراً لمعرفةٍ جديدة)). Huston Smith, Beyond the Postmodern Mind, Quest Books, USA, 2003)



    قيض الله للسودان، من دون بلاد الدنيا، أن يشهد تجربتين كبيرتين غريبتين على السياق السائد. ففي ثمانيات القرن التاسع عشر، والثورة الصناعية، في أوج صعودها، والتوسع الاستعماري في عنفوان تمدده، شهد السودان أحداث الثورة المهدية، التي دعت إلى العودة إلى الدين، ودعت إلى الجهاد وفتح البلدان. وفي ثمانينات القرن العشرين، شهد السودان تجربة محاولة تطبيق الشريعة الإسلامية، التي تداعت إلى قتل مفكرٍ مسالمٍ أعزلٍ بسبب أفكاره، في تجسيدٍ كان الأبشع من نوعه، في الإطار التاريخي الذي تم فيه. ثم جاءت الإنقاذ، في العام 1989م، وجاءت معها أحلام تصدير نموذج "الثورة الإسلامية"، إلى ما وراء الحدود! ولم تبلغ في ذلك طائلاً، وأصبحت تلك الأحلام نسياً منسياً.



    بدأت الثورة المهدية بأهداف دينية، وحلمت بفتح البلدان، وبإعادة العالم الإسلامي إلى جادة الطريق، كما رسمتها هي، ووفقاً لما حلم به قائدها، من مبايعة تتم له، بين الركن والمقام. يُروي أن الإمام المهدي توقف، وهو في زحفه نحو الخرطوم، عند الشيخ برير، صوفي قرية "شبشة" غربي الدويم، وهي القرية التي اقترن أسمها به. يقولون: "شبشة الشيخ برير". وقد كان الشيخ برير رفيقاً للإمام المهدي في الطريق السماني. يقال إن المهدي حين لقي الشيخ برير أمسك يديه بكلتا كفتيه، وقال له: ((كب يا برير، بلا مكَّة، مافي فكَّة)) أي، لن أترك يدك حتى نبلغ معاً مكة فاتحينً. فرد عليه الشيخ برير، وقد جرى ذلك المشهد تحت شجيرة: ((أنا شديرتي دي ماني فايتها، وإنت مقرن البحرين ماك فايتو)). ترك المهدي رفيق طريقه السابق برير حيث هو، وواصل زحفه نحو الخرطوم التي فتحها. غير أنه توفي فيها بعد شهورٍ معدوداتٍ من دخوله إليها!



    الشاهد، أن الثورة المهدية حلمت أحلاماً تخصها، ولكنها حققت للسودان أمورا أخرى غير التي حلمت بها هي! فالثورة المهدية رسمت حدود السودان الحالية، كما أقامت القطر من أطرافه، وأحدثت فيه حراك هجرات غير مسبوقة، وضعت الإثنيات المتعددة في القطر على طريق تشكيل القومية الواحدة، التي لا يزال مخاضها العسير مستمراً، حتى هذه اللحظة. أما نميري، ووراءه الحركة الإسلامية، فقد جاءوا بما أسموه "قوانين الشريعة". فأدخلوا البلاد في دوامة من الإضطراب، ومن العزلة، ومن التنازع، ومن الفشل المضطرد. وشهد الناس جوانب من كوابيس الهوس الديني، أوضحت بما يكفي خطورة طريق التثوير الشعاري، التعبوي، ومزالقه. وها نحن اليوم نقف عند مفترق الطرق، مرة أخرى، والسبل أكثر انبهام مما مضى! فهل سيصبح الحجر الذي أباه البناؤون هو حجر الزاوية، كما نطق بذلك السيد المسيح؟ يا طالما سمعت الأستاذ محمود محمد طه، وهو يردد في حجرته الصومعة، العبقة، بنطقٍ مُفَسَّرِ، فصيحِ، مُبين، أبيات الشيخ عمر بن الفارض القائلة:

    وعن مذهبي لمَّا اسْتَحَبُّوا العمى

    على الهدى،

    حسداً من عند أنفسهم، ضَلُّوا

    فَهُمْ في السُّرى،

    لمْ يبرحوا من مكانِهم

    وما ظعنوا في السير عنه،

    وقد كَلُّوا
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

24-01-2010, 08:49 PM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    صحيفة أجراس الحرية
    http://www.ajrasalhurriya.net/ar/news.php?action=view&id=8451
    --------------------------------------------------------------------------------
    الكاتب : admino || بتاريخ : الخميس 14-01-2010
    طعن في اهلية ترشيح البشير للانتخابات

    كمال الصادق


    : بالأمس أُعلن عن ترشيح المواطن عمر حسن احمد البشير مرشحا لرئاسة الجمهورية عن حزب المؤتمر الوطني للانتخابات المقرر اجراؤها ابريل القادم وذلك بعد ان اعلن تقاعده من قيادة الجيش والقوات المسلحة برتبة المشير يوم الاحد.
    ولما كان حق الطعن في اهلية المرشح مكفول بموجب قانونالانتخابات ضد اي مرشح ايا كان منصبه السابق او الحالي لتفصل فيه الهيئة في نهاية المطاف حسب جدولها المعلن مادام المرشح قد طرح نفسه لرئاسة السودان ويمكن استئنافه امام المحاكم ..فإننا انطلاقا من ذلك والتزاما بهذا القانون نتقدم بهذا الطعن في اهلية المرشح المواطن عمر البشير لانتخابات رئاسة جمهورية السودان للفترة القادمة.
    ويستند طعننا المقدم عبر هذا الباب للمفوضية والقوى السياسية والمجتمع الدولي والاقليمي والراي العام السوداني صاحب المصلحة والحق على ان المواطن عمر حسن احمد البشير الذي قدم للترشيح لرئاسة الجمهورية مشتبه به بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في دارفور وبموجب هذا الاشتباه صدرت في مواجهته مذكرة توقيف دولية صادرة من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي وعرضت المذكرة رسميا امام مجلس الامن وعمم امر القبض على كل دول العالم وارسل ايضا الى حكومة السودان وهو بموجب هذه الاتهامات وهي خطيرة جدا في رأينا المتواضع يجب استبعاد ترشيحه لرئاسة السودان الى حين مثوله امام القضاء وتبرئة نفسه من لائحة الاتهامات المشبه بها وغض النظر عن منصبه طالما هنالك تهمة وامر قبض صادر في مواجهته من محكمة اي كانت تلك المحكمة كمواطن فإن ذلك يقدح في اهليته ويسقط تماما ترشيحه لرئاسة الجمهورية.
    وحتى لا نقع في خطل الخلط بين منصبه السابق للانتخابات كرئيس للجمهورية ودعوتنا بنقد ترشيحه كمواطن نقول اذا كان هناك ضابطا اداريا في محلية اتهم باختلاس مالي وهناك لائحة اتهام في مواجهته بأمر قبض وتقدم بإستقالته وجاء للترشيح في الانتخابات فإنه لايحق له الترشيح للانتخابات في اي من مستوياتها الثلاثة ما لم يقف امام محكمة وتبرأ ساحته من التهم المنسوبة اليه
    الامر الثاني ان المرشح المواطن عمر البشير وبموجب امر القبض الدولي الصادر في مواجهته ايضا لايستطيع ان يؤدى واجباته الرئاسية كرئيس لجمهورية السودان اذا فاز في الانتخابات القادمة ونعني بذلك السفر وحضور المنابر الدولية وتمثيل السودان فيها والدفاع عن حقوقه فهو لم يستطع منذ صدور امر القبض الدولي السفر الى دول بعيدة من محيطه وعلى سبيل المثال لايستطيع السفر الى اوروبا والامريكتين الشمالية والجنوبية وحتى مقر الامم المتحدة في نيويورك بل و بعض الدول المحبطة بالسودان مثل تشاد ويوغندا وافريقيا الوسطي وكينيا والكنغو الديمقراطية بجانب كثير من البلدان الافريقية عدا العربية بإستثناء المملكة الاردنية الهاشمية وكذلك الاسيوية واليابان واستراليا وهو بهذه الصفة يفقد الاهلية في الترشيح لرئاسة السودان التي يتطلب من رئيسه المنتخب القادم ان يكون واسع الحركة دوليا لا محاصرا وغير مطارد ومهدد بالقبض عليه في اي مطار خارج السودان ويستطيع في نفس الوقت ان يلتقى كبار زعماء العالم خاصة وان السودان مقبل على عام حاسم في ان يتفكك وينقسم او يتوحد وفي اعتقادنا ان المرشح المذكور لايمكن ان يجعل من الهدف الاخير ممكنا وفقا للاسباب المبينه اعلاه.
    ولو أن غدا تقدم المواطن على كوشيب الذي يواجه نفس الاتهامات وهو لايحمل اي صفة رسمية بطلب ترشيح لرئاسة الجمهورية لتقدمنا بنفس طلب الطعن ولذات الا اسباب، فالثابت ان هناك جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وقعت في دارفور ويجب تقديم مرتكبيها للمحاكمة وذلك بنص تقريري لجنة دفع الله و امبيكي.
    فما هو رأي مفوضية الانتخابات في هذه العريضة وماهو رأي القوى السياسية وعلى نحو خاص تحالف (جوبا) والنشطاء ومنظمات المجتمع المدني والرأي العام السوداني وحتى المؤتمر الوطني نفسه في هذا الطعن ونلتمس قبوله والامر بإسقاط ترشيح المواطن عمر البشير لانتخابات رئاسة الجمهورية القادمة فهذا خير له وللسودان وكفى الله المؤمنين القتال .
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

26-01-2010, 04:50 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    السودان: ماذا إذا خسر المؤتمر الوطني الانتخابات؟

    د. عبدالوهاب الأفندي

    هناك إجماع نادر بين كل الأطراف المتصارعة على الساحة السودانية على شيء واحد: هو أن المؤتمر الوطني سيكتسح الانتخابات المزمع عقدها في نيسان/ أبريل المقبل بدون منازع ذي شوكة. المعارضة تعبر عن هذه القناعة بشكاواها المتكررة من عدم توفر الظروف المطلوبة لانتخابات حرة ونزيهة، بينما يعبر المؤتمر الوطني عنها بحماس قادته المثير للدهشة للانتخابات، وتحدثه المستمر للخصوم لكي ينازلوه في ساحة الوغى الانتخابية. والمعروف أن الأنظمة غير الديمقراطية لا تتحمس للانتخابات إلا بقدر حماس الخراف لعيد الأضحية.
    ويجب أن اعترف بأنني في حيرة من أمر هذه الثقة المشتركة حول نتائج الانتخابات، خاصة بعد أن جعل المؤتمر الوطني د. نافع علي نافع المسؤول الأول عن استراتيجيته الانتخابية، وهو شخص يجد صعوبة كبيرة في كسب دعم عضوية المؤتمر الوطني، ناهيك بأن يكون رأس رمح في استراتيجية لحشد الجماهير خلف قيادة الحزب. وحتى بدون نافع وشطحاته فإن المؤتمر الوطني يدخل هذه الانتخابات وعلى ظهره تركة ثقيلة من الأوزار والمظالم. فهناك أولاً الإشكالية التي تواجهها كل حكومة بقيت في السلطة فترة طويلة، أو حتى فترة قصيرة، لأن الناخبين عادة ما يحبون توجيه رسائل احتجاج لمن هم في السلطة، كما أدرك الرئيس الأمريكي باراك أوباما هذا الأسبوع. أما إذا كانت هذه السلطة قد مارست التعسف في حق كثيرين، وشتمت هذا وأكلت مال هذا وضربت ظهر هذا، إلخ، فإنها تواجه حساباً أشد عسراً من الناخب.
    وتتعقد مشكلة المؤتمر الوطني لكون خطابه الرسمي لم يتضمن حتى الآن اعتذاراً، ولو مبطناً، عما سلف من مظالم (بل عن راهن المظالم كما هو الحال في دارفور أو منطقة سد مروي) بل يصور سجله في الحكم على أنه سجل حافل بالإنجازات وخال من السلبيات. وهو في هذا لا يعد بأي تغيير ذي بال يجعل الناخب يعيش معه أملاً في أن إعادته إلى الحكم في الانتخابات سيعني وقوع تغيير مهم نحو الأفضل في نهج الحكم.
    بالنسبة للمعارضة هنالك بالطبع مشاكل أيضاً مع الناخبين، منها فقدان الثقة في قياداتها والتحولات الاجتماعية بعيدة الأثر في قواعدها التقليدية، إضافة إلى ما شهدته البلاد من تشرذهم قبلي وعرقي وجهوي سيقلب الموازين على كثير من القوى السياسية. هذا إضافة إلى أن كثيراً من الأحزاب ذات الصوت العالي لم يكن لها من قبل حظ في سند شعبي ذي بال، وحظها اليوم أقل. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن المؤتمر الوطني سيكتسح الانتخابات وأن نصيب بقية الأحزاب، وإن قل، سيكون صفراً.
    مما لا شك فيه أن الانتخابات القادمة ستنتج خارطة سياسية جديدة للبلاد، وأي تنبؤ بنتائجها النهائية مقدماً ليس من الحكمة في شيء. ولعل من أهم مميزات هذه الانتخابات أن هذه هي المرة الأولى منذ استقلال السودان التي تنعقد فيها الانتخابات في كامل مناطق جنوب السودان، وبمشاركة فعالة من قوى سياسية جنوبية ذات سند جماهيري وفي جو سلمي إلى حد كبير. وهذا يشكل بمفرده عامل تغيير كبير يساهم في رسم الخارطة السياسية الجديدة. ولا تنطبق على الجنوب المحاذير التي تكرر المعارضة الإشارة إليها من هيمنة المؤتمر الوطني على مقاليد السلطة والإعلام ومصادر الثروة، لأن الجنوب يقع خارج سلطة المؤتمر الوطني تماماً. هناك بالطبع قوى منافسة للحركة الشعبية التي تهيمن على الجنوب، بما في ذلك فروع المؤتمر الوطني وتشكيلات سياسية وقبلية منافسة، مما يعني أن الأمر لن يكون سالماً للحركة هناك أيضاً.
    في الشرق أيضاً، وهو منطقة شهدت بدورها مراحل من الصراع المسلح واتفاق سلام، ظهرت بوادر استقطاب وتكتلات قبلية وعرقية وجهوية ستلعب دورها في تحديد نتائج الانتخابات وتضاريس الخارطة السياسية هناك. ولا يختلف الأمر إلا من ناحية الدرجة في الشمال والوسط، حيث أصبح الاستقطاب العرقي والقبلي هو السائد، وأضيفت إليه مظالم ومرارات، كما هو الحال مع ضحايا نزع الأراضي في مناطق السدود أو المصانع أو المشاريع الأخرى.
    ثم هناك دارفور التي يبدو أن بعض مناطقها لن تشهد انتخابات بسبب استمرار العنف ووجود مناطق خارج سيطرة الدولة، وأيضاً بسبب عزوف كثير من الناخبين هناك عن المشاركة في انتخابات يرون أنها لن تؤثر مباشرة في أوضاعهم. ولا شك أن عدم مشاركة أجزاء مهمة من دارفور في الانتخابات يؤثر سلباً على نتائجها وما تمنحه من شرعية للحكم، وهناك سباق مع الزمن للوصول إلى صيغة تسمح بمثل هذه المشاركة. ولكن مهما يكن فإن التغييرات التي وقعت في دارفور سيكون لها أثر كبير على الوضع السياسي في السودان. ففي آخر انتخابات لعبت دارفور دوراً حاسماً في منح الأغلبية التي حصل عليها حزب الأمة ومكنته من قيادة الحكومة وقتها. ولكن هذا لن يتيسر هذه المرة، ولا يدري أحد في أي اتجاه ستصوت دارفور إن فعلت، خاصة وأنها منقسمة على نفسها.
    في أي اتجاه سارت الأوضاع فإننا بلا شك سنجد أنفسنا أمام خارطة سياسية للسودان لا عهد لنا بها، وهي خارطة لن يكون فيها كاسب بلا منازع، رغم أن الخاسرين فيها سيكونون كثراً. وهذه الخارطة ستجلب معها تحديات ومشاكل يحسن بالجميع التحسب لها. ولعل أهم ما يجب التحسب له هو فشل المؤتمر الوطني في تحقيق أغلبية في الانتخابات القادمة، وهو في نظري احتمال أكثر من مرجح، رغم 'اجتهاد' نافع المقدر ومن معه في منع هذا الأمر. فإذا كان معول قادة المؤتمر الوطني هو على خطب نافع ودعاية التلفزيون القومي وبقية أجهزة الإعلام الموالي، فإنا نقول لأحزاب المعارضة: أبشروا بطول سلامة وكثرة أصوات.
    صحيح أن كثيراً ممن يظنهم المرء من العقلاء يصدقون كثيراً مما يبث في الإعلام الرسمي، حتى ولو كان مما لا يقبله العقل (ولي تجارب شخصية في هذا الصدد بسبب الحملات التي شنت ضدي في إعلام الدولة)، إلا أن الأرجح هو أن الناس يصدقون ما يريدون تصديقه. ولهذا فإن من يغشى مجالس السودانيين لا يجد إجماعاً أكبر من الإجماع حول سوء الظن بأهل الحكومة، وتداول الإشاعات غير المؤسسة أحياناً- حول ثروات هذا وسقطات ذاك. فهناك إعلام بديل 'شعبي' أقوى بكثير من إعلام الحكومة.
    هناك بالطبع ما لدى الحكومة من مغريات مالية وسلطانية، وما تبثه من خطاب إسلامي، وما عقدته من تحالفات سياسية وقبلية. وهذه بدورها تطرح أسئلة مهمة حول طبيعة المؤتمر الوطني أصلاً. فهو قد تخلى منذ بداية عهد الإنقاذ عن وصف نفسه بأنه تنظيم إسلامي، للتقية أولاً ثم بصورة جدية بعد ذلك بعد أن استقطب عناصر متنوعة من خارج الصف الإسلامي ومن غير المسلمين، فلم يعد منطقياً أن يدعي صفة الإسلامية. ولكنه من جهة يعتمد على قطاع كبير من 'الإسلاميين'، كما أنه يتحالف مع عناصر من خارجه ذات توجه إسلامي مثل السلفيين وحركة الإخوان المسلمين الموالية للتنظيم المصري وقوى أخرى ذات طابع إسلامي. ولكن تحالف المؤتمر الوطني يشمل قطاعات أخرى، منها قوى جنوبية معادية للحركة الشعبية، وتشكيلات قبلية، وأحزاب منشقة وعائلات رأسمالية.
    وهذا يطرح سؤالاً آخر: ما الذي يجمع بين هذه الأطراف؟ هل هي رؤية موحدة لمستقبل البلاد؟ أم مجرد التزاحم على غنائم السلطة؟ هناك من العامل الثاني أكثر من الأول، كما اتضح عندما انشق المؤتمر الوطني في عام 2000، فانحازت كل هذه التجمعات إلى الطرف الذي بقيت السلطة في يده. وهذا يعني أن عين هذه الأطراف لو تحسست أن السلطة في طريقها إلى جهة أخرى فلن يستبعد أن تعيد حساباتها. هذا لا يمنع أن هناك حسابات سياسية لدى هذه الأطراف تجعل تحالفها مع المؤتمر الوطني أشد صلابة، ولكن من الصعب تصور استمرار هذا التحالف إذا تحول المؤتمر الوطني إلى المعارضة.
    ولا تقتصر هشاشة كتلة المؤتمر الوطني على احتمال تقلب التحالفات، بل تتعداها إلى بنية المؤتمر نفسه التي أخذت تشهد تصدعات تذكر بما عانته الأحزاب الكبرى سابقاً، التي كانت بدورها ائتلافات قبلية-جهوية معقدة يلعب تبادل المنافع والمصالح فيها دوراً كبيراً. ولهذا كانت تتصدع عند أقل خلاف حول المناصب والمغانم. وقد شهدنا ما يشبه هذا في صفوف المؤتمرالوطني هذه الأيام. وإذا أضفنا إلى هذا ما ذكرناه من خروج الجنوب أصلاً (وهو يشكل قرابة ثلث الناخبين) من مجال إعلام الحكومة وسلطانها السياسي والمالي، فإن القدرة على استخدام إمكانات الدولة لصالح المؤتمر الوطني تبقى محدودة.
    من هذا المنطلق فإن 'حمى الانتخابات' التي اجتاحت البلاد هذه الأيام، وما شهدته الساحة السياسية من إقبال على التسجيل والترشيح، وتراجع شبح المقاطعة، كلها علامات صحة لأنها تشكل ثقة مطلوبة بالعملية الانتخابية. فهناك خطر أن تصبح دعاية المعارضة وتهويلها لسطوة المؤتمر الوطني ذات أثر عكسي تعطي المؤتمر النصر قبل بداية اللعب، فتكون المعارضة كمن سجل الهدف في مرماه. وقد حدث شيء من هذا حين بالغت دعاية المعارضة في الحديث عن التعذيب وبيوت الأشباح وغير ذلك حتى أدخلت الخوف في قلب كل معارض، وتحولت إلى دعاية لصالح الحكومة.
    ولا يعني هذا أن التجاوزات لم تقع، ولكن المتأثرين بها كانوا قلة، حيث كشف تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر في نهاية التسعينات أن العدد الكلي للمعتقلين السياسيين خلال العقد الأول من فترة الإنقاذ لم يتجاوز ألف وستمائة معتقل، وأن أكبر عدد كان رهن الاعتقال في فترة واحدة لم يتجاوز الثلاثمائة. من هذا المنطلق فإن المبالغة في التخويف من بطش النظام خدمت الحكومة وخذلت المعارضة.
    بنفس القدر فإن تهويل المعارضة لقدرات المؤتمر الوطني وسطوته قد تؤدي نفس الغرض وتخدم أجندة المؤتمر بإقناع الكل بأن المؤتمر فائز لا محالة، وبالتالي تحفيز الكثيرين للانضمام إلى صفوفه. ولا يعني هذا بنفس القدر أن المؤتمر الوطني ليست لديه هيبة وإمكانات السلطة، إضافة إلى كونه يتحكم في العملية الانتخابية عبر أكثر من مفصل، بما في ذلك الإعلام والتأمين والأجهزة القانونية. ولكن المبالغة والتهويل في إعطاء هذه العوامل أكثر من قدرها قد تأتي بأثر عكسي كما حدث في تهويل تجاوزات النظام في السابق.
    ولكن غني عن القول أن إزاحة المؤتمر الوطني من السلطة عبر الانتخابات، مهما كانت نتيجتها، غير متيسرة بصورة سلمية. وعليه لا بد من التحسب لما يمكن أن يحدث في هذه الحال.
    وهناك أكثر من حل لضمان الاستقرار وعدم عودة الصراع بعد الانتخابات. الحل الأول في استمرار تحالف المؤتمر الوطني والحركة الشعبية وتحوله إلى تحالف سياسي حقيقي، ولكن هذا يتطلب تنازلات مهمة من المؤتمر الوطني تعني عملياً تخليه عن احتكار السلطة. وميزة هذا التحالف هو أنه يعطي الوحدة فرصة حقيقية. أما الحل الآخر فهو قيام تحالف بين المؤتمر وبعض الأحزاب الشمالية ذات الوزن، وهو أيضاً يتطلب تنازلات (أقل) من المؤتمر الوطني، ولكنه قد يعني بالضرورة التخلي عن حلم الوحدة.
    هناك حل ثالث قد يكون الأفضل، وهو قيام تحالف سياسي عريض يضم الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني ومعظم القوى السياسية الأخرى في حكومة 'وحدة وطنية' حقيقية تتولى الحكم خلال فترة انتقالية ثانية يتم خلالها التوافق على الأسس والقواعد التي تحكم العملية السياسية في البلاد، والتصدي لبقية القضايا الخلافية مع الجنوب، والتوصل إلى حل توافقي لقضية دارفور ومعالجة أزمات البلاد الأخرى، مما يمهد السبيل أمام الانتقال المطلوب لديمقراطية مستقرة في بلد موحد. وليس تحقيق هذا الهدف بالأمر العسير إذا تحقق العزم وتخلت الأطراف عن قصر النظر.

    ' كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

27-01-2010, 10:53 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    فليكن شعار قوى التغيير : «
    ليس المهم من يفوز ولكن من نهزم؟».

    حيدر طه




    سوق الانتخابات

    لم يعد مفهوم السوق الحديث محصورا في مكان جغرافي واحد، له حدود وشوارع وعلامات، بل أصبح عالماً من النشاطات المتعددة والمتنوعة تدار من كل مكان، من كنتين صغير محشور في حي مزدحم، أو من سوبر ماركت وهيبرماركت، ومن مكاتب تجارية وأيضا أصبح يدار من منازل وغرف متواضعة، ما دام يدر مالا ويحقق كسبا عبر وسائل الاتصال الميسورة.
    كما لم يعد السوق مقيداً بنشاط تجاري تقليدي إنما تمددت نشاطاته لتصبح « بزنيس» في كل شيء، حتى دفن الموتى في معظم البلدان تحوّل إلى بزنيس، ولم تسلم الرياضة من ذلك إذ اصبح « فك التسجيلات « والانتقال من ناد إلى آخر، يتم عبر وسطاء وسماسرة وشركات ومؤسسات. وللفن باع طويل في البزنيس، من إقامة الحفلات إلى إصدار الالبومات. ويكفي أن يكون قلب هذا البزنيس « هم المتعهدون « الذين يماثلون « المقاولين» في بعض المهن والحرف والنشاطات.
    فللطيران سوق، وللسياحة سوق، وللتعليم سوق، وللاتصالات سوق، وللوعظ سوق. ولكنها جميعا أسواق مفتوحة ليلا ونهارا، لا يغمض لها جفن طيلة العام، ولا تركن إلى عطلة حتى لا يسبقها منافسون أو يخل بتقاليدها وضوابطها مغامرون.
    وللانتخابات سوق ولكنه موسمي يأتي كل أربع سنوات في الدول الديمقراطية العريقة والحديثة، ولكنه في السودان ينعقد كل عشرين عاما أو أقل قليلا. ولذلك يفتقد التقاليد الراسخة التي تستوجب احترام الانتخابات بصورة تلقائية وعفوية كأي تراث يحترم، كما تفتقد القوانين التي تصبح ممارستها واحترامها جزءا من العادة السياسية. بجانب أنها تفتقد الثقافة التي تعمق في الناخبين دورهم الطبيعي في المبادرة بالتسجيل دون أن تحثهم مفوضيات أو تشجعهم لجان تكرر حد الملل إعلانات كأنها صممت للصم والبكم والعمي.
    وثقافة الانتخابات من الثقافة الديمقراطية التي افتقدها الشعب السوداني لأكثر من عشرين عاما، حتى جاء جيلان لا يعرفان من الانتخابات إلا ما سمعوا به أو شاهدوه في وسائل الإعلام المرئية في دول لا وجه مقارنة بينها وبين السودان.
    وتختلف الأسواق من بلد إلى آخر، تختلف في التنظيم والرقي والثقافة والتخصص. فأسواق الدول المتقدمة لا تسمع فيه ضجيجا ولا ضوضاء تصم الآذان، ولا تجري فيها « طلاقات « و»حليفة بالأبناء والآباء» ولا بـ « الشرف الباذخ « ولا بالأولياء الصالحين..كل شيء فيها واضح ومعلن، الأسعار والخامات وتاريخ الانتاج ومدة الصلاحية، وتاريخ الانتهاء، ومكان الصنع، ياباني أم تايواني..لا غش إلا نادرا في سوق الاثنين الذي يعقد في أطراف المدينة ليجذب السواح والمنتجين في الأرياف ببضاعتهم الأصلية المصنوعة باليد في البيوت، وهي منتجات لها زبائن وعشاق.
    ولا تجد في انتخابات تلك الدول إلا التقاليد الراسخة التي يدعمها حكم القانون ومبدأ احترامه، لا غش ولا تزوير ولا دعاية مسرفة تثير الشكوك، ولا صرف متجاوز ما يحدده القانون، وتأكيدا على ذلك فإن القانون يطلب الإفصاح عن وسائل التمويل التي لابد من أن تكون واضحة ومعلومة ومسجلة، مليما مليما وبنسا بنسا.
    فإذا حام حولها الشك، فإن على المتضرر أن يطعن فيها لتشق طريقها إلى الصحافة، ثم لتتحول إلى التحقيقات والمحاكم ليبت فيها.
    ولذلك تصبح المقارنة غير عادلة إذا حاولنا وضع ميزان الانتخابات في الدول الديمقراطية مع ميزان الانتخابات في دولنا المتخلفة سياسيا وديمقراطيا.
    ومن مظاهر التخلف الديمقراطي والسياسي في دولنا أن القانون يوضع لخدمة أشخاص وأحزاب وهيئات خاصة وليس لخدمة المجتمع، وضمن ذلك المظهر من التخلف جاء قانون الانتخابات ومعظم القوانين التي تنظم علاقة « دولة المؤتمر الوطني « بالجماعات والأفراد الذين أصبحوا في حسابها، خلال عشرين عاما الماضية، رعايا وليسوا مواطنين، بحكم ممارسة القانون الذي تعتد به حكومة « الإنقاذ».
    ولذلك أصبح القانون المعمول به الآن هو جزء من صميم المعركة السياسية والانتخابية بين نظام يريد ترسيخ هذه القوانين المنحازة وإبقائها ليتمتع بمزيد من النفوذ والحكم والسيطرة والنجاة من المحاكمات، وقوى التغيير التي تطالب بقوانين ديمقراطية حقيقية تعبر عن مبدأ الفصل بين السلطات، وتداول السلطة، والعيش الآمن واستعادة الحقوق التي أقرتها المواثيق الدولية دون نقصان. .
    فإذا كان القانون الذي يحكم البلاد منحازاً وغير عادل، فمن البديهي أن يكون قانون الانتخابات غير عادل، وقد وصفه السياسيون تأدبا بأنه مليء بالثغرات مثله مثل القوانين الأخرى التي تتمسك بها الحكومة وحزبها الحاكم كي لا يفلت من يديها زمام الحكم أو تضيع عنها بهرجة السلطة وتفقد خزائن لا تنضب.
    بهذا القانون (ناقص عقل ودين وثقة) يدخل المؤتمر الوطني سوق الانتخابات ليس كمنافس ولكن كمحتكر لسلعة قائدة ومتنفذة هي التي تقرر بالقانون من يدخل السوق ومن يخرج، من يبيع ومن يشتري، من يصبح ثريا ومن يعلن إفلاسه، من يغش ومن يصادق على الغش.
    وقد بدأ سوق الانتخابات في السودان نشاطه فعلا، بعرض كل حزب بضاعته وإن كان بعض الاحزاب جاءت متأخرة، بعد طول فترة من التأرجح بين الإقدام أو الانسحاب، اكملت خلالها بعض الاحزاب تجهيزاتها واستعداداتها لخوض منافسة يتوقع الجميع سخونتها وحدتها في جميع المستويات، لا تستثنى المنافسة على رئاسة الجمهورية بين مرشحين متكافئين بحساب الكفة التي يضع فيها كل مرشح بضاعته، الصالحة والفاسدة، ذات الصلاحية وفاقدة الصلاحية، المعطونة بدم الأبرياء وتلك المعطرة بعرق البسطاء ودموع المحرومين.
    صحيح سيدخل حزب المؤتمر سوق الانتخابات بأموال هائلة، يعرف الناخبون مصدرها تمام المعرفة. فخزائن الدولة لا تبخل على من يحمل مفاتيحها بملايين ومليارات الدولارات، ما دام الرقيب مفقوداً، إذا كان هذا الرقيب ضميرا أو سلطة قانونية أو مراجعاً عاماً. فعندما يغيب الضمير فكل ما في اليد والنفس والخيال متاح وكل ما في خزائن الدولة مستباح.
    وهذا ليس تجنيا على المؤتمر الوطني الحاكم، فنظرة إلى أعضائه وممتلكاتهم وأموال ليست أموالهم تكشف ما لديهم من ضمير، ويمكن أن يحكم الناخبون ما إذا كان ضميرهم غائبا أو ميتا أم فاسدا.
    ونهب المال العام لمدة عشرين عاما يحوّل الفقراء والبسطاء والمساكين، إلى أثرياء جدد لا تأكل- النار اموالهم» ، فهي في حصون مشيدة، وخزائن مضمرة، وبنوك بعيدة عن أعين الرقباء، مشفرة بما لا يستطيع « جن سليمان «فك شفرتها في عهدنا هذا.
    ولكن هل سينفق هؤلاء الأثرياء الجدد من مال استولوا عليه بسلطة الحكومة وقوة الدولة على الانتخابات ..؟
    لا أحد يصدق هذا الهراء، لأن من تحت يده أموال لا رقيب عليها، ومن ظل ينهب عشرين عاما، لن يستيقظ ضميره الميت لمنعه من نهش بعض مليارات ليتمم فضيلة تمثيل البسطاء الذين يعقدون عليه الأمل في رفع وسم الفقر من على جبينهم وأثقال الدنيا وأعباء العيش الضنك من على كواهلهم.
    فإذا أراد المؤتمر الحاكم أن ينفي عن نفسه هذه التهمة الرائجة فعليه أن يفصح عن مصدر الأموال وحجمها وطريقة جمعها وما إذا كانت خضعت للزكاة والضرائب، ويأتي بشهادة على ذلك، مقارنة بشهادات إبراء الذمة التى التزم بها الحكام عندما استولوا على السلطة بليل لتكون مرجعا لحساب الثروات المكتسبة خلال عقدين من الزمان.
    وتزوير الشهادات ليس صعبا على من اعتاد أن يكذب ليل نهار، دون ان يهتز له جفن أو يتلعثم له لسان، او أن يخجل من شناعة أو يستحي من بشاعة.
    وهذه التهمة الرائجة أصبحت قناعة عامة، وصلبة غير قابلة للتهشيم والتكذيب إلا إذا خضع قادة المؤتمر إلى تحقيق قضائي دقيق واستقصاء عميق يعود بالتحقيق عشرين عاما دون أن يهمل اسماً من اسماء الذين مروا على السلطة.
    ومن في يده السلطة الآن قد يسفه هذا الحديث الرائج الغائر في نفوس الناس وذاكرتهم، ويعتبره كلاماً ينساه السودانيون بعفويتهم وعفوهم بمرور الأيام وتقادم السنين.. ولكن هذا لا ينفي حقيقة ولا يستر جريمة مهما كان عفو الناس وضعف ذاكرتهم.
    فالقضية هي قضية ضمير.. ضمير لديه القدرة على أن يحاسب، ويزجر ويؤنب، ويراقب. أليس هو مكان التقوى ها هنا ها هنا.
    فسوق الانتخابات يدخله من له ضمير ومن ليس له، يدخله الصالح والفاسد، يدخله الثري ولا يدخله الفقير الذي يفتقر إلى مال ينافس مال المؤتمر الحاكم. فمن لديه من الأحزاب مثل ما للمؤتمر؟.
    نعم لدى قوى التغيير أهم من المال.. لديها قدرة الإقناع بأهمية التغيير الآن وليس بعد اربع سنوات، لديها الطاقة التي تفوق ما لدى المؤتمر الحاكم من أموال.
    فالسؤال أمام قوى التغيير هو: كيف نقنع الناخبين ببذل جهد إضافي لإحداث التغيير..؟
    فإذا كانت كفة المؤتمر سترجح بالمال فقط، فإن ذلك ليس انتخابات إنما سوق نخاسة يشترى فيه الرأي والموقف والاختيار، لأن ليس لدى المؤتمر بضاعة صالحة ليبيعها للناس، فمن اشترى اشترى ماضٍ مليئاً بالفساد، فساد الرأي والسياسة والمال والإدارة والضمير.
    ولذلك يدخل المؤتمر سوق الانتخابات وهو لا يحمل غير أموال، للمقايضة فقط، أصوات مقابل جنيهات، وهذا مبني على نهجه في دراسة التسويق التي تهدف إلى سبر الحوافز عند الناخب وكشف قنوات التواصل معه، وميول الاقتراع، وفهم كيفية تأثير المال على صوته.. وعلى أساس هذا المنهج يصبح العنصر المرجح لكفة الميزان هو المال في زمن الفقر المدقع الذي يتحول فيه البشر إلى سلعة، وهو أمر مخالف لحقيقة الأشياء والأخلاق. فالشعب السوداني شعب أبي، لم يعتد بيع نفسه ولا صوته إلا استثناءات تتضاءل أمام شرف الاختيار والقرار.
    فإذا كان المال هو المرجح في سوق الانتخابات حسب نهج المؤتمر الحاكم، فإن بقية الأحزاب لديها عناصر عديدة لترجيح كفة ميزانها، أن يكون الحافز عند الناخب هو الأمل في التغيير الحقيقي، وبناء قنوات تواصل إنسانية تعيد للمواطن قيمته كصوت ديمقراطي حر وصادق، وأن تتعرف على ميوله الانتخابية وإقناعه بصواب التغيير الآن وليس غدا، والانخراط في صفوف قوى التغيير.
    وربما أهم من كل ذلك إبداء الجدية وعدم التأرجح بين الممكن والمستحيل، وبين التحالف الصحيح والتحالف العليل، في معركة بدأت حرارتها تعلو في مناطق عديدة، وسترتفع يوما بعد يوم عندما يقترب يوم يكون الصوت الانتخابي مصيرا.
    فإذا كانت الجدية وعدم التأرجح بين المواقف والاختيارات طريقا للتواصل مع الناخبين فإن النظر في التحالفات النافعة ينبغي أن يصبح أولوية.
    فلا ضير أن يستمر التنسيق بعد الترشيحات، فالخريطة ستكون أكثر وضوحا، واختيار المرشح المناسب في المكان المناسب ستكون اكثر قربا للحقيقة والواقع والنظر.
    ولكن ما يلفت الانتباه أن حركة التنسيق بين قوى التغيير سلحفائية حتى الآن، لا تتواكب مع حركة سوق الانتخابات التي تتطلب كثافة التواصل والاتصالات، والتشاور، والتحالف والتحاور، والتنسيق في مختلف الشؤون المتعلقة بالانتخابات... فليس من اللياقة الانتخابية أن تلتقي لجنة التنسيق بين الأمة والاتحادي الديمقراطي كل يوم خميس، فأيام الله سبعة، فلماذا التقتير في الاجتماعات، فكثرتها مفيدة بشرط ان تكون عملية تخرج بقرارات قابلة للتنفيذ.
    أما التمويل فإن الشعب السوداني رغم فقر أبنائه لن يبخل على الجادين بمال أو جهد يوزاي ويساوي كل أموال المؤتمر.. فالأهم هو قناعة الناخبين بصلاحية بضاعة قوى التغيير وعدم الاستغناء عنها لأن شعارها بإيجاز هو « ليس من يفوز ولكن من نهزم؟».
    فمرشحو قوى التغيير في كل الأحزاب يصلحون لتولي المسؤولية علما وولاءً واخلاصا ووفاء وطهارة ورؤية ممن هم في الحكم الآن.. وهذا لا يحتاج إلى شهادة غير شهادة العشرين عاما الماضية.. فهي خير شاهد ودليل وإثبات.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

31-01-2010, 07:17 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    وبكامل وعيي السياسي ... سوف لن أصوت للمؤتمر الوطني ..! ...

    مجتبى عرمان
    السبت, 30 يناير 2010 20:25

    كنت قد كتبتُ مقالتين عن الانتخابات التي من المفترض إجراؤها في أبريل المقبل، وقد بينت أن النخبة الأصولية لا يمكنها أن تتنازل عن الامتيازات الاقتصادية والسياسية التي أشادتها وثبتتها عن طريق القهر والإذلال والطرد والإقصاء وتحويل السلطة من اجل خدمة شرائح رأس المال الطفيلي، وأيضاً من المهم جداً تبيان أن رأس النظام في حالة عدم فوزه وخسرانه للانتخابات سوف يجد نفسه شاء أم أبى ذاهباً إلى لاهاي، لذا جاءت تكتيكات الانتخابات طابعها التزوير بدءاً من الإبقاء على قانون جهاز الأمن كما هو، وإعطائه سلطات الاعتقال والمصادرة، وتصميم الدوائر الإنتخابية كما يشتهي المؤتمر الوطني. ومن الجدير بالملاحظة أن الاتفاقية قامت بتفكيك المليشيات أو انضمامها إلى أحد طرفي الاتفاقية، (الجيش السوداني) أو الجيش الشعبي لتحرير السودان، ولكن قادة المؤتمر الوطني قالوا أن الدفاع الشعبي سوف يحمي الانتخابات! فتخيلوا يا سادتي أن مليشيا شاركت في الحرب الإجرامية في جنوب السودان وحاولت تثبيت النخبة الصولية في الحكم سوف تكون حامية الانتخابات! فأين معايير الانتخابات الحرة والنزيهة؟


    ايضاً الإعلام ما زال إعلام المؤتمر الوطني وكل الكوادر الإعلامية هي مؤتمر وطني مهما ادعت من الحياد. في كثير من المرات يحاول إعلاميو المؤتمر الوطني وبكل بلاهة وضع أسئلة تحمل أفكار المؤتمر الوطني، فعلى سبيل المثال لا الحصر أينما كان الضيف على التلفزيون (القومي) من الحركة الشعبية كانت أسئلة مقدم البرامج أين أموال البترول التي أعطيت للحركة؟ من حيث المبدأ الحركة تنظيم حاكم ومن حق مقدم البرامج أن يسأل عن الأموال والكيفية التي صرفت بها، ولكن لماذا لا يسأل السادة والقياصرة الجدد عن ملاييين الجنيهات والفساد في جهاز الدولة الذي هو كالشمس لا يحتاج إلى دليل؟ فأينما اتجهت سوف تجد القصور والعمارات السوامق، وأينما جلست في مجلس سوف تجد الناس يتحدثون عن أقارب المؤتمر، والبزينيس بمليارات الجنيهات. فلماذا لا يسأل مقدم البرامج عن تلك الأموال؟


    ولماذا لا أصوت للمؤتمر الوطني؟
    أولاً لأن المؤتمر الوطني هو المسئول الأول والأخير عن تحويل الحرب الأهلية إلى حرب (جهادية) وهي حرب منذ أن بدأت، قبل الاستقلال كانت وما زالت وسوف تكون من أجل السيطرة الاقتصادية والسياسية، ولكن قادة النخبة الأصولية أعطوها الطابع الديني، مما وضع البلاد على حافة الانهيار وهددت وحدة البلاد كما قال المفكر الكبير الأستاذ محمود محمد طه، وأيضاً زادت من التباعد والانشقاق ما بين الجنوب والشمال، فإذن المؤتمر إذا فاز في الانتخابات القادمة هذا يعني ذهاب السودان وذلك لأن الحركة الشعبية لا ترضى بتزوير إرادة المهمشين والجوعى والمنبوذين، ثم ما الذي يجعلها ترغب العيش في دولة رأس نظامها مطلوب من قبل محكمة الجنايات الدولية؟


    وايضاً فوز المؤتمر الوطني (بالتزوير طبعاً) يجعل المواطن الجنوبي مواطن من الدرجة الثانية. ففي فكر المؤتمر الوطني الحقوق لا تؤسس على المواطنة وإنما على أساس التفسير الديني المنغلق. وفوق هذا، المؤتمر الوطني لا يؤمن بالديمقراطية حتى داخل التنظيم، ودونكم تهديدات نافع لأعضاء حزبه الذين أعلنوا ترشحهم كمستقلين، وأخيراً بانت الحكاية فقد وصف أبو ريدة والي شمال كردفان فيصل بأنه مستبد وظالم! فالنخبة الأصولية لا تؤمن بقيم الديمقراطية والشفافية واحترام الآخر. فنحن نحتاج الديمقراطية وثقافة تداول السلطة التي تجعل من الحاكم مسئول أمام الشعب، وليس أماماً عليهم .. ونريد الدولة التى تجعل من الإنسان قيمة في حد ذاته وأن كل شئ من أجله، حتى الدين نفسه ولكن طيلة حكم النخبة الأصولية القائم على الحديد والنار والقتل والاغتصاب وبيوت الأشباح لم نرى سوى إهانة الإنسان، والفقر والإفقار، فالنخبة الأصولية كان حصاد تجربتها في الحكم هو انهيار منظمومة القيم الأخلاقية، ومن أراد أن يتأكد من هذا عليه بالذهاب إلى قرية الأطفال (الغير شرعيين) في سوبا ويرى بنفسه. فالمواطن السوداني يعاني صباح مساء ويكابد من أجل الحصول على لقمة العيش الشريفة. فهم (أي قادة المؤتمر الوطني) لم يورثونا سوى الجوع والفقر والمذلة والإهانة، فأغلبية الشعب السوداني تحت خط الفقر. فالنخبة الأصولية قامت بتبديد ثروات (الشعب) ونهبها وسرقتها.. فهم دمروا حاضر ومستقبل البلاد، فحكمهم جعل المواطنين ينامون ويستيقظون على كابوس الغلاء وجحيم السوق والإيجارات ومصاريف المدارس التي بالرغم من بؤسها لا تقدم إلا معرفة تقليدية في قوالب جافة وناشفة وتُبلد الذهن.



    وأيضاً كيف يصوت الشعب وتحديداً الذين شاهدوا تجربة بيوت الأشباح التي لا يدانيها في قساوتها إلا التجربة النازية! وكيف تصوت نساء السودان إلى قوانين النظام العام التي هي تعبير عن شريعة الأقوياء التي تجلد النساء المهمشات والجائعات في شوارع الخرطوم ولكنها تحمي النساء اللائي يركبن العربات المظللة ويغشين المطاعم والكافتريات التي تطل على شارع النيل ويلبسن (الكتّ) و(الشريعة طرشقت)، وأنا هنا ليس ضد حرية الإنسان، فأنا أؤمن بأن البشر، نساء ورجالاً من حقهم أن يحلموا ويلبسوا ما يشاءون، ولكن فقط أردت أن أبين أن شريعة المؤتمر الوطني هي شريعة الأقوياء التي تسمح لأصحاب السلطة الاقتصادية بممارسة ما يحلوا لهم ولكنها تقمع الفقراء و (الفقيرات) اللائي لا يمتطين العربات الفارهة التي تقيهن نظرات المحرومين في شوارع الخرطوم وتقيهن سياط النظام العام في يوم لا ينفع فيه أباً ولا أماً وإنما مقدرتك الاقتصادية والسلطوية!
    أيضاً فوز أي مرشح غير المؤتمر الوطني يعني ذلك زلزلة عروش الطغاة الذين لا يسمعون صراخ الجوعى والمنبوذين والحيارى ولا يهمهم موت الآلاف في دارفور وصراخ الصغار، فما أقبح دولة نالمؤتمر الوطني التي يموت فيها البشر بالملايين وهم على قيد الحياة .. وهم أحياء، وتارة أخرى تحصدهم آلة الدولة القمعية من أمن وجيش.


    خلاصة القول أن المؤتمر الوطني أضاع البلاد والعباد، وأورثنا الفقر والجوع و كشف لنا عن الاستغلال السئ للدين .. ونسخته الطالبانية تشكل أكبر مهدد للتناغم ما بين المكونات الاجتماعية والثقافية والدينية والعرقية .. فالنخبة الأصولية وصل بها الجهل والعمى إلى تحويل البلاد إلى حرائق متواصلة وأيضاً العشرين سنة الماضية كشفت لنا الوجه المرعب للسلفية الانغلاقية وشخوصها وأحداثها الإجرامية والإرهابية التي قطعت اوصال المجتمع السوداني ووضعت الدولة على حافة الانهيار بسبب إلغاء الآخر، والنهب المنظم للثروات والقتل والتقتيل وسفك دماء الأبرياء، فالحروبات الإجرامية والإرهابية في دارفور والجنوب والتي خاضتها باسمنا وباسم الدفاع عن العروبة والإسلام، فليس هناك خطر على العروبة والإسلام أكثر من أيدلوجيا الشر والظلام التي تمثلها الجبهة الإسلامية أو المؤتمر الوطني إن شئت.


    فلكل هذه الأسباب لا يمكن أن أصوت للمؤتمر الوطني .. وإن كان هنالك قطيع من الفقراء والجهلة والأميين وحارقي البخور يمشون وراءها ... وسوف يكون صوتي لكل من يحاول بناء دولة المواطنة ... الدولة العلمانية التي تساوي جميع الأديان على قدم المساواة وتعمل على استرجاع مؤسسات الدولة المختلفة من قبل المؤتمر الوطني، ودولة القانون ... والأهم من ذلك محاربة الفساد والمفسدين واحترام كرامة الإنسان ... فالإنسان هو فوق الدين والأيدلوجيا ..! فالنخبة الأصولية هي الخطر على وحدة الوطن وهم خطرون لذلك على مستقبل (إن كان هنالك مستقبل) الحرية والديمقراطية والنزعة الإنسانية ... وسوف لن نصوت لهم ... وادعوا كل الحادبين على وحدة الوطن أن لا يصوت لهم!
    وموعدنا وطن يسع الجميع وأكثر اخضراراً وخالٍ من التعصب والموت بمعناه المادي والحسي، وتتوزع فيه الثروة كما يتوزع نور القمر حينما يكون بدراً، وخصوصاً المنتجين الحقيقيين للثروة وليس أولئك القياصرة الجدد الذين يجدونها باردة ... وفوق ذلك ليس لديهم مواهب سوى التملق لسلطان جائر
    اللهم هل بلغت .. اللهم فاشهد
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

31-01-2010, 07:45 AM

جعفر محي الدين

تاريخ التسجيل: 12-11-2008
مجموع المشاركات: 3220
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    شكرا أستاذ الكيك على هذه المقالات المهمة
    ولا يفوتني أن أنبهك إلى حذف بعض المقالات المكررة فالناس هنا تمل القراءة الطويلة
    واستميحك عذرا في أن أضيف هذا المقال

    صحيفة السوداني
    http://alsudani.info/news/alsudani/index.php?type=3&id=26355&bk=1

    "البجا" يطالبون الحكومة بمعاقبة المتسببين في "مجزرة بورتسودان"
    بورتسودان: عبدالقادر باكاش

    طالبت اسر "شهداء البجا" الحكومة بعدم التستر على الجناة ومعاقبة المتسببين في ما أسمته مجزرة التاسع والعشرين من يناير 2005 والتي راح ضحيتها 23 شخصاً وشددت على ضرورة كشف نتائج التحقيق الذي أجرته وزارة الداخلية إبان الأحداث، وفيما اتهمت اسر الشهداء مؤتمر البجاء برئاسة مساعد رئيس الجمهورية موسى محمد احمد بعدم الجدية في التعامل مع القضية وخداع أسر الشهداء بوعود تخديرية وتعمد تجاوزها في مناقشتها مع الحكومة المركزية، لكن مؤتمر البجا نفي هذه الاتهامات وكشف عن جهود تمت على الصعيدين الدولي والمحلي لمحاكمة الجناة، وطالب الأسر بعدم شخصنة القضية.
    تغييب الشرق
    وخرجت احتفالات ذكرى "شهداء البجا" الخامسة التي توافق 29 يناير عن صورتها المعتادة خلال السنوات الاربع الماضية التي كان ينظمها حزب مؤتمر البجا إلا أن هذا العام نظمتها أسر شهداء البجا أنفسهم وجرت أمس مراسم تأبين الشهداء وخلت منصة التأبين من منسوبي مؤتمر البجا وتحدث ممثلون لأسر الشهداء والجرحي منتقدين الحكومة في تعاملها مع ملف شهداء البجا، مطالبين بتعجيل حسم الملف ومعاقبة الجناة لـ"إشفاء غليل" الأسر المكلومة. وقال المتحدث الرسمي باسم شهداء البجا إبراهيم طه بلية أن أبناءهم ضحوا بأرواحهم فداء للقيم النبيلة ورفضاً للظلم والطغيان والتهميش وتغييب الشرق في كل المحافل، مؤكداً أنهم لن يستبدلوا دماء شهدائهم بما اسماه بـ"سلطة ديكورية وبمناصب تشريفية لا تتعدى العربات الفارهة والكراسي الوثيرة ولن نرضى أن تستغل القوى المعارضة قضيتنا لتصفية حساباتها مع الحكومة"، مؤكداً أنه ليس هناك حزب سياسيً قام بمؤازرة صادقة لقضية البجا كما أكد رفضهم لان يكونوا لقمة سائغة لـ"أنظمة ديكتاتورية تفرض نفسها بقوة السلاح تارة وبديمقراطية مزورة تارة أخرى"، ووصف بلية اتفاقية الشرق بالاتفاقية التآمرية وقال إنها لم تلب أدنى طموحات أهل الشرق. وشن بلية هجوماً عنيفاً على الحكومة المركزية وعلى مؤتمر البجا جناح موسى محمد أحمد واتهمهم بعدم الجدية في متابعة ملف الشهداء وخداع أسر الشهداء بوعود تخديرية وتعمد تجاوزها في مناقشتها مع الحكومة المركزية. نيل الحقوق وأوضح أن مسيرة النضال ماضية حتىي يتحقق النصر المؤزر وينال كل ذي حق حقه. وأضاف أن مطالب البجا تتلخص في العيش الكريم في أرضهم. وكشف عن جهود دولية جديدة تقوم بها أسر الشهداء عبر أبنائها بالخارج في الاتصال مع منظمات حقوقية للدخول عبرها بقضية شهداء 29 يناير لمحكمة الجنايات الدولية بلاهاي، مشيراً إلى أن مؤتمر البجا لم يتحرك طيلة الفترة الفائتة في النطاق الدولي بشأن هذه القضية بل لم يناقشها حتى على المستوى المحلي للوصول لحلول عادلة ومنطقية فيها، وأضاف بلية أن الحكومة حاولت إحتواء أمر أسر الشهداء بمنحهم ديات وإغرائهم بامتيازات أخرى فوافقت(17) أسرة ورفضت (6)، مبيناً أن الأسر رفضت الدية التي تدفعها الحكومة دون إدانة الجناة ومحاكمتهم عبر القضاء. وإعتبر دفع الحكومة وإقرارها لمبدأ دفع الدية حجة قانونية دامغة لاعتراف بارتكابها للقتل غير المشروع للمواطنين العزل وانتقد بشدة متاجرة من أسماهم أبناء البجا الساسة. شخصنة القضية لكن مصدرا موثوقا بمؤتمر البجا برئاسة مساعد رئيس الجمهورية موسى محمد أحمد أكد لـ(السوداني) أن أسر الشهداء رفضت إشراك التنظيم وخرجت عن المؤسسسية، مبيناً أن الشهداء قدموا أرواحهم قربانا لقضية كبيرة لا تخص أفرادا أو أسرا بعينها وأن إصرار بعد أسر شهداء بورتسودان على شخصنة القضية والخروج بها عن التنظيم صاحب المبادرة مؤتمر البجا هو إصرار غير حكيم وتصرف غير لائق من أسر الشهداء. وقال إن الشهداء إستشهدوا من أجل مؤتمر البجا وليس من أجل أسرهم وأكد أن السيد مساعد رئيس الجمهورية موسى محمد أحمد حريص على رعاية حقوق الشهداء ومطالبة الحكومة عبر القنوات المعروفة وكشف عن جهود تمت على الصعيدين الدولي والمحلي لمحاكمة الجناة. وتضمن بيان صادر عن أسر الشهداء وزعوه في حفل الذكرى الخامسة أمس الجمعة ببورتسودان تحذيرات للحكومة بعدم التمادي في تجاوز شهداء البجا وعدم التستر على الجناة. وطالب البيان الحكومة المركزية بمعاقبة الجناة المتسببين فيما أسماه مجزرة التاسع والعشرين من يناير 2005 والتي راح ضحيتها 23 شخصاً من أبناء البجا، وتساءل عن نتائج التحقيق الذي أجرته وزارة الداخلية إبان الأحداث. وقال البيان أننا لم نشهد أو نقرأ في تأريخ الأمم والشعوب حكومة تصب جام رصاصها على رؤوس مواطنيها العزل الأبرياء المطالبين بالعدالة وبالحرية وبالمساوة في الحقوق والواجبات. وإتهم البيان حكومة الخرطوم بالعمل على محو شعب البجا من الوجود وإبادتهم وتوغر في نفوسهم الروح الانهزامية والانكسار. يذكر أن أبناء البجا خرجوا في مسيرة سلمية يوم 29 يناير 2005 ببورتسودان بعد عشرين يوماً من توقيع إتفاقية نيفاشا و13 يوماً من المفاوضات التي جرت في القاهرة بين الحكومة السودانية والتجمع والتي انتهت بتوقيع بروتوكول في 17 يناير (يفتح الباب امام التجمع للعودة الى المشاركة في الحياة السياسية في السودان والتي إنسحب منها ممثلو قادة مؤتمر البجا آنذاك إحتجاجاً على رفض التجمع لتخصيص منبر خاص لمناقشة قضية البجا في إطار التجمع وجابهت الحكومة مسيرة البجا بالعنف حيث قتلت منهم 23 وجرحت أكثر من 36 واعتقلت حوالي 20 شخصا من المتظاهرين.
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

02-02-2010, 10:45 AM

الكيك

تاريخ التسجيل: 26-11-2002
مجموع المشاركات: 19789
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: جعفر محي الدين)

    شكرا
    جعفر على المقال الرائع واقرا معى اليوم مقال الزميل حيدر طه الذى نشره بالصحافة 2/2/2010



    خيار شمشون لا يصلح لحكم السودان

    حيدر طه


    الاستفهامات متنوعة والمستغربات كثيرة تجاه ما يدور في السودان، منها ما يتعلق بالانتخابات ومنها ما يتعلق بالخيارات..منها ما حدث في الماضي وتأثيره ساري في الحاضر، ومنها ما يحدث في الحاضر والذي يحمل تداعيات وتوابع كثيفة ستحدد بدورها أجندة المستقبل وهواجسه وتحدياته. والتساؤلات والمدهشات لم تفارق السودان منذ استيلاء العميد عمر البشير على السلطة بانقلاب عسكري قبل عشرين عاما وإلى الآن، مما يوحي بأن المدهشات لم تعد مدهشة ولا الأعاجيب عجيبة من جرأة حدوثها وكثرة تكرارها.
    ففي خلال أسبوعين جرت عدة أحداث لها معاني ودلالات، ليس اهمها ظاهرة الكلاب الهجين التي- حتى الآن- لم يعرف المتخصصون والخبراء والمسؤولون في الأجهزة مصدرها ولا عددها، ولا أصحابها. والعجيب أن كل جهة راحت تنفي عن نفسها المسؤولية، وتنكر معرفتها المسبقة بوجود هذا النوع من الكلاب التي كثرت حولها الشائعات حتى بلغت ذمة الحكومة وبعض الاشخاص المتنفذين في دوائرها العديدة.
    فكانت التساؤلات منصبة بعد انكشاف الجهل بالمسؤولية في النقاط التالية:
    * هل عجزت أجهزة الأمن المتعددة عن كشف مصدر ظاهرة أثارت كل هذا الهلع والذعر وسط المواطنين في قلب العاصمة حتى أصبح عدم التجول ليلا أمر شبه رسمي؟
    * هل تخفي السلطات والجهات المعنية معلومات كفيلة بتصدع الجبهة الداخلية للحزب الحاكم في وقت دقيق لا يتحمل فيه أي اهتزازات أو ملاحقات؟
    * وهل توجد حول العاصمة مزارع أخرى غير مزارع الكلاب الهجين المتوحشة.. مثلا هل توجد مزارع سلاح، ومزارع حشيش، ومزارع إرهاب، ومزارع دبابين..وغيرها من المزارع التي لا تعرف غير نشاطات الليل باعتبار الليل لباسا كثيفا وستارا ساترا..؟
    وبالطبع يمكن أن تطول قائمة التساؤلات والمدهشات.. ليس أقلها السؤال عن الرجل الذي رشق « المنصة « بالحذاء، فخابت ولم ينجُ من هو .. وأين هو الآن.. وماذا فعلت الأجهزة به.. وهل عرض على طبيب نفساني، وهل فعلا كان يريد أن يبعث برسالة إلى الرئيس فبعث بحذائه..؟
    كلها أسئلة مشروعة.. لا يجب أن تكتم في زمن الديمقراطية والشفافية والمكاشفة، لأن من حق المواطن أن يعرف، وأهم فاصلة في سلسلة حق الحصول على المعلومات أن يتعرف الناس نية الرجل، وما إذا كان سيقدم إلى محاكمة وما إذا كان من حق المجتمع الدفاع عنه عبر « محامي» متطوع أو موكل أو معين من جهة القضاء..
    والتساؤلات لا تنقطع إذا تابع المرء تصريحات مسؤول ملف الانتخابات بالمؤتمر الوطني الذي كشف أن عضوية حزبه تصل إلى خمسة ملايين شخص..( ما شاء الله ) ..هذا كشف مطلوب، ولكن المطلوب الأكبر هو حجم ميزانية الحزب نفسه.. كم لديه من الأموال.. وأين يضعها .. في أية خزائن.. وفي أية مزارع تنبت ذهبا وفضة، وباسم من.. ومن المأمون عليها، وكيف تجرد..؟
    فإذا كان مسؤول ملف الانتخابات غير مصرح له بالكشف عن حجم أموال الحزب ومصادرها، فإنه يشكر على تحريك قضية مهمة وهي الكشف عن مصادر التمويل للاحزاب الحاكمة والمعارضة كي يتطلع الناخب على الجانب الأهم في معرفة المرشحين الحزبيين والمستقلين.. وهذا الإجراء استباقي كي لا يتنطح أحد للحديث فيما بعد عن « تمويل من الخارج» وتقع على المدعي إثبات « الخيانة الوطنية « والعمالة ضد أي مرشح يفوز في الانتخابات.
    ونظن أن خير من يتحدث عن ذلك في حزب المؤتمر الوطني هو مسؤول المال الذي دائما ما يهمل اسمه قصدا كي لا يكون تحت الضوء، ولكنه يحتل مركزا مهما في « الدوائر الجوانية « للحزب.
    ومطالبة حزب المؤتمر الوطني بالإفصاح عن حجم أمواله ومصادرها تحمل مشروعية أكبر من مطالبة أي حزب آخر، لسبب واحد وبسيط وهو لأن التداخل بين الحزب والدولة، لا حدود واضحة له، والشبهة قائمة حتى تنجلي بتصريحات أو إبراء ذمة.. ولذلك تكثر التساؤلات في هذا الجانب خاصة من الذين لا مصلحة لهم في « أموال الحزب» ولكن لهم نصيب مشروع في أموال الدولة، بحكم أنهم دافعو ضرائب وجمارك وزكاة ورسوم متنوعة الأسماء والأحجام والمنابع، لا تصلهم منها في شكل خدمات ولا النذر اليسير. فكل الخدمات مدفوعة الثمن.. صحة وتعليم ومجاري صحية وسير في الشوارع و»سواري الليل».
    التساؤلات لا تنقطع.. ولكن أرجأنا تساؤلاً واحداً له صلة بالمستقبل وهو ما اعلنته « لاهاي « بأن مجلس الامن سيتخذ قرارا بشأن تكييف قضية جرائم دافور وما إذا كانت جرائم ضد الإنسانية أم جرائم إبادة جماعية..وهو كيف تعامل حزب المؤتمر الحاكم مع قضية « لا هزل فيها « ولا مجاملات..؟
    هنا يأخذنا الحديث إلى التمعن ملياً في طبيعة السلطة الحاكمة الآن. فالمتمعن يستطيع أن يرصد عشرات الأعاجيب والمدهشات، ربما أولها أن المؤتمر الوطني زكى ترشيح الفريق عمر حسن البشير للرئاسة وهو يعلم « مأزق « هذا الترشيح بل مأزق الرئاسة في مقبل الأيام عندما تأخذ ملاحقة المتهمين في حرب دارفور منحى مختلفاً عما كان خلال العام الماضي، خصوصا وأن الدول بدأت تتقارب عبر صفقات ومساومات إقليمية ودولية لا تمنح فرصا للدول الهامشية كي تمارس نوعا من المناورات المكشوفة واللعب على حبال كثيرة، فالعالم قد برح مرحلة « الحرب الباردة». وإذا عاد لها فسيعود بنسخة منقحة لا وجود فيها للسودان..
    قضية المحاكمة الدولية للمتهمين في حرب دارفور كان من المفترض أن يكون لها حساب مختلف في دوائر حزب المؤتمر الوطني، ليس حساب العواطف ولا التحايل ولا «الفهلوة»، إنما حساب الدولة (السلطة والشعب والأرض) التي ستتأثر بأي قرار دولي يتعلق بهذه القضية الحساسة والجادة التي لا ينبغي النظر إليها كأنها أمر ثانوي أو مقضي بـ « يسر وسهولة» بحساب التفاؤل المبالغ فيه والمغالطة المتجاوزة للحد، والإدعاء الكاذب بقدرة المؤتمر الوطني وحكومته على مواجهة مثل تلك القرارات الدولية.
    مواجهة تلك التطورات تتطلب حصافة وحكمة، فات آوان الاخذ بها، بعد نشر كشوف المرشحين للرئاسة، ومن بينهم اسم المشير عمر البشير المعني مباشرة بهذه القضية المثارة في مجلس الأمن الدولي والتي ربما تنتقل من درجة إلى درجة أعلى وأخطر.
    ففي مخيلة كل حريص على أمن السودان وتماسك جبهته الداخلية ومتطلع إلى تفويت الفرصة على مجلس الأمن الدولي لملاحقة رئيس دولة، أنه كان من المفترض أن يتخلى الفريق عمر البشير عن الترشيح للرئاسة رأفة بالسودان وإعمالا للحس الوطني وتطبيقا لمبدأ التضحيات، وذلك بافساح المجال لرجل يحترمه العالم على الأقل لانطباع سائد يشبه « الخطأ الشائع» بأنه رجل ديمقراطي تخلى عن السلطة بإرادته وسلمها للمدنيين طائعا مختاراً، وهو انطباع خاطئ لأن الحقيقة غير ذلك، ولكنه انطباع مفيد في هذه اللحظة كما كان مفيداً لمنظمة الدعوة الإسلامية التي لم يتصور أحد أنها البيت الذي حاك فيه « الإنقاذيون « المؤامرة للاستيلاء على السلطة تحت سمع وبصر المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وبشهادة كل الذين ادلوا باقوالهم من قادة «الحركة الإسلامية» خلال الفترة الماضية عندما لم يعد التستر لائقا ولا محصناً، وعندما جاء وقت الكشف عن المسؤوليات والخيانات والتجاوزات عما حدث.
    المخيلة الوطنية ترى ان أي مرشح لديه القبول الدولي المستمد من رصيد معنوي وسياسي وديمقراطي، كان من الممكن ان ينقذ الملاحقين دوليا بمن فيهم المشير عمر البشير. وتتعدد الشخصيات القادرة على فعل ذلك المعروف، سوار الذهب، الصادق المهدي، ابيل الير، بونا ملوال، فرنسيس دينق، محمد عثمان الميرغني، منصور خالد. وقائمة الحكماء تطول إذا استرسلنا في ذكر الشخصيات البارزة التي لها كلمة مسموعة في أروقة المجتمع الدولي.
    ومن يقع عليه الاختيار من بين الحكماء يستطيع ان يقنع المجتمع الدولي بأن السودان مقبل على مرحلة مختلفة بعقد سلام دائم في دارفور، وبوحدة جاذبة مع الجنوب، وبديمقراطية حقيقية « نموذجية « تعيد السودان إلى خريطة المنطقة والعالم، ليلعب دورا تصالحيا في المنطقتين العربية والأفريقية.
    ولكن يبدو ان خيار البشير كان خيار شمشون « عليّ وعلى أعدائي».. فضاعت الفرصة نهائيا بالسيناريو الذي فرضه المؤتمر الوطني باختياره عمر البشير مرشحا للرئاسة، ولم يعد هناك من ينقذ الموقف غير سيناريو مختلف تتضافر فيه عوامل وتحولات واسباب عديدة منها فوز قوى التغيير في الانتخابات، لتحسم هذا الأمر ضمن قضايا كثيرة وتحديات كبيرة ستواجه السودان في المرحلة المقبلة، بل ربما تتلاشى القضية تلقائيا بانتفاء الاسباب والمسببات للأزمة في دارفور إذا اختفى « البشير « من على المسرح السياسي حيث لم يعد لملاحقته أي نفع، حتى ولا نفع الرمزية في المحاكمة.
    فالبشير مطلوب دوليا ليس لشخصه، إنما لتنفيذ مشروع دولي ضخم تجاه السودان ساعدت حكومة الإنقاذ بوعيها في تطبيق جزء منه وهو الخاص بالجنوب ودارفور.. فإذا قدر للبشير أن يفوز فإن بقية السيناريو الدولي سينفذ تدريجيا وعلى مهل بما فيه المحاكمة التي يراد بها « محاكمة الاسلام « وليس محاكمة الحركة الإسلامية التي لعبت أدوارا مهمة في تمرير كثير من البنود الدولية وتطبيقها ليس على السودان وحده إنما على كل الحركات الإسلامية بما فيها « القاعدة « وفروعها، وما حديث التعاون الأمني ببعيد ولا بغريب عن سياق هذه الأدوار.
    وما يدل على ذلك ان واشنطن قد استجابت لتصور المدعي الدولي اورينو اوكامبو بتغيير موقفها رسميا بوصف ما جرى في دارفور بأنه « جرائم إبادة جماعية «. فهذا ما أثارته مندوبة الولايات المتحدة سوزان رايس في المنظمة الدولية، وهي شخصية لها وزنها وثقلها عند البيت الأبيض ووزارة الخارجية، فقد عملت تحت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين اولبرايت في دسك السودان، ولعبت دوراً مؤثراً في دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي الآن داعمة للحركات المتمردة في دارفور تحت دعاوى ومبررات حقوق الإنسان والضغط من أجل تحقيق السلام. ولذلك لم تات الرياح بما تشتهي سفن المؤتمر الوطني الذي كان يراهن على شعار « التغيير « الذي رفعه الرئيس الأمريكي باراك اوباما أثناء حملته الانتخابية، وتراجع عنه تكتيكيا أو استراتيجيا بعدما عرف صناعة وحياكة القرارات في دهاليز السياسة الأمريكية بصورة يومية ومباشرة.
    وسوزان رايس لا تخفي مواقفها تجاه النظام الحاكم في السودان، منذ أن كانت مسؤولة عن الشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية، وكانت تعد من الصقور الذين يريدون إزاحة « الإنقاذ « بقوة السلاح عندما طرح الأمر على طاولة البحث قبل خمسة عشر عاما.
    فبسبب تقلب الأجواء، واتجاه الرياح فإن الظرف الآن غير موات لمرشح المؤتمر الوطني للرئاسة. وقد فشلت قيادة حزب المؤتمر في قراءة جيدة للواقع والاحتمالات، متبنية سيناريو مضلل تركز على شخص الرئيس وليس على الدولة، وتمحور حول السلطة وليس على الخيار الموضوعي المفضل، وهو أن فوز المشير عمر البشير سوف يجعله في حصن محصن من المطالبة بمثوله أمام المحكمة، بحجة أنه جاء عبر الصناديق الانتخابية وبإرادة الشعب السوداني، باعتبار أن الانتخابات تجب ما قبلها..
    ولكن هل يمنحه هذا السيناريو الحصانة أم يثير بعض الدول التي ستبدي دهشتها لفوز مرشح ملاحق دوليا، مما يثير التساؤلات أكثر من أن يعطي إجابات، وهي تساؤلات قد تضاعف الضغط على السودان للتسريع بتنفيذ السيناريوهات الأمريكية والمشروعات الدولية التي تنتظر التنفيذ، خاصة عندما يقتنع العالم أن الانتخابات ليست نزيهة ولا نظيفة وغير مقبولة إلا بما يتيح فرصة ممارسة مزيد من الضغط.
    إذن من مصلحة حزب المؤتمر الوطني أن تكون الانتخابات نزيهة ولو أدى ذلك لعدم فوز البشير، لأن من يأتي إلى الرئاسة ستكون لديه الحجة والمشروعية والمصداقية « الديمقراطية» لينقل السودان من حال إلى حال، وليقنع العالم بجدوى الحوار والمحاكمة الهجين التي طرحها الصادق المهدي، في حال لم تفلح الجهود لتجاوز دعاوى اوكامبو.
    هذا هو الطريق الوحيد الذي ينقذ السودان والبشير والمؤتمر الوطني من أزمات المرحلة المقبلة، أزمات بيد المؤتمر أو بيد المجتمع الدولي او بيد واشنطن، لا فرق لأن السبب واحد ومصدرها وحيد.
    ويمكن لقوى التغيير أن تلعب دورا مهما في تعميق وتوسيع مفهوم الانتخابات النزيهة بممارسة المراقبة على العملية الانتخابية أولا لقطع الطريق على المؤتمر الوطني بتزوير الانتخابات، وهو ما يتقنه المتدربون على التزوير لكثرة ممارسته، وثانيا للعب دور أساسي ومهم في العملية الانتخابية والانتصار للديمقراطية الحقيقية الصحيحة.
    فالمراقبة عنصر حاسم في الانتخابات.. وحجة على المؤتمر الوطني وتفويت الفرصة على الدسائس الدولية.
    أليس ذلك حافزاً للمؤتمر الوطني للتخلي عن خيار شمشون الذي لا يصلح لحكم المرحلة المقبلة
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

02-02-2010, 10:53 AM

جعفر محي الدين

تاريخ التسجيل: 12-11-2008
مجموع المشاركات: 3220
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube



Re: مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا (Re: الكيك)

    Quote: إذن من مصلحة حزب المؤتمر الوطني أن تكون الانتخابات نزيهة ولو أدى ذلك لعدم فوز البشير، لأن من يأتي إلى الرئاسة ستكون لديه الحجة والمشروعية والمصداقية « الديمقراطية» لينقل السودان من حال إلى حال، وليقنع العالم بجدوى الحوار والمحاكمة الهجين التي طرحها الصادق المهدي، في حال لم تفلح الجهود لتجاوز دعاوى اوكامبو.


    هل من مدرك ؟!
                   Subscribe on YouTube |Articles |News |مقالات |اخبار

[رد على الموضوع] صفحة 1 من 3:   <<  1 2 3  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:

مقالات ...تحكى عن واقع السودان الحقيقى ...ادخل واقرا فى FaceBook

· دخول · أبحث · ملفك ·




الصفحة الاولى
  المنبر العام
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2013م
مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2013م
 مدخل أرشيف الربع الثانى للعام 2013م
 مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2013م
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2012م
مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2012م
 مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2012
مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2012م
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2011م
مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2011م
مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2011
 مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2011م
 نمدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2010م
 مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2010م
أمدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2010م
 مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2010م
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2009م
 مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2009م
 مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2009م
 مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2009م
مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2008م
مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2008م
مدخل أرشيف العام (2003م
 مدخل أرشيف العام (2002م
مدخل أرشيف العام (2001م
مكتبة البروفسير على المك
 مكتبة د.جون قرنق
مكتبة الفساد
 مكتبة ضحايا التعذيب
 مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان
مكتبة دارفور
مكتبة الدراسات الجندرية
مكتبة العالم البروفسيراسامة عبد الرحمن النور
مواضيع توثيقية متميِّزة
 مكتبة قضية سد كجبار
 مكتبة حادثة يوم الاثنين الدامي
 مكتبة مجزرة اللاجئين السودانيين في القاهرة بتاريخ 30 ديسمبر 2005م
مكتبة الموسيقار هاشم مرغنى(Hashim Merghani)
مكتبة عبد الخالق محجوب
 مكتبة الشهيد محمد طه محمد احمد
مكتبة مركز الخاتم عدلان للأستنارة والتنمية البشرية
مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان
 مكتبة سودانيز أون لاين دوت كم
مكتبة تنادينا,الامل العام,نفيرنا
مكتبة الفنان الراحل مجدى النور محمد
مكتبة العلامة عبد الله الطيب
مكتبة احداث امدرمان 10 مايو 2008
 مكتبة الشهيدة سهام عبد الرحمن
منبر اليوم الحار لخريجى كلية الهندسة و المعمار بجامعة الخرطوم
مكتبة الراحل المقيم الطيب صالح
مكتبة انتهاكات شرطة النظام العام السودانية
مكتبة من اقوالهم
مكتبة الاستاذ أبوذر على الأمين ياسين
 منبر الشعبية
منبر ناس الزقازيق
مكتبة تهراقا الفن الدكتور محمد عثمان حسن صالح وردى
اخر الاخبار من السودان2004
جرائد سودانية
اجتماعيات سودانية
دليل الاصدقاء السودانى
مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان
الارشيف والمكتبات
اراء حرة و مقالات سودانية
 مواقع سودانية
 اغاني سودانية 
 مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد
دليل الخريجيين السودانيين
 الاخبار اليومية عن السودان بالعربى













|Contact us |About us | Discussion Board |Latest News & Press |Articles & Analysis |PC&Internet Forum |SudaneseOnline Links |
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها

© Copyright 2001-02
Sudanese Online
All rights reserved.

If you're looking to submit news,video,a press release or or article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de