الرئيسية | مقالات | عيوب الأمن في الحدود التشادية السودانية .. وما هي الهواجس الحقيقيه فيها؟/إعداد: محمد علي كلياني/ فرنسا

عيوب الأمن في الحدود التشادية السودانية .. وما هي الهواجس الحقيقيه فيها؟/إعداد: محمد علي كلياني/ فرنسا

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
محمد علي كلياني محمد علي كلياني

عيوب الأمن في الحدود التشادية السودانية
.. وما هي الهواجس الحقيقيه فيها؟
إعداد: محمد علي كلياني/ فرنسا
     إن أمن في الحدود التشادية السودان يظل واحد من ابرز الهموم المشتركة للبلدين ويعٌد كذلك من أكثر القضايا حساسية في المنطقة, نظراُ لارتباطها بالأوضاع السياسية والاجتماعية في البلدين. والمعروف أن هذه الحدود في تاريخها الطويل لم تشهد سوى الجرائم العادية المتمثلة في الاعتداء على الأفراد والممتلكات في الماضي كـ(قطاع الطرق والنهب المسلح).إلا انه كالعادة كانت تحل مثل هذه المشاكل في إطارها التقليدي، فالبلدان وبحكم الجوار والتدخل بكافة أشكاله العرقي والثقافي والجغرافي يملكان أرضية صلبة يمكن أن يبنى عليها تعاونا مستقبليا في مختلف الأصعدة، بما يحقق تطلعات الشعبين, خاصة وأن البلدين لا يزالا ضمن منظومة دول العالم الثالث والتي بات التعاون بينهما ليس أمرا اختيارياً، بل تمليها شروط الضرورة التي تحتمها تطورات إقليمية ودولية اكتنفت العالم بأسره، وان مطالبة الدول الغربية بإلحاح إلى تطبيع العلاقة بين انجمينا والخرطوم يأتي في هذا الإطار.
   وما من شك فيه أيضا، أن الأمن هو هاجس لكلا البلدين سواء كان ذلك على الحدود المشتركة أو داخل اى منهما على حداه, وذلك بغرض تحقيق الاستقرار والطمأنينة والشروع في التنمية، وغنى عن القول في أن الأمن يسبق أي أولوية قصوى في كل بلدان العالم، ويرتبط امن تشاد والسودان ذلك بشكل وثيق لمجموعة القضايا التي سبق ذكرها، وسنعود إليها بالتوضيح مراراً لأهميتها.
ويمكننا أن نشير إلى أن انجمينا تنظر إلى السودان باعتباره البوابة الشرقية التي دائما سيؤتى عبرها تغيير الأنظمة السياسية القائمة فيها, فضلاعن أن الحدود الممتدة تشكل هاجساً أمنياً خطيراً ويبقي الهدف الأساسي لها هو محاولة السيطرة عليها لكبح جماح اى نشاط معادى يمكن أن يحدث ويشكل تهديدا للسلطة القائمة، كـ(أنشطة الحركات المسلحة المناوئة لسلطات البلدين في الحدود المشتركة)بجانب الظواهر العرضية الأخرى المتفشية على طول الشريط الحدودي.
   وهذا الهاجس-أي الهاجس الأمني بين تشاد والسودان- في واقع الأمر يسطر على ذهنية كل مسئول تشادي حينما يحدث توتر في الحدود بين البلدين، وان التوتر الذي ساد العلاقات في الماضي كان يترجم بوضوح تلك الهواجس, وتشير الأحداث الأمنية بدارفور كانت ولا تزال تعتبر اكبر القضايا العالقة بين البلدين لا ينفصل عن بعضه البعض ومها نشر القوات المشتركة علي الحدود وإبرام بروتوكولات أمنيه ملحقه وإقناع أفريقيا الوسطي إلي الالتحاق بالاتفاقيات الأمنية علي حدود البلدان الثلاث وتلك هي مناورة تشادية محضة تريد من خلالها تشاد تعزيز مواقفها علي الحدود أمام السودان خاصة وإنها تعرضت العام الماضي إلي هجوم عسكري عنيف في مثلث(خور قيامة)من قبل قوات المتمرد التشادي ادم يعقوب كوغو..بينما تنشط باستمرار في أفريقيا الوسطي معارضه مسلحة تستهدف إسقاط نظام بوزيريه وهنا تخشي تشاد من سقوط الجنرال بوزيره في بانغي ويحث التفاف حول النظام التشادي وتطويقه في انجمينا علما بان الجنرال بوزيره هو صناعة تشادية أتي إلي سدة السلطة بدعم عسكري من قبل قوات إدريس ديبي.
  وأما السودان, فينظر إلى تشاد باعتبارها الجارة الأقرب إليه من باقي كل دول الجهة الغربية لأفريقيا, حيث الحدود الممتدة والنشاط السكاني الكثيف والتداخل الاجتماعي والتجاري دون حدود السودان الأخرى، ولذلك يكون من الضروري أمنياً، أن توضع أطر موضوعية تستجيب لهذه الشبكة من العلاقات المعقدة في كافة مجالاتها ووضعها تحت التحكم والسيطرة كي لا ينفلت إليها اى نشاط مضاد للخرطوم، كالهجوم العسكري الذي نفذته حركة العدل والمساواة على أم ادرمان والذي عرف في أدبياتها بعملية(الذراع الطويل)وهي العملية التي أطاحت بالفريق صلاح قوش مدير المخابرات السوداني ولازالت تداعياتها تلاحقه أدبيا ومهنيا إلي أن تم إعفائه نهائيا من مستشاريه الأمن القومي للرئيس البشير..لان الحادثة كانت هزة كبيرة للأمن القومي السوداني وضربة صميمة وجهت لجهاز امن اكبر بلد في القارة الأفريقية، وتلك الخطوة رغم خطورتها على الأمن الداخلي للسودان، إلا أنها اعتبرت عملية عنف عسكرية مضادة وغير مسبوقة للرأي العام السوداني، ولم تعهد العصمة القومية الخرطوم هذه السابقة حيث وصفت الصحف الغربية رئيس حركة العدل والمساواة بـ(الرجل الدار فوري الذي قاد الحرب إلي قبل الخرطوم!).. وان اغلب الحروب في السودان كانت تدور بعيداً عن أنظار المواطن السوداني العادي والذي تفاجئ بهجوم امدرمان ووقع عليه خبرها كالصاعقة.
 وإن النظرة التقليدية السائدة في سياسة السودان الخارجية تجاه دول الجوار الأفريقي كانت ترتكز في السابق على تحجيم نشاط الحركة الشعبية لجنوب السودان خشيه تمددها غربا إلي دول غرب أفريقيا, وبهذا تتشكل نمط العلاقات السياسية السائدة بين السودان وجيرانه بمن فيها تشاد، وفي ظل مخاوف السودان من عمليات إمداد التمرد إلى الجهة الغربية للسودان نبعت الفكرة القائمة تجاه الوضع الأمني في تشاد منذ اندلاع الحرب في دارفور، وبذلك استخدمت الحكومة السودانية العنف المفرط ضد المتمردين بدارفور بناءا على معلومات وتقارير ساهم في إعدادها نفر من أبناء دارفور ذاتها، والبعض منها تأتي من قبل دولة تشاد وذلك قبل أن تسوء العلاقة بينها والسودان، حيث كانت الخرطوم تستقبل وفوداً أمنية تشادية وان حقائبها ممتلئة بالمعلومات والأسرار الهامة عن الأوضاع في الحدود.
وفي الماضي، كانت سياسة هبري تجاه السودان ترتكز على التصعيد والتوتر باستمرار، وبحكم الأمر الواقع كان السودان موئلاً لعدد من الحركات المسلحة التشادية والتي كانت تنطلق من دارفور على الدوام دون سائر البلدان الأخرى المجاورة لتشاد بهدف إسقاط نظام الحكم فيها، هذا إذا ما استثنينا حركتي(MDJT/MDD) بزعامة السيد موسى مديلا، والتي كانت تدير عملياتها بالقرب من حدود النيجر القريبة من تشاد وتشترك معها في بحيرة تشاد، وكذا حركة(MDJT)التي تقاتل حكومة ديبي في أقاصي الشمال انطلاقا من مرتفعات جبال التبستي بقيادة الراحل يوسف توقويمي وهي أيضاً أبعد من أن تهدد نظام ديبي بالقوة العسكرية في تلك الأيام.
ويجدر بالذكر هنا إلى ان الدكتور التجاني سيسى حاكم دارفور الأسبق في حكومة الصادق المهدي(1989-1986م)قال في لقاء جماهيري بنيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور,(يجب على حكومة هبري أن تعلم بأن سلطة انجمينا تتشكل في دارفور)، وهذه إشارة بليغة للدلالة على الخلاف الذي نشب بين هبري والصادق المهدي بسبب وجود ثورة تشادية بدارفور، مثل التي كانت تشكلت بدارفور ضد ديبي وشرق تشاد منذ العام 2005م بقيادة الضابط محمد نور عبد الكريم وغيرها من الحركات المسلحة التشادية بقياده كل من الجنرال محمد نوري وعبد الواحد عبود وادم حسب الله وتيمانا رديمي ابن أخ الرئيس إدريس ديبي قبل تصفيتها من علي الحدود باتفاق تشادي سوداني مماثل.
ومن المنطلق ذاته كانت الخرطوم تنظر إلي الدور التشادي في الوساطة مشكلة دارفور هو نوعاً من رد الجميل السياسي لتشاد على الدور الذي ظلت دارفور تلعبه في الشأن التشادي, فضلاعن عاملاً أخرا, وهو الذي ظل يغطى معظم النشاط الدبلوماسي السوداني بالخارج، وهو يعنى بمحاصرة نشاط الحركة الشعبية للحيلولة دون تسلله عبر الحدود الغربية كما ذكرنا، وحتى لوقت قريب جداً تشير أصابع الاتهام للحركة الشعبية(SPLA)بأنها تذكي التمرد في دارفور باستقطابها لنخب القبائل ذات الأصول الأفريقية، ودعوتها لها رفع شعارات قضية التهميش ومعاداة القائل ذات الأصول العربية(عرب وزرقه), وإثر ذلك أعلنت حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور بدون مآربة، انه(ترى حركة تحرير السودان أن التوجه العربي المتطرف الذي سارت عليه الحكومات السودانية بعد الاستقلال قد أضر بالوحدة الوطنية السودانية ضرراً بليغاً، ولم يخدم الوحدة العربية أو القومية العربية في شيء، بل وأعاق بروز الهوية السودانية التي كانت تتبلور وتنضج على نار هادئة، هذا فضلا عن أن التوجه العربي كوحدة وادي النيل والجامعة العربية، كان ولا يزال توجهاً عاطفياً أكثر منه توجها صادقا وعمليا قابل للترجمة والتطبيق علاوة على أنه كان توجهاً انتهازياً ابتزت به النخب الحاكمة في الخرطوم ومصر خاصة والدول العربية عامة، ولذا فإن النأي عنه وتجميده في هذه المرحلة أحمّد وأرفق بالسودانيين)، وهذا التوجه كان ضمن برنامج السياسي للحركة، وأضاف البرنامج السياسي أيضاً مبدأ مفاده(على الرغم من أن حركة تحرير السودان قد بدأت بتفجير نضالها المسلح في إقليم دارفور، إلا أنها تهدف في نهاية المطاف إلى أن تشمل عملية التحول الثوري كل شمال السودان ليتكامل مع جنوب السودان الثوري ممثلاً في الحركة الشعبية لتحرير السودان ومن أجل ميلاد سودان جديد ديمقراطي وموحد).
وبهذا المفهوم دخل إقليم دارفور كله في حرب بين الحكومة والحركات المسلحة من جهة، وتأججت نيران الحروب بين المجموعات القبلية من جهة أخرى، وتجلت النعرات العرقية للأفارقة والعرب في الإقليم بشكل لافت، وظهرت مليشيات عربية أطلق عليها بالجنجويد، ويزعم أنها مسئولة عن أعمال عنف دامية في دارفور.
وبالرغم من أن حركة تحرير السودان بدارفور طرحت برنامجها السياسي بهذا الشكل في إقليم دارفور والذي يتميز بتعدد إثنياته القبلية، فإن برنامج الحركة بهذا الشكل أدخل شعب دارفور ذاتها في عملية أشبه باستنساخ تجربة الجنوب مع الشمال، إلا أن الحركة الدار فورية بعد زمن من المفارقات الكثيرة وجدت نفسها مضطرة إلى تعديل البرنامج السياسي كي ينسجم مع الواقع الاثني في الإقليم ولكي لا يكون سبب وجيه لإشعال نعرات قبلية أخرى أكثر عداوة بين المواطنين، فقد تراجعت وعدلت من مفهومها وموقفها داخل الحركة ذاتها، ولتبدو أكثر انسجاما مع الواقع التاريخي لأهل دارفور اجمعهم، وبمن فيهم الأفارقة والعرب والهجين، ولئلا تزداد الانقسامات العرقية والقبلية وتتسع الهوة بين شرائح المجتمع الدار فوري المتعددة وإعطاء فرصة وذرائع منطقيه لعرب دارفور مجددا للمطالبة بحقوق المواطنة فيها إذا ما آل الأمر إلي قيادات المعارضة الدار فوريه في المستقبل، وطرح قضايا أخرى قد تكون خارج حسابات الحركة، كما هو الحال في طرح حركة العدل والمساواة وجناح أركو مني المنشق، وقد جاء تأكيد الحركة واضحاً نوعاً ما هذه المرة للتخلص من النبرة السابقة(لذا فإنه وفيما يتصل بالخصومة المزعومة بين القبائل ذات الأصول العربية والقبائل ذات الأصول الزنجية في دارفور، فإن حركة تحرير السودان تتخذ موقفاً واضحاً وتزن الأمور بميزان صارم ودقيق، وهو أنها حركة سودانية قومية صميمة لا تجنح إلى الزنجية ولا تميل إلى العروبة بل هي حركة وسيطة – تمثل السودانوية البحتة – وتصديقاً لذلك فإنها تعطي كل فرد من أفرادها وكل مجموعة من مجموعاتها حقها الكامل في المساهمة والتمثيل في مؤسسات الحركة وهيئاتها القيادية العليا دون تمييز بين قبيلة وأخرى أو بين قومية وأخرى)، وتلك هي محاولة من الحركة لامتصاص المشاعر الاثنية الحساسة والمتوترة أصلاً في دارفور، ولان الموقف السابق أحدث تباينا داخل قياداتها الذين ينتمون إلى قوميات مختلفة بما في ذلك ذوي الأصول العربية وغيرها، وهو أمر ما زال يتفاعل داخل الحركات بان ذوي الأصول العربية فيها يكنون بالجنجويد سريا أو جهارةً أحيانا.
ونشير إلي الجانب التشادي وهو ليس ببعيد عن الأذهان في دارفور وما قام به حسين هبري في الماضي.. حيث أمر قواته فعاثت فساداً داخل المناطق الغربية السودانية ضد مواطنون دارفور يون.
تلك الأحداث وغيرها كانت ولازالت مضاعفاتها تتفاعل كلما حدث توتر في حدود البلدين، ويعزو أهل دارفور بأنه من أحد مسببات عدم الأمن في مناطقهم كانت ناتجة لمن انعكاسات للصراع التشادي/التشادي الذي جعل دارفور خلفية لتصفية الحسابات بين الخصم التشاديين وحسم النزاع والقتال بينهم والاستعانة بذويهم من عبر الحدود, بينما يعتبر التشاديون بأن أهل دارفور يتدخلون في الشأن الداخلي لتشاد لاعتبارات قبلية, وذلك بإيوائهم لذويهم من المعارضة التشادية في حالات النزاع المسلح.
وان ذاك البُعد الاثني للتداخل تري الحكومة السودانية بأن الحركات في دارفور استغلته لأبعد الحدود في الحرب ضدها باستعانتها بمقاتلين نظاميين وغير نظاميين من تشاد في عملية شن الهجوم عليها من عبر الحدود أيضا، حيث عرضت وسائل الإعلام السودانية مقاتلين يحملون الهويات التشادية، كما فعلت حكومة إدريس ديبي الشيء ذاته مرات عده، قائلة بأنها عناصر سودانية شاركت في أعمال العنف المسلح في تشاد، وأطلقت عليهم بالمرتزقة السودانيون في وسائل إعلامها الوطنية لمخاطبه الرأي العام التشادي.
 الأمر الذي أدي إلي انعكاس سلبي على العلاقات التشادية السودانية، وساهم بدوره فيما بعد الى تدهورها بالكامل, ومثل تلك القضايا وغيرها تجعل الأمن والاستقرار بين الدولتين هدفاً محورياً بحسب حجم التطورات والقناعات المشتركة تقليداً سياسياً متبعاً.
  وكان عقب مجئ الحركة الوطنية للإنقاذ للحكم بقيادة ديبي في انجمينا سارعت الخرطوم إلى إرسال وفد رسمي وشعبي إلى العاصمة التشادية للتهنئة الحكام الجدد, ونقل رأي الحكومة السودانية في القضايا المشتركة بين البلدين, وكذلك استكشاف نوايا الحكومة الجديدة في تشاد, وبالرغم من أن الرئيس ديبى انطلق من الأراضي السودانية ولكن هذا كان ضروريا لإزالة بعض ما علق في أذهان الثوار التشاديين بان الحكومة السودانية حاولت إيقاعهم في الفخ بإيعاز من نظام حسين هبري للتخلص منهم لاحقاً.
  ووقتذاك كان هم الحكومة السودانية الأول هوان التغير الذي حدث في انجمينا شأن داخلي تشادي وبمضاعفات خارجية(فرنسا وليبيا والسودان), وان ما يهم السودان حكومةً وشعباً هو استقرار الأوضاع في تشاد بالحسابات التي ذكرناها، ومنها قفل ملف المعارضة الليبية من جهة طرابلس والتخلص من ممثليه الحركة الشعبية بأنجمينا وكبح جماح الوجود الأمريكي والذي يريده هبري أن يكون بديلاً للوجود الفرنسي، إضافة إلى وقف كل أشكال الاقتتال بين أبناء الشعب التشادي والركون إلى الحوار صيغة لمناقشة القضايا الوطنية والتوصل إلي حل سلمي, وكانت تلك رسالة الوفد السوداني الذي زار انجمينا في الأسبوع الأول من ديسمبر1990م , عقب قيام الحكومة الجديدة بقيادة ديبي, وكان الوفد يمثل قطاعات عريضة من الشعب السوداني ضم مسئولين في الحكومة وسياسيين, بجانب وفد من الإدارة الأهلية من ولايات دارفور الثلاث، وذلك لأهمية الأوضاع في دارفور وتأثيرها على تشاد, بحسبانها المتأثر المباشر من جراء ما يحدث في تشاد, ويذكر بهذا الصدد أحداث تلت هروب حسين هبري من انجمينا, كان لها أثر قوي على مسار العلاقات التشادية السودانية من وجهتها الأمنية, وأول نلك الأحداث، هو أنه وعلى إثر دخول قوات الحركة الوطنية للإنقاذ في الأول من ديسمبر 1990م إلى العاصمة التشادية تم إغلاق المكتب الذي سمح هبري بتأسيسه لصالح الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرن في انجمينا, حيث كان يدير ممثل الحركة عمله من هناك, ولا يخفى على أحد في السودان ما يمكن أن يحدثه ذلك من أثر على السودان وعلاقته مع تشاد, سيما على حدوده الغربية, وإذا صادفه النجاح وأدار عمليات عسكريه في غرب السودان فانه أكثر فاعليه من الحركات المسلحة في دارفور ويعود ذلك إلي أن وجود الولايات المتحدة خليفة هبري والحركة الشعبية والتي تمتلك جيشا منظما ومدربا علي القتال إذا ما سنحت له فرصه استعمال للأراضي التشادية مثل بعض حركات دارفور.
  أما الحدث الثاني فكان خروج المهندس – داود يحي بولاد من انجمينا أيضا, وهو الذي انضم لاحقا إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان وقاد تمرداً في غرب السودان, وهو ما يعتبر المرة الأولى التي يمتد فيها التمرد على الحكومة المركزية من الجنوب إلى ولايات كانت خارج الحدود المعروفة للتمرد(جنوب دارفور), وقد أخمدت حركة بولاد تلك بالتعاون بين القوات الحكومية والمواطنين المواليين لها, وقد لعبت الخرطوم دوراً في عقد عدد من اتفاقيات المصالحة بين التشاديين خشية من إحداث فراغ سياسي في تشاد وتحول المنطقة إلى مأوى آمن لجهات معادية لها, خاصة اتفاقية الخرطوم 1979م، والتي انبثق عنها الميثاق الوطني لحكومة الوحدة الوطنية "GUNT"بمساعده نيجيريا.
   ويذكران المهندس داود يحيى بولاد ينتمي إلى عرقيه الفور التي لا توجد لها امتدادات قبليه مؤثره داخل الأراضي التشادية بعكس قبائل المسا ليت والزغاوة والعرب(26 قبيلة مشتركه بين تشاد والسودان).
وحدث آخر أعقب هروب هبري من أنجمينا, إذ عمدت الحكومة الأمريكية على نقل رموز المعارضة الليبية إلى مكان آخر داخل أفريقيا، وهي المعارضة المسلحة الوحيدة التي احتضنها هبري بمعسكر(أم سنينة)، قرب انجمينا نكاية بالحكومة الليبية وإيواءها لمعارضة تشادية بالجماهيرية, وأسفر وجه ذلك العداء في النهاية بمعارك عنيفة دارت على شريط(اوزو)الحدودي بين البلدين.
  وكان هؤلاء تم نقلهم قبيل فرار هبري إلى دكار عاصمة السنغال، وهم كانوا بمثابة أول معارضة ليبية مسلحة أعدها هبري لبدء العمل العسكري ضد الحكومة الليبية انطلاقا من الأراضي التشادية، وكانت تعرف باسم جبهة إنقاذ ليبيا وهي حاليا تقتل مع ثوار ليبيا ضد كتائب القذافي, وكانت لها إذاعة مسموعة تبث من ضواحي انجمينا، ويتجول أفرادها بزيهم العسكري نهاراً جهاراً في أسواق العاصمة التشادية أنجمينا, ويبدوان الموقف الليبي المؤيد لنظام ديبي كان ينطلق من هذا المبدأ ولذلك يزعم ثوار ليبيا بان ديبي أرسل قوات من الحرس الجمهوري الخاص به للقتال مع كتائب القذافي ضدهم وهو الأمر الذي أكدته مصادر دوليه تعمل ضمن نطاق قوات حلف الناتو الذي يقود الحملة العسكرية في ليبيا هذه الأثناء(المرتزقة الأفارقة في ليبيا).
  وقد عبرت الحكومة الجديدة في انجمينا بقيادة العقيد إدريس دبي آنذاك عن امتنانها للحكومتين السودانية والليبية على الدعم والمساندة للإطاحة بهبري, وقامت بإطلاق سراح بعض زعامات الإدارة الأهلية السودانية والذين ظلوا متعلقين في تشاد بعد اختطافهم من قبل منسوبي هبري من داخل الحدود السودانية التشادية, وكان عددهم تسعه، وعرف فيما بعد بأنهم سيئت معاملتهم لأبعد الحدود, برغم أنهم كانوا يساعدون حركة الثوار التشادية قبل استيلائهم على السلطة في انجمينا.
ولعل انعكاسات تلك الأحداث نجحت في ترميم جدران الثقة بين تشاد والسودان من جهة، وليبيا وتشاد من جهة ثانية.
وفي ظل تداعيات مشكلة دارفور على طرفي الحدود، لابد من التطرق إلى انعقاد القمة المصغرة بالفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور، فقد جمعت القمة الرئيسين دبي والبشير للنظر في معالجة الموقف في دارفور، وفي الوقت الذي يتجه فيه أنظار العالم كله بما يجرى في الخليج جراء حملة الحرب التي قادتها الولايات المتحدة مع حلفائها ضد الرئيس السابق صدام حسين, ولاشك في أن اجتماع القمة بين القيادتين السياسيتين للسودان وتشاد يعتبر الأول من نوعه في منطقة مترامية الأطراف والتي تضم كل من السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا, وهذه المنطقة تعد العدة لتحولات كبرى لم تكتمل ملامحها بعد, فالذي حدث في أفريقيا الوسطى والانفراج الليبي في تسوية قضية لوكا ربى بعد حصار دام عده سنوات كان متوقعاً ولم يكن مفاجئا للمراقبين, وان مجئ الجنرال بوزيريه إلى سدة الحكم في بأنقى لم يفاجئ احد بفعل الصراع الذي احتدم بين الرئيس السابق آنش فيليكس باتاسى والقائد العام للقوات المسلحة الجنرال فرانسوا بوزيريه،( الرئيس الحالي)، وأن موقف انجمينا لم يكن بعيداً من كل تلك الأحداث بإيوائها للجنرال بوزيريه ودعمه عسكريا, وحينما ساد التوتر علاقة تشاد مع أفريقيا الوسطى، وقد وصل الأمر إلى درجة تجميد العلاقات المباشرة مع بأنقى، وعلى خلفية الأحداث لقي ما لا يقل عن(150) تشاديا حتفهم وهم من أفراد الجالية التشادية، قتلوا على يد قوات النظام السابق لآنش فيلكس باتاسي، وقد آوت أفريقيا الوسطى معارضة تشادية مسلحة ضد الرئيس ديبي بقيادة العقيد/عبد الله مسكين.
   ومرة أخرى، أعاد الرئيس ديبي إلى الذاكرة موقف انجمينا تجاه ما حدث في دارفور وعلى الحدود السودانية التشادية, فهو يعلن انه ضد التمرد, وهذا موقف تسبب في بعض المشاكل عندما جاء ليكون وسيطاً بين المتمردين والحكومة السودانية, حيث أعلن المتمردون أن الوساطة التشادية غير محايدة وانتقائية, لذا حولت مبادرات السلام في دارفور إلى عدة عواصم افريقية وعربية وكانت آخر محطة لها هي الدوحة العصمة القطرية.
ويحسب لموقف دبي في البدء، بان المتسببين في الانفلات والامنى في دارفور، يجب  التعامل معهم عسكرياً وبمشاركة الجيشين التشادي والسوداني في محاوله لإخماد التمرد، سيما أولئك المتسللين إلى الأراضي التشادية من المتمردين وفقاً لمقررات قمة الفاشر في12 /4/2003م, وذاك قبل أن تتحول القضية الدار فورية إلى أجندة رائجة للسياسة الخارجية التشادية، وبذلك أراد ديبي أن يؤكد للبشير نمط العلاقات التي تربطه به شخصياً, وهذا الارتباط يجعل اى حدث مهما كان حجمه يؤثر بالضرورة في البلد الآخر, فقام ديبي بمبادرة حل سلمية في مدينة أبشى(الأولى والثانية)، ثم ألحقها بمفاوضات السلام بأنجمينا(الأولى والثانية)والتي سنعود لها بالتفاصيل الكاملة في موقع أخر, وكان الرئيس ديبي في لقاء الفاشر قد توجه بالحديث إلى البشير والى أهل دارفور لاطمئنان الجميع بأنه لن يسعى إلى زعزعة استقرار الإقليم وأوضح بأنه انطلق من دارفور متنصرا علي نظام غريمه هبري, وان السودان شعباً وحكومةً قد وقف معه, سيما أهل دارفور, وانه لن يدخر جهدا للتعاون مع البشير لبسط الأمن والاستقرار في دارفور.
  وقد كان حديث دبي في تلك الفترة مشحوناً بالعواطف والذكريات عن دارفور ومدينة الفاشر على وجه الخصوص, حيث قضى فيها(17)شهراً مع بعض رفاقه واعتصر الألم وكان يتمنى أن يزور الفاشر في ظروف مغايرة أي غير ظروف الاضطراب والامنى, ولكنه انتهز السانحة ليؤكد لإخوانه دارفور خاصة، والسودان عامة، قائلاً:(اننى مع البشير وقلبي مع البشير .. أنا زغاوي, ولكنني مع البشير). فلأنه يدرك جيداً أن الحدود المشتركة بين السودان وتشاد طويلة جداً, ولابد إذن من التعاون بين البلدين لاستتباب الأمن على طول تلك الحدود..كما هو الحال اليوم في التعاون العسكري في الحدود بعد دروس تعلم كلاهما(ديبي والبشير), وان ذاك الموقف لم يكن نابعاً من فراغ, فالرئيسان البشير و ديبي لهما خبرة واسعة في التعامل مع شتى صنوف التمرد, لذلك دعا الرئيس ديبي إلى وقف ما اسماه(المؤامرة القاتلة)، وقال إنها مدمرة للمنطقة ولحياة أهلها، ومضى إلى تأكيد ضرورة تكاتف الجهود لإيقاف العمل المسلح, لاسيما على الحدود بين البلدين, لان القضية الأمنية هم مشترك في تشاد والسودان, وبالنظر إلي خارطة التداخل السكاني, وبدون حل القضية في دارفور لن تعرف التنمية طريقها، كما انه باستمرار التخلف يظل المناخ مهيئاً لأي عمل, وفي حالة الإبطاء والتواطؤ يصبح ظهر البلدين مكشوفاً, لان مشكلة دارفور بكل تداعياتها السلبية أصبحت الهم الأول في البلدين، دعك من اهتمام العالم بها كونها شغلت دوائر السياسة الدولية، لاسيما من وجهتها الإنسانية, بل وحتى أضحت تهم دول المنطقة المجاورة للإقليم, وأعتبرها مدخلاً لصراع نفوذ دولي صارت دارفور ساحته، باعتبار المنطقة تتوسط القارة الأفريقية وتزخر بموارد معدنية ضخمة, فضلاعن التنافس الخفي بين اروبا وتمثلها فرنسا, والولايات المتحدة من جهة والصين القوة الدولية الصاعدة من جهة ثانيه والأخيرة أضحت أن تكون بديلاً للاتحاد السوفيتي السابق.. ولذا كان ينبغي التحرك الواسع لاستئصال شأفة النزاع في حدود البلدين قبل استفحالها وإعادة الأمور إلى نصابها.. وذكر ديبي الجميع في الفاشر بان(هؤلاء حرامية وقطاع طرق), ولابد من أن يكون هنالك بعدا شعبياً للجهد المبذول على المستوى المحلى والذي يمكن أن ينبه إلى المخاطر التي يتعرض لها المواطنون جراء إفرازات الصراع.
  وأما بالنسبة للرئيس البشير في قمة الفاشر يرى أن تعاون ديبي في بداياته كان مهماً ومحل ثقة واحترام لدى الحكومة السودانية، وقد أشار إلى زيارة ديبي للفاشر قائلاً:(سعداء جدا بالزيارة، ولها رمزية مهمة لمروجي الإشاعات, نحن عرفنا أخونا إدريس ديبي حين جئنا للسلطة وجدناه في دارفور, و تعرفنا عليه وبعد أن أصبح رئيساً لتشاد شعرنا بان لنا أخا شقيقاً وإنسانا حريصا على أمن السودان وأمن تشاد ومرتبط وجدانياً بالسودان، فنحن نفس الشيء حريصون على أمن تشاد، فقناعتنا أن هذا الأمن لا ينفصل عن بعضه، وجاءت هذه المبادرة منه لزيارتنا بالفاشر التي تم اختياره لها دليل على نفيه الإشاعات، جاء بقواته في الطينة التشادية وعرضها لنا، وقال إنها ستشارك في حسم الأمور في دارفور, هذا ليس تمرداً، بل عصابات نهب مسلح وقطاع طرق ليست لهم قضية، التجانى جاب لي ورقهم، ليست هنالك قضية موضوعية في الورق, ونحن ثقتنا في القبائل100% لكل قبيلة الشاذ, ولا يمكن أن نحاسب دارفور بأناس خارجين عن القانون، وهدفنا واضح جدا أن نحسم القضية وان تضع البندقية، تعليماتنا واضحة، الشرعية تقول لا تفاوض بعد الآن، أعطينا تعليمات للجيش ان يحسم الأمر ويبدأ في جمع السلاح، ما هي مشاكل دارفور؟ ان نجلس ونضع لها الحل الناجع للمشاكل، تعايش القبائل وترك السلاح، القضية لا تحتاج إلى مؤتمرات صلح يجب أن نتحرك ونعمل, ويجب أن لا نضيع وقتنا في مؤتمرات صلح، أمن الموطنين وأموالهم هذه مسؤولية في مناطق حاملي السلاح، كل إمكانيات الخرطوم في تحت تصرف دارفور، حتى يقولون أن دارفور آمنة تماماً, وفى هذا المكان نأتي مرة أخرى لنحتفل هنا مع ديبى).
 
   وهكذا وببساطة انتهت بهدوء قمة الفاشر الثنائية بين الرئيسين، ودون أي ضجيج إعلامي لتحمل حاملي السلاح المسئولية كاملة فيما يبدو نتائج العمليات التي سيقوم بها الجيشان السوداني والتشادي في الخطوة التالية بعد قمة الفاشر لتمشيط المناطق التي تتواجد بها عناصر مسلحة، حسب التعليمات العسكرية أعلاه, وقد تم تنسيق تام بين وزارتي الداخلية في كلا البلدين للأخذ بزمام المبادرة لمحاصرة التمرد المسلح المعتدي على مدينة الفاشر بُعيد لقاء البشير وديبى بأيام قليلة، ودمرت على إثرها عدداً من الطائرات العسكرية التابعة لسلاح الجو السوداني، واعتقال الفريق بشرى قائد منطقة الفاشر, وأعقبتها اعتداءات أخرى خاطفة على مدينة مليط في الشمال الشرقي ومدن أخرى في شمال دارفور في تحد وضح للمتمردين حكومة الخرطوم, وبتلك الاعتداءات السريعة، يعيد للأذهان في أن الأمن القومي التشادي والسوداني مرتبطان باستتباب الأمن والاستقرار في دارفور, ويمتد عبر الحدود التي تشترك فيها بلدان مثل تشاد والسودان وأفريقيا الوسطى وليبيا أيضا, إن لم تتعامل حكومات هذه البلدان مع مثل تلك الأوضاع بجدية، وإذا ما أضافنا إليها نزاع الحكم في أفريقيا, فإنه دون أدنى شك ينعكس على الأوضاع الداخلية لكل علي حداه أو مجتمعة، وأن حالة تشاد هي الأكثر ترشيحا لانتقال العدوى الدار فورية إليها دون باقي كل دول الجوار السوداني الأخرى، هذا بحكم عوامل جغرافية وسكانية.. حيث الحدود المفتوحة  دون أي حاجز يحول التنقل والانتقال بين حدود البلدين. وللحق فان المنطقة في تلك اللحظة الحرجة انزلقت في صراع دموي مدمر، فأفريقيا الوسطى ودارفور هما مجرد بداية لصراع طويل في القارة الأفريقية والذي لم يهدا بعد, وان النزعات الداخلية للدول الأفريقية هي صورة مصغرة ومعبرة عن صراع جديد لكبار أهم اللاعبون فيها تتناقض مصالحهم, وأصبح الوقود سبباً لإشعال الصراع, والحروب بهذا الشكل في المنطقة أغلبها تجرى بالوكالة، وتشنأ تحالفات ما تعود لتنفض حتى تنشأ حروب أخرى في أجزاء أخرى بالقارة الأفريقية(ساحل العاج وليبيا)، ولنفس الأسباب يعاود مشهد المسلسل الأفريقي حلقاته منذ عقود من الزمن ليكون مادة إعلامية رائجة لوسائل الإعلام الدولية وتقارير المنظمات العالمية المختلفة هنا وهناك.

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال

Latest News

قيّم هذا المقال

3.50

Sudanese Online at YT

Please send us your Video to 6np1z2aywgxv@m.youtube.com

Free Abdel Monum Rahama

Latest Articles and Analysis

Latest Press Releases