مكتبة بكرى ابوبكر
اخبار و بيانات مقالات

News & Press

Articles & Views

المكتبات



قصص من واقعنا الأليم
اتحاد الصحافيين السودانيين يقدم عائشة البصري المتحدثة السابقة باسم يوناميد في ندوة بواشنطن
أنباء عن كشف أثرى ضخم منذ اكتوبر 2013 وسرقة الآثاروتعدين الذهب ومخاطره وغياب الإعلام
في ذكرى إستشهاد د.علي فضل...لن ننسى ولن نغفر لجلاديه
إمرأةٌ من أهلِ البحر..حكاية شعبية اسكتلندية ترجَمْتُها

المنبر العام

مقالات و تحليلات ابحث

بيانات صحفية

تحديث المنتدى

المتواجدون الآن

مواقع سودانية

Latest News Press Releases

دليل الخريجين

اجتماعيات

الاخبار

أغانى سودانية الارشيف والمكتبات مواضيع توثيقية ومتميزة اغانى مختارة
مرحبا Guest [دخول]
أخر زيارة لك: 23-04-2014, 04:01 PM الرئيسية

مكتبة بكرى ابوبكر(بكرى ابوبكر)الطريق إلى المدن المستحيلة
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « الموضوع السابق | الموضوع التالى »
أقرا احدث/اخر مداخلة فى هذا الموضوع »
17-02-2003, 10:59 PM

بكرى ابوبكر

تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 17635
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
الطريق إلى المدن المستحيلة


    صدرت عن مركز الدراسات السودانية ـ القاهرة ـ عام 2000م.
    صدر للكاتب:
    أحلام في بلاد الشمس، رواية، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، عام 2001م.
    الضفة الأخرى، رواية، دار عزة، الخرطوم، عام 2000م.
    إهـــــداء
    إلى نصر الدين الرشيد
    رفيق دربي، العظيم
    الذي ينام في قبرٍ وحيدٍ في أرضٍ بعيدة
    فمنذ رحيلك ما زلت أتخاذل الاعتراف بالواقع
    ولم أذهب حتى الآن إلى محاريب العزاءات في منزل "حاجّة أمينة"...
    1
    اللعبة الصغيرة
    سيرة أولاد قِرِف
    هب أنك الحاج عثمان سنين، وأنت في الطريق إلى المدرسة الشرقية لزيارة أبنك؛ بعد أن هبطت، قبل قليل، من لوري حاج عمر، القادم لتوه من أم شقايق..
    أصلحت عمامتك الوحيدة، وتحسست جُزلانك، وحسبت الجنيهات التي فيه. أخرجت الجنيه "أبوشنة ورنة" إياه! ثم أضفت إليه الخمسين قرشاً التي أوصتك بها زوجتك (بت النور) لدعم مصروف إبنها الشهري، الذي ـ أنت تعرف أنه ـ سوف ينتهي في صباح الغد؛ موزعاً بين الرفاق... ولكنك لم تنزعج؛ قلت لنفسك: "الأولاد يصيرون رجالا هكذا..."، ثم أن إبنك هذا لم يقصر معك في المدرسة، فهو دائما ما يرفع رأسك في طابور نهاية العام. قلت أيضاً: "ما الولد طالع على خاله..."! ومرت بخاطرك أيام صهرك عبد الرحمن النور، خال الولد. فأضفت خمسين قرشاً أخرى قائلاً: "ياخي، خلِّي الأولاد يفرحوا... هي الدنيا فيها شنو؟ خربانة أم قدود"...
    ها هم مجموعة من الطلاب جالسين بجوار سور المدرسة، قرب الباب.. وإنت على نية أن تسألهم، إرتبكت!! "أأقول جومو أم النور!؟؟"‍‍‍ ولكن لزوم الرسميات، توكلت على الله وقلت النور. فتلفت الطلاب ولم يذكروا شيئاً من الذي تقول!! فلما تنازلت عن الرسميات وقلت جومو؛ ضربوا على جباههم بأيديهم (الحرة) في تلك اللحظة وقالوا بنبرة واحدة:
    ـ يا آ .. أنت مما تقول كدة من قبيل!!
    قال الطالب المديني منهم:
    ـ والله جومو دة قبل شوية كان بهنا.
    قال شبه المتمدن:
    ـ شوفو في الجنبة التانية ديك .. وأشار إليها:
    ـ أما الطالب القروي، فقال:
    ـ "أجلس ياعمي.. سأذهب وأبحث عنه وآتيك به"!!
    إن الورطة التي دخل فيها الطلاب في البداية، والدقائق التي ضاعت من عمرك إثر الرسميات؛ سببها الأساسي صهرك عبد الرحمن النور ـ مثقف زمن الأحلام ـ الذي فشل في إقناع زوجته ـ بنت الحسب والنسب ـ بأن يسميا ابنهما (جومو) فقام بإسقاط حلمه على ابن أخته؛ التي هي زوجتك! ‍ ولكنه طبعاً كفر عن إزعاجه لـ(بت النور) بأن تبرع بخروف آخر للسماية. واستمتع أهل أم شقايق بخروفين بدلاً من خروفك الواحد. ولكن على أية حال؛ ليست هناك مشكلة ـ حسب رأيك ـ فطالما أن أم الولد كانت سرعان ما تتخلى عن الاسم الذي اختارته لابنها ليطابق اسم أبيها ـ وتناديه (جدو)؛ فما فارقه.. جدو وجومو (كله من بعضه).
    وطالما ليس لديك اعتراضات أخرى ـ وقد أفلت اللعب من يدك من البداية ـ فإن جومو الآن هو أحد أفراد شلة (أولاد قرف) أو (عصابة قرف) ـ سمها ما شئت ـ واسمع حكايته الخطيرة:
    ... وقد كان أبرز أفراد الشلة هم: عثمان شربات، وعلى إسماعيل الكضاب، وأحمد سالم أبو خمسين الذي خسر خمسين قرشه مع إحدى اللعوبات بعد أن أخذ (شرة كاربة). هذا بالإضافة لمحمد الشيخ فريني، وسيد شطة، ومصطفى بطيخة السمين..
    ثمة مزاجات ومصائر مشتركة جمعت بينهم، على مر العامين ونيف الفائتين، الذين قضوهما في المدرسة الشرقية. إذ لم تك تخلو لستة مهرجلين من أسمائهم قط! وحتى إن غفل (الألفة)، وسُحبت منه اللِّستة بتدبير ما، فإنه لا يجد صعوبة البتة، ويقوم ـ أوتوماتيكيا‌ً ـ بتدبيجها مرة أخرى وتقديمها للأستاذ متى مر من هناك.
    ولكن هؤلاء (الشياطين)، بالإضافة لذلك، قد ساهموا بقدر كبير في تشويه حيطان المدرسة؛ ابتداءً من جدران الفصول وسقوفها، حتى المراحيض. كتبوا أشعار الغزل، الألفاظ النابية، وأسماء الفتيات بحروفها الأولى. ورسموا تقاسيم أجسادهن كما يفعلون مع الرسومات التوضيحية في دفاتر (العلوم). خاصة بعد أن عرفوا الطريق إلى بيت (زوبا)، وجربوا في الواقع ما كان يحدث بالصابون، أو في الأحلام، ليكلفهم ذلك مشقة الاستحمام في الصباحات الباكرة، (ونشر الغسيل) في أواخر النهارات. وفي الحقيقة، فقد كانوا (البصلة المعفنة) التي كان يبحث عنها (السيد المدير) لإلقائها بعيداً عن بقية البصل! وقد دخل السيد المدير في متاهة ذات يوم وهو يتفقد حيطان المدرسة عقب نهاية اليوم الدراسي ليجد الرسومات الخطرة، بتقاسيمها التي لكل منها جملة أو مقطع شعر يحمل اسمها:
    فعيون (Z) في سقف الفصل:
    عيون المها بين الرصافة والجسر
    جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
    فأعجب المدير جداً، رغم اعتراضه على صيغة العبث الجدرانية. وساقه السهم (الدال على ما بعد) إلى تفاصيل نهد (M):
    ( -------->.. البرتكان نهدك مدردم)
    ـ ثم ساقه السهم التالي إلى خصر (F) من الخلف: (--------> الهالكني ...)
    ثم ساقه دليل الأسهم إلى المرحاض الثالث، ليجد تفاصيل ما بين فخذي (A):
    (--------> و آآآآآآآي ..)
    والغريبة أنه لم يجرؤ أحد، من (المؤدبين) الذين يذمون (البذاءة) جهراً، على "إماطة الأذى عن المرحاض"!!‍ بل لوحظ أن هذا المرحاض بالذات قد كثر رواده لدرجة أنه يطفح أحياناً دون رفاقه! مما يكلف (الألطجي) ساعات عمل إضافية، وبالتالي، يكلف سجلات الحكومة وخزينتها أوراقاً وحبراً و(أوفرتايم). على كل حال، هذه قصة.
    ولكن ضمن سيرورة التعبير عن (الواقع)، كان طلاب المدرسة ينقسمون (عرفياً) إلى فريقين: فأنت إما ضمن (أولاد قرف)، إذا كان مصدرك الفقر أو القرية أو الداخلية .. أو؛ ضمن(أولاد كموش) إذا هبطت على المدرسة من أعلى المدينة. أما إذا كنت (جيمس آيول)؛ فلا محل لك من الإعراب!! ‍‍ ولكن هذا التصنيف بأت هلامياً في الآونة الأخيرة بعد أن بدأت تختل موازين تنقلات المدرسين بحجج مثل (الاستثناء لإدارة شئون المنظمات الفئوية)‍‍! هذا بالإضافة لبقاء بعض المدراء لمدد أطول عقب تشمم الناس لرائحة التلاعب في (التعيين)، وظهور متعهدين لم يعرف لهم أصل ولا فصل!
    على أي حال، فقد تزايد أولاد كموش في المدرسة وتضاءل أولاد قرف إلى أن أصبحوا نهراً واحداً عكس ما كان يحدث قبل سنوات قليلة.
    أيضاً، من الجانب الآخر، فقد أفلت بعض من كموش وأنضم إلى قرف على سبيل المزاج؛ مثل سيد عمر عبد الحفيظ، الملقب بشطه، الذي كان من أمهر لاعبي كرة القدم. وقد أطلق عليه هذا اللقب بسبب أحد الباكات؛ ذلك المسكين، الذي كان يكلف بمراقبة سيد في المباريات. وكان بمجرد أن يستلم الأخير الكرة يفرك عينيه، فيصبح فيه الجمهور "شطة .. شطة .." هذا بالإضافة لمصطفى ابن أحمد العاقب كبير تجار المدينة.
    وقد كان من عادة هؤلاء ـ ضمن عادتهم المشاغبة ـ استغلال مهاراتهم اللغوية في كتابة رسائل غرامية إلى حبيبات وهميات، وتداولها بينهم، ماعدا على إسماعيل الكضاب، الذي لم يك للحقيقة مجانبا؛ فهو الوحيد من بينهم الذي استطاع الظفر بقصة حب حقيقية مع إحدى طالبات المدرسة الأميرية. ويحكى عن علي إسماعيل هذا أنه نال لقب الكضاب زوراً وبهتاناً! فهو، بالرغم من أصوله القروية، إلا أنه لم يكن قروياً صرفاً؛ فقد درس المرحلة السابقة متجولاً بين مدن البلاد، مرافقاً لعمه الذي كان يعمل بالسكة الحديد. وبسبب هذه الوضعية، كان على صلة بـ(العالم) أكثر من البقية، ولديه معرفة بأمور كثيرة غائبة عن الآخرين، حازها مما كان يقرأ من المجلات وكتب "الشياطين الطلطاشر" التي كان من عادة أولاد الموظفين أن يتداولوها. وقد كان حبه الشخصي للقراءة يكلفه مضاعفة الجهد في بيع المشروبات والمأكولات في محطات القطار، ليظفر بثمن ما يرضي نهمه في القراءة، بالإضافة للبسكويت والداندرمة والشكولاته. ولكن الحال ذاك لم يدم، فقد (نزل عمه المعاش) وقرر العودة إلى مسقط رأسه ليجد على إسماعيل نفسه من جديد بين رفاقة القرويين القدامي، الذين لم تك تتعدى آفاقهم حدود الكتب المدرسية.
    ولما كان يحكي لهم عن مغامرات الشياطين الطلطاشر، وقصص الأطباق الطائرة، كانوا يموتون من الدهشة. وكانت النتيجة أن أُطلق عليه لقب الكضاب. بيد أن ملابسات هذا اللقب نفسها هي سبب توطيد العلائق القديمة مع جومو، الذي كان بين الفينة والأخرى يطالع بعضا من الكتب والمجلات الخاصة بخاله عبد الرحمن النور، التي كانت مدسوسة في منزلهم لسبب لم يك يعرفه! لذلك، كان يرى بعض المعقولية في ما يحكية على إسماعيل. وكان يعاضده في معاركة الإقناعية مع (القرويين). هذا بالإضافة لقصة صباهما التي سيحكيها لنا على إسماعيل بنفسه في مقبل الأيام.
    ولما كان لعلي إسماعيل من كارزيما، وخبرة، فقد أمسى قائداً تلقائياً لمغامرات الشلة. فهو الذي كشف لهم الطريق إلى بيت (زوبا) ليجربوا فحولاتهم هناك. وقد ساهم في جرهم إلى الكثير من المشاكل في المدرسة. ولولا لطف الله ووجود أستاذ عساكر، لكانوا اليوم ـ بالتأكيد ـ في المنطقة الصناعية، أو في موقف اللواري، أو في طريقهم إلى (القوات النظامية). فقد قبض عليهم أستاذ عساكر مرات عديدة وهم يتداولون كيس التمباك في مؤخرة الفصل. ولكن الجريمة الكبرى كانت في بداية السنة الثالثة، عندما استطاع أستاذ عساكر أن يطب عليهم، في هجوم مباغت، ويصادر مجلة الـPLAY BOY !! مما اضطره لإجراء تحقيقات (تربوية) طويلة، ولكنها كانت دائرية ولم تفض إلى شيء!

    وبالرغم من تهديده إياهم بأن يرفع الأمر إلى السيد المدير، إلا أنه لم يفعل، واحتفظ بالمجلة (المعروضات) لزوم التهدي فقط. وقد كان ذلك كله بسبب إعجابه بذكائهم ومواهبهم، خاصة بعد أن أبدعوا في عمل وأداء المسرحية التي فازت بها المدرسة في مسابقات المدارس في احتفالات عيد التعليم الفائت، وهم الذين رفعوا رأسه باعتباره المشرف على النشاطات الأدبية والفنية، بالإضافة لـ(وكالة النظام) في المدرسة. وقد كانوا بالنسبة له (المعادل الموضوعي) لمقولة (عماد المستقبل) التي (جنّنتهم) بها السيد المدير في خطبه المتكررة.
    وبعد كل ما عرفناه، فلم تك هذي هي المرة الأولى التي (يتجاوز) فيها أستاذ عساكر (اللوائح المدرسية) وما تتطلبه نزاهة الموقع! فقد قام بإخفاء جزء من التقارير عن السيد المدير، لمعرفته بتشدده . فليس من الممكن ـ بالإضافة (للمعروضات) ـ أن يقدم للمدير حكاية (تام زين)؛ (ست الإنداية)‍ التي اشتكت إليه بأن أولاد قرف لم يدفعوا لها ثمن ما شربوه خلال أسبوع، بعد أن ضللوها بأنه (في قروش جاياهم)! وبالتأكيد فإن السيد المدير لن يعيد إليه ما دفعه لها من حر ماله تجاوزاً للفضيحة .. حتى إن تغاضى عن المصير المحتوم لـ(عماد المستقبل) حينها، والهلولة التي ـ لابد ـ سيقيمها أستاذ عبد الجليل إثر ذلك.
    ****************
    بالإضافة لجيمس آيول، الذي لا محل له من الإعراب، كان هناك اثنان آخران من الطلبة (الجنوبيين)، الذين جاءت بهم حكاية (صديقنا منقو) إلى المدرسة. وكان جيمس آيول وبول أشويل يقنطان حجرة صغيرة في الداخلية، كانت يوماً مخزناً! ولم يعرف أحد إن كان ذلك بسبب أفكار يمينية أم يسارية،‍ ولكن ثالثهم مايان دينق، ابن ضابط البوليس، كان أقرب لأن يكون كموشاً.
    في بداية أيام الرفقة، صرح شربات بأنه مستغرب لوجود (جنوبيين) في المدرسة!‍ لأنه لم ير ذلك من قبل. ولكن أحمد سالم أبو خمسين ذهب أكثر في مرامي الدهشة، وحكى أنه هناك في قريتهم، فإن كل ما يُعرف عن الجنوبيين أنهم (جانقي). وأن (الجنقاي) لا تخرج حياته عن العمل كأجير في المزارع أو جالب للحطب، أو عمل المشاجرات في بيوت المريسة .. واستدرك أنه بمجرد أن يحل الجنقاي في القرية، سرعان ما يغير اسمه، كأن يسمي نفسه (قرشين ) أو (أربعة يوم) أو.. أو.. إلخ. ولا يُعرف للجنقاي زوجة أو أولاد! وإن عُرفوا فإن أولاده إما أن يعملوا خدامين، أو رعاة للأبقار ويلقبهم أصحابها بـ(العب الصغيّر) و(العب الكبير)‌‌!!
    ولكن هاهو مايان دينق أكثر أناقة، وأكثر شطارة من بقية الطلاب! وليس كما تقول الأغنية:
    "دود ماني سـرب سـربة
    عيال جانقي شالوا الحربـة"
    كناية عن عدم شجاعتهم!
    كانت المسألة برمتها، عادية بالنسبة لعلي إسماعيل الكضاب.
    ولكن جومو كان بين بين؛ فما كان يؤرقه شيء واحد،هو كونهم (مسيحيين)‍. وكان يقول لنفسه "حرام أن يدخل جيمس آيول النار.. فهو إنسان جيد ولا يستحق ذلك لأي سبب..". وكان قد عزم على هدايته للإسلام (تأميناً للموقف) فحسب، فهو يحب الخير للجميع. وقليلاً قليلاً لما توطدت العلاقات، بدأت تتفجر المجادلات حول قضايا لاهوتية لا أول لها ولا آخر. ولكن جومو أحس في النهاية بأن منطق جيمس آيول، لا يقل حُجّةً عما هم به مؤمنون!! وبعد ذلك نمت العلاقة على قاعدة (التواطؤ التسامحي) "لكم دينكم ولي ديني .." واستمر الحوار ودياً بالسكوت عن الأشياء الملغمة.. إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أكمل فيه أستاذ عبد الجليل الشرح في حصة (اللاهوت) بعد أن أبان وأوفى عن الإيمان بالكتب الأربعة، ثم مسح يديه من الطباشير قائلاً:

    "أهناك سؤال؟؟"
    فرفع شربات اصبعه وهو يصيح: "أستاذ.. أستاذ..". فقمعه أستاذ عبد الجليل بصرامة:
    "أُجْلُس".
    فقد تورط أستاذ عبد الجليل في الحصة السابقة عندما كان يشرح مسألة وجود الله مردداً "إنه موجود في كل مكان"، ففاجأه شربات بسؤوال حسبه قلة أدب:
    ـ يعني هسي يا أستاذ ربنا قاعد في الفصل هنا مثلاً؟! أو لو أنا مشيت الحمام ممكن ألقاه هناك!؟؟
    لكن هذه المرة قرر أستاذ عبد الجليل إحباط المهزلة في مهدها. فجلس شربات وابتلع سؤاله.
    رفع جومو يده، فسمح له أستاذ عبد الجليل بإشارة منه، فقام وألقى بسؤاله هو الآخر:
    ـ إنت يا أستاذ قلت الكتب التلاتة التانية دي محرفة ‍ طيب الضمان شنو إنو كتابنا ده ما محرف؟؟
    "إن هذا الكتاب قد تعهد الله بحفظه، لذلك سماه اللوح المحفوظ."

    ـ لكن يا أستاذ الضمان شنو؟ ما إحتمال الإسم ده عملوه الناس الحرفوه عشان ما في زول يشك؟؟ ـ فوجئ أستاذ عبد الجليل ـ مرة أخرى ـ بهذا السؤال فأمره:
    "أجلس واستغفر الله .."
    جلس جومو ونفذ بقية الأمر.
    خارج الفصل، تفجرت النقاشات مرة أخرى حول التحريف وممكناته، خاصة مع وجود سوابق في هذا المجال.. وتجرأ على إسماعيل الكضاب على السؤال: "لماذا لاتكون هذه الكتب التي تخفى عنا ولم نقرأها هي الصحيحة؟ وإلا لماذا تخفى؟". وتكاثرت الجراثيم الإبليسية أو ما يسمى (حب المعرفة) في تلك الأذهان. ولكن جومو ظل ممسكاً بطرف الحكاية: فما أن التقى بجيمس آيول حتى أسرع في محاولة أحراجه بالسؤال الذي يؤورقه هو:
    ـ إنت مش مؤمن بالتوراة؟
    ـ أيوه ‍‍ ‍‍‍
    ـ طيب إنت قريتو ولاّ مؤمن بيهو ساي؟؟
    وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها جومو هي الإجابة ب (نعم)!!
    ـ طيب والزبور؟؟
    ـ كمان ..‍
    ـ وإنت الكتب دي لقيتها وين؟؟
    ما في كتاب مقدس!! ‍ إنت ما بعرف؟‍
    ـ الكتاب المقدس دة مش الإنجيل؟؟
    ـ كتاب مقدس ده فيهو عهد قديم وعهد جديد، وعهد جديد ده يا هو إنجيل ‍
    ومع دهشة الاكتشاف:
    ـ طيب إنت عندك الكتاب المقدس ده؟
    ـ أيوة ‍
    ـ ممكن أجي بعدين استلفو منك؟ بس أقراه وأرجعو ليك؟
    ـ ياخي أنا بديهو ليك مرة واحد...
    كذب جومو على فريني، حين لمحه الأخير حاملاً حقيبته المدرسية خارجاً وهو لم يغير ملابس المدرسة بعد، بأنه: "ماشي أشرح عربي لجيمس آيول". ولما استدرك أن إجابته تلك قد تفتح منفذاً يحشر فيه أولاد قرف أنوفهم، مر على آيول وأخذ (ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس) وخرج إلى (هناك)؛ لكي يجلس تحت شجرة النيم الظليلة، خلف المدرسة، وراء ميز المدرسين؛ حيث لا يمر مار في تلك الساعة من النهار. ولكن حكم العادة ساقه ليجد قدميه وقد عتبتا على باب المدرسة! قال: "حسناً، سأدلف من الناحية الأخرى". ولكن شاءت (دروب إبليس) أن توقعه في الشر! فها هو السيد المدير قد فتح بوابة ميز المدرسين وصاح:
    ـ ياولد ..
    ارتبك جومو، وتحسس حقيبته بعد أن غامره إحساس بأن السيد المدير لابد ناظر إلى محتوياتها. بيد أن الطامة الكبرى جاءت لما أضاف السيد المدير:
    "خُت الشنطة دي هنا.. وأمشي جيب الغدا من البيت"..
    "استر يارب ..". قالها جومو في نفسه، ولعن الطالع الذي ساقه إلى هذه الورطة. ولكنه لم يجد مفراً من تنفيذ الأمر.

    نقر الباب، ففتحت له نازك، بنت المدير، التي كانت هي في عمره تماماً وفي نفس السنة الدراسية. كان وجهها مثل (شيء) لم يفكر فيه من قبل، عيناها جميلتان، وخصلات من شعرها طائرة، مسحتها بيدها غير التي تحمل (كتاب العلوم). رأى حبة الشباب النابتة على خدها الأيسر.
    ـ اتفضل..

    ـ عايز الغدا..

    ـ يا ماما.. عايزين الغدا.

    قالت، ثم أضافت: "مش أنتو المثلتو المسرحية؟"

    ـ أيوه..

    ابتسمت واستدارت، ثم انحنت لتعبر تحت قوس الليمون باتجاه الباب النملية. رأى (أقواس النار) واضحة، ثم عاد إلى وقفته ليستمع إلى زوجة المدير وهي تأمر الخادمة: "هذا هنا. وهذا هناك.."، وهو لم يزل به من الارتباك، يفكر فيما يمكن أن يحدث لحقيبته؛ "أليس من الممكن أن تحدث صدفة أخرى، كان يفتح السيد المدير الحقيبة ليستعير قلماً أو ورقة مثلاً؟ أليس من الممكن أن تنتاب المدير لحظة فضول ويحاول أن يعرف كيف يكتب طلابه الإنشاء مثلاً؟". ولكنه رتب في ذهنه إجابة مقنعة للطوارئ: "سأقول أن جيمس نسبه في الدرج، وأنا أخذته لأوصله إليه.. إجابة مقنعة.. ثم يا ولد إنت ناسي إنك ممثل؟".

    ذهبت كل تلك الهواجس أدراج الرياح، ومر الأمر بسلام. ومن تحت شجرة النيم الظليلة، تلك التي يسمح موقعها المقابل للفسحة التي يرتادها مجانين الكرة، بإخفاء (المعروضات) في الوقت المناسب، بدأ جومو يتصفح التفاصيل الغريبة والكلمات التي ما عرف يوماً معناها:

    (سِفِر التكوين)! (الإصحاح السادس )!! (مراثي إرميا)!!! ..(المزامير)!!!! (نشيد الإنشاد)!!!!!:

    "ليلثمني بقبلات فمه، لأن حبك ألذ من الخمر.."!

    استعدل جومو جلسته لجدية الأمر!

    ".. أجذبني وراءك فنجري.."

    "..إنني أشبهك ياحبيبتي بفرس في مركبات فرعون.."

    "ما أجمل خديك .."

    ـ ظهرت حبة الشباب في اللوحة ـ

    ".. طوال الليل طلبت بشوق من تحبه نفسي فما وجدته. سأنهض الآن أطوف في المدينة، وأتجول في شوارعها وساحاتها ألتمس من تحبه نفسي..".

    قال جومو: "إنه كلام الله. هذا لا يمكن أن يكون محرفاً". وأقعي يتمتع ويمتدح من نبع النشيد، يعيد ويستزيد، إلى أن ظهر بعض مجانين الكرة في طرف الميدان، فقام بإخفاء (الكنز).

    وفي الليل، بعد أن "آبت الوحوش إلى آجامها"، وأطفئت الأنوار، كان جومو يحدق في الظلام؛ يستعيد ذاكرة النشيد. فدخلت من ثناياه اللحظة الحاسمة التي أجلها الارتباك وريح الظنون. أطل عنفوان الوجه وابتسامته الجاسرة. كان شيئاً كرائحة أعشاش عصافير الجنة في عمق الخريف.. شيئاً كألعاب الطفولة.. كوقع أقدام المطر.. الضفائر الطائرة، حبة الشباب التي تسبب الأكلان في القلب وما من ظفر يحك إلا لمستها! وقوس النار لحظة عبور (قوس الليمون) الذي شيدته الطبية لتعلن انتصارها النهائي..

    "نازك!! ..اللـــــــــــــــه!!" قال لنفسه في مشهد الظلام ذاك. ثم تدفق شلال الماضي؛ كيف كان يراها عابرة، في الصباح، بزيها المدرسي وحقيبتها في حضنها برفقة أختها سلمى. كيف كانت تعود في آخر النهار، ولمرات عديدة، لوحدها.. تقرأ نفس الكتب المدرسية التي يقرأها.. حك ذاكرته للتلصص على الأيام التي تعود فيها لوحدها.. لكن هيهات هيهات.. وفات الليل..

    ولما دندن (عم عبده)، مؤذن الزاوية، بأدعيته اللطيفة: "أسبحنا وأسبح الملك لله.."، بلكنته التي تدل على أصله الأعجمي، قبل أن يصدح بأذان الفجر الأول؛ قام جومو، استحم، وتوضأ وصلى الفجر حاضراً ـ ليس كما كان (يكلفته) بعد شروق الشمس. كان يحرك أصابعه، ولم تك بخاطره تسابيح محددة. ومع شقشسقات عصافير الصباح، استيقظ كلب الداخلية الذي لم يسمع له أحدٌ نباحاً وجاء ورقد بجواره.. تأمله جومو وحن عليه. وبدأ يفكر فيما يفكر فيه هذا الكائن المتوحد النبيل!! احتمالات كثيرة! ولكن الله وحده يشاركه في معرفتها!!

    قام جومو ودخل (العنبر). صار الزمان بطيئاً في تلك اللحظة التي يستحلي فيها الآخرون بطأه، ويتمنون أن تكون الشمس الشارقة هي شمس الجمعة، أو أي إجازة حتى يكتمل برنامج الكسليات..

    مع ضوء الشمس المائل عبر النافذة المهشمة، نظر جومو إلى صورته في المرآة. داهمته الرغبة في أن يستعاد الخلق في تلك اللحظة. وتحمل إليه المرآة نبا أنه (دهر مندرا).. فسرح شعره بعناية وطبطب عليه بيده حتى صارت الصورة (مقنعة)، ثم حمل حقيبته وخرج. على الزاوية التي كانت تنعطف منها كل صباح، تلك التي كانت يوماً ـ وبالأمس القريب ـ كبقية خلق الله، فصارت اليوم (أميرة البر والبحار) كما كانوا يكتبون في رسائلهم الغرامية لأولئك الفتيان الوهميات؛ جلس جومو، وأخرج كتاب (العلوم) مدعياً المذاكرة. مر عليه عدد من السابلة، ألقوا عليه تحايا الصباح ودعوا الله له بالنجاح. كان مع كل نصف دقيقة يرسل البصر كرتين إلى (هناك)، من حيث (ستشرق العصافير) التي ما فتئت تشقشق منذ انطفاء أنوار البارحة.

    شووو.. تدفقت الشلالات بقلبه ثم اندفق القلب مع اقتراب العصفورة. فوجد نفسه هارباً باتجاه البوابة يشهق كأنه في نهاية الماراثون!

    هتف هاتف: "أثبت يا راجل.. خليك واثق من نفسك!". لما (ثبت الراجل) كانت أقدامه على عتبة بوابة الفصل! استعاد قلبه وأنفاسه وعاد إلى هامش أرض المعركة. كانت العصافير (البطلة) قد عبرت ـ حينها ـ إلى ماوراء الأفق المنظور.

    ظل جومو ساهماً طوال النهار؛ ففي وقت الفطور، وقفت اللقمة في حلقه، غالبها لو تجد لها جيزاً في الجوف مع زحمة النيازك. في الحصة الرابعة، لاحظ أستاذ أزهري سهومه، ولما ألقي عليه السؤال، احتاج إلى قرون ليعود من تفاصيل بحار قديمة قِدم العالم.

    ومع نهاية الحصة الأخيرة، وبمجرد أن اتجه أستاذ عساكر إلى الباب؛ قفز جومو من النافذة المجاورة لإعادة الكرة، بعد الفرة المخجلة في الصباح. ولكن على إسماعيل الكضاب لحق به ممسكاً بكم قميصه: "تعال.. تعال.. قبضتك! إنت كمان ماشي تعمل خيانة؟ إعترف..".

    "كيف عرف على إسماعيل بالأمر؟!" سأل جومو نفسه، ثم استهدى بالله ورد على الكضاب:

    ـ خيانة شنو؟؟

    ـ تعال شوف صاحب أبو خمسين!!

    ولم يترك له فرصة للتملص، وعادا من نفس النافذة التي خرجا منها.

    كان شربات يضحك بخساسة "أُهو.. أُهو .. أُهو"، وأبو خمسين سارحا. ولما دخلا، ترك شربات بعضا من خساسته قائلاً:

    ـ تعال.. تعال يا جومو شوف صاحبك.. أتاريهو يومداك لمن اختفى، ونحن نشيل ونحشي في الساندوتشات ونشاكل عشانو، أتاريهو كان عامل خيانة قدر كدة (...) لكن الخاين الله يخونو.. شوفو عامل ضبلان كيف؟ دة عندو (أبو شروروة).. وصاحبك الداقس قال عايز يمشي المستشفى!!

    قال بطيخة:

    ـ طيب ما يمشي؟؟!

    فعاجلة إسماعيل:

    ـ إنت كمان داقس ولا شنو؟! إنت عارف حيكتبوا شنو قدام إسمو مكان (المرض)؟؟

    (سين، ياء، لام، ألف، نون)، وطبظ بسبابته جبهة بطيخة الذي أدرك خطورة المسألة.

    وعلق فريني بخبث:

    ـ والله يا أبو خمسين وقعتك سودة.. ما فيش أمل. غياتو (عتلتك) حتنقطع (الله يرحمها) وإنت حتكون بلاطة.. غايتو حنفقدك لأنو حينقلوك (الأميرية)، لكين ما تخاف، أخوك حيتبرع ليك بطرحة زي الورد..

    انزعج أبو خمسين وقال:

    ـ يا جماعة ما تهظروا بالله ..

    ـ قول الروب ..

    ـ لا.. روب شنو ياخي؟ ده لازم يقول "ووب عليّ"

    ـ لا.. ده لازم يقو ل "أجِّي"..

    ولما رأى شربات عيني أبو خمسين وقد اغرورقتا بالدموع، سأل سيد شطة:

    ـ أسمع.. قلت لي نعمل ليهو شنو؟

    ـ والله الحل الوحيد إنو نوديهو لـ(كوجاك التمرجي).. وغنوا:

    " البنسلين يا تمرجي ..

    جابو الحكيم يا تمرجي .."

    ثم أضاف سيد شطة:

    ـ لكين الله يستر! أصلو كوجاك ده (عيالاتي) معروف.. آها يا أبوخمسين؟ أخير ليك ده ولا تبقي بلاطة؟ اختار.

    ـ لا أنا ما بمشي براي.

    فغنوا:

    "واي واي، خلاني براي، خلاني براي ..

    ومع الأغنية والتبشر، صاح فريني:

    ـ طلِّع . . طلِّع ..

    وجمع جنيهاً وخمسة عشر قرشاً ثم قال: "الباقي يتمو على إسماعيل الكضاب (حنك). ولكن على إسماعيل الكضاب تنازل عن حكاية الحنك هذه لشربات.. والتفت إلى جومو:

    ـ و أنت شكلك كدة عامل خيانة.. قول عندك أبو شرورة خلينا نلحِّقك أبو خمسين "ناس ما عندها دم".
    ـ ياخي خيانة شنو؟ هسي فوتونا الغدا..
    وهكذا مكر بهم. فترك على إسماعيل حكاية الخيانات الصغرى قائلاً:

    ـ يلاّ يا جماعة. الفقريين ديل يكونوا هسي شربوا القرع.. غايتو ناس بطيخة ديل ما عندهم مشكلة.. لاكين إنتو.. والله إلا تغتِّسوا رغيفكم في قدح الزولة بتاعة أبو خمسين..
    ولما عتبوا خارج بوابة المدرسة الرئيسية، كانت العصافير تنعم بـ(التشنقل) على سريرها.
    جاء المساء ثقيلاً، وبدا الزمن كسلحفاة كسيحة. فتح جومو نافذة نزقة الهواء وبقى متربصاً باللحظات وقد عاف كل شيء؛ الطعام، الشراب، والسلام والكلام. وفي الليل مر النيزك مشتعلاًعلى تخوم المجرة، وتفجرت الروح مرة أخرى كما تفعل آلام الضرورس.
    قال صوت الحادي الليلي:
    "قم.. أمشي.. أقفز فوق جميع الأسوار، قل الكلمة، وليحدث ما يحدث "
    قال الحارس:

    "ستصلبان هنا.. وأشار إلى المسافة بين بؤرة الجمر الراقد في الصدر، وبحر البراح الممتد هناك قريباً من قوس الليمون. "آه.. كيف نائمة أنت الآن؟ أي جماد يستدفيء بلمسك؟ أي شيء يستمتع بهمس أنفاسك؟ آهـ.. آهـــ .. آهــ .."
    دخل ضوء القمر من ثقب البوابة الشرقية..
    "متى سيجيء اليوم الذي نجلس فيه في مثل هذا السحر؟ ونبث بيننا الهوى... لا... لا لماذا يكون بينا بين؟ كفى هذا المدار... كفى"..

    قام جومو وجر على إسماعيل ـ الغارق في النوم ـ من أصابع يده، فلم يزد هذا عن:

    "أووووم .."

    ثم انقلب ليكمل نومته. فضربه جومو على كتفه ست ضربات متتاليات.. فقام على إسماعيل مخلوعاً:

    ـ مالك؟ في شنو؟؟

    ـ قوم.. أنا عايزك..

    ـ ياخي الصباح..

    ـ ما ينفع ..

    فجلس على إسماعيل وهو يغالب النوم:

    ـ آها.. ؟؟

    ـ لا هنا ما ينفع... أراح بره..

    أحس على إسماعيل بجدية الموقف، ولف ملاءته حول جسده وقام على حال (إلعن أبو اليوم اللّمانا فيكم).

    على الساحة المجاورة للداخلية، حيث كانوا يلعبون الكرة الطائرة. عرف على إسماعيل تفاصيل الحكاية، أو ما أسماه (قولة تيت). ولما كان (ما يزال في النوم عشمان)، تخارج من الموقف باقتراح وجيه:

    ـ أسمع.. أحسن حاجة تعملها، ما تفوت اللحظة دي.. وبدل ما تقعد تحبني أنا.. أحسن تحبها هي!

    ـ يعني أعمل شنو؟؟

    ـ يا أخي أمشي جيب ليك قلم وكم كراس كدة، واعتبرها الكراس، وبعدين وقول ليها أي حاجة إنت عايزها.. بعد داك الباقي هين.

    كان الاقتراح وجيهاً بالفعل.. وبعد دقائق، أستعاد على إسماعيل نومته. وكان جومو (أنا و انت والليل والقمر).. ولما استفتح عم عبده صباحات الله بـ(أسبحنا وأسبح الملك لله)، كان جومو قد أُوحى إليه نشيد الإنشاد الخاص به! و ملأ كراسة.

    وبعد أن صلى الفجر، وعاد إلى سريره مغمضاً عينيه يستعيد نفسه الذي ظل متوقفاً منذ منتصف الليل، ظهر ذلك الطائر الخرافي الذي يشبه السمبرية متمرجحاً في خياله! كانت تلك أول بوادر الحمى (الملاريا).

    في التاسعة صباحاً وجد نفسه على سواعد الرفاق محمولاً إلى المستشفى.. ولم يفارقه الطائر الخرافي إلا في اليوم الرابع. فجلس الرفاق بجواره.. وقال له على إسماعيل:

    "إطمئن يا أبو الشباب .. إنت بس خليها تجيك ( ندبة الصباح)".
    كانت الأيام الأربعة قد شهدت نشاطاً دائباً سخر فيه جنرالات قرف كل مكرهم ودهائهم لخوض حرب لا مجال لخسرانها أبدا. فقد قام على إسماعيل بإقناع زهرة بخطة (الحرب)، بعد أن أبكاها وهو يتلو عليها صفحات من (كراس القمر) محذراً إياها من الوقوع في غرام هذا (النبي)، وهو يقارن لها ما كتبه مع مقاطع من نشيد الانشاد الأصلي. ولما اقتنعت زهرة بالخطة، قام بتسليمها (الطعم)، وهو كتاب (قصة حب على ضفاف المانج )؛ تلك القصة التي تحكي عن فتاة تحب فتى غائباً. وظلت تحلم بلقائه لسنين طويلة، ولما لم يجيء، قررت الانتحار أخيراً، فودعت ذكرياتها الجميلة، وشكرتها على حسن الرفقة، وذهبت لتلقي بنفسها على ضفاف نهر المانج. ولكن هناك كانت المفاجاة! إذ أن الفتى نفسه كان على الضفة الأخرى. وقد اتخذ نفس القرار ولنفس الأسباب!
    فسبح كل منهما باتجاه الآخر، وفي منتصف النهر، كان عناقاً حاراً أخجل الكواكب، فحملتهما على مركب النور إلى حديقة السعادة الأبدية ـ ليكملا عناقهماهناك. وفي لجج العناق، تستمتع الفتاة إلى أخبار أيام الفتى، تبكي، فتهطل دموعها وتنبت أزهاراً .. وأزهاراً!!

    في مساء ذلك اليوم كان الكتاب قد وصل إلى أنامل عزة ـ صديقة نازك الوحيدة ـ بصدفة مفتعلة. وفي صباح اليوم التالي، تم جر (العدو) إلى خط المواجهة. جاءت نازك لتبادل قبلة الصباح وحضنته مع عزة، فلاحظت احمرار عينيها! ولما سألتها أجابت دموعها!! وهناك في زاوية الأسرار، أخرجت عزة الكتاب وأعطته لنازك.

    وفي أزقة الوقت بين أسرار المدرسة الأميرية، كانت سيرة (الولد الجميل) الراقد على سرير المرض قد تم تداولها مع بهار ذكريات أعياد الماضي.

    انتحل بقية أولاد قرف شخصيات قطاع الطرق. حتى أن نازك وهي في طريق العودة اليومي، قد ألقت التحايا لأول مرة على شربات وسيد شطة الذين كانا يفتعلان مشهداً شاهده (الجميع) في يوم مضى على خشبة مسرح (المدينة) الكبير.

    في الليل، وبدلاً من المذاكرة المفروضة من قبل (كبير المدرسين)، العارف بواجبات أنجاله في سنين دراستهم الفاصلة، وُضعت الكتب المردسية جانباً، وامتدت الأنامل الناعمة إلى (السر) بعد أن أدخل بين دفتي (كتاب الدين)! حتى لا يشك شاك.

    كانت اليد اليمنى تمسد في البدء (حبة الشباب) ذات الملمس (الحلو). وتارة أخرى تمسد الضفائر الطائرة. إلى أن زحفت قليلاً قليلاً لتمسح غشاوة العين التي صارت تصنعها الدموع. لتصبح أخيراً في إنتظار الكواكب!

    في تلك الليلة، نبتت أشجار الغربة والتوحد، وصارت غابة في القلب النضير. وانبجس النداء الأنثوي الذي كان يتعرج بين أسوار الأوامر الأزلية، وكهوف التغييب الأصم، ليجد نفسه دفعة واحدة في البرية، وعلى مرأي من الشمس، أمام الحياة بالطعم واللون والرائحة.

    أستمرت جرجرة العدو في اليوم التالي، بل وتقدمت إلى أبعد مما كان مرسوم لها! فقد جاءات نازك أكثر بكرة عن عادتها وأنتظرت عزة. وبعد القبلة البدئية، والحضنة، أضافت قبلة أخرى ثم ألقت بالرجاء:

    "عزة، عليك الله لو إنتي صاحبتي بالجد.. عليك الله تديني الكتاب ده".

    فردت عزة باسف: أن الكتاب ليس ملكها وأخبرتها أنه كتاب زهرة. وأضافت أنها هي نفسها كانت تفكر في نفس الموضوع، بعد أن بحثت عن الكتاب في كل المكتبات ولم تجد له أثراً ولا حتى ذكرا!! ولكنها أعلنت عن تنازلها إذا سمحت زهرة بذلك قائلة:

    "ما نحن يا نازك (حاجة واحدة)"!

    وطفقتا في عناق جديد. وبدأ مشوار البحث عن زهرة. أخيراً وجدتاها جالسة هناك في طرف المدرسة في انتظار جرس بداية اليوم الدراسي. وقد كانت حزينة بالفعل وهي تمثل دور الحزينة ـ حسب الخطة ـ ولما فأجانها بالطلب تصرفت وأدخلت تعديلات فورية على الخطة من عندها. فهي الآن أكثر حماساً من الجميع!! وقد بررت ذلك لحبيبها على إسماعيل، بأن "كل شيء في سبيل الحب مشروع، بل وواجب!".

    وضمن التعديلات في الخطة، أعطت زهرة الوعد الجميل لنازك بأنها ستبذل قصارى جهدها لإقناع قريبتها صاحبة الكتاب بأن تتركه لها، وإلى أن يأتي ذلك الحين فليبق الكتاب معها كعربون صداقة. وكان ذلك وحده كافياً لنشوء صداقة فورية، وإضافة عضوة جيدة إلى جماعة (سرب العصافير)، التي تضم عزة.

    في فسحة الفطور،عادت الخطة الجهنمية إلى مجراها الأساسي؛ فشرحت زهرة للصديقتين سر حزنها الحقيقي/المفتعل:

    ـ والله يا جماعة أنا حزينة لأنو صاحبنا عيان وراقد في المستشفى.. ومافي طريقة نمشي نزوره..ما إنتو عارفين قوانين الداخلية الزفت دي. ده جومو يا عزة.. طبعاً نازك ما بتعرفو..
    قالت عزة:

    ـ تتذكري يا نازك الولد الكان بمثل خالد عبد الفراج ود التاجر في مسرحية الشماشة بتاعة السنة الفاتت؟؟

    ـ أيوة، أيوة.. بتذكرو! الود ده أن شفتو متين ياربي؟؟ أيوة.. قبل كم يوم كدة جا بيتنا عشان يشيل الغدا.. وهو بقى عيان متين ؟؟

    وأمسكت زهرة بالخيط:

    ـ ده ياهو.. والله ده ود!! إلا غايتو.. تصوري! عندو ملاريا، وليهو كم يوم راقد.. تخيلي الملاريا مخلية الناس الشينين الكتار ديل كلهم، وماسكة الولد العسل ده!!

    وهنا استعادت نازك صورة باهتة لذلك كالولد الذي فتحت له الباب يومذاك. كانت الصورة ضبابية.عادت إلى احتفال العام الماضي ولم تنجل الصورة بعد! وبدأ جهاز الفضول يرن في الدماغ بحثاً عن التفاصيل الكاملة للصورة!

    ومع جرس نهاية اليوم الدراسي، جاءت زهرة إلى عزة ونازك وقالت:

    ـ عزة.. ما يعني أن عايزاكي في خدمة صغيرة..

    ـ جداً يا زهرة من عيوني ..

    ـ وإنتي مارقة من هنا مش ممكن تتقدمي مع نازك؟ بس نحنا عندنا حاجة عاوزنك توصليها داخلية الأولاد. لـ(علي)، أصلو إحنا عايزين نرسل لجومو حاجة صغيرة كدة نعبر بيها. دي أقل حاجة.. وهو طبعاً عارف إنك صاحبتنا.

    أفرحت الجملة الأخيرة عزة. وتحمست للفكرة فأضافت زهرة:

    "أووف من السجن الإحنا فيهو ده .."

    أحست نازك، ولأول مرة بأنها تعيش في سجن أكبر من الذي تتحدث عنه زهرة. فبدا لها أن كل البنات لديهن علاقات (حب) و(صحبة) مع الأولاد إلا هي. وهي تستعيد تاريخها الشخصي ولا تجد فيه إلا صور الصبية الذين رافقوها في سنين مضت، ولم تستطع صنع التماثيل التي تريدها من تذكارات وجوههم. جاء بقية سرب العصافير، جلسن بعد أن بصمن على شيء لم يكن على دراية بخلفياته. جرَّت زهرة سُستة حقيبتها ببطء ثم أخرجت كرت البوستال؛ أزهار حمراء وصفراء وبيضاء على أرضية زرقاء، وقالت:

    ـ آها.. رايكم شنو؟؟

    ـ اللـــه.. والله حلو خالص، صحن بصوت واحد.

    أحست نازك بأنه فعلاً حلو. وزادت إلى حصيلة اكتشافاتها شيئاً آخر جيملاً.

    قلبت زهرة الكرت ووضعته على فخذها وأخرجت قلم الحبر الجاف الأخضر. فتجمعت الرؤوس وأنكبت العيون في انتظار ما سيكتب. وبعد مماحكة أثارت الأعصاب كتبت:

    سلام الله يغشاك ..

    وعين الله ترعاك..

    فإن غبت عن العيون فإن قلوبنا لن تنساك.

    صديقاتك المشتاقات لشوفتك مع الأصحاب:

    زهرة

    جليلة أنهار

    عزة ..

    ولما جاء الدور على نازك ماحكت زهرة قليلاً وهي تصلح إحدى الأزرة على صدرها، وهنا شعرت نازك بالخذلان، وقالت شبه محتجة:

    "يعني يا جماعة أنا كنت بتمنى أكون معاكم.. لاكين.."

    هنا تصرفت زهرة، وأدخلت تفاصيل جديدة للخطة، وأعطت القلم لنازك قائلة:

    ـ إنتي أهم واحدة! لأنك صاحبتنا الجديدة، عشان كدة أكتبي اسمك بخطك الجميل.

    ومدت إليها الكرت!

    فرحت نازك وكتبت:

    نازك ..

    وملأها إحساس، في تلك اللحظة، بأنها صارت كبقية البنات ولها أصحاب وأصدقاء من الأولاد.

    عقب إدخال الكرت في الظرف وتصميغه، شُيِّع بالنظرات الفرحة إلى حقيبة عزة، وتم الاطمئنان على سلامته وراحته داخلها..

    وهناك، كان جيش قرف قد شدد الحراسة على كل الطرقات والممرات. كانوا كذئاب جائعة تذرع المسافة جيئة وذهاباً، وسط جو من القلق باحتمال حدوث طوارئ أو خلل في الخطة، والقلوب ترتجف مع مرور كل سرب.

    صاح شربات محاولا ًتبديد القلق:

    ـ إنتو يا (معرّصين) خليكم أذكياء.. الجماعة ديل إتاخروا معناه الحاجات ماشة تمام التمام..

    فقاطعة أبو خمسين:

    ـ أنت الورَّاك منو؟ ما احتمال تكون الحكاية عصلجت. أو تكون حصلت شكلة. أو تكون المشرفة قبضتم ياخي؟؟

    فصاح شربات في وجهه:

    ـ أسكت يا شوم، إنت أصلوا ما بتتخلى عن الجبن بتاعك ده؟ يا خي خليك واثق.

    واضطر أبو خمسين ـ الذي بدأ يتعافى ـ للصمت وتسلق حبال التفاؤل.

    وبعد لحظات، أطلت العصفورتان تتهاديان "هناك".. في بداية الطريق المؤدي إلى "هنا" فعاد على إسماعيل إلى الداخلية، لكسب الوقت الذي تتم منادته فيه إذا كان في الأمر (سبع)، أما إذا كان في الأمر (ضبع) ليقوم بـ(تجهيز وسائل التهديد لأبو خمسين الرعديد).

    كان طاقم المناورة المشكل من شربات وفريني مرابطاً، وقد تم افتعال مشهد المتجادلين في أمر جدّي، غير العارفين بما سيحدث وراء الزاوية التي لا يستطيع أحد رؤية ما يجري وراءها.

    وبالفعل ظنت العصافير أن في الأمر صدفة جميلة، فهاهم رفاق (علي) في أول المشوار وفي مكان يسمح بتبادل التحايا والقصص الصغيرة..

    ـ السلام عليكم .. قالت عزة، إزيكم قالت نازك.

    ومثلتا أنهما لم ترياهما من قبل!

    ـ وعليكم السلام، قال فريني. أهلاً، قال شربات. ومثّلا عدم علمهما بشيء!

    ـ أسمعوا.. إنتو بتقروا في الشرقية؟

    ـ أيوة.. في حاجة؟؟

    ـ لا، بس إحنا عايزين واحد في الداخلية.

    ـ أيوة. نحنا في الداخلية، عايزين منو؟؟

    ـ على إسماعيل ...ممكن تناديهو؟

    ـ جداً.. جداً.

    وهنا تأكد شربات من نجاح هذه المرحلة من الخطة، وأمر فريني

    ـ اسمع، أمشي ناديهو ..

    ذهب فريني، وتمحرك شربات مع العصافير في (حق الله بق الله) وإزاي الحال. والمدرسة، والمذاكرة.. والسنة دي الامتحانات احتمال تكون صعبة، واحتمال تكون سهلة. وكسر حاجز (أول مرة). أسترق النظر ليقرأ ملامح (العدو) عن قرب، قال لنفسه: "أمانة ما وقعت يا أبو الشباب!!".

    زال توتر اللقاء واللحظة، ولكنه سمع الإشارة إياها، فافتعل حكاية (كدي نشوفو إتأخر مالو) وبعد قليل، جاء على إسماعيل لوحده، قدم نفسه لنازك واتعذر عن شربات:

    ـ أخونا ده نادوهو في الداخلية وبقول ليكم مع السلامة.

    ـ الله يسلمه.. الله يسلمه..

    هو أيضاً استرق النظر إلى نازك بحثاً عن تفاصيل إضافية. أخرجت عزة (الظرف) وكانت نازك تتلفت بعد أن احست بقلق إطالة الوقفة. قالت عزة:

    ـ ده من زهرة.

    ـ شكراً.

    ـ إلا صاحبكم العيان كيف هسّي؟؟

    ـ والله تعبان شوية.. إلا بدا يخف

    ـ عليك الله سلم عليهو، قالت عزة وإجتازت نازك باب الحرز وقالت:

    ـ سلم عليهو عليك الله

    ـ يوصل .. يوصل .. الله يسلمكم .

    وجرجرت نازك طرحة عزة، كناية عن (يالاّ إتأخرنا)

    ـ خلاص مع السلامة.

    ـ مع السلامة..

    عاد علي إسماعيل ظافراً ومعه بقشيش "سلم عليهو عليك الله". كان يغني هذه الجملة وهو يلز بقية أولاد قرف بكوعه ليفسحوا له الطريق إلى السرير، حيث قام بفتح الظرف وقلب الكرت وصاح:

    " ييهووو ... "

    ثم أضاف:

    ـ ده أكيد خط زهرة، وأنتو عارفنو، لكين عليك الله وحي من (عليك الله) دي: النا الحلوة دي. والآ الأحلى دي، والزا الشربات دي.. والكا أم ضنيب العسل دي.. يكون كتبهم منو؟ أحبك يا زهرة.. أحبك..أحبك.. وقبّل الكرت وحضنه وانبطح فوقه على السرير. وبعد (جهاد) طويل استطاعوا أخيراً تحرير الكرت. فقال شربات:

    ـ ياخي شربتو كلو!

    ـ ياخي بتشرّط ولا يتبرّط. هو أتعمل خلاص. لاكين ـ علي اليمين ـ زهرة دي خطيرة!! تعرفوا، خط نازك ده إنتو ولا كنتو متخيلنو!!

    في مساء اليوم الرابع، لما عاد جومو إلى الداخلية، بدأت مراحل (الفيء والغنائم). فبعد أن أقنعه جيش قرف بمشروعية ماحدث، طُلب منه أن يكتب رسالة (شكر وعرفان) لشلة (سرب العصافير). قاموا بإملاء بعضها..

    "...

    ...

    وفي النهاية

    ... وأخص بالشكر، الصديقة النبيلة (نازك)، التي منحتني الصداقة وهي لم تك تعرف عني إلا محنتي. فأرجو أن تقبل (معزتي ) لها، إلى أن (نلتقي)".

    ومع بريد السادسة والنصف صباحاً، وصلت الرسالة إلى زهرة، التي رقصت إلى أن اكتمل سرب العصافير ثم فتحنها:

    إلى الصديقات العزيزات:

    زهرة، جليلة، أنهار، عزة، نازك..

    ..

    ...إلخ

    ولأول مرة تلوي نازك عنقها باتجاه الداخلية وهي عائدة في دربها اليومي، الذي اعتادته منذ مئات الأيام وفي الخاطر، حلم بلقاء أو حتى نظرة عابرة. وفي الليل وعلى ضفة المانج ظهرت بعض ملامح الفارس.

    كان أولاد قرف (الملاعين) قد راقبوا النجم في مداره، ولما تأكدوا من (الذي في بالهم)، أصدروا الأمر الحاسم (لا ظهور على الشاشة)، ثم:

    ـ أصبر لينا يومين كدة. وبطل حكاية (جالس على الجمر) دي.. وخلي الحكاية تسخن حبتين.

    قاموا بعملsharing بكل ما لديهم. واستهبل بطيخة والده في حسابات الدكان. وذهب شربات وخدع سائق اللوري صديق والده بأن "ناس المدرسة عايزين قروش الرحلة"! وذهبوا إلى السوق و اشتروا بالإضافة للجزمة (الكموش)، قميصاً وبنطالاً بمواصفات كموش. ثم أحضروا المقصات والأمواس "وساحوا في رأس الرفيق حلاقةً". ثلاثة أيام أخرى مرت وكانت نظرة العصفور تطول مع كل يوم. وفي اليوم الرابع، ونهاية الأسبوع، تم التوقيت لمنح نظرة عابرة.. ففي اللحظة التي مرت فيها العصفورة كان جومو في كامل أبهته على طرف السور ينفض منديله الأزرق من بلل الغسيل وكأنه غير آبه بما يجري حوله بعد الإخفاء التكتيكي البارع.

    استعادت (لحظة المنديل الأزرق) بعض الملامح الضائعة ولم تبق في الحس بقية عتمة. بقى أن تصدر الكواكب أمرها، ويتم الانتقال إلىحديقة السعادة الأبدية. وقد تدربت العينان الجميلتان على (قطر الندى) في ليالي المانج، وما على الأزهار إلا أن تنبثق.
    *******************
    في الرابع والعشرين من أغسطس، حُبس الناس داخل الجدران طوال ساعات النهار، بعد أن ظل المطر يهطل على المدينة منذ الحادية عشر صباحاً. وفي الثالثة بعد الظهر، وما يزال المطر يشرشر، خرجت نازك ـ عقب فشل سرب العصافير في إقناعها بالانتظار؛ فقد تجاوز الوقت حدود (قانون الحضور البيتي). كانت تحمل حقيبتها في حضنها، مغطاة بطرحتها، تاركة ضفائرها لبقايا الريح والمطر. تقفز فوق المياه هنا، وتضطر لمسايرة جدول إلى أن يرق قلبه ثم تعبر في لعبة الحبل الوهمي تلك.
    كان شربات، في وردية مراقبة الطريق بعد أن تجاسر أولاد قرف على البلل تاركين المدرسة قبل الساعة المرسومة تحسباً لأي تجاوزات قدرية. صاح شربات:
    "العصفورة ظهرت!!"
    ولما ظنوا أنها إحدى مقالبه ليحل محل أول كبكابة في تربيعة الكوتشينة، ليورطه في المراقبة، لم يأبه له أحد.
    فقفز صائحاً:
    "والله أنا بتكلم جد. قوموا يا جماعة!!"
    فقام على إسماعيل وهو يمسك بأوراقه حتى إن بدا في الأمر مقلب، يمكنه ممارسة (الخرخرة) وفي يده أدوات الضغط. ولما تاوق من النافذة وقذف بالأوراق؛ تأكد البقية من صدق الحكاية.
    تم إعادة إرتجال الخطة، فأمروا فريني أن ينتتحل شخصية (الصنفور) في الزاوية البعيدة التي اسمها اسكب (scope) على وزن الفيلم (أسكوب وألوان). وبعد اجتهادات مضنية، تم تأكيد المكياج:
    شربات يسرح الشعر.
    سيد شطة يصلح الشَّكة.
    وعلى إسماعيل (يقتنع).. ثم:
    "يالاّ يا بطل.. هيما ماليني قدامك .. وأوعك تنسي (الغُنا)".

    ذهب جومو إلى الزاوية الضيقة إياها، المقابلة للإسكوب. ومع شرشرات المطر، كان الارتباك يدب قليلاً قليلاً.. تداخلت خيالات لحظة اللقاء مع تهديدات قدرية محتملة.. الكلمات المرتبة بدأت تنفصل عقودها وتسبح في هلام.. في انتظار الأشارة. وفي اللحظة الحاسمة، أنزل فريني الصنفور. وخطوة، ثم يمين دور، ثم وجهاً لوجه مع (العدو)!

    لم تك نازك مستعدة للمفاجأة، فقد كان ذهنها مشغولا ًبقانون الحضور المنزلي. فتسمرت أما الماء الذي يسد الطريق عند العطفة. نظرت إليه ودق قلبها بعنف. فلاحظ هو الآخر، المرتبك، ارتجاف شفتيها. طارت كل كلمات (الأغنية) التي كان يحفظها عن ظهر قلب، ولم يجد أمامه إلا صدقة الشخصي، وبات مشفقاً عليها. فوضع طوبة في الماء وغمس جزمته الجديدة في الوحل:

    ـ تعالي عدي ..

    ومد يده وأمسك بيدها، وكطفلة صغيرة يعلمها المشي، عبر بها إلى الطرف الآخر.

    قالت:

    ـ شكراً..

    فعادت بعض الأكاذيب:

    ـ لا... شكراً للصدفة دي.. قالها بارتباك ظاهر، ثم:

    ـ أنا.. أنا.. أنا عايز أقول.. ليك..

    كانت خائفة فقالت:

    ـ أنا إتاخرت ..

    تجاسر:

    ـ طيب.. أشوفك متين؟

    ـ بكرة.. بكرة..

    تورطت في الوعد هرباً من الخوف الذي لم يكن هذه المرة من قانون الحضور المنزلي، وإنما من هول الموقف.
    في الوقت الذي كان يستلذ فيه ويستعيد شعب جمهورية قرف (طعم) المسكة التي أكدها فريني، كان العصفور هناك يحسب الساعات بضربات القلب "يا يوم بكرة ما تسرع " ويفتش عن وسيلة لبراح في لقاء الغد. ولكن يفاعة التجربة، وتاريخ التوحد وآثار الإنضباط التربوي قد وقفت جيمعها أمام أي حل ولم يبق إلا الدعاء والتضرع إلى الله أن يحلها. ولأول مرة تخطر بالبال الفكرة المشؤومة: "طيب لو كان عايز يشكرك وبس؟ تموتي طوالي.. أيوة.. تموتي..". كان الليل بحر للنجيب الصامت المحاصر بأنفاس سلمى، الأخت الكبيرة، شريكة الغرفة. قبل الذهاب إلى المدرسة. دغدغت الأنثى فيها أكثر مما مضى ووقفت أمام المرآة لمدة أطول. لعنت حبة الشباب (اللئيمة)، ولم تك تعرف أن هذه اللئيمة بالذات لها شأن عظيم، أعتنت بضفائرها أكثرمن أي يوم مضى ولم تك تعرف ـ أيضاً ـ أن فوضاها أكثر وقعاً. خرجت وفي بالها الرسالة التي عند زهرة (أمينة أرشيف السرب). ولما عتبت خارج بوابة المنزل أبصرت فارسها ضمن أفراد الشلة. خافت لأول مرة من شيء مجهول! فعادت إلى الداخل تلملم نفسها ولما فاجأتها أمها، أجابت:
    ـ نسيت قلمي. وما كانت الأم قد لاحظت ما لاحظته سلمى من تغيرأت حدثت لأختها. وعلى الباب تلصصت من الفتحة الصغيرة التي فتحتها وقارنت اللحظة بيوم (الغداء). ولما اطمأنت من خلو الطريق خرجت ومشت بسرعة تاركة هذا المكان الذي صار كل شبر فيه يثير توترها.

    في المدرسة. لم تستطع أن تطلب من زهرة الذي في بالها. بالرغم مما صنعته الأيام القليلة الماضية من لطف. كانت زهرة هي مركز الدائرة ومصدر الثقة والجرأة. فدارت بينهما أحاديث خالية من الأسرار. إلا أن زهرة أحست بتطور المسألة بالرغم من أن بريد الصباح تغيب لسبب ما، ‍فساقتها إلى المكان إياه، ولوحدهما هناك، ثم سألتها:

    ـ إنتي يا نازك إحنا مش بقينا أصحاب؟

    ـ أيوة!

    ـ طيب إنتي ما بتحكي لي مالك؟

    وكان ذلك ما تحتاجه نازك في تلك اللحظة. بعد أن كانت عزة تغلق السيرة!؟؟ وبكلمات مواربة، استطاعت أن توصل لزهرة معلومة واحدة:

    "صاحبكم أمس كقطعني الموية".

    ـ أمس متين؟؟

    ـ لمن كنت راجعة من هنا..

    ـ إنتي ليه بتقولي صاحبكم؟؟ مش صاحبنا كلنا؟؟

    ـ أيوة. آسفة..

    ـ وهو قال ليك شنو؟؟

    ـ لا دة بس قطعني الموية ومشى..

    ـ أنا ما قلت ليك ده ولد زوق.. وإنتي لو عرفتيهو أكثر حتصدقيني..

    ـ قولي يا نازك. إحنا مش اتفقنا إننا أصحاب؟ وبعدين أهم شيء في الصداقة الناس يكونوا صريحين مع بعض؟؟

    ـ أيوة بس.. أنا كنت عايزة أقول يعني أنا عايزة أشكره على العملو معاي..

    ـ إنتي أمبارح ما شكرتيهو ليه؟

    ـ ما عارفه.. أنا كنت خايفة.. أقصد مستعجلة..

    ـ برضو كويس.. إنتي لمن تلاقيهو تاني أشكريهو.

    فكرت نازك قليلاً ثم قالت:

    ـ يعني يا زهرة، أنا بقول يعني عشان إنتي صاحبتم من زمان، تقولي ليهو أنا بشكره.

    ـ بس يا نازك الحكاية دي بسيطة. وإنتي عارفة أنا ما بمرق من السجن ده إلا يوم الخميس. وبعدين الشكر ده ما بنفع يوصلوا زول.

    ـ طيب يعني أنا ممكن أقول ليهو شنو مثلاً؟ إنتي عارفة أنا ما بعرف أتكلم مع الأولاد، وما بعرف أعبِّر؟؟

    فهمت زهرة الموقف فقالت:

    ـ شوفي يا ستي إذا إنتي خائفة ما تعرفي تعبري كويس لمن تلاقيه، أمشي أكتبي جواب قولي أي حاجة إنتي عايزاها بالراحة كدة. ولمن تلاقيه أديهو الجواب.‍

    ـ لا... لا.. ما بقدر! ‍‍

    ـ ما بتقدري على شنو؟

    ـ ما بقدر أديهو الجواب..

    ـ بسيطة يا ستي. إنتي بس أمشي أكتبيهو، ودخليهو في ظرف، وجيبيهو لي، أنا بعرف أوصول ليك.

    ـ والله جد؟! آآي يا زهرة ... أنا بحبك ..
    وذابتا في الأحضان.
    عند الغروب، كان أولاد قرف في سرادق العزاء!!‍ لم يبق إلا آخر أمل مع عودة على إسماعيل الكضاب، الذي ذهب (يشمشم) الأخبار. ففي آخر النهار، مر العصفور مختبئاً وسط سرب لا نهاية له! ‍ كان يبدو صارماً للغاية ـ في مشيته ـ ولم يلتفت أبداً كما كان يفعل! لقد ضرب كل خططهم التي وضبوها لساعات بعد أن خذلهم ساعي البريد في الصباح. فوضعوا كل الاحتمالات. ولكن وراء كل مكر مكر، وفوق كل طريقة طرائق أخرى. وأن للصدق الكامل أيضاً مكره الخاص به!!‍
    كان جومو جالساً على سريره قبالة الحائط كراهب لا يكلم أحداً. بطيخة وشطة قد تسيبا عن بيتيهما ذلك اليوم، ولم يتغد أحد. وظلوا في جمرة القلق إلى أن جاء على إسماعيل، فدخل ووقع فيهم ركلاً ولكماً من الأمام ومن الخلف حتى ظنوا أنه جنَّ، ففروا من أمامه بمن فيهم بطيخة، الذي كان يستغل حجمة للجم نزعات علي إسماعيل العدوانية. وبعد ابتعادهم عن حلبة الركل (الكضابي) ناداهم:

    "تعالوا هنا يا بجم .. تكتيك!!‍‍"

    وإخرج شارة النصر المبين. ولم يصدقوا أن هذه الرسالة من نازك مباشرة. فأخرج على إسماعيل الكرت وطالبهم بمقارنة الخط: (نازك) و(يجدك كما أود). واستناداً إلى قوانين (الإشتراكية الطبيعية)،نزع الظرف وقذف به بعيداً، ثم بسط الرسالة دون أن تجد نزعه (الملكية الفردية) أي مجال ..

    "بسم الله الرحمن الرحيم

    تحية أرق من النسيم

    صديقي الغالي

    سلام الله يغشاك

    وعين الله ترعاك

    و.... و....

    وانزلق القلب في القلم:

    ... ولو فرقتنا الليالي سيجمعنا الصباح..

    ... ولم تغيب عن تفكيري..

    آسفة لأني مضطرة رسلت ليك أقوالي في الجواب، لكن لما تعرف السبب تعذرني ..

    أرجوك تقبل (معزتي) لك

    و...

    و...

    صديقتك الوفية (نون)

    وقد تم تمرير القلم مرتين على كلمتي (الغالي) و(معزتي) ثم (الوفية). وانقلب سرادق العزاء الوهمي إلى هيصة كلفت أولاد قرف ثماني جلدات لكل، لما سببوه من إزعاج في الداخلية، بعد الوقت المسموح به ـ عرفياً ـ للهيّيص الممنوع أصلاً.

    وبين أستار الليل، تحول نشيد الإنشاد إلى (أعمال الرسل):

    نون "يا سوسنة الأودية" ..

    النهار ينطفيء، وها أنت نجمة تضيء عتمات الليل،

    نون يا أميرة البحار، ياوردة الزمان يا ..

    عصفورتي "اللائذة بشقوق الصخر ومخابئ المعاقل أريني وجهك"، خدك اللأيسر، وحبة الشباب ياجميلة الشباب. "أمسعيني صوتك لأن صوتك عذب ومحياك رائع".. عيناك وردتان، وأنفك شامخ كجبل (جلعاد)، ابتسامتك صلاة عيد، قامتك أشجار الجسر، ونهداك مثل العناقيد. أعبري قوس الليمون تعالي وأذهبي ..

    ...

    إن لحظة لقائنا ستكون الاحتفال

    محبك إلى الأبد (جومو).

    نفذ كتاب الحب (أمر التحرك) ووصل إلي زهرة. و هنا، أصبح التلصص قبل الخروج عادة.‍ فبعد أن تم مسح المكان جيداً والتاكد من خلوه ما يربك القلب والمشية، خرجت التي كانت نازك في طريق المدرسة، آملة أن لا تكون الرسالة قد أُرسلت‍ خوفاً على ما (تهورت) وصرحت به في لحظة صدقها وهي لم تعد متأكدة من أنها كتبت صديقي أم (حبيبي). ولكن زهرة عاجلتها بجرة كادت تسقطها أرضاً. وفي ركن العصافير، سلمتها الرسالة المنتفخة ومعها أول درس في كيفية إرسال الرسائل.

    أنجز أولاد قرف المهمة الضارية، وبعد الهيصة الجوانية، التي انتهت بالجلدة إياها، هاهم يستعدون للهيصة البرانية؛ والتغميس عند (بيت زوبا). ولكنهم هذه المرة فشلوا في إقناع (العريس) بالذهاب معهم!‍ فقد صرح بأنه ثمل بخمر الرسالة، ومغمس في البنفسج. وأنه لا يريد أن يلوث طعم الأنامل السحرية (الطاعمة) منذ ذكرى يوم المطر. وأنه صار أبو أولاد. فقال شربات:

    ـ إنت متين بديت!!؟ إنت باين عليك (راجل المرة الواحدة). ما ياهو الكضاب بجاي.. وبجاي؟‍

    فعلق سيد شطة:

    ـ تعرف دة باين عليهو قاعد يغمس في صابون نون البنفسجي..

    ثم أضاف:

    ـ ياخي بطِّل قوم أراح ..

    ـ ده إنت ياشطة القاعد تعمل كدة..

    ـ أنا براي؟؟ ما القطر ده كلو قاعد يعمل كدة!!

    تدخل شربات:

    ـ والله أنا غايتو بطلت أعمل الحكاية دي.. ومال قُداحة (فوق) دي البغمس فيها منو؟

    ولكن أبو خمسين استنفر أفكاره الخبيثة:

    ـ إنتو يا جماعة، خليكم من قداحة (فوق) دي.. إنتو القداحة الما شامة ريحة التغميس دي بتستعمل باتو صابون؟ معقول تكون قاعدة ساكت كدة؟؟

    ـ والله ده سؤوال!! ‍‍إنت يا أبو خمسين عبقريتك دي كانت وين؟ قال على إسماعيل مندهشاً.

    فعلق شربات:

    ـ يا ربي يكون بالداندرما؟؟

    ـ خبيث. عاجله شطة.

    ومضوا تاركين العريس مع (أعمال الرسل).
    ****
    كانت سلمى، بسبب فارق العمر، والمراحل الدراسية، قد توطدت علاقتها بحسني بنت أستاذ عباس ـ وكيل المدرسة ـ التي هي جارتها وزميلتها في الصف الدراسي. وبسبب هذه الوضعية، كانت الفرصة لطالبتي السنة الثانية الثانوية للخرق المتبادل لقوانين الحضور المنزلي؛ "ماشة وين؟"، "ماشة لحسني". "جاية من وين ؟"، "جاية من سلمى". وتم افتعال حكاية المذاكرة المشتركة، لصنع الحياة الخاصة. ولما كان لحسنى أفضلية (الحجرة لوحدها)، بالإضافة لليبرالية النسبية لأستاذ عباس، فقد تم التحول التدريجي إلى غرفتها. هذا بالإضافة طبعاً للابتعاد عن نازك، التي كانتا تعتبرانها (جاسوسة) محتملة. وقد كان لذلك الأثر في مط المسافة بين الأختين من جهة، ولكن من جهة أخرى فقد أخلى الجو لنازك. ففي أغلب الأيام حتى التاسعة والنصف مساء. وفي يوم الخميس، حتى الحادية عشر ـ عندما تكون سهرة الإذاعة (حلوة).
    وجدت نازك البراح ذلك المساء. وفي عمق تمثيلية المذاكرة، أو البنت الممتحننة، أخرجت الرسالة. مسدتها بأناملها الراعشة. بدأت تفتحها، وقد بدا لها صوت تمزيق الظرف مسموعاً لجهة ما‍! ففتحته بحرص حتى لا تتسرب الخشخشات إلى خارج الحجرة المغلق بابها بجحة جاهزة تحسباً للطوارئ "الكديسة دي جننتني".

    "نون يا سوسنة الأودية."

    طارت وجقلبت في أرجاء الغرفة، ثم عادت إلى السرير متجاوزة متن الرسالة إلى آخر صفحاتها..

    محبك إلى الأبد.. (جومو)

    لم تصدق ما رأت، وأدخلت الرسالة بين نهديها وضغت عليها بالوسادة. وغرقت في بحر الحلم الطويل. وقد كان ثمن هذا الحلم أن كلف (المحب الأبدي) يوماً إضافياً كان أطول من القرون، في أنتظار رد الرسالة. ولما دفعت سلمى الباب في العاشرة إلا الربع، وجدته متربساً من الداخل؛ مما أضطرها إلى طرقه بنزق أطار الحلم عن مخدعه. ومع شمس اليوم الجديد، غرقت زهرة في الأحضان والقبل ثم:

    ـ يعني أن ما قادرة أشكرك كيف يا زهرة!!

    ـ مش إحنا أصحاب؟ ما تقولي كدة تاني يا نازك.. إنتي فرحانة؟

    ـ أنا!؟ اللــــــه!! أنا بموت من الفرح..

    ـ خلاص.. ده أهم شي..

    ثم بحر أحضان وموج قبل.

    وفي تلك اللحظة أطلت عزة:

    ـ في شنو ياجماعة؟؟ ما تفرحونا معاكم؟ وإنتي يا نازك بقيتي اليومين ديل تجي أبدر مني.. الظاهر زهرة دي خطفتك مننا؟؟

    ـ لا والله ياعزة.. دة نحن كلنا أصحاب..

    ـ طيب احكوا لينا.. فرحانين كدة مالكم؟؟

    أحكيك.. أحكيك.. أحكيك.. وأسبلت الخيبة على المعزات التي كانت تنتظر لحظة عبور الجسر. فها هو (الجسر) قد وقع في الشرك قبل المجسور إليه!! وذهبت كل التفاصيل التي في الخيال أدراج الريح. أغمضت عزة عينيها بعد ومضة الصحو الصغيرة ولم تفتحها إلا في الليل وهي تنظر إلى اللوحة المعلقة على الجدران، وبها صورة النورس العائد إلى البحر. لم يعرف أحد تلك القصة قط!

    صارت لنازك عادة ثانية ـ غيرالتلصص قبل الخروج ـ وهي عادة إغلاق الباب (من الكديسة). وكان صريف القلم هذه المرة أكثر جرأة وصراحة:

    حبيبي (جو)

    ومن هذه اللحظة فصاعداً، فقد جومو نصف اسمه وصار يمشي في البرية هكذا!

    أسمح لي أن أهديك أعز ما أملك.

    فعاد كتاب (قصة حب على ضفاف المانج) أدراجه معطراً!

    ... وأرجوك أن تحتفظ به في كل أيام حبنا ..

    ...

    ...

    محبوبتك إلى الأبد (نون).

    قرأ جو الكتاب. هذه المرة بعيون أخرى، بالرغم من أنه كان يحفظه عن ظهر قلب من كثرة ما طالعه. ولكن ظهرت مشكلة!! فلم يستطع أحد التحديد القاطع إزاء لمن تكون ملكية الكتاب. أهي لعلي إسماعيل الذي اشتراه بحر ماله؟ أم لجو الذي أهدته له حبيبته معطراً؟ لكن، على كل حال، كانت الأغلبية قد انحازت لجو في النهاية.

    ولما حكى جو كيفية وصول الرسالة والكتاب إليه صرخ أبو خمسين:

    ـ بت الكلب! كنا قايلنها ملاك.. أتاريها إبليس أبو ضنيب!

    فرد عليه علي إسماعيل الذي لحقه طرف السوط:

    ـ بدون إساءات بالله.

    وفي ذلك المنعطف الذي التقيا فيه أول مرة على ذاكرة المطر، صار يتم تبادل الرسائل كل يوم:

    حبيبي جو

    ...

    ....

    إلى الأبد ..

    نون
    نون يا سوسنة الأودية

    ...

    ...

    ...

    إلى الأبد ..

    جو

    ولكن نون كانت لا تستطيع النظر إلى وجهه كاملاً! كانت نظراتها تقف عند الزغيبات التي (تدّعي) أنها شارب. فكانت تخاف عينيه. وحتى في الصورة، كانت لا تستطيع التحديق فيهما. أنهما (شيء) لا تفسير له! وخلال أيام، كانت نون قد طالعت كل ما توفر من كتب الرومانسية:

    مادجولين، روميو وجوليت، (بحيرة عصافير الجنة) و... و...

    وصار يتم تبادل الوعود في الوقفات القصيرة المسروقة من ذاكرة الزمان:

    ـ شايف الرز ده.. أنا الليلة حأتعشى ليك معاي!

    ـ شايفة الفستان الجميل دة.. أناحأشتريهو ليك.

    ـ شايف التنونين الصغار السمحين ديل؟ حيكون عندنا أولاد زيهم.

    وتغطي وجهها بطرحتها.

    ـ شايفة البيت الجميل دة.. حنعيش في واحد زيو..

    ـ شايف

    ـ شايفة

    ـ ...

    ـ ...

    في السادس عشر من أكتوبر، فوجئت سلمى، وهي عائدة من المذاكرة الوهمية ـ مع حسنى في غرفة الحرية ـ بالجاسوسة تمد إليها صورة طارق، الملقب بدون جوان، ورسالة مكتوبة بخط جميل!

    ولما لملمت سلمى نفسها صاحت:

    ـ جيبي هنا.

    ولما تاكدت من أن أدوات الجريمة بين يديها صرخت في وجه نون:

    ـ إنتي جبتي الحاجات دي من وين يا جاسوسة؟؟ أنا عارافاك يا حاقدة، تكوني فتحتي شنطتي وسرقتيهم.. هي وصلت لكدة!؟؟

    شعرت نون بالظلم وبكت ..

    ـ لا والله.. إنتي ليه بتعامليني كدة؟؟ أنا بس كنت بفرش في الملايات. وبصلح في المخدات، ولقيت (الحاجات) دي ودسيتها. لأني كنت خايفة تجي الخدامة ولا أي واحد وبعدين تحصل ليك مشكلة. ولما أحست سلمى بـ(شيء) من الصدق في كلام نون، راجعت في خاطرها ما لاحظته من تغيرات عليها، خاصة اهتمامها بنظافة ونظام الغرفة، ومسالة إغلاق الباب بحجة الكديسة ـ سألتها:

    ـ إنتي بتتكلمي جد؟

    ـ آيي والله... وأنا أكذب عليك ليه؟

    ـ شكراً يا نازك.. أنا كنت قايلاك لسة بت عويرة.

    ـ ...

    ـ ...

    والتقى الغرباء لأول مرة:

    ـ سلمى أنا بحبك.. إنتي بتعامليني كدة ليه؟

    ـ أنا ذاتي بحبك.. أنا آسفة.

    ومنذ تلك الليلة، خرجت الصحبة إلى بستانها وتفسحت. بدأت الحكايات تترى. ولما قرأت سلمى كتب نازك تمتنت الصداقة. وعرفت أن نازك صارت نون. وظهر جو في الشاشة. قرأت سلمى رسائله الملتهبة، فأعجبت بها أشد الإعجاب ونقلت منها عبارات كثيرة زينت بها رسائلها الغرامية بل وذهبت يوماً مخصوص لترى جو وتسلم عليه! ثم إنثال الحوار حول المصير المشترك ـ الذي كان مسكوتاً عنه. وناقشتا في ليال طويلة، مشكلة (السجن) الذي تعيشان فيه. ومع مرور الأيام صارت كل واحدة تعبر بصراحة عن حسرتها وهي تستعيد قصص صديقاتها حول التجول مع أحبابهن في العصريات وعبور الجسر..

    قالت سلمى:

    ـ ونحنا ما نمشي هناك إلا مع البوليس؟؟!

    ـ يخس عليك يا سلمي.. ما تقولي كدة على ماما..

    ـ أناما قاصدة..بس أنا زهجانة من الوضع ده. وكمان إيه قال! بعربية المدرسة، والسواق يؤدي ويجيب! في شنو عليك الله؟؟

    وهكذا يوم بعد يوم، إلى أن تجرأت سلمى وألقت بفكرة المغامرة المرعبة على طاولة المفاوضات.

    ـ إنتي عارفه يانازك أنا بحب طارق.

    ـ أيوه.. عارفة!

    ـ يرضيك أنا أقعد مسجونة كدة ما ألقى فرصة واحدة ألاقيهو؟؟

    ـ لا والله.. بس إنتي مش قاعدة تلاقيهو؟

    ـ أيوة، بس زي ما إنتي قاعدة تلاقي جو وبس.

    ـ وإنتي عايزة يحصل شنو؟؟‍‍‍‍‍‍

    ـ إنتي مش قريتي كتاب (روميو وجوليت)؟

    ـ أيوة!! ‍‍‍‍‍‍‍

    ـ بس دي الحكاية كلها.

    ـ لكين...

    ـ ما لا كين ولا حاجة. نازك يعني أن عايزة أكلموا بالليل، ونكون برانا. طبعاً إنتي عارفه الشباك دة فيهو (نملية).

    ـ أيوة!!

    ـ يعني ما حتصل حاجة. وبعدين اتجاهو كويس، يعني زول من جوة البيت ما حيشوف حاجة، بس المشكلة الباب بتاع الأوضة وإنتي. أما أي حاجة بي برة، طارق حيتصرف... آها؟ قلتي شنو؟؟

    ـ والله أنا خايفة يا سلمى ..

    ـ مافي أي حاجة بتخوف. إنتي بس تقعدي جنب الباب، ولو سمعتي أي حاجة كدة ولا كدة تنبهيني... وبعدين دة كله عشان الحرص بس، لأنو ما في حاجة حتحصل. قلتي شنو؟

    وعلى مضض وافقت نازك.

    في يوم الخميس، عادت سلمى مبكرة من برنامج المذاكرة، و(هاك يا استحمام وهاك يا روائح). في العاشرة والنصف بدأ العد التنازلي:

    "إنتي يا نازك خليك جنب الباب.. ولو سمعتي أي حاجة تقومي براحة وتنبهيني.."

    وتمت إماطة الكراسي والترابيز والشباشب، وكل أنماط (الأذى) عن الطريق.

    "ولو حصل أي حاجة، نعمل نايمين.. سامعة؟"

    وهكذا سمعت نازك لأول مرة وقع أقدام النمل، و(جعير) الريح، وكل أصوات الكائنات الليلية ـ ماخلق الله وما لم يخلق بعد ـ وهي جالسة قرب الباب. بينما سلمى تراقب الأشباح التي تمر من هنا ومن هناك. وتسمع أصوات أقدام في الظلام لا تأتي أبداً!!

    وظلتا هكذا إلى أن صعد صوت عم عبده الجليل أدراج الصمت الصاخب الطويل: "أسبحنا و أسبح الملك لله"، فأغلقت سلمى النافذة وبكت طويلاً على صدر نون.

    كانت نون أكثرحنقاً لدرجة أنها، في كابوس، رأت نفسها تخنق هذا (الطارق) (الخائن)، (الجبان)، بعد أن حكت لها سلمى قصة عذره (القبيح).

    "آجي ليه؟... إنتي عايزة يعضيني كلب؟"

    قد اضطرت هذه الإجابة نون أن تستلف الكتاب من جو مرة أخرى لإقناع سلمى بأن الحب (حقيقة). ‍ولم يعد إليه الكتاب بعد ذلك. وبعد أن اثبتت القصة نظرياً، أرادت أن تؤكدها عمليا ً‍ فطلبت من سلمى أن تساعدها كما ساعدتها هي في تلك الليلة (المشئومة). وبنفس الحجج ـ بالإضافة لحجة رد الجميل.

    وهكذا استجاب الله لدعاء جو. ولما كان الأمر هذه المرة في غاية الجدية، فقد جاء (الأمر) صريحاً بأن لا يعرف أي مخلوق بذلك.

    وعلى أساس كذبة سلوكية، وفي العاشرة النصف تحرك جو. وقد ظن على إسماعيل أنه ذاهب للقيام بـ(أعمال الرسل) كما كان يفعل في الأيام الفائتة. ولم يلاحظ أحد استلافه لساعة سيد شطة الذي بدوره لم يك يعرف إلى أين ساعته ذاهبة.

    أشعل جو سيجارة ومع ضوئها تأكد أن الساعة هي العاشرة والنصف إلا خمس دقائق، فأنتهت مهمة ساعة شطة، وبدأ الزمن الداخلي. حمل معه القلم والكراسة لزوم التضليل وخرج.

    وبينما كانت سلمى جالسة قرب الباب تراقب (بوفاء)، أبصرت نون وهي ترقص في الظلام.

    ـ نون ..

    ـ جو

    مسحت الأيادي النملية..

    ـ جو يا حبيبي.

    ـ نون يا حبيبتي

    ـ وقبلا بعضهما ـ من وراء النملية ـ طويلاً..

    ـ أحبك

    ـ أحبك ..

    ـ حبيبتي

    ـ حبيبي

    ـ آهـ

    ـ آهـ

    وكذلك مرت ساعات الليل سريعاً على المساجين.. سمعت نون هسهسة ونحيب سلمى الذي ظل يغالب نفسه لزمان طويل فقالت:

    ـ خلاص.. نتلاقى يوم تاني.

    ـ طيب خليني ألمسك..

    ـ لكين كيف؟

    ـ والله ماعارف.. بس أنا عايز ألمسك.

    فتذكرت نون الثقب الصغير أسفل النملية، الذي كانت تلقي عبره (اللبانة) إلى الخارج فقالت:

    ـ نزل يدك تحت.. تلقى (قدَّة).. لقيتها؟

    ـ أيوة.

    ـ إنت عايز تلمسني وين؟

    ـ أنفك.

    وانحنت نون، ولما كانت (القدَّة) قرب أسفل النميلة، أضطرت إلى (سجدة الخد)!

    فأدخل جو أصبعه وتحسس أنفها وهمس على طريقة الرسائل:

    ـ اللــه أنفك (شامخ) كجبل جلعاد...

    ـ خلاص؟؟

    ـ كمان شفتك..

    ومرر أصبعه على شفتيها..

    ـ خلاص؟؟

    ـ آخر حاجة بس عليك الله

    ـ وين؟؟

    ـ حلمتك.

    ـ لكين المحلة دي صعبة!

    ـ حاولي..

    وتعبت في (المحاولة) ثم:

    ـ ياها..

    فمسد عليها كتلميذ في ثالث أيامه المدرسية، يمسح من على كراسته خطأ في حرف (نا نمر).

    ـ آآخ.. خلاص... أنا تعبت.

    ـ تصبحي على خير

    ـ تص ...
    ***********************
    2
    اللعبة الخطرة
    سيرة (المدينة)
    انت الأيام تمضي. "والليالي جميلة حالمة". شمس ديسمبر تتهادى في مدارها. ومدارات (المدينة) تنعم بشتاء دافئ وشفيف. لم تعكره في ذلك اليوم رياح. ولكن غبشة العالم تؤكد بعضاً من حضورها. فالأرض تقضي أجازتها السنوية في استراحتها، بعد موسم أمطار عارم، والأجسام (تريِّة) برحيق الحصاد الوافر ذلك العام، الخواطر مطمئنة، وأشياء القلوب في انتظار بهجة ما ينتظرها من احتفالات مؤجلة. وطلاب المدرسة الشرقية في دوامة الغسيل والكي، وإزالة الأزاغيب.

    اليوم تحديداً هو الرابع عشر من ديسمبر.. كبقية أيام الأسبوع، إلى أن حلت الساعة العاشرة إلا الربع صباحاً. وقد عاد الطلاب من فُسحة الفطور. ودخل بعضهم إلى الفصل يستذكر درس الحصة الثالثة ـ ذلكم المجد المجتهد، أما البعض الآخر، من أمثال أولاد قرف، فيمارس عاداته المعروفة!

    كان جو جالساً بجانب الحائط الجنوبي للفصل، قبالة الشمس، يتأمل صورة في خياله، دق الجرس قبل وقته المعهود! لذلك أندهش البعض! وظنوا أنها (دقسة) من ساعة عم محمود، فراش المدرسة. ولكن أولاد قرف قد ارتجفوا! فقد هجسوا أن شيئاً من بعض أمورهم قد تجاوز أستاذ عساكر. وفي غمرة الترقب والخوف، والتساؤلات والظنون، نزلت الطامة!! فقد سمع شربات من أحد الطلاب العابرين ـ الذي كان يشير إلى جمهرة على حواف عربة اللاندروفر الواقفة أمام بيت السيد المدير ـ أن:

    "خلاص، سيادتو نقلوه وريحونا.."

    ـ ؟!!!!!

    أمر أستاذ عباس الطلاب بالتوجه إلى مكان الطابور، وشرح للقريبين منه أن السيد المدير يريد أن يلقي عليهم خطبته الأخيرة (!!)

    تجمع الطلاب في مكان الطابور المعهود..

    أمسك شربات بجو وسأله بشغف:

    ـ إنت كنت عارف!؟

    ـ عارف شنو يا شربات يا خي!؟

    ـ طيب إنت ما لاقيتها؟ وهي، ما قالت ليك؟!

    ـ تقول لي شنو يا خي؟ ما إنت عارف أنا عندي يومين كنت ما فيش!

    دخل ركب (الأستاذة الأجلاء) يتقدمهم أستاذ عباس، واتجهوا إلى عتبة المسرح وواجهوا الطلاب في وقفتهم مثلين حزنهم على فقد زميلهم (السيد المدير). وبعد هنيهة، سُمعت كعكعات جزمة المدير تشق الصمت، فالتفت الجميع إليه، وهو يمشي مشيته العسكرية، وبنفس بنطاله الذي يضرب به المثل في النظافة والكي..

    صفق أستاذ (حِتَّىْ) المعروف بمنافقته للسيد المدير، فدوى التصفيق من بعده. وتردد الصدى من الزنك حتى أوقف المارة الذين مدوا رقابهم يستنظرون!

    وصل السيد المدير إلى مقام الأساتذة الأجلاء. وهبط أستاذ عباس إلى وسط الطابور. فبسمل وحمد الله وشكره. وصدع بكلمة الأساتذة؛ مقرظاً السيد المدير، ومتحسراً على انقضاء أيامه في المدرسة، وبهذه الطريقة المفاجئة ـ وقد تحسر آخرون دون شك ـ وفي نهاية كلمته المؤثرة، قدم أستاذ عباس سيادة المدير ليلقي خطبته الأخيرة.

    نزل السيد المدير بتؤدة، ومشى بخطواته التي يحسد عليها. ومن وسط الطابور بث خطبته ذات الإكليشيهات المحفوظة. بلغته الفصيحة (جداً)، والتي صقلتها خمس وعشرون سنة من تدريس اللغة العربية والتزمت البلاغي:

    "أبنائي الطلبة.. أنتم عماد المستقبل.. سؤدد الأمة. ومجد الوطن.. وإنكم... و... و... "

    وفي نهاية إكليشيهاته، أكد ما ذكره أستاذ عباس من أنه قد تم اختياره في الاتحاد الاشتراكي ليصبح أميناً لللمنظمات الفئوية والجماهيرية بمديرية (القاش)! وأكد أن عزاءه في فراق مهنة التدريس هو خدمة (الأمة).

    ولما انتهى، ووسط دوي التصفيق، انحشر أستاذ (حتى) ودس على الجميع اقتراحه المفاجئ بأن تصطف المدرسة على السور لإلقاء تحية وتلاويح الوداع على عربة السيد المدير، كما يحدث مع (مسئولي) ذلك الزمان!! وفي هذا الجو لم يجد أحد سبيلاً للاعتراض. فنزل الأساتذة ومشوا خلف السيد المدير، واصطف الطلبة على امتداد السور.

    كانت العربة مشحونة بما خف من عفش السيد المدير؛ زوجته بجوارالسائق، وسلمى ونازك فوق المنقولات على الجزء الخلفي من العربة. بدت سلمى بوجهها الكاكاوي، شبه المستدير وعينيها الجميلتين، وقوامها المتوسط المائل إلى الفراعة، مرتدية طرحة لازوردية، وبلوزة ذات مزاج صباحي، واسكيرت أسود بنجمات بيضاء، حذاؤها مغلق. وبان ساقاها الممتلئان. وكانت نازك على يسارها أفرع قليلاً، برغم صغر سنها، مائلة إلى القمح قليلاً، ممتلئة، أنفها (شامخ) كجبل جلعاد. خصلة من شعرها يتلاعب بها الهواء. طرحتها المائلة إلى الرمادي ساقطة على كتفيها، صدرها نافر، بلوزتها بيضاء واسكيرتها أسود بزرائر من الأمام، وتلبس شبطها المدرسي الأنيق، وشراباً أبيض بدوائر حمراء وخضراء متتالية، وطرف من سويتيانها ذي النزعة الوردية بائن من خلال مفترق زرارتين.

    مر طابور الأساتذة وودعوهما. ثم ودّعوا السيد المدير وزوجته:

    بالتوفيق... بالتوفيق.

    باي . باي

    وتحركت العربة ببطء، أصوات من هنا ومن هناك والعربة تزحف كموكب دكتاتور في عيد إنقلابه ـ الذي إسمه (الثورة). تاكدت سلمى من وضع طرحتها على رأسها. أما نازك، فلم تأبه لشيء. كانت تتفرس الوجوه واحداً واحداً، وبجرأة لم تعرفها من قبل. وفي وسط (الهيلمانة) وقعت عينها على عصابة قرف. دق قلبها. وفي عمق الزحام أبصرت وجه جو. ولما تأكدت من أنه عرف أنها أبصرته؛ جرت طرحتها وأسبلتها على وجهها وضمت التوأميين (ذكرى وأمل).

    ولما تجاوزت العربة آخر التلويحات، وبدأت (تغذ الخطى)، بلغ السيل الزبى، وكسر الحواجز، والسدود. ومن داخل هرجلة الزملاء، رفاق النظام واللانظام، واجترارات الأساتذة لسيرة الذي كان قبل قليل رئيسهم، تسلق جو سور المدرس وجرى خلف العربة كما تجرى الرياح!!!

    ألقى الأساتذة بالأمر، فهرع الرفاق ليمسكوا به. واتخذ البعض من الموضوع مهزلة للتسلية، وتعالى الصياح:

    ـ أمسكوه.. أمسكوه

    ـ جو.. جو ..

    ـ جنّ.. جنّ..

    ولما فتحت نون عينيها الذارفتين، رأت من وراء دموعها (الفتى) يسبح من الضفة الأخرى. فكرت في القفز والسباحة. ولكن الأنثى المدججة بتاريخ الرعب الطويل، لم تزودها إلا بشجاعة البكاء المرير، فرأت صورته تتكسر في أمواج دموعها. وكانت سلمى تصيح:

    "ووب عليّ الليلة!!

    ..الليلة ووب عليْ..!!"

    وفي تلك اللحظة سمع السيد المدير الجلبة، فأمر السائق بالتوقف ليستطلع الأمر. نزلت الست (أم العيال) مرتجفة! فقد ظنت أن إحدى بناتها سقطت من العربة. رأى السيد المدير المدرسة كلها تجري وراءه ولكن الدهشة تبخرت لما رأى جو واقفاً على بعد أمتار، ونون غارقة في البكاء والنشيج.

    أمره بصرامة:

    "أرجع يا ولد. يا قليل الأدب!!"

    ولم يتزحزح جو من وقفته وتحديقه. ولما كر السيد المدير ببصره ورأى جمهرة اللاحقين، انزاحت عن الإطار صورة الرجل التربوي وحلت محلها صورة الأب البدوي المختبئ منذ قرون طويلة.

    أمر نازك بالنزول، فقفزت خوفاً؛ وأمر زوجته بالصعود إلى جوار سلمى، فصعدت.. ثم:

    بيده اليمنى كوّر ضفيرة نون الخلفية وأدار وجهها إلى الأرض وحشرها في المكان الذي كانت تجلس فيه أمها. وأمر السائق أن يقود العربة بأقصى سرعة، فغطى فغطى الغبار وجه جو الذي أغمى عليه وهو يحتضن صورة الضفيرة المكورة التي ظلت لا تفارقة لزمان طويل!!

    لم يك في المدينة ـ في تلك الأيام ـ ما هو أهم من سيرة الحادثة التي إنتشرت وتداولتها (وكالات الأنباء)، وبثتها على الشوارع والأندية والبيوت، ثم بخرتها في (القعدات) وميادين الكرة والدواوين، في جلسات الجبنة والمشاط، وفي (حي فوق) وبين ستات الشاي وبائعات الفول والتسالي. ولكن أكثر الأماكن استبسالاً في القضية هي المدرسة الأميرية، التي كانت قبل (الفاصلة) مسرح الغزلان وبينهن الملكة. فقد تصادمت الشهقات والآهات. وانذرفت الدموع قدر ما أغرق الأرخبيلات والجبال الأبدية. أنها لم تكن دموعاً للحزن أو للفرح. هي دموع أخرى لم يخترع الناس لها اسماً بعد. كتبن على دفاترهن المدرسية تأريخ الطوفان وتاريخ القيامة، وما بينهما تاريخ نون. وأضطر المدرسون أن يعيدوا كل الدروس التي علقوها على شماعة تلك الأيام.

    كانت بالأمس ضحكة ورفلة، وأسرار مذاعة، والآن، ها هي حتى زهور الصباح لا تبدو كما كانت! المدرسة لم تعد الشمس، وهن لم يعدن أسراب الضياء. كل شيء معتم.

    عزة صامت إلى أن وجدت نفسها بجوار جو في المستشفى، أميرة كتبت رسائل إلى النبي، أم الحسن جلّدت كراستها البنفسجية بغلاف أسود. أنهار تخلت عن وضع (البهار) على وجهها. زهرة ربطت رأسها وظلت قبضتها منكمشة!!

    تضرر جميع العشاق، الحاضرين منهم والغائبين. ورغم اختلاف الحبيبات، إلا أنهن أشتركن في أمنية واحدة:

    (أن يكنّ نازك)

    ولاحظ وكيل المدرسة والمشرفة، الزيادة غيرالمعهودة ـ التي كانت في الحقيقة رحلة جماعية ـ في الذهاب إلى المستشفى. ولما راجعا دفاتر العلاج، وجدا أسماء جميع طالبات الصف الثالث، وثلاثة أرباع طالبات الصف الثاني، وعدد غير مسبوق من طالبات الصف الأول ‍تراوحت تحديدات الطبيب ما بين الصداع الشدىّ (T.H) و النزلات الانتهازية OP.C)) بسبب هبوط المناعة، وعلامات شرحتها المشرفة بأنها دورات طمث غير مكتملة! ‍‍‍‍‍‍جميع المريضات مررن والقين نظرة على النافذة القريبة من سرير الفارس النيزكي مثلما يمر الحجاج على الحجر الأسود، واحتقبن ذكرى تلك النافذة.

    في اليوم الثاني، اكتملت المعلومات الضرورية عن الفارس، أهمها بالنسبة للاتي لم تكن لهن سابق معرفة، أنه ذلك الولد الذي مثل دور ابن التاجر في مسرحية الشماشة في العام الماضي. ولسوء حظ مشاعرهن، فقد كان، بطبيعة الدور الذي أدّاه، أكثر وجاهة مماهو عليه في الواقع، مما نسف أي محاولة لاحتواء حالة العشق الجماعي الفريدة هذه.‍ وقد قامت الكثيرات بتأليف قصص وحكايات التقين فيها به وتبادلن معه الأحاديث ‍ وأخريات أكدن أنه غازلهن ‍وادعت أخرى أنها كانت لها (علاقة) به! ‍‍

    أقنعت زهرة علي إسماعيل الكضاب أن يجلب لها (كراسة القمر)، وهو بحدسه الماكر قد عرف المغزى، فقام بإضافة قصائد حب عارمة ـ مما كان يحفظ ـ دوّنها على الصفحات الفارغة من الكراسة، مقلداً خط صديقه جو. وازداد الطين بلة في الأميرية وحلت الطامة الكبرى بعد الاطلاع على كراسة القمر التي فيها ما لم يسمع به أحد من قبل. وتم تداولها بين جميع الأيادي الراعشة، ونسخت مرات عديدة. وبذلك صارت زهرة أخطر مراكز القوى في المدرسة؛ تتردد إليها الأخريات من أجل النسخ المباشر من هذا الدليل الخالد على عظمة الحب..

    ولما علم شربات بحكاية الكراس، أخرج من (عبه) إحدى أفكاره الجهنمية؛ ‍فقد ذهب إلى العنبر، وفتح حقيبته ونثر محتوياتها على السرير، وطار في الهواء "هيييووو" متناسياً محنة صديقه، ثم برك فوق المنثورات وبدا يقذف بها واحدا بعد الآخر، إلى أن عثر على الصورة الجماعية لشلة أولاد قرف. تلك التي أخذت لهم في بداية العام الدراسي، في استديو المنتزه، حاملة تاريخ ابتساماتهم، وأبهى لحظات وجودهم، وأجدّ ما كان لديهم من قمصان.

    أخذ الصورة ودسها في جيبه ونادى على إسماعيل وجره إلى الزقاق:

    ـ شوف يا أبو الكضاضيب، تدي الصورة دي لهيما ماليني بتاعتك.. فهمت؟

    قفز على إسماعيل من هول الفكرة وعلق قائلاً:

    ـ الله الله... حنكون أشهر من شامي كابور..

    ـ شامي كابور ولاّ كومار أبشلخة.. إنت بس أسرع وديها لناس هيما ماليني.

    ولما لامست الصورة أنامل زهرة، كانت جيوش اليقين قد اجتاحت أم الممالك، وطُبع خيال الوسامات على الصورة التي شبعت قبلاً؛ مائة وتسع وستون قبلة أحصاها التاريخ وغفل عن أخرى..

    شهد اليوم السادس تطورات أخرى للأحداث. فقد انتهز أستاذ عساكر ساعة فراغة أثناء الحصة الثالثة، وذهب إلى المستشفى لزيارة (البطل). وعلى بوابة العنبر ألقى التحايا على مرافقي المرضى وتجاذب معهم أطراف الحديث. وصار البعض يدلي بدلوه في الحادثة التي باتت معروفة، إلى أن هجم عليه (ود العمدة):

    ـ أكيد جاي تزور ولدكم بتاع الحكاية؟
    ـ أيوة.. أيوة.
    ـ والله أولاد الزمن دة بقوا قليلين أدب خلاص، يا خي بت المدير؟
    دة لازم تعاقبوه ..

    كان أستاذ عساكر قد سئم الحديث في هذا الموضوع خاصة بعد المجادلات مع بقية المدرسين حول التصرف (الأمثل) إزاء الموقف...
    وانحشر ود العمدة مرة أخرى:

    ـ ياخي إنتو طبعاً ناس تربويين وعارفين الحكاية كويس.. بالمناسبة: السيد المدير عينوه حاجة كبيرة في الاتحاد الاشتراكي..

    ـ أيوة.. أيوة

    تضايق أستاذ عساكر من تحشرات ود العمدة التي انتقلت من لجان ذلك الزمن إلى قضية التربية.. فقال:

    ـ عن إذنك.. أنا عايز أشوف الولد وراجع عندي حصص.. وقريبتك العيانة ربنا يديها العافية..

    ـ الله يبارك فيك يا أستاذ..

    تقدم أستاذ عساكر باتجاه السرير الذي كان خالياً، جلس على طرفه، وقد كانت كل الأشياء في أمكنتها.. مرت دقائق وهو يتفرس وجوه المرضى..

    خمس عشرة دقيقة مرت!

    عشرون!!

    تململ أستاذ عساكر ونظر إلى ساعته ثم خاطب المريض المجاور:

    ـ ياخي سلامات..

    ـ أهلاً يا أستاذ.

    ـ يا خي جارك دة وين؟

    ـ والله الراجل دة طلع من قبيل

    ـ ما قال ماشي وين؟

    ـ والله علمي علمك.. لكين كان لابس هدومو!

    ـ والله!؟ ‍‍

    وقام أستاذ عساكروذهب إلى بوابة العنبر. فهجم عليه ود العمدة مرة أخرى:

    ـ أها.. إنشالله الراجل بخير ـ مفخماً الراء بطريقة (الممسئولين).

    ـ لا.. هو ما موجود..

    ـ ما موجود‍!؟ كيف!!؟

    ـ والله قالوا مرق من قبيل ‍‍

    ـ لا.. لا لازم نسأل الممرضة..

    وتولى ود العمدة الأمر. وجاء يستاق واحدة من الممرضات. ولما اقتربت سألها أستاذ عساكر، فكانت الأجابة "علمي علمك"‍ وبدأ (حيص البيص). ودخل ود العمدة في مهاترات مع الممرضة وألقى محاضرة عن التسيب والإهمال. إلى أن جاءت الروضة كبيرة الممرضات:

    ـ أجِّي ياود العمدة!! إنت نسيت السكر السايب ولا مكنات الطواحين! وجاي تتكلم عن تسيبنا أنحنا!!؟؟

    فغير ود العمدة الموضوع إلى هزل:

    ـ دي إنتي يا حاجة الروضة؟ والله إنتي بتاعة مشاكل. ياخي لسانك دة البكون طفش العيانين.

    ـ لساني أنا ولا إنتو التطفشو المطرة؟

    ـ ها.. ها.. ها.. ضحك ود العمدة.

    وأثناء ذلك الجدال، عرف أستاذ عساكر أن جو شوهد خارجاً من البوابة الأخرى ‍وهنا رأى أن المسألة دخلت في باب المسئولية الشخصية، خاصة وأنه هو الذي أقنع أستاذ عباس باحتواء المسألة في حدودها المدرسية. ولم يبلغوا ولي أمر الطالب. ذهب أستاذ عساكر إلى الطبيب مستفسراً، فأكد له هذا أن (الولد صحته جيدة) وكان المفروض أن يعود إلى المدرسة في اليوم التالي، ولأن المريض لم يكن معه مرافق: "فالمستشفى ليست مسئولة عن اختفائه"!!
    عاد أستاذ عساكر إلى المدرسة وأخبر أستاذ عباس (المدير بالإنابة) بما حدث. وبسبب قلق أستاذ عباس. خرجا إلى موقف العربات بحثاًعن معلومة. ولكن جميع الكومسنجية أكدوا أنهم لم يروا شخصاً بالأوصاف إياها. فقال أستاذ عباس:

    ـ بعد دة.. مفيش غير نبلغ البوليس..

    ـ لا.. إحنا مرحلة البوليس دي لسة ما وصلناها. الود لسة قاعد في (المدينة) وأنا بعرف اطلعوا ليك.

    ـ كيف؟‍

    ـ دي خليها علي.

    دخل أستاذ عباس مكتبه ـ الذي لم يهنأ به ولو لدقيقة، فهو قد انتظر بإخلاص، ولسنوات طويلة لحظة الجلوس على هذا الكرسي. ولكن ها هي المصائب تهطل عليه من السماء! وقد كان في قمة القلق التشاؤمي بالرغم من تطمينات أستاذ عساكر بأن المسألة (عادية) وأنها مجرد صدفة. ‍

    وفي المكتب الثاني، استدعى أستاذ عساكر أولاد قرف. وبدون مقدمات أخبرهم بالحقيقة ثم أضاف:
    ـ أنا عايزكم في (المهمة) دي.
    واختار لها شاربات وأبو خمسين.. فضحكا ضحكة خبيثة اطمأن لها أستاذ عساكر فيما هو به مهموم. ثم تخابث عليهم:
    ـ تفتكروا هسي يكون وين؟
    ثم أضاف: "المرة دي مافيها جلد".
    فأخبراه بأنه سيكون في واحد من مكانين. قال:
    ـ الأول أنا عارفه. أها التاني وين؟
    ـ (حي فوق).. بيت زوبا..
    ـ الله الله!! وفيها زوبا كمان؟ أسمع يا ولد زوبا دي تطلع مين؟
    قالها بجدية مفتعلة.. فرد عليه شربات:
    ـ والله يا أستاذ، دي بعرفها أبو خمسين دة
    فانبهت أبوخمسين:
    ـ أنا!! ‍ أنا يا شربات!؟ مش إنت الوديتنا هناك أول مرة؟
    ـ أنا!!؟ خاف الله يا أبو خمسين!!
    ـ خلاص.. خلاص ـ صاح أستاذ عساكر ـ ما تضيعوا الوكت.
    وذهب أستاذ عساكر إلى أستاذ عباس وطمأنه. ودار بينهما جدال آخر في النظريات التربوية.
    اهتبل شربات وأبو خمسين الفرصة لعمل (خيانة كبرى). فبعد أن تم (إحياء) القوانين المتشددة في المدرسة بعد الحادثة ها هو أستاذ عساكر يمنحهما الفرصة، ويوكل إليها (المهمة) الأمر الذي أغاظ البقية. وبدلاً من الخروج من الباب، (تسيبا) من (الخُرم) الخلفي لسور المرسة كي لا يراهما أحد!
    وفي الهواء الطلق أخرج شربات خمسة عشر قرشاً وسأل أبو خمسين:
    ـ عندك كم؟
    أخرج أبو خمسين (خمسين قرشاً) ولوح بها في الهواء، فعلق شربات:
    "ياخي إنت خمسيناتك دي قاعد تبيِّضها؟!"
    وضربا أيديهما في الهواء بمرح ثم قال شربات:
    ـ والله أستاذ عساكر دة راجل (شربات).. إتخيل ال########ين ديل هسي يكونوا قاعدين في الحصة ميتين من الغيظ ونحنا هنا قادليلين!! وحاكي مشية النساء.
    ـ كدة خليك من القدلة دي.. أسي نحنا حنمشي وين أول؟ تام زين ولا زوبا؟؟
    ـ وإنت زوبا دي خاتّيها في الآخر مالك؟ ولا إنت لسة متعقد؟؟
    ـ يا خي خلاص نمشي زوبا أول..
    ـ لا.. إنت عوير!؟ أراح ناخد (حبتين)، وكمان ما إحتمال نلقى صاحبك هناك؟
    واستدرك:
    ـ لكين برضو حنمشي زوبا.. إنشاللاّ نتفرج ساي في (شرف الوطن).
    وفي أول عطفة على الزقاق المقابل للمدرسة، ظهر عم محمود ممطتياً صهوة دراجته، فزاغا فزعاً بالرغم مما معهما من تصاريح! ولكن في النهاية قالا (سيبك).. وراحا داخلين على زقاق تام زين. أبصرا العارضة على البوابة الكبيرة!

    ولما وصلا، قفزا من فوقها على عجل، ولكن مسماراً تعلق برداء شربات وسقطت العارضة وأحدثت ضوضاء صاحت إثرها تام زين:
    ـ مين؟ سكرانين وجايين تتطاقشو؟؟
    ـ لا.. ديل أنحنا..
    ـ إنتو مين ؟؟

    ـ أنحنا أنحنا..

    ودخلا عليها:

    ـ إزيك

    ـ أهلاً

    وعرفتهما وتذكرت أنها (موصية عليهم) من أصدقاء سيد شطة (بتاعين الكورة) وراودتها حكاية رفيقهم فقالت:

    ـ اتفضلوا

    ونادت بنتها ذات الثلاثة عشر ربيعا:

    ـ نورا.. جيبي موية لأخوانك.

    ـ آآ..كيفكم؟ قال شربات

    ـ الحمد لله.. ثم أضافت:

    "يا أولادي أخوكم دة ماله ومال المشاكل الزي دي!؟"

    وكانت قد سمعت القصة بإضافاتها؛ بأنه (سب دين للمدير. وطلع مطوة كان عايز يطعنه.. و... و...) وكانت حكاية، ثم أنهى شربات المرحلة:

    ـ لا.. دي حاجة بسيطة. وهو ما جاكم بجاي؟

    ـ لا والله!

    ـ طيب.. شوفي لينا (حبتين) كدة ؟

    ـ والله الليلة ما عندنا.

    ـ طيب. شوفي لينا من العندهم؟

    وتذكرت الوصايا عليهم، ومن (العندهم) جاءت نورا بما تيسر وبدأ العد:

    واحد هنا

    وواحد هنا..

    "والكأس مجراها اليمينا"!

    خرج النمل من مخابئه وبدأ يدب. ظهرت الفراشات الضوئية في رأس شربات.. وأخرج أبو خمسين السيجارة من تحت الحزام!!

    وأشعلها. أخذ نفساً عميقاً وعمل (باص) لشربات..

    ومع الدورة الثالثة للسيجارة قال أبو خمسين:

    ـ يا خي كب بسرعة. اتأخرنا.. تلقاهو أستاذ عساكر هسي بفتش علينا..

    ـ يا خي إنت مالك رعديد كدة؟ بفتش لينا شنو؟ مش نحن بنفتش؟ خلاص كنا بنفتش وما ليقيناهو! دي كمان دايرة ليها شطارة؟؟

    ـ يا خي إنت سكرت ولا شنو؟؟

    ـ هسي السكران منو؟ أنا ولا إنت ؟ ـ قالها بحدة.

    وتدخلت تام زين لتهدئة اللعب:

    ـ يا أولاد!! إنتو دايرين تتشاكلو لي هنا ولا شنو!؟

    ـ لا.. لا يا خالة.

    وخفضا صوتيهما:

    ـ إنت ما تكون رعديد كدة.. إحنا..

    ـ إنت شنو رعديد المجنني بيها دي!؟

    ضحك شربات ثم قال:

    ـ خلاص يا خي جبان ما رعديد.. كدة خلينا في المهم..

    ـ آها؟

    ـ شوف يا سيدي إحنا حنقعد هنا لحدي ما (نكمِّل)، كويس؟

    ـ كويس!

    ـ وبعدين نماطل لحدي ما الواطة تمغرب، وبعدين نطلع.. طبعاً مش منطقي نطلع (نتنجروك) بـ(أرديتنا) بتاعة المدرسة دي (هناك) بالنهار. صاح؟

    ـ أيوة صاح يا أبو الشرابيت.. كلامك منطقي.

    ـ وبعدين صاحبك دة أكيد يكون هناك.. مافيش داعي نمشي هسي زي الحرس الجمهوري. مش أستاذ عساكر قال لينا أقنعوه؟

    ـ أيوة ..

    ـ خلاص.. ما هسي نحن بنقنع فيهو!!؟

    وضحك أبو خمسين الذي أعجبته الفكرة ثم قال:

    ـ والله إنت يا أبو العباقرة بس أقنع لينا الخالة دي..

    ـ لا.. ما تشيل هم..

    وأقنعك.. أقنعك.. ثم وجدا نفسيهما مستلقيين على الأسرة. ولم يستيقظا إلا مع رائحة الطعام ـ مما تبرعت به الخالة ـ في الأصيل.

    فهجما بشراهة النمور. وفي تلك اللحظة. سمعا صوت على إسماعيل الكضاب يلقي التحايا قادماً:

    فارتجف أبو خمسين:

    ـ ياخي دة أكيد مرسلو أستاذ عساكر!!

    ـ ياخي خلينا.. حتى ولو. ياخي إنت مالك رعديد كدة؟

    ـ تاني رعديد!؟

    ـ السلام عليكم.. دخل على إسماعيل ثم أضاف:

    "والله حصاناً دة شربات خلاص" ـ وحشر يده في الطعام وهو ما يزال واقفاً ـ

    "بالله كنتو عايزين تفوتونا الخوابير دي كلها؟ يا مستنكحين؟؟ لكين شكراً لأستاذ عباس".

    ومع ذكر أستاذ عباس ارتبك شربات نفصسه ..وصاح أبو خمسين:

    ـ أسمع. هو رسلك؟؟

    ـ آآ.. أيوة، وكمان قال لي شوف الجماعة ديل وين وقول ليهم يجو بسرعة!!

    ـ شوف يا على إسماعيل يا كضاب ـ قال شربات ـ إنت بقيت كضاب جد جد. وبعدين الرسلك منو؟ أستاذ عباس ولا أستاذ عساكر؟ ثم أضاف: وأستاذ عباس دة عرف من وين ؟ ويرسلك بمناسبة شنو؟

    ولما لم يجد على إسماعيل خرقة يسد بها بداية كلامه التي كانت مرتبكة، اعترف قائلاً:

    ـ والله يا جماعة دة ما حصل. بس أنا يعني قلت أشارك في الخيانة..

    ـ يا خي فاتتك وخلاص، وبعدين إحنا مرسلين.. ما تخرب علينا.

    وتمسكن على إسماعيل:

    ـ طيب يا جماعة ما تحِنُّوا على أخوكم.

    ـ المرة الجاية. المرة الجاية.

    ـ يا خي المرة الجاية دي إحتمال أجرى أنا وتجو أنتو تاني يا فشوشات وتعملوا خيانة بسببي..

    ـ شوف يا كضاب.. إحنا بعد (الصورة) المشت هناك دي كلنا حنجري.. ما تجننا يا خي.

    ثم سأله أبو خمسين:

    ـ وإنت معاك كم؟

    ـ آ آي.. خمسة وسبعين ..

    خلاص ديل نمشي بيهم هناك.

    فتدخل شربات:

    ـ يا زول هناك وين.. إنتو ناسين نحنن في مهمة؟

    فراوغ على إسماعيل:

    ـ المهمة دي بتاعكم إنتو.. أنا هناك حأعمل خيانة.

    ****



    كان الظلام قد دب في (حي فوق) وبدأت تتلامع الكهرباء هناك في وسط المدينة. خرج ثلاثتهم. وبعد زقاقين كانت جمهرة من الأطفال والنسوة أمام أحد البيوت، وكركبة الدلاليك داخله.

    "الظاهر الليلة في مزيكة!؟"

    ـ لكن ما في أي طريقة. يا خي السبب كله جو!!

    كانت هناك مشاجرة بين السكارى، فلفوا من الشارع الآخر ليمسكوا (درب الأربعين) المشهور في (حي فوق) الذي يلقب بـ( شارع البهجة المسرة). كانت لمبات الجاز المزججة تصطف أما البيوت تمازح الداخلين والخارجين. ومع اللمبة الثامنة:

    تووش ..

    معرض شرف الوطن! خلف المصابيح أربع بنابر، على كل فخذين عاريين بينهما ( capital I). الباذنجيان اللامعان: )I( أبيض! الكاكاويان: )I( أحمر! القميحان: )I( أخضر! الحلبيان: )I( أسود!!!

    وضع على إسماعيل يده على رأسه قائلاً:

    ـ لا إله إلا الله!!! على اليمني (علمي أنت رجائي) عدييييل!!

    قال شربات:

    ـ شوفوا يا جماعة، إحنا في (مهمة).

    فخرخر على إسماعيل بالجد:

    ـ منو القال ليكم أنا معاكم في المهمة بتاعتكم دي؟

    وذهب إلى الكاكاو (وراح ضارب الشكولاته)!

    في(حي فوق) هنا، حيث لا غضاضة في العري، وجد جو نفسه محتفى به. وتقاطر (الشكش) منذ لحظة وصوله ليشهدن خيانة أعظم عاشق في المدينة. وللتأكد (العملي المرفوع) من الحقيقة الأزلية؛ (خيانة الرجال). ولكن ذلك كله ذهب بددا!!

    ف(زريــــــا) التي تعمل ساعتها البيولوجيا بالتوقيت القمري، والشهور عندها هي:

    الويحيد

    الكرامة

    التوم

    التومين

    سايق التيمان

    رجب

    قِصَيَّر

    رمضان

    الفطر

    الفطرين

    الضحية

    والضحيتين؛ كانت تؤمن بخرافة تقول أنه مع نهاية كل قرن قمري، يظهر إله الحب ويجدد للعشق أمجاده بعد اندثارها!! ولما صادف بالفعل أن كانت الحادثة في العقد الأخير من القرن، وقد علمت ـ زوبا ـ ضمن الإشاعات التي تم تداولها (حقيقة) أن هذا العاشق هو من نوع البشر الذين لا يستطيعون النوم في أيام اكتمال القمر، فلم تشك لحظة واحدة في أنه (هو)!

    وعقب شرحها لنظرية (الفرق) بين خيانة الرجل للمرأة من أجل أمرأة أخرى. وخيانته لها مع أخرى من أجلها هي، رتبت طقس الخيانة بإيمان عميق: جاءت بالنخب، واستدعت سمسة ذات السبعة عشر ربيعاً، ووعدتها بـ(حق يومها) كاملاً. ولكن هذه المرة في (المتربسة) ـ غرفتها الخاصة ـ التي لا يدخلها أحد غيرها في ذلك الحي المستباح.

    قيل ضمن الإشاعات، أن زوبا متزوجة من (ملك الجن)! وقد كانت تلك الإشاعة مصدر أمن نسبي لها، وسبباً آخر يمنع اللصوص (السيئين أولاد الحرام) ـ الذين يسرقون من وسط المدينة ما يسرقه اللصوص (الطيبين أولاد الحلال) من طرف المدينة، ليعيدوه إليه، وإن كان ناقصاً ـ من أن يجرؤوا على التفكير في السطو على المتربسة بالرغم من علمهم بما تحويه من ثروات!

    كان جو في سابع نومة حين شرح شربات (المهمة) لزوبا، التي لم تزد على قولها:

    "أمشوا كلموا استاذكم دة قولوا ليهو صاحبكم راجع بكرة".

    ولما استتر عري المدينة بأردية الصمت. أقامت زوبا (طقس الطواف الليلي لبنات أورشليم) اللاتي أنشدن النشيد:

    "من هذه الصاعدة من القفر كأعمدة من دخان، معطرة بالمر واللبان وكل عطور التاجر؟" الكتاب المقدس: نشيد الإنشاد.

    ..وصلت زوبا:

    "... وقد صنع الملك سليمان كرسي العرش من خشب لبنان، وصنع أعمدته فضة، ومتكأه ذهباً، ومقعده أرجواناً، ورصعت بنات أورشليم غطاءه محبة..." نشيد الإنشاد.

    جاءت كل ذات مصباح بمصباحها، تطوف لتاتي التي بعدها بالذي بعده. لم يكن هذا الولد المراهق الراقد هو (هو)، وإنما خرافة تقاس على ذكرى (وجهه) أوصاف الأحلام المستحيلة؛ المقتولة، والتي لا تجيء لأنها ستقتل!!



    *****



    أطاح الرب بأمن أستاذ عباس الطفيف. فقد نقر عم محمود الباب وجاء بما لا تشتهي السفن! والدا الطالب جالسان بالخارج ويريدان مقابلته! ارتبك أستاذ عباس (السيد المدير بالإنابة)، فعدل من جلسته وتأكد من حال كونة مديراً! ثم أمر عم محمود بأن يسمح للضيفين بالدخول. وقبل أن يغادر عم محمود المكتب أمره قائلاً:

    ـ أسمع يا عم محمود ..

    ـ أفندم

    ـ بالله نادي معاك أستاذ عساكر حالاً.

    ـ أمرك أفندم ..

    وخرج عم محمود، دعا السيد عثمان سنين والسيدة فاطمة بت النور فدخلا. قام أستاذ عباس من كرسيه وسألمهما ببشاشة أطالت المسالمة. أصلح السيد عثمان سنين عمامته أثناء رده على الأستاذ عن الحال والأحوال، وأخبار الموسم. لكن القروية، بت النور، قطعت حبل المجاملات الممتدة، ودخلت في الموضوع بدون مقدمات:

    ـ أستاز المدير، ولدي وينو؟

    تنحنح السيد عثمان سنين محتجاً على تدخلها في وجوده وأمرها:

    ـ أسكتي ساكت ..

    وتدخل استاذ عباس مهدئاً الموقف قائلاً ببعض الإطمئنان:

    ـ لا ..لا، ما في حاجة. أصلو الولد من أمبارح في بيت خالته.

    ولكنه فوجئ بالدهشة التي اعتلت وجه عثمان سنين والسؤال المباغت من بت النور:

    ـ خالتو ياتا ؟ دة ماعندو خالة هنا؟؟!

    ولكن أستاذ عساكر أنقذ الموقف بعد أن سمع طرف الحديث هو على عتبة الباب فسلم على الضيفين بحميمية أهل البلد. وطلب منهم الجلوس. وضحك بمودة ثم أجاب على السؤال الأخير.

    ـ أصلو يا حاجة الولد في بيت ناس واحد صاحبو في المدرسة. أيوة، زميله يعني. وإحنا أديناهو الإذن. لكين الغريبة هو بعد شوية كدة حيجي. والله فيكم الخير.

    ثم ضحك أستاذ عساكر لزوم الإقناع، فبدا مقنعا لبت النور، التي أصلحت جلستها وهي تردد:

    ـ الحمد لله، الحمد لله.

    وبرر أستاذ عساكر الموقف مضيفاً:

    ـ والله إحنا ما كنا عايزنكم تتعبوا. ما الولد برضو ولدنا.. الحكاية بسيطة.

    وعرف من السيد عثمان سنين ـ على سبيل (الونسة) بكيفية وصول الخبر على أم شقايق. إذ جاء خلال تلك الأيام أحد مواطنيهم إلى المدينة والتقط الخبر وقام بإيصاله (بكل أمانة القرويين) و(وبضبانته)..

    ـ ما في مشكلة.. بسيطة بسيطة هو هسي حيجي.

    وعلى رأي المثل: "من عاشر قوماً اربعين يوماً صار مثلهم".

    فبمجرد علم أستاذ عساكر بهوية الضيفين، أنزلق هو الأخر في التكتيكات والخطط الإسعافية الطارئة! فنادى علي إسماعيل الكضاب وعثمان شربات. أغلق عليهما باب المكتب و أمسك بإذن كل منهما وجرهما قريباً منه:

    ـ شوفو يا أولاد أنتو أهل جو ديل بعرفوكم؟

    ـ أيوة.. أيوة..

    ـ إذن ما بنفع!

    ثم سالهما عن زميل لهما لا يعرفه أهل جو.

    ـ أيوة .. سيد شطة وبطيخة!!

    ـ بطيخة دة تاجرمعروف.. ما ينفع.. أمشي نادي سيد شطة.

    وهرول على إسماعيل الكضاب.. ولما حضر ومعه سيد شطة، شرح لهم الموقف بدقة.. طلب منهم إحضار جو فوراً، وتمثيل مسرحية (بيت زميلهم إياهـا).

    فاستفسر على إسماعيل:

    "طيب يا أستاذ لو الحاجة قالت عايزة تمشي تزور (خالتنا أم سيد) نعمل شنو ما إنت عارف يا أستاذ أهلنا القرويين ديل بتاعين واجبات وحاجات زي دي؟؟"

    ـ والله دي نقطة مهمة نبهتنا ليها!

    فاقترح سيد شطة (الكذب):

    "أنا أقول ليهم ناس أمي سافروا، وعشان كدة رجعنا كلنا الداخلية.. وبكدة نتخلص من المشكلة!"

    أمن الجميع على الإقتراح. دقائق وقفز ثلاثتهم من السور الغربي للمدرسة فناداهم عم محمود:

    "يا ولد !!"

    ولكنهم فروا بعيداً باتجاه (حي فوق). ولما استمع أستاذ عساكر إلى الشكوى، أبلغ عم محمود أنه هو الذي أرسلهم، ولكن عليه أن يذكره لاحقاً، ويحضر معه السوط لمعاقبتهم على (قفزهم من سور المدرسة)! ثمانية وثلاثين ودقيقة فقط هذه المرة. وكانوا قد انجزوا المهمة: اختطفوا جو وذهبوا به رأساً إلى الداخلية، شطفوه، وألبسوه الزي المدرسي وسرحوا له شعره ثم جاءوا به إلى مكتب المدير.

    لم تترك بت النور الفرصة لشيء آخر، وهجمت على إبنها وأوسعته بكاءاً لم تنفع معه أوامر عثمان سنين:

    "إنتي يا (مَرَهْ) قايلة نفسك قاعدة وين ؟؟ آآ؟!"

    "دة مكتب المدير .. بكيكي دة سويه في الخلا هناك.."

    ولمّّا لم تأبه لهرشاته:

    "أسمعي.. خلاص كفاكي، خليني أسلم على الولد.."

    واستغلت بت النور لحظة المسلامات تلك وفكت صرة في طرف ثوبها، وأخرجت الرمل الذي جلبته من (قبة الشيخ أبو مفاريك)، ولما لم تجد ماءً بللته بلعابها وبدأت تمسح جبين إبنها غير آبهة بمكتب المدير!! وفي نهاية مشهد ـ (الزُّوارة) في مكتب المدير ـ الذي لن ينسى ولن يتكرر، تدخل سيد شطة وألقى بالكذبة المتفق عليها:

    ـ والله يا يُمة لو ما ناس أمي سافروا الليلة الصباح، كان سقناكم البيت.. والله بس جيتكم صادفت وفاة جدنا..

    ـ الفاتحة.

    قال عثمان سنين، وقُرئت الفاتجة على روح جد سيد شطة الوهمي! فأكمل شطة:

    ـ والله ناس أمي سافروا كوستي الصباح دة.. وهسي أنا ذاتي رحلت وجيت أقعد في الداخلية! فتدخل عثمان سنين:

    ـ تشكروا يا إبني، أنحنا راجعين، لكين لازم نرد ليكم الواجب ونجي نزوركم عشان العملتوه مع أخوك دة. ثم سأل السيد المدير وفي رأسه اقتراحات بت النور:

    ـ إلا هسة الراي شنو؟؟

    فتذكر أستاذ عباس ما توصلوا إليه في المجادلات التي قادت على خطة التصرف:
    ـ والله يا حاج ما في مشكلة.. والولد ممكن يواصل دروسه..
    ـ يعني يقعد في الداخلية؟
    ـ أيوة. بالظبط كدة..
    وهنا تدخلت بت النور:
    ـ لا، عليك الله يا أستاز المدير.. بس أديه إذن تلاتة يوم بس وبعدين يرجع. عليك الله يا أستاذ المدير..
    وأمام إلحاحها، وافق أستاذ عباس:
    ـ خلاص ما في مانع .. بس تلاتة أيام.
    كان إصرار بت النور، على اصطحاب إبنها مبنياً على ترتيبات معدة سلفاً. فهي منذ أن سمعت بخبر الحادثة، ذهبت إلى الفكي إساخا (إسحق) ودفعت له (البياض) ليكتب (محاية مركزة) لولدها، وأقرنت ذلك بـ(الزوارة) من تراب قبة الشيخ أبو مفاريك، ثم بخور (أم الصبيان) لتحمي ولدها من شر (العوارض المتباريات).
    كانت بت النور تؤمن إيماناً قاطعاً بأن (الجلابة) عندهم (فكي كبير). وأنهم يتزوجون بالجنيات اللاتي يقبعن في المنازل (ولا يخدمن كما تخدم النساء) لينجبن البنات الساحرات اللاتي يسخرهن آباؤهن لخطف (أولاد الناس). وقد تأكد لها ذلك بالتجربة قبل سنين طويلة في مشكلة شقيقها عبد الرحمن النور، الذي أطلق الإسم على ولدها.
    وقد كان عبد الرحمن النور هذا، تلميذاً نابهاً. كان دائماً يأتي في مقدمة أقرانه في المدرسة، إلى أن دخل الجامعة. وهناك أصبح زعيماً للطلبة، وسافر إلى بلدان عديدة، بل وكان الناس يموتون من العجب، وهم يستمعون إلى صوته وهو يتحدث في الرادي (الراديو)، عبر أول جهاز يدخل أم شقايق، ذلك الذي إشتراه حاج النور خصيصاً ليُسمع الناس صوت إبنه الذي أصبح مكان فخر، بعد أن كان حاج النور يتوجس من المدراس عموماً! تلك التي كانت تعني عنده (شَرَك النصارى). وبعد أن تغير موقفه ذاك: كان يضحك ضحته المجلجة وهو يحكي في المجمع الكبير أمام بيته مراراً قصة إبنه الأكبر مع المدرسة! الذي كانت أمه (أم الحيران) ـ الله يرحمها ـ تأخذه ليقضيا النهار في الخلاء مزودان بـ(بُخْسَة) مليئة بالروب هروباً من المفتش الإنجليزي الذي كان يمر على القرى، باحثاً عن الصبيان لأخذهم إلى المدرسة! وقد كان والده هو ـ الحاج عثمان الأنصاري ـ الله يرحمه، قد أقنعه بما كان يروجه الجلابة عن أن الإنجليز يأخذون الصبيان إلى المدرسة ليحولوهم إلى نساء لهم!!
    لكن عبد الرحمن النور بدد لهم كل ذلك الشك، إلا في شيء واحد؛ هو أنه لما اختاروا له بنت عمه (خدوج) ـ أسمح بنات القرية ـ ليتزوجها، ضحك، ورفض الأمر، وحاول إقناعهم بأن الزواج مسألة (شخصية)! ولم يفهم حاج النور معنى (شخصية) هذه إلى أن رحمه الله هو الآخر. وقد فأجاهم عبد الرحمن النور يوماً، بصرامة، أنه نوى أن يتزوج بإحدى زميلاته في الجامعة وأخرج صورتها ووضعهم أمام الأمر الواقع! وقد كان ذلك مصدر رعب وسط قريباته ـ وخاصة بت النور ـ اللائي روجن لحكاية الجنيات تلك وصدقنها. بل وذهبن إلى أخطر (فكي) في المنطقة كلها، ولـ(كوجا) المُعْرَاقي، ودسسن لعبد الرحمن ما استطعن من السحر في الطعام والشراب. ولكن ذلك كله لم ينفع! فايقنّ بأن فكي الجلابة (فكي كبير). وازداد الأمر يقيناً لما قلت زيارات عبد الرحمن النور إلى القرية بعد زواجه، إلى أن جاءهم خبر موته في (حادث حركة) ـ هكذا يقولون. وحكت بت النور بعد عودتها من العزاء في الخرطوم، أنها وجدت زوجته (ممسحة) (ومسرحة). وأن أطفاله ـ ماجد وسهى ـ كانا يهربان منها ويسخران من لهجتها القروية!!
    لكل ذلك، فقد أُخضع جو لتدابير طقسية صارمة خلال الأيام الثلاثة التي قضاها في البيت.
    **********
    عقب المذاكرة الإجبارية ـ وقد عادت بعض المياه إلى مجاريها ـ أخرج أستاذ عساكر كرسيه وجلس أمام المسرح. نادى شلة أولاد قرف ليتفاكر معهم حول الاستعداد لبرنامج احتفالات عيد التعليم.
    وكما نعرف، فإن أستاذ عساكر هو المشرف على ما كان يعرف بـ(الجمعيات الأدبية) والنشاطات. وقد قام بدور المخرج لمسرحية (الشماشة) التي فازت بها المدرسة في مسابقة المدارس العام الفائت. تلك المسرحية التي يرجع الفضل في تأليفها لـ(جو) الذي استقاها من الواقع، مطبقاً إعجابه بما قرأه في الكتب (المدسوسة) في بيتهم القروي، ومستغلاً (تجربته) في المشاركة في التمثيل في تمثيليات المدرسة الأولية ـ التي صارت (الإبتدائية) فوق رأسه. والفضل أيضاً ـ يرجع لأولاد قرف، الذين أجادوا التمثيل. أما فضل أستاذ عساكر، فكان في أمرين: الأول، هو كفاحه المرير لإقناع السيد المدير بالمسرحية، فهذا كان يرى فيها خروجاً على (أصول التربية) و(الذوق العام)!! وقد كان مصراً ـ ومعه أستاذ عبد الجليل ـ على المشاركة بمسرحية (صلاح الدين الأيوبي) التي مل الناس من تكرارها، الأمر الذي أضطر أستاذ عساكر أن يضحي ـ في سبيل الشماسة ـ بنقاط مهمة لكنها ساقت إلى الفضل الثاني: فعقب إسقاط بعض الألفاظ، تولى مهمة الإخراج، وابتدع وسائل حركية كانت أبلغ دلالة من الكلام!
    فأستاذ عساكر لم يك، في الواقع، أكثر من (جربندي) موهوب. فمعرفته بالإخراج، والمسرح عموماً، ما كانت تتعدى المقدمات النظرية التي درسها في (بخت الرضا). وما التقطه من المداومة على حضور مسرح (جماعة الطليعة) ـ عندما كانت هناك طليعة. وقد تحسر أنه ما كان مهتماً بالموضوع في أيام (التأهيل) ليكتشف (ميوله واتجاهاته) مؤخراً! لذلك، فهو حريص على تجنيب طلابه ـ خاصة هؤلاء الأشقياء ـ غلطة عمره. وها هم سيغادرون المدرسة بعد شهور قلائل، ليصعدوا (السلم التعليمي) الذي قد يفضي بهم إلى الهاوية! ويبقى هو ـ ربما ـ هنا، وفي نفس المكان، يجتر ذكراهم التي قدلا تتكرر.
    بلا مقدمات، أخبرهم بأنه وردت إليه طلبات مهولة ـ من الأميرية خاصة ـ تطالب بإعادة المسرحية هذا العام.
    أشار شربات لعلي إسماعيل إشارة النصر (ومازال الزحف مستمراً ) ..
    بعد أن أكملوا تلعليقاتهم الجانبية، طلب منهم أستاذ عساكر أن يفكروا في الموضوع ولكن اليوم سيكون للمسامرة. ثم ألقى بالسؤال لجو ـ ذلك السؤال الذي فات عليه أن يسأله العام الماضي:
    ـ إنت عرفت حكاية الشماشة دي كيف!؟
    وقف جو ـ كعادة الطلبة ـ ليجيب، فطلب منه أستاذ عساكر الجلوس قائلاً:
    يا جماعة خلو (البساط أحمدي).
    قال جو:
    ـ كنت في يوم قدام السينما، وشفت الشماشة بمثلوا فيلم أمبارح. وكان أبو طويلة لما يمثل (ديجانقو) يبقى ديجانقو، ولما يمثل (شامي كابور) يبقى شامي كابور. وبعد داك بقيت أمشي كل يوم أعاين.. لمن جا يوم كنت إتاخرت في الداخلية، وحصلت قصة رينقو.. وبعد داك صاحبته وبقى يحكي لي.
    ـ يعني إنتو كنتو بتحاكوا الشماشة بس؟
    ـ أيوة .. بس أنا كنت شايف رينقو دة ود ذكي جداً، ولو دخل المدرسة ممكن يبقى حاجة، فعملنا حكاية الأستاذ البلاقيهو ويدخلو المدرسة.. يعني عشان الناس يعرفوا أنو الشماشة ديل زي بقية الناس. وممكن يكونوا أحسن!
    فتأوه أستاذ عساكروقال:
    "تعرف يإبني، إنت تمشي تقرا مسرح طوالي.."
    وأضاف:
    "يا إبني أي زول ممكن يبقى مدرس زينا كدة، وممكن يبقى مهندس أو دكتور أو ضابط أو حتى رئيس جمهورية. لكن ما أي زول ممكن يبقى فنان".
    فتساءل أبو خمسين:
    ـ يعني هو حيغني يا أستاذ!؟
    ـ لا يا أبو خمسين. كلمة فنان دي ما لازم تعني الغُنا؛ الرسام فنان، العازف فنان، الممثل فنان، والمسرح دة إسمو أبو الفنون.
    ضحك على إسماعيل الكضاب ثم علق:
    ـ هسي يا أستاذ، أبو خمسين دة يعني كان فنان لمن كان بمثل دور البوليس (إر المُضِرْ)!؟
    ـ أيوة... طبعاً.. مش كل الناس اقتنعوا بيهو لمن في ناس صدقوا إنو بوليس جد جد؟
    ـ أيوة ..
    ـ خلاص يبقي فنان.
    ـ بس يا أستاذ دة هو نفسه صدق إنو بوليس جد جد وجلدني جد جد ما تمثيل!!‍ ‍‍

    ضحك أستاذ عساكر بعد أن عرف بهذه الحكاية لأول مرة ثم قال:

    ـ صحيح يا أبو خمسين؟ ‍

    ـ ما هو ذاتو صدق إنو شماشي جد جد وقعد يشاغل في البنات جد جد. أنا عارفه والله يا أستاذ.

    ضحك أستاذ عساكر بعمق ثم قال:

    ـ ياخي إنتو ملاعين!

    إنتهز شربات الفرصة:

    ـ يا أستاذ أنا المرة دي ما عايز دور التاجر. ثم أردف محتجاً:

    ـ ما ممكن الجماعة يرقصوا ويهججوا وأنا داخل لي في عمة وجلابية.. وبعدين يا أستاذ الحكاية المرّة دي حتبقى سُخنة..

    ضحك أستاذ عساكر مرة أخرى ثم رد:

    ـ يا شربات ياخي، في واحد عاقل يتنازل من رتبة تاجر لشماشي!؟

    ـ أنا يا أستاذ.

    ـ طيب خلاص يا شربات، حكاية الرقيص دي حتتحل.

    وتدخل جو مقترحاً إضافة مشهد أخير يرقصون فيه جميعاً "لن ننسى أياماً مضت" مثل ما فعل طلاب الجامعة في الحفل الختامي لرحلتهم على مسرح المدينة.‍‍

    ـ الشماشة يبقوا أولاد جامعة!! ‍‍‍برافو.. برافو. دي فكرة مجنونة! دة حيكون مشهد!! ‍‍‍دة حيكون أجمل حاجة!!‍‍

    وبعفوية، وكأنهم توصلوا إلى نهاية المسرحية غنوا:

    "لن ننسى أياماً مضت

    لن ننسى ذكراها

    لن ننسى أياماً مضت مرحاً قضيناهاآآآ.."

    وفي زحام البهجات والمسرات، لاحت الفرصة ‍ فقام شربات وألقى بطرف خيط (المؤامرة):

    ـ يا أستاذ لو سمحت أنا عندي إقتراح تاني.

    ـ عايز تقول شنو ياشربات؟ إنت أقتراحاتك دي ما بتكمل!؟ أها قول؟؟

    ـ أنا يا أستاذ شايف يعني، بقول يعني، بدل ما نمثّل بنات، ما يجو البنات نفسهم يمثلوا؟؟

    لكن أستاذ عساكر أدرك ما وراء المسألة. وبالرغم من إعجابه بالفكرة، إلا إنه أحبط المؤامرة فوراً قائلاً:

    "إنتو يا جماعة نسيتو حاجة مهمة جداً جداً. إنو بعد الحصل، مستحيل الجماعة بتاعين الأميرية يوافقوا ويسمحوا للبنات. دة طبعاً بالإضافة للجماعة الهنا في المدرسة".

    على أي حال، فقد فاتت هذه النقطة المنطقية على مدبري المؤامرة في تيار الرغبة والحماس. والواقع، أن زهرة وعزة قد ترجمتا ـ لأستاذ عساكر شخصياً ـ رغبة زميلاتهن الصادقة في إعادة المسرحية. وعبر الرسائل أبدين رغبتهن في المشاركة في التمثيل. وطالبن باختراع أدوار جديدة، وقدمن اقتراحات (فنانة) في هذا الشأن، بل وعملن بروفات ـ بالرغم من أن جمعية المسرح في مدرستهن معطلة من سنين! لأن كل المسرحيات والتمثيليات المسموح بها "مقرفة" كما قلن. لذلك كله تحمس أولاد قرف للإقتراحات وقطعوا وعداً بأن يستغلوا أول فرصة، (ويدردقوا) أستاذ عساكر باتجاه المسألة. ولكن ها هو (المنطق) يتدخل ويهزم القضية في مهدها، ولم يبق إلا مشاهدة (العلامة): وهي قلب كبير يخترقه سهم ذو رأسين في أحد أطرافه حرف (N) وفي الطرف اللآخر (J). وقطرات ورد نازلة من القلب تحولت قبل أن تسقط إلى (نج )... (نج)... (نج)!!

    تلك العلامة التي امتلأت بها حيطان المدينة، صارت مصطلحاً بين الشباب.

    تكتب (NJ) وتقرأ (نج). ويقال أن فلاناً عمل نج وفلانة أرسلت رسالة (للنج بتاعها). وضاعت أمجاد كيوبيد كما ضاعت أحلام شلة قرف في أن تعمل مسرحيتهم نج.





    ****





    "الكبس العديل في تمثيلية أستاذ عبد الجليل".

    جملة مكتوبة على حائط المخزن، قبالة بوابة الداخلية الرئيسية، تحت العلامة، بالفحم، ومظلة بالطباشير الأبيض ـ مع أن العكس كان يجب أن يحدث! كانت الكلمات كبيرة، والجملة كلها مسورة بإطار طباشيري على شاكلة أشباه دوائر. ويبدو أن شخصاً آخر ـ غير كاتبها ـ تدخل ووضع هذا الإطار. ثم جاء آخر وكتب فوق كلمة تمثيلية (نيو)! ثم جاء آخر وعمل (×) على كلمة (نيو) وكتب(NJ) . وعلق آخر (حرام عليكم).

    كان أستاذ عبد الجليل، بالرغم من تزمته في أشياء كثيرة، إلا أنه كان حريصاً على التواصل مع طلابه. كان يأتي مرة بعد مرة ويجالسهم في أوقات الفراغ، ويؤمهم ـ أحياناً ـ في الصلاة، وقد حاول مراراً سحب البساط من أستاذ عساكر ـ الذي كان (صديقاً) للطلاب، الأمر الذي فشل فيه أستاذ عبد الجليل بسبب حواجز (الأدب) المفترضة التي تقوم عليها نظريته (التربوية).

    ولما تقدم الأستاذ عساكر باقتراح برنامج مشاركة المدرسة في احتفالات أعياد التعليم، اعترض أستاذ عبد الجليل مرة أخرى على مسرحية الشماشة! بالرغم من العرف السائد بأحقية المسرحية الفائزة في العرض مرة أخرى. وليكون (منطقياً) فقد بني اعتراضه على أساس أن لدية مسرحية جديدة. والواقع أنه ظل يخطط لهذا الأمر منذ بداية العام، وذلك لعمل خبطة مسرحية تكون مضادة لاتجاهات أستاذ عساكر ومقربية! وقد أفنى ليالي طوالا ساهراً لتأليف مسرحيته الجديدة. وطالع من الكتب ما طالع. وأخيراً اهتدي إلي تجهيز نص سماه (أرضنا السليبة)، عن قضية فلسطين. وقام باستقراب عدد من الطلبه المثاليين ليمثلوا المسرحية. ولما لم يجد المدرسون غير الحل الوسط لفض النزاع، قرر المجلس أن تعرض المسرحيات على مسرح المدرسة وتعتبر البروفة النهائية منافسة. والتي ستنال الإعجاب، ستتبناها المدرسة. ولذلك قُسمت أيام البروفات على الطرفين، بالتساوي. ولكن أستاذ عساكر وجماعته رأوا ترك المسرح لأستاذ عبد الجليل وجماعته، ليقيموا بروفاتهم في الساحة.

    وقد انهمك أستاذ عبد الجليل بحماس كبير مع المجموعة التي اختارها. ولأنه هو الآخر ليس سوى (جربندياً) فضلا عن أنه يفتقر إلى الموهبة، فقد ووجه بصعوبات جمة؛ أولها مشكلة الملابس، لأن منافسيه لم يتقدموا بطلب في هذا الخصوص! لذلك اضطر أن ينفق من حر ماله في سبيلها من بداية أيام البروفات!! ثم أنه تورط في مشاكل أخرى متعلقة بالحركة على المسرح وكيفية تمثيل المسافات الطويلة التي يزخر بها نصه!! ولكن أهم مافي الأمر أنه أضطر للتنازل عن (أجمل) فكرة لديه وهي (الحصان)! لأنه لا يستطيع إدخاله إلى خشبة المسرح. والمشكلة التي لم يعتبرها هو مشكلة، كانت قضية الأمهات اللائي أراد أن يعبر عن مآسيهن، وذلك بسبب اعتراضه المبدئي على (الاختلاط) من جهة، وعلى أن يمثل الرجال دور النساء من جهة أخرى! فصارت المسرحية:

    قالت الأم : كذا ..وكذا ..

    وبكت الأم بحرقة ..

    ودعت أم هاني قائلة كذا.. وكذا

    وطبعاً بالفصحى. فكانت المسرحية معسكر جيش من جهة، وحصة (عربي) من جهة أخرى! ولم تكن (أرضاً) بأي حال من الأحوال. ولكن (رابعة الاثافي) كانت مشكلة الطلاب الذين اختارهم! فقد كان جُلهم يفتقر إلى موهبة التمثيل. وببساطة فقد ظن أستاذ عبد الجليل ـ في البداية ـ أن المسألة (سهلة)، ولا تحتاج إلى (درس عصر)، ليجد نفسه أمام أخشاب ناطقة!

    ولما جاء يوم البروفة النهائية، التي هي العرض التنافسي، لم تك هناك منافسة في الواقع، فقد سُحقت مسرحية أستاذ عبد الجليل سحقاً. وكان لذلك أثر خطير في مقبل الأيام! أما فلسطين المسكينة، فقد تضررت أيما ضرر، لكنها كظمت غيظها ولم ترفع دعوى تعويض عن الأضرار، لأنه لا توجد ـ في البلاد ـ قوانين تعاقب الذين يسببون الأضرار للمساكين!

    وبالرغم من أن (أدب الحيطان) المناوئ. كان بدوافع عفوية، إلا أن أستاذ عبد الجليل ظل مقتنعاً إلى يوم القيامة أن ذلك من تدبير أستاذ عساكر. ولكنه بالمقابل، أكتشف وسيلة دعائية خطيرة. واكتشف موهبته في السجع التي كانت ضائعة في الحصص.



    ****



    صباح الخير يا وطن..

    ها هي المدينة نظيفة، كل الشوارع، حتى غير المسلفتة، أيضاً نظيفة! الأشجار سيقانها مطلية بالجير الأبيض. كل شيء متأنق. فقد قيل أن السيد المحافظ (سيشرف) إحتفالات المدينة بعيد التعليم هذا العام.

    في الداخلية، كانت (مكوة) التاج ود الصول قد تعبت من الكي، في يوم النظافة العالمي. أما كجَّار ورفاقه (بتاعين الورنيش)، فخرجوا بحصيلة لا بأس بها من النقود (الكاش) والأخرى المؤجلة من قبل بعض (المستنكحين). وقد رحم الله الأديدسات المزيفة بغسلات، وتنفست الشرابات الصعداء.

    قبل السابعة صباحاً، كان كل شيء جاهزا. الرسائل الغرامية تنام داخل الشرابات. فاليوم لا كتب ولا كراريس.

    أُخرجت اللافتات الطويلة العريضة. أفردت، وحملها رؤساء الفصول:

    "العم يبني..".. "العلم.. يرفع" "...العلم.." "العلم....."، ثم:

    "المدرسة الشرقية ترحب باللسيد المحافظ وصحبه الميامين .."

    سأل شربات سيد شطة:

    ـ إنت يا شطة الميامين ديل شنو؟

    فرد شطة ساخراً:

    ـ ديل البمشوا بيت ميمونة..

    ـ ياخي خليك جادى.. أنا بسأل جد!؟

    تدخل أبو خمسين

    ـ وإنت مالك ومال الميامين ديل؟ أهو كلام وخلاص. مش كل ما واحد يجي يكتبوا ليهو الكلام دة؟؟؟

    ثم أضاف:

    ـ مش أي واحد لما يموت يكتبوا ليهو "أظله الله بشأبيب رحمته"؟

    إنت هسي عارف شآبيب دي يعني شنو؟

    ـ لا والله!! لكن، صحي دي معناها شنو؟؟

    ـ ما عشان كدة قلنا ليك.. إحنا مالنا؟

    ....

    تغير الموضوع وتحرك الموكب إلى (ميدان الكراكة)، من حيث ستنطلق (المسيرة الكبرى) إلى (ميدان الحرية). وأُخرج النشيد:

    أمتى يا أمة الأمجاد والماضي العريغي

    لالا لالا

    يا نشيداً في دمي يحيا ويجري في عروغي

    لالا لالا

    ..

    وهناك في ميدان الكراكة، بدأت المبارزة بالحناجر، خاصة بعد ظهور موكب (الأميرية) . ثم اختلط الحابل بالنابل مما كلف المدرسين والمنظمين جهداً كبيراً لإعادة النظام. بدأ التحرك بتقديم مدارس البنات منعاً للتسيب. وذلك بعد مجادلات أخلاقية وعرفية طويلة حول مسألة التقديم والتأخير هذه! ولكن برزت فائدة هذا الترتيب (الحكيم) عملياً في المحافظة النسبية على النظام، إلى أن انفرط أخيراً بجوارالسوق. فلما وصلت اللافتات إلى ميدان الحرية، لم تكن تعبر في الواقع إلا عن حامليها ـ وكاتبيها افتراضاً.

    لحظات من التحاشد ثم جاء موكب السيد المحافظ. هرع المدرسون والمنظمون لاستقباله وصحبه الميامين. فذهبت كل ذات ظلف إلى مراحها وماتت من الحسرة من لا مراح لها. وما أن صعد سيادته إلى المنبر وألقى بالجمل المعهودة "مواطني الكرام .." " ..أهلي وعشيرتي"، حتى فكت الأيادي الناعمة والخشنة الوريقات الملفوفة بعناية! المتعوسة منها الخارجة من الشرابات، والأخرى المحظوظة الخارجة من فتحات الصدور. وصار كل في شغله، لا يخرج عنه إلا مع صيحات أمثال ود العمدة: "يعيش.. يعيش.. يعيش.."

    هذا بالإضافة لبؤرة جو التي أذهبت وجاهة المحافظ مع أدراج الريح. ومع انفضاض الكرنفال (الكيتة). انتشر الناس في المدينة. وهبر كل وراء غزاله. وجد جو نفسه بجوار أبو خمسين، وقد مرت على هيئته نظرات كثيرة لا قبل للمحافظ بها. وضع كل يده علي كتف الآخر وقالا "يالاّ.."

    في الطريق، أعاد جو فيلم الكرنفال بضوء النجم الذي سهد في مدارات الأيام "... ياه! كان سيكون واقفاً هناك.. بجوار زهرة وعزة. لن يقرأ وريقتي لأنه سيدخرها للمساء حتى تنتبه الكواكب. كان الهواء سيلعب بخصلة الشعر تلك المتمردة.. كان سينظر إلى الأرض ليراني! ها أنت تمشي مستنداً على كتف رفيق، ربما لا يكون أبوخمسين لو لم تكن لعبة القدر تلك، ولو كانت لعبة أخرى، ربما يكون الأمر أكثر إفراحاً؟؟..هل لهذا الميدان معنى؟؟ ما معنى المحافظ؟ المدير؟ المدرسة؟ الناس؟ المدينة؟ الكرنفال؟ لماذا يتأملك الناس هكذا؟؟ وأنت تتأمل ماذا؟؟ وغداً؟ ألست ستكون مثل هؤلاء الميامين؟؟ وهذا الشارع الذي مر عليه الآلاف ذات يوم، ومشت عليه نون ذات يوم، أيذكر هذا الشارع مشيتها؟؟ وها أنت تمشي، هل سينتهي بك كما قالت زوبا؟ أم كما قال الكتاب؟؟ لكن الأكيد الأكيد أن ما مضى لن يعود! هذه واحدة ..

    وداعاً أيها النهار.

    والميعاد في المساء .."!

    ****



    كان أهم ما يثير شغف الكثيرين في انتظار ذلك المساء ـ في برنامج الحفل ـ مسرحية الشماشة، والفاصل الغنائي الذي ستقدمه الطالبة ندى عبد الواحد من مدرسة الشروق الثانوية. وندى هذه كانت واحدة من أساطير (المدينة). جميلة لحد الإنثيال. لطيفة وذوق في نفس الوقت. أما صوتها، فـ(لا تدانية نبرات العنادل) ـ هكذا يقولون ـ دون أن يعرفوا ما هي هذه (العنادل)! كان شباب المدينة ـ وخاصة طلاب الثانوية ـ يعشقونها عن بكرة أبيهم. بل وجميعهم (يحقدون) على سيف حسن عازف النورمال جيتار في فرقة (إفريقيا الجديدة) الذي سرت إشاعات بأن له (علاقة) بها. فهو الذي يدوزن أصوات الألات الموسيقية لمجاورة صوتها في بروفات الأغنيات التي تؤديها. وقد تأكدت الإشاعة عندما شوهدا معاً يعبران جسر المدينة ذات مساء. وقيل فيما قيل أنه (تهنَّى بها)! إلا أن أحداً لم يتخل عن (طمعه) فيها. وقد احتشد جمهور كبير في المعرض الذي أقامته مدرسة الشروق. وبالذات في القسم الذي تقف فيه ندى وتشرح لزوار المعرض اللوحات التي رسمها أستاذ الفنون؛ تلك التي تسمى (سوريالية)! والواقع أنهم كانوا معنيين بلوحة واحدة هي (هي)!

    لكن عصر ذلك اليوم شهد موجات متصاعدة من القلق بسبب غباء أحد طلاب الثانوية! فقد كان صاحبنا ممطتياً صهوة دراجته ماراً بحي النقل، والتقى صدفة بـ(عواطف) زميلة ندى في المدرسة. وبدلاً من اهتبال الفرصة وارتجال الغزل أو التزام الصمت ـ الذي هو من ذهب ـ فقد فجّر حقدها سائلاً إياها عن أخبار ندى! فردت بحسرة مفتعلة أنه للأسف لن تستطيع ندى أن تغني في المساء لأنها أصيبت بنزلة مفاجئة! والواقع أن ذلك كان حلمها هي فقط! إلا أن صديقنا اكتفى بالتصديق. ولما التقى بالسر وجمال، أخبرهما بما سمع. وهما بدورهما نقلا جبهة الموجة إلى أفق الحدث. وخلال ساعة واحدة. كان الجميع على علم بالكارثة. وبالرغم من أن طارق دون جوان، الذي يسكن في نفس الحي الذي تسكنه ندى قد أكد أنه التقى بها قبل ساعة فقط، وأنها في تمام الصحة وأن حكاية مرضها مجرد إشاعة، إلا أن أحداً لم يصدقه ظناً أنها إحدى أكاذيبه التي يعمل بها أهميات لنفسه لا غير. وهكذا اختلطت الأشياء؛ القلق بالأمل. والإنتظار باليأس. ولكن أحداً لم يفرط في هندامه حتى حل المساء وبدأت تتقاطر الجموع التي لم يكن من بينها من هو متأكد من مشاركة ندى من عدمها.

    صار الليل يؤكد نفسه في المكان. وصار ضوء اللمبات الكهربائية أكثر إشعاعاً. تتهادى المغارب وطلاب الثانوية قد جلسوا على الفسحة أمام المسرح مباشرة، وعلى الأرض تاركين آلاف الكراسي الشاغرة وراءهم يريدون قرباً. ولكن ذلك لم يدم طويلاً؛ فقد ظهر (منظمو الحفل) وطلبوا منهم إخلاء المكان بالرجوع إلي الكراسي، مبرريين ذلك بأن السيد المحافظ سيحضر الحفل. وليس من المعقول أن يجلسوا أمامه!!

    ـ يا خي إنتو ناس واعيين .. و... و...

    ولكن هذا (المنطق) لم يقنع أحداً، وثار الهرج والمرج، ولُعنت أم المحافظ على مسمع من الجميع. وأخيراً ـ لما لم تنفع "التي هي أحسن" ـ أضطر المنظمون للإستعانة بالشرطة وأستاذ (الذرة) ـ الذي كان يخشاه الطلبة ـ لإرجاعهم إلى الخلف. وقد حكم عليهم أستاذ الذرة بأن يبقوا (خلف) الكراسي عقاباً لهم على سوء تصرفهم..

    جاء موكب الأميرية يزلزل الفضاء بحماسة النشيد:

    أمتى يا أمة الأمجاد والماضي (العريغي)

    لالا لالا

    يا نشيداً في دمي يحيا ويجري في (عروغي)

    لالا لالا

    ...

    احتل الموكب ثلث الكراسي على اليمين. ثم بدأت تمتلئ البقية. بشتى صنوف الناس حتى أحتشد المكان.

    كان مهندس الأجهزة الصوتية وراء الكواليس يقوم بعمل التيستات:

    ون.. تو.. ثري ..تيست.. تيست..

    صييييييج ...

    ون... تو.. ثري... تيست... تيست... تيست..

    ..... .....

    والآن سيداتي سادتي، نرحب باسمكم بالسيد المحافظ..

    هييي .. ثار الضجيج والتصفيق ثم همد.

    تعالت الصيحات مرة أخرى لما أزيحت الستارة بمقدار الباب. وأطل مقدم الحفل أنيقاً ليلقي كلمة الإفتتاح بعد (الآيات). ولكنه هو الآخر، مكر بالقوم ولم يذع التفاصيل الكاملة لبرنامج الحفل! بل اكتفى بأن "حفلنا اليوم زاخر بالمفاجآت"! وقد كانت كلمة المفاجآت هذه مصدر تأويلات شتى؛ فالمتشائمون فسروها بأنها تأكيد لغياب (النجمة). ولكن المتفائلين رأوا أن تلك ليست سوى حذلقة من مقدم برنامج الحفل، وبالتالي تأكيد على مشاركتها. وبذلك ازداد أوار الانتظار اشتعالاً. وبعد التباري في إلقاء الكلمات المشحونة بالترحيبات المبالغ فيها، أخيراً هجم المحافظ على الناس مرة أخرى، وألقى خطبة طويلة بعثت السأم في النفوس. ولما أنهاها وترجل، قوبل بتصفيق حاد ظنه إعجاباً به بينما كان العكس هو الحقيقة!

    والآن سيداتي سادتي مع المدرسة الأميرية ونشيد (أمتي):

    هييي.. صفير .. صفير... زعيق.. موسيقى وراء الستارة.. ثم هدوء..

    أزيحت الستارة، فأطل (سرب العصافير) أنيقاً: زهرة، عزة، فاطمة، أنهار، جليلة، سمية، عائشة، جميلة.. بزيهن الموحد وتسريحاتهن المختلفة، وغنين النشيد كما لم يطاله غناء.

    وتوالت البرامج إلى أن حلت إحدى اللحظات الحاسمة:

    والآن سيداتي سادتي، مع عندليب (المدينة)، الصوت الملائكي الذي خضر القلوب وأزهر الدنيا، مع درة الشروق ندى عبد الواحد..

    كان الزعيق والصغير قد بدأ منذ كلمة (عندليب). ووسط هذا الزعيق أضاف مقدم الحفل:

    بمصاحبة عازفي فرقة أفريقيا الجديدة: علي قِدَّام، سيف حسن، سِرِّي، طارق الباشا، كموش، و... و...

    وأزيحت الستارة.. والهتاف مستمر.

    الفرقة تدوزن.. والهتاف مستمر

    أطلت ندى وأمسكت بالمايك فانفجرت الهستيريا:

    آيي ...آيي آيي آيي...

    آيي ..آيي آيي أي آيي

    وبدأ الزحف باتجاه المسرح قبل أن تنبس ندى بكلمة واحدة!

    فأخجلها هذا الاستقبال الحار، والتفتت إلى الوراء ومشت خطوات لتصلح طرحتها، فانكب جمهور العشاق وراء المسرح لرؤية وجهها وإثنائها من قرار لم تتخذه!

    وكادت تحدث كارثة لولا تدخل مدير التأهيل وبعض العقلاء لإقناع المنظمين بأن سيمحوا لـ(الثوار) بالجلوس في الفسحة الأمامية شريطة أن يلتزموا (النظام). وهكذا تحول (الثوار) إلى حملان وديعة! وجلسوا في إنتظام. فاستؤنف الحفل بعد توقف دام عشرين دقيقة..

    فلق الصبح

    قول لي

    آهو نورك لاح

    خِلِّي

    يا خفيف الروح

    أهو هذا نداك؟!

    آم ندى الأزهار؟؟!

    كان صوت ندى والأغنية. كمطر يهطل على المدائن فيغسلها ليبدو كل شيء جميلاً كما (الخليل)، ومنفعلاًً بالحياة كما شجر التبلدي في الرشاش..

    ولما بالغ في استفزازهم (المنحنى العاشر) في جمال صوتها، خففوا وطأته بأصواتهم وغنوا معها:

    آهو نورك لاح

    خلي

    يا خفيف الروح

    أهو هذا نداك!؟

    أم (ندى) الأزهار!؟

    مع الضغط على ندى الأغنية لتصبح (ندى) المغنية!

    وكما قيل، "أحياناً يستشف حدس الفنان العالم، ويقرأ المدينة من نظرة".

    بُحَّ صوت ندى وهي تقدم للجمهور مفاجأة الحفل. قالت:

    "المرة دي إخترنا ليكم إغنية نتمنى تعجبكم وتعبر عنكم. وهي إغنية جديدة للفنان (زيدان إبراهيم)".

    انفجر الزعيق والصفير والهتاف مرة أخرى..

    موسيقى.. موسيقى

    "إحم.. إحم" ـ ندى تستفرد حبال صوتها.

    مساحة للنورمال جيتار..

    ثم:

    داوي ناري والتياعي

    وتمهل في وداعي

    ياحبيب الروح هب لي

    بعض لحظات سراع

    قف تامل!

    مغرب العمر وإخفاق الشعاع

    ...

    ...

    تبعث السلوى

    وتنسى الموت مهتوك القناع

    دمعة الحزن التي تسكبها فوق ذراعي

    صمت.. صمت...

    لم يهلل أحد، لم يهتف، لم يصفر! حتى الريح التي كانت تعبث بفروع الأشجار هجعت!! وبقي:

    الدنيا

    الموسيقى

    صوت ندى

    ووجوه نضرة مدفونة في الحجور والأيادي، والبكاء الشفيف!

    كان يوم! مثل ماذا ؟؟؟!!!!

    *****



    كان أستاذ عساكر، رغم جربنديته مخرجاً موهوباً، فعقب التدريبات والبروفات الأولية التي لم تكلفه طويل وقت بسبب مواهب ممثليه العالية، قام بإدخال الكثير من المشاهد الإستعراضية. واستشف أهمية ضبط المسرحية من خلال أرضية إقاعية مصاحبة ـ كما في الموسيقى التصويرية في الأفلام. فجمع مجموعة من الاسطوانات واستعان بفرقة أفريقيا الجديدة لعمل الإضافات الضرورية والكولاجات المطلوبة. وبذلك تم إدخال فرقة أفريقيا كلها في المسرحية.

    إنتهى أستاذ عساكر من كل تلك التجهيزات التي لم يكن يعرف رأي علم المسرح ـ الدراماتولوجيا كما يقول المثقفون ـ فيها. ولكنه كان مستنداً على أساس "أن الفن هو في المقام الأول )حدس الفنان(". وقبيل إحدى البروفات كان يفكر، فخطرت بباله مشكلة متعلقة بمود mood الجمهور. هذا السؤال لم يخطر بذهنه من قبل، ولكنه ـ كمدرس ـ يعرف أن الناس أحياناً لا ينفعلون بالأشياء لا لسبب إلا لعدم إستعدادهم النفسي لحظتها. وقد ساقه هذا التفكير إلى اختراع مشهد استعراضي تمهيدي يجعل المسرحية (مستقلة) عن تأثير أي ظرف خارجي غير موات محتمل، وبالتالي أن تصنع موودها بنفسها؛ الأمر الذي دعاه للاستعانة بعدد آخر من الممثلين الثانويين. وقد كلفه ذلك أيام أخرى من التدريبات والبروفات.

    لم يعد الكثيرون من (حضرة الندى)، وحالة التماهي والدوار الذي صنعه صوت ندى الشروق، واستُدرجت الذكريات من منابعها الأولى ـ مأساة الوداع ـ واستدارت حالة الشغف إلى ما كانت تخطو في دروبه ذكريات الماضي القريب الأليمة. المتواطئة مع الأغنية والصوت واللحظة.

    ...

    والآن سيداتي سادتي، مع الفقرة التي انتظرتموها طويلاً؛ مع المدرسة الشرقية ومسرحية الشماشة.

    عاد الصفير والهتاف مصحوباً بـ(نج نج ..) وتقافز بعض المتقافزين.

    أطفئت كل أنوار المكان ـ ولم يحدث ما كان يقلق مدير الأميرية. وقد ساد الهدوء والصمت المكان والزمان. صوت النورمال جيتار يوقع تقاسيم "عزة في هواك". طويت الستارة. ودخلت عيون المشاهدين إلى خشبة المسرح وصافحت ألوان علم الوطن على ضوء البطاريات من أعلى سقف المسرح. أنفردت الشرائط الملونة مع تقاسيم "عزة في هواك" وتطور المشهد إلى بانوراما البلد:

    مزارعون بعراريقهم، يحرثون بأدواتهم أرض الحقول ويغنون. عمال يكسرون الصخر ينشدون ..

    باعة متجولون

    طوابيرعسكرية

    تجار ومسئولون

    ولكن أكثر ما شد انتباه المشاهدين، هو الشخص الذي يمثل دور الحمار وينهق كمثله تماماً! وعلى ظهره الرجل (أبوعميمة) الفرِح كأنما هو سائق لعربة من نوع العربات التي بدأت تظهر في البلاد في تلك الأيام..

    أسدلت الستارة واستمرت تقاسيم (عزة في هواك) خفيضاً خفيضا..

    في المشهد الثاني:

    صهيل. صهيل!

    طاخ.. طراخ... بنادق... رعب.. مثل أفلام ديجانقوا؟

    إنزاحت الستارة، وظهر في طرف الخشبة رجل ذو عمامة كبيرة بصحبة جماعة من الناس الذين شاهدهم الجمهور في المشهد السابق. الشرطي بسوطه والبندقية يغذ بهم السير. ظهر في آخر الطابور الرجل أبو عميمة وقد ثقل عليه حمله بعد أن فقد حماره! فتعثر وسقط. ولما ضربه الشرطي أضطر لترك جزء من حمله على قارعة الطريق. (عزة ف هواك) تعلو.. وتعلو ثم تحرك تحت القماش الملقى شئ!! ظهر أنه صبي، وبدأ يزحف! تركزت عليه الأضواء مع تقاسيم (عزة في هواك). وبالقرب جزع الشجرة (الكرتون) خفتت الأضواء قليلاً قليلاً، ثم انطفات ثم عادت تدريجياً كناية عن تعاقب الليل والنهار! كان المارة يمرون، يتبادلون التحايا والإشاعات، بعضهم متوحد يكلم نفسه! ثم مر عدد من (الشماشة) يتقافزون وهم يعيدون سيرة فيلم أمبارح، فيلم (أمبارح) بتاع (جاكي شان). تاح.. تراح.. ولما كانوا يتجولون (بلا أهداف معلنة) ـ كما يقال ـ في تلك الساعة من اليوم، فقد حاولوا تسلق الشجرة كجزء من العبث.. لكنهم انتبهوا إلى وجود الرفيق الجديد! ركلوه بأرجلهم فلم يتحرك! أخرجوا (الصمنج منج) وضربوه، فتحرك قليلاً ثم غفا!!

    جرى رينقو وأخبر أبوطويلة (زعيم الشماشة) بحكاية الرفيق الجديد. جاء أبوطويلة ماشياً بطريقة أبطال السينما، وصاح فيهم:

    ـ في شنو يا (خولات)!؟

    ولم يكن ذلك سؤالاً، وإنما أمراً بإفساح الطريق كما فهموا جميعاً.

    جلس أبوطويلة عاكفاً رجله اليسرى، وجسه، فلاحظ أن رجليه رقيقتان أكثر من الطبيعي! قال:

    ـ دة (كَرْجَوِيْل)!

    يقصد انه كسيح، مشبهاً إياه بالجحش ذو الأرجل الملتوية! ومنذ تلك اللحظة صار اسم الرفيق الجديد (كرجويل)، ولم يُعرف بعد ذلك اسمه الحقيقي! فهنا لا يسأل أحد عن مثل هذه الأشياء!

    أصلح أبوطويلة جلسته على رجله الأخرى، ووضع سبابته على صدغة كما يفعل الأبطال في السينما عندما يكونون في حالة تفكير.

    ومن داخل حلبة الصمت تلك اقترح عليه هبّاش أن (يعملوا فرتِك) ـ أي أن يهربوأ ويتركوه ـ ولكن أبوطويلة زجره قائلاً:

    ـإنت (لوطي) في راسك؟ واضطر الممثل للإشارة هنا مثلما هناك.

    ولما توصل أبوطويلة إلى النتيجة النظرية، ووضع على أساسها خطة في رأسه، أمر رينقو والزنجي قائلاً:

    ـ "عضَّة جَبِدْ". يلاّ، تلقونا هناك في (القرقف).. ما أكتر من دقائق يل لوايطة. دة جعان يلا قبّال يموت.

    شمر رينقو والزنجي أكمامهم المهترئة، وأداروا عربات خرافية في رؤوسهم وطاروا..

    فحمل أبوطويلة الرفيق كرجويل على كتفه وغادروا المكان.

    ستارة



    المشهد التالي في السوق. التاجر عبدالفراج. بعمامته الكبيرة جالساً على كرسية يتحدث:

    ـ لا .. على الطلاق تفطر معانا.. لا أنا حلفت..

    وفي تلك اللحظة كان صاحب مطعم (الكواكب) يطارد رينقو والزنجي قائلاً:

    ـ يلا من هنا يا أولاد الكلب.. الليلة ما فيش (كرتة)... طفشتوا لينا الزبائن! والله الواحد إلا يأجر ليهو بوليس عشان يوديكم في داهية.

    وهما جاريان من تلك اللعنة، سمعا (حليفة) عبد الفراج التاجر.

    فأشّر رينقو للزنجي إشارة النصر، ففهمها (على الطائر) وقال:

    "أحسن محلة في الخور الجنب بيتم داك".

    ستارة



    كان يمكن أن يكون هذا المشهد عادياً كبقية المشاهد، لكنه هذه المرة كان محفوفاً بالبهار! فرغم جماليات العرض إلا أن انتظاراً خفياً كان لهذا المشهد بالذات، الذي فيه بؤرة التركيز لسيرة أولاد قرف في المدينة. وخاصة (أم المدائن)؛ الأميرية. وقد أبدع أستاذ عساكر (المخرج) في استغلال وتوظيف الظرف. ولما كان هذا المشهد مرتجلاً في المرة السابقة. فقد اعتنى به المخرج، وأضاف إليه شيئاً من التشويق: وقد رأي أن يظهر الممثل هذه المرة بحجمه الحقيقي على خشبة المسرح. بدأ المشهد والستارة مغلقة بالحوار التالي بين زوجة التاجر وإبنها خالد:

    ـ خالد.. يا خالد..

    ـ أيوة يا موما ـ قالها بدلع.

    ـ إنت خلاص فطرت؟

    ـ أيوة ياموما.. قالها بعصبية.

    ـ خلاص تعال وإنت راجع المدرسة، خد الفطور دة وصِّله معاك لأبوك في السوق..

    ـ ما توديه الخدامة يا موما؟!

    ـ خدامة الجن دي الليلة قالت عيانة، والله أنحنا تعبنا معاها!!

    ـ طيب يا موما ما تديهو لهشام يوديهو؟

    ـ هشام دة الليلة شال فطورو معاهو.. قال عندهم حصة بساتين في وكت الفطور!

    ـ أووف. خلاص.

    ومع وقع اقدام خالد عبد الفراج تزاح الستارة ويظهر حاملاً (عمود) الفطور.

    صفير.. صفير. نج.. نج

    ويمشي من طرف المسرح نظيفاً أنيقاً.. فهاج الجمهور. وخلطت الكثيرات بين الذي في رؤسهن والممثل. كان يدندن بأغنية لم يستبنها أحد.

    إيقاع الكشكوش يصاحب وقع أقدام رينقو والزنجي وهما يتربصان به. وبعد أن تبادلا إشارة الهجوم، انطلقا. وفي وسط المسرح اصطدم به رينقو وقام الزنجي بخطف العمود وأطلقا ساقيهما للريح! وتركاه ساقطاً من مفاجأة الهجمة. هناك وراء الجمهور، كان الشماشة (الحقيقيين) يزعقون لبهجة الإنتصار ـ بد أن عادوا عقب أن قام البوليس بطردهم من مكان الإحتفال بحجة أنهم (بتاعين جبد)؛ نشالين، ورغم محاولات جو لإقناعه بحقهم في الحضور وأنه هو الذي دعاهم لمشاهدة المسرحية التي تخصهم، إلا أن البوليس أصر!!

    وفي المقابل لبهجة الشماشة الحقيقيين بالمشهد. كانت اللعنات قد صُبّت عليهم من قبل عاشقات خالد عبد الفراج. وقد أسرت إحداهن لجارتها، أن لديها رغبة في أن تمسح عنه الغبار بطرحتها. وأصرت هي الأخرى أنه كان من المفروض في المسرحية أن تظهر(النج بتاعتو) في تلك اللحظة كما يحصل في الأفلام الهندية..

    "آآخ.. لو كدة، كنت أنا لازم أمثل الدور دة".

    وكانت تلك هي بالضبط فكرة أولاد قرف في المؤامرة التي أحبطها المنطق السائد!!

    ستارة



    المشهدالتالي، عبارة عن مشهدين متزامنين: لبيت التاجر، وتحت الكبري المعروف بـ(القرقف).

    على الجانب الأيمن من المسرح. في بيت التاجر، حيث رجع خالد عبد الفراج لاستبدال ملابسه، وإخبار والدته بما حدث:

    ـ أجي!‍ مالك يا خالد!؟‍

    ـ الشماشة يا موما!

    ـ الشماشة مالن؟ وإنت اللّمّاك معاهُن شنو!؟‍

    ـ خطفوا العمود يا موما ..

    ـ خطفوا منك العمود؟‍ يخطفن الضريب!!.

    ولما اقتربت منه ورأت أثر الغبار على ملابسه:

    ـ ووب على الليلة ووب!!‍ ديل عوقوك!!‍ الله يقطعن حتة حتة. دة إنت قدرن!!؟

    ـ لا يا موما. ديل صغار. يعني قدُر هشام أخوي كدة..

    ـ برضو ولو ‍ تعال.. تعال.. وهم خطفوا العمود وجروا على وين؟

    ـ والله ما عارف يا موما..

    ـ إنشاء الله يسمّمن يا رب. لكن لا.. أنا ما حأسكت.. أنا لازم أبلغ البوليس، ديل لازم يوروهن الماشوفوهو قبّال كدة. أكل أسويهو أنا بإيدي ديل ياكلوه الشماشة أولاد الحرام!؟

    وفي الجانب الآخر من المسرح كان الشماشة قد تهن‍‍‍‍ّوا بوجبة دسمة عيار (...) وقد خصص أبو طويلة قدراً لا باس به للرفيق كرجويل. الذي بدأت عيناه تبرقان والحياة تدب في عروقه، بعد أن ملأ (أم درمان بتاعتو) كما علق كبوج. ثم أمر أبوطويلة رينقو ـ رجل المهمات الصعبة ـ بأن يذهب، و(يجبد) قميص، فنيلة.. أي حاجة، "عشان يعيد بيها" الرفيق كرجويل ـ كما قال أبو طويلة. وحذره:

    "أوع يشوفك أي واحد.."

    ورينقو لا يجادل. ويفكر في المهمة وهو في الطريق إليها. وهذا سر إعجاب أبوطويلة به ـ كما فسره للبقية ـ وبدأ يشرح لهم خطته، فهو يفكر كبطل وكرئيس (خيانة) في نفس الوقت:

    ـ أسمعوا يا شكاشيك، إنتو عارفين إنو حكاية الجبد دي ما مضمونة.. ومراسيل ناس (الموقف) والورنيش دة كله ما جايب راس تمنو.. لكين الحل جانا. ‍

    إندهش الرفاق من هذا التصريح.. وواصل أبو طويلة:

    ـ متذكرين كرجويل الفي الفيلم، الكان بشحد جنب (الجامع بتاع الهنود) داك؟

    ـ أيوة!!

    ـ لمّن مات مش البطل أحسن فيهو وكان ماشي يحرقوا؟

    ـ أيوة!!‍

    ـ تتذكروا الألوفات اللقاها في (دلاقينو) ديك؟

    ـ أيوة.. أيوة!!

    ـ خلاص.. أنحنا كرجويل دة نشيلو نختو جنب الجامع بتاع سوق (أم دفسو).. وكل يوم عصر نجي ناخدو ومعاهو الخمةّ.. فهمتو يا شكاشيك؟؟

    ...

    وفي بيت عبد الفرّاج دق بشير ود الترزي الباب ثم دخل وقال:

    ـ خالتي (أم خالد)، عم عبد الفراج قال ليك تديني الفطور.

    ـ وإنت منو؟

    ـ أنا بشير ود الترزي!

    ـ وإنت أبوك ترزي ومالك مقطع كدة؟؟

    لم يجد إجابة، ونظر إلى الأرض. فأمرته قائلة:

    ـ أمشي قول لعمك عبد الفراج الفطور خطفوه الشماشة. خليهم يفطروا من السوق.

    وأدار بشير ود الترزي عربته الوهمية هو الآخر ومضى.



    عاد رينقو ظافراً مرة أخرى، ومعه قميص جديد فسأله أبو طويلة:

    ـ دة جبدتو من وين؟ أوع يكون بتاع الضابط؟!

    ـ لا. أنا ما جبدتو..

    ـ ومال جابو ليك خالك الفي لندن؟!

    وأخرج رينقو خمسين قرشاً ووضعها (بأمانة) أمام أبوطويلة ثم قال:

    ـ والله أنا مشيت قلت أجبد لي قميص من داخلية الأولاد.. أي حاجة كان صاح لأنو الطلبة كلهم كانوا في الحصص. بس لمّن دخلت أتاري كان في واحد لسه ما مرق!! بس وقع البطل في الكمين! لكين الزول طلع ما من (الخيانة). وقام قال لي تحكي لي الحكاية وأنا أحلها. وقمت حكيت ليهو، قام أدّاني القميص دة، وقال لي هاك الخمسين قرش دي أنا عازمكم كلكم سينما..

    ولكن رينقو أخذ صفعة حتى سقط ورأى (نجوم القايلة)! ولما استعدل جلسته عرف غلطته حين سأله أبوطويلة:

    ـ وإنت عرفت من وين إنو ما من الخيانة يا (داقس)؟؟

    تأكد رينقو من غلطته في إفشاء أسرار (أمن الدولة)، فسأله أبو طويلة:

    ـ الزول دة إسمو منو؟

    وهنا أصر المخرج أن تقال الحقيقة:

    ـ جومو

    وصفق الجمهور طويلاً..

    هز أبو طويلة رأسه ثم أمر:

    ـ الزول دة تجيب لينا خبرو... أوع تدقس تاني..

    ستارة





    في هذا المشهد تجلت ـ مرة أخرى ـ عبقرية المخرج الذي استعمل الستارة نفسها كجزء من العرض. حيث ظهر صف السينما الطويل لمشاهدة فيلم (إر المضر) المعلن على اللافتة. أُتُخذت نقطة تلاقي طرفي الستار شباكاً للتذاكر. والصف يزحف قليلاً قليلاً، ظهر أبوطويلة حاملاً كرجويل على كتفه ووراءه المليشيا ـ فهو الذي يتكفل بقطع التذاكر، ويوزعها عليهم، ويتكفل بما ينجم من شاجرات كما يعرف الناس جميعاً.

    بعد الدخول، تزاح الستارة. وتبدأ (المناظر) بخيال الظل. تعزف الموسيقى، ويرقص رينقو أما الضوء الصادر من ورائه رقصة (جكجك جك). تظهر رقصته على حائط المسرح (الشاشة). ثم تضاء الأنوار في إنتظار الفيلم.

    يقف الشماشة أمام مشاهدي الفيلم، ومع موسيقى (الجالوه) يقدمون عرضاً راقصاً أثمل جمهور المشاهدين. ثم تطفأ الأنوار ليبدأ الفيلم؛ حيث يجتاح البوليس بقيادة (إر المضر) السينما بعد أن (كردنها) عقب بلاغ زوجة التاجر. وتم القبض على الشماشة جميعاً.

    تقاسيم (عزة في هواك) تبدأ في التصاعد..

    رُبطت أيادي أبو طويلة إلى ظهره وما يزال كرجويل على أكتافه كما كان لحظة القبض عليه وهو يحاول الفرار به.

    ـ وكمان جايبين لينا مكسرين؟!

    قال إر المضر ثم أشهر سوطه:

    شو .. شو .. شو

    ـ يا حرامية ..

    شو ... شو

    عزة ف هواك نحن الجبال

    وللبخوض صفاك نحن النبال

    وتعالت موسيقى وغناء (عزة في هواك). ومع إثارة المشهد، تهاطل الطوب على خشبة المسرح! فلم فلم يصدق الشماشة (الحقيقيين) أن المسألة تمثيل في تمثيل، فرجموا المسرح بالطوب مدافعين عن (أنفسهم).. مما أضطر السيد المحافظ إلى مغادرة الحفل. وتوقفت المسرحية لحين استعادة النظام. ومع صفارة هروب المحافظ، هرب الشماشة (الحقيقيين) ولم يجد البوليس لهم أثراً!

    أخذ المخرج راحته، وأخرج الفنتازيا في المشهد التالي: كان أستاذ أحمد صابر، وكأنه وسط الطابور يذيع للجمهور، ويقدم السيرة الذاتيه للتلميذ حماد إسماعيل رينقو.

    ـ مدرسة (أبو عنجة) الإبتدائية (المختلطة).

    ـ يرجع الفضل إلى الأستاذ المربي الكبير عبد اللطيف الشريف، الذي تبناه بعد أن وجده تائهاً في الشوراع ضمن الشماشة.

    ـ أحزز أفضل نتيجة شهدتها المدرسة في السنة الأولى، فنقل إلى الصف الثالث.

    تصفيق حاد من الجمهور وتقاسيم (عزة في هواك)

    ـ أحرز أفضل نتيجة شهدتها المدرسة للسنة الثالثة، وكذلك في السنة الرابعة.

    وصفق الجمهور طويلاً.

    وتعالت عزة في هواك.

    ـ نقل للصف السادس. وها هو يحرز أفضل نتيجة شهدها المركز في تاريخه..

    تصفيق هستيري

    وقمة عزة في هواك

    ستارة



    في المشهد قبل الآخير، تواصلت الفنتازيا:

    طاولة وسط خشبة المسرح، حولها كراسي، وعليها مجموعة من العمائم والقبعات العسكرية.. على تقاسيم (عزة في هواك) يدخل الأستاذ عبد اللطيف الشريف ـ شخص حقيقي يمثل نفسه ـ يسوق أمامه جميع الشماشة..

    يلوح لهم الشرطي ويبتسم.

    يجلسون على الكراسي حول الطاولة، ويكنسونها مما عليها وينشدون:

    عزة في هواك نحن الجبال

    وللبخوض صفاك نحن النبال

    عزة ما سليت وطن الجمال

    ولا ابتغيت بديل غير الكمال

    وأنشد الجمهور النشيد طويلاً

    ستارة

    اكتملت الفنتازيا في المشهد الأخير:

    لافتة كبيرة مكتوب عليها:

    (الحفل الختامي لقافلة كلية الطب جامعة الخرطوم)

    فرقة أفريقيا الجديدة على المسرح تدوزن موسيقى (عزة في هواك)..

    والآن سيداتي سادتي مع كورال الكلية، يؤديه الطلاب والطالبات الآتية أسمائهم:

    جلال الدين أحمد عباس

    ياسر حسن عبد الكبير

    ليزا أبوإدريس

    أسمهان بلال العاقب

    بدر الدين الأمير الطيب

    هشام عبد الفرّاج

    ..صفير.. صفير

    حماد إسماعيل رينقو

    هتاف: آيي ..آيي آيي آيي ...

    آيي ...آيي آيي آيي .

    أسرار عبد الفتاح

    خليل سليمان الشيخ

    أبو بكر عبد الخالق

    سوسن الأمين ضرار

    كوثر عامر عثمان..

    كانت الأسماء مقنعة جداً بالنسبة للجمهور. ولكن لم تظهر الطالبات المذكورات في الكورال!!

    بدأ العزف على فارق زمن تدريجي عن (عزة في هواك) ودخل مجرى نشيد الوداع الذي هو الكورال:

    لن ننسى أياماً مضت

    لن ننسى ذكراها

    لن ننسى أياماً مضت مرحاً قضيناها

    ...

    كان الكورال مختلاً بسبب غياب (السوبرانو). فلم تحتمل ندى عبد الواحد هذا الإختلال، فصعدت إلى المسرح ودخلت مباشرة في النشيد..

    صفق لها الجمهور طويلاً بعد أن أدرك أهمية (السوبرانو) وصفق مرة أخرى بعد (التوازن النسبي للكورال). وفي تلك اللحظة العارمة برزت الجسارة الأنثوية؛ ومن وسط الكراسي قفزت زهرة وعزة، وتبعتهما أنهار وجليلة وأنضممن إلى الكورال وسط دهشة مدرسيهن وزميلاتهن. وغنين بجرأة غريبة، وبانسجام غريب كأنهن كن يتدربن على ذلك منذ زمان بعيد!! وقد أصبح الكورال كورالاً بالفعل:

    وانفجر الجمهور كله يغني:

    لن ننسى أياماً مضت لن ننسى ذكراها

    لن ننسى أياماً مضت مرحاً قضيناها

    ودخل مقدم الحفل بين ثنايا الكورال

    والآن سيداتي سادتي، يجدر بنا أن نذكر أن هذا العمل الرائع، كان نتاج جهد رجال (فنانون) ـ قالها هكذا ـ وهم:

    وبدأ يقرأ اللستة، كل من يسمع إسمه يصعد إلى خشبة المسرح وينضم إلى الكورال ثم:

    ومثل شخصية (أم خالد) الطالب مصطفى العاقب بطيخة

    ومثل شخصية إر المضر الطالب أحمد سالم أبو خمسين

    ومثل شخصية التاجر الطالب عثمان شربات

    ومثل شخصية كرجويل الطالب محمد الشيخ فريني

    ومثل شخصية الحمار علي إسماعيل الكضاب

    ومثل شخصية إبو طويلة أيضاً على إسماعيل الكضاب

    ومثل شخصية رينقو سيد عمر شطة

    ومثل شخصية خالد عبد الفرّّاج جومو عثمان سنين

    ومثل شخصية الأستاذ عبد اللطيف الشريف: هئ هئ هئ ..

    ضحك المذيع ثم واصل: الأستاذ عبد اللطيف الشريف!!

    وضع الموسيقى المصاحبة الأستاذ إبراهيم الطيب عساكر بالإشتراك من العازف الفنان سيف حسن.

    وقام بالأداء الموسيقي فرقة أفريقيا الجديدة.

    جهز الديكور الفنان سعيد (شلش)

    وألف المسرحية الطالب جومو عثمان سينين بالإشتراك مع بقية أولاد قرف.

    وقام بالإخراج اللأستاذ الفنان إبراهيم الطيب عساكر.

    لن ننسى إياماً مضت لن ننسى ذكراها

    لن ننسى أياماً مضت مرحاً قضيناها

    ....

    وأخذت الحماسة الجمهور ووجد الكثيرن أنفسهم على خشبة المسرح يشاركون في أداء الكورال حتى امتلأ المسرح كله!

    وعلى طرف الخشبة، ظهر أبوطويلة الحقيقي حاملاً كرجويل الحقيقي على كتفه.. كان يبدو وقوراً وكأنه يقول لكرجويل "آهـ.. ستكبر يوماً يا صديقي وتعرف كيف تغني هكذا .." وهكذا وقف بجانبه بقية الشماشة (الحقيقيين) ينشدون مع المنشدين كيفما اتفق.

    واندغم الجميع في الكورال

    وهكذا أختتم الحفل!!



    ****









    والآن، آخر الأعياد مرّ. الامتحانات على الأبواب. موسم المضاربات على أسعار المحاصيل ولى. والصيف أطل برأسه (الكبير).

    واستعدت بكرات فيلم الإشاعات ـ في الأذهان ـ لتدور، مشحونة بما سجلته من حكايا وحكايا. لم يدر بخلد أحد ما كان مختبئاً في سر أناشيد الوداع في تلك الليلة. ويا لها من ليلة! هكذا نام الخلق. ولما صادف أن كان الصباح التالي، هو الجمعة الأخيرة من أمشير، والكثيرون يمطون نومتهم، أدار المعاشيون مؤشرات الراديو لسماع أخبار الصباح، ففوجئوا بالمارشات! طار ما تبقى من نوم النائمة، وخرج الناس إلى الشوراع حاملين راديوهاتهم وتكهناتهم!!

    دقت (البق بن)، ولكن لندن لم تشف غليلاً فقد أعلنت وقوع إنقلاب عسكري في الخرطوم! ولم تزد في تعليقها الطويل العريض عن "ما زال الوضع غامضاً في الخرطوم.."

    بعد ثلث الساعة انقطع الإرسال، مما زاد الوضع إثارة. وبدأت التخريجات و(التخارجات). بعض قادة الإتحاد الإشتراكي وقادة المنظمات الفئوية بدأوا يتسللون إلى خارج المدينة.

    "الوضع ما زال غامضاً في الخرطوم" آخر جملة ختم بها راديو لندن بثه الصباحي "على أن نلتقي بكم في الواحدة إلا الربع بعد الظهر بتوقيت قرينتش .."!

    في العاشرة والنصف إلا خمس دقائق، عاود راديو أم درمان بثه. وبعد مارشيين عسكريين، جاء صوت مذيع لم يكن معروفاً ليقول "بعد (غليل) سيذيع عليكم (الرئيس الغائد) بياناً هاما (فترغبوه)"!

    مجموعة من المارشات العسكرية، ثم جاء صوت المذيع (حديث الولادة) ليقول: "والآن نقدم لكم بيان السيد الرئيس الغائد (فترغبوه)"! كان بقية أعضاء الإتحاد الأشتراكي في المدينة متوجسين، ولم يبدوا أي موقف ظاهر بالرغم من سماعهم لـ(شبه جملة) (الرئيس القائد)، التي فلقوا الناس بها، وظلوا في غاية القلق ليتأكدوا من أن الرئيس الغائد هو (الرئيس القائد).

    "أيهاالمواطنون الثوار الأحرار ..".

    لم ينتظروا البقية، وخرجوا مرددين الهتافات الصاخبة منادين بحياة (الثورة)، مطالبين بضرب (الخونة والمأجورين). ووجدوا كمَّاً ليس هيناً من السابلة وساقوهم معهم في طواف محموم في شوراع المدينة. وقد شوهد الزبد يسور فم ود العمدة وهو يقود الهتافات: "يعيش... يعيش.. يعيش"!

    بعد ذلك تتالت البيانات. وأُعلن أنه تم القبض على الخونة والمأجورين، وقيل أنهم سيقدمون إلى محاكمات عاجلة. وظلت البيانات تحذر (الأيادي الأجنبية) التي تقف وراء "المحاولة الفاشلة الجبانة".

    بذلك أصبح يوم السبت إجازة تلقائياً، يتلقّى فيه الناس أخبار المحاكمات والإعدامات ـ أيد من أيد، وتحفظ من تحفظ. ولما كانت (المدينة) كبقية مدن (الأقاليم) مجرد كومبارس أو كورس للسيدة الخرطوم، فلم يتعود ناسها على الإقتراب من الأشياء الغريبة التي تحل بالموطنين في مثل تلك الظروف في (بطن السيدة).

    كان يوم الأحد شبه عادي، وشمسه كبقية الشموس بالنسبه للكثيرين من الناس. ولما ذهب طلاب الشرقية إلى طابور الصباح ـ كما يحدث كل يوم، جاء أستاذ عباس بنفسه لأخذ التمام! ولم يكن أحد من الطلاب يعرف الحقيقة إلى أن جاء عم محمود يحمل لستة ونادى ألاولاد قرف بالدور:

    "المدير عايزكم". قال.

    وقد ظنوا أنه يريد أن يكافئهم ـ أو على الأقل يشكرهم ـ على ما جلبوه للمدرسة من سمعة حسنة في الإحتفال. بيد أنهم فوجئوا بالأسئلة الغريبة:

    "إنتو أستاذ عساكر دة بتعرفوا عنّو شنو؟"!!

    ولما لم يكونوا يعرفون أكثر مما يعرفه كل الناس؛ صمتوا؟!

    "قولوا الحقيقة .. وما حتحصل ليكم أي حاجة.."

    فسألوه عما حدث بالضبط. فأجابهم بأن أستاذ عساكر (إعتقلوه)!

    وباستثناء على إسماعيل الكضاب، فقد كانت هذه الكلمة غريبة على مسامعهم. إلى أن تردد في المدينة أن عربتين إحدهما (دبل كابين) يمتطيهما رجال بزي مدني، مسلحين بالرشاشات! قد جاءوا واقتحموا ميز المدرسين وأخذوا أستاذ عساكر!!

    كانت تلك الليلة، هي الوحيدة، بعد ليالي طوال من التفكير والتعديل وإعادة التفكير ـ في أمر المسرحية، التي راق فيها بال أستاذ عساكر. كان يستمع إلى أخبار التاسعة مستلقياً على سريره وبه بعض الامتعاض من الطرائق التي تسير بها الأشياء (العامة). ومع نفسه، كان متعاطفاً مع الإنقلابيين، ليس حباً فيهم، ولكن رفضاً لما هو قائم ومتجه. هذا بالإضافة لعادة السودانيين في التعاطف مع الموتى، مهما كان. ولأنه لم ينضم ـ في حياته ـ إلى أي تنظيم سياسي بسبب رؤيته (الخاصة) للأشياء، فقد قال لنفسه "كله من بعضه" وربما هذا المعنى هو الذي أوحى إليه مشهد الطاولة فاعتمده ولم يفكر كثيراً في الآمر باعتباره جزء من (منطق) العمل الفني.

    ولما انتهت أخبار التاسعة، أعتبر أن المسألة انتهت. وآخر الأفكار التي جالت بخاطره قبل النوم كانت متعلقة بمصائر تلاميذه الأفذاذ.

    استيقظ أستاذ عساكر إثر ضربة قوية على الباب! ولما جر الغطاء عن وجهه، كان ضوء البطارية الساطع في عينية!

    أغمض عينيه منادياً:

    ـ أزهري... أزهري ..

    ظاناً أن أستاذ ازهري، رفيق الحجرة، قد تعتبر وهو عائد من الخارج. ولكنه سمع صوتاً يقول:

    ـ أيوة .. يا هو!

    قفز أحدهم وعصب عينيه بقماش. وربط يديه إلى الخلف. كان أستاذ عساكر ينادي مندهشاً:

    ـ أزهري ..أزهري

    إلى أن زالت الدهشة أخيراً:

    "أسكت، والله هسي أفرطك راسك".

    وهكذا سيق حافياً بفنلته الداخلية وسرواله الأثير (أبو تكة) فقط!

    وقد شاهد أستاذ أزهري ذلك المشهد و(الرشاش) على رأسه!

    كانت العربة تسير لساعات طويلة إلى أن أُدخل أخيراً في مكان تُسمع فيه أصوات العربات بعيداً، وأصوات الطيور تشقشق. فخمن أنه إما الصباح وإما المغرب. ولما فُك القماش الذي كان به معصوباً، لم تك عيناه قادرتان على النظر، وزيد الطين بلة بأن قابله ضوء كشافة على المنضدة التي يجلس عليها أحدهم ليسأله عن علاقته بـ(المؤامرة)! بعد سين وجيم المعروفة:

    ـ أحسن ليك تعترف. دة طبعاً نحن حنعتبرو تعاون منك ويساعدك كتير.. آها ورينا إنت علاقتك بالجماعة ديل شنو؟

    ـ ياتو جماعة؟!

    ـ ما تقعد تعمل لي حركات الشيوعيين دي .. إنت حتعترف يعني حتعترف..

    وتدخل آخر:

    ـ دقيقة.. دقيقة سعادتك..

    وأدار وجهه نحو حزمة الأوراق التي كان يحملها:

    ـ إنت قلت لي إسمك منو؟

    ـ إبراهيم ..

    ـ إبراهيم منو؟

    ـ إبراهيم الطيب عساكر.

    ـ طيب ليه ما قلت كدة من الأول؟

    لم يجد إجابة على هذا السؤال، والواقع أنه كان مجهداً.

    ـ دة باين عليهو من النوع كدة (...) سعادتك.

    فجرُّوه عبر ممر ضيق إلي حجرة فارغة، ليس بها غير نافذة صغيرة تفتح باتجاه مكان أخر تأتي منه الصراخات (آيي .. آآخ.. وآآآع ع ع)!

    أجلسوه على كرسي خشبي في منتصف الحجرة، وبادره السائل الأخير:

    ـ آها يا أخينا. إحنا حنسألك وعاوزنك تجاوبنا بدون لف ولا دوران..

    ..إنت في شهر حداشر كنت وين؟

    ـ كنت في المدرس‍ة‍.‍‍‍‍

    ـ آها طيب وبعدين؟؟

    صمت، فسأله سعادتو:

    ـ إنت ما مشيت أي حتة؟

    ـ مشيت كوستي..

    ـ و الوداك كوستي شنو؟

    ـ أنا أصلو من هناك.

    ـ وخليت المدرسة ومشيت لشنو؟

    ـ والله والدنا كان عيان.

    ـ كويس .. طيب في كوستي لاقيت منو؟

    ـ لاقيت ناس كتار‍‍‍!

    ـ أيوآآآ. زي منو؟

    ـ والله هم كتار، ما بقدر أحدد ليك..

    ـ شوف نحن حنخليك تحدد. احسن تمشي كويس زي ما كنت ماشي معانا.

    ذكر لهم بعض الأسماء مثل (الجوغان) و(محمد عثمان) فدونوها ثم قالوا له:

    ـ ما هو إنت كويس ‍ طيب بتعرف أستاذ محمد عابدين؟

    ـ أيوه.

    ـ كويس خالص .. طيب علاقتك بيهو شنو؟

    ـ والله ده كان أستاذنا في المدرسة الثانوية.

    ـ وطبعاً هو الـ(جندكم)؟

    ـ جندنا وين؟

    ـ الله الله.. أوع تحاول تنكر

    ثم تدخل الآخر:

    ـ أسمع يا... قلت لي إسمك منو؟

    ـ إبراهيم .

    ـ تاني إبراهيم؟؟

    ـ إبرهيم الطيب عساكر.

    ـ طيب يا أستاذ عساكر.. إنت الألفت المسرحية بتاعة يوم الخميس؟؟

    ـ أيوة

    ـ كويس جداً جداً يعني إنت كنت متستر ورا الولد القلت للناس إنو الألف المسرحية ..آآ؟؟

    لم يجد إجابة، وصمت قليلاً ثم:

    ـ ما .

    قاطعه:

    ـ ما (ما) ولا حاجة.. أوعك تحاول تعمل لي فيها ذكي..

    ثم أضاف: "طيب إنت قلت لي إنو إنت الألفت المسرحية. كنت تقصد شنو بحكاية العمم والطواقي الفي التربيزة دي؟؟"

    لم يجد أستاذ عساكر إجابة، وصمت.

    ـ شوف يا أستاذ عساكر، الحقيقة واضحة زي الشمش: إنتو تعملوا مسرحيات وحاجات زي دي (يعني تحرك مدني). والجماعة بتاعنكم ديل يعملوا التحرك العسكري. وبكدة (تضربوا عصفورين بحجر واحد..) ولا أنا كضاب؟؟

    فسكت إستاذ عساكر ولم يستطع أن يقول له (انت كضاب)

    ـ بكدة المسالة (finish )، وسكاتك دة معناهو إنو كلامي صاح. إنت تروق كدة ونحكي لينا الحكاية من الألف إلى الياء.. وأنا اضمن سلامتك.

    "يا شمسون. جيب للأستاذ ده سندويتش وكباية موية باردة ..".

    ـ آآ... آسفين يا أستاذ اليومين ديل ما عندنا بن ولا شاي.. إنت عارف الظروف.. والله كان عزمناك. إنت أستاذ برضو. هئ ...هئ هئ ضحك سيادته.

    جاء شمسون أصلع قصير، يرتدي فنلة(CUT) . مد له الساندويتش ووقف بجوراه حاملاً كوب الماء.

    ما كانت لدى أستاذ عساكر رغبة في أي شيء، فظل ممسكاً بالساندويتش وهو ينظر إلى مكان غير محدد لا داخل ذهنه لا خارجه!

    ‍ـ أُكُل يا أستاذ. وبعدين معاك يا شمسون!! خلاص خت الكباية دي وأمشي..

    ـ حاضر سعادتك ..

    قال الرجل الثاني:

    ـ شوف... إنت لازم تاكل يعني لازم تاكل.

    فرد عليه (أساسي):

    ـ لا لا ياخي .. ما تكون راجل (CRUEL) ياخي! الراجل دة أستاذنا.. يلاّ أُخُد ليك لقمة كدة.. ولا معليش .. نشفنا ريقك بالأسئلة بتاعتنا.. معليش يا أستاذ هاك خد بُقُّة.

    أخذ جرعة، وضحك سيادته ثم قال:

    ـ طبعاً يا أستاذ إنت راجل صادق، ودة وضح من إجاباتك. طبعاً أستاذ محمد عابدين دة راجل خالنا وكدة. أنا أصلو من عطبرة.. بالمناسبة.. تعرف خليل صديق بتاع السينما؟

    ـ أيوة دة ساكن في الحي بتاعنا..

    ـ أقول ليك سر؟ تعرف خالنا دة هسي (رهن الإعتقال) لكين مش مكن أنا أخليهو تحصل ليهو حاجة.. مهما كان يعني دة خالنا‍.

    وبعدين يا خي إنت راجل تلميذه.. وإحنا عندنا (تعليمات) إنو الزول البتعاون معانا ده حيصدر عنو عفو قريباً. يعني نحنا كل هدفنا تأمن البلد من (الأخطار الخارجية).. طبعاً إنت سمعت إنو في أيادي خارجية داخلة في المسألة ‍‍ونحن طبعاً الناس المدنيين ديل عارفين إنهم ناس (وطنيين) مهما اختلفت وجهات النظر يعني ..

    لم يكن أستاذ عساكر لديه فكرة عن هؤلاء. فكان يستمع صامتاً. وبعد فترة. دخل الرجل الآخر، ثم قال:

    ـ سعادتك الرجل البهنا دة إعترف بكل شيء.. وما أظن الأستاذ دة يفيدنا بحاجة إضافية...‍

    ـ خلاص إنت أمشي .. دة الراجل طلع معرفة يا خي.

    ولما خرج الرجل الثاني:

    ـ آها. قلت لي الجماعة ديل لموا فيك وين؟؟

    ـ الجماعة منو؟؟

    ـ الجماعة أصحاب خالنا. بتاعين المشاكل ديل؟

    ـ شوف يا سيد، أنا أقول ليك الحقيقة..

    ـ أيوآآ.. بس.. الحقيقة.

    ـ أنا ما بعرف أي جماعة، وما عندي علاقة مع أي زول.

    جر (أساسي) رجله على البلاط، ففهم شمسون، ووقف بجوار الباب نادى:

    ـ عايزنك سعادتك ..

    ـ خلاص يا قريبي، الظاهر في شغل مستعجل، المهم إذا احتجت لأي حاجة تطلبني.

    خرج وأخبرهم بأن هذا الرجل إما أن يكون فعلاً (ما عنده علاقة) أو يكون (راجل خطير جداً).

    ـ لا سعادتك. دة أكيد راجل خطير جداً، وبعد إذن سعادتك نبدا معاهو المرحلة الثانية:





    ****



    عقب تدخل أحد أقرباء الأستاذ عبد اللطيف الشريف وإنقاذه من كماشات (المرحلة الثانية)، بقيت تدور الإشاعات في سيرة أستاذ عساكر، وقد أقتنع الكثيرون من البسطاء وغير البسطاء ـ ومن مصادر مشبوهة ـ بثبوت انتمائه للجماعة من خلال تخريجات مدعمة بتحليلات لمضامين المسرحية التي شاهدها الجميع. ولكن الغالبية كانوا متعاطفين معه. ولما لم يكن باليد حيلة، في أيام (الألغام) تلك، لم يبق إلا تداول نتف الأخبار المصنوعة محلياً، المدعومة بدعوات سرية له بالسلامة والنجاة، إلى أن داست (لواري البحر) فراملها على موقف (المدينة) .. وأشاعت ما حدث في كوستي؛‍ حيث خرجت مظاهرات عارمة احتجاجاً على مقتل إبن المدينة (البار) أستاذ عساكر!!

    جاء رجال أثناء اليوم الدراسي. دخلوا على أستاذ عباس في مكتبه. وسمعهم عم محمود قبل خروجهم يأمرون:

    "القلناهو دة يتنفذ بالحرف"!.‍

    لم يكن عم محمود يعرف شيئاً وهو ذاهب إلى (مكتبة البدري) ليحضر أوراق البوستر، ففاجأه ود فاضل العجلاتي:

    ـ البركة فيكم يا عم محمود.. والله أستاذ عساكر كان راجل طيب ـ الله يرحمه ‍‍.

    تشهّد عم محمود، وقرأ الفاتحة على روح الفقيد الذي كان ـ بالنسبة له ـ إنسان لا ينسى. وقال "جايز الموت" ثم سأل ود فاضل "الكلام دة حصل متين؟" فتلفت ود فاضل حوله ثم أجاب:

    ـ إنت كنت وين يا عم محمود ما الجماعة ال########ين ديل كتلوه.. وقالوا هسي كوستي مولعة نار.. تصدق!! تلتمية ولا أربعمية من الطلبة إنضربوا رصاص!!‍‍

    ـ لا حول ولا قوة إلا بالله .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..

    إشترى عم محمود أوراق البوستر، وعلى طول الطريق لم تفارقه الحوقلة.

    بعد ثلث ساعة من إحضار الأوراق، نودي وأُمر أن يعلق البوسترات. حملها عم محمود كما يؤدي عمله كل يوم. وعلى البورد أفرد الروقة الأولى وألصقها.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ينعى الأتحاد الأشتراكي

    الأستاذ العظيم / إبراهيم الطيب عساكر

    مؤسس فرعية المنظمات الفئوية بمديرية النيل الأبيض، وعضو الاتحاد الإشتراكي الذي غدر به الخونة وأعداء الوطن .

    ويهيب الاتحاد الاشتراكي بالجماهير للخروج غداً في مسيرة الثورة الظافرة للتنديد بأيادي الغدر التي أمتدت لتقتل الأستاذ عساكر

    وأظله الله بشابيب رحمته

    وعلى جذع الشجرة الكبيرة، علق عم محمود الورقة الثانية ـ وهو ما يزال يهز رأسه ويتحوقل:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    ينعى مدير وأسرة المدرسة الشرقية

    الأستاذ / إبراهيم الطيب عساكر

    الذي أغتالته أيدي أعداء الثورة والوطن

    وإنا لله وإنا إليه راجعون



    عقب انتهاء الحصة الثالثة، وهو خارج سأل أستاذ أزهري عم محمود:

    ـ في شنو يا عم محمود؟

    ولما إقترب لم تصدق عيناه ما رأى:

    ـ لا.. لا...ما ممكن؟

    وكانت هذه أول مرة يقول فيها أستاذ أزهري (لا) ..

    ـ دة كذب .. دة كذب ...

    ودفن وجهه في (حائط المبكى).

    إلتف حوله الطلاب الذين كانوا متحلقين حول زير الماء. ولما أبصروا الأوراق إياها صاحوا:

    ـ لا ..لا..



    وخرج بقية الطلاب من الفصول عبر الأبواب والنوافذ. كان أستاذ أزهري قد دخل على أستاذ عباس وتجاسر لأول مرة وزأر في وجهه:

    "دة كذب! وإنت يا أستاذ ما تختشي؟! حتى الموت ما عندكم ليهو اعتبار!؟ ليه يا أستاذ؟ ليه يا سيادة المدير؟! إنت جبان.. جبان".

    وخرج غاضبا وخاطب الطلاب وحكى لهم (المسكوت عنه):

    "والمكتوب دة كذب..."

    ولم يستمع الطلاب إلى بقية الخطبة. انفجر الغضب وقاموا بتمزيق الأوراق ثم وانداحوا في شوراع المدينة هتفوا ونددوا، ورجموا بالحجارة كل المؤسسات الحكومية. وقفز بعضهم فوق سور مدرسة البنات وأخرجوهن. وانضم إليهم طلاب الثانوية، والتأهيلي، ومدارس الشروق واتجهوا إلى مكاتب الاتحاد الاشتراكي.

    كانت جملة واحدة هي مكمن المتفجرات: "كتلوا أستاذ عساكر".

    وكانت الشرطة قد استعانت بحامية الجيش، وتحركت إلى وسط المدينة. وهناك كان المتظاهرون قد هجموا على (المكاتب) وإحرقوها. وفي غمرة الحدث، أطلق الجنود الرصاص. وحُمل سبعة عشر شخصاً إلى المستشفى، وتم القبض على الكثيرين وسيقوا إلى (معسكر التدريب) وهناك ضربوا "ضرب غرائب الإبل".

    وفي عصر ذلك اليوم، تسرب الخبر: أن ستة أشخاص ماتوا، تأكد موت ثلاثة طلاب ـ ذكرت أسماؤهم ـ وثلاثة أخرون مجهولو (الهوية)!

    ولم تشاهد المدينة بعد ذلك المدعو رينقو أبداً ولا رفيقيه هباش والزنجي!

    أمشير ومارس

    والمدارس

    فكّ جرحك يا مدينة

    ألف فارس.

    رينقو في شربة مسدس!

    وجنبو هباش المرصص! ولاّ يا زمن الطورائ!!

    لو تعيش في تحت جيش

    أو تنيش من عمة بيش

    برضو بفضل شعبي عارف

    أي طلقة ظلم (لا)

    أي كلمة حق (أيوة)

    وإنت عايش يا عساكر

    في العراريق والبلوزات الحناجر

    وبكرة لما الضلمة ترحل

    تلقوا هباش ـ يا خوازيك ـ في حلوقكم طعم حنضل

    إستعدوا وغتُّوا راسكم من حجار رينقو الحتنزل

    زي أبابيل زي قنابل

    من صغاركم لي كباركم راح تجندل

    ويا ضواحي الليل وإيدو، قايلة مافيش البخبرك!؟

    بكرة لما الشمس تشرق شوفي كان تختاري قبرك

    أرجي بس وانتظري زنجي

    وشوفي كان تلقي البِنَجِّي

    وامتلأت الحيطان بتلك القصيدة، التي وصلت إلى (المدينة) من كوستي عبر (خط الكفاح المشترك). قيل أنه كتبها شاعر (ثوري) إلتقط تاريخ الحدث من شوراع وأزقة وإندايات كوستي. وقد أعجبت القصيدة تلميذاً صغيراً اسمه (عثمان البشرى) ـ صار بعد ذلك شاعراً كبيراً من شعراء البلاد. كان عثمان البشرى هذا قد حفظ القصيدة عن ظهر قلب، وقام بنسخها لجاره، وشريكه في الدرج والكتب، على غلاف كراسته. فقام جاره هذا بنسخها بالخطأ على غلاف دفتر حسابات والده سائق اللوري. فتكفل اللوري بقطع المسافة بين كوستي و(المدينة)، فقام سائق اللوري، الأمي، بنزع الغلاف المشخبت وإلقائه للريح! فأخذته الريح إلى جوار الحائط! أغرى الحائط فريني ليتبول عليه! فتواطأ بول فريني وطال! فجرجر طوله عيني فريني للتأمل! فاصطدم التأمل بالغلاف المنزوع! فطارت القصيدة وركت في عيون فريني! قرأتها وأدخلتها إلى قلبه! فأحبها قلبه وقرر أن يتزوجها.. فأخذها إلى أبيه الرأس ليطلب له يدها من أهلها! فوافق أبيه على الفور وأرسل للمعازيم: أمر اليد بأن تنسخها على جدارن الداخلية، واللسان أن يقرأها بأعلى صوت! فأعجب صوته المدينة فصارت تغنيها كفاحاً يومياً ضد النسيان!!

    لما استيقظت عزة، بعد أيام الهول إلى فضاء الجرح الجريح، وجدت صديقاتها قد نسخنها لها على دفاترها المدرسية أسوة بدفاترهن. فلبست نظارة سوداء وقراتها.. ولم يسألها أحد عن متى ستنزعها.

    زهرة، وأنهار، وجليلة ـ ثلاثة أرباع ما تبقى من سرب العاصفير ـ قلبن كل صفحات كتاب البكاء والمرارات، وعضضن على شفاههن بحرقة، ونظرن إلى المدى الطويل، فأقسمن أن ينجبن عساكر وهباش ورينقو وزنجي..

    قام سيف حسن بدوزنة القصيدة على ميقات النورمال جيتار. وندى عبد الواحد قررت أن تغني كل يوم بأسماء الطيور المجندلة، وأن تدفع الثمن بأن يذهب (عبد الواحد) إلى المعاش الإختياري تاركاً وظفته لـ(الشروق ).. وما يزال الناس يفتشون عن سر الحزن الجليل كلما رن على أذن سامع نشيد ضارب في البرية التي كانت يوماً (المدينة).

    هناك، في (القرقف)، كان أبو طويلة يتلقى التعازي ويسأل نفسه "أصحيح لن يعود رينقو؟ أصحيح ؟".





    ****



    تحول لهيب الذكرى إلى جمر في القلوب. كل التذكارات لافتات لأيام ستأتي مع مدارات الدنيا. ومن تحولت عنده الذكرى إلى رماد، لم يكن يوماً من سلالة قرف.

    من وراء خط المصير الذي رسمه القدر، ولعبت به أيدي العواصف. نادى المنادي: "من كد وجد.. ومن طلب العلا سهر الليالي".. ولكن شتان بين سهر وسهر. كان الكثيرون يقلبون صفحات الكتب المدرسية والدفاتر. وبين الفينة والفينة يترنمون بأغنية أمشير ومارس، ثم يجندل النوم الجفون.

    كان جو يقلب ما صار لاحقاً (أخبار الأيام) ويدوِّن رسائل من ورد ورصاص:

    "الآن أعبر الليل. والليل بحر أحزان.. أقبّل أقدام الريح أن تاتيك بسر الذي لا سر فيه. الآن أحلم أن أحكي لك سيرة الضوء الشارد.. الآن تقفز السؤلات الجارحة. ماذا بعد؟ ماذا سنصير؟ أمثل من كسروا أجنحة الطير وأحرقوا الفراشات؟؟؟"

    ويغمض عينيه عن شيئين:

    الغياب

    والغياب

    وما بين غياب وغياب، ترفل كل الوصايا، ولكنها تبقى في نهاية النفق شيئاً واحداً (القسر/الموت).

    يدٌ بالنهار تهشم عنفوان خصلة أديرت ليراها القلب، فأدير بها الوجه إلى الصليب..

    يد في الليل تهدم أحلام المسادير. ويد بالنهار ـ أيضاً ـ تزرع الرحيل الأبدي في بعض حلم يافع، ويتبادل الليل والنهار وردياتهما.

    وتتبارى (الأيدي) في إدارة الدائرة.

    ونحن ؟!

    وكل هؤلاء؟!

    الطحين؟؟!!

    ويجئ صوت المسيح:

    ـ أنتم ملح الأرض فإذا فسد الملح فماذا...؟

    ـ أنت نفسك أيها المسيح صلبوك!؟

    ـ ولكن كلماتي باقية..

    ـ وكلماتهم هم؟ أليست باقية؟؟ أنها ليست كلمات، إنها نفس الأيدي التي صنعت الصليب..

    ـ "إن ربك لبالمرصاد"

    ـ وإلى أن يوضع (الميزان)؟

    ـ"... ولا تعجل به ..."

    ـ والمدينة!؟

    ـ "حدد ملامحك يا حراز"

    ـ ونون؟

    ـ مدينة.

    ـورينقو؟ الإنسان؟

    ـ مدينة.

    ـ ومن أنت؟

    ـ الطريق.

    ـ !!!

    وبسط الولد الجالس على مقربة من الحائط ذكرياته على نهر الزمان. وهناك من النهر خرجت نون في مكتمل الفضيحة. حلق أستاذ عساكر ورينقو ورفاقه كما النحلات وغابوا في العاصفة. مد جو يده بالتلاويح. سجلت الكواكب إبتسامة نون على حدب الرحيل. لم يعد بينه وبينها إلا قيد لمسة.. ها هو الخد الأيسر وعليه حبة الشباب، العينان الجميلتان، الخصلة المتمردة، الخجل الأثير.. وفي لحظة التجاسر على الإفاعيل القديمة، دخلت اليد التنينية في المشهد. وجذبة واحدة فإذا هما ساقطان في (هاوية الزمان)!

    ـ جو.. جو.. جو.. جو

    ـ نو.. نو.. نو.. نو..

    ـ جو.. جو.. جو..

    ـ نو... نو... نو...

    ـ جو ... جو

    ـ نو ... نو

    ـ جو...

    ـ نو...

    وفي صباح اليوم التالي وجد شربات الرسالة تحت وسادته:

    "أحبابي..

    حين تشرق شمس الغد سأكون قد قطعت مسافة يوم كامل في الطريق على مدن بعيدة.

    أعرف أنكم ستتصرفون كما أريد..

    لعزة، وزهرة، وأنهار، وجليلة، وسيف، وندى (ما تعرفون)

    للكعبة، تحيات الصباح والمساء.

    لعثمان سنين وبت النور كتبي وسيكون عزاءهما أنتم، وأنتم ملح الأرض.



    جو

    جدران الكعبة

    الذكرى الخامسة والتسعين بعاداً







    ******************

    ************

    *****

















    3

    اللعبة الكبيرة

    سيرة السراب





    فالسيد زين العابدين محمد الحسن ـ أي السيد المدير ـ كان مدرساً لم تك أحلامه تتعدى أحلام المدرسين المخلصين. ولأنه كان في يوم ما شخصاً، يمكن أن يقال عليه، (طيباً) كبقية خلق الله. ولا علاقة له بما يعرف بالمسائل (العامة)؛ فقد كانت كلماته وإكليشيهاته ـ المجد والسؤدد وعماد المستقبل ـ التي كان يرددها على مسامع طلابه على مر السنين ليست سوى كلمات وجمل ذات دلالات شاعرية. وقد كان كل ما يتخيله من سعادة في مستقبله، هو أنه، بعد أن ينزل المعاش، يعود إلى كسلا ـ مسقط رأسه. وأن يساعده أبناؤها في بناء بيت له في أي حي شعبي ـ شريطة أن يحمل اسم الميرغنية! حتى إذا جاء يوم الحشر، وكانت (القوائم) بالمربعات، أو بالأحياء، حُشر في زمرة الأولياء الصالحين. وعلى أن يكون البيت بجوار الزاوية، إن تعذر المسجد؛ ليصلي فيها الفجر حاضراً، ثم يعود إلى البيت لتعد له الست الشاي والقهوة البجاوية ليعدل كيفه الصباحي، وينتظر حتى تعد له الفطور. وبعد الفطور، يطوي عمامته، ويتعطر بالكلونيا أو المسك. ويضع على كتفه شاله الذي أهدته إليه إحدى بناته بمناسبة زواجها. ويحمل عكازته ضارباً باتجاه السوق.

    يغشى أولاً كشك الجرائد، ثم يدلف إلى رفيق الصبا، وصهره المحجوب، الذي يجلس أمام دكانه الكبير، فيأتي له المحجوب بقهوة الضحى ـ البجاوية أيضاً. فيرشف منها ويطالع الجرائد. ثم يتبادل مع المحجوب الأحكام على (الأشياء) و(الزمان)، ثم يعيد إليه قراءة المقال أو الخبر الذي ورد فيه اسمه مصحوباً بـ(أستاذنا الجليل) أو (المربي القدير). أو يجد اسم الدكتور فلان، أو المهندس علان، فيعلق بسعادة: "تصور! أنا درست الود دة في مدرسة كذا، في مدينة كذا!". ويبالغ قليلاً "والله أنا كنت متأكد إنو حيكون كدة ..". ويرمي بضحكته إلى الفضاء، ثم يستغفر الله بعدها.

    وفي آخر النهار، بعد أن يصلي الظهر في المسجد الكبير، يعود إلى البيت ببعض الفواكه ـ الموز غالباً. وبعد الغداء، إن لم تكن عليه زيارة مريض ما أو (فاتحة) في عزاء ما، يحمل كرسيه ويجلس في (ضل العصر)؛ ليعيد قراءة المقال أو الخبر ـ أياً كان ـ على جيرانه ممن هم في عمره ويلقي بالتهديدات إلي الصبية بأن يأخذوا الكرة ويلعبوا بعيداً وإلا فإنه سيقوم بمصادرتها وجلدهم ـ دون أن ينفذ التهديد. ثم يواظب على أداء صلاة المغرب في الزاوية وما تيسر من عشاء.

    لكن تغيرات خطيرة حدثت في شخصية (أستاذ زين) بعد ذلك (اليوم)! اليوم الذي كُلِّف فيه، بصفته أستاذ العربي، أن يلقي كلمة الترحيب بـ(المسؤول). فاستحفز أستاذ زين كل خبراته في تقعيرات اللغة والفصاحة التي صقلتها وعثاء عشرين عاماً من إزالة العجمات عن ألسنة طلابه، ومعاناته مع حروف الظاء، الذال، والضاد، وأحياناً القاف والغين. فكان أن أعجب به (المسؤول) أيما إعجاب! بالرغم من أن ما قاله (أستاذ زين) من إطراءات وتقريظات ـ التي ظنها المسؤول معبرة عن حقيقته ـ ليست، في الواقع، سوى مهارات بلاغية لم يفكر قائلها أبداً في مقاصدها!

    وبعد شهور، لما ظهرت كشوفات الترقيات، كان على رأسها (أستاذ زين) قافزاً فوق بعض عقبات اللوائح بجرة قلم (الاستثنائية)، ليتم نقله إلى (المدينة) مديراً للمدرسة الشرقية. وخلال السنوات الأخيرة، انتقلت البلاغة من دهاليز المدرسة إلى دوائر (المنظمات الفئوية). ومع مرور الأيام، بدأت تتبدل شخصية (أستاذ زين) الذي أصبح (السيد المدير). وبدأ مسلسل (الإنفتاح الأحلامي)! فصار لما كان يسمى بالمستقبل ملامح أكثر تحديداً. أما المجد والسؤدد ـ هذان الرفيقان القديمان ـ فقد تخليا عن هلاميتهما السابقة.

    بدأ عم زين العزيز، وهو جالس على طاولة (المنظمات الفئوية)، يرى وجوهاً أخرى غير التي كان يتصورها عن (المسؤولين)! فمن قال أن هؤلاء المسؤلين هم أشخاص أكثر منه تأهيلاً؟؟ ثم صار يلقي ـ وهو عائد من (هناك) ـ نظرة على التميز الظاهر لبيت المدير، الجير على الأقل، ويقارب المسألة في ذهنه مع بيوت بقية المدرسين من تحت وبيوت المسؤولين من فوق! ثم أن عربة المدرسة التي بات يتم استغلالها لتفسيح الست والبنات هناك ـ حيث يعبر الآخرون راجلين ـ هي مجرد لاندروفر. ثم أن عماد، الإبن الأصغر، يتشاجر مع صلاح، الإبن الأكبر، حول هذه العربة الوحيدة.

    بدأت تتحول صور الجرائد المستقبلية إلى لافتات مثل التي بدأت تنتشر تلك الأيام في المدن الكبيرة ـ الخرطوم خاصة، (الدكتور: عماد الدين زين العابدين.. زمالة الإية كدة الملكية)! (شركة الإية كدة: مهندس/ صلاح الدين زين العابدين..)! في مقابل هذه النزعة الإنفتاحية، كان ظلها في الإتجاه المعاكس؛ فسلمى يجب أن تصبح زوجة الدكتور (فلان). ونازك زوجة المهندس (فلان)؛ لذلك لا بد أن تكدا في المذاكرة (لتتأهلا) لهذا الأمر الجل. وأهم شئ أن تبتعدا عن البصل، وخاصة (المعفن) منه. وقد زاد الطين بلة ظهور أستاذ عبد الجليل الذي أكسب كل شئ (مشروعيته).

    لكن أخطر تحولين حدثا في شخصية أستاذ زي هو أنه أولاً قد نمت لدية نزعة الـinspection المدفوعة بالـsuspicion ـ أي الشك المنهجي! فصار يستقصي كل ما يقال بحثاً عما يمكن أن يسربه أعداء (الثورة). الذين صاروا أعداؤه الحقيقيون، الذين يهددون مشاريعه وأحلامه الجديدة. وهذا هو السبب الذي ساقه للمرور على حيطان المدرسة وأدبخانات الطلبة، لا ستكشاف ألاعيب البصل المعفن. وما يمكن أن يسربه الأعداء من هناك! إذ يقتضي الحرز تأمين كافة الجوانب كما تعلّم في طاولة (المنظمة الفئوية) ليوقع نفسه في مهزلة أولاد قرف تلك.

    ولكن ما لم يكن يتصوره أبداً هو أن (البصل العفن)، الذي يطارده في حيطان المراحيض، قد تسلل إلى عقر داره!!

    وفي سبيل مواجهة الموقف.

    برزت الخصلة الثانية التي اكتسبها الذي كان (أستاذ زين): فأول ما فعله بعد وصوله إلى موقعه الجديد في كسلا كأمين للمنظمات الفئوية هو (تأمين الجبهة الداخلية). وفي يومي الإرتياح من وعثاء السفر، كان يبحث عن (الخطة الجهنمية).

    تم (الاعتقال التحفظي) للمنقولات الخاصة بالبنات، ومنع خروج أي شئ منها إلا بأيدي الست وأمام ناظريه، إلا (الأشياء) التي يجب ألا يراها. فيدير وجهه باتجاه الحائط! وبعد أن اكتملت عناصر التخطيط. بدأت مراحل التنفيذ. فنادى الست وسألها:

    ـ شلتي الحاجات المامفروض أشوفها كلها؟

    ـ أيوه .. بس إنت عايز تسوي شنو؟

    ـ ما دخلك، ما إنتي كنتي لوح؟! جُرّى الباب دة وراك

    فخرجت الست وجرت الباب وراءها

    قام السيد أمين المنظمات الفئوية بإخراج مجهره للبحث عن (الجراثيم) بدأ أولاً بحقيبة سلمى، فأحصي ورتب التالي:

    (+) ثلاث جراثيم تسبب الأمراض المزمنة:

    ماجدلوين

    روميو وجلوييت

    بحيرة عصافير الجنة.

    (++) فيروسات أخرى بهيئة رسائل ورسومات، وكروت بوستال مكتوب عليها أسماء فتيات من بينهن حسنى بنت أستاذ عباس. قال لنفسه: "وما أدراك أن حسنى هي حسنى؟! فقد تكون هذه توقيعات مزورة"!

    قلب الحقيبة وهزها جيداً بعد أن استكشف كل جيوبها، ثم قذف بها بعيداً، استدار باتجاه ما اسماه (الكرنتينة)! أي حقيبة نازك، ليجد فيها ما يصعق العقل:

    ثلاث وسبعون رسالة، لم يخف إعجابه ببلاغتها والخط الذي كتبت به. وفعل بها ما فعله بأختها. لملم المعروضات أمامه، وفتح الباب ثم نادى الست وأمرها أن تأخذ (حطام الذكريات) إلى أصحابه.

    في الليل، وهو مستلقٍ على سريره، قرأ (علم الجراثيم)، فاقتنع إقتناعاً تاماً أن هذا الولد مجنون. فما أتى به لم تأت به الأُوَلُ.

    كانت هناك جفون ساهرة في صحاري اليأس بعد أن تعب الخوف وجفت ينابيع الدموع.

    "مافي أمل" قالت سلمى.

    أما نون، فلزمت الصمت، وحقدت على الكوكب التي لم تتدخل.. وقد كانت تفتش في طريقه توصلها إلى ضفاف المانج "هل ينفع القاش بديلاً؟" وإذا نفع فهو الآن مصوح بلا ماء .. شهور أخرى ستمر حتى يصبح القاش (مانجاً).. وكل الطرائق الأخرى ليست قدر الرجاء!

    لامت نفسها على أنها لم تقفز ـ في تلك اللحظة ـ من العربة .فـ"بالتاكيد كان الكوكب ستتدخل، فهو كان يسبح وأنا تخاذلت.. أنا أستاهل" قالت لنفسها.

    مساء اليوم التالي، دخل الذي كان (السيد المدير) ضاحكاً مستبشراً!!

    ـ إزيكم يا بنات.. خلاص إرتحتو من السفر؟

    كانت لهجته غريبة ولا تتناسب مع الموقف. فجاءات الإجابة مقتضبة:

    ـ أيوة (بدون يا بابا التي بدأت تنتشر في تلك الأيام بدلاً عن "يابا")!

    ـ شوفوا يا بناتي، إنتو لسة في بداية طريق (المستقبل) وأنا عايزكم تبقوا فوق.. ولا عندك راي غير كدة يا نازك؟

    ـ لا يا بابا ..

    ـ أنا (متأكد) من كدة، وعشان كدة، انا قلت إنتو براكم تبقوا بنات كويسات.

    أخذ من على حجره ظرفين ومد لكل صاحبة ظرف ظرفها قائلاً:

    "شوفوا جوه الظروف دي في شنو؟"

    كادت سلمى أن تفرح، ولكنها كتمت إحساسها ولم تفعل نازك شيئاً.

    ـ آها يا سلمى مش دي حاجاتك؟ فيها حاجة ناقصة؟

    ـ لا يا بابا

    ـ وإنتي اشتريتي الكتب دي من وين؟ قالها بلطافة.

    وبسب الثقة الثابتة، أجابت سلمى بصدق:

    ـ ديل حقين نازك... أنا قريتم لكين لما شنطتا ما شالت ختيتهم ليها في شنطتي.

    "وإنتي كمان مشاركة في الجريمة" قال ذلك في نفسه وأظهر:

    ـ عاقلة.. يعني الحاجات دي كلها بتاعة نازك؟

    فأجابت نازك

    ـ أيوة يا بابا.

    ـ خلاص يا سلمى أديها حاجاتها.

    نفذت سلمى الأمر، ثم بدأت محاضرة المجد والسؤدد.. وكيفية بلوغهما بتجاوز الصغائر ليصل إلى هدفه: فآخر ما تفتقت عنه عبقرية الذي كان (أستاذ زين)، الذي لم يكن يتجاوز علم الحساب والعقاب عنده كلمة (يا لوح) أو السوط، هو تلفيق مشاعر الناس!

    ـ وإنتي بكدة أكيد قررتي تخلصي من الحاجات دي.. هاكي الكبريتة دي أحرقيهم، وبكدة تكون الحكاية خلصت (!) أنا سعيد لأنك بنت واعية.

    أرادت سلمى أن تقول (لا) ولكنها لم تستطع. أما نازك فلم تنظر إلى ما في (ظروفها)، فهي كانت مشغولة بالتفكير في موسم فيضان القاش، وقد حددت قرارها الذي لا رجعة فيه.

    أخذت الكبريت ووضعت الظروف: الجراثيم في السلة أمام الشهود، وأضرمت النار، وفي داخل الغرفة! ومع كل ذكرى تقلِّب المحروقات حتى (ينجض) القلب الذي تخاذل يومذاك!

    ومع آخر ومضة في (المحرقة) أختلطت دموع الدخان الذي لوث الغرفة بدموع وداع (الأشياء الجميلة العزيزة).

    قام السيد زين العابدين مودعاً هو الآخر:

    "خلاص. بكرة السواق حيجي يوديكم المدارس"..

    وراء القضبان الحديدية ـ هذه المرة بدلاً من النملية ـ فتحت نازك زجاج النافذة تستعيد ذاكرة (شباك النبي). وما زالت في الجو رائحة دخان المحرقة. نظرت إلى الشارع الخلفي. كان يبدو مثل سراب المسافات الطويلة التي قطعوها في الأيام الفائتة. استعادت أصداء الألم والفرح القديم. جاءت سلمى وإلتصقت بها من لخلف وتشممت ضفيرتها الخلفية قائلة:

    ـ نازك.. أنا حزينة أكثر منك.. أهو إنتي على الأقل عندك حاجة قاعدة جواكي، يمكن بكرة تلاقيها.. بس أمسكيها وأصلو ما تفرطي فيها لآخر يوم في حياتك..

    ـ تفتكري يا سلمى؟

    ـ أيوة.. بس أنا ما كنت قايلة الدنيا دي قاسية كدة! أهو إنتي الكنتي بتعزيني بالكتاب وببكرة، بقيت أنا أعزيك؟!!؟

    ـ لكين تفتكري يا سلمى حتى لو جات الحاجات دي تاني حتكون زي الحاجات الهسي إحنا فاقدنها؟

    ـ يلا خلاص يا ستي.. أراح نصلح كتبنا.. عشان إنتي عارفه بكرة حتبدا القوانين الجديدة..

    واتجهت سلمى إلى المنضدة ورتبت كتبها.. وكان حديثها عن (التمسك) قد فتح نافذة أمل صغيرة، بدأت تتسع قليلا قليلاً إلى أن أطل الشعاع الذي لم يكن في الحسبان:

    ـ الله يا سلمى ربنا دة كريم وعادل. يا ما إنت كريم يا رب!!

    أحضان وقبل. واختلطت دموع فرح حقيقي ظل لأيام تحت وطأة الخوف والياس والخذلان. فها هما تتفرسان (الكتاب) والصورة بداخله!

    ـ ديل لقيتيهم وين؟

    ـ والله ياسلمى. لقيتم في كتاب الدين

    وكان السيد الـinspector ، المفتش، قد فتش جميع الكتب والدفاتر المدرسية ورقة ورقة بحثاً عن جرثومة (كدة ولا كدة)، ولكنه (فطَّ) كتاب الدين إذ لا يعقل أن تكون فيه (جراثيم)!!

    وهكذا صارت تتم مطالعة الكتاب في الزيارات الأسبوعية لقبة (سيدي الحسن). وعلى مرأى من الست الوالدة الأمية على أساس أنه كتاب أدعية! وهي لم تشك بعد أن لاحظت انتظامهما في الصلاة وبرنامج المذاكرة اليومي. هذا بالإضافة لتعاطفها مع نصف الحكاية.

    ومن داخل تلك الفسحة الصغيرة، كانت دوافع الاجتهاد في المذاكرة تتحفز مع ترديدات سلمى:

    ـ إنتي لازم تجتهدي يا نازك. تتذكري قافلة الطلبة بتاعين الجامعة في (المدينة)؟

    ـ أيوة ..كيف ما بتذكر؟!

    ـ شفتي البنات بقعدوا مع الأولاد كيف؟ ويتونسوا كيف؟ يا سلاآآم، سنة واحدة بس وأمرق من السجن دة.

    ـ لكين أنا يا سلمى.. شوفي الباقي لي كم؟

    ـ ما تخافي يا ستي.. أنا لمن أمشي الجامعة أكيد في الإجازة خآخدك معاي ونتفسح ونزور صاحباتي وأصاحبي .. و

    ـ تعرفي يا سلمى أنا بتمنى شنو؟ بس أنا وزهرة وأنهار وكل صاحباتي، وجو وكل أصحابو ننجح ونكون في جامعة واحدة (ولم تك نون تعرف أن مثل هذه الفانتازيا هي التي أودت بأستاذ عساكر وآخرين إلى الآخرة).

    ـ خلاص ذاكرى كويس...





    ****



    س­1 : أكتب/أكتبي عن قصة أجمل كتاب قرأتَه/قرأتِه.

    "آهـ يا جو .. تلقاك هسي بديت القصة.."

    وانهمكت نون في حل إمتحان اللغة العربية.

    وفي تلك الساعة من نهار أبريل الحارق، كان (قطار الميجا) يمخر عباب بحر السراب، متهادياً باتجاه الخرطوم، وحاملاً على (سطحه) أكبر البصلات المعفنة!

    ــ أسمأ يا أخونا.. هاكي هِدِم دي ختي في راسك.. وللاّهي في قتر دي ناس كتير بدمموا وبموتوا! هر دة وللاهي بجيبي أبو فرار.

    ـ شكرا يا أخ ..

    ـ أخوكي أبدللاهي إساخا (عبد الله إسحق) من (كُتُم). وإسم كريم منو؟

    ـ جو ..آآ .. أقصد النور عثمان .. من (المدينة).

    ـ سايق الإسم .. وإتي ماشي وين؟

    ـ الخرطوم..

    ـ وإندكم أهل في خرتوم؟

    ـ أيوة.. في أولاد خالنا ساكنين هناك...

    ـ وهم ساكنين وين في خرتوم؟

    ـ والله ما عارف.‍

    ـ إتي تلقيهم كِكّيف!؟ خرتوم دي مهلّة كبير!!

    ـ والله ما عارف ‍‍بس أنا ماشي ..

    ـ وتشتخل شنو؟

    ـ والله أنا خليت المدرسة.

    ـ ليه شنو؟ ‍

    ـ والله بس مشاكل.

    ـ إتي بكون ماشي جيش. وللاهي أنا زاتو قلت نمشي نقأُد ما ناس آدماي فـ(إشش) ونبيأ مآهم ترمس. وبأدين كن لقينا تريقة ندخلو جيش.

    وفي لب الحكي، عرف جو بحكاية الصديق الجديد عبد الله إسحاق. وأحلامه في العودة من (البَحَرْ) ليتزوج (فطين)...

    أطلت هناك جزيرة وسط السراب.

    "أمسكي شنتة بتائك كويس.. جماءة هنا ديل سرّاقين. قتر خلاس وِسْلَت كوستي. هو بقأد هنا زمن تويل".

    صييج .. دق دق... دق دق..

    وفرمل القطار في المحطة.

    هبط الركاب، وقبلهم المسطحين خوفاً من مداهمات الشرطة.

    ...

    "لا تحملوا بعالم سعيد

    فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد

    وخلف كل ثائر بموت أحزان بلا جدوى

    ودمعة سدى .."

    شخبتة على حائط البول. بائعات الطعمية، تجار السمك، البسكويت، نوافير المياه، سيقان الجميلات المسافرات وهن يتشطفن، وهاهو النيل! أو ما يسمى بالنيل، عادي ولا علاقة له بأساطير الكتب المدرسية! إنه مثل خور المدينة في أيام الخريف! ولا شيء آخر! رائحة الشواء تقطع المصارين.

    "نور.. نور، تآلي نمشي ناكل".

    وأبلعك أبلعك.. هدأ نداء المصارين، فخرج نداء الرأس!

    ـ شاي .. شاي ..

    ـ تآلي بتاء شاهي ـ نادى أبدللاهي إساخا وأمر: "كبي إتنين".

    أشطفك.. أشطفك. وكان جو مع كل شفطة يتلصص إلى يد الشاب الجالس على الحجر بجوارهم. وتطل من النفس دناءاتها: "يا رب يرمي السيجارة.. يا رب يجدعها". لاحظ أبدللاهي إساخا قلق صديقه فسأله:

    ـ إتي تشرب سجار؟

    ـ أيوة!!

    ـ لكين سجار دة ما قالوا هرام؟

    ـ والله تقول شنو؟ إنتو هناك مش قاعدين تشربوا مريسة؟

    ـ ولكين مريسة لمّاه مع سجار شنو!؟

    ـ أنا عايز أقول يعني زي ما الناس عندكم بشربوا مريسة، أنا بشرب سجاير!

    ـ واللهي إندنا أخونا كدة في خرتوم بشرب سجار..

    وأخيراً فتح الله على جو، وجاء بائع السجائر، فقام أبدللاهي إساخا بارتكاب ثاني الحرامات واشترى علبة سجائر كاملة وأعطاها لجو..

    وبعد أن شفط (كم نفس كدة) استيقظت نون التي كانت نائمة تحت وطأة الجوع والخرم. ثم ظهر وراءها طابور الوجوه الأليفة والحنين! ظهر أستاذ عساكر في ملامح المدينة وناسها.

    قام جو بعد السيجارة الثانية وساح هياماً في طرقات كوستي. صارت كل ذرة تقول "أستاذ عساكر؟ لقد مر من هنا يوماً" وبيوت المرابيع التي تشبه نوافذها (شباك النبي) هل وقفت وراءها نون أخرى ذات يوم تناجي أستاذ عساكر؟

    ساح.. ودخن.. ودار ولف ودار..

    ولما صفر قطار الميجا وتحرك، وجد أبدللاهي إساخا نفسه وحيداً بين حقيبتين، بداخل إحداهما أكبر (كرنينة) للوبائيات، قال إساخا لنفسه "ربما تسلق عربة أخرى!". وفي ربك، ما زال الأمل قائماً ومع جبل موية وجبل عشطان، تقاصر الأمل. وفي (سنار التقاطع) اختفى. وبكل أمانة القروي ووفاء (الغرَّابة) الذي يفوق وفاء الكلاب لأصحابها، قام أبدللاهي إساخا بالأحتفاظ بالحقيبة إلى أن التقيا بعد زمان طويل.

    في كوستي، اكتشف جو حقيقة أن بعض الأماكن يمكن أن يعيش فيها الإنسان قبل أن تطأها قدماه! فما كانت كوستي غريبة عليه بعد الحكايات الطويلة التي حكاها له على إسماعيل الكضاب. وفي المحطة لم يجد صعوبة في تحديد المنزل الذي كان يسكنه على إسماعيل ذات يوم. كان يمر عليه ويدخل في أحلام يقظة.. وأحياناً يرى نفسه داخلاً على على إسماعيل، وهو في الواقع يدفن عقاب سيجارة وهو راقد على معقد المحطة الذي صار (المنزل).

    كان جو يذهب في الصباح إلى المينا، وعتلك عتلك (حق السجائر)، وأحياناً زيادة، ثم إلى رواكيب السمك مستعيناً بحكمة رينقو: "لم نسمع أن أحداً مات لأنه أكل ما خلّفه الآخرون، بل مات الذين لم يجدوا هذه المخلفات"! وتخلى جو قليلاً قليلاً عن أنفة القرويين. كان يمر في المساء على السينما عله يلتقي بأبي طويلة صدفة، أو أي واحد. لكن شماسة كوستي كانوا أكثر عنفاً. فلما رأوه غريباً، ظنوا أنه من (ال########ين بتاعين القبض) يحاول الأندساس بينهم، بعد أن اكتشفت المدينة في أيام الأحداث أن أحد شماشتها لم يكن سوى مخبراً متخفياً يدبج التقارير عنها! فأوسعوه ضرباً ومزقوا قميصه، إلى أن عثر على فنلة لا بأس بها في قمامة حي السوق، كان جو قد تجول في كل الأماكن المشوبة بالذكريات المستعارة. المدرسة التي درس فيها على إسماعيل؛ كل المدارس التي درس أو درَّس فيها أستاذ عساكر، الأماكن التي يشتبه في أنهما مرا بها. وكان قبل فسحة الفطور يذهب ويجلس تحت الشجرة المقابلة لباب مدرسة البنات، يتفرس وجوههن ويقارن:

    "هذه تشبه زهرة!"

    "يآهـ .. دي أنهار عديل!"

    "ودي عزة.. بس لو لبست نظارة سودة!"

    "ودي .. آآخ.."

    ويدفن رأسه بين ركبتيه ويسبح في حلم يقظة طويل..

    ذات يوم، جاء وجلس في نفس المكان، ولم يمر أحد! قال في نفسه "الليلة إجازة ولا شنو؟" لتأتيه الإجابة بعد ساعات، أن الامتحانات انتهت. وأغلقت المدارس أبوابها إلى بداية العام الدراسي الجديد. ولم يبق ما يسند البقاء طويلاً، فعاد جو إلى المحطة في انتظار أول قطار ميجا قادم.



    ****



    لولولولو .. إششش..

    صاري لي كدة مالك؟ هسة تلقاك (كبَّست) الإمتحانات، وفي الإنشا ـ لق لق لق ـ بجيب قدر نمرك. ما حتقدر تفوتني. قايل نفسك براك بتعرف إنشا؟؟

    دخلت سلمى ووجدت نون تكلم نفسها!

    ـ يا بت جنّيتي ولاّ شنو!؟

    أدخلت الصورة بين نهديها. ولما تأكدت من أنها سلمى:

    ـ أنا بكلم جو!

    ـ إنتي عايزة يطبوا علينا تاني؟ وكمان المرة دي زايدة. أووف.

    كان صلاح زين العابدين قد عاد قبل أيام من الجامعة. ولكن هذه المرة كان ملتحياً! لم تك لحيته هي المشكلة، وإنما تلك الأوامر التي صرن يتلقينها وهن خارجات أو داخلات:

    "غطي رأسك .."!!

    "طولي الإسكيرت دة"!!

    ثم بعدها:

    "هاكي الكتاب دة أقريه يا سلمى".

    ويرجع الكتاب ليأتي الأمر بآخر!

    ولكن الله كان يستجيب لدعواتهما، فقد عاد (دكتور) عماد زين العابدين الذي يدرس الطب في مصر لقضاء إجازته، هو الآخر، فدخلت الأفراح إلى البيت الجديد.

    كن يسترقن السمع إلى المجادلات التي تدور في الديوان بعد الغداء بين صلاح وعماد؛

    ـ الله يهديك يا عماد.. يا خي ربنا قال: (...).

    ـ أيوة. ربنا قال، بس مش بالطريقة بتاعتكم دي.. ثم تعال ياخي إنتو لحدى هسي ما عندكم نظرية محددة تحلو بيها المشاكل بتاعة الخلق دي!؟

    ـ القال ليك منو؟ أنت بس ما متفقه. ثم ياخي "ما فرطنا في الكتاب من شيء".

    ـ أيوة. بس دة مامعناه إنو أنا أقرا الكتاب دة وأشيل السماعة بتاعتي وأمشي المستشفى أعالج الناس!!

    ـ يا خي دي تفاصيل. المهم (الاتجاه).

    ـ طيب أنتو هسي في الجامعة بتقروا التفاصيل ولاّ الإتجاه؟

    ـ إحنا بنقرا التفاصيل والإتجاه.

    ـ طيب التفاصيل دي عملها الإتجاه بتاعكم؟

    ـ ما ضروري ..

    ـ لا ضروري

    ما ضروري.. ضروري .. ما ضروري ...

    "خلاص يا أولاد!"

    ويتدخل السيد زين العابدين لفض المشاجرة الكلامية.



    *****





    هناك مع (ست الجبايب) عرف عماد زين جزءاً من الحكاية. وفي ظهر الخميس طرق باب (حجرة الأحلام المسجونة):

    ـ كو كو كو ..

    ـ ككك كرك.. ككك ككك. ششش. إتفضل!

    ودخل عماد زين:

    ـ كيف يا ستات؟

    ـ ستات مرة واحدة كدة يا عمدة؟! قالت سلمى.

    ـ كيف يا نانا؟ أهو إنتي بقيتي ما شاء الله... والله لو ما حظنا الكعب كان الواحد بقى ود جيرانكم وراح حابيك طوالي..

    ـ الله الله على الكلام الجميل دة.. إنت الظاهر مصر دي علمتك حاجات كثيرة.. وبعدين إحنا ما بننفع ولا شنو؟ قالت سلمى.

    ـ أنا بتكلم عن الحب بس؟ لكين لمن تجي سيرة العرس، البعد الحب، حيجيكي الدور.. إنتي ما سمعتي المثل البقول "ثنوي عام حاجة تمام.. ثنوي عالي عرس طوالي"!؟

    ـ لا، كان كدة خلاص.. لكين باين عليك بقيت ود كدة (...)!

    ـ وإنتي يا نانا.. مالك مكشرة كدة؟ الظاهر الكتمة مأثرة عليك. ياخي السجن دة إنتو متحملنو كيف؟ لكين أنا عندي ليكم مفأجاة (إنما أيه).

    ـ أها.. قول.. قول!!

    ـ شوفوا يا جماعة، الاقتراح كالآتي: أنا أقنعت الست بلاش حكاية الزيارة دي الليلة.. أنا آخدكم إنتو الإتنين وبس..

    ـ والله . والله؟

    ـ أسمعوا باقي الحكاية.. أنا حآخدكم ونمشي العصرية، وقدلة كدة على القاش.. ونشوف لحظة غروب الشمس..

    ـ اللـــــه!! قالت، وقفزت نازك واحتضنته، آآخ يا عمدة، الله يخليك.. أنا نفسي في كدة من زمان... بس ..

    ـ مافيش بس ولا حاجة.. وبعدين لسة أصبري شوية.. أنا بعد المناظر الجميلة دي عندي ليكم مفاجأة تانية (أنقروا تطلع إيه)؟

    ـ تطلع إيه؟ تطلع إيه؟

    ـ لو ما عرفتوها أنا حأبطلها..

    ـ لا... لا عليك الله..

    وفي الليل الهادي، في (منتزه المدينة)، وحول منضدة طرفية، جلس ثلاثتهم. وبينهم (كبابي الشاي).

    ـ عليك الله يا سلمى شربتي شاي جميل زي دة قبل كدة؟

    ـ لا.. لا ما أظن.. لا، متأكدة.

    ـ وإنتي يا نانا؟

    ـ والله يا عمدة أنا أول مرة أحس إني سعيدة كدة.

    ـ لا ما بكون أول مرة.. إتذكري.

    ـ أووم...

    ـ خلاص يا ستي .. عرفتها ..

    طبعاً يا جماعة أنا عرفت الحصل لنانا..

    ـ وعرفت من وين؟ سألتا بصوت واحد.

    ـ مش مهم من وين، لكن يا نانا دة حال الدنيا كدة "يوم تفرِّح ويوم تبكِّي". أنا معاك ومش معترض على أي حاجة إنت عملتيها.. لأني في يوم من الأيام حصلت لي حكاية قريبة زي بتاعتك دي، تتذكروا هدى بت أستاذ منصور الكانوا معانا في الدويم؟

    ـ أيوة ..أيوة!!

    ـ تتذكروا يوم نقلوهم؟ طبعاً وكت داك إنتو ما بتكونو جايبين خبر. طبعاً يا نانا أخوك كان حابّي هدى (موت). ولمن نقلوهم، وطبعا أخوك مشى البحر وكان عايز ينتحر لكين ربك ستر. وأهو زي ما شايفين أنا قاعد قدامكم.

    ـ وهسي نسيتها؟

    ـ طبعاً لا، دي حاجة تتنسي؟؟ ياخي لحدِّي هسي لو شفت لي واحدة بتشبهها قلبي يوقع! ‍‍لكين يا ها الظروف.. وطبعاً هي هسي احتمال تكون اتزوجت..

    ـ مش معقول!! قالت نازك.

    ـ أنا بقول احتمال

    ـ وهي كانت بتحبك؟

    ـ أيوة ..طبعاً

    ـ طيب ليه ما ...

    ـ شوفي يا نانا أنا الحاجة البعرفها، الما بقروها في كتاب، إنو الحب دة بجي كدة، لكين بعد داك يحصل شنو. دي مافي قانون يحددها.. المهم الواحد يكون صادق مع حاجاتو الجُّواهو ..

    "عشان كدجة إنت جميل" قالت سلمى في منولوجها الداخلي..

    ـ شوفوا يا جماعة.. أوع تفتكروا إني عامل العزومة دي وبدردق فيكم..

    ـ حتى لو كدة.. إحنا محتاجنك يا عمدة جبنا.. قالت نازك.

    ـ شوفي يا ستي.. وأنا في أي مكان والله بفكر فيكم، وبحلم أنكم تكونوا سعيدين.

    ـ اللــــه يا عمدة! إنت كلامك حلو.. لكين صلاح ما زيك ليه؟

    ـ أيوة. ذكريتيني. أنا شايف صلاح اليومين ديل بجرجر فيكم للجماعة بتاعتهم. على أي حال إذا إنتو مقتنعين إنتو أحرار.. بس في حاجات كثيرة أحسن تعرفوها. أنا غايتو ما عندي كتب ولا حاجة. لكين أهو السوق وصاحباتكم وأصحاباكم لو في، طبعاً أنا ما عندي إعتراض يكون عندكم أصحاب..

    ـ عمدة إنتو إجازتكم طويلة؟

    ـ خلاص حبيتيني يا نانا؟؟

    ـ إنت عارف يا عمدة أنا بحبك من زمان.
    ـ الله الله. عشان الكلمة الحلوة دي أنا حأعمل ليكم مفاجأة كل خميس. أما حكاية (الحرس الجمهوري) دي خلوها علي.. ومن هسي أقول ليكم مفاجأة الخميس الجاي.. لأني عارفكم ما حتصبروا. شوفوا، بعد ما ترجعوا من زيارة (سيدي الحسن) ـ طبعاً ما فيش قاش، يعني الحاجة كمان نديها فسحة وما تكون أنانيين ـ وبعد داك أنا حآخدكم ونمشي السينما..
    ـ عمدة.. أنا بحلم.. والله أن بحلم!!
    ـ أقعدي يا نانا.. إحنا في مكان عام، ولمن نرجع (السجن) نططي زي ما إنتي عايزة.. شفتي (السجن) بقى مهم كيف!؟

    ... وبعدين ما فيش داعي للعربية... أنا بقول يعني حكاية (العنظزة) بعربات الحكومة دي ما حلوة.. أنا بقترح نمشي برجلينا لحدي السينما..

    ـ والله أنا نفسي في كدة من زمان ـ قالت نازك.. وأضافت سلمى:

    ـ أنا بكره العربية دي..

    ـ لكين أعملوا حسابكم إذا واحد شاغلكم أنا حأشاكل ..

    ـ بس ممكن تتعوق يا عمدة!

    ـ لا هي حتكون شكلة (كلامية)، لزوم تقاليد يعني، ما هو إنتو لازم تمشوا في الشارع (ويشاغلوكم وكدة) عشان تحسوا إنكم بنات مش داواليب.. أنا آسف على دواليب دي.. والله ما قصدي..

    ـ لا تتأسف ولا حاجة. إحنا فعلاً دواليب ـ قالت سلمى.

    ـ لا يا ستي.. لا دواليب ولا حاجة.. كل ما في الأمر إنو الحاج والحاجة ديل خايفين عليكم بس بطريقتهم القديمة.. لكين الزمن لازم يغير الحاجات..

    ـ بس صلاح بعاملنا كدة ليه؟

    ـ أها دي تبقى مشكلة بينكم وبين صلاح ـ تحلوها بطريقتكم.. وعلى رأي المثل: "أي زول بالفي راسو يعرف خلاصو..".

    ****







    "لو كنت أعرف الطريق، لعدت إلى بيتي.." كانت تلك آخر جملة نطق بها البطل وهو يقود سيارته في طريق طويل يتعرج بين المروج الخضراء في نهاية الفيلم. ظلت الجملة تتردد في خيال جو وهو (مندس) وسط الشحاذين والمتشردين، مستلقياً على كرتونة جلبها من السور المجاور للسينما. وكان يمر في خاطره قطار الأيام، بعد أن هبط من قطار الميجا ذات مساء، والخرطوم تتلألأ أنجمها الكهربائية، وتتطاول وتتعالى مبانيها فوق رؤوس المارة. لم يك يحمل ـ يومذاك ـ من الدنيا إلا ذكريات نون، وأحلام أستاذ عساكر، وحماقات أولاد قرف ووصايا رينقو، بالإضافة لخبرة لا تقل عن أسبوعين بين المينا والسينما، والتجول بين الأطلال في كوستي، ثم ها هو يأكل بقايا الخرطوميين الأقل كرماً. ويشرب بقايا علب السايدر التي يرميها السكارى المترفين من نوافذ عرباتهم في طريق (الكابانا). كان يذهب في الصباح إلى سوق الخضار، فيناديه تجار الملجة: "شيَّالة"، فيجري. "شيل القفة دي" فيشيلها. وقفة قفتين، وتدخل الأوراق السحرية الجيب. أحياناً يغسل العربات. وفي المساء يشتري سجائر وتسالي، ويذهب إلى السينما ويحلم بلقاء رينقو أو أبدللاّهي أساخا أو أي واحد. وهكذا إلى أن إلتقى ذات يوم بمندوكورو في السينما:

    ـ عليك الله يا شاب تذكرة واحدة معاك..

    ـ كويس..

    احتج الشاب الذي يقف وراءه:

    ـ شوف يا جماعة، الصف بالله.. والله هسي نخربها.

    ـ تخربها في شنو!؟

    ـ الزول الإنت زاقيهو معاك دة!؟

    ـ زاقيهو بتاع شنو؟

    ـ إيوة ..اقيهو.. دة بقول ليك تذكرة معاك؟

    ـ وما يقول ياخي إنت مالك!؟

    ـ مالي كيف!؟ أنحنا واقفين هنا طراطير؟! تدخلوا لينا في الناس؟

    ـ ياخي تذاكر السينما ماشة تكمل!؟

    ـ وتتلاءم كمان!؟ أنا حاقطع قدامك.

    ـ يا زول زح كدة!

    ـ ما بزح.. إنت خول ولاّ شنو؟

    ـ خول إنت..

    طاخ.. طاخ.. ووجد جو نفسه (مفلوقاً).. فقال مندوكورو:

    ـ خلاص سينما دة خليناه، أراح نوديك المستشفى..

    فتدخل الشاب الواقف بالقرب منهم:

    "شوف.. أحسن تمشي تشتري شاش من الإجزخانة البجاي دي وتربط ليهو راسو وخلاص، هسي تمشي المستشفى يعملوا معاكم تحقيقات و(أورنيك تمانية) و(فانحي ما نجي).."

    وبسبب هذه الحادثة، صار لجو بيت في عمارة البنك الجديدة (تحت التشطيب)، وأهل إسمهم (مندكورو). وفي صباح اليوم التالي حدث مندوكورو المقاول:

    ـ في واحد أخونا عايز شغل..

    ـ طلبة يعني؟

    ـ أيوة.. يا هو دة..

    ـ أسمع. وإنت الفلقك منو؟

    ـ إتشاكلنا مع واحد..

    ـ يعني إنت بتاع مشاكل؟

    وتدخل مندوكورو(حارس العمارة والمنقولات) الثقة:

    ـ لا دة زول كويس.. بس أنا قلت ليهو جيب لي معاك تذكرة في السسينما وحصل مشاكل..

    ـ خلاص أمشي وديهو لمعلم (أرارا)..

    ومن حي لحي، ومن عمارة لعمارة، مرت الأيام. إلى أن جاء يوم هطلت فيه أمطار سبتمبر غزيرة، وتحولت الخرطوم إلى بركة ماء! كانت الحافلة تقف بجوار مدخل الموقف والركاب يتزاحمون:

    "ترمس.. ترمس.."

    ـ عبد الله .. عبد الله

    ـ أوو ....نور!! وين يا راجل؟ دي أمل تأملو؟ ياخي شنتة بتائك لسة قائد إندي .. أنا نكوسيك كل يوم!!

    ـ يا خي شكراً ليك.

    وأخيراً ستعود الذكريات الجميلة؛ رسائل نون، ورائحتها..

    " اللـــه.." تأوه جو ثم سأل إساخا:

    ـ وإنت ساكن وين؟

    ـ حاج يوسف ..

    ـ لا حول ولا قوة إلا بالله!!

    ....

    ....

    وفي الطريق إلى الحاج يوسف:

    ـ آها قلت لي كيف أخبار البلد والأهل؟ إنشاء الله بترسل ليهم؟؟

    ـ وللاهي زروف هنا كأب .. ولهدي هسة دي ما لمينا شخل واهد.. يا هو كلّو بقت تكمل في أكل وشراب. بس جنيه ولا مية وخمسين كدة نرسلو لجماءة في بلد لما يكون في قتر ماشي.. وإتي ساكن وين؟

    ـ تعرف عمارة البنك الجديدة الكبيرة ديك؟

    ـ أها.. أها.. أها!! كيف ما نأرفو؟! أنينا نلِفُّو واتا دة كلو.. مش مهل فيهو (كراكة) تويل دة؟

    ـ أيوة بس.. الله يفتح عليك. أنا ساكن هناك..

    ومن يومها، صار أبدللاهي إساخا يستغل ساعات تسيب سائقي البكاسي (للترطيب) في عمارة البنك في ساعات الذروة ليسلك ترمسه هناك. وبالمرة يلتقي بالصديق جو ليقرأ له الرسائل.

    فبعد شهور طويلة من الغياب، هاهي الأوراق التي لمستها الأنامل الرقيقة.. والحروف التي خطتها ـ خاصة حرف الكاف ذو الإلتواءة الصغيرة المميزة ـ والورود المرسومة باللون البنفسجي. وكل أنفاس نون تعود ومعها أشجان الحنين.

    في نوفمبر. بدأ مسلسل (أوراق الشتاء). يذكيه ما تم اكتسابه من التجربة وما تمت مطالعته في الكتب والمجلات.

    في الحادي عشر من ديسمبر، كان جو كعادته يقلب الصفحة الثانية من جريدة الأيام. ليطالع أسفلها حيث "أين تسهر هذا المساء". وبعد أن حدد فيلم اليوم (الهندي الجبار)، مرر بصره على بقية الجريدة على سبيل تزجية الفراغ، ليرى الصورة والعنوان:

    "أمين المنظمات الفئوية والجماهيرية بمديرية كسلا يؤكد وقوف الجماهير مع الثورة"!!

    ثم:

    "كسلا تعد العدة لاستقبال السيد الرئيس القائد.."!

    أثارت صورة الصهر الإنفعال فدق قلبه ولكن خطر له سؤال حول شكل الموقع الجديد لهذا الصهر! ثم علاقته بكل الذي يجري؟ ثم أنتبه لأول مرة إلى المفارقة في الإكليشيهات الجرائدية: فطالما كل رئيس هو قائد بالضرورة، فلماذا الإصرار على (القائد) هذه في حكاية (الرئيس القائد)؟! هذا عوضاً عن أنه لم يسمع أن رئيساً آخر يقال له (الرئيس القائد)!!

    في الليل، عاد الحلم القديم.. نون في مكتمل الفضيحة! ولكنها هذه المرة على بوابة عربة تسير عبر الجسر.. وهو يجري.. ويجري.. ويجري. وفجأة دخلت اليد التنينية في المشهد، كورت الضفيرة الخلفية، وأدارات الوجه وحشرته داخل العربة!! كانت العربة كبيرة بحجم القطار!!

    ثم صفير ... ثم:

    ـ جو.. جو.. جو ...

    ـ نو.. نو... نو..

    ـ جو.. جو..

    ـ نو.. نو..

    ـ جو..

    ـ نو..



    استيقظ وظلت أوتاره مشدودة إلى إن دق المؤذن المايك.. وانتظر أن يسمع صوت عم عبده، ولكن هيهت!

    في ما تلا من أيام، تكاثف الجهد في العمل.. وقد تحدث معلم أرارا مع المقاول وحاججه في أن جو صار (معلماً)، وبالتالي ضرورة زيادة مرتبه (اليومية). ولما رآه المقاول وهو في حال:

    أنشرك.. أنشرك

    أوزنك.. أوزنك

    وسمِّرك.. سمّرك، اقتنع بإمكانياته في العمل. بيد أنه لم يزده إلا خمسين قرشاً!! ولما تثيره (رحلات الكد) من توادد، فقد عرف معلم أرارا بالقصة من أولها إلى آخرها.. وحين أسرَّ له جو فكرة الذهاب إلى كسلا ـ تحمس جداً.. وقرر أن يعملا أوفرتايم. وصارا يقضيان النهار بطوله مع صداقة الخشب والمسامير دون كلل أو ملل. وفي نهاية الأسبوع قام معلم أرارا بجمع المرتبين بأوفرتايمهما ووضعهما على كف جو وأغمض له أصابعه عليهما وقال: "الله معاك يا بطل".



    ****





    الثامن والعشرين من ديسمبر.

    ذلكم هو جيل توتيل شامخاً وراء ضباب المسافات. تمنى جو أن يجد صورة كبيرة لـ(نون)، على شاكلة الدعايات المضيئة، على بوابة المدينة! ليستفتح بها القادمون ذكرياتهم مع كسلا (بلد الجمال).

    هبط وكان يحمل معه كتاب (عادة النوارس) وبكتة (أوراق الشتاء)، وكل الحكايات منذ لحظة صحوه وهروبه من المستشفى ـ بما فيها حكاية بيت زوبا!

    قال: "اكيد نون حتكون في المدرسة الحكومية الثانوية". ولما سأل المارة دلوه على المدرسة.

    حمل جراثيمه وذهب إلى هناك. جلس (أيضاً) متكئاً على جذع شجرة السيسبان العتيقة، المقابلة لبوابة المدرسة في الجانب الآخر من الميدان. وظل منتظراً.. ومنتظراً. بدأت أسراب العصافير تفر.. وتفر..

    مر أخر سرب ولم تظهر العصفورة! التي كانت قد وصلت إلى بيتهم في جوف العربة المدججة النوافذ، التي وقفت أما بوابة المدرسة لدقائق ثم غادرت قبيل هطول أول سرب على (باب الرجاء).

    عاد جو إلى إلى السوق. وتجول بلا فكرة محددة. ومن أحاديث عابرة بين مجموعة من التجار، عرف أن السيد أمين المنظمات الفئوية قد غادر صباح اليوم إلى الخرطوم قائداً لوفد المديرية للمشاركة في احتفالات الخرطوم بالاستقلال.

    قال جو "برضو أحسن.."، وجلس أما (بتاع الورنيش). وفتح معه حواراً مستغلاً خبرته مع أمثال هؤلاء إلى أن استطاع أن يلقي بالسؤال:

    ـ تعرف وين بيت أستاذ زين العابدين؟

    ـ زين العابدين دة منو؟

    ـ بتاع الاتحاد الإشتراكي؟

    ـ واللاهي مكتب بتاء إتحاد إشتراكي دة هناك -----<..

    ـ لا أنا عايز أستاذ زين العابدين..

    وتدخل صبي الورنيشش الآخر:

    ـ يا خي دة داقس ساي.. أستاذ زين العابدين دة في زول ما بعرفو!؟ مش دة الزول الكلاّم؟ لمن الرئيس جا؟

    ـ أيوة.. بس يا هو ذاتو.. تعرف لي بيتو وين؟

    ـ أيوة.. شفت اللفة الجنب البيت الأبيض داك؟

    ـ أيوة..

    ـ بس تخش بيها، تلقى شارع تمسكو وتمشي طوالي..

    ـ أيوة.

    ـ تلقى بيوت سمحة كدة.. أول واحد أبيض وشبابيكو زي عندها حديد ظهري كدة

    ـ أيوة..

    ـ بس دة ياهو بيتو.

    عصر ذلك اليوم، مر جو على ذلك الشارع (كبائع عِدّة لحوح)، ولعشرات المرات.. على أمل أن تمنحه الصدفة طلة واحدة.. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. عاد إلى السوق، شرب شاياً على المقهى الطرفي، ودخن، ثم أعاد الكرة مع حلول الليل.. كانت النوافذ مغلقة على الحجرات المضاءة. وكانت نازك تحكي لسلمى عن الإحساس الغريب الذي ساروها وهما عائدتان من المدرسة ـ بعد أن أطالت وجودها في الحمام وهي تمسح حلمة نهدها بصورة جو وتستعيد خيال الأفاعيل القديمة. كان جو يدور ويدور. إلى أن خرج جمهور السينما. فحمل جراثيمه وذهب إلى المستشفى، ونام هناك مع مرافقي المرضى، لتصبح المستشفى بيته في تلك الأيام!

    استيقظ مع شقشقات عصافير الفجر، وحمل اشياءه وذهب إلى جذع الشجرة السيسبانة العتيقة، فأطلت سيدة القلب في أحلام اليقظة. كانت على مرمى الوضوح. أجمل وأشهى، فتسربت شياطين التخذيل!

    رأى جو نفسه أصغر من الذي في رأس نون أو رؤوس البنات! ودخل في منولوجه الشخصي؛ "تشوفك كدة؟ دي حتتصدم.. لا.. لا خليك واثق. هي مش بتحبك؟ خلاص.. ما أحتمال تكون حبت واحد تاني؟ لا لا حرام عليك.. نون مش ممكن تعمل كدة "! وتمنى جو أن يرى أولاد قرف بجواره. وظل كذلك. ومر اليوم كما الأمس!

    وفي المساء، ترك التجول وجلس على سور المستشفى يطالع (عادة النوارس)، ولسبب غير معروف، أحس بأنه مجروح، وأن نون هي التي جرحته!! وكانت نون هناك تحكي لسلمى نفس الإحساس الذي أصبح يساورها في طريق العودة من المدرسة!

    ولما ظل طوال الليل يعزي نفسه، فقد استيقظ متاخراً فهرع إلى الشجرة وظل منتظراً. جاء أطفال وصاحوا :

    "المجنون المجنون"!

    فنهرهم أحد المارة ناصحاً:

    "دة هسع يقوم يفلقكم وماتلقوا البداويكم".

    أدرك جو خطورة المسألة، وهو عائد إلى المستشفى نظر إلى صورته في زجاج بترينة أحد الصياغ، فاقتنع بأن الأطفال على حق. عاد وأصلح بعضاً مما أفسدته تلك الأيام ونظر إلى عينيه فأعادتا إليه ثقته في نفسه. وفي عصر ذلك اليوم قرر معاودة الكرات والتجوال ـ عسى ولعله. وهو خارج من الستشفى، صادف أن كان البواب يفتح الباب لعربة مغلقة النوافذ، فانتحى جو جانباً، فمرت العربة، وذهب هو في سبيله للطواف حول الكعبة الجديدة. ومن وراء زجاج النافذة لمحت سلمى (الشبح)! ولما نزلت من العربة لتتأكد، لم تجد شيئاً، فقد اختفى الشبح وراء المباني المجاورة. عادت وغطت تصرفها بكذبة صغيرة. وبعد أن أنتهت الزيارة لـ(حاجة عرفة) زوجة المحجوب، استدارت العربة إلى البيت. مع مغرب الشمس توقفت أمام بوابة المنزل. كان جو يراقب الموقف. ولما نزلت سلمى، عزف قلبه سيمفونية (يوم المطر). تلتها الست، فتلعق القلب بالكواكب. ثم لا شيء! أحتضن أوراقه وهو يفكر بغيظ في كل اللحظات التي كان تقف فيها هذه العربة اللعينة أمام بوابة المدرسة صباحاً ونهاراً تصادر أحلامه وهو لا يدري!!

    ...

    ـ نازك، كو كو كو، نقرت سلمى باب الحمام.

    ارتبكت نون وهي تمسد حلمة نهدها بصورة جو الذي غيبته الليلي وهو حاضر في كل تفاصيل الحس!

    ـ مالك؟! يعني أصلو الواحد ما يعمل حاجة براحتو؟!

    ـ أمرقي بسرعة.. عندي ليك خبر مهم..

    ـ عماد رسل جواب؟

    ـ لا.. حاجة أهم من كدة!! فارتجلت ما تبقى من حمامها وخرجت:

    ـ سلمى .. عليك الله في شنو؟

    ـ أنا ما متاكدة. بس أن حأحكي ليكي الحاجة الشفتها..

    ـ أحكي، أحكي يا سلمى شفتي شنو؟

    بأمانة كاتب العرضحالات، حكت سلمى الحكاية..

    ـ أكيد دة جو. أكيد هو... إنت مش كنتي بتقولي لي مجنونة.

    مش إحساسي طلع صاح؟ آهـ يا جو إنت هنا وبتعاني!

    وفي لحظة البكاء الشفيف:

    ـ وفي المستشفى دة بكون عيان يا سلمى.. إنت عيان يا جو وأنا ما قادرة أعمل أي حاجة..

    وانتحبت نون..

    ـ ما يمكن يكون ما هو؟؟ والله أنا غلطانة الحكيت ليك...

    ـ عليك الله تعالي أحكي لي تاني يا سلمى.. دة أكيد هو.. لازم هو...

    وبينما كان جو جالساً في طرف السوق يزدرد (الفول المصلح)، ويضع زيادة ملح بين الفينة والفينة، ويقلب في ذهنة تكتيكات الغد، كانت نون قد رفضت ـ بإصرار ـ العشاء ولبن المساء ولم تذق شيئاً وهي تفكر في شيء واحد هو هذا (الجائع) (المريض)، وإلا "لماذا يذهب إلى المستشفى إذن؟؟".

    كان الصباح حاسماً، فما يليه إجازة ولا خروج. ولما جاء عم بشير السائق مبكراً كعادته، لم يواجه بمحركة في ذلك الصباح، بل أن نازك هي التي فتحت له الباب!

    ـ شنو الليلة بدري كدة؟

    ـ بس يا عم بشير عليك الله تغشِّينا المستشفى عشان أشوف خالتي عرفة. إنت عارف أنا أمبارح ما مشيت ليها.

    ـ أمرك يا ستي.

    وعلى مرمى من باب المستشفى:

    ـ خلاص يا عم بشير، إنتظرنا هنا ندخل ونجيك بسرعة.

    وترجلتا أمام الباب فقالت نون:

    ـ إنتي ياسلمى متأكدة إنو كان واقف هنا؟ ووقفت في نفس المكان الذي حددته سلمى تتشرب روحه!

    ـ اللـــــه!! أكيد كان هو، أكيد.

    ـ خلاص يا نازك.. أراح نكمل الزيارة عشان إنتي عارفة!

    ولما عبرت العربة الفسحة باتجاه بوابة المدرسة، كان الشبح واقفاً بجوار شجرة السيسبان العتيقة.

    ـ الله يا سلمى!

    ودخلت نون في نوبة بكاء وهي تؤشر باتجاه السيسبانة. فقرصتها سلمى منبهة لوجود عم بشير.

    ـ في شنو يا بنات؟؟

    واستعدل مرآة العربة ونظر إليهما:

    ـ مالك يا نازك؟

    ـ لا، ما في حاجة يا عم بشير. بس أنا زعّلتها ـ ردت سلمىِ.

    ولما لم تكن الإجابة مقنعة تماماً، أنزلهما ثم قاد العربة وهو ينظر من المرآة، فرآهما تتمحركان أمام بوابة المدرسة، فأوقف العربة وراء أول منعطف وبدأ يراقب الموقف:

    كانت نازك قد توترت كل ذرة فيها. وبالرغم من رغبتها في معانقة جو على مرأى من الكواكب إلا أن الخوف عاد مرة آخرى وتدخل. فترجت سلمى أن تذهب إليه بدلاً عنها ـ لأنها لو ذهبت ستحدث أشياء خطيرة!

    وقفت نون أمام بوابة المدرسة إلى أن نبهها البواب أن ذلك ممنوع ولما استدرك أنها بنت السيد زين العابدين، تجاوز اللوائح وفتح معها حوارات جانبية وطلب منها أن (تكلم) والدها ليساعده في عملية تصديقات الأكشاك الجديدة!

    ـ جو!! أزيك ..

    ـ إزيك يا سلمى.. مشتاقين.

    ـ والله بالأكثر .. إنت جيت هنا من متين؟

    ـ والله يومين كدة.. وليه نون مش عايزة تسلم علينا ولاّ شنو!؟

    ـ لا إنت عارف الحكاية صعبة شوية عليها وأنا ما قادرة أقل ليك نازك بتحبك قدر شنو.

    ـ طيب أنا ألاقيها كيف؟؟

    ـ والله ما عارفه. ولا أقول ليك بكرة نحاول نقنع ماما نمشي قبة سيدي الحسن ونتلاقى هناك.

    ـ خلاص هاك..

    ـ ديل شنو؟ بس بشوفونا؟

    ـ ما بس ولا حاجة، هاك.

    وفي ذلك المساء. كان احتفال رأس السنة ذو شنة ورنة. وعادت إلى الليالي بعض مذاقاتها القديمة؛ نازك تبلل الأوراق بدموعها وسلمى تحرس الباب تحسباً لأي (طارق)!

    وفي العام الجديد، أمام باب الزيارة، كان الزحام؛ الست غارقة في دعاء ما قبل الدخول. وقف جو ـ الذي أحرقته شموس العالم ولم يبق من وسامته إلا بريق عينيه الخطر ـ وهو (يمثّل) مع الداعين. قامت سلمى بتغطية الموقف. ووقفت وراء نون الواقفة وراء جو. بجست نون نهدها الأيمن على الضلع السادس من ظهره، أحس جو بالدفء والرجفة. وزادت الشهقتان المتزامنتان الإلتصاق! مد جو يده ووجد يدها متدلية مرتجفة دافئة، ضغط عليها واستعاد ذاكرة المطر!

    دخل الداخلون إلى الزيارة، ودخلت رسالة بين نهدي نون وأخرى في جيب جو!!





    ****







    في السادس من كانون ثاني، عاد السيد زين العابدين من رحلته الظافرة بعد الظهر. وبدأ يخلع حمالة بنطاله التي أصبحت من لوازمه الشخصية، بعد أن نبتت له كرش لا تحتملها التفصيلات القديمة، وقد صار له شدقين أملسين يمسدهما دائماً وهو يلقي بشكوكه إلى وجوه محدثيه! كانت الست (فاطمة بت البجاوية، بت "بت الحبشية" التي اختطفتها وجلبتها المليشيات المهدية) تساعده في لملمة أطرفه في انتظار المشروبات التي ستقدم إليه بعد قليل.

    دخل في الموضوع مباشرة:

    "تعرفي يا ست؟ دي رحلة ناجحة مية المية. تتصوري! الواحد أخيراً قدر يختكم (على عتبة المجد والسؤدد) تعرفي! أول كشف يطلع في أراضي الخرطوم الجديدة إحنا نمرة ثمانية طوالي! ووين؟ في حي الروضة الجديد، درجة أولى ممتازة مع كبار المسئولين؟؟!"

    وهو يجغم الحاجة الباردة، واصل:

    ـ طبعاً كدة أول درجة من السلم إتختت، بس باقي حبة إجتهاد كدة والطوابق تقوم.

    فقاطعته الست:

    ـ لاكين دة ما داير ليهو صرف كتير؟ وإنت عارف أنحنا ما عندنا البسوي قدر دة؟!

    وكعادة النساء الطيبات أضافت:

    ـ أنحنا هسع غير دهبي دة ما عندنا حاجة لكين شيلو أمشي أصرفو وبعدين ربنا يفرجها ببركة سيدي الحسن.

    ـ لا.. أنا بعرف بدبر. تصوري أحسن حاجة الواحد عملها بعد (الكشف) دة إني لاقيت (ود الدالابي)، بعيد عنك، دة تاجر كبير في الخرطوم. وعملنا يعني إتفاقيات كدة تمشي الأمور "إن شاء الله".

    الوقع أن السيد زين العابدين قد استطاع خلال عام أن يضع أساساً متيناً للخطوات التي بدأها. ففي آخر زيارة قام به (الرئيس القائد)، وباسم الاحتفالات والاستقبالات كان ما تم (تجنيبه) ـ وما تثبت الأوراق الرسمية عدم وجوده ـ عشرات الآلاف من الجنيهات. هذا بالإضافة لنصيبه من سكر (التومين) ـ الدعم ـ بعد أن يقوم صهره المحجوب بتصريفه!

    ثم أن هناك مشروعات (الثورة) لبناء مدراس، ومؤسسة الرعاية الإجتماعية ومسجد. وكل ذلك تحت إشرافه الشخصي. وقد كان متحمساً لحكاية المسجد هذه، خاصة وأنه قد صار يُكثر من الصلاة! فمنذ أن بدأت حكاية التجنيب هذه، صار (أستاذ زين) القديم يظهر مرة بعد مرة مثيراً بعض القلاقل الداخلية اللسيد زين العابدين الفئوي. ولكن كمبيوتره الشخصي الـ(personal computer ) الكائن في دماغة قد وجد له الحل! فصار يترجم الآية "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" إلى "إن الصلاة تمحو الفحشاء والمنكر"! ومع مرور الأيام قام هذا الكمبيوتر بعمل أبحاث (علمية) في مجال الفقه، أثبت فيها إستثناء التجنيب من دائرة الفحشاء والمنكر!

    ولكن عم بشير، قد أفسد على السيد زين العابدين بهجة مسائه، و هو يقدم إليه التقرير المفصل لأيام الغياب مشفوعاً بملاحظات مثل:

    "أكيد المتشرد دة في جماعة وراهو. وأكيد هم المرسلينو.."

    فعادت ترن بقوة حكاية البصل المعفن في ذهنه.

    في اليوم التالي، وفي الإجتماع التنويري الخاص برحلة الخرطوم، وفي بند مواضيع أخرى؛ كان للسيد زين العابدين الفئوي (شرف) إختراع وسائل الدفاع المبكر، مردداً:

    "أنا لي فترة كدة ملاحظ إنو المتشردين بدأوا يكتروا في المدينة وأنا عندي إقتراح نقوم بحملة كدة (لتفريغ المدينة من المتبطلين). القادرين منهم على العمل طبعاً تسوقهم الشرطة لمناطق الإنتاج، والبقية نضيفهم لأعباء الرعاية الإجتماعية. وبكدة يكون عندنا (أدلة مادية) نقدر نستقطب بيها الدعم".

    قال ذلك ثم ضحك!! فوافق المجتمعون على اقتراحه بالإجماع! قد كان اليوم الذي بعد عسيراً على السابلة. لما تعرضوا له مما سمى بـ(حملة تفريغ المدينة من المتبطلين)!

    ولكن السيد زين العابدين قد أصيب بالخيبة وهو يطالع كشف المقبوض عليهم من (الدوريات)، فجو كان قد غادر المدينة مكتفياً ببركات سيدي الحسن (أب قبةً لبنية) عائداً إلي الخرطوم، بمشروع جديد بحجم الوعد الذي تضمنته رسالة نون باللقاء في الجامعة. على إن يصله راتبه من الرسائل كاملاً غير منقوص.



    ****



    الصيف... الصيف

    الخرطوم تتأفف من رياح الأطلسي التي قطعت الوهاد الطويلة لتنفث مطراً كاذباً. وما زال أبدللاهي إساخا يتجول في شوراعها "ترمس.. ترمس .."، ويمني النفس ـ في ذلك اليوم ـ بحصيلة جيدة من جيوب (الجماهير) التي تتقاطر صوب الإستاد لمشاهدة مشاجرة هلال مريخ. كان جو وقتها قد أكمل الاستحمام على ضفة النيل الأزرق. وتسكع في شارع النيل وهو يحلم أحلام اليقظة كلما رأي صورة زيدان إبراهيم ملصقة على حائط تجرجر المارة لاستعادة ذكريات العمر الحلوة.

    كان عائداً من هناك. ولما عبر شارع الجمهورية كاد يطير من الفرح وقد لامس أذنه صوت غازل فيه أهازيج الضحى المدرسي:

    "جو... يا حبيبي!"

    كان على إسماعيل الكضاب بكامل تفاصيله يتجدع في شوارع الخرطوم!!

    ـ ما بصدق!! أبو الكضاضيب في شوارع (أم قدوداً ألف)؟

    وقد فهمها على إسماعيل (التافه) بخباثته قائلاً:

    ـ ما خرّمتوها إنتو.

    ثم أضاف:

    ـ لاكين أنا المابصدق، يا خي كيف؟ كدي أول حاجة طمِّنا يا جرقاس أخبار العصافير شنو؟

    وبعدين ما ياهو إنت سمين لسة، وعندك سكاكات تلحق قطر مش لا ندروفر!!

    وضحكا وتسالما طويلاً. ثم ساقه جو إلى الوكر.

    ـ آها كيف باقي القِرِف والقِرفات؟

    ـ يا خي إنت راجل (أي كلام)! جواب ما ترسلوا؟ ولاّ الطاقة كلها كملت مع جوابات النونات؟

    ـ يا خي الواحد .. إلاخليها ساكت. بس كدة قول لي.

    ـ طبعاً قرف كلهم بقوا أولاد ثانوي. إلا صاحبك بطيخة! تصور أبو البطاطيخ عمل ليهو عمة ومادّي ليك كرشو، وراح قاعد في دكان أبوه يقيس في القماش!!

    ـ وأبو الشرابيت؟؟

    ـ لا.. دة أنا جايييك ليهو لكين تصور أخوك ما لحقك!!

    ـ كيف؟!

    ـ تعرف! العصفورة .. اللــــه.. أموت أنا. ما (في الليلة ديك!)

    ـ الله! معقول زهر تعمل كدة؟ أكيد إنت السبب، بحركاتك تكون طفشتها؟!

    ـ يا زول حركات شنو؟ تصور بعد الإمتحانات ما صدقنا أخدنا لينا (قدوم قدومين) كدة، وقلنا يا خي نتلاقى بعد النتائج. أنقر النتائج طلعت إيه؟ جانا الخبر شايلو نكير وقال يا مؤمن وين صلاتك؟ وضربة ساطور. تصور زهرة لمَّ فيها واحد قريبها كدة مقطوع الطاري وراح مقصقص (البتلات)! تصور أخوك قرب ينتحر إلا ربك ستر! لكين في النهاية نعمل شنو؟ "يا هو حال الدنيا حالها". لكين المغسة إنو السبب كله ال######## الإسمو ود العمدة! تصور! مشى إتّعرص لأهلها بحكاية يوم الحفلة ديك!! وإنت عارف إنو أهلها ديل عاملين فيها (شيوخ)، قالوا "كمان جابت ليها قلة أدب!؟"، وراحوا معرِّسنها لقريبها التافة ده..

    ـ لاكين والله دة خبر محزن!! ليه؟ ليه كدة يا دنيا ليه!؟

    ـ المحزن في الأمر إنو الراجل دة راح موديها ليك (حِلّة) كدة في الخلا إسمها إيه قال! تصور زهرة في حلة إسمها (جريبانة)!! وكل الغنا داك راح في الآكولة الفي قلبي أنا!

    ـ والله مؤسف.. لكين بمناسة الغنا دي. كيف سيف وندى؟

    ـ ياخي ديل الفضلو لينا. وشغالين يغنوا لسة!

    ـ وعزة كيف؟

    ـ تخيل عزة دي أنا اتحيرت فيها! تصور من اليوم الإنت مشيت فيهو، كل ما تلاقينا تقعد تبكي إنت البت دي كنت غاشِّيها من ورانا ولاّ شنو؟

    ـ يا خي دي بت عندها إحساس.

    ـ المهم هي هسي في كلية المعلمات. أما صاحبك شطة طبعاً بقى لاعب كبير، سجلوه ناس فريق الرعد. وكان هداف الدوري في المدينة. وبالمناسبة دي إنت شكلك حتفوتنا هلال مريخ!

    ـ ياخي خلينا في هلال مريخنا نحنا. آها بالله كيف أبو خمسين؟

    ـ لا حوله! ما قلت ليك!! ياخي الراجل دة لموا ليك فيهو جماعة بتاعين دقون كدة، تخيل أبوخمسين بقى واعظ!!

    ـ يا زول خليهو، ما مشكلة. أها قول لي أخبار شربات؟

    ـ أبو الشرابيت. أنقر دة هسي يكون وين؟ أكيد مشرور وقاعد يتلفت زي قروي في المدينة. دة جاء العاصمة وكان مفروض نتلاقى قدام الأستاد ونخش الكورة.

    طبعاً إنت عارفو مريخابي متعصب.

    ـ طيب أراح نمشي ليهو..

    ـ ياخي سيبو دة هسي يكون زهج وهسي تلقاه في المسطبة الجنوبية.. طبعاً إنت عارف أخوك هلالابي واي واحد فينا سليط اللسان وعشان ما في واحد فينا ياخد علقة طبعاً كان كل زول يشوف مراحو وين في الإستاد.. المهم هو هسي قاعد مع جماعة قرايبو كدة في كوبر. نقوم بكرة نهبر عليهو.



    وبعد مطالعة أوراق الأحلام. وقصص الرحلات المكوكية. ظهرت حكاية الوكر المهجور وأخبار (شرف الوطن) في (حي فوق بتاع الخرطوم):

    ـ دة صاحبنا على إسماعيل ..

    ـ أهلاً بالشباب... وأكيد دة شربات؟

    ـ أيوة. أنا شربات.. لكين الله قادر! وإنتي من وين يا بت الناس؟

    نظرت إلى جو، فأمسك عصا الرد:

    ـ دة السؤال المامفروض يتسئل!

    فعقب عودة جو من رحلته المكوكية، كان يلتقي بأبدللاهي إساخا في أواخر النهارات على حافة أبو جنزير. يتكئان على الحائط المهشم ويحيكان عن الأحلام. ولم يفهم (مستر إساخا) ما يريده جو من الدنيا بالتحديد! فهو لا يعرف معاني كلمات مثل (ملح االأرض) و (المرافيء البعيدة) و(الوجود)، فيعلق:

    "وللاّهي أتِّي تكوسي هاجات كتير خلاص! إلا ربنا يوفِّخِيك؟!"

    ولكن إساخا كان محدداً في كل شيء وهو يملي رسائله إلى البلد، فيكتبها له جو بأقل مما تقتضي الأمانة؛ فبدلا من فتين يكتب فطين. وعبد الله إسحاق بدلاً عن أبدللاهي إساخا!؟ ثم بعد ذلك يذهبان إلى قطار الميجا ويرسلان الرسائل ومعها ما تيسر من حصاد.

    ولما يجيء رد الرسائل من كتم، يجلسان ويقرآنها حرفاً حرفاً. وأحياناً يذهبان إلى بيت أبدللاهي إساخا الكائن (بزقولنا بتاعة الحاج يوسف)، حيث أصبحت للخرطوم زعانف تتمدد كل يوم بأمثال أبدللاهي إساخا. وهناك يمتنع إساخا عن (الحرام) فيمضي جو لوحده إلى (معرض شرف الوطن) ويطفيء أحلام اليقظة التي يشعلها عطر نون الذي كان هو هو في يوم (النافذة) ويوم (الزيارة)! ولما يخرج، يمسح عرقه ويلقي بكلماته إلى السماء (آسف نون)! وذات يوم ذهب إلى هناك قبل حلول المساء، فوجد المعرض مزدحماً كأنه سوق أم دفسو. تأفف من الزحام، ثم استدرك قائلاً لنفسه: "ياخي دة بيت أبوك؟ يلاّ..". وبينما هو يمر خارجاً من (العكة)، مؤجلاً فكرته، فإذا بماء طست القاذورات ينقذف على بنطاله من وكر على حافة الزقاق!

    ـ دينِك!!

    ـ تسب لي أنا (دين) يا صعلوك!؟

    وخرجت صاحبة الوكر وهي ما تزال تستعدل (اللستكة).

    ـ أيوة بسب ليك.. إنتي الشارع دة بتاع أبوك؟!

    ـ أيوة بتاع أبوي يا تافه يا ود ال############.. يا ..

    وتدخل المارة:

    ـ خلاص خلاص يا أخوانا باركوها ياخي طول بالك.. إنت عارف الجماعة ديل!‍؟

    وفي تلك اللحظة خرجت، من الوكر المجاور، جارة "السبابة" لتستطلع الأمر:

    ـ خلاص يا (جِنُّو) ما إنتي غلطانة. ما إنتي كشحتي فيهو الموية؟

    قالت ثم أضافت:

    ـ خلاص يا أخوانا أمسحا فيني..

    كان جو قد مات من الدهشة! وظن أن هناك مؤامرة كونية!‍ فكأنما (غافل الشيطان الرب) وقام باستنساخ نون على عجل كما يفعل مزورو العملة الذين ظهروا في تلك الأيام!‍ كانت حبة الشباب هذه المرة على الخد الأيمن المائل إلى القمحي.. والصوت زنكوغرافيا! ‍وذهب الغضب مع المنظر:

    ـ لا يا ستي ..لا بمسحا فيك ولا حاجة..

    ـ إتفضل.. من قبيل شايفاك بهنا.. ما عجتبك الحاجات ولا شنو؟

    ـ لا.. عجبني الوكر دة والعصفور الفيهو..

    ضحكت ثم قالت:

    ـ تعال.

    أخذته ودخلا:

    ـ إنتي اسمك مين؟

    ـ سوسو ..

    "إحنا من سمسة لسوسو!؟ الحاصل شنو!؟" قال جو لنفسه.

    ـ وإنت؟

    ـ جو

    ـ دة أسم ولا لقب ؟

    ـ لقب لكنه إسمي ..

    ـ والله حكاية! ‍ إنت أسمك بتاع المدرسة شنو؟

    ـ النور عثمان

    ـ خلاص يا جو ..

    ـ اللــــه! عليك الله قوليها تاني..

    ـ جو يا سيدي ..

    ـ ممكن أسالك؟ إنت من وين؟؟

    ـ إنت سيد العارفين. أسئلة زي دي هنا ما ..

    ـ خلاص يا ستي، آسف ـ أستدرك خطأ السؤال، ثم أدخل يده في جيبه وأخرج الجنية ومده إليها. أخذته وأدخلته بين نهديها ثم بدأت فيما هو معروف.

    ـ شوفي يا سوسو، أوعك تقولي الود دة كدة ولا كدة، أنا بس عايز تسمحي لي أشوف وشك وألمس الحبة دي.. ولما الزمن يخلص تقولي لي خلاص. أقوم أمش.

    ـ والله إنت حكايتك حكاية!! ‍ لكن برضو ماشي ..

    وأخرجت الجنيه وردته إليه!

    ـ لا والله خليهو معاك.

    ـ لا والله!

    ـ ولا والله.

    ثم:

    ـ آها يا سيدي. إتأمل!!

    "خان القدر سير اتجاه الأغنية

    ودور في المدى العريان!

    فلا نفع البكا العادي

    ولا البيغادي إستنو السنن!"

    ودخلت على أبدللاهي إساخا حكايات جديدة، ولكنه كان متسامحاً معها باعتبار أن الراجل يحق له (شرعاً) أربع أما هو، فيسكتفي بـ(فتين) ـ سؤاله الأبدي الوحيد! ومنذ ذلك اليوم صار يُدق إسفين العزاء إلى أن جاء أولاد قرف مرة أخرى وابتذلوا القضية الملتبسة وأعادوا ذاكرة النجم كاملة: "أدخل على الفرق وخلي الشبه لأسيادو"! هكذا أوعزوا له وقفلوا إلى مدارسهم راجعين، حاملين معهم وصايا إلى كل ما ومن هناك.



    ****





    اطمأن السيد زين العابدين إلى خلو المكان من الجراثيم لما رأي البنت وقد بدت أكثر اجتهاداً. ومنذ بداية العام الدراسي. ولكن هذا الإطمئنان له أصل آخر، فقد ثبت له أن بعضاً ممن كان يظهنم بصلاً معفناً لم يكونوا كذلك! فها هو إبنه صلاح وجماعته قد عادوا إلى الحظيرة يرفلون في أمن ووأمان! ثم ها هو صلاح ـ وبإشارة منه قد صار موظفاً (كبيراً) في الرعاية الإجتماعية. ولأنه قد زالت الشكوك حول عفونة الأبصال التي ينتمي إليها صلاح، فقد صار منزل السيد زين العابدين مكاناً علنياً لاجتماعات تتجدع فيها اللُّحى وبعض العمائم من الباب إلى آخر النافذة!! لكن أهم ما في المسألة، هو الخطوات العملاقة التي خطاها السيد زين العابدين تجاه (المجد والسؤدد)، فقد تورط ووقع في قبضة الشرطة بعض ممن يسمون أنفسهم بتجار البن ـ الذين هم في الواقع مهربي كل شيء. وفي وقت متأخر من ليلة ما، دق المحجوب باب صهره، الذي اضطر للذهاب إلى مكتبه ليلاً! وفي اليوم التالي، وجد السيد زين العابدين نفسه في وليمة أعدها أحد أصدقاء المحجوب في بيته (العامر). بعد الفزعة التي فزعهم إياها. كانت تلك العزومة (الاجتماع) بداية فعلية للدخول في (الطريقة)! حيث أخبره البنك بعد أيام بأن رصيده زاد نقطة على اليمين. ذلك عندما ذهب يستقصي وعود شيخ الطريقة.



    في العزومة الثانية، قدّم له شيخ الطريقة اقتراحاً منطقياً. وهو؛ بما أنهم بصدد تشييد مكاتب الرعاية الإجتماعية، فإنه يقترح إنشاء دور للرعاية (من فعل الخير) باعتبار أن المكاتب بلا دور أو مراكز خدمية أمر لا جدوى منه. وعلى إثر وجاهة الاقتراح وافق السيد زين العابدين على الفور. فبارك الشيخ ضربة البداية. وتبرع بمبلغ تكهرب له شعر السيد زين العابدين، بل وقبّضه الشيك في الحال.

    في الأيام التالية، وبعد أن أصدر توجيهاته، بدأ سيد زين في إعداد خطبه الرنانة، التي سيلقيها في زيارة أول مسئول. بل وطفحت في ذهنه فكرة دعوة السيد الوزير المختص، كجزء من الدعاية للمشروع. وستكون زيارة الوزير دفعاً لمسيرة الرصيد الذي صار إسمه (البركة)! وخاض السيد زين العابدين في أفكار شتى، حتى أنه رأى في أحلام اليقظة منزله ذو الطوابق الأربعة مشيداً وأمامة نخلتين من نخيل الزينة ومجموعة من أشجار المهوقني المسورة، حماية لها من (أغنام الخرطوم الضالة)!

    ولما تأكد شيخ الطريقة، بوسائله الخاصة، من ابتلاع الحوار للطعم، جاءه بالاقتراح (العديل)؛

    ـ شوف سيادتك، إنتو بدل ما تقعدوا تشحدوا من الناس البقت ما عندها شفقة دي.. إنتو ما تستثمروا إمكانياتكم ومقدَّراتكم؟!!

    فتعجب السيد زي العابدين الذي ما زالت عالقة به بعض روائح (براءة) (الأستاذ) قائلاً:

    ـ إنت عارف ياسيد، إحنا المبالغ المصدقة دي زي ما قلت ليك لحدي هسع ما وصلت المبلغ الإنت إتبرعت بيهو.. وفيك الخير و(البركة).

    ـ لا إنت ما فهمتني! أنا ما بقصد المبالغ المصدقة. أنا بقصد حاجة تانية..

    ـ حاجة تانية!!؟

    ـ أيوة يا سيد زين يا زعيم الفئويين.. خليك معاي.. إنتو مش عندكم سكر الدعم؟

    ـ أيوة.. والله فكرة.

    ـ وبعدين حق (الجماهير) وراجع ليها!

    وهكذا أضيفت إلى وسائل التجنيب طريقة أخرى أكثر مضاءاً!



    ****







    "والله ما عندنا غير العمارة الكنتو شغالين فيها مع معلم أرارا ديك. اليومين ديل فيها تشطيبات. ممكن تمشي تدعك السلالم بالحجر لحدي ما الواطه تجف، وبعدين تبدو في العمارة الجديدة.."

    قال المقاول ذلك لجو وهو يمد إليه الرسالة.

    لم يجد جو بداً من الذهاب إلى هناك.

    وبينما هو يصنفر السلالم بالحجر وشرائط الصنفرة. جاء عامر الديكوريست صاعداً ونصحه باستعمال (الجوينتيات) حتى لا يدمي يديه. صعد عامر ثم نزل حاملاً الجوينتيات ورماها لجو قائلاً:

    "إنتو تدعكوا وهم يمشوا فيها بالكعب العالي!"

    قال جو في نفسه: "إذا كانت ستمشي عليها نون، فيلكن". وكانت نون قد سربت إليه، في رسائلها، خبر عمارتهم الجديدة! ولكن تعليقات عامر أعادته إلى معترك الأسئلة الخطرة: "كيف يا ترى استطاع صهري العزيز أن يسير كل هذا الطريق؟". وفي آخر النهار، قدّم إليه (عامر ديكور) عرضاً بأن يترك هذا (الهباب) ـ كما قال ـ ويعمل معه مساعداً. فوافق جو على الفور.

    ومنذها، نشأت بينهما صحبة، تحولت إلى صداقة حميمة بعد أن اكتشف ديكور ما في هذا المساعد من (حس جمالي). وكان عامر هذا قد تخرج في كلية الفنون الجميلة من سنوات. ولما لم يجد أمامه مهنة غير(مدرس فنون) ـ التي لا يكفي مدخولها الملبس والطعام، صار يمارس أعمال الديكور ثم استقر عليها أخيراً. وبعد أيام من الرفقة والحكي، أعجب ديكور بشُلَّة أولاد قرف، وقدم طلباً للانضمام إليهم، فقام جو بتعيين نفسه لجنة، ونظر في الطلب، وقبله! ودفع ديكور رسوم الانضمام برسم لوحة (يد التنين التي تقبض على الضفيرة) على خلفية شمس كبيرة مشرقة. ثم قام، بمزاج، بنسخ صورة نون على لوحة كبيرة وزاد ابتسامتها وضوحاً وألبسها إطاراً ثم وضعها في غرفته في مواجهة الباب! وبسبب هذه الصورة بالذات، صارت أيام جو تنقسم بين وكر مندكورو وبيت عامر ديكور. يوم هنا ويوم هناك. إلى أن استقر أخيراً مع ديكور. فانتظم إيقاع حياته، وأمسك بطرف الطريق الذي كان هلاماً. يصحو في الصباح الباكر كعادته، يقبل ابتسامة نون ثم يجر (كرت اليوم) بالنيابة عن ديكور. فإن وجد الكرت أقل من (7) اضطر إلى جلب جك ماء بارد وصبه على رأس ديكور متحملاً كل الألفاظ النابية و(الدين المكعب)! فقد كانت لديكور هذا عادة غريبة، هي أنه لا ينام إلا وهو يضع (فردة كوتشينة) تحت وسادته! ولا يفتح عينيه إلا بعد أن يجر كرتاً، فإن وجده أقل من (7) قال:

    "ياخي الليلة قافلة معانا.."!!

    ويواصل نومته!!

    أما إذا كان الكرت (7) فما فوق قام مسرعاً إلى الحمام وخرج ليقبض الحظ قبل أن (يطير)!! إلى أن جاء جو وحطم له معاركة مع هذا الحظ!!

    وصارا يخرجان كل يوم يجمّلان العالم. في البداية، كان ديكور يُنظِّر لوحده. ولكن بعدها صار جو هو الآخر منظّراً ـ بعد أن سلك الطريقة الجديدة بسرعة فائقة.

    آخر النهار يغسلان عنهما وعثاء العمل ويذهبان إلى وسط المدينة ليتلقيا بأبدللاهي إساخا. يقرآن له الرسائل، ويتبرع هو لهما بكيسي ترمس. ثم يذهب جو إلى الكمبوني، وأبدللاهي إساخا إلى "ترمس ..ترمس.." ويبقى ديكور منتظراً لساعات يتامل وينظّر في (ديكور) المارة!

    في المساء. يخرج جو، فيذهبان إلى (سيدة الفرح). هناك يسكران بالبلدي. يمرحان ويتشاجران. ثم في آخر الليل يعبران الطرقات يترنحان سكراً وينشدان:

    لن ننسى أياماً مضت

    لن ننسى ذكراها

    ويقرأ ديكور أشعاراً مجهولة المؤلف يشتبه جو في أنه هو مؤلها. في أيام أخرى يحملان (عطرهما) إلى البيت: ديكور يرسم. ويفتح جو كتاباً ويقرأ:

    أحدب نو تردام ـ لهيغو

    عميد شابير ـ بلزاك

    عيون إلزا ، لأراجوان

    الجحيم لسارتر

    الغريب لكامو

    و...و... واستشعر عامر ديكور رغبة جو القديمة، فدله عل خشبات مسرح شكسبير، والمجنون صمويل بيكيت.

    صارت الدنيا تتسع في عيون جو أكثر فأكثر. و صار يقترب من (الفكرة). وانشرحت له معاني فنتازياه المشتركة مع أستاذ عساكر، وبدأت تثور مجادلات في السياسة! مدخلها ما أسماه جو بـ (الأرزاق) التي هبطت على صهره المستقبلي. ولكن ديكور بدد له حكاية الأرزاق هذه بالقلم والمسطرة. وعادت إلى جو الأسئلة الخطرة مرة أخرى:

    "يا ترى من صاحب هذه العمارة؟ وماذا يعمل؟"

    "وأين يا ترى يسكن الذين بنوها؟"

    ويجبيب: "أكيد هم مثلنا ..".

    "ولكن لماذا؟"

    "وما حقيقة هؤلاء النسوة اللاتي لا يمشين إلا على (البلاط) والسلالم المدعوكة؟"

    "ثم ما الذي يفعله بلّة وعبد الله في السوق العربي حتى يكون لهم كل هذا؟ فها هو عثمان سنين وسلالته يحفرون الأرض لقرون طويلة، وليست لهم إلا القطاطي؟!"

    "ثم أن أستاذ عساكر، كان يكد ليل نهار، ولم يسمع أحد أن له جزمة إحتياطي؟!"

    بدأ جو يشك في المثل القائل "من كد وجد .."! فها هو يكد، وديكور يكد، وأبدللاهي يكد ولكن لا شيء!! فصعدت الإشتراكية إلى الخشبة! غير أن جو لا يحب الأشتراكية! فهي لم تنزل يوماً عن كبريائها لتجلس بجواره في مقعد الدرس أو البص، وهو لم يجرؤ على عزومتها (للعشاء). فكل الذي حدث أنه يراها في الشوراع وقد فقدت تاءها المربوطة. كبقية الفتيات اللائي فقدن عذريتهن. ولكنها تسير دائماً بين (إثنين بودي قارد)! أمامها؛ واحد (تخين)، مفتول العضلات، و(كتال كُتلة) إسمه (الاتحاد)، والآخر؛ الذي يسير وراءها، هو النحيف كبقية خلق الله واسمه (السوداني). لكن جو بالرغم من ذلك بدأ يستقصي عن أصلها وفصلها. وفتح صفحة شجرة سلالتها:

    ماركس

    أنجلز

    لينين

    ستالين وبنجامين.

    عنفوف، قمعوف، تزييفوف .. إلخ

    فأعاد الكرة: "شيليني ختيني في بيت الله الملان غلة.." ووقع الاختيار على ماركس!! فتأمله جو ابتداءاً من جزمته إلى أن وصل إلى (الرأس الكبير)، وكل ذلك بمساعدات عامر ديكور. وهنا عرف جو لماذا يكره بلّه وعبدالله هذا الماركس بالذات! واقتنع بان حكاية "أفيون الشعوب" هذه إشاعة مغرضة. وقام بوضعه في لستة الأصدقاء جنباً إلى جنب مع عم عبده ورينقو وأستاذ عساكر ونون وأولاد قرف. صار يمشي في الطرقات وينظر بالنظارة التي أهداها إليه ماركس بمناسبة صداقتهما.. فداهمه الحنين إلى زعيم البلوتاريا عثمان سنين والمناضلة بت النور!

    كان جو يتسكع يوماً على شارع النيل وهو يقشر الفول السوداني. قال:

    "ساسافر.."





    ****





    شاءت الأقدار أن تفتح كوة الضوء للأيام وتبدد جزءً من العتمة. فبينما كانت نون في حمامها المسائي، بعد أيام الوحدة التي خلفتها سلمى، بتحقيق حلمها والذهاب إلى الجامعة، ولكن هناك وراء البحار، وأنطفاء شموع البهجة التي أوقدها عمدة في إجازته السنوية، بقيت لنون فقط ذكريات التعزي الطويلة.

    دقت الست باب الحمام في لحظة صعود الغيم:

    ـ نازك ..

    ـ أيوة.. يا ماما .. في شنو؟

    (نفس السؤال ، ولكن هذه المرة بدون احتجاجات معلنة)

    ـ أمرقي.. بسرعة.. جاتك ضيفة ..

    ‍‍ظنت نون أنها هادية بنت الجيران جاءت التأخذ كتاب (الممتاز).. ولكن صوتاً نديماً تسرب إلى الحمام .. حتى أنها لبست جونيلتها بالمقلوب.. وخرجت جارية.

    ـ اللــه! أنهار؟ ما بصدق!!؟

    وغاصت أنهار في البلل. وأصيب جو، في تلك اللحظة، بالقشعريرة وهو في الخرطوم!!

    وبينما كانت الست مشغولة مع الخادمة في إعداد شاي المساء، والسيد زين العابدين منهمك في خطط التجنيب قصيرة الأمد، وصلاح غارق في الأخرى بعيدة المدى، فقد جُنبت نون بعضاً من غلواء الحصار. وتداعت في ذلك المساء ذكريات الفرح الجميل. استعاد الزمان دورة من دوراته.. أطلت (المدينة) زهرة زهرة، وطوبة طوبة، وذرة ذرة..

    ـ أنهار! مش معقول!! وما شاء الله زدتي عسل!؟

    ـ أنا ولا إنتي يا نازك؟ أها إنتي أخبارك شنو؟

    ـ والله يا أنهار زي ما شايفة..

    ـ إنتي عارفة أنا قاصدة شنو.

    ـ والله يا أنهار تتصوري.. وجرت إلى دولابها. رفعت الخشبة إياها، تتصوري يا أنهار جاني هنا!! ألمسي يدي دي. ما حاسة بيهو؟

    ـ والله إنتي مجنونة. لكين برضو حظلك.. ما تتخيلي كل يوم أنا بتذكرك.. والبنات كلهم بتمنوا يكونو زيك .. أسكتي ساي!! ما شفتي يوم الشؤم داك البنات عملوا شنو!؟‍ تصدقي ما في واحدة ما بكت.. والله يا نازك بكينا وجقلبنا ليك جنس جقلبة!!

    ـ لكين أنا حزينة يا أنهار.. تتصوري جو خلاص خلى المدرسة!!

    ـ هو يعني دة حينقصوا شنو؟

    ـ لكين يا أنهار مستقبله!؟

    ـ مستقبله ولا مستقبلكم إنتي وهو؟

    ـ الله يا أنهار.. لكين ما مشكلة. يعني شوفي زي السجن دة هسي عامل للواحدة شنو؟ أنا قلت أقرا بدالو.. وأحقق معاهو كل أحلامو .. مش مهم إنشالله نعيش في خيمة صغيرة. أكيد حنكون سعيدين..

    ـ آيي أقعدي أسرحي لي..

    ـ أيوة يا أنهار .. ما قلتي لي، إنتي جيتي هنا متين؟

    ـ والله جينا لينا يومين كدة. طبعاً أبوي نقلوه هنا. وما تتصوري أنا فرحانة قدر شنو.. وأول ما وصلت سألت من بيتكم.

    ـ أها وباقي الأخبار شنو؟

    ـ يادوب جاية تسأليني؟

    وأدخلت أنهار يدها في حقيبتها وأخرجت رزمة الرسائل. قامت نون وتأكدت من إغلاق الباب ثم عادت:

    ـ اللـــه .. يا زهرة ودي لقيتيها كيف بعد الإتعمل فيها؟

    ـ والله سافرت ليها في حلتهم، تخيلي بقت حنانة وأسي عندها بت سمتها (نواندا) وقالت لو كان ولد، كان حتسميهو (جو)!

    ـ آخ يا زهرة ..آخ ..

    دة خط جليلة. ودة بتاع عزة. ودة خط منو؟

    ـ خط منو؟؟ نسيتي الجوابات الكان بتجي لزهرة؟

    ـ اللــــه .. على إسماعيل؟! بالله هو عامل كيف؟

    ـ والله كويس هو هسي في الثانوية.. والله كلهم مشتاقين ليك وبسلموا عليك كدة؟

    البوسة دي من زهرة ودي من جليلة ودي من عزة أما كدة (...) من علي إسماعيل. ووضعت سبابتيها جوار بعضهما

    وكدة (...) دي بتاعة عثمان شربات .. متذكراهو؟

    ـ كيف ما بتذكرو؟؟

    ـ آها أقول ليك.. كدة (...) وصالبت سباتيها..

    ـ تقصدي إنك حبيتيهو؟

    ـ أنا في الأيام الجاية حأوريك جواباتنا..

    ـ والله يا أنهار دي حاجة حلوة. أنا سعيدة. تعرفي يا أنهار، نحنا بعدين لازم نسكن جيران.. ما خلاص!!

    وضحكتا طويلاً.

    أُحضر الشاي، وُضع، ثم أُغلق الباب مرة أخرى.

    ـ إتفضلي .. تعرفي يا أنهار بعدين أنا الحأعمل ليهو شاي زي دة يإيدي دي .. تتصوري أكتر من سنة وأنا برسل ليهو (كل يوم) جواب وطبعاً ما في طريقة هو يرسل لي. تتصوري العذاب الأنا فيهو. بس أقعد أقرا في جواباتو القديمة. لكين شوفي بالله حلوة كيف؟ شوفي (أوراق الشتا)، تخيلي هو يقعد كل يوم، بعد ما يشقى في النهار، ويكتب لي!

    وبكت على كتف أنهار!

    ـ جو دة زول عظيم.. لكن خلاص هانت.. أنا أول رسالة لعثمان أديهو العنوان.. وهو يديهو لجو أو أنت رسلي ليهو عنواني، وتعالي شوفي يا ستي، من البوستة للإيد دي .. وضربتها على يدها.

    ـ لا ... دي.

    ومدت يدها الأخرى قائلة:

    ـ لأنها دي أخر واحدة لمستو.

    وهما تعيدان تفاصيل الأيام يوماً بعد يوم، كان جو قد وطأت قدماه أرض (المدينة). ولكن هذه المرة، كانت ذاكرة النسيان قد دبت! لم يشر إليه أحد وهو يسير على الطريق ـ كما كان يحدث في آخر أيامه فيها. وفي طرف السوق الشمالي الشرقي. ها هو بطيخة (بجلالة قدره) يجادل المشترين:

    "على الطلاق ما كدة .."

    ـ لا ما تحلف

    ـ علي الطلاق ولا راس مالو..

    طاخ .."يا كذاب!"

    ـ الله! مين؟ جو !!ياخي بتبالغ!! على الطلاق بتبالغ!!

    وأخذه في حضنه العريض..

    ـ تعال ياخي.. قال ثم نادى، يا ولد.. جيب موية.

    ـ شنو يا أبو البطايخ ياخي! إنت بقيت تاجر جد جد ولاشنو؟

    ـ الله زي ما شايف.. ياخي إمتحنا مرتين ودقينا الدلجة.. وقلنا نشوف شغلة تانية!

    ـ برضو كويس يا خي..

    ـ كويس شنو؟ بالله واحد زيك يخلي المدرسة!! يا خي دة إنت كان تعمل الذرة!

    ـ ما تبالغ يا أبو البطاطيخ.. لكن بالمناسبة دي، بالله كيف أستاذ الذرة؟

    ـ والله كويس، ما كلمتك، ما بقى مدير! لكين نقلوه (الأبيض). والله ذكرتنا أيام زمان.. تصور! شغلنا بتاع المسرحية داك نفعنا ليك جنس نفع! يا خي أخوك بقى عندو زبائن زي المطر!!

    ـ والله كويس آهو في نفع؟! وأخبار قرف كيف؟

    ـ لا خليها ساي.. ديل طبعاً كلهم في المدرسة. وقاعدين يمروا علينا بالمساء..

    طبعاً إنت بايت معانا الليلة

    "يا ولد .تعال هنا.."

    ولما جاء الصبي قال بطيخة:

    "دة أبشلخة"

    ثم أمره:

    "أسمع يا أبشلخة، شيل العجلة دي أمشي المدرسة الثنوية قول لشربات يسوق الجماعة ويجو بسرعة.."

    فأخذ أبشلخة الدراجة وطار.

    ـ تعرف! أبشخلة دة كان واحد من الشماشة. قمنا شغّلناهو معانا. يا خي دة ود ذكي ونشيط خلاص يا خي بذكرني برينقو (الله يرحمه).

    ـ والله كويس لسة ما نيست

    ـ أنسى؟‍‍؟‍ أنسى شنو يا خي دي حاجة تتنسي؟

    ولما أبلغ أبشلخة على إسماعيل الذي كان ينفض شراباته على سور الداخلية، قذفها ثم دخل إلي العنبر صائحاً:

    ـ بالله يا جماعة جدعوا الكتب والكراسات دي. أبو البطاطيخ الليلة عندو (وليمة كاربة)..

    وكانت تلك الوسيلة الوحيدة لهزيمة جحافل المحركة. فارتدوا بناطيلهم كيفما اتفق ثم هرعوا إلى السوق.

    ...

    ـ الله الله شوف القاعد دة!‍ دة جو‍؟ قال شربات.

    فهجموا عليه، ولم ينقذه من (الغمت) إلا مصطفى بطيخة بمتره الخشبي ..

    وها هم أولاد قرف يلتقون مرة أخرى، ما عدا سيد شطة الذي كان في معسكر الفريق لمباراتهم (الهامة) في الدوري ـ التي تغيب بسببها حتى عن المدرسة.

    ـ وشنو يا أبو خمسين الدقينة دي؟ سأل جو على سبيل المشاغلة.

    ـ ياخي ربنا هدانا .. والله يهدي الجميع.

    فتدخل فريني:

    ـ أبو خمسين دة لموا فيهو الجماعة وجابوا فينا قون. ما قدرنا نعادله!

    ـ يا زول خير.. المباراة الجاية جنجيب فيهم قون.

    ـ ياخي دة عامل لينا فيها إمام جامع. قال شربات. فرد عليه أبوخمسين:

    ـ الله يهديك يا شربات..

    ـ الله يهدينا ياخي، بس عليك الله بطِّل تطيِّر لينا نومة الصباح تاني.

    ـ خلاص يا (شيخ)، بس بعدين لما يسألوك يوم القيامة، تقول نومة الصباح حلوة؟

    ـ بسالوني أنا براي؟ ما في حاجات كتيييييرة بسألوا فيها!؟

    تدخل علي إسماعيل الكضاب:

    ـ خلاص ياجماعة بطِّلوا خلونا نشوف أخبار جو.

    وانهمر شلال الحكي. وقُلِّبت أوراق الزمان وتفاصيل التفاصيل إلى أن تحركت أحشاء شربات فقال:

    ـ إنت يا آبو البطاطيخ وين العزومة؟

    ـ عزومة بتاعة شنو؟ ‍

    ـ على إسماعيل ما قال عندك عزومة؟‍

    ـ أسمع.. أنا أبوكم!؟ والله يا هو سمنتو من فتاتنا!!

    ـ ومال إنت عايزنا نسمن من وين؟ ولا إنت عايز تكون سمين براك؟

    تدخل فريني:

    ـ والله دي غلتطتك. إنت القال ليك تبقى تاجر منو؟

    ـ تصور يا جو، ديل مفلسننا! ‍ لكين أصبروا لي. على الطلاق تدفعوها على داير المليم. لو ما هسي يوم القيامة. والله ياخولات ما أخليها ليكم أصلو.

    وضحك جو من تهديدات بطيخة الجوفاء، ثم أستدرك بطيخة أن الوقت أصبح ملائماً بعد أن أخذ أبشلخة الزيادات إلى البيت. فأمر أبشلخة بحراسة الدكان: "جيب لي المفاتيج بعدين"‍

    وعقب الغداء الدسم، خرج أولاد قرف إلى زيارة الأطلال والاستمتاع بالذكريات. وأشع الفرح من جديد على (المدينة).

    أضطر أبو خمسين أن يشايعهم في دخول الإستاد في الشوط الثاني لمشاهدة ترقيصات سيد شطة الممتعة وأهدافه الحاسمة..

    آيي ..آيي آيي آيي ..

    آيي ..آيي آيي آيي آيي..

    وأشعل أولاد قرف حماسة التشجيع في الإستاد.

    قام سيد شطة بعمل ترقيصة وباص الكرة على الجانب الشمالي الغربي من الملعب. ووقف ليلقي عليهم التحية، فحملوا جو ولوحوا به. ففرك سيد شطة عينية هو هذه المرة. ولما تأكد من هوية العلم المرفوع، ترك الملعب وسط دهشة الجمهور، وفي مصارعة عنيفة ألقى بجو أرضاً وبدأ العناق الحميم! الأمر الذي استدعى تدخل شرطة الملعب لفض المشاجرة، التي تكشف أنها لعب في لعب! ولكن النتيجة كانت أن أخذ سيد شطة كرتاً أصفر من حكم المباراة!!‍

    وفي الليل، في ديوان بطيخة، عرف جو أن على إسماعيل قد أصبح مدرس الرياضيات البديل ‍ بعد أن فشلت المدرسة في استجلاب مدرس رياضيات!!

    الأمر الذي ساق البقية أن يختاروا المساق (الأدبي). لكن على إسماعيل الكضاب أصر على المضي لتحقيق حلمه في أن يصبح مهندساً حقيقاً بدلاً من هندسة ألاعيب وتكيتكات أولاد قرف. وكان هذا دليلاً على الفوضى التي باتت تنعم بها المدرسة، خاصة بعد ذهاب أستاذ الذرة. فأصبح، بالتالي، لا غضاضة من بقية الفوضات.

    في صباح اليوم التالي، ذهبوا إلى زيارة فتحية أخت جو، ودخلوا المدرسة الأميرية ـ هذه المرة ـ كفاتحين وليس متلصصين من وراء الأسوار (بلا حجج مقنعة) كما كان يحدث في أيام مضت.

    وبعد فتحية، قالوا يا دجاج بت النور جاء أجلك، فامتطوا صهوة لوري حاج عمر إلى أم شقايق، محتقبين معهم (جوز كوتشينة).

    وهناك أقاموا معسكراً للهرج والمرج. وهرسوا عظام دجاج القرية كلها وليس دجاج بت النور وحده. ورقصوا في ساحات القرية ووقعوا في غرام القرويات بنات خالات علي إسماعيل وجو.

    وقد كانت المجادلات حول الأسعار سبباً حقيقياً لنشوء صداقة بين الحاج عثمان سنين وبطيخة (كبير التجار). وقد كانت بت النور سعيدة كأم عريس، إلا أنه بقى (شيء) في نفس عثمان سنين؛ فهو كان يرجو أن يحقق جو أمله بأن يصبح (ظابط) كبير مثل (المسؤلين)، الذين تذهب القرية بدلاليكها لإستقبالهم في زياراتهم التي كانوا يقومون بها مرة بعد مرة، ليلقوا بالوعود للناس. أو على الأقل أن يصبح مثل خاله عبد الرحمن النور. وبرزت سيرة (أولاد خاله) ووالدتهم. ولكن جو رد بأنه لم يلتق بهم. ولم يبحث عنهم. فلامه حاج عثمان على ذلك "فهم أهلك!". ولكن بت النور رأت صحة موقف إبنها باعتبار أن هؤلاء قد تخلوا عنهم. فأكثر من عشرين سنة مرت "لا المره ولا أولادها" زاروهم بالرغم من أنها تكبدت المشاق وزارتهم مرتين. إلا أن جو اقتنع بخطأ موقفه. ووعد بأن يبحث عنهم عقب عودته بعد أن عرف ـ بصفة غير مؤكدة ـ أنهم يسكنون بحري القديمة.

    بعد عشرة أيام، عاد أولاد قرف إلى المدينة، قضى جو يومين أحلى ما فيهما لحظة التجول في المساء وعبور الجسر، وأحزن ما فيهما اختفاء آثار قبور رينقو ورفاقه!! ‍

    وطبعاً عرف جو بحكاية شربات مع أنهار. وصعق وهو يستمع إلى خبر إنتقال أنهار إلى ديار الحبيب!

    وقبل أن تصل رسائل أنهار إلى شربات وأن يستلم جو الرسالة المفرحة، وبتكتكة من أولاد قرف ـ بعد أن استعادوا بعضاً من تفاصيلهم الماضية ـ كان شخص يقف بجوار أشلاك البوليس:

    ـ إنتي أنهار بشرى.. مش كدة؟

    ـ أيوة.. أهلاً وسهلاًّ!

    ـ يا ستي أنا جاي من (المدينة)، وجايب ليك الجوابات دي.

    ووصلت أنهار إلى بيتهم وهي تحمل معها باكتة أوراق الشتاءات وإيقاعات المطر. ورسالة بحجم الكراس.

    وواصلت حدائق العمر روانقها في المساءات الرحيبة. فبعد كل جولة عبر صفحتين من من المذاكرة، تتفتح أيام وأيام. وتختم جولة المذاكرة برسائل ملؤها الأرواح ونبضات القلوب. تتكفل أنهار بالبقية.





    ****





    كانت الرحلة إلى الخرطوم في هذا الموسم/الاستقلال، رحلة عمل بحق وحقيقة، وقّع فيها السيد زين العابدين عقداً مع المقاول، بعد أن سلمه مبالغاً محترماً، وشيكات مؤجلة، والتقى بود الدالابي الذي قذف هو الأخر بالمضرب الثاني:

    ـ قلت لي بتبني بيتك؟

    ـ أيوة ياخي (الحمد لله) الخطوة الأولى حتبدأ الأسبوع الجاي ـ قالها بفرح ـ وبعدين كبرنا ياخي، والأولاد كبروا كمان ولازم الواحد يأمن مستقبلهم..

    ـ أيوة صاح. لكن يا خي حكاية السكر دي أنا عندي ليها فكرة، فبدل ما تكلفوا أنفسكم ترحيل وكدة وإنت عارف الترحيل اليومين ديل بقى بالشيء الفلاني، أنا بقترح يعني تستفيدوا من حق الترحيل دة..

    مسح السيد زين العابدين صدغة بشيء من الحنكة ثم رد قائلاً:

    ـ كمِّل اقتراحك.

    ـ أنا بقول يعني إنتو تطلّعوا لينا الأوراق. وإحنا بعد داك نتصرف فيها بطريقتنا. وإنت عارف الباقي طبعا‍ً..

    ـ مفهوم.. مفهوم.

    ـ الله يفتحها عليك.. وبكدة كمان مستقبل الأولاد يبقى (أكتر) من مضمون .. وضحك

    ـ والله صدقت.

    ...

    وبعد كم أسبوع، إستلم ود الدالابي (الأوراق)، وعبرها، وبطريقته الخاصة (إياها)، صار سكر(الشرق) بالإضافة لسكر (الجنوب)، وسكر (الغرب) سكاكر (قومية)! "لا نفرق بين أحد .."!!‍ وزادت أرقام التجنيب أصفاراً أخرى!!

    لكن شيخ الطريقة هناك رأي أن الأمر بدأ يفلت منه فحرك أياديه الخفية:

    كان السيد زي العابدين، في آخر النهار، جالساً في مكتبه يقلب صفحات المسقبل والأرقام في خياله، فدخل عليه ضابط المجلس:

    ـ ياه.. السيد الزعيم‍ والله أبهة! والله إنت تنفع وزير..

    ـ وزير إيه يا رجل؟.. إتفضل.. كيف (الأحوال)؟

    ـ والله سيادتك خير.. بس في حبة مشاكل كدة (مستعصية).

    ـ مشاكل؟ مشاكل شنو؟

    ـ يعني سيادتك إحنا راجعنا الحسابات.. ولقينا المسألة يعني، وإنت عارف المحافظة على النزاهة ومقدَّرات البلد واجبة.. وبعدين إنت عارف أعداء الثورة كايسين ليهم حاجة كدة ولا كدة!

    ـ طيب إنتو ما تتصرفوا؟ زي ما كنتو!!

    ـ بس المرة دي الحكاية صعبة شوية..

    ـ خلاص يا سيد ما في مشكلة. أنا حأتصرف.

    وفي اليوم التالي. أقام السيد زين العابدين (وليمة) في منزله. وقد فهم شيوخ الطريقة، بالطبع، دوافع الوليمة. وبعد أن تجشأوا وهم يرشفون القهوة البجاوية، دخل سيد زين العابدين في الموضوع مباشرة:

    ـ شوف يا شيخ حصلت بعض المشاكل كدة، وطبعاً إنتو ملاحظين إنو السكر اليومين ديل ما قاعد يجي ..

    ـ ملاحظين .. ملاحظين ‍

    ـ في الحقيقة أنا عملت صفقات كدة مع ود الدالابي في الخرطوم، للمصلحة العامة يعني ..

    ـ خلاص خلاص يا أبو الفئويات.. والله إنت بقيت راجل خطر ـ هيئ هيئ هيئ .. ضحك شيخ الطريقة.

    ـ يا جماعة ما تآخذوني..

    ـ لا. مفيش مؤاخذة ولا حاجة.. إنت بس غلطان ياخي!! كنت تكلمنا، لكين إعتبر المشكلة محلولة.

    ولما زاره الضابط فيما بعد، أكد له أن "كلو تمام التمام". وبمناسبة الحل هذه، كانت العزومة هذه المرة في بيت الضابط بعد أن تم التأكد من تبدد آخر ذرة كان يلوح بها (تاريخ أستاذ زين القديم).

    سافر شيخ الطريقة إلى الخرطوم وعاد بالضربة القاضية. وكانت في مكتب السيد (أمين المنظمات الفئوية والجماهيرية):

    ـ آها كيف أخبار الرعاية الإجتماعية؟

    ـ والله لسة، بس إحنا بصد وضع حجر الأساس ورسلنا للسيد الوزير عشان (يشرّف) المناسبة وإنت عارف.. يعني (إعلام) للمسألة .. و..

    ـ والله كويس.. فكرتني بمناسبة الإعلام دي.. أنا اليومين ديل ما شايف صلاح ابنك؟

    ـ لا نسيت أكلمك.. دة جماعتو لقوا ليهو وظيفة في البنك بتاعهم الجديد في الخرطوم.

    ـ والله عال العال.. أهي الحكاية بقت ماشة "على قدم وساق" زي ما بقولوا!

    ـ والله ربنا يا هو مزود علينا الخير و(البركة).. قلنا كويس يمشي الخرطوم. وبالمرة يشرف على البيت طبعاً أنا كلمتك إنو المقاول بدأ.. والحكاية مرقت من الأرض، وماشة لي فوق.

    ـ ماشاء الله .. ما شاء الله. والله ربنا يزيد (البركات)!

    وبمناسبة المباني دي أنا جاييك لحاجة مهمة: لكين قبلها أقول ليك حكاية الرعاية دي ما تخلو معاها الجامع والمدرسة والإجزخانة كمان؟

    ولما يجي الوزير بنضرب "عصفورين بحجر واحد"؟ ولا إنتو ناوين لمناسبات تانية براها؟ لزوم التجنيب وكدة؟ أها أها أها ضحك.

    ـ والله يمكن ..

    ـ شوف يا سيد أبو الفئويات. إنت بعد دة خليك من حكاية الحفلات والزيارات والاستقبالات دي، دي خليها لناس المجلس وأدخل في التقيل..

    قالها بجرأة الواثق، فرد عليه السيد زين العابدين:

    ـ يلاّ ورينا إقتراحاتك النيرة.. أنا عارف إنو عندك إقتراح ـ قالها بمرح.

    ـ أيوة. شوف يا سيدي ـ وأصلح عمامته ـ أنا بعد ما لاقيت ود الدالابي، أخدت منو محاضرة مفيدة جداً جداً، دة راجل داهية!!‍‍‍

    شوف يا سيدي إحنا بالإضافة لحكاية السكر دي عايزين (ندعم) الحكاية بحاجات تانية، مضمونة مية المية. وما فيها أي كدة ولا كدة. لا حسابات لا مراجعات ولا يحزنون.‍‍

    وهنا تشوق السيد زين العابدين وبدأ إدار لعابه يزيد..

    ـ شفقتنا يا أخي!

    ـ شوف سيدي. الحكاية بسيطة وقدر دة ـ ولوح بقلمه ثم واصل وهو يرمي بضحكته المرعبة:

    ـ إحنا حنبدأ بالرعاية الإجتماعية والجامع.. إنت طبعاً عارف هم بحتاجو يعني أسمنتي وسيخ وكدة؟

    ـ أيوة ..

    ـ والسيخ دة بيجيبوهو من برة؟‍

    ـ أيوة ...أيوة‍‍‍!!

    ـ والأسمنت دة عايز تصديقات؟؟

    ـ أيوة!!

    ـ خلاص، إنت مع السيد الظابط تجهزوا التصديقات وطلبات الإعفاءات من الجمارك، والباقي علينا.. وطبعاً ود الدالابي عندو ناسو في (الميناء) و (المكاتب)، وبكدة:

    ـ "الجُّوة جوة.. والبرة جوة"

    ـ "الجوة وين؟"

    ـ جُّوة!

    ـ والبرة وين؟

    ـ جُّوة!

    وهكذا، ذهبت "البنسلين يا تمرجي" إلى سلة مهملات التاريخ، بعد أن زينت حفلات الأعراس لأجيال وأجيال!!



    *****



    ـ بالله إتنين ترمس..

    إلتفت ابدللاهي إساخا ممنياً النفس بتسليك ما تبقى من ترمسه ليجد نفسه صائحاً:

    ـ أووه!! ود أُسمان!!‍ الله يسلميك ..ألله يخليك ...

    ـ كيف الحال ياخي

    ـ كويسين.. وكيف جماءة في البلد؟

    ـ والله بسلموا عليك، وبت النور مرسلة ليك كيس فول ونبق ولالوب كمان.

    ـ الله يبارك فيها. ألله يدخليها جنة..

    ـ إنشاء الله الحكاية مشت كويس في اليومين الفاتو ديل؟

    ـ وللاهي خايتو.. ألله كريم ألى مساكين.

    وحكي جو تاريخ الرحلة من أولها إلى آخرها.. ثم "شرّك" لإساخا:

    ـ أها. أخبار الجوابات شنو؟

    ـ وللاهي كان كنت آرف نلاقيك سُدفة كان جبت جواب مآي .. إشان تقرا لي.

    ـ طيب ما كان تديهو لأي واحد يقراهو ليك؟

    ـ لا .. جواب دة لازم تقريه إتِّي.

    ـ برضو ماشي.. هسي تقلاك داير تموت عشان تعرف فيهو شنو؟

    ـ وللاهي أنا قلبي تدق (بت بت بت) لاكين الهمدو للاهي..

    ومضت السيرة في الأهل والأقارب.. وأخيراً جاءت الإجابة على سؤال إساخا القديم، فعرف، بعد سنوات، أن أهل جو (المزعومين) في الخرطوم، يسكنون بحري القديمة!

    وبعد أيام، حفّت لجو، فذهب يبحث عن أقربائه.. تجول في بحري القديمة ولفها شارعاً شارعاً إلى أن عثر أخيراً على المنزل، قال الواصف:

    ـ شايف الباب اللّبني الواسع داك؟

    ـ أيوة.

    ـ بس دة ياهو بيت أستاذة منيرة وأولادها.

    (وكان البيت أبهة تماماً)، فتساءل جو:

    "ما نوع أقربائي يا سيد ماركس؟"

    فجاءته الإجابة:

    "والله أعتقد أنهم البرجوازية الإعتباطية"!

    !!!

    كو.. كو.. كو، نقر جو الباب.

    فجو لم يتعود بعد على الأجراس الكهربائية!

    ظهرت الخادمة:

    ـ أيوة؟!

    ـ دة بيت ناس ماجد عبد الرحمن؟

    ـ أيوة. بس ماجد في الجامعة!

    ـ وبجي متين؟

    ـ والله مرات دة بجي في نص الأسبوع.. بس هو قاعد في الداخلية. لكين يوم الخميس دايماً بجي.

    ـ طيب في منو في البيت؟

    ـ في (ستي) سهى.

    (أحتج جو في داخله على "ستي" هذه)!

    ـ خلاص، قولي ليها في واحد قريبكم عايزك.

    دخلت الخادمة وتركته واقفاً عل الباب! ولكنه قدّر موقفها، فهي تعرف كل أقرباء (أسيادها). وسمع حوارها مع الست سهى.

    ـ في واحد كدة قال قريبكم؟!

    ـ وإنتي يا مغفلة قرايبنا ما بتعرفيهم؟

    (قام جو بضم الخادمة إلي لستة قرف)!

    ـ والله هو قال كدة!!

    ـ أمشي قولي ليهو.. ولا خليك كدة أشوف حكايتو!!

    وخرجت من الحجرة وهي لم تكمل هندامها. بدت لها ملامحه غريبة، لكنها ـ بالرغم من ذلك ـ ذكرتها بـ(شيء)!

    ـ أهلاً وسهلاً.. إتفضل ..

    ـ الله يسلمك. شكرا.

    وفي الطريق إلى الديوان صاحت الست سهى:

    "يا عوضية ..جيبي (موية)"

    ـ أنا جو.. آ.. أقصد جومو.. أنا...

    ـ إنت منو؟!

    ـ أنا ود عمتك بت النور أخت أبوك.

    ـ والله!! أهلاً وسهلاً.

    ولما قامت لتنظر إلى صورة والدها المؤطرة، المعلقة على الجدران، قارن هو بينها وبين فتحية ولكنه لم يجد مجالاً لذلك. عاد من مقارنتها وعادت هي من مقارنته:

    ـ أهلاً وسهلاً.. وإنت جيت هنا متين؟

    ـ والله أنا طولت هنا، لكين قبل فترة كدة كنت في البلد. والأهل يسلموا عليكم.

    ـ الله يسلمن.. وإنت هنا ساكن وين؟

    ـ والله قاعد مع واحد صاحبنا في الديم ـ قال، ثم أضاف ـ وماجد قالوا في الجامعة؟

    ـ أيوة.. هو في كلية الصيدلة..

    ـ ووين خالتي منيرة؟

    ـ والله بتجي هسي، بس عن إذنك.. أنا كنت مارقة، عندي مشوار.. إنت إنتظر، ماما بتجي هسي، ونادت:

    ـ عوضية ..جيبي (عصير) للضيف.

    ـ أسمعي. الظاهر أنا جيت في وكت ما مناسب! أنا أمشي وأجي مرة تانية؟

    ـ لا ما فيش حاجة. انتظر ماما بتجي بعد شوية.

    وخرجت وتركته جالساً مثل الفأر. يتأمل وينظر في (ديكور) الديوان! ويقلب في ذهنه (نظرية الأهل)، فقال لنفسه "هذه مسألة هلامية، وبت النور عندها حق. فهذه البنت فعلاً غريبة" وظل يطارد أفكاراً يحاول أن يتصور فيها كيف يفكر فيهم هؤلاء الأهل.. و... و... إلى أن جاءت الست منيرة وتكررت نفس الأسئلة. ومضى في النهاية بانطباعه الأول.

    أما هناك ـ في كلية الصيدلة ـ فكانت المسألة مختلفة، فقد كان ماجد عبد الرحمن أكثر حميمية:

    ـ يا إبن عمتي.

    ـ يا إبن خالي.

    ـ والله أنا كنت مفكر أزوركم بمجرد ما أتخرج.. ما تتصور أنا مشتاق لـ(الريف ) كيف؟؟

    وكان ماجد عبد الرحمن منجذباً فعلاً للحكايات التي كانت تحكي له عن (الريف) وأهله (الطيبين). والمسألة طبعاً ذات دوافع (سياحية) في الأساس! وها هو يجد (الدليل السياحي) في إبطه!

    وبعد لقاء لقاءين فتحت الصحبة نوافذ الحكي، وصار لجو بيت (فاره) يعمل (خيانات) ويترك ديكور وحيداً ـ خاصة في أيام الخميسات والجمعات. وكانت المجادلات أحياناً تطول في الجامعة، فيذهب جو مع ماجد إلى الداخلية.. وهناك في (حسيب والرازي ) ظهرت السياسة مرة أخرى: ففي ليلة، وبعد الواحدة والنصف صباحاً لما خف إزعاج الطلبة وقلت الحركة بين الغرف؛

    "هاك يا إبن عمتي أقرا دة" ..

    ومد ماجد عبد الرحمن (بسرية تامة) برنامج الجبهة الإشتراكية التقدمية لجو، بعد أن لاحظ ـ خلال المناقشات بينهما ـ بعضاً من ميوله (الثورية). بدأ جو يقرأ. وبعد كم جملة، أعجب بـ(القصة) ثم أكملها بحماس لا حماس بعده.. وأعاد قراءتها مرتين. وظل طوال الليل يفكر، وتورط ـ بعد ذلك ـ ماجد عبد الرحمن ورطته التاريخية!

    ـ كويس خالص! ولكن ما هي البرجوازية الوطنية؟!

    "هي: كيت وكيت وكيت .."

    ـ ولكن ماركس لم يقل ذلك!

    "قال"

    ـ لم يقل!

    (قال.. لم يقل.. قال .لم يقل)

    ـ يازول أراح نمشي لماركس..

    ويذهبان إلى ماركس فيؤكد ماركس أنه لم يقل ذلك! وفي طريق العودة، يعود ماجد عبد الرحمن إلى النقطة رقم واحد مدفوعاً بمزاعم التفوق (الأكاديمي) و(المستوى) و(الوضع):

    "دة أكيد ماركس مزيف!"

    ـ وكيف عرفت؟

    "هذا ما قاله (التقدميين)"

    ـ ولماذا لا يكون هؤلاء التقدميين هم المزيفين؟

    ثم تبدأ المغالطة، ويتجاوزر جو:

    ـ حسناً؛ فمن الذي سيقوم بالثورة؟

    "الجماهير طبعاً!"

    ـ ولكن كيف؟؟

    "بـ(تمليك القيقة للجماهير)!"

    ـ ولكن من يملِّك الحقيقة لهذه الجماهير؟

    "التقدميين!"

    ـ ومن هم هؤلاء التقدميين بالضبط؟

    "كذا.. وكذا.. والبرجوازية الوطنية!"

    ـ ولكن ما مصحلة البرجوازية الوطنية في (الثورة)؟

    لا إجابة (مادية)!

    وخرج حزب ماجد عبد الرحمن من المولد بدون حمص! ولكن جو خرج بـ"تمليك الحقيقة للجماهير". وقام بتكوين حزبه الشخصي إبتداءً من عم عبده، مروراً بأولاد قرف ونون وأستاذ عساكر ورينقو وهباش وزنجي، إلى عوضية وديكور وأبدللاهي إساخا وعثمان سينين وبت النور وآخرين وسماهم جزافاً (التقدميين). ولم يضع ماجد عبد الرحمن حتى في الإحتياطي! لأنه لاحظ أن إبن خاله هذا لديه تبريرات غريبة! فهو يزوغ من مظاهرات الطلبة "اللحفاظ على الكيان التقدمي"! وأنه يحب الأطعمة الشهية، والأسرة المخملية ثم يردد على جو بدون مناسبة:

    "الواحد لازم يروق عشان يقدر يفكر ويناضل كويس"

    !!!

    كان من عادة جو ـ كما نعرف ـ الصحيان المبكر والنشاط. فهو الذي ينظف الحجرة، ويغسل الأطباق ويرتب الأشياء التي يبعثرها ديكور، ويعد الشاي، ويجلب الضروريات من الدكان أو السوق. وبتردده على منزل (أهله)، فقد نشأت بينه وبين عوضية (الخدامة) صحبة وإلفة جميلة. وكان عندما يأتي إلى البيت يقوم بمساعدتها في أمور كثيرة. وكانت قد ظهرت في تلك الأيام حكاية صف الرغيف! فصار جو يكفي عوضية شر (المكابسات) الليلية. ويحمل الكيس ويذهب في الفجر إلى صف الرغيف. وذات يوم، وهو عائد من هناك، فاجأه ماجد عبد الرحمن:

    "ياخي أحرجتنا.. إنت خدام ياخي؟؟"

    ـ أحرجتك مع منو؟‍‍‍‍‍

    "يا أخي جيرانا ديل كلهم عارفين إنك قريبنا"!

    أندهش جو ثم رد:

    ـ يا خي الخدامين ديل مش البلوتاريا الإنت بتناضل عشانم؟‍!

    ارتبك ماجد عبد الرحمن وقال:

    "آ...أيوة"

    ـ وإنت محرج منهم ليه؟ ثم تعال يا خي إنتو ليه عاملين خدامة؟

    "ما دة شغل!‍ وإحنا قاعدين نديها مرتب يا خي؟!"

    ـ طيب الرأسماليين مش قاعدين يدوا العمال مرتبات؟

    "تفرق يا خي" ‍

    ـ تفرق في شنو؟

    "إحنا ما قاعدين نستغلها!!"‍

    ـ إذا افترضنا إنو دة صاح في التعب؟ طيب تمن الأحراج دة برضو محسوب في المرتب؟ وإذا كنت إنت نفسك يا ماجد ـ خلّيك من الرأسماليين ـ بتُحرج من شغل الخدامين دة تبقى حتجي من وين المساواة الإنت بتتكلم عنها دي؟؟ وبعدين هو في حاجة إسمها خدامين في الإشتراكية؟؟

    "والله إنت بقيت لي ماركس عديل!" ‍‍

    ـ وهو في ماركس عديل وماركس مش عديل؟!

    ...

    وبدأت تتضح لجو حكاية البرجوازية الوطنية هذه قليلاً قليلاًَ إلى أن أزالت ضباباتها الأيام بعد ذلك.



    ****





    ظهرت نتائج الإمتحانات. ونجح الرفاق إلا نون! الغريبة أنها رسبت في (اللغة العربية) ‍ولكن "إذا عرف السبب بطل العجب"! والسبب هو ببساطة تزمُّت مصححي (العربي) التقليديين، الذين لم يسمعوا بـ(أشكال التعبير الجديدة) فظنوها أخطاء الجهل بـ(العربي)! وكاد السيد زين العابدين يموت من الغيظ. وكان على نون أن تعيد السنة (الكرّة) ليتولى هو بنفسه مسألة العربي هذه!



    إنتحبت نون كثيراً، ولكن جو أرسل إليها رسائل أقل رومانسية ـ ولكنها أكثر حباً. وحكى لها عن أشياء كثيرة لم تبصرها هي من وراء الجدارن. وفرد لها إتساع الدنيا. ودعاها إلى أن تواصل اجتهادها (وتنحني للريح) مرة أخرى، وطمأنها أن التأبيدة ستنتهي بالإفراج قريباً، وقال لها "إن الناس الذين يستحقون الحب أكثر بكثير مما نتصور وإن الأيام لابد أن تصير جميلة في نهاية المطاف فها هي قد حدثت المعجزة وحقق على إسماعيل حلمه ودخل كلية الهندسة.. وهاهي أنهار ستكون بجانبه، وشربات ستتحدد صرفته عما قريب".

    في بيت عامر ديكور، أقاموا إحتفالاً كبيراً على شرف النجاح حضره ماجد عبد الرحمن... ولما صعد العطر الرؤوس، فاجأهم عثمان شربات:

    ـ عارفين يا ########ين أنا صاري ليكم شنو؟

    ـ طبعاً صاري لينا وشك المكعوج دة ـ قال ديكور مازحاً، فألقمه شربات حجراً:

    ـ يا زول أعمل حسابك. والله الكلام ده لو وصل لأنهار، خشمك حيتكسر بالعكب العالي!

    تدخل جو:

    ـ أها يا أبو الشرابيت؟

    ـ تعرفوا يا جماعة إنو (البوكسن) بتاعنا ما بدخلنا الجامعة.. وما عايزين مدافرة تاني.. لكين يا كلابات "كل آفة وليها آفة" أنا قررت أدخل كلية الشرطة.

    ـ لا حولة!! ‍‍ـ قال على إسماعيل ـ عايز تبقى (إر المضر)؟!

    ـ مضر ساكت؟‍ والله الأسويها فيكم النجار في الشجر ما سواها.. علي اليمين أقبضكم جنس قبض!! ‍‍تمشوا مني وين؟ لكين أحسن ليكم الفوضى بتاعتكم دي كملوها من هسع... أنا بحذركم.

    ـ يا خي إحنا متين بدينا وانت صاقع فينا تهديدات وتحذيرات!؟

    ـ بس أنا كلملتكم ... "ولا عذر لمن أنذر".

    ـ أيوآآ .ـ صاح على إسماعيل ـ أكيد دي أنهار أقنعتك.. طبعاً عايزاك تبقى زي أبوها؟

    ـ يازول أبوها بتاع شنو؟ دة راجل شاويش ساي!! ‍ طبعاً أخوكم أول ما يخُت النجمة على كتفه، يمشي ويصدر أوامر: "شاويش بشرى.. إلى الأمام مارش" مش زي ناس كدة.

    ـ والله يا جو الزول دة قاصدك عدييييل!

    ـ بالمناسبة إنت الجماعة بتاعينك ديل حيعملوا شنو؟

    ـ حيعملوا شنو؟ ما يحفظوا خطب، طبعاً حتكون عن المجد والسؤدد‍..



    كان ذلك العام جميلاً، فقد كوّن على إسماعيل وأنهار ومجموعة من الطلاب فرقة مسرح (جماعة الرصيف). أنضم إليهم جو ـ بطبيعة الحال. وبعد أول عرض لمسرحية الشماشة، ضربت شهرة فرقتهم الآفاق. وصارت تتزين بها إحتفلات الجامعة. فمع كل إعلان عن حفل لرابطة، أوجمعية، أو حزب سياسي إلا ويجد الناظرون "كورال.. شعر... مسرح الرصيف". وانهمك جو في تلك الأيام في كتابة مزدوجة: إلى نون وإلى العالم. وظهرت مسرحية (زوار الليل) المستقاة من مأساة أستاذ عساكر، وصادفت هوى لدى الطلبة و(ملّكت الحقيقة لبعض الجماهير). لكن أخطر ما كتبه جو في تلك الأيام، كان مسرحية (البرينسيسة)؛ التي تبدأ بمشهد مثير: إذ تزاح الستارة فتدخل البرنسيسة بصحبة كلابها وتمشي بكعبها العالي على السلالم المفروشة بأيادي الخدم والحشم! وفي وسط المسرح تجلس على ظهور أخرين، فيأتي لها آخرون بسلة (الموز)، تقشره، تأكله، وترمي بقشره ليتشاجر حوله الجميع!!

    وثارت جدالات طويلة في الجامعة حول (هوية) هذه البرينسيسة! فقد أولها كل على هواه؛ قال اليمنينون: "إنها (الطاغوت)"!! وقال الوسطيون: "إنها (السلطة)"! أما اليساريون فاختلفوا فيما إذا كانت هي (الرأسمالية) أم (البرجوازية)! أما الخبثاء فقالوا: إنها (شكش آخر زمن)!

    ولما سئل جو، قال: "البرنسيسة هي البرينسيسة"!
    بعد تلك (العلقة) النظرية، فقد حدثت بعض التغيرات الطفيفة لماجد عبد الرحمن، وقد بدأ يحل جزئياً محل بطيخة! وفي عزومة غداء لـ(أصدقاء التقدميين)، حسب وجهة نظره، حضرها بالإضافة لجو، على إسماعيل وأنهار؛ جاءت عوضية ووضعت المطايب على السفرة.. وهمت خارجة. فنادها جو:

    ـ تعالي يا عوضية أتغدي معانا.

    ـ لا أنا إتغديت

    ولما كان جو يعرف هذه الكذبة ـ لأن (ألخديم) لا يتغدين إلا بعد أسيادهن، حاصرها:

    ـ إنتي خجلانة من على إسماعيل ولا شنو؟ دة طبعاً بخجِّل.

    وكان علي أسماعيل يحدق في المطايب التي ذكرته ببطيخة؛

    ـ لكين معليش، إعتبريهم أصحابك. وأهي أنهار قاعدة معانا. وتمنى جو أن تكون الست سهى موجودة.

    ترددت عوضية.. فقام جو بجرها من يدها، ولز على إسماعيل جانباً ليفسح لها المكان.

    وها هي عوضية، ولأول مرة تتذوق الطعام يدا بيد مع ماجد وفي إناء واحد!!

    لاحظ جو مشاطها الجميل فقال:

    ـ شنو يا عوضية الليلة قيافة كدة؟

    ـ والله عندي عرس أخوي بكرة.

    ـ وإنتي ما عازمانا ولا شنو؟

    ـ لكين إنو بتجونا؟؟

    ـ وما نجي ليه؟

    ـ وما نجي ليه ـ أضاف على إسماعيل وهو (يجادل) عظماً ـ ولكز أنهار قائلاً:

    ـ شوفي.. إنتي تحاولي تتخارجي من الداخلية.

    ثم قال لعوضية:

    ـ طبعاً يا عوضية إحنا حنبيت عندكم.. نعمل شنو؟ طبعاً دي صحبة البنات، مافي طريقة نرجع بالليل!

    واحتجت أنهار على الجملة الأخيرة مؤكدة أن المشكلة سببها الرجال وليس النساء لأنهم هم الذين يخافون عليهن من الحاجات الفي (روسينهم ) و.. و..

    فتدخل جو لإخماد (الفتنة):

    ـ خلاص يا جماعة، ما تعلموا لينا البيضة أول ولا الجدادة!

    قالت عوضية، بصدق ومسكنة:

    ـ والله تشرفونا.

    ـ يشرفوك شنو؟ ديل حيجوا يوسخوا ليك بيتكم.

    ولأول مرة تسعد عوضية سعادة حقيقية بسيرة (الوساخة).

    وكذلك تورط ماجد عبد الرحمن ورطته التالية في معترك الجماهير والبلوتاريا.

    وهناك، في (الكرتون)، الجيتو السوداني، لم تصدق عوضية عينيها، وكانت في غاية الإرتباك وهي تستقبل (السادة) ضمن الوفد. ولكنها جرّت صديقتها إلى دكان اللفة لتحضرا (البيبسي) خوفاً من أن) (يعاف) (السادة) (ماء زيرهم) و(عصيرهم) ـ هذا طبعاً بالإضافة إلى كرمها الشخصي، ولكنها عادت ووجدت على إسماعيل قد (ضرب الصحبة) مع أهل البيت، وجعل البساط احمدياً. ولفرحتها بهذه المشاركة، بالإضافة للفرح الأساسي، رقصت عوضية "في بنات جيلها" كما لم ترقص من قبل. ولم يصدق ماجد عبد الرحمن أن هذه الجميلة الرشيقة هي عوضية (الخدامة)! التي لم يكلف نفسه يوماً بتفرس ملامحها! فصار يحكي بعد ذلك للرفاق (بهجة) ذلك اليوم طويلاً إلى أن جاءت الخاتمة العجيبة!



    بعد شهور، دخل جو على ماجد .."حق اله بق الله" و"كيف الحال يا بن خالي"، وكعادته ذهب لأداء بقية الطقوس السلامية.. والمناقرات مع عوضية على البساط الأحمدي الذي امتد بينهما. ناظراً إلى قميصه ـ حتى يتسعد للطابور إن كانت هناك زرارة (مشاترة)، فبالتاكيد ستوقفه عوضية طابور وتقول له "أحرجتنا ياخي!! زرارة خضرة في قميص أبيض!" وتذهب ـ كعادتها ـ لتأتي بعلبة الزرائر والإبرة والخيط وتنزع الزرارة المشاترة لتثبت مكانها أخرى (مناسبة). ولكنه فوجيء بالخدامة الجديدة! فسألها عن عوضية، لا إجابة!! وقد ظن أنها مريضة، وبدأ يفكر في مشاكل مواصلات (الحاج يوسف)، ولكنه لما سأل ماجد، كانت الدهشة:

    "يا خي دي طلعت حرامية!"

    ـ إنت متاكد يا ماجد؟ ياخي "إن بعض الظن إثم"!

    "يا خي دي سرقت محفظتي.. تصور!!"

    ـ وإنت محفظتك دي كانت وين؟ ما يمكن إتنشلت في حتة تانية؟!

    "لا .. دي كانت في البنطلون بتاعي هنا في البيت!"

    ـ طيب، لو فرضنا دة صحيح، إنت سألتها سرقت ليه؟

    "لا.."

    ـ ياخي إنت غلطان! على أي حال، أنا حأمشي ليها.. أشوف!

    "لا.. لا.. ياخي إنت مالك ومال الكلبة دي؟"

    أحس جو أن في الأمر شيئاً! و(جو) "لآبد أن يعرف الحقيقة".

    كان ماجد عبد الرحمن مثل بقية من أسماهم بـ(البرجوازية الوطنية)، لا تتعدى تجاربه مع البرجوازيات الوطنيات (الفُرَش)، التي تدمنها أولاء البرجوازيات كجزء من "السطحية والأنانية وعبادة المظاهر والتضليل". وبسبب الحكي الذي كان يحكيه جو وبقية أولاد قرف عن (الأقاليم العميقة). فقد داهمت ماجدا هذا الرغبة في الاستكشاف وزيارة (معرض شرف الوطن). ولكنه كبرجوازي (أصيل) (تردد)!

    فقفزت إليه صورة عوضية ـ خاصة صدرها الأفريقي العنيد!! الذي عبر عن نفسه جيداً في يوم الحفلة.

    تخلف ماجد عن الجامعة، وكما هي العادة، كان البيت خالياً في ساعات النهار. نادها، فجاءت كما كل يوم. أمرها:

    ـ أقعدي.

    نفذت الأمر كما كل يوم.

    مدي يده وأمسك البرتقال (كما كل يوم)!

    نزعت منه هذه البرتقالة (الخاصة). وقامت.

    ـ أقعدي.

    ماطلت.

    ـ إنت عايز شنو؟

    ـ يعني أكون عايز شنو؟! أقعدي.. قالها بحدة.

    ولكنها لم تنفذ الأمر. قام وأمسك بها وجرها إليه.

    فدفعته وهمت خارجة.

    لحق بها وطاخ ـ كف.

    "يا كلبة .. ترفضيني أنا؟!"

    وبعد مصارعة عنيفة، فشل في الحصول على مبتغاه! وبقيت عوضية تحرس البيت من الخارج حتى جاءت الست منيرة:

    ـ مالك يا عوضية؟!

    لم تنبس بكلمة ..

    دخلت الست وسألت ماجد فكانت الإجابة:

    "تتصوري يا ماما عوضية نشلت محفظتي؟!!"

    "تصوري!! عشان كدة أنا طردتها"

    مضت الست وتحسست ذهبها، فوجدته وحمدت الله على سلامته. ولما كانت عوضية هذه قد تربت معهم، ولم ترتكب شيئاً كهذا، إكتفت الست بتسريحها، ولم تبحث عن الحقيقة!!

    ـ لكين بتبالغ يا ماجد!

    "بالله دي ترفضني .. الكلبة دي!"

    ـ ياخي من حقها إنها ترفضك! ولنفترض إنو ما من حقها زي ما إنت متصور، ياخي تصادر منها حق إنها تتمنع زي البنات؟ ثم هل سألتها؟ يمكن عندها (دورة) ويمكن كانت نايمة مع حبيبها ويمكن كانت شغالة أمبارح في (معرض شرف الوطن)، وتعبانة ـ ودة إنت قايلو ببلاش؟ ولاّ تابع للمرتب البتدفعوه ليها؟ ويمكن ويمكن ويمكن ..إنت يا ماجد راجل نذل.. حركاتك دي أعلمها مع صاحباتك (البرجوازيات)..

    ولأول مرة يضطر جو لإلقاء محاضرة. ومنذها توترت علاقته مع ماجد وصارت الجمعات عند عوضية!



    ****



    سلكت قصة التصديقات. وارتفعت عمارة السيد زين العابدين طابقاً آخر، وبدأ الذي يليه، وترقّي صلاح زين العابدين في البنك مستنداً على ترقيته في داخل جماعته، بعد أن بنى قاعدة معرفية بـ(الوسائل). وفي زيارته إلى كسلا، لم تعد المسالة مسالة (قدم وساق) بل صارت لها (ساقين). كانت الخطة جاهزة. شرحها صلاح بتفاصيل خبير وطلب من والده أن يخبر أصدقاءه إن أرادوا اللحاق بالركب! وكان (الركب) شركة يتكفل صلاح بتسهيلاتها البنكية، وهو سيكون الشريك غير المعلن!

    بعد أشهر. زاد عدد لافتات البلاد لافتة أخرى (شركة البركات للتجارة والإستيراد المحدودة). و(أُختير) السيد زين العابدين رئيساً لمجلس الإدارة من على البعد! ولكن على رأي المثل "رب ضارة نافعة"! فبسبب تغلغل جماعة صلاح ومزاحمتهم لجماعة السيد زين العابدين ـ أصحاب (الشغلانة) الأساسيين، رأي الأخيرون الاستنجاد بكوادرهم الموثوقة لتعزيز وضعهم المركزي ـ خاصة في مسائل الخطب والفصاحة التي لا تجارى فيها جماعة صلاح. فتم ترفيع السيد زين العابدين إلى رتبة (أمين مركزي)!

    وعاد عماد زين ليجد ثلاث نتائج:

    طوابق المجد في البياض الأخير؛ ومسألة الإنتقال إلى العاصمة؛ ونجاح نون في امتحان الشهادة. ولما كان في تلك الأيام قد تفشى بين الناس مرض (جنون الدكترة)، فقد إمتعض السيد زين العابدين مرة أخرى، ولكن هذه المرة من خذلان بوكسن نون ـ التي أهدرت وقتها وطاقتها مع "إن واخواتها"!! ولكن عماد زين بذل مجهوداً جباراً لاقناعه بأن تذهب نون وتدرس (له) الطب في مصر، بعد أبطل كل اعتراضاته إستناداً على سابقة ذهاب سلمى إلى الباكستان لدراسة الطب هناك إثر (مجاهدات) صلاح مع جماعته.
    وهكذا تحدد مصير نون وتم إنقاذها من إعادة السنة أو الأشياء الأخرى التي قد تتسبب فيها نظرة من أحد (الدكاترة) أو (المهندسين) الراغبين في الزواج!

    وصلت الرسائل إلى جو حاملة الأخبار السعيدة؛ النجاح، وقرب الدار الذي هو "خير من البعد". ولكن بسبب محركات السيد زين العابدين ومساوماته ـ للحصول على بيت حكومة على النيل، وفرش يليق بالمقام الجديد ـ تلكأت مسألة الإنتقال إلى الخرطوم. وحل ميعاد السفر: كسلا ـ الخرطوم (بيت صلاح) ـ القاهرة.

    وفي يوم السفر، كان موكب الوداع قد رابط منذ أول الظهيرة. في الثالثة والنصف، هبت عاصفة ترابية غبرت الوجوه.

    في الرابعة، استدارت وتوقفت العربة الحكومية الفارهة.

    هبط شاب وسيم، في دمه بشاشة العابرين.

    عرف جو أنه عماد زين ـ الذي طالما حكت عنه نون الحكايا، في رسائلها الطويلة التي كانت تكتب في حب دائم لاغية مود الفصول.

    ترجل السيد زين العابدين. ولأول مرة يراه جو في عمامة كتلك التي يرتديها (الخطرون). وتبعه صلاح، بلحيته إياها..

    ركت العصفورة..

    أدار الهواء إسكيرتها..

    أنحنت وأصلحته.

    ساعدت والدتها في النزول من العربة. كان السائق يجرجرالحقائب، وكانت نون قد زاد وزنها، وفتح لونها ـ من أيام الحبس الطويل، وزيارات الحمام المتكررة التي لا يعرف سرها إلا جو!

    لم يكن السيد زين العابدين قد فكر في مسألة وجود جراثيم وأبصال معفنة في المطار. لم يشدد المراقبة. كان يلقي بتشديداته لـ(الدكتور) عماد للمحافظة على (الدكتورة).

    التفتت نون إلى ما حولها. وكان المرصد يمر على الوجوه.

    هذا شربات ..

    هذا .. على إسماعيل..

    هذا أكيد عامر ديكور..

    هذا أكيد أبدللاهي إساخا

    ثم إلتقت عيناها، لأول مرة بعد زمان، مع العينين المخيفتين..

    ربطت جأشها وحدقت فيهما.

    ذابت. واشتهت أن تلملها أيادي جو وتحتويها في العناق.

    نزلت دمعة، وأغرقت المشهد.

    أخرجت منديلها وبكت.

    ـوكان البكاء لحظتها مشروعاً ـ

    وفي زحام المطار، وبعد أن دخلت وراء الزجاج، رأت صف المودعين

    وهناك العينان البعيدتان.

    لوحت بمنديلها المبلل بالدموع.

    ولم تبق في تلك اللحظة إلا عينان بعيدتان تمسدان روحها.

    واختفت بعدها في جوف المدى الجديد!





    ****



    أيتها الخرطوم، جاءتك السواهي والدواهي على ما فيك من هذي وتلك!!

    فبعد أن استعدل السيد زين العابدين (أمين الأمانات الفئوية والجماهيرية) عمامته، التي أصبحت بدلاً لحمالات البنطال بعد أن انتقل التكرُّش إلى الذهن، بدأ يبهل على الدوائر العليا بعضاً من إختراعاته:

    ففي يوم الثلاثاء. الثالث عشر من أكتوبر، خرج أبدللاهي إساخا كعادته يحمل جردل ترمسه، ولم يبق عليه من وعد (فتين) إلا ثمن شبشب واحد لها، ونظارة سوداء له ـ لزوم البكش ـ وإحتياطي من الجنيهات (للتنقيط) على رؤوس البنات الراقصات في أيام عرسه الذي حُدد له شهر ديسمبر، والذي يصادف أيام (الدرت) في كتم، ويكون الأهل و(الأحباب) أشد بأساً في مواجهة (الظروف) والأجسام (تريانة) بفيء الحصاد. كان إساخا يغني أغنية قديمة لها سنوات ـ منذ أن امتطى صهوة قطار الميجا من أعوام مضت، ويتوقف كلما مر بسرب من السابلة "ترمس.. ترمس..". وهو يعبر شارع القصر باتجاه السوق العربي، رأى الناس يفرون كأنما الأسد (إياه) قد أفلت من (جنينة الحيوانات) وهجم على السوق العربي!‍ ولأنه ولد (غرباوي) شجاع، والجري (عيب)، فلم يهرول مع المهرولين وهو يسمع "الكشة.. الكشة ..". ‍‍قال لنفسه: "حتى لو كانت الكشة؟؟"، ومضى، فهو ليس معنياً بها باعتباره تاجراً على رجليه وليس للبلدية عنده (قيد جزمة).


    "ترمس ترمس.."

    فاجأه جندي:

    ـ أسمع.. البطاقة؟

    ـ بتاقة بتاء شنو؟!

    ـ بطاقة العمل؟؟

    ـ أنا بببيأ ترمس!

    صاح أخر:

    ـ ياخي سوقو.. بالله قدامي ..

    ـ لي وين!؟؟

    ـ وكمان جايبة ليها لماضة!؟

    طاخ. وأخذ الجندي الجردل وقذف به بعيداً

    ‍‍ـ لا... لا..!!

    وبقبضه من خلفية (العرَّاقي)، وجد إساخا نفسه جالساً على أمشاطه ـ كما أمر الجندي ـ مع الجالسين، الذين كانوا جمهرة من الباعة المتجولين، زوار المرضى، المتسعكين، والذين لا يعرفون ما أتى بهم إلى هناك!!‍‍‍‍

    "إنت الهناك دة.. أقلع الطاققية دي"

    "إنت يا بجم .. ما سامعني!؟"

    لكزه جاره. فإساخا لم يظن أنه المقصود. وأن طاقيته التي ظلت على رأسه لسنين لا يخلعها إلا وهو نائم أو ذاهب ليستحم، لم يخطر بباله أن لها دخلاً، هي الأخرى، بما يجري!!

    في منتصف النهار، وجد أبدلالهي إساخا نفسه في أستاد الخرطوم ـ الذي طالما سلك فيه ترمسه، خاصة في أيام (هلال مريخ). مجموعة من الجنود، الرسميين وغيرالرسميين، كلٌ يلقي بأوامره حسب مزاجة. كان "صياماً بلا رمضان"! إلى أن جاء المغرب، ففتح الله على (الصائمين) بفتح مواسير ري الإستاد (للجماهير).

    قام أبدللاهي إساخا وزاحم، شرب ماء ثم حمد الله وشكره، ثم توضأ. وأضطر هذا اليوم أن يصلي الظهر والعصر والمغرب (جمع تأخير). ودعا أن تفرج كربته. فهو منذ ان حفظ سورة (الحمدو) في (الخلوة)، لم يتأخر يوماً في صلواته. ولما جاء دوره أمام كشف المقبوض عليهم، أدلى بشهاته عن نفسه بصدق. وبدلاً من أن يحدث ما توقعه بعد أن رأي بعض الناس يطلق سراحهم، وهو لم يرتكب جريمة، كانت النتيجة "سوق دة"!

    كانت (الكشة)، أو ما أسمته الجرائد "حملة تفريغ العاصمة من المتبطلين إلى مناطق الإنتاج" هي من أخطر إبتاكارات السيد زين العابدين الفئوي، التي أخرجها بعد أن تحيرت (لجنة التعبئة السياسية) (!!) في تقرير التهديدات (الأمنية) التي صار يشكلها من أسماءهم التقرير بـ(النازحين)، مدعَّماً بأخبار جرائم السطو على الفلل والعمارات ليلاً بالسواطير! (ولم يذكر التقرير طبعاً حقيقة أن ذلك كله من آثار التجنيب)!

    كان جو يقرأ كتاب (الطاو) لـ(لاو تزاو):

    "إن منع جمع الكنوز، يمنع السرقات.."

    "والإمتناع عن إظهار المواهب، يمنع الشجار"

    "... و... و..."

    ويكتب رسالته إلى أرض مصر، يحكي ما حدث لأبدللاهي إساخا، الذي شوهد في (سنار التقاطع) جالساً بسرواله الداخلي (فقط)! يُقطّع الرغيف لعمل (الفتة) للمكشوشين، المحمولين في قطار الميجا العائد إلى (أقاليمهم)! ولكن هذه المرة ليس على (السطوح)، وإنما داخل عربات نقل البضاعة! تحرسهم الشرطة المدججة بالسلاح!!

    ولما دخل قطار الميجا القادم إلى الخرطوم، نظرت (النية بت أبكر) من نافذة عربة الدرجة الثالثة فصاحت متعجبة:

    "هَيْ!! أبدللاهي أخوي!! إتِّي جنيتي ولا شنو؟؟"

    "هدومِك وينو؟؟!!"

    ردوا عليها:

    "ديل سايقنهم ناس الكشة!! قلعوا منهم ملابسهم عشان ما يشردوا"!!

    كان أبدللهي إساخا قد جلس، ولم يستطع القيام. كان وضعه بالضبط كما تجلس نساء (الغَرِبْ) لإلقاء التحية! ولكنه كان يسلم بظهره على قريبته (النية) التي هالها الأمر فثارت:

    "إتي خلاس بقيتم (مرة) يا أبدللاهي أخوي؟!! دي منو راجل بسوقيك زي خنمايتو؟! والله كان خنمايتو كان أخير..!!"

    "يسوقيك زي مرتو!! إتي ما تكتلي؟؟؟؟!!"

    وهنا تدخل أحد (الحرس) ملقياً بتهديداته:

    "هوي يا مرة... أمسكي خشمك... والله هسع أتربسك"!

    وحدثت مشاجرة بين الحارس المسلح والنية بت أبكر، إنتهت بتدخل الشاويش (الغرباوي) الذي عرف مصير إساخا بعد أن يصل الخبر عبر النية بت أبكر. صعب عليه الأمر، وفي ربك، قام الشاويش بتسريب أبدللاهي إساخا وأعطاه عراقيه قائلاً:

    "شوف يا زول. أشرد .وأوع تاني أشوفك".

    وأوصاه:

    "الخرطوم دي أختاها.."

    .....

    وهناك في القضارف، سمع أبدللاهي إساخا الأغاني التي غنتها بنات كتم تشهيراً به، وكيف لم يتوان أهل (فتين) في (ستر إبنتهم) في ذلك الدرت. أجاز أبدللاهي إساخا كل الأشياء التي كانت (حراماً)، وبدلاً من السجائر، صار يدخن (البنقو)!

    وأيضاً؛

    إنتقل التجنيب من مرحلة الكرش إلى مرحلة التجنيب الذهني. فما باليد من عمارات ظاهر. وما تم ابتلاعه في الكرش أيضاً، فما الحل؟

    أستقصى السيد زين العابدين واستجار، فأجاره (الإيمان) بالكتب الأربعة. وإختار وصية المسيح "لا تكنزوا لكم كنوزاً في الأرض حيث يفسد السوس، وينقب اللصوص فيسرقون. بل إكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا سوس ولا لصوص". قام الكمبيوتر الشخصي للسيد زين العابدين بترجمة كلمة (الأرض) إلى (homeland) والسماء إلى (overseas)! واستيقظ السوس واللصوص ذات صباح، ولم يجدوا ما يسد رمقهم. فانفجرت الخرطوم. وكانت المواجهات صعبة ومرعبة أضطرت السيد زين العابدين أن يستلف (فقه الضرورة) من إبنه صلاح، ومعه كتب الفقه والتفاسير للمذاهب الأربعة. "وما فرطنا في الكتاب من شئ".

    وبعد تمرير فقه (المصالح المرسلة) من قبل جماعة صلاح، ونجاحهم في خلط الأبيض بالأسود في (بوتقة الإنصهار) وإنتاج الرماديات التي تبدأ بميم: مضاربة، مرابحة، مساومة، مباغتة ..إلخ، اقترب السيد زين العابدين من إبنه صلاح وجماعته. وبعد قراءة متمعنة للفقه الجديد. خرج صائحاً كما أرشمييدث يومذاك: "وجدتها... وجدتها"! وقام ببرمجة المسألة في كمبيوتره الشخصي (pc)، فما أن تفتح هذا الكمبيوتر وتطلب القاموس، يأتيك مربع الحوارDialogue Box)) فتكتب (الحل) وتعمل إدخال (Enter):

    تأتيك الإجابة (Shari aa)

    ولأن شريعة هذه كلمة فضفاضة. وحمالة أوجه، فتقوم بطلب القاموس مرة أخرى ـ إذا كنت ذا عقل ـ فيأتيك مرع الحوار (Dialigue Box)، وبحثاً عن معنى شريعة في هذا القاموس تكتب: Shari aa وتعمل (Enter) فتقرأ التالي على الشاشة:

    1- Shari aa is to govern people by one governor until his death.

    2- Shari aa is to cut hands of thieves –Tajneeb is excluded – and especially those who jump into villas, but if they were armed, they must be crucified after cutting their limbs opposilaterally (i.e, right hand and left foot simultaneously).

    3- Shari aa is to cover and imprison Naziks till they would be taken to their final prisons.

    4- the most important;

    Opposition means anti-God, so, Oppositors should be killed, and Nasty Onions should be persecuted.



    وعلى هذا الأساس بدأ السيد زين العابدين يتحرك في الدوائر العليا مسنوداً هذه المرة بسواعده اليمنى؛ صلاح وجماعته. كانت الجامعة مغلقة بسبب المشاكل (إياها)، لذلك عادت إلى بيت ديكور أيامه القديمة.. كان ديكور يرسم، وجو يلملم أطراف الحلم وهو خارج لتوه من دهاليز (نيتشه) التي سار فيها على مركبات أهازيج (زارادشت). أرخي أذنه لعامر ديكور الذي (إنسجم) وبدأ يدندن مع الصوت القادم من (بيت العرس) المجاور:

    يا سيد العمارة

    يا السايق الطيارة

    لو كنت في بارا

    بس راجية الإشارة.. طوّالي

    يا حبيبي طوالي

    ـ الله؟! الصوت دة أنا سمعتو وين؟! دة صوت (ندى)!! قال جو، وهو يقذف بنيتشة وزرادشت. ثم قام واقتلع الفرشاة من يد ديكور قائلاً:

    ـ دي ندى الكلمتك عنها!! تتذكر؟

    ـ أيوة. لكن دي يكون جابها هنا شنو ياخي؟! إنت يكون إتشابه عليك (البقر). ولاّ تكون سكرت؟!

    ـ بقر شنو وسكر شنو ياخي؟ إنت لو عايز تشوفها يلاّ قوم يا خي ..

    استشاق ديكور وأخذ كل منهما (جُغمة) ثم خرجا إلى بيت العرس. هناك كانت ندى الشروق وقد تحولت إلى (شُهْبُرَة لُهْبُرَة) وقد زادها (الميك أب) تلألؤاً!! كانت تغني ما كان يسمى بالأغاني الهابطة!

    ولكن جو كان يرى العكس في ذلك! ويجادل في أنها صاعدة! على أساس أن الذين يؤلفونها قد أجبروا على أن يجدوا أنفسهم في القاع، وبالتالي فليس من الممكن أن (يهبطوا)! "وإلا فإنهم سيهبطون إلى أين؟! إذن هم يصعدون! وإذا كان في الأمر سوء فإنه في الأماكن التي يصعدون إليها!!"

    دخل جو وديكور في الزفة. وهججا تماماً.. وفي نهاية الحفل لم يستطيعا مقابلة (ندى) لوجود (البودي قاردات) العتاة، الذين يحرسونها من السكارى ولا يتفاهمون بأي وسيلة غير اللكم!

    ولأن جو لا يشفي من مرض (الاستقصاء) الإبدي، فذهب مع ديكور إلى مركز الشباب للاستفسارعن ندى.. فوجدا لستة طويلة من (الحجز) لأصحاب الحفلات و(القعدات). وأخيراً دلهم صبي البوفيه على بيتها في (الإمتداد). ولكنه أحبطهما بالمجان:

    "الله يعلم تلقوا حجز!"

    ولكنهما ذهبا إلى بيتها.

    وهناك استقبلهما (كاتب شونتها) وأكد لهما (بأمانة) ما قاله الصبي. إلا إن جو ألح وكتب وريقة صغيرة.

    وشرح للكاتب أنهم (جماعة أهلها). فأعاد الكاتب تأكيده:

    "أقل حاجة (بأمانة) بعد شهرين!"

    فقال ديكور لجو ساخراً:

    ـ بعد شهرين!؟ دي نون بتاتك تكون ولدت!

    ولكن الوريقة (شفعت) لهما فأدخلا. وفي داخل البيت العامر، وبعد إزاحة الستائر المخملية، والشربات القازوز المخلوطة بالعصائر المانجوية، أتسعيدت الذكريات حسبما اقتضى (الظرف)، وختمت ندى اللقاء وفي صوتها نبرة حزن عميق قائلة:

    "الناس بقت عايزة كدة!!"

    وطبعاً جو ذهب وأكمل بقية البحث بطريقته، وعرف أن ندى ظلت تغني (أحلام بكرة) لزمان، ولم يعنها ذلك في لقمة العيش، إلى أن جاءت ليلة عرس أحد الأصدقاء، واستجابت لرغبة الجمهور فغنت (أحلام هسي) لزوم الهجيج، فتدفقت عليها الطلبات لإحياء حفلات الأعراس. وبدأت تزحف قليلاً قليلاً إلى أن وصلت إلى (مجد) قعدات الخرطوم ومفاخرات نساء (المجتمع الراقي). وعرف جو أن فرقة أفريقيا الجديدة قد تفرقت أيدي سبأ. وظل سيف حسن هناك مع نورمال جيتاره وعمِل ترزياً في (المدينة)!





    ****





    بعد أن أكتمل تشييد (البيت الأبيض)، قرر صلاح زين أن يكون عرسه في ذلك الصيف، بعد عودة عماد زين (دكتوراً) ونون (إجازة). وتم حجز ندى الشروق للمناسبة تأسِّياً بالمجتمع الراقي! ولكن قرر أن تكون هناك حفلتان بدلاً من حفلة واحدة، إحدهما بمواصفات (الجماعة) درءاً للحرج.

    ووصلت رسائل العودة إلى جو الذي كف عن الرد في إنتظار رقصة مع نون على أنغام (ندى الشروق)، رغم أنف (المجتمع الراقي)، وحتى لو تنتهي الحفلة بشكلة.

    وبسبب مسائل متعلقة بشهادات عماد زين، تأخر القدوم إلى أواخر حزيران الذي تبدد في الإنتظار. وفي أول أيام تموز، وبينما كان جو وديكور يعبران الجسر يترنحان سكراً ونشدان النشيد كما كانا يفعلان ولآلاف المرات؛ فجأة صعدت لجو فكرة عناد قديم! فجلس في منتصف الجسر وقرر أن ينام هناك! حاول معه ديكور شتى السبل لإقناعه بالذهاب إلى البيت، ولكنه لم يتزحزح عن موقفه! ولما تعب ديكور من محاولات إقناعه، سب له ديناً مكعباً، وقال:

    ـ إنشالله البحر يطفح ويشيلك زي ما شال الجماعة..

    ـ ما يشيليني؟ قالها جو بعدم إكتراث ثم أستدرك:

    ـ إنت يا ديكور، الجماعة الشالهم البحر ديل منو؟

    ـ إنت ما شفت الجريدة بتاعة الليلة؟؟

    ـ لا ماشفتها!!

    ـ ما الباخرة بتاعة مصر غرقت وكتلت ميتين وكم كدة!

    وفجأة، دخل النمل جحوره. وانفضَّ سراب السكر عن درورب الذاكرة. طارت السكرة. واكتشف جو أول ما اكتشف، الحقيقة الغريبة! وهي أن الجسر الذي ظلا يعبرانه ونشدان عليه الأناشيد لآلاف المرات، لم يكن سوى قنطرة صغيرة على المجرى الفاصل بين مربعين في الحي!! وأنه بالرغم من عبورهما له في لحظات (الصحو) ولآلاف المرات أيضاً لم يلاحظا هذه الحقيقة!!

    قام جو ولم ينفض عنه غبار الجلوس. ترك عامر ديكور يترنح وراءه. وفي البيت دخل الحجرة مؤمناً بكل الآلهة. أشعل النور. نظر إلى إبتسامة نون العريضة، بحث عن الجريدة وقلبه يدق، وأنفاسه تتعالى.. تتلاحق .. أشعل سيجارة. أخذ نفساً وألقى نظرة إلى الجريدة:

    "مائة وست وسبعون ضحايا الباخرة (...)"!

    "هيئة المواني البحرية تشرح أسباب حادثة أبي سنبل"!

    وفتح الصفحة الثالثة حيث قائمة بأسماء الغرقى وهو يردد:

    "سترك يا رب.. سترك يا رب"

    واحد

    أثنين

    ثلاثة

    ...

    20 ـ د. عماد الدين زين العابدين (خريج)

    قبض جو على نار السيجارة ليقرأ له الزمان ما يلي:

    "كانت نون، بعد نهاية العام الدارسي، قد قررت إنتظارعماد. وبالرغم من توفر إمكانيات السفر بالطيران، إلا أنها أصرت أن يسافرا بالباخرة! فمنذ تلك الأيام الغريرة. كانت الأنهار تعني لها الحب. وكان النيل بالنسبة لها (مقدساً) فيه ذكرة المانج القديمة، وأحلام الكواكب.

    وأمام إلحاحها. رضخ (عمدة) لرغبتها وهو عارف بجزء من سر هذا العشق للنيل رمز الحب الأبدي.

    حملا حقائبهما ونزلا السد العالي. كانت نون تحمل في حقيبها الصغيرة، صورة جو وآخر رسائله إليها.

    كان المساء مفرحاً لدرجة لم تحسها نون من قبل.

    أمواج النيل تلاعب حواف الباخرة.

    الجبال الأبدية، صامدة (هناك) .. "ترى من متى أنت شامخة هناك؟!" سألتها متعجبة.

    جبل ذكرها (توتيل)، فلوحت له بمنديلها الأزرق.

    كانت أسراب الطيور تمر.. تمر عكس اتجاه الشمس الغاربة.

    قالت:

    "ليتني طيرٌ"

    إنتبهت للمفارقة:

    "وليت جو طيرُ"

    ضحكت، وهي تستعيد في خيالها خاطرة أنهما طائران، يحملان القش ويبنيان عشاً.

    هي تبيض وتحضن البيض.

    ويذهب جو إلى الفضاء.. ويجلب لها الدود.

    أعجبتها فكرة حضانة البيض.. وعادت لتسقط الصورة على واقع الناس.

    "فعندما نتزوج، ونحن لسنا طيراً، ترى كيف يكون شكل الأولاد؟"

    قسمت القسمة:

    "البنات، يشبهنني"

    "والأولاد، لابد أن يشبهوا جو"

    سألت نفسها:

    "ترى كم سيكونون؟"

    و حسبت في يدها:

    "عماد، على، عثمان، وسيد، وعامر، وعبدالله ومصطفى ..لا لا كدة انا حأموت من الولادة .."

    سمعها جارها على سطح الباخرة تكلم نفسها فالتفت:

    ـ إنتي معاي ؟

    ـ لا

    وتحولت إلى الجانب الآخر لتعيد ترتيب الصورة:

    "البنات: سلمى، زهرة، وأنهار، وعزة وجليلة"

    وأخرجت الصورة، نظرت إلى وجه جو، إلى عينيه المخيفتين. قلبت الصورة ثم أتعادت تأملها.

    دب الظلام في الآفاق.

    جاء وقت العشاء

    قليلاً من العشاء

    قليلاً من الغفو..

    أستيقظت عند منتصف الليل.

    طلبت من (عمدة) أن يأخذها إلى سطح الباخرة..

    قال عمدة:

    "أنا تعبان يا نانا.. عليك الله أمشي براك"

    فرحت. فعمدة دائماً يثق فيها ويمنحها الفضاء لتطير.

    كانت تلك آخر جملة سمعتها من عمدة.

    في سطح الباخرة أبتدرت صلاة النهر بترتيل ذاكرة الأيام. ابتداءً من ذلك اليوم الذي أخذ جو يدها وعبرا ماء المطر،

    ومروراً بكل شيء مضى،

    في الواقع وفي الحلم.

    كانت في قمة النشوى.

    ولما بدأت آفاق الصباح تلوح،

    ـ وحسب علمها ـ

    ستصل الباخرة في آخر الضحى إلى أرض (التراب) المحسوب جو ضمن كائناته.

    فرحت أكثر.

    بدأت تتلامع ـ هناك ـ أنوار أبي سمبل. وهي غارقة في الحلم الصاحي لسنين طويلة.. سمعت الأصوات، الصراخ، الناس يتدافعون!! لم تفهم شيئاً!! وفي اللحظة التي فكرت في البحث عن عماد، وجدت نفسها في عمق الماء والصراخ.

    لم تكن خائفة..

    وفي طي موجة، رأت جو يسبح ويناديها:

    ـ نو.. نو.. نو..

    ـ جو.. جو.. جو

    ـ نو... نو... نو

    ـ جو... جو... جو

    ـ نو ..

    ـ جو ..

    ـ نو ..

    ـ جو..

    ـ ن

    ـ ج

    ـ .

    ـ .

    وفي تلك اللحظة تدخلت الكواكب، وأخذتها إلى حديقة السعادة الأبدية!"





    ***********************

    ****************

    ******













    4
    لعبة الزمن

    سيرة الحلم





    (استيقظ) جو في السابع والعشرين من الشهر الرابع بعد الذكرى الأولى لرحيل نون، ولم يجد نفسه في بيت (سيدة الفرح)، ولا أي بيت آخر! وإنما ضمن كومة من البشر وهدف لركلة الشرطي النوبتجي الصباحي! سيقوا إلى خيمة مكتوب عليها (محكمة الطوارئ) رقم (..)! وبعد سين وجيم في الأبجديات سأله الرجل الجالس:

    ـ إنت أمبارح كنت سكران؟

    ـ لا.. كنت قاعد في الكبري!

    تدخل الشرطي:

    ـ كوبري شنو يا مولانا؟ دة جبناهو من البيت الداهمناهو!

    ـ صحيح الكلام دة؟

    ـ والله ما عارف ..

    ـ ما عارف كيف؟ والقزازة دي حقّت منو؟ قال الشرطي.

    تأمل جو الزجاجة. لم تكن غريبة عليه، ومازالت بها بقية أقل من النصف بقليل.

    ـ أيوة دي بتاعتي!! جيبها هنا ..

    وصدر الأمر بجلده، وحبسه ثلاثة أشهر بسبب (حيازة الخمر) بالاعتراف!!

    وفي السجن، استعاد جو ذاكرة المدينة. والله، والنهر، والناس. واستعاد صور أستاذ عساكر ورينقو، وأبدللاهي إساخا. وأيام نون.

    بدأ يسمع من زملاء السجن الحكايا الطويلة. ويفكر ويفكر..

    كانت بعض التفاصيل لا يعرفها أحد! بعضها يختلط ببعض! فنبتت في ذهن جو فكرة (أخبار الأيام). كان يجلس ويستمع ـ في الليل ـ إلى أحزان رفاق السجن بكل تفاصيلها ويضيفها إلى أحزانه الخاصة. وعندما يؤخذ إلى منزل ضابط السجن ـ ليغسل الملابس والأطباق وينظف الحمامات ـ كان يستلف من ابن ضابط السجن بعض الأوراق والأقلام ويدون تحت عنوان: (أخبار الأيام) كل ما سمعه. "لابد أن يعرف الناس الحقائق"، هكذا كان يقول لنفسه. وقد استغربت زوجة ضابط السجن أن يكون مثل هذا الرجل في السجن! فصات تعامله بشيء من الود. وتم إعفائه من الغسيل وأصبح مدرس الإنجليزي لإبنتها.. صارت تعطيه الطعام الجيد، وتهديه الأوراق والأقلام، وتحفظ له (أخبار الأيام) في دولابها!! إلى أن جاء السابع عشر من يناير. فأطلق سراحه ـ لسبب لم يكن يعرفه ـ قبل عشرة أيام من انتهاء المدة!

    قامت زوجة الضابط بإعطائه بنطالاً جديدا وقميصين وخمسة جنيهات وودعته قائلة:

    "عليك الله ما تنقطع مننا".

    حمل جو كيسه وأخبار أيامه وذهب. تجول في المدينة. عبر جسر (بُرِّي) إلى الخرطوم، ثم جسر النيل الأزرق إلى بحري. ثم جسر شمبات إلى أمدرمان. ثم جسر النيل الأبيض إلى الخرطوم مرة أخرى. كان ماشياً على رجليه وكيسه على ظهره يقول مرة بعد مرة:

    "إييه! ... ما أحلى الحرية!!".

    بجوار حديقة الحيوان، وفي ذلك العصر، جلس أمام الكشك، أفطر، ثم استلف الجريدة من صاحب الكشك..

    فتح الصفحة الثانية:

    "الحمد لله .. لسة في سينما!!"

    سينمتان فقط! أخبره صاحب الكشك أنهما أهم مصادر الدخل لـ(واحد كبير في الحكومة).

    في كوبر: "التحفة الهندية الرائعة (شولي)، بطولة دهر مندرا وأميتاب بيشان (أبوطويلة)"!

    "آآخ يا أبوطويلة.. أين تكون أنت الآن؟"

    قام، وضع كيسه على ظهره ثم عاد إلى (كوبر). "والجوة وين؟ جوووة.. والبرة وين؟؟ جووووة"!!!

    كانت السينما مزدحمة، لكن الصدفة تواطأت وحنت على جو:

    ـ عايز تذكرة يا شاب؟ في واحد أخونا معانا ما جا..

    ـ جيب.. جيب!!

    ودخل جو السينما. وكان الفيلم (هندياً تماماً). ولما انتهى، نسي جو أنه يحمل أخطر الجرائم وصك إدانة الزمان! (أخبار الأيام). ولكنه كان لا يريد أن ينام هذه الليلة بالذات داخل أي جدران! ذهب وتجول هنا وهناك، ولم يأبه للطوارئ! تعشّى في أكشاك السوق، وحمد الله وشكره، ثم قام ومشى. وبجوار نادي السجون، لاحظ زيادة عدد الحراس! ولكنه قدّر أنهم يعرفونه. وهو يستطيع أن يثبت لهم أنه قد تم إطلاق سراحه، وإن عصلجوا، سيستعين بزوجة الضابط!

    توسد كيسه ونام بالقرب من سور النادي. كانت نومته عميقة، لم يكدرها أي كابوس! وفي الصباح، استيقظ على إثر جلبة عظيمة حول المكان!! كميات من البشر تتقاطر وهي تهتف "الله أكبر.. الله أكبر"!

    ظن جو أن الثورة قامت.

    ولكنه استقصى؛ سأل الرجل الذي كان على نية أن يتسلق الحائط:

    ـ في شنو الليلة يا أخونا؟!

    ـ الكافر (محمود محمد طه)؛ الليلة رجمه؟!

    ولأول مرة يجد جو كافراً متعيناً! فكل ما كان يعرفه عن (الكفار) أنهم (أبو جهل) و(أبو لهب) و(فرعون)؛ وأنهم ـ على أي حال ـ مرتاحون في قبورهم! فقفزت إلى ذهنه صروتان متداخلتان؛ صورة ذلك (الكافر) الوقور التي تظهر مرات في الجرائد، وصورة أولئك الفتيات ذوات الثياب البيضاء اللاتي اشترى منهن كتاباً ذات يوم في ممرات السوق الأفرنجي، ذلك الكتاب الذي ذكره بعم عبده!

    تسلق جو الحائط مع المتسلقين.. ولكنه لم يهتف. ‍قال لنفسه: "من لم يمت بالسيف مات بغيره"، ثم تخيل أن هذا الرجل سيسعد بعد قليل بلقاء نون وجميع الراحلين..

    "يا لفرحته.." ـ قال .

    جاءت طائرة هيليوكوبتر، ومرت فوق المكان.

    لم ير جو شيئاً بعد ذلك إلا وهو يعبر (كوبري بري) ماشياً، وبعض الرجال واضعين عماماتهم على وجوههم يبكون بعد أن كانوا يهتفون!!

    في الديم، وجد ديكور جالساً يرسم لوحة كبيرة للرجل. كان منهمكاً لدرجة أنه لم يرد التحية لـ(جو) ـ رغم أيام الفراق الطويلة بينهما.

    ولما إنتهى ديكور من البورتوريه، إلتفت إلى جو قائلاً:

    "تفتكر فاضل حاجة تاني؟"

    (كان صلاح زين قد ابتهج ثلاث بهجات؛ الأولى البيت الأبيض صار له وحده. والثانية أنه تزوج من بنت الوزير. و(ثالثة الأثافي) أن (الكافر) قد زهق.

    أما السيد زين العابدين، ففرح فرحتين: الأولى أنه دخل معهداً للرشاقة واشترى بدلاً جديدة بعد أن صار اسمه يرد مع كل لستة ترشيحات للوزارة، والثانية أنه سلم المقاول خارطة الفيلا الجديدة في (حي النيل) من فيء البركات فرع ماوراء البحار (OVERSEAS) فرد جو:

    ـ الفاضل ديل..

    ولكن العالم لم يكتف بـ(مؤامراته التقليدية) كما يسميها عامر ديكور، كلما قرأ عليه جو خبراً من أخبار الأيام، وإنما تجاوز الجلد إلى العظم. عرف جو بسوء الحال بعد أن تخاذل المطر للمرة الثانية، و(كسر) الموسم. ولكن أشجى ما في الأمر أن مصطفى بطيخة قد أضيفت إليه أعباء جديدة بعد أن تخلص من عبء أولاد قرف. فصار يعول أسرة عثمان سنين بالإضافة لآخرين كثر‍! وقد أخفى على عثمان سنين حقيقة ما حدث لجو وحكاية سجنه وجعل له مرتباً ـ يكذب عليه بأن جو هو الذي أرسله!! ‍لقد استشعر بطيخة بحنكة التاجر، ما صار إليه حال الناس عندما مر يوماً على طاحونة جاره ووجد إمراة تكنس غبار الدقيق وتضعه في إنائها. ولما اتسفسر عرف أنها تاخذه لتطبخه لأطفالها الجائعين .. فواصل المرتب.

    أعلن جو وديكور ـ هما الآخران ـ حالة الطوارئ، لإنقاذ بطيخة من الإفلاس. فتحا (خاناً) لبيع أدوات الزينة التي يصنعانها في الليالي وهما يسكران خفية، ويستعيدان ذاكرة الجسر وينشدان نشيدهما خلف الجدران:

    لن ننسى أياماً مضت لن ننسى ذكراها.

    ..

    كانت (أياماً) اتسعت فيها الرؤية حتى ضاقت العبارة. وكانت الفنتازيا هي الحكي عن الذين ذهبوا وحملوا معهم وعوداً بأيام قادمة ستأتي من رحم الليل الطويل.

    كان شربات قد تخرج في كلية الشرطة. وأصبح ضابطاً. لكنه لم ينفذ من وعيده وتهديده إلا حينما سمع (حاضر سعادتك) من الشاويش بشرى لتصبح أنهار بشرى أول غيمة في صحاري قرف.

    وقد ظل شربات يلقى بأوامره اللطيفة (للبصل المعفن) والجراثيم وكل الممحوقين في الأرض من الذين صادفهم:

    "أسمعي .. يلا أمشي شوفي ليك شغلة تانية ربي بيها عيالك.."

    ويصرف لها كانوناً!

    "... شوفي ليك أي شجرة أو حيطة.. وسوي شاي. ولو رجعتي للحاجات دي تاني أعملي حسابك لحدي ما ربنا يفرجها.."

    وأحياناً يأمر بإيقاف عربة الكشة عند المنعطفات، ولما يهرب المكشوشين، يأمر جنوده بصرامة:

    "خلوهم.."

    كان يشارك جنوده في السراء والضراء. وكانوا يحبونه ويثقون به إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أُمر فيه بالتحرك إلى شارع الجمهورية وكانت الخرطوم في ظرف أكثر أيامها اشتعالاً.

    في تنوير ضباط العلميات، جاء الأمر صريحاً (تفريق المظاهرات بالقوة) ليس بالبمبان فحسب، وإنما بالرصاص.‍ رابط الملازم عثمان شربات بجنوده تحت قيادة رائدهم منذ الصباح الباكر في المنطقة المحددة.

    قبيل العاشرة، جاءت الأمواج تهدر.

    ألقى الرائد بالأمر الجلل..

    لكن سعادة الملازم عثمان شربات (خالف) وألقى بتعليماته:

    "مفيش ضرب.. (الشرطة في خدمة الشعب)".

    وبحنكته القديمة، استطاع أن يقنع قائده بأن "الشرطة في خدمة الشعب" وليس العكس. ثم صارا معاً يدلان الناس على الابتعاد عن المناطق الملغومة؛ التي يقود العمليات فيها الضباط الموالون.

    كانت الجرائد تحمل في صفحاتها أخباراً مزيفة عن أعداء (للوطن) مندسين لتهديد (أمنه وسلامته). ولكن شموس تلك الأيام، حملت في معيتها إيقاع زمان جديد.

    كتب جو رسائل حميمة إلى كل الذين فاتوا في رحلة العمر. وأعاد لهم ديكور إبتساماتهم في اللوحات التي رسمها لوجوههم السمحة.

    صار منزل ديكور وجو غرفة العمليات. واستعادت فرقة مسرح الرصيف نشاطها. وانضم إليها أعضاء جدد أهمهم عوضية، التي أظهرت مواهب مدهشة في التمثيل وبراعة في الاستعراض لا تدانيها فيها الممثلات المحترفات. وإكباراً لجو فقد (أمنها) أهلها له، وحتى خطيبها العريف إسماعي كجّو، فرح جداً لدرجة أنه فكر أن يترك الجيش ويعمل معهم في الفرقة ليمثل أدوار البوليس والجنود التي يجيدها بطبيعة عمله. وظهر المخرج الموهوب نجم عبد الخير، الذي أحب أفاق جو ونظّم الإرتجال وأزال شوائب الجربندية.

    كونت جماعة صلاح حزب اللافتة ‍ وانضم إليهم السيد زين العابدين! ‍

    ملأوا البلاد باللافتات التي تشجب وتدين وتؤكد وتزعم وتدّعي. وتسب وتقرر، وتجري وتقف وتتبرأ وتتجرأ. وهلمجرا .. وإستغماية مع (هلمجرا)..

    ما كان جو ورفاقه يحفلون بما يجري من شجار. كان جو يرمي حجراً على بعد نصف قرن ثم يبدأون في رصف الطريق إليه. ويلقي نجم عبد الخير بحكمته: "إذا رصفنا هذا الطريق.. فبالتأكيد سيصل أحبابنا القادمون وراءنا بأسرع مما نحن فيه. هيا إلى البروفة".

    صارت ليالي المدن تستضئ بمسرحهم. كانت روابط الطلبة تستضيفهم.. سائقوا البصات ـ أحياناً ـ يأمرون كماسرتهم بأن يردوا لهم ثمن التذاكر. ستات الشاي يرفضن أن يأخذن منهم ثمن الشاي والقهوة!!

    في (المدينة)، زار جو عزة، فرأى اللوحة القديمة، وكتب مسرحية (عودة النوارس) التي أسست لما صار يعرف (بمسرح الجمال). وصادف يوم عرض مسرحية زوار الليل، على خشبة مسرح المدينة الكبير أن كان أستاذ عبد الجليل ـ الذي صار عضواً في حزب اللافتة ـ يتحدث في ندوة حزبه في ميدان الكراكة. وما أن أنتهت المسرحية حتى هجم الجمهور على الميدان، ورجم جماعة حزب اللافتة بالحجارة.. ولم ينقذهم إلا تدخل جو ونجم عبد الخير، الذين استمتعا لأول مرة (بالساوند سيستم) شارحين للناس أنه في هذا الزمان "يحق للحمار أن ينهق كما يحق للعصفور أن يغني، دون أن يتدخل أحد في غناء أحد، أو يتدخل أحد في نهيق أحد. وأنه لا يحق للعصفور أن يمنع الحمار عن النهيق. كما لا يحق للحمار أن يمنع العصفور عن الغناء. كما إنه يحق ـ أيضا ـ للحمار أن يعتقد في أن نهيقه أجمل من غناء العصفور، مثلما يحق للعصفور أن يعتقد في أن غناءه أجمل من نهيق الحمار، ومن أعجبه هذا فيذهب إليه، ومن أعجبه ذاك فيذهب إليه أيضاً"!!

    وفي كسلا، صعد جو جبل توتيل في الليل وكتب مسرحية إحتفال النيازك.

    لفوا المدن، جل المدن، الصغيرة منها والكبيرة، وبدأ الزحف على القرى. فكانوا كلما مروا بقرية. أصبح أطفالها يستعيدون ذاكرة الرتائن. ويضيفون إلى ألعابهم البلدية ألعاباً بلدية أخرى.

    كان جو لا ينام إلا بعد أن يكتب (أخبار الأيام). ويرسل رسائل عبر جسر الغياب إلى كل الغائبين، يختمها قائلاً:

    "أعرف أنكم كنتم معنا.. وأعرف أنكم تبتسمون.. وأعرف أنكم تستعدون للمساءات القادمة لاحتفال جديد ..".

    وكذلك مرت الأيام الجميلة كما البرق. وفي اليوم السابق للذكرى السابعة لرحيل نون، قضى جو المساء يحكي للنيل (أخبار الأيام). ومع نهاية كل قصة، يلقي بحجر فتنداح دوائر ودوائر.. ودوائر ..

    كانت المدن غافية. والكهرباء في الخرطوم تقطع وتجيء. المتشاجرون يتشاجرون. وكتاب الصحف (المأجورين) يلفقون الأخبار. و(غير المأجورين) يصححون أخطائها اللغوية فحسب!‍

    وضع جو خطة الاحتفال بالذكرى السابعة لرحيل نون بأن يصحو مبكراً، ومع طلوع الشمس، يلقي بقبلة على ابتسامتها. ويضع كلات الأزهار على بورتوريهات الغائبين الحاضرين. ويحمل كلة أخرى ليضعها على جيد النيل رغم ما بينهما من ثأر.

    في الصباح، وبعد أن أكمل الطقس الأول، سمع الضجيج في الشارع. ‍خمّن أنها مشاجرة بين نسوة الحي بسبب صبيين أحمقين دلق كل منهما لبن صاحبه في طريق العودة من أمام (دكان الفوراوي)؛ حيث يقف (سيد البن). ولكنه لما أدار مؤشر الراديو، إذا بالطامة الكبرى تتكور وتنفجر مع حماسة المراشات العسكرية!! ‍

    قال جو لنفسه: "إنهم هم!".

    ولم تمض ليلتان كما مضت على أستاذ عساكر إلا وجاءه زوار الليل! بدأوا أولاً بتهشيم الصور! ‍كان جو قد رأى هذا المشهد قبل ثلاثة قرون وهو ما كان سوى (فكرة) في خيال وأحلام جده الرابع عشر في قرية الدناقر. عندما طار وقتها وحلق وتداخل مع أحلام وكوابيس (عم كوني فارس الغابة) الذي سبقت أحلامه الزمان ليرى ما حدث بعد ثلاثة قرون من لحظته تلك وكل ذلك من فرط حبه لقرية الدناقر وناسها!!

    بعد إن هشموا اللوحات والصور، أخذ زوار الليل الكتب و(الأوراق) ومن بينها كل رسائل نون و(أخبار الأيام)، تلك التي سببت له من العنت ما لم يصدقه. فقد استفادوا منها إيما استفادة في تعذيب المعتقلين! أدرك جو غلفته هو أيضاً بعد أن ظن أن المدينة وحدها هي الغافلة. وكان ذلك آخر الدروس الصعبة.

    كان جو يحب الحرية. ولكن طالما أن رأسماله هو دماغة، وهم لا سسبيل لهم إليه بسبب جدار حنكة سنين الفواجع العظيمة، فقد وضع أفعالهم معه مكان العادية. ولكن ما آلمه هو خبر موت عثمان سنين قبل إن يرى ثمار شجرة الحلم التي بدأت تمد فروعها في الفضاء وترك بت النور وحيدة. وهي قد تكبدت المشاق وأتت إلى (هنا) لتحمل مصاعب العيش مع (البرجوازية) (المحرجة) من هيئتها القروية. ثم بعد ذلك كله لم يسمحوا لها بمقابلته، وهو يعرف مدى الغبن الذي عاشته وتعيشه.

    وبالطبع لم يزره أحد، ولكن رسائل منتظمة كانت تصله من ديكور وعلى إسماعيل عبر وسائل شربات الخاصة. كانت في البداية رسائل جميلة (مفعمة بالأمل). ثم بدأت تزحف باتجاه المرارات. إلى أن صارت حنظلية.

    عرف جو أن على إسماعيل قد أخطأ في كسر صغير في حسابات تكتيكات اللعبة، ولم يقدّر أن (بلّة) الجنايني الذي انتحل شخصية عم عبده، كان يخفي (نظارة سوداء) تحت لحيته الصغيرة.

    قال جو؛ "حتى صورتك إنت يا عم عبده!!؟‍". وقد قُبض على علي إسماعيل، وضُرب حتى كسرت رجله. ولما خرج وجد نفسه (على باب الله). فكتب إلى جو رسالته الأخيرة وهو يتسلل عبر المطار بأسم غير إسمه بادئاً إياها بقول الشاعر:

    "مافي غير تلكع تسافر

    شيل حقايبك وامشي بينات الشعوب"!!

    ثم رسالة أخرى من ديكور، أتمت المرارات، يأسف فيها على رحيله إلى أرض الحبشة، بعد أن انتظر لمدى عامين يصحو كل صباح ويجر كرتاً فيجده إما دو(2) أو تريس(3).

    قال ديكور في رسالته:

    "دي قافلة معانا. وشكلها حتطوِّل!"

    وعمل بالحكمة الدينية "وامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور.." ـ كما فعل أبو خسين الذي فر بدينه إلى جوار النبي ـ وأوصى جو بأنه لو خرج حياً وليس (جدثاً) أن يذهب إلى ود عبد الوهاب الذي كانا يؤجران منه الخان في أيام (التحف) "والمجاعة الرحيمة" ليجد عند ه بعض الأشياء.

    بعد عامين من تلك الرسالة، وجد جو نفسه في فسحة وراء ضواحي أم درمان! بعد أن أُلقي به كما تلقي النفايات! قال له الحارس الذي فك العصبة عن عينيه:

    "إنتو خلاص إنتهيتوا. بقيتوا كوشة. تاني ما ليكم لازمة"!



    أدخر جو لقاء شربات ليوم أخر سيجيء ـ وقد بنت ليالي التفكير الطويلة جبل الاحتراس ـ قال ـ "سأذهب إلى ماجد عبد الرحمن، فقد يكون أدرك (جوهر المسألة). وحتى لو سئل ستكون الإجابة:

    ـ دة ود عمتي..

    وستنتهي الحكاية، على أي حال ـ بعد سين وجيم ـ بتفحُّص الأوراق إياها ومقارنتها بأقوال بت النور في إجابتها على أسئلة من شاكلة:

    ـ وإنتي هنا في الخرطوم قاعدة مع منو؟"

    ولكن المفاجأة كانت قاسية رغم الخبرات الطويلة مع القساوة. دخل جو الصيدلية المضاءة بكثافة. بقى لدقائق يتأمل رفوف الأدوية. نظّر في خياله في (ديكور) الصيدلية ليغتنم أول فرصة فراغ ليدخل منها.

    وجاءت الفرصة:

    ـ إزيك يا ابن خالي ..

    ـ آآ... أهلاً.. جو!!؟

    وتلفت ماجد عبد الرحمن خوفاً ثم سأل جو وهو يرتجف:

    ـ وإنت مرقت متين؟

    ـ الليلة..

    ـ ومارق الليلة جاييني طوالي؟ ليه ياخي؟؟

    ـ إنت ناسي إنك إبن خالي ولا شنو؟

    ـ يا خي ديل بعرفوا كلام زي ده؟ إنت عايز تودّينا في داهية؟

    ـ إنت خايف كدة مالك؟!!

    ـ ياخي أنا زول عندي أسرة! كيف ما أخاف؟!

    مرر جو بصره على الأرفف مرة أخرى، وقارنها بالحكايات التي سمعها في المعتقل عما صار يجري للناس بسبب الأدوية، وقال:

    ـ خلاص يا قريبي، مع السلامة..

    وخرج.

    وأثناء تجواله، وفي الطريق الذي يمر أمام المستشفى. كان يخمن في ذهنه ما ستكون وصايا ديكور.

    رأى أشياء كثيرة تغيرت. قامت مباني جديدة، طُليت واجهات المباني بلون البوهية التي كان يحتكرها ويخزنها صلاح زين العابدين وصار عدد اللافتات مهولاً!

    وفي يوم، وهو يمر أمام حوادث المستشفى، رأى شخصاً كأهل الكهف ـ شعره كثيف، لحيته غبراء، عارٍ إلا من سرواله الداخلي! مكوماً حوله جبلاً من الأوساخ؛ جوالات دقيق، أكياس أسمنت، جرائد، هياكل راديوهات وتلفزيونات، عوادم عربات، بقايا كوانين ستات الشاي وأشياء أخرى كثيرة! كان يجلس أمام تلك الكومة ويصبح:

    "فتين .. فتين. شوف هاجات دة كلو أنا جبتو ليك"

    وينادي المارة:

    "شيف.. شيف.. هاجات دة كلو أنا جبتو لفتين"

    اقترب جو:

    ـ أبدللاهي إساخا.. إزيك. أنا جو؟ إنت ما عرفتني ولاشنو؟

    ـ تآلي شيفي. هاجات دة كلو أنا جبتو لفتين..

    ـ أنا جو.. تتذكر زمان لمن كنا نقعد نقرا الجوابات سوا ؟

    ـ شيفي شيفي.. هاجات دة كلو أنا جبتو لفتين..

    ـ ؟؟؟!!

    ـ ...

    وفي المكان الذي كان مكتب المقاول، الذي شهد أحلى الإنتظارات لرسائل نون على مدى أعوام، قامت عمارة كبيرة، "بنك الـ.. الـ..". ولافتة بحجم بوابة المدرسة "شركة البركات للتجارة والإستيراد"، حاف هكذا! بعد أن إختفت كلمة (المحدودة) التي كانت ترافقها في أيام مضت! ‍‍‍‍

    أشياء كثيرة أخرى تبدلت: فكلمة (الله) مثلاً، صارت تعني (البنك)! ‍وكلمة (المستشفى)، صارت تعني (الدكان)!! ‍ و(الجامعة)، تعني (الروضة)!!! و.. و...

    قال جو لنفسه:

    "ما رأيك يا جو؟"

    تلك هي إستعارة للعبارة "ما رايك يا نجم؟" التي كان يقولها نجم عبد الخير المخرج ـ لنفسه ـ بعد أن يفرغ من قراءة نص جديد كتبه جو.

    إلتقى جو بود عبد الوهاب وكانت قد بانت على وجهه غبشة وكهولة مصارحة. وكعادة الرجال الطيبين، تأسف لما حدث لجو وتأسف أنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا له أي شيء. ولم يك خائفاً، فأكرمه وحكى له الحكايات وأكد له أنه (بقى على الحديدة) وأن (البرّة زي الجوة)..

    "يا خي ديل بخلو حاجة!؟ لكين الحمد لله إنت ود حلال.. جيتني في الوكت المناسب. أنا هسع مفكر أبيع الدكان. وكنت بفكر أنقل الحاجات بتاعتك دي البيت، وحتى والله كلمت الأولاد يفضّوا الحمّام بتاعي داك عشان أعمله مخزن ـ ما تآخذني يا خي. أنا ذاتي باقي حاجاتي عايز أنقلها هناك".

    وجد جو كل أدوات العمل القديمة. وبعض ما نجا من (مسرحية الثور في مستودع الخزف). كان عامر ديكور قد قام بإعادة رسم كل اللوحات التي هُشِّمت. وبنفس الإبتسامات القديمة. وأضاف إليها صورته وهو يبتسم إبتسامته الساخرة تلك، واضعاً قبعته المعهودة على طرف رأسه، وبقايا الألوان على أصابعه، ممسكاً بفرشاته يضع اللمسات الأخيرة للوحة داخل اللوحة يظهر فيها جو وهو حاملاً صخرة كبيرة كصخرة سيزيف، وصاعداً بأتجاه قمة الجبل وأمامه لافتة في شكل سهم:

    >---------- إلى المستحيل

    ولوحة سوريالية سماها (صوت عم عبده)!

    وفي البيت، وبعد الغداء، دخل ود عبد الوهاب وأخرج الوصية:

    عد أربعين ألفاً من الجنيهات وسلّمها لجو ومعها الرسالة:

    "الذكرى التاسعة لرحيل نون. وأنا أحتفل وحيداً بالنيابة عنك. لم أجرؤ على شيء واحد لأنه يخصك أنت وحدك.

    عزيزي جو:

    ما زال في العالم متسع لي ولك وللذين نحبهم. تأكد دائماً أن حذاءك مربوط جيداً وبحزم، وقبل أن تلبسه تأكد أن ليس فيه حصى. لو تأخر خروجك، فلن تكفي الجنيهات التي سلمها لك ود عبد الوهاب قبل قليل لشراء حذاء.

    أنت تعرف أنها أخر ما عندي ..

    أمنياتي لك بالتوفيق في مارثون الزمن.

    بقية الأشياء قد تفيدك..

    اليوم أكملت لكم دينكم

    ولي الرحيل.

    ديكور

    الذكرى التاسعة لرحيل نون"


    ****



    عقب الذكرى الحادية عشر لرحيل نون، سرّب جو اللوحات والأدوات إلى (المدينة). وذهب إلى أبدللاهي إساخا وقال:

    "وداعاً صديقي، سنلتقي في الزفة القادمة".

    كان قطارالميجا قد خرج ذات يوم ولم يعد! لتحل محله بصات (المجد) التي تمتلكها شركة (البركات غيرالمحدودة). لم يجد جو مفراً من دعم (الوطن). وأشترى تذكرة مغادراً إلى (المدينة).

    وهناك، كان أول من صادفه هو البصلة المعفنة الكبيرة مصطفى بطيخة، الذي اضطر في السنين الأخيرة أن يعمل كومسنجياً متجولاً بعد أن أفلس دكانه مِن كثرة مَن صار يعولهم مِن الناس. ولم تسعفه من عاديات الزمان إلا أريحيته وشهرته وتاريخه الشخصي النظيف. فكل من نقص عنده ثمن الفرار، تكفل مصطفى بطيخة بإقناع سائق اللوري ليوصله ويختم (أوامره) التي لا ترد بـ"إتكل على الله يا رجل!".

    وأول ما صدع به بطيخة ـ كعادة الكومسنجية في إفشاء أسرار المدينة ـ هو أن أخبر جو بأن أستاذ عبد الجليل قد عُيِّن محافظاً للمدينة وضواحيها! وأن أول عمل قام به هو (هدم مسرح المدينة الكبير) وتحويله إلى (بورصة محاصيل)!! صُعق جو من الخبر، لأنه كان يتوقع أن يتم تحويل المسرح إلى (مسجد) ـ الذي كان، على الأقل، سيحل ضوائق السابلة المساكين، ويوفر لهم مظلة تقيهم غلواء الحر في أيام الحر، وهوجاء المطر في أيام الخريف!

    وبعد،

    واصل جو تصفح بانوراما المدينة. وجد ساقيه قد ساقاه إلى الأماكن الحميمة القديمة. كانت الإغنام ترعى في (المدرسة) التي تحول إسمها إلى إسم أخر. ولم تعد الداخلية داخلية، فقد تم تحويلها إلى ملكية منظمة الـ.. الـ..المشهورة!

    أجل جو طواف القدوم، وذهب إلى الأميرية ـ مرتع الغزلان القديم.

    كانت حيطانها قد تهدمت وأشجار لالوبها جفت. وتحولت لافتتها إلى لافتة أخرى (معهد علوم الـ...الـ..)، وأغلقت بقية المدارس في إنتظار أن يفتحها الله!!

    وفي المساء، ذهب جو للتنزه عبر الجسر. كانت الأشجار قد أزيلت. وبقي الجسر عارياً كأبدللاهي إساخا! ولم يعد أحد يتخذه متنزهاً! فبالإضافة لتهشم منظره، صارت الشرطة تتدخل وتسائل الناس كلما عبروا في الأمسيات! كان ذلك ضمن خطط أستاذ عبد الجليل لمحو ذاكرة المدينة!

    وفي الليل، وقبل الخروج إلى (الكعبة)، أسر جو لبطيخة بعضاً من أسرار الليالي القديمة مع (الكعبة). فضحك بطيخة ضحكة أعادت أيام زمان وقال:

    "على اليمن دي إبليس ما عملها!!"

    ولكنه صرح لـ(جو) بعدم جدوى الذهاب إلى هناك. لأن ذلك المكان كان قد أصبح في العام الفائت مأوى للجنود غير النظاميين!! وأضاف بطيخة وهو يواصل ضحكته القدرية:

    "والله ما تلقى التكتح!"

    وفعلاً، لما وقف جو على الأطلال. كانت النافذة مهشمة. فقد أخذ الجنود أخشابها. ولم يعرف مصير (النملية)! بل حتى الزنك وأخشاب السقف (ذهبت في خبر كان)!!

    إلتقى جو بسيف حسن. وعرف أنه تزوج جليلة. وأنجبا ملويزي و مابانا. وعرف أن عزة إنتقلت لتسكن بجوارهم. وقد صارت (أبلة عزة) التي يذهب ملويزي ومابانا مع رفاقهم كل صباح إلى بيتها الذي صار روضة تدرّس فيها الأطفال (أحلام الزمان). وفي أيام (الحنين)، يبقى سيف حسن ويعزف لهم أغنيات (الزمان الجاي) التي كانت يوماً (أحلام بكرة) على النورمال جيتار فيغنون.

    فرح جو،

    ولما إلتقى بـ(أبله عزة)، وجدها ما تزال تضع أمام عينيها نظارتها السوداء تلك! أحتضنته بإلفة بالغة. واستعادت قدرتها القديمة على البكاء المرير.

    أستغل سيف حسن المناسبة واقترح على جو أن يسكن معهم. ولكن المشكلة كانت في بعض تفاصيل جو، التي تتضمن عودة نورس إسمه بت النور. لكن عزة حلت المشكلة فوراً. أمرت جو أن يأتي ببت النور لتسكن معها في بيتها وترافق والدتها. وعلى الأقل ستجدان فرصة لتبادل (إشعاتهما القديمة) وتسعدان بصحبة بعضهما في آخر أيامهما. كان ذلك حلاً جيداً. فأُحضرت بت النور، وهُدم الجدار الفاصل بين البيتين. وبعد أيام أُفتتح دكان بطيخة مرة أخرى. ولكن هذه المرة خاناً للتحف وأعمال النجارة. وملجأ لطالبي الديكور، بالإضافة لزبونات سيف حسن من الفتيات الراغبات في زيادة أناقتهن وهن كثيرات ـ خاصة بعد تفشي ظاهرة (العزوف عن الزواج)!

    بدأت الدنيا تستعدل مشيتها قليلاً. كان جو وسيف حسن يعملان في النهار، ما عدا أيام الأحد والأربعاء. الذين خصصاهما لروضة عزة. حيث يعزف سيف حسن على النورمال جيتار، ويقوم جو بضبط الإيقاع واختراع الجملة الحركية للصغار لأداء الأناشيد وراء عزة وجليلة.

    وفي كل خميس، بعد أن يمشط جو لمابانا الصغيرة شعرها، يذهبون جميعاً بصحبة الصغار للتنزه وعبور الجسر ويرزعون الأشجار القديمة في ذاكرة هؤلاء الصغار.

    في الليل يذهب جو إلى (سيدة الفرح). ويأخذ مرتبه اليومي، ثم يعود إلى الغرفة. يجد عزة وجليلة تعدان العشاء. وسيف يعزف على النورمال جيتار لملويزي ويغني له:

    "عندما تكبر قليلاً وتطول يداك.. سأعلمك كيف تعزف يا صديقي.."

    فيجلس جو، ويضع مابانا الصغيرة في حجره، ويحكي لها حكايات (الثعلب في الغابة) وهو منهمك ـ في نفس الوقت ـ في قصقصة الجلود والأقمشة.. وأياً من لوازم الشغل. وأحيانا يخطط في كراسته تفاصيل المسرحية القادمة التي اكتملت في ذهنه. وبعد أن تنام مابانا، يحملها إلى سريرها ويعود ليتناول الأرشيف ويكتب أخبار الأيام ثم ينام.

    مع شقشقات الصباح يصحو، ويصلي صلاة اليوم الواحدة! يقرأ سورة الفاتحة التي يحبها. وسورة البلد، التي يؤمن بها، ويردد قول المسيح "أنتم ملح الأرض.. فإذا فسد الملح فماذا....؟". وأحياناً جزءاً من نشيد الإنشاد!

    كان جو لا يدعو أي دعاء! فهو مع الحكمة القائلة بأنه "ليس هناك داع للصياح وإزعاج الرب طالما هو يعرف كل شيء.. وإذا كنا قد ارتكبنا أشياء مخجلة ـ وهو يعلمها بالضرورة ـ فليس هناك معنى من محاولة خداعه (بكلمات حلوة).."! وعلى رأي المقدم عثمان شربات "أن هذه الكلمات الحلوة تنفع مع الفتيات فقط، ولكنها لا تنفع مع الرب"! ومن دواعم هذا الموقف أنه في أيامه الأولى في المدينة، أستيقظ يوماً مبكراً وداهمته الرغبة في أن يصلي الفجر مع عم عبده ـ رغم علمه بانتقاله إلى الرفيق الأعلى! فتوضأ ومضى باتجاه الزاوية. ولكنه لم يتصور أن الدكاكين التي نبتت كالمسكيت على سور الزاوية قد امتدت إلى داخلها أيضاً! فمنذ رحيل عم عبده إلى رحاب الله، أستولى ود العمدة على المايكرفون الذي لم يهنا به عم عبده إلا أيام قليلة. وبدلاً من (أسبحنا وأسبح الملك لله) سمع جو حشرجة حنجرة الحوت: "اللهم كفر عنا سيئاتنا.. اللهم أهزم أعداء الدين.. اللهم... اللهم.."! فقارن جو الصوت بصورة ود العمدة، الذي صار (أمين اللجنة)! أستحضره لما كان يمر أمام المشغل ملقياً بتحيته:

    "السلام عليكم يا (شيخ) سيف.."

    وهو يحمل سبحته بيده اليمنى، وأشداقه قد كبرت حتى أطاحت برقبته، وقد امتدت مؤخرته وهو يرتدي عراقيه وسرواله الفضفاض، ويضع طاقيته بطريقة (فكي شاف لحم)! فعاد جو أدراجه، وظل يسمع صوت عم عبده بوضوح كلما نظر في الفجر إلى اللّوحة التي رسمها ديكور!!

    وفي تلك الأيام، كتب جو مسرحية (الطريق إلى المدن المستحيلة)، التي تحكي عن قافلة من الناس ضربت أرضهم المصائب.. فخرجوا باتجاه مدن على ضفاف أنهار سمعوا بها في أخبار الزمان. وفي الليل الطويل، وجدوا جبلاً عظيماً سد عليهم الطريق. فاختلفوا؛ بعضهم آثر الذل والمسكنة والبقاء تحت رحمة هوام الجبل. وآخرون من الشبان المتهورين، قرروا المضي قُدُماً، وتسلق الجبل. كان هناك شيخ كبير، يحمل حفيده على كتفه قد قرر مواصلة الطريق. وكلما ظهرت صخرة كأداء، أنزل حفيده، واتكأ على عصاه، وحنى كتفه قائلاً للشبان:

    "هيا .. ضعوا أرجلكم على كتفي واصعدوا واسرعوا".

    ثم ينتظر حتى يمر نيزك فيحترق ويضيء. وفي لمح البصر يضع الجد علامة في المكان، فيساله حفيده:

    ـ لماذا تفعل ذلك ياجدي؟

    فيرد:

    ـ عندما يجيء الذين بعدنا، فلن يضلوا الطريق.

    ويحمل حفيده ويواصل.

    وفي أخر المشهد. تشرق الشمس. ويجدان نفسيهما في المنحدر الآخر. فيتوقف الجد ليستنشق عبير الشمس. ينطط حفيده على كتفه ويصيح:

    "أنظر يا جدي. إنها المدينة!!"

    "أنظر بيوتها الجميلة!! أنظر النهر!!".

    "ياآآه يا جدي! أنا سأذهب إلى هناك والعب بالطين! أنا فرح يا جدي!
    أنظر أسراب الطيور.. كيف هي جميلة!!"

    ولكن الجد في تلك اللحظة كان قد مات واقفاً وهو متكئاً على عصاه!!!



    ****


    في الحادي والثلاثين من ديسمبر، وبعد مرور نصف عام على الذكرى السابعة عشر لرحيل نون، والزمان على وشك أن يكمل دورته القديمة. استلم جو الرسالة التالية من على إسماعيل:

    "جو العزيز:

    أنا الآن واقف على أقصى بقعة في الأرض على ضفاف بحر الشمال. أمامي الفنار القديم، مغطى بالثلوج التي كثلوج روحي التي تحن إلى شمس إفريقيا!

    صباح الجمال يا حبيبي العنيد، وأنت ما تزال تمتهن الأسئلة بالقصي من الإجابات.

    أعرف أنك الآن جالس أمام الديار تكتب مسرحاً جديداً عن بطولات الناس العاديين والناس القادمين. أعرف أنك لم تغسل وجهك جيداً هذا الصباح حتى لا تتبخر فكرة مجنونة عن نشيد تؤديه الحبيبات على أبواب الشمس.

    وأعرف أنك قبل قليل أرسلت ملويزي ليأتي لك ببعض السجائر. وأن ملويزي يماطل في الطريق ويلعب (سكَّج بكَّج) مع سابيمبي..

    أعرف، وأفرح جداً، لأنك أجلت بعضاً من تفاصيل المسرحية القادمة يوم أمس لتقنع مابانا الصغيرة بأن تمشط لها شعرها اليوم. وهي ما زالت لا تثق إلا في رؤاك الجمالية. وتعلن أنها لو كانت كبيرة لتزوجتك أنت، ضاربة عرض الحائط بكل ما تقوله النسوة عن قميصك الوحيد.

    جو العزيز:

    أنا الآن كما تعرف أبصر العالم جيداً بعيني تلك التي كنت تنظفها لي بنفخات من فمك عندما كنا نلعب في التراب. وأعلق على جدران قلبي دائماً صورة ذلك اليوم الذي مشيت فيه حافياً عشرين ميلاً، عبرت الغابات والجبال وضِعْتَ في تلك المدينة التي كانت في مخيلتك المكان الأزرق بحجم المنديل. ذلك المكان الذي أخذوني إليه ليرمموا لي عيني التي انجرحت بعصاك التي قذفتها لترمي لنا بعض اللالوب. من المؤكد أنك الآن اكتشفت أن المدينة مكان أزرق، ولكنه بحجم البحر، الذي هو بحجم المنديل في آخر المطاف. أذكر أنهم قالوا أنني قبل أن أصحوا من البنج، كنت قد سربت بعض أسرارنا للإيقاع بأصدقائنا في الجانب الآخر من الحي في لعبة القمر القادمة.

    ها أنا يا جو أعرف العالم جيداً وأرى بعيني تلك كل الفنارات وكل الدروب. وأنا الآن ماضٍ باتجاه (المدن المستحيلة). أتذكُر يا جو عندما كنا (نُدَقِّسْ) الأستاذ ونتصفح كتاب (ألطريق إلى المدن المستحيلة)؟؟ ونقرأ رواية (عائد من الجحيم) التي تمجد بطولات العناد؟ أتذكُر تلك الكتب الممنوعة في تلك المدرسة التي أنشأها الغزاة (المحليين) الذين يعملون ليل نهار ليركِّبوا لنا جلوداً غير جلودنا وقلوباً غير قلوبنا ويدججونا ببعض الفرائض؟! ‍

    جو يا حبيب،

    مازالت مفاوضاتي جارية مع الـ(التاريخ)، وأحاول أن أقنعه بأن بيوتنا أيضاً كانت جميلة، وكذلك غناءنا ونساءنا..

    غداً نشرع نافذة أخرى للنهار.

    غداً سيكون ملويزي أكثر إنضباطاً في مسألة الوقت.

    غداً سيكون لمابانا الصغيرة تفاصيل أكثر اتساعاً، وتقوم المسرحية في ميعادها.

    غداً سارسل لك قميصنا لتخرج وتتفسح قليلاً وترقص في عرس حبيبتنا نواندا وتغازل بعض البنات، لأن ذلك يزيد الفرح في العالم.

    أنا عائد إلى غرفتي لأهندس عالماً وبلاداً للصحو، بملامح مدن ومسارح أكثر أتساعاً لتحمل دراما الحضور التي تكتبها أنت، وما يسميه سيف حسن (هزائم المستحيل).

    كان جو يتأمل تفاصيل هندسة على إسماعيل. فدخلت عليه مابانا الصغيرة، وأخرجته خشخشة أقدامها النبية عن لحظة الأيدي المتشابكة التي كانت ستشكل القوس الذي ستمر عبره النوارس إلى البحر فناداها:

    "تعالي يا السمحة... هوب.." حملها وأجلسها على حجره وأدخل يده في جيبه الأيمن.. ثم الأيسر.. لم يجد الحلوى!‍

    حملها على صدره وفتش الرفوف.. وقبض على الحلوى المندسة، وبدأ يزيل عنها غطاءها:

    ـ يا عمو جو.. إنت مش عايز تمشط لي شعري؟

    ـ أيوة يا حلوة.. بس خلي ملويزي يجي يجيب لينا السجائر وبعدين نقعد نمشط شعرنا.. كويس؟

    ـ لكين ملويزي قاعد يلعب مع سابيمبي سكج بكج!!‍

    قال جو في نفسه: "غداً سيكون ملويزي أكثر انضباطاً في مسألة الوقت"

    أمسكت مابانا شعره بيدها الصغيرة، وتذكرت سيرته التي ظلت تلوكها النسوة اللاتي كن في شغل الاستعداد للذهاب إلى عرس نواندا.. قالت:

    ـ إنت يا عمو جو ما عرست مالك؟

    ـ أنا لما ألقى لي واحدة سمحة زيك كدة وذوق كدة.. أعرسها طوالي؟

    ـ أنا مش ممكن أعرسك يا عمو جو؟

    ـ وليه تعرسيني أنا الشين دة؟

    ـ لا يا عمو جو، أبلة عزة قالت .. قالت إنت أسمح زول. ‍

    ـ وإنتي رايك شنو؟

    ـ أنا بحبك يا عمو.

    ـ خلاص يا ستي.. بكرة لما تكبري نعرس طوالي..

    ـ لكين أنا أكبر متين؟ أناعايزة أبقى كبيرة..

    ـ بس كل الناس لازم يكونوا صغار وبعدين يكبروا‍

    ـ وإنت يا عمو كنت صغيّر؟!

    ـ أيوة.. طبعاً.. كنت صغير قدرك كدة..

    ـ وكان عندك فستان زي دة؟

    ـ لا يا حلوة، كان عندي فنيلة زي بتاعة ملويزي..

    ودخلت الحلوى فم مابانا الصغيرة فسكتت عن السؤال المباح.



    ****





    مع دورة الزمان الجديدة، وفي لياليه، تحول الحلم القديم إلى الضفة الأخرى، التي لم تطلها يد التنين بعد.

    فما أن يغمض جو عينيه ويغفوا حتى يأتيه عم عبده "قوم يانايم وحِّد الدائم" "أسبحنا وأسبح الملك لله" فيرتجل جو قميصه كعادته ويدخل غرفة الأرشيف، التي تُكتب وتُحفظ فيها وثائق أخبار الأيام.

    صار عم عبده أمين الأرشيف. وتحولت عكازته الطويلة ـ التي كان يهش بها وهن الدنيا في أخر أيامه ـ إلى انبوبة (بف باف) تعمل أوتوماتيكياً وتمنع دخول الأكاذيب إلى الغرفة، تبيد الزاحفة منها والطائرة، المتسلقة والمتألقة، ذات العيون الزرقاء منها وذات العيون البلدية.

    يفتح عم عبده الباب لطابور الشهود. فيدخل رينقو. وتتحول سريرة عم عبده إلى شاشة بيضاء يعرض عليها رينقو حكاية الفيلم الهندي من لحظة ميلاد البطل، إلى لحظة معانقته لحبيبته بعد الإنتقام من (الخيانة).

    فيسأله جو عن أثر الفيلم على (ناس اللّوج). فيضحك رينقو من بساطة جو! ويشرح له أن السينما (هنا) ليس فيها لوج أو درجة أولى! فاللوج هو الدرجة أولى، والدرجة أولى هي شعب، والشعب هو اللوج!! فيفرح جو. ولكن فرحته تزداد حين يغمز له رينقو بإشارة يفهم منها أنه "عمل نج"، ولم يعد يذهب إلى السينما (عزابي).‍ ثم يدس لجو شيئاً ويخرج، لياتي الذي بعده.

    يدخل أبدللاهي إساخا ممسكاً بيد فتين ‍ويحكي كيف أنه مات في نفس اليوم الذي ماتت فيه فتين من تعثر الولادة. وكيف أُخذت جثته إلى مشرحة كلية الطب ليتسلى بها (الحلب) و(أولاد البرجوازية). ويدخل يده في قلبه ويخرج وثيقة خطيرة‍ ويمدها لجو الذي يفردها فيجدها (بياناً) من (دكتور منقوشي) يتساءل فيه عن لماذا لا يوجد حلب في المشرحة؟‍ ولماذا يكون سكان الـ(DR) هم دائماً من على لون أبدللاهي إساخا؟؟! ولكن أبدللاهي إساخا يحمد الله أنه لم يكن ضمن شلة (تيري فنجاس) و(كيري جقجاق) الذين هُرِّبت جثتهم عبر المطار إلى دول البترودولار، وقبض (...) الثمن!

    ثم يغلق دفتر الأحزان لتفتح فتين دفتر الأفراح. وتحكي عن تفاصيل الحديقة التي كان يسكنها آدم وحواء، فتتحول دعوات عم عبده إلى جرتق، ويقوم جو بعقد قرانهما، ويبشر فيهما. ويشاركهما رقصة (أم صلبونج)، ثم يعدهما بالزيارة في أقرب سانحة... ثم يخرجان.



    يدخل عليه أستاذ عساكر، فيقف جو لاستقباله، ثم يجلسان، فيتحول كرم عم عبده إلى واحد قهوة مظبوطة، يرشف منها أستاذ عساكر ثم يبدأ نقده (الموضوعي) لمسرحيات جو:

    "هذا المشهد كان سيكون أفضل لو أضفت إليه كذا وكذا.."

    "وهذا الحوار طويل، ويبدو كخطب المحافظ! ‍‍ثم لا داعي لتفخيم اللغة (هنا) مسايرة للنقاد!"

    و".. لقد ضللك لاوعيك (هنا) فواربت جزءاً من الحقيقة إرضاءاً لما يسمى بـ(الذوق العام) عدو الحقائق"!

    "..."

    ثم يكمل أستاذ عساكر قهوته وملاحظاته ويذهب، فيأتي بعده ماركس. وتتحول سجادة عم عبده إلى بساط أحمدي. يضع عليه ماركس رزمة الصور التي التقطها بكمرته (الأبيض وأسود) للبرينسيسة منذ لحظة لحظة صحوها:

    ها هي البرنسيسة تتقلب في سريرها المخملي إياه.

    ها هي تفتح نافذتها وتتأفف من التلوث الذي خلفته مصانع مستلزماتها إياها.

    ها هي تستحم في البانيو بالصابون ولشامبو إياه.

    ها هي تفطر بالساندويتش إياه.

    ها هي ترتدي الموضة إياها.

    ها هي تمتطي صهوة عربتها الفارهة إياها.

    ها هي تؤدي صلواتها في البورصة إياها.

    ها هي تعود إلى فيلتها الأنيقة إياها.

    ها هي تمارس الـ(Oral ####### ) مع كلابها المدربة جيداً ذات الألسنة الطويلة إياه.

    وها هو عم عبده يخجل، ويدعو ماركس أن (يشيل حسنة في الولية) ويتزوجها ليضيف إلى ميزان حسناته.

    فيمازحه ماركس: "إيه يا عم عبده.. يبدو أنك (كعكعت).. وضعفت ذاكرتك! أنسيت أنه لا يجوز (شرعاً) للرجل أن يتزوج بالمرأة المتزوجة؟؟"

    ثم يضيف :

    "وهب أنها غير محصنة، أنسيت يا عم بعده حديث (خضراء الدمن)؟!"

    ويتذكر عم عبده، فيضرب كفاً بكف، ويخرج ماركس. ويستعدل جو جلسته، فتدخل عليه نون، ببالطوها الأبيض وسماعاتها على جيدها كعقد. وما تزال حبة الشباب على خدها الأيسر.

    تقدم له كشفاً بأسماء أطفالهما على طول البلاد وعرضها؛ بعد أن شخصت حالاتهم وحددت نوع الدواء:

    هؤلاء مصابون بالإكتئاب بسبب تحريم الموسيقى.

    هؤلاء مصابون بالأكتئاب الأنعكاسي والعدوانية بسبب برامج التفزيون.

    هؤلاء طردوهم من المدرسة لأنهم لم يدفعوا الرسوم وظهرت عليهم أعراض الأمية.

    هؤلاء مصابون بداء الأمية المزمنة لأن مدارسهم أغلقت بالمرة.

    هؤلاء مصابون بداء السمنة لأنهم أكلوا نصيب أخوتهم من (الحلوى).

    هؤلاء مصابون بداء الكواشركور من سوء التغذية الذي يسببه طفيل (التجنيب)

    وهؤلاء ..

    وهؤلاء ..

    وتأتي إلى أطول لستة:

    وهؤلاء مصابون بالملاريا. وتحكي له قصة (مؤامرة) تجار الكلوروكوين مع عمال البلدية ولجان مكافحة الملاريا، الذين قبضوا الرشاوي؛ فصار عمال البلدية يتسيبون عن ردم البرك، وصب الزيت، ولجان مكافحة الملاريا تقوم بتزييف التقارير! وتجرؤ على نفي وجودها لتسعد المسؤولين! وتبكي نون على كتفه لقلة حيلتها مع (هؤلاء)... فتتحول (حِنِّية) عم عبده إلى (منديل أزرق) وتطير وترك في يد جو! فيأخذها ويمسح لنون دموعها، ويطبطب عليها قائلاً:

    "خلاص يا حبيبتي، لقد هانت، فغداً، عندما يعرف الناس الحقيقة، سيختفي تجار الكلوروكين".

    ثم يضيف:

    "بالمناسبة. لقد قرأت خبراً سيفرحك جداً.. فقد ظهر صديق جديد في أمريكا الجنوبية، أكتشف دواء ناجعاً للملاريا.. وهو (يجاهد) الآن لإيصاله إلى الناس.. وغداً سيظهر واحد آخر.. ثم آخر، ويصيرون عشرة .. ثم مائة، ثم ألف، ثم تختفي الملاريا وأخواتها إلى الأبد".

    فتفرح نون، وتتألق عيناها.. وتسأله:

    ـ متى ستأخذني إلى السينما يا حبيبي؟

    فيرد جو بطريقة الرجال:
    ـ آآ.. لقد ذكرتيني! فقد أهدانا رينقو تذكرتين لفيلم الغد الهندي الجبار.

    ـ وما أسم الفيلم يا حبيبي؟
    ـ "حب إلى مالا نهاية"
    بطولة (جو)فندا و(نون)يتا

    ويطفح الفرح في عينيها، وتقوم بتسديد جزء من ديونه عليها:

    قبلتين مقابل كل قبلة يطبعها على ابتسامتها ـ في اللوحة ـ كل صباح ..
    وهكذا ......
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
18-02-2003, 01:50 AM

Elmosley

تاريخ التسجيل: 14-03-2002
مجموع المشاركات: 30511
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
Re: الطريق إلى المدن المستحيلة (Re: بكرى ابوبكر)

    يالجمال وروعة السهل الممتنع
    شكرا يا ابكر
    وشكرا يا بكري
    ولسه عطشانين
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع
18-02-2003, 03:27 AM

Abdel Aati

تاريخ التسجيل: 13-06-2002
مجموع المشاركات: 32232
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
أضغط هنا للتسجيل فى الموقع
Re: الطريق إلى المدن المستحيلة (Re: Elmosley)
                   |Articles |News |مقالات |اخبار

صفحة سودانيزاونلاين فى الفيس بوك فى حالة توقف الموقع

[رد على الموضوع] صفحة 1 من 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:

الطريق إلى المدن المستحيلة فى FaceBook

· دخول · أبحث · ملفك ·

Home الصفحة الاولى | المنبر العام | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الثانى للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2013م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2012م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2012م | مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2012 | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2012م |مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2011م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2011م |
مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2011 | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2011م | نمدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2010م |أمدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2010م | مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الثاني للعام 2009م | مدخل أرشيف الربع الاول للعام 2009م |مدخل أرشيف الربع الرابع للعام 2008م |مدخل أرشيف الربع الثالث للعام 2008م |
مدخل أرشيف العام (2003م) | مدخل أرشيف العام (2002م) | مدخل أرشيف العام (2001م) | مكتبة الاستاذ محمود محمد طه |مكتبة البروفسير على المك | مكتبة د.جون قرنق | مكتبة الفساد| مكتبة ضحايا التعذيب | مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان | مكتبة دارفور |مكتبة الدراسات الجندرية | مكتبة العالم البروفسيراسامة عبد الرحمن النور |
مواضيع توثيقية متميِّزة | مكتبة قضية سد كجبار | مكتبة حادثة يوم الاثنين الدامي | مكتبة مجزرة اللاجئين السودانيين في القاهرة بتاريخ 30 ديسمبر 2005م |مكتبة الموسيقار هاشم مرغنى(Hashim Merghani) | مكتبة عبد الخالق محجوب | مكتبة الشهيد محمد طه محمد احمد |مكتبة مركز الخاتم عدلان للأستنارة والتنمية البشرية | مكتبة الراحل الاستاذ الخاتم عدلان | مكتبة سودانيز أون لاين دوت كم |مكتبة تنادينا,الامل العام,نفيرنا | مكتبة الفنان الراحل مجدى النور محمد |
مكتبة العلامة عبد الله الطيب | مكتبة احداث امدرمان 10 مايو 2008 | مكتبة الشهيدة سهام عبد الرحمن | منبر اليوم الحار لخريجى كلية الهندسة و المعمار بجامعة الخرطوم |مكتبة الراحل المقيم الطيب صالح | مكتبة انتهاكات شرطة النظام العام السودانية | مكتبة من اقوالهم |مكتبة الاستاذ أبوذر على الأمين ياسين | منبر الشعبية | منبر ناس الزقازيق |مكتبة تهراقا الفن الدكتور محمد عثمان حسن صالح وردى | اخر الاخبار من السودان2004 |
اراء حرة و مقالات سودانية | مواقع سودانية | اغاني سودانية | مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد | دليل الخريجيين السودانيين | الاخبار اليومية عن السودان بالعربى|
جرائد سودانية |اجتماعيات سودانية |دليل الاصدقاء السودانى |مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان |الارشيف والمكتبات |
Discussion Board |Latest News & Press |Articles & Analysis |PC&Internet Forum |SudaneseOnline Links |
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها

© Copyright 2001-02
Sudanese Online
All rights reserved.

If you're looking to submit news,video,a press release or or article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de