From sudaneseonline.com

بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
المرشد في موالاة الأنظمة ومناهضتها/مصطفى عبد العزيز البطل
By
Mar 8, 2011, 13:34

غربا باتجاه الشرق

المرشد في موالاة الأنظمة ومناهضتها

مصطفى عبد العزيز البطل

[email protected]

 

(1)

 تابعت قبل أيام الضجة الإعلامية التي أثارتها بعض الصحف والمراصد العربية المحلية والمهجرية حول توقيع الفنان السوري الشهير دريد لحام على (بيان المثقفين السوريين)، الذي عبّر عن مساندة مثقفي سوريا لثورة الشعب الليبي، كما تضمن هجوماً عنيفاً على "القائد الإممي" معمر القذافي، الموصوف في البيان بـ"نيرون العرب". ومما جاء في صدد إدانة الزعيم وتقريعه، هو وغيره من الطغاة المفترضين الموعودين بالسقوط: (طاغية بعد طاغية ها هم يتساقطون، وسيتساقطون، في هذه الأيام التاريخية الحاسمة التي كافحت شعوبنا من أجلها طويلاً).

البيان نفسه، ثم مبادرة المثقفين السوريين بتسطيره وإذاعته لا غبار عليها. هذا حقهم بغير جدال. شأنهم في ذلك شأن كل الملل المهنية، والنحل الاجتماعية والثقافية، التي تعبر عن رؤاها وقناعاتها وترفدها مجرى الحياة العامة عبر أقنية الاتصال المختلفة. ولكن هناك مشكلة بسيطة تتعلق بتوقيع الفنان دريد لحام، اسماً وذاتاً، على ذلك البيان بعينه. دريد صديق شخصي للعقيد القذافي، تربطه به صلات واشجة شديدة المتانة، الى درجة أن القذافي كان يزوره في منزله بمدينة دمشق، وهو شرف لم يحظ به أي فنان آخر. واشتهر دريد بأنه كان على الدوام في رأس الحضور متصدراً الاحتفالات الرسمية التي تقيمها السفارة الليبية في دمشق. وهناك مقطع فيديو واسع التداول في سوريا يظهر فيه القذافي مجتمعاً مع بعض أنصاره في منزل دريد لحام بدمشق والمضيف يبالغ في الحفاوة. ولا جرم أن نال دريد من عطف القذافي وعطاياه وحباله الموصولة خيراً كثيراً، تحدثت به المجالس في السر والعلن.

ولكن الأهم من ذلك كله أن دريد لحام سبق له أن دلق في مدح القائد الأممي، وتبيان عظمته، وتصويب الأنظار الى صفاته النادرة نثيراً غزيراً، ما زالت أصداؤه تجلجل في الأثير. وهو موقف ظل دريد يلتزمه حتى عشية الانتفاضة الليبية، التي ما أن تناهى خبرها، ثم تواضع المثقفون في سوريا على الوقوف بجانبها، حتى سارع دريد بخلع صداقة القذافي كما يخلع حذاءه، وتناسى ولاءه ومحبته المعلنة، التي كان قد بذلها له ولزعامته الأممية مدراراً، ثم ارتدى على عجل رداء الثورة والثوار، ونقل المدفع من كتفه الأيسر الى الكتف الأيمن!

(2)

استبدال الولاء ونقل المدافع، في خفة ويُسر، من كتف الى كتف، ممارسة متفشية في الحياة العربية عموماً. كما انها راسخة في السودان أيضاً. من طرائف ما يُحكى عن انقلاب الرائد هاشم العطا واندحاره السريع وعودة نظام جعفر نميري في العام 1971م، تلك الواقعة عن الشخصية المشهورة باسم "عم الخزين". وهو رجل كان يعيش في منطقة الديم بالخرطوم، ويحمل مايكروفوناً جوّالا في ساحات "الليق" ودور الرياضة والأسواق الخيرية واحتفالات المدارس والأندية، ويُسمِّي نفسه "الإعلام الشعبي". وجد عمنا الخزين نفسه أمام تظاهرة للشيوعيين المؤيدين للرائد هاشم العطا وانقلابه فتصدرها بمايكروفونه النقّال وهو يهتف: (الخزين الخزين في طريق لينين.. سايرين سايرين في طريق لينين). وعند اندحار الانقلاب في اليوم التالي أرسل جهاز الأمن في طلب الرجل، فخرج من منزله والمايكرفون في يده وهو يهتف للرئيس نميري! وعند السؤال عن هتافه للينين في اليوم السابق أجاب: (والله يا جماعة كنت قايل لينين ده فريق جديد في الليق)!

ومن الروايات الواسعة الترديد - وإن كنت لا أقطع بصحتها - ما نُسب للمرحومين الثنائي ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعة من أنهما كانا، خلال الأيام الثلاثة التي مكثها الرائد هاشم العطا وزمرته في السلطة تحت شعار "ثورة 19 يوليو التصحيحية"، يؤديان بروفة أنشودة جرى تأليفها وتلحينها على عجل لتلحق بقطار الثورة. كانت مقدمة النشيد تقول (هاشم العطا الصحّح الخطا). وبينما هما في ذروة أدائهما للبروفة النهائية أقبل عليهما رجل من أقصى المدينة يحمل النبأ بأن الانقلاب فشل وأن النميري عاد الى السلطة، فقام الرجلان على الفور بتغيير كلمات النشيد الى (هاشم العطا العمل الخطا)، ثم استأنفا البروفات!

وللفنان الكبير الراحل سيد خليفة مع انقلاب هاشم العطا وعودة النميري للسلطة قصة عجيبة دأب السودانيون على ترديدها لسنوات طويلة. كانت الأقاويل قد سرت وعمّت الخرطوم كلها، ومؤدها أن الرئيس السابق جعفر نميري عند هروبه من معتقله بالقصر الجمهوري، قفزاً على السور، مساء الثاني والعشرين من يوليو 1971م وجد أمامه الفنان سيد خليفة، فحمله سيد خليفة في سيارته وهرب به الى بر الأمان، حيث التقى النميري ببعض أنصاره في إحدى الوحدات العسكرية. وظلت هذه الرواية تتردد بيقين وثبات لما يفوق الأربعة عشر عاماً، أي حتى اندلاع انتفاضة أبريل 1985م وطرد النميري من السلطة. وقد زاد من عمق الرواية وثباتها أن الفنان سيد خليفة لم ينفها قط أو يردّها عن نفسه عبر السنوات، ثم إنه فضلاً عن ذلك تخصّص بعد الانقلاب المضاد مباشرة في تلحين وأداء الأناشيد الحماسية المجلجلة الداعمة للنميري، كما آزره في حملات استفتاء رئاسة الجمهورية بسلسلة من الأهازيج الشهيرة، الأمر الذي وطّد الشعور العام بخصوصية العلاقة بين الرئيس والمطرب الكبير. وقد عاش سيد خليفة على ذلك المجد زماناً طويلاً. فلما قامت الانتفاضة الرجبية في أبريل 1985م واطيح بالرئيس نميري، بادر الفنان الراحل على الفور وبغير إبطاء فأصدر بياناً نشرته صحيفتا "الأيام" و"الصحافة" واسعتا الانتشار آنذاك، وقد جاء في ذلك البيان: (الفنان سيد خليفة ينفي نفياً باتاً ما تردد من انه هو الشخص الذي نقل جعفر نميري بسيارته من أمام القصر الجمهوري عام 1971م). وكان الناس يتندرون لوقت طويل جداً على ذلك النفي، الذي تأخر صدوره لمدة أربعة عشر عاماً فقط. وبعد كل هذه السنوات فإنني أتمنى على المواطن السوداني الحقيقي، صاحب فضل الظهر، الذي حمل النميري بسيارته وأوصله من أمام القصر الى معسكر الشجرة أن يكشف عن نفسه، وأقول له باسم ملايين السودانيين الطيببين: "أظهر وبان وعليك الأمان"!

(3)

وليست قصص انقلاب يوليو كلها مما يصلح للطرائف والمُلح. هناك ايضاً الكثير مما يدعو للتأمل. مثل ذلك رواية مثيرة للانتباه عن فنان من الرواد، ممن تبوأوا مكاناً علياً في الوجدان الغنائي السوداني. ورد في النسخة الأصلية من تقرير تحقيقي شامل أعده الحزب الشيوعي السوداني عن أحداث يوليو، ثم فيه رصد كل صغيرة كبيرة عن الوقائع المحيطة بالانقلاب وتداعياته، أن ذلك الفنان الكبير أظهر التأييد لانقلاب الرائد هاشم العطا وتحمس لذلك لدرجة انه كان - خلال ايام الانقلاب الثلاثة - يقف بنفسه على بعض المناشط الفنية، ويشجع أهل الفن الذين كانوا منخرطين في التجهيز لأعمال فنية داعمة للثورة "التصحيحية". وعند بداية التحرك المضاد للانقلاب كان هذا الفنان الكبير موجوداً في دار الفنون الشعبية بمدينة أم درمان، حيث دارت بعض الفعاليات الفنية الموالية للشيوعيين تمهيداً لنقلها للإذاعة والتلفزة، يساهم بالرأي والتوجيه والتشجيع. المثير للحيرة أن ذلك الفنان، بعد اندحار الانقلاب وعودة السلطة النميرية - ربما بفعل الخوف والقلق والرهبة من مصير مجهول قد ينتظره - بادر متطوعاً بالاتصال بجهاز الأمن، الذي عرف وقتها باسم "جهاز الأمن القومي"، عارضاً خدماته للمساعدة في إلقاء القبض على الأب الروحى للانقلاب عبد الخالق محجوب، الذي كان وقتها هارباً تبحث عنه السلطات. وقد وجّه الفنان خُطى رجال الأمن الى عدة منازل ساد الظن أن يختبئ فيها القيادي الشيوعي. كان واحداً من هذه المنازل قريباً جداً من منطقة "حي ود اللدر" بمدينة أم درمان، الذي تم فيه إلقاء القبض على عبد الخالق في وقت لاحق.

ولكن تقرير الحزب الشيوعي المشار اليه، والمشتمل على تلك التحقيقات التفصيلية ونتائج عمل مجموعة تقصي الحقائق الحزبية، خرج في صورته النهائية خلواً من تلك الجزئية المتعلقة بسلوك الفنان الكبير، إذ تم حذفها بناء على توجيه مباشر مشفوع بالأسباب صادر من السكرتير السياسي للحزب محمد إبراهيم نقد. وبالرغم من أنني وجدت في تلك الأسباب، ما يعكس حقاً سمات النبل والحكمة والصفاء الخلقي عند الأستاذ نقد الا أنني في ذات الوقت لا أخفي استغرابي من ظاهرة التردد والتناقض وازدواج المعايير - أو هكذا تبدو لي - في معالجة الشيوعيين لقضايا التوثيق التاريخي. الشيوعيون إذا أرادوا أماطة الغطاء عن اسم فعلوا، فطاردوا صاحبه وقعدوا له كل مرصد. وإن شاءوا أخفوا الاسم في حرزٍ حريز، ووفروا له حمايةً ثقيلة!

كنت قد كتبت في هذا المعنى من قبل، وأنا أستعرض كتاب الدكتور حسن الجزولي "عنف البادية"، فأشرت الى هذه الظاهرة بعد أن لاحظت أن المؤلف - وهو عضو في الحزب الشيوعي - لم يبالِ بكشف بعض الأسماء المشتبه في تواطؤها وخيانتها، لكنه في ذات الوقت استبسل في إخفاء أسماء اخرى كانت خيانتها أكثر بياناً. ومما كتبت: ((إنه بينما يجد القارئ أمامه معلومة مكتملة عن الشخص الذي اتهمه المرحوم طه الكد بأنه هو الذي وشى بعبد الخالق ودل رجال الأمن على مخبئه، وهو من الذين أسند الحزب اليهم مهمة تأمين عبد الخالق (يسجل الكتاب ليس فقط الاسم الكامل لهذا الشخص، بل يضيف الى ذلك مكان عمله الحالي وهو دولة الامارات العربية)، بينما يقدم الكتاب تلك المعلومة الجريئة للقارئ على طبق من فضة، فإن الشخص الآخر الذي عرفه عبد الخالق معرفةً وثيقةً لصيقة وادخره لليوم الأسود، ولكن الرجل خيّب ظنه وخذله وأدار له ظهره حين طرق عبد الخالق باب منزله في بهيم ليل 22 يوليو، يظل اسمه سراً مستغلقاً في قرارٍ سحيق. وتلك في أمانة تحديد المسؤوليات وتوزيع أضواء البحث التاريخي قسمة ضيزى)).

وكنت قد انشغلت بأمر تلك الشخصية لبعض الوقت، فبذلت شيئاً من الجهد بغرض الوصول الى اسم ذلك الرجل الذي توسم فيه عبد الخالق محجوب الخير، فلاذ بمنزله مساء 22 يوليو طلباً للحماية، دوناً عن كل من يعرفهم من الشيوعيين. ولكن الرجل تلجلج واضطرب وتخاذل ولم يرحب بالقائد الشيوعي، فاضطر الاخير الى الخروج هائماً على وجهه واحتمى بمقابر المسلمين لبعض الوقت حتى هدأت الطرقات، ثم سار على الاقدام متخفياً يستقصد دار ابن خاله، المعروف بميوله الإسلاموية، المرحوم طه الكد، الذي آواه وأحسن وفادته (أرأيت يا صاحبي كيف ان صلة الدم ووشيجة القربى تظل في نهاية المطاف هي الملاذ الأبقى، ولهذا ترى السودانيين يرتدّون زرافاتٍ ووحداناً الى حصون القبيلة وقلاع العشيرة لا يلوون على شيء، بعد ان ارتجّ عليهم أمر السودان الكبير، وتخبطتهم الوساوس تحت ظلال حكم الإنقاذ؟ وهل بلغك - رعاك الله - أن رئيسنا المفدى المشير عمر البشير، حين أراد أن يهجو خصمه اللدود فاروق أبوعيسى، لم يجد على شفتيه ما يقوله في باب هجاء الرجل سوى ان فاروق ليست له قبيلة؟!)

ما علينا. المهم انه كان من بين من سألتهم - في إطار مسعاي لكشف ستر تلك الشخصية التي خذلت عبد الخالق وقذفت به الى انشوطة المشنقة - القيادي الشيوعي الدكتور الشفيع خضر، وقد التقيته بمصر المحروسة قبل ثلاثة اعوام. توجهت اليه بالسؤال بصورة مباشرة، في حضور استاذنا الدكتور أمين مكي مدني، عما اذا كان يذكر اسم ذلك الرجل، فارتبك الشفيع، وقد باغته سؤالي، فرد عليّ متلعثماً: (والله كنت متذكرو لكين حسّا نسيتو)! وهكذا الشيوعيون السودانيون، يذكرون حين ينشدون الذكرى، ويلبسون للنسيان لبوسه حين يريحهم لبوس النسيان. قال لي الدكتور أمين مكي مدني، حين ناقشته في الأمر لاحقاً، إنه يعتقد أن الرجل المعني ربما تاب وأناب، وكفَّر عن ذنبه، ورجع مرة اخرى الى حظيرة الحزب الشيوعي، فأعيدت اليه عضويته، وحسُنت شيوعيته، ومن هنا فقد وجبت له الحماية!

(4)

أنصع مثال على موالاة الأنظمة ثم بيعها عند أول مفترق للطرق هو ما يحدث على طول المشهد الإعلامي المصري في يومنا الراهن. أحدث المصطلحات المتداولة في المحروسة هو مصطلح "المتحولون". ويطلق على تلك الزمرة من الصحافيين والإعلاميين الذين قضوا أعوامهم الثلاثين الماضية يحرقون البخور، وينفخون المزامير، ويمجدون الرئيس السابق حسني مبارك، وابنه الاصغر "حبيبنا جمال". ثم دون ان يطرف لهم جفن نقلوا المدفع من كتف الى كتف، وواصلوا الكفاح الى جانب الثورة الجديدة، يدقون طبولها، ويرفعون ذكرها في العالمين، ويلعنون مبارك ونسله على المنابر، وكأن شيئاً لم يكن، وبراءة "المثقفين" في أعينهم. ولا كرامة!

(5)

مؤخراً، بعد تضعضع حكم العقيد القذافي وانكسار شوكته، وارتفاع مؤشرات انهيار نظام النظرية العالمية الثالثة، نشر المركز الاوربي لدراسات وابحاث الشرق الأدنى، وهو كيان مدني سمعت باسمه للمرة الاولى، تقريراً خاصاً تضمن عدداً من الأسماء لشخصيات قيادية ثقافية وإعلامية وفنية اصطلح على تسميتها بعد ظهور التقرير بـ"مرتزقة القذافي". وقد هالني الانتشار القياسي لمضمونات هذا التقرير في الصحافة العربية الورقية ومواقعها الإلكترونية خلال اليومين الماضيين. تشبه الفضيحة التي اماطت اللثام عنها المنظمة الى حد كبير فضيحة كوبونات النفط الذائعة، التي تكشّف للعالم كيف أن بعض السياسيين والإعلاميين الدوليين والعرب كانوا يتسلمونها سراً من وكلاء الرئيس السابق صدام حسين مقابل دعم نظامه، وفي مقدمة المتورطين المرتشين السياسي والنائب البرلماني البريطاني السابق جورج غالاوي، والصحافي الفلسطيني ورئيس تحرير صحيفة "القدس العربي" اللندنية عبد الباري عطوان.

شملت قائمة المركز الاوربي لدراسات وأبحاث الشرق الادنى، الذي تلقفته وتناقلته الصحف العربية، أسماء عدد من المثقفين والفنانين العرب الذين ظلوا يقبضون نقداً وعيناً من خزائن القذافي. وجاء في مقدمة التقرير: (بينما ينشغل العالم بأخبار المرتزقة الذين تجلبهم كتائب الموت القذافية لذبح الشعب الليبي، يتناسى هذا العالم المرتزقة الحقيقيين الذين جندهم النظام الليبي على مدى سنوات طويلة، في طول العالم وعرضه، بما في ذلك أعرق المؤسسات الثقافية والأكاديمية الأوربية التي يفترض أنها محصنة في مواجهة هذا النوع من الفساد القاتل الذي يفوق في خطورته ونتائجه التدميرية البعيدة ما تقوم به كتائب المرتزقة على الأرض من مذابح). من بين القابضين على "جمر" دولارات القذافي، مثقفون كبار من شتى الدول الاوربية، بالاضافة الى اخوتنا من العربان. ممن ورد ذكرهم في التقرير محمد سلماوي رئيس اتحاد الكتاب المصريين، ومحمد فائق رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ووزير الثقافة المصري المستقيل جابر عصفور (تسلم عصفور مؤخراً مبلغ مائة الف يورو، على أساس فوزه بجائزة ليبية في الأدب، ولما كان أمر المبلغ المستلم قد اذيع على الملأ، فقد اضطر المثقف الكبير تحت ضغط الأحداث الأخيرة، التي مرّغت سمعة القذافي ونظامه في الوحل، الى التنصل من الأمر فأعلن انه أعاد المبلغ الى الحكومة الليبية. غير أنه لم يوضح ما اذا كان قد أعاد المائة الف يورو الى حكومة معسكر باب العزيزية في طرابلس، أم الى حكومة الثوار في بنغازي). وقد اختفى هؤلاء الفرسان الثلاثة تماماً من جميع الشاشات بعد تصاعد احداث الثورة الليبية، ومعهم كل الحق بطبيعة الحال.

ولكن هناك شخصيتان إعلاميتان مصريتان مثيرتان للجدل حقاً. حيث انهما اكتسبا شهرتهما من كونهما من أشد المدافعين في العلن عن حقوق الغلابة والمقهورين في مصر الوطن العربي بأسره. هؤلاء كان حظهما سيئاً للغاية، إذ شوهد كلاهما على شاشات التلفاز وهما يظهران الغضب، ويبذلان التأييد للثائرين في ليبيا، ويحصبان الطوب والزلط على رأس "القائد الأممي" الذي طغى وتجبر. ثم وبعد اقل من يومين طفا الى السطح تقرير المركز الاوربي، الذي أماط اللثام عن أن هذين الإعلاميين الثوريين كانا في واقع الامر في طليعة المتلقين للاعطيات النقدية والهبات العينية من دكتاتور ليبيا وفق ما كشفت الدفاتر: وهما الصحافي الشهير مصطفى بكري، رئيس تحرير "الأسبوع" القاهرية، والصحافي الذائع الآخر إبراهيم عيسى، الذي كان حتى وقت قريب يرأس تحرير صحيفة "الدستور" المصرية والتي ظهر انها، مثل رصيفتها "الأسبوع" كانت تتلقى دعما منتظما من عقيد ليبيا. ذات العقيد الذى كان الصحفيان الكبيران يجللانه بأكاليل "الغار"، قبل أن يرتدا على عقبيهما فيعيرانه بالعار والشنار،  بعد أن تحول اتجاه الريح، وغربت شمس اليوم المليح! 

(6)

كم هو عجيب أمر هؤلاء المثقفين والإعلاميين، الذين يحبون المال حباً جمّا، ويأكلون التراث أكلاً لمّا. يصدعون رؤوسنا تصديعاً بأحاديث الشرف والمبدأ ومكارم الأخلاق، ويملأون الدنيا زعيقاً عن أصالتهم وتجردهم لقضايا الأمة وحقوق الفقراء، مقابل عمالة الآخرين وتهافتهم. بينما هم يغرفون في السر من خزائن الحكام، فيشفطون الدُر والدينار، ويكنزون كرائم الأحجار. حتى إذا سقط الحاكم ودالت دولته انقضوا عليه انقضاضاً وافترسوه حياً، وباعوا عهوده وأيامه الزاهيات بقبضة يد من نوى التمر، ثم انقلبوا يواسون شعبه ويلاطفونه، ويطيبون خاطره، ويبيعونه المنثور والمشعور!

 

وهل كان دريد لحام نسيج وحده؟ ألا ما أكثر الدريديين بين ظهرانينا!

 



© Copyright by sudaneseonline.com