ما بين البطل و(المترجم): قراءة نقدية لمقاربات مصطفى عبدالعزيز البطل
بقلم: أبومحمد الجابري، أمدرمان
لا شك أن الأستاذ مصطفى البطل وهو الكاتب المشهور المقروء سيأنف من مجرد محاولة قارئ مغمور من أمثالنا أن يوازن بينه وبين الأستاذ (المترجم) مرتضى أحمد جعفر فيما ثار بينهما من ملاحاة على صفحات الأثير. تعرض مرتضى بالنقد لكتابات البطل في مقال عنونه "صحافة التسرية والمناصحة" متهما مصطفى بالإنصراف عن قضايا الأمة الحية إلى مثل مهازل مذكرات أبي سن وبشيء من ممالأة الإنقاذ وأهلها، وكال مصطفى في مقاله "صحافة الأرز بالملوخية" الرد لمرتضى بادئا باتهام مرتضى – معرضا عن ذكر اسمه - بأنه كاتب يريد، في عرفه، أن يجد مكاناً تحت الشمس بنقد مصطفى، ساخرا من ذكر مرتضى لمهنة معاشه وكان جديرا بمصطفى أن يتجافى عن الاستعلاء وإزجاء التهمة جزافا لشخص مرتضى وكشف رغباته "الخفية" وهو المتاح له أن يمضي مباشرة إلى نقض ما قاله مرتضى في صلب موضوعه بغير تعريض، ولسنا نرى بأسا بأن يذكر كاتب مهنته تعريفا بنفسه ولا بأن يردّ قارئ أو كاتب غير معروف على كاتب مشهور فالتفاعل ههنا أمر مطلوب وإصابة الحقيقة ليست حكرا على المشاهير، بل وليس السعي لمكان تحت الشمس عيبا ما كان عن جدارة واستحقاق. قيل ارتجز هاشم المرقال يوم صفين مصرحا، تحت ظلال السيوف، ببغيته المحل:
أعور يبغي نفسه محلا
قد كابد الحياة حتى ملا
فإما أن يفِلّ أو يُفــلا
ولنا عند عنوان مقال مصطفى (صحافة الأرز والملوخية) توقفٌ لما فيه من شبهة ابتذال، وكذا ذكره في متن المقال الشاورمة والبطيخ وغيره من المأكول مما ليس هناك مقامه. ثم، استطرادا، يا مصطفى عناوين عدد من مقالاتك عن مذكرات أبي سن فيها عبارة "قلة الأدب" وهي عبارة – على الأقل- ليست مهذبة وظلالها شائنة، وكان بوسعك اجتنابها سيما وأنت في سعة من أمر التعبير، كيف أقول لأختي أو زوجتي أو حتى لإبني هلم واقرأ معي هذه المقالة الرصينة الثمينة وعنوانها كذلك، فإنا قوم محافظون متحفظون.
مرتضى (المترجم) يقول، بحسب فهمنا لمقاله، إن على الكاتب الصحفي " وخاصة المتناول للأغراض السياسية" على شاكلة مصطفى أن يكون ذا موقف محدد مما تعاني منه أمته، وهو موقف في حالنا الراهن، لا يقبل إلا "مع" أو "ضد" وليس ثمة منزلة بين المنزلتين. ومصطفى يرى أن الكاتب الصحفي غير الكادر السياسي وأنه ليس من مهام الصحفي تغيير الأوضاع السياسية! وكأني بمصطفى قد كبا هنا كبوة أفدح من سابقتها، فالصحافة "كلمة" و"الكلمات إذا رفعت سيفا فهي السيف" على حد قول صلاح عبد الصبور، لا أحد يا مصطفى ينكر لك تميزك وقدراتك من حيث فن الكتابة الصحفية التوثيقية وإجادتها وأنا واحد من الباحثين دوما عن كلماتك في الأسافير ولكن لا يذهبن بك الظن بعيدا فتعتقد أن المقروئية هي صنو المواطأة على الرأي والتحليل والموقف! أنا وغيري كثر نستمتع بخطابات عقيد ليبيا ونبحث عنها بمؤشرات "روادينا" العتيقة ذات اليمين وذات اليسار، ولم يخطر على بالنا قط أن نمالئه على ما يرى وهو الذي كاد يكون صنو القائل "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"! قرآننا العظيم "كلام" وكذا أحاديث نبينا الكريم "كلمات" فتأمل يا أخي عظيم أمر الكلمة وخطرها. بها تتغير الدنيا وتقوم وتقعد. قد يكون صحيحا ما قلت يا مصطفي من أن التغيير في مثل حالنا لا يكون إلا بكفاح مسلح أو انتفاضة شعبية أو عمل سياسي منظم، ولكن هل تقود كل ذلك إلا رؤية تزجيها وتعبر عنها كلمات مفكرين ورواد وحملة أقلام فالرأي قبل شجاعة الشجعان، ومصداق ذلك تجده في تأريخ الثورات وحركات التغيير الكبرى كلها، كان قادة الفكر والكلمة روادها وإن أصبح الكثيرون منهم بعد ذلك من ضحاياها. صحيح ما قلته عن قياداتنا السياسية فيما سوى الإنقاذ من عجز وقصور وإدقاع مقيم، ولكن هل يعني ذلك نهاية التاريخ! من وظيفة الكاتب المفكر أن يفتح للناس أبواب الأمل فهو مؤهل أن يرى ما لا يرون، كذا فعل سولجنستين والحكم الشيوعي في روسيا باسط ذراعيه بالوصيد وكذا فعل الخميني بأشرطة كاسيت "كلمات" والسافاك يحتل حتى أشعة الشمس وضوء النجوم، والأمثلة بعد كثيرة! لا شئ يبقى إلا وجه الله يا صاح! والسودان بلد التفاعلات الجمة المدلهمة وأرض الرمال المتحركة، يوشك أن تموج بهم موجة تجعل عاليهم سافلهم، والله غالب على أمره "وما يعلم جنود ربك إلا هو". يا أخي حتى لو قلت كما يقول العوام "دوام الحال من المحال" لكان خيرا لنا من أن تستخدم عبقريات كتابتك وكلماتك المؤثرة في زراعة اليأس من التغيير!
هل أعرج بك يا مصطفى على كثير من مآخذنا على كتاباتك، ونحن المعجبون بها والمتابعوها على نحو ما أسلفت، أنت يا أخي غير متماسك فكريا – هكذا حتة واحدة! – الدليل؟ حسنا.. من حقك طلاب الدليل! مثلاً أنت تمدح "لا أعني المدح الأجوف وإنما أعني التقديم للقراء على نحو إيجابي فيه روح الإعجاب والإطراء والاستحسان" منصور خالد وتذم النميري رحمه الله، ومنصور شريك النميري ووزيره وأحد مفكريه حتي قبيل ذهابه عن الحكم، فإن يكن النميري متهما عندك بكل كبيرة وصغيرة فكيف السبيل إلى تبرئة منصور وقد "دفَنَاه سويا"، والمقصودة هنا هي الفترة التي عملا فيها سويا على اتساق وتناغم لا من بعد أن اختلفا وذهب منصور لحاله. هذه حقائق لا يغيرها إعجابنا بمنصور عملاق التوثيق والفكر السياسي، وأنت يا مصطفى تذم الشموليات ثم تأتي فتمدح شموليين عتاة كالاستاذ البعثي غير المنكر بعثيته شوقي ملاسي! ولا تعتقدن أني استخدم كلمة "بعثي" سبابا فلا أنا ولاهو يعدها كذلك. فكيف تطري نضال البعثيين ضد شمولية نميري رحمه الله بينما أنظمتهم التي يعملون لها وفكرهم الذي يحملونه كلاهما لا مطلب له إلا الشمولية عينها! كيف والحال كذلك أن تذم نميري بل وصداما إمامهم عليهما رحمة الله. ومما فيه خلاف رميك النميري بالخوَر عند الملمات كما ذكرت في إحدى مقالاتك لأنه لم يبدِ نفسه لقوات المعارضة المسماة "مرتزقة" في يوليو المشهور! وليست الشجاعة بالهلكة إلا إذا لم يكن منها بد، وقد قيل إن الحرب كر وفر، فالفرار إلى معقل القوة ليس جبنا وإنما الجبن أن "يفزّ" المرء على وجهه لا يردعه رادع، ولا يلوي على شئ كما قال دريد يوم حنين "..وهل يرد المنهزم شيء؟" وعند أهلنا "صراع الرجال متنّى"
وقديما قال عمرو بن معدي كرب وهو الفارس المقدام:
ولقد أجمع رجليَّ بها ... حذر الموت وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهةً ... حين للنفس من الموت هريرُ
كلَّ ما ذلك مني خلقٌ ... وبكلِّ أنا في الروع جديرُ
وقرأنا قبيل فترة وجيزة في "أخبار اليوم"، لعلها في ذكرى 19 يوليو أو نحو ذلك، مقابلة للأستاذ نقد وهو المبرأ حتما من تهمة ممالأة النميري رحمه الله كان مما ذكر فيها أن النميري عندما كان ضابطا في الجنوب وقيل له أن في غابة قريبة جماعة من المتمردين "نستخدم الإسم السابق تساوقا مع روح الرواية" ما لبث أن حمل عصا- فقط- ودعا جنوده فتبعوه على فورهم ودخل الغابة بعصاه! ووصفه بالشجاعة وذكر أنه كان محبوبا للغاية وسط الجنود (راجع كلام نقد) ثم ثانيا يا أخي "وبالبلدي كده": زول قلب الحكومة ذات نفسها وتعرض "لألفمية" إنقلاب عبر فترة حكمه، وقبل ذلك كان ضابطا محبوبا في الجيش السوداني (والعهدة على رواية الأستاذ نقد) وكان في الجنوب محل الموت سنين عددا, كيف بعد هذا يكون "خوّارا" ..العساكر السودانيون لا يمكن أن يحبوا ضابطهم إذا كان جبانا، ما كانوا سيحبونه هكذا من غير تجربة. قادة السودان كلهم كانوا شجعانا في مواجهة الموت إتفقنا أو اختلفنا معهم أو حتي لو حاربناهم بالسنان! الخليفة التعايشي وعلي عبداللطيف والماظ وعبدالخالق ومحمود وغيرهم، ماتوا رجالا رحمهم الله جميعا! ثم أن مثل هذه الإتهامات الشخصية وغيرها كما في روايتك عن بكاء أبارو وجزعه في التحقيقات فيها عدم مراعاة لجوانب إنسانية وخاصة بالنسبة لنا هنا في السودان "من ناحية الأسر وكده" ولا صحة لما قد تدعيه من أن هذه ضرورة تأريخ لأن التاريخ يمكن أن يقوم بدونها كما ذكرت في نقدك لأبي سن! فها أنت تنتقد أبا سن وتفعل مثله فهذا "خوّار" وهذا "بكى"! لا شك أنك مطمئن في موقعك الحصين في أمريكا من أن ينالك سوء أو تصيبك عصا تشدخ أم رأسك من أهل الجماعة ديل أو محبيهم!
ها نحن قد وصلنا مربطا آخر للفرس! أنت في أمريكا يا أخي "مرتاح" ومطمئن في أن تقول ما تريد، وتحسن القول وصنعته وتحبكه حبكة إبن الرقاع العاملي قوافيه التي يسهر لياليه يقوّم ميلها وسنادها، وفي السودان ترحب بكتاباتك صحيفة كبيرة يرأسها صديقك الذي هو من أهل "الحظوة" مع الجماعة وجزء منهم يحمل تكليفا معينا بحسب تقسيم الأدوار، وأظنه نفس دور النقد "المظهري" الذي يحمل طرفاً منه حسن مكي والطيب زين العابدين ومن شاكلهم. ربما يدللون بنشر مقالاتكم – يا مصطفى- على أنهم ديمقراطيون, ما دامت كتاباتكم في الحدود "المعقولة" لديهم! فهل رأيت يا مصطفى أثر مكواة النار على جنب أبي ذر صاحب رأي الشعب في "النت" الذي أنت ولا شك ماهر فيه؟ أم هل سمعت أو قرأت الشكوى "البطّالة" للدكتور في جامعة الخرطوم الذي إسمه "فاروق"، أنت قطعا مثلنا لم تر ولكن سمعت وقرأت مصرع الطالب بكلية التربية إبن دارفور ورمي جثته بليل في مدرسة أوائل أيام الانتخابات. طبعا كونوا لجنة لتقوم بالمطلوب، وأرجو أن لا تسألني ما هو ذلك المطلوب. طيب يا أخي "فيها إيه" لو كتبت منافحا عن حرية الكلمة والصحافة في بلدك "سابقا" أو طالبت "صديقك" – أنت أسميته كذلك في مقال لك سابق- كمال عبداللطيف الوزير المتنفذ بإطلاق سراحهم كزملاء مهنة أو حتى بإحسان معاملتهم كأسرى تبعا لتعاليم ديننا الحنيف، وبلاش حكايات التعذيب دي لأنها ما حضارية ولا إسلامية وأيضا مسألة الرقابة القبلية على الصحف، يعني الجريدة ما بتتطلع إلا بعد أن تقرأها الجماعة بتمعن ويقولوا "أو. كي" وانت صحافي، فهل يرضيك ذلك؟ ليس بالضرورة أن يستجيبوا لك ولكن لكلماتك أيها الأستاذ وزنها ووقعها وتكون قد أديت واجبا أو قدمت صدقة بكلمة تُحفظ لك في السجل الباقي, وطبعا إن شاء الله لن يصيبك مكروه من جانبهم ما دمت تحمل ذلك الجواز الخطير ! هذا خير من دفق حبر كثير على مذكرات أبي سن! هذا طبعا رغم اختلافنا مع جماعة أبي ذر وأنهم هم الذين أدخلوا هذه المرعبات علينا.
وفي مسألة أمريكا لنا سؤال نزعمه بريئاً: أنت تركت السودان وفارقته "فراق الطريفي لجمله" واستبدلت بوطن كامل وطنا جديداً شديداً ليس فيه شق ولا طقّ! لا نشك في أنه أرحب وأجمل وأنضر من قفرنا البلقع! ذلك الشيء الجميل الذي كنا نراه في الأفلام فقط – يوم أن كانت هناك في بلدي أفلام – ألف مبروك لكم، وما شاء الله و"عيني باردة".. بلدة طيبة ورب غفور! وطبعا عندك جواز أمريكي "ثلاثي المفعول" أديت حقه بإعلان الولاء لدولتك الجديدة ونجحت في امتحان كامل عن تاريخها المجيد (حسبما سمعنا عن طبيعة الإجراءات المطولة للحصول على الجواز/ الجنسية الأمريكية وأرجو التصحيح إن كانت المعلومة مغلوطة) ونسخت كل ولاء سواه، يعني – إفتراضا- لو حاربت أمريكا السودان "حرب الجن" فأنت واجبك أن تقف معها وتضربنا بصواريخ الكروز أو بالليزر لو أمكن! طيب وببراءة أسألك ومعك صديقك رئيس تحرير الأحداث المحترم أيضا: بعد ده إنت مالك ومالنا؟ وفاء للذكريات الخوالي؟ تخصص أكاديمي كالذي زعمته لهاني رسلان في بعض مقالاتك عن دارفور؟ وبأي حق تصنف الناس ودرجات وطنيتهم وإخلاصهم وأنت قد هجرت الوطن كله و"بأولادك"؟ يعني مسئوليتك شنو عن وطن أنت تخليت عنه؟ هل أنت الآن مواطن سوداني؟ أنت استنكرت في مقالك عن الحركيين الإسلاميين في أمريكا استنكارهم عدم فهم قومك الأمريكان للإسلام قائلا "هم ( تعني الأمريكان) أحرار يا أخي يهتمون بما يهتمون به ويهملون ما يهملون" طيب يا أخي الا ترى أن هذه المقولة تنطبق على موقفك منا حاليا؟ أرجو أن تجيب يا أستاذ عن أسئلتنا "الساذجة" هذه والتي هي على قدر عقلنا المحدود ولا تقل لنا أفّ ولا تنهرنا، فنحن أيضا نحاول أن نجيب أطفالنا عن أسئلتهم التي نراها ساذجة ولكن هي بالنسبة إليهم "مفصلية" كما يقولون!
وفي مقالك عن الإسلاميين في الغرب "جهاد أم عناد" أفضت في توصيف عدوانهم على قوم آووهم وإرهابهم الأبرياء قتلا وتفجيرا بوثائقية تتفوق فيها، ولا أراني إلا معك رافضا لمثل تلك الأساليب المنفرة عن حياض الدين الذي نؤمن به، ولكنا نأخذ عليك أنك لم تنبس ببنت شفة عن عدوان الآخرين وهمجيتهم كأنك لم تشهد، وأنت خدين الصحافة باتساع وسائلها، فظائع "أبوغريب" بشذوذها الجارح ولا "غزّة" باشلائها ودموعها وغيرها من الفظائع الكثيرة التي تنوء بتعدادها الصحائف. فهل تخشى تهمة "العداء للسامية" عند قومك الجدد التي هي مثل تهمة "إنكار المحرقة" ليس معها ولا بعدها قرار "لا أرضا تشيلك ولا سما يغطيك"، وهل من قرار على زأر من الأسد!
ثم ها أنت تسخر من كتبة الأسافير "مناضلي الكيبورد" كما تسميهم، طيب يا أخي وماله الكيبورد؟ لا يحق لك وأنت في أمريكا "ذات نفسها" أن تسخر من الكيبورد! أنت في بلد هو الذي اخترع الكيبورد وطوره وله كل الحق في أن يفخر به، وأظن يا أخي أن هذا الشئ (الداهية) هو الذي سيغير الدنيا إن لم يكن قد غيرها فعلا... أداة علم وتواصل وتثاقف وتعبير لمن كان التعبير في بلده مشكلة تستوجب "التش" بالمكاوي على الجنوب والظهور أو الإقتياد في "أنصاص الليالي" لبيوت الأشباح التي أُعيد افتتاحها عقب تأهيلها وتزويدها "بكل وسائل الراحة" بعد الانتخابات "النزيهة 100%" .. برلمان من 500 مقعد في هذا السودان الممتد المركب المعقد لا يفوز به إلا حزب وحيد أو من هو عنه راض ؟"دا الشغل ولا بلاش". صحيح الأحزاب ضعيفة وهلكانة كحال شعبها "الفضل"، وافترض إنها ما ممكن تفوز أبدا أبدا بالانتخابات، لكن برضو مسألة إنه ما زول غيرهم يجيب "التكتح" دي كتيرة شوية! هل أنت مقتنع بذلك؟ حتى الناس الذين في معسكرات النزوح بدارفور صوتوا لهم! هكذا قال لنا علي العتباني في "الرأي العام" وغيره، يعني مثلا يكونوا كتلوا أمك وأباك وبقية أسمائك الخمسة وقطعوا مصدر معايشك وشردوك في الفلوات ومع ذلك فأنت – وفيك رمق- تصوت لهم لأن الآخرين ما عارف كانوا سيعملون لك ماذا. نعم يا صاح، نناضل بالكيبورد وبأسماء مستعارة وبأي شيئ متاح بما في ذلك انتظار الأخبار السارة صباحا في أكشاك الجرائد كما تقول! ونحن وأنت إن شاء الله على دين تُتّقى فيه النار بشقّ تمرة ويقبل فيه تغيير المنكر إلى حدود الرفض القلبي فحسب وفوق ذلك درجات طبعا! لو كنا مثلك في أمريكا لكان نقدك مصيبا، ولكن نحن في بلد مغلقة النوافذ، مصمتة، والكيبورد هذا نافذة من السماء سخرها الله لنا.. فهل نتنفس منها ونرجو من رحمة الله في مقبل الأيام متسعا أم نموت اختناقا؟...أجب من فضلك يا أستاذ مصطفى البطل ! ويمكنك، للتأكد، أن تسأل صديقك الوزير "الشديد" كمالاً لماذا يستعمل الناس الكيبورد والأسماء المستعارة؟ بل واسألني أنا العبد الفقير فقد كنا أنا وأنت يوما زملاء عمل وأصدقاء وما زلت أكن لك مودة عميقة وذكرى طيبة، ولكن هانذا للأسف الشديد أكاتبك على اسم مستعار. ومع ذلك، هذا خير لي من الاستسلام ومنافقة الظلمة، فليست لي "حركة" تسندني ولا حزب أتقوى به ولا علاقات خارجية تدركني بمنظماتها وإعلامها إذا نزلت بي الخطوب، وعلى الأقل يا أخي مصطفى أن من فوائد الإسم المستعار أن صاحبه لن يُتّهم من جانب الكتاب الكبار (فعلاً) أمثالكم بأنه يتصدى لهم رغبة في الظهور! أو بحثا عن مكان تحت الشمس (واقترح على اللغويين، استطرادا، أن يستبدلوا هذا التعبير في المناطق الحارة مثل مناطقنا إلى: بحث عن مكان في الظل الوريف أو بعيدا عن الشمس) ففي حالتنا "كل شي ولا الظهور" أما الشمس فنحن والله شبعانين إلى الحلقوم من فرط الشمس والحرّ وتوابعها من عذابات الدنيا! فلا يستهوينك يا صديقي الاستخفاف بالناس والسخرية من اضطرارهم للتخفي وأنت تكتب في مأمن حصين والناس يحتوشهم – وأسرهم – الخطر من كل جانب! ومن الأدبيات المفضلة لمن أسميتهم بالعصبة المنقذة قولهم: "الصلاة فيها الجهر وفيها السر" يقولونها ولا يتركون لمن أراد أن يصيب شيئا من الخُبث من ورائهم مثقال حبة من خردل، فما بالك بنا ونحن من المستضعفين في الأرض الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا؟
شيء آخر استوقفني في ردك على مرتضى نافيا عن نفسك ممالأة "العصبة إياها" من أنك داعية دولة مدنية وهم دعاة دولة دينية وأنكما على خطين متوازيين لا يلتقيان أبدا - كما علمونا في المدارس! قد يكون نصف هذه الدعوى صحيحا وهي إيمانك بالدولة المدنية، أما النصف الآخر: كونهم دعاة دولة دينية فهذا خطأ بغير شك، وهو خطأ شائع للأسف لمسته كثيرا عند باقان أموم وناس الحركة الشعبية ! فنحن والحمد لله مسلمون أبا عن جد وكابرا عن كابر والإسلام حقيقة دين فيه العدل وفيه الرحمة حتي بالحيوان الأبكم وفيه الأمانة وعندنا نماذج بشرية طبقت هذه القيم وعاشتها يعز على البشرية أن تأتي بمثلها! ولكن من الصعوبة أن تطلق هذه الأوصاف على هؤلاء القوم فهم عندهم الظلم وعندهم القسوة وعندهم عدم الأمانة فاشٍ وما في داعي للأمثلة فهي أكثر من أن تُحصى إلا إذا تحدانا متحدّ فعند ذلك نملأ له جرابه بما لذ وطاب!
وليس يصح في الأذهان شيئ إذا احتاج النهار إلى دليل
يا أخي، وأنت مسلم، هؤلاء قدموا صورة منفرة جدا ومعكوسة للإسلام! ليست هذه دولة دينية ولا يحزنون وما هم بظلاميين ولا حاجة، بل هم "تفتيحة أوي" وأعلم الناس بالطيبات والملاذ! وأكثرهم أشرا وبطرا، هذه بلوى و"عين" أصابتنا وكفى! حسبنا الله ونعم الوكيل!.
ولك التحية والإحترام يا مصطفى البطل،
أبومحمد الجابري – أمدرمان 29/7/2010
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة