From sudaneseonline.com

تقارير
الدولة السودانية.. خمسون عاماً من العنف
By
Mar 19, 2011, 15:29

 

الدولة السودانية.. خمسون عاماً من العنف

 

تقرير وعرض: صالح عمار

وفي المساء بينما الحكام في القصر وفي السكر،
وفي انهماك بين غانيات البيض
ينعمون بالسمر
..
كانت هناك عشرون دستة من البشر،
تموت بالارهاق تموت
باختناق،
عشرون دستة لو أنهم
...
حزمة جرجير يعد كي يباع،
لخدم الافرنج في
المدينة الكبيرة،
ماسلخت بشرتهم أشعة الظهيرة

وبان فيها الاصفرار والذبول

بل وضعوا بحذر في الظل في حصيرة

وبللت شفاههم رشاشة صغيرة

وقبلت خدودهم
رطوبة الأنداء والبهجة النضيرة....
لو أنهم.. فراخ تصنع من أوراكها الحساء

لنزلاء (الفندق الكبير)
لوضعوا في قفص لايمنع الهواء وقدم الحب لهم والماء

 لو أنهم....ماتركوا ظماء ماتركوا يصادمون بعضهم لنفس الهواء وهم يجرجرون فوق جثث الصحاب الخطوة العشواء، والعرق المنتن والصراخ والاعياء ماتركوا جياع..

لو أنهم..

لكنهم رعاع من (الرزيقات) من (الحسينات) من (المساليت)

نعم... رعاع من الحثالات التي في القاع

بقصيدته الخالدة تلك كان الأديب والشاعر صلاح أحمد إبراهيم يرثي ضحايا مجزرة عنبر جودة (يناير 1956)، ولكنه كان أيضاً يعبر بأبلغ لغة عن مأساة الغالبية من عامة الشعب الذين لم تكن أرواحهم وحياتهم يوماً موضع إهتمام من قبل الحكام المتعاقبة، وهو مايثبته التاريخ والعرض الموجز الذي نقدمه هنا :

 

الفصل الاول:             

العنف ذو الطابع الإثني والقبلي

 وقعت حوادث العنف القبلية والإثنية في مناطق واسعة من السودان وراح ضحيتها الملايين من السودانيين، وتعتبر الدولة مصدر العنف الرئيسي بجانب بعض المجموعات القبلية المدعومة من طرفها تسليحاً وإمداداً وحماية، ومن أبرز المناطق والمجموعات التي مورس العنف ضدها:

 أ ـ جنوب السودان:  

بدأت الحرب الأهلية بالجنوب في أغسطس 55 وتوقفت نهائياً بتوقيع إتفاق نيفاشا يناير 2005 مع فترة إستراحة بين عامي (72 ـ 83)، وطوال هذه السنين من الحرب التي تعتبر الأطول على مستوى افريقيا ارتكبت مجازر ومذابح لاحصر لها بلغت محصلتها النهائية مليوني قتيل وأكثر من خمسة ملايين نازح ولاجئ، وقد تم التوثيق لجزءٍ من هذه الأحداث إلا أن الجزء الأكبر منها لم يتح له التوثيق والخروج للعلن بسبب البعد الجغرافي للجنوب عن الخرطوم والعالم الخارجي ووعورة الكثير من مناطقه ومنع وسائل الإعلام المستقلة من التغطية في فترة الحرب والتضييق عليها وضعف الإهتمام الدولي والمحلي لفترات طويلة بالملف.

ولم تقتصر المذابح وشلالات الدماء على جغرافيا الجنوب وإنما إمتدت لتشمل ذوي الأصول الجنوبية المقيمين في الشمال، ومن أبرز هذه المذابح التي تم التوثيق لها:

 *ديسمبر 1964: تجمعت أعداد كبيرة من الجنوبيين في ديسمبر 1964 لإستقبال كلمنت أمبورو وزير الداخلية في حكومة أكتوبر والذي كان أول جنوبي يشغل منصباًً رفيعاً. وبعد سريان شائعة بمقتله تجمعت أعداد من المواطنين الجنوبيين في بعض مناطق العاصمة وقاموا بأعمال شغب، ورغم مخالفة ماقام به هؤلاء للقانون إلا أن رد الفعل الذي قامت به السلطات وبعض الأهالي كان عنيفاً وفاق كل التصورات وشمل كل الجنوبيين بالعاصمة دون تمييز ولم يتوقف إلا بتجميع الجنوبيين بالعاصمة في عدد من الأماكن العامة وتوفير الحماية لهم بواسطة الجيش والشرطة. ولم يصدر تقرير رسمي من الحكومة يوضح عدد القتلى (وهي السمة الغالبة في معظم الأحداث التي نمر عليها هنا) إلا أن معاصرين لتلك المرحلة يقدرونهم بالمئات، وتذكر بعض الروايات أن السلطات قامت بتسليح مواطني العاصمة بالسلاح الأبيض وإطلاق سراح المجرمين من السجون وتسليحهم لقتل الجنوبيين. ولم يتقدم أحد من الوزراء أو حكومة أكتوبر بإستقالته مع العلم أنها كانت تضم كل التنظيمات السياسية وجبهة الهيئات.

 *الضعين مارس 1987: يقول عنها الكاتب الصحفي اتيم سايمون راوياً وملخصاً ملابساتها (مذبحة الضعين 27 ـ 28 مارس 1987 ولولا الجهد الوطني والانساني الكبير والمخلص لكل من الدكتور سليمان على بلدو والدكتور عشاري أحمد محمود من خلال ما أعداه من تقرير متكامل عن أحداث المذبحة ودراسة أبعادها ومسبباتها لتاهت والي الأبد ذكرى ضحايا المذبحة والذين فاق عددهم الألف شخص من الأطفال والنساء والرجال المنتمين لقبيلة الدينكا بصورة رئيسية والذين قضوا حرقاً على أيدي مواطنين في المدينة، وقد إحتوي التقرير على روايات العشرات من شهود العيان الذين نجوا من المذبحة في كل من مدن نيالا، كاس، والخرطوم. علماً بأن جزءاً من هؤلاء الشهود مايزال على قيد الحياة كما الذين ارتكبوا المذبحة)..

* أحداث وفاة د. جون قرنق، أغسطس 2005: مثَّل د. جون قرنق لقطاع عريض من الشعب السوداني الأمل في السودان الجديد الذي ينشدونه كبديل لخمسين عاماً من عمر السودان قضاها في أجواءٍ من الحرب والفقر، وقد تجسدت جماهيرية الرجل في الإستقبال التاريخي الذي وجده عند عودته للخرطوم ـ ويجمع كل المتابعين على أنه أضخم تجمع في تاريخ السودان ـ ولهذا لم يكن غريباً أن تثير وفاته بعد واحد وعشرين يوماً فقط من تسلمه لمهام منصبه كنائب أول للرئيس وفي حادث المتسبب فيه سقوط طائرة (ومعلوم الشكوك الموجودة في الأذهان بالنسبة لمثل هذه الحوادث) موجات كبيرة من الثورة والغضب، ويروي أحد قيادات الحركة الشعبية أنهم أجلوا الإعلان عن وفاة زعيم الحركة قرابة اليوم حتى تتمكن السلطات في الخرطوم من اتخاذ إجراءاتها الإحتياطية مثل إعلان حظر التجوال وتعطيل العمل ونشر الجيش والشرطة وغيرها من الإجراءات الإحترازية منعاً لاية إحتكاكات، إلا أن السلطات تعاملت بلامبالاة مع الأمر ولم يتم نشر القوات إلا في المؤسسات الحكومية، وهو ما أدى لحدوث خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات يوم الاثنين أعقبها يوم الثلاثاء بردة فعل عنيفة ضد الجنوبيين قتل على إثرها عدد كبير منهم.

ب ـ دارفور:

بدأ الصراع في الإقليم منذ فترة طويلة وأخذ أشكالاً قبلية في بداياته بين القبائل العربية والأفريقية ونزاع بين الرعاة والمزارعين. وفي عهد الديمقراطية الثالثة كان كل من حزبي الأمة والإتحادي يدعمان طرفاً من أطراف الصراع. ومع بداية التسعينيات إندلع تمرد سياسي في الاقليم بقيادة داؤود يحيي بولاد تم إخماده بعد سقوط عدد كبير من القتلى.

وفي العام 2003 إنفجر النزاع مرة أخرى بصورة موسعة وأصبح الاقليم في فترة قصيرة ساحة لواحدة من أكبر حروب الإبادة في التاريخ الحديث، وتقدر إحصاءات الأمم المتحدة عدد القتلى في الاقليم سواءً في المعارك أو بالجوع والمرض بحوالي ثلاثمائة ألف قتيل وأربعة ملايين نازح، فيما تقدر الحكومة عدد الضحايا بأرقام أقل من ذلك كثيراً ولكن أياً كان الأمر فمن الثابت أن فظاعات ومذابح ارتكبت في الإقليم ضد مدنيين عزل لا علاقة لهم بالصراع الدائر والحكومة أصبحت تعترف بذلك وقدمت عدداً من مرتكبي هذه الحوادث للقضاء، ولكن مايزال العدد الأكبر من المتهمين والأكثر مسئولية عما جرى بعيدين عن المحاسبة مما إضطر العالم الخارجي للتدخل وإيكال الملف للمحكمة الجنائية الدولي.

وتميز ملف العنف في دارفور بدرجة عالية من الوحشية والعنف ضد المدنيين ومن ذلك التمثيل بالجثث والإغتصاب وحرق القرى... الخ ما يوضح أن الصراع تجاوز أهدافه السياسية وحتى العسكرية لمرحلة من الكراهية العميقة والرغبة في إختفاء الآخر من الوجود (وإبادته). ومثلهم مثل مواطني الجنوب من سكان العاصمة والنازحين إليها تعرض أهالي دارفور والسكان من غرب السودان عموماً لحملات إنتقامية من السلطات ومن مواطنين آخرين رداً على أحداث سياسية وعسكرية وقعت لم يكونوا هم طرفاً فيها، ومن أبرز هذه الأحداث:

* أحداث العام 1976: حاولت الجبهة الوطنية المعارضة لنظام نميري والمكونة من أحزاب الأمة والإتحادي والأخوان المسلمين الإطاحة بالنظام عبر دخول الخرطوم بتشكيلات عسكرية كان الغالبية فيها أعضاء حزب الأمة المنحدرون من إقليمي دارفور وكردفان، وبعد فشل المحاولة نفذ نظام نميري حملات إنتقامية ضد من أسماهم (المرتزقة) إمتدت آثارها قتلاً وتعذيباً لعدد كبير من أبناء دارفور وغرب السودان البعيدين عن النزاع.

* أمدرمان 2008: قامت حركة (العدل والمساواة) بقيادة رئيسها د. خليل إبراهيم بدخول أم درمان وإنسحبت منها فيما بعد، وارتكبت مخالفات وإنتهاكات جسيمة بعد إنتهاء هذه العملية ضد عدد كبير من أبناء دارفور وبتركيز أكبر على قبيلة الزغاوة (التي ينتمي إليها د. خليل وعدد كبير من منسوبي حركة العدل والمساواة).

ج ـ جبال النوبة والنيل الأزرق:

بسبب إلتحاق أعداد كبيرة من أبناء المنطقتين بالحركة الشعبية والحركات المسلحة الأخرى فقد اعتبرت المنطقتين ـ خصوصاً جبال النوبة ـ مناطق طوارئ عسكرية وتم استغلال الخلافات التاريخية بين القبائل وتسليحها ضد بعضها وارتكبت نتيجة لذلك جرائم ومذابح واسعة في المنطقتين. ومن أبرز الحوادث المؤثرة والتي أدت إلى تدخل المجتمع الدولي وتوقيع إتفاق السلام بجبال النوبة في 2001 بسويسرا قيام الطائرات بقصف مدرسة كاودا الشمالية المختلطة للأساس وقتلها لحوالي 300 طالب وطالبة أثناء الطابور الصباحي.    

 د ـ شرق السودان: إرتكبت السلطات الحاكمة وقوات التجمع أثناء الحرب التي دارت بشرق السودان في التسعينيات انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان في مناطق جنوب طوكر وهمشكوريب وريفي كسلا وتلكوك، حيث كان يتم إتهام مجموعات وأفراد من سكان هذه المناطق بأنهم طابور خامس يتبعون للطرف الآخر، وفي منطقة جنوب طوكر قتل الكثير من الأهالي (وتحديداً من قبيلتي البني عامر والحباب) في مناطق قرورة وعقيق وعقيتاي وعتيربا...الخ بواسطة بعض تنظيمات التجمع التي كانت تتهم هؤلاء بالوقوف مع الحكومة ودعم حركات المعارضة الإرترية، وأيضاً من قبل القوات الحكومية التي كانت تتهمهم أيضاً بالتجسس لحساب المعارضة والحكومة الإرترية. وفي العام 2008 وأثناء زيارتها لمناطق جنوب طوكر قدمت نائب رئيس جبهة الشرق د. آمنة ضرار في لقاء جماهيري بمنطقة مرافيت إعتذاراً رسمياً بإسم الجبهة عما تم إرتكابه من أخطاء في حقهم، إلا أن هناك حقائق كثيرة في هذا الملف مازالت حبيسة الصدور ومصدراً لإحتقانات مستقبلية. وسجل العنف (التاريخي) ضد سكان الحدود عموماً وسكان الحدود الشرقية تحديداً حافل بالإنتهاكات المتواصلة حتى اليوم

عبر استمرار حالة الطوارئ عملياً في جنوب البحر الأحمر والتهميش السياسي والاثني الاقتصادي ضد أهالي هذه المناطق (وقبل أيام قتل أحد شباب ريفي كسلا على يد قوات الشرطة، وهي حوادث تكررت أكثر من مرة).

*الهوسا 2008: قامت مجموعات من قبيلة الهوسا بالخروج في تظاهرات إحتجاجية ضد تصريحات رسمية فسرت على أنها طعن في مواطنتهم، وتم استعمال القوة المفرطة ومقتل العشرات منهم في ولايات كسلا والقضارف وسنار.  

 

الفصل الثاني: العنف السياسي

مسيرة السياسة السودانية حافلة بسلسلة طويلة من أحداث العنف المنفذ بواسطة الدولة ضد مواطنيها، ومعظم هذه الحوادث كان يمكن تلافيها لتعلقها بمطالب وأسباب قابلة للحل والتفاوض بشأنها، ومن هذه النماذج:

*مارس 1954: حشد حزب الأمة جماهير غفيرة من الأنصار تم تجميعها من عدد من الأقاليم في اليوم الذي كان مقرراً فيه إفتتاح البرلمان بحضور الرئيس المصري محمد نجيب، وكان هدف الحشد هو إسماع الرئيس المصري الصوت المعارض للاتحاد مع مصر، ونتيجة لذلك تم تغيير خط سير موكب الرئيس، وعندما أراد الحشد اللحاق بموكب الرئيس وقعت اشتباكات راح ضحيتها عدد من القتلى.

* عنبر جودة: بعد أقل من شهر على الاستقلال تقدم اتحاد مزارعي النيل الأبيض للمسؤولين بمذكرة تضمنت 1. مشاركة حقيقية ونافذة المفعول في ادارة المشاريع عن طريق اعادة النظر في توزيع عائدات القطن بحيث يحصل المزارع على 60% بدلا من 40%.  2. تعيين مراجعين قانونيين مستقلين لمراجعة حسابات المشاريع. 3. مشاركة المزارعين في اتخاذ القرارات المتعلقة بحلج القطن وتسويقه. 4. الاعتراف الرسمي باتحاد مزارعي النيل الأبيض.

 وفي بداية فبراير 1956 قامت السلطات بإعتقال قيادات الإتحاد، ورد المزارعون بعنف على ذلك؛ فقد اندفع أكثر من 4000 مزارع الي داخل مدينة كوستي وطالبوا باطلاق سراح قياداتهم والدخول في مفاوضات حول المطالب التي قدمها الاتحاد، وحذروا بأنهم سيمتنعون عن تسليم القطن لأصحاب المشاريع إذا لم تستجب الحكومة لمطالبهم، وتم إطلاق سراح قيادات الإتحاد إلا أنه تم إعتقال أكثر من 150 مزارعاً من المضربين عن العمل وتقديم 53 منهم للمحاكمة. وفي تجمع جماهيري آخر للمزارعين تم إعتقال مجموعات أخرى منهم ونقلهم من كوستي لقرية جودة القريبة منها لإبعادهم عن المدينة وردود فعل الاعلام، وفي حدود هذه القرية كان هناك مشروع زراعي رئيسي دخل مزارعوه في إضراب عن العمل ورفضوا تسليم محصول القطن. وفي محاولة لتشتيتهم قامت قوات شرطة الطوارئ بالهجوم على المزارعين، وفي المواجهة التي حدثت بين الطرفين استغل المزارعون كل مالديهم من حراب وسيوف وفؤوس رغم أنها لم تكن متكافئة مع عنف جهاز الدولة، وكانت نتيجة المعركة حسب إعلان الحكومة الاولي (ثلاثة قتلى وثلاثة جرحى من الشرطة، أما خسائر المزارعين فمن الصعب تقديرها لأنهم هربوا الي داخل الحقول)، وفي تطور لاحق عندما أعلن اتحاد عام نقابات عمال السودان أن 150 قد قتلوا وجُرح أكثر من 500 من المزارعين، اعترفت الحكومة بمقتل 18 في البداية، ثم رفعت العدد الي 35 مزارعاً، وأخيراً أعلنت انه ليس هناك رقم محدد لان معظم القتلى دفنوا بواسطة أسرهم دون اعلام السلطات الحكومية.. ومع استمرار الجدل والاختلاف حول أعداد القتلى والجرحى كانت الأحداث تتطور في اتجاه أكثر خطورة، ففي أعقاب هجوم الشرطة على مزارعي مشروع جودة قامت قوات الأمن باعتقال أكثر من 800 مزارع للتحقيق معهم في مدينة كوستي، أدخل 281 منهم في عنبر صغير للأسلحة غير مستعمل، وبدون أن توفر لهم التهوية الضرورية واحتياجاتهم من الماء والطعام.. ونتيجة لهذه الظروف اكتشفت السلطات في اليوم التالي أن 189 منهم قد توفوا بسبب الاختناق أثناء الليل، ثم ارتفع العدد الي195 في بداية النهار، وكما هو متوقع أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في منطقتي النيل الابيض والنيل الازرق ومنعت كل أشكال التجمعات والمواكب واشكال التجمهر الأخرى، وبالاضافة الي ذلك أرسلت المزيد من قوات الأمن الي المنطقة التي اعتبرت (منطقة مقفولة) منع الدخول اليها بدون اذن السلطات المسؤولة، واعتقلت كل قيادات اتحاد نقابات العمال ونقابات عمالية أخرى اتهمتهم بإثارة الكراهية ضد الحكومة وحوكموا بالسجن عدة أشهر، والمجموعة الثانية الآخرى التي قدمت للمحاكمة كانت تتكون من 15 مزارعاً من مزارعي مشروع جودة حكم على بعضهم بالسجن 18 شهراً. أما القتلى الذين ماتوا بسبب الاختناق في عنبر الأسلحة فقد دفنوا في مقبرة جماعية، ودفعت تعويضات لأسرهم بلغت حدها الأقصى 20 جنيهاً للأسرة وأكدت الحكومة أن العدالة ستأخذ مجراها،(زراعة الجوع في السودان رسالة دكتوراه للبروفيسر تيسير محمد احمد).

* المولد 61: بدأت بمشادة بين أحد الانصار وفرد من الشرطة في احتفالية المولد بامدرمان وتطورت لمعركة طاحنة قتل فيها الكثير من الأنصار ورجال الشرطة، ويلخص أحد قيادات الشرطة في تلك الفترة ماحدث وفقاً لرؤيته "لم تترك تلك الواقعة اثراً على الحياة السياسية السودانية، لكننا فقدنا في الشرطة خيرة رجالنا من الصف وعلى رأسهم الصول ميرغني احمد محمد (ابوشنب) عليه الرحمة!، "توثيق للصحافي الفاتح عباس مع الفريق ابارو".

* اكتوبر64: حاولت الشرطة فض ندوة كان يقيمها طلاب جامعة الخرطوم في 21 أكتوبر 64 نتج عنها مقتل الطالب أحمد القرشي طه وتطورت التظاهرات بعدها وانتقلت للشارع، وعكس ما يتردد عن إعتزال الفريق إبراهيم عبود للسلطة دون إراقة دماء، فقد قتل العشرات في هذه التظاهرات بإطلاق نار عليهم من القوات الحكومية.

* بورتسودان مارس 65: أطلقت الشرطة النار على مجموعة من العمال كانت تنفذ إضراباً تضامناً مع عمال المواني المطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية وقتل جراء ذلك خمسة من العمال وجرح عدد آخر، وإنتهت الحادثة بتلبية كل مطالب العمال وشروطهم

* الجزيرة ابا وودنوباوي مارس 1970: قصفت طائرات نظام مايو الجزيرة ابا بالطائرات عصر الجمعة 27 مارس 1970 واستمر القصف حتى الثلاثاء وبلغ عدد الأنصار وسكان الجزيرة ابا الذين تم حصرهم حوالي 745 قتيلاً والجرحى والمعاقون 280 شخصاً، وفي يوم الأحد 29 مارس خرج الأنصار من ودنوباوي تضامناً مع سكان الجزيرة أبا وجابوا عدداً من شوارع أم درمان، غير أن السلطات حصرتهم في منطقة مسجد ودنوباوي وتم ضرب المسجد بالدبابات ما أدى لمقتل 162 وجرح 35 من الانصار وسكان المنطقة، وكانت القوة المنفذة للهجوم بقيادة المقدم بابكر النور (وبعض الوثائق تؤكد أن أحد قيادات الصف الاول بالحزب الشيوعي الحاليين كان على رأس موكب المساندة الجماهيري للمذبحة).

*مارس/ ابريل 85: أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين ضد نظام نميري وقتل وجرح جراء ذلك الكثيرون.

*حادثة العيلفون 98 : حاولت مجموعة من مجندي الخدمة الوطنية بمعسكر العيلفون الهرب من المعسكر وهو مانتج عنه وفاة المئات منهم غرقاً اثناء مطاردة السلطات لهم، وكرد فعل وإعتراف ضمني بالخطأ صدر قرار حكومي بإلغاء حملات الخدمة الإلزامية وتجنيد الطلاب إلا أن القرار تم التراجع عنه في نفس اليوم بقرار آخر أكد على إستمرارية الخدمة الوطنية دون أية تعديلات.

*أحداث بورتسودان يناير 2005 : رفعت مجموعات تنتمي لقومية البجا بمدينة بورتسودان مذكرة لوالي البحر الاحمر يوم الاربعاء 26 يناير 2005 تطالب بالإعتراف بمؤتمر البجا كممثل لشرق السودان وتوظيف أبناء البجا وعدد آخر من المطالب السياسية، ومساء يوم الجمعة 28 يناير فضت السلطات بالقوة إجتماعاً كان يعقده مقدمو المذكرة وأطلقت الرصاص صباح اليوم التالي على مجموعات المتظاهرين وقتلت ثمانية وعشرين شخصاً منهم وأصيب حوالي أربعين بجروح، وبعد الأحداث مباشرة تمت الإستجابة لكل مطالب المذكرة وعلى رأسها الإعتراف بمؤتمر البجا كممثل للشرق.

*المناصير: تم إطلاق النار على مجموعة من المحتجين من سكان مناطق المناصير الرافضين للتهجير دون تعويضات كافية وقتل في هذه الأحداث خمسة أشخاص وعدد آخر من الجرحى.

*كجبار: أُطلق النار على معارضين لقيام سد في منطقة كجبار يونيو 2007 ونتج عن ذلك سقوط أربعة قتلى وعدد آخر من الجرحى.

العنف ضد الطلاب:

تمتلك الحركة الطلابية سجلاً طويلاً من العنف الممارس ضدها من قبل أنظمة الحكم المتعاقبة، ودائماً كانت خسائر الطلاب كبيرة بسبب خروجهم للشارع تعبيراً عن آرائهم وهم عزل أو يحملون أدوات عنف رمزية، كما أن نظراءهم الطلاب المدعومين من السلطة كانوا أيضاً سبباً في وقوع عدد من القتلى والجرحى بين صفوفهم.

 الإنقلابات العسكرية: 

وقعت محاولات انقلابية كثيرة يقودها عسكريون وسياسيون لم يحالفها الحظ، وعقب فشل معظم هذه الإنقلابات كان يتم الحكم بالإعدام والسجن لمنفذي ومخططي هذه المحاولات، ومن أبرز الإنقلابات التي إتسمت ردة الفعل تجاهها بالدموية إنقلابات 59 ويوليو 71 و75  و76 ورمضان90 وقتل المئات من الضباط والجنود والمدنيين أثناء وبعد هذه المحاولات الفاشلة بمحاكمات لايتوفر لها الحد الأدنى من المعايير القانونية والعدلية وأحياناً بدون محاكمات.

الإغتيالات السياسية وحوادث القتل الفردية: طالت عدداً كبيراً من الشخصيات من أهمها الرئيس إسماعيل الازهري الذي توفي في سجون مايو، ورئيس حزب سانو وليم دينق الذي أغتيل في العام68، وزعيم الجمهوريين محمود محمد طه الذي تم إعدامه في العام85، والنقابي الشيوعي د. علي فضل والصحافي محمد طه محمد احمد، إضافة لزعماء الأحزاب والجماعات السياسية والدينية والنقابية الذين قتلوا في أحداث تم التطرق إليها مثل الإمام الهادي وعبدالخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ...الخ.  

 

الفصل الثالث: العنف الديني

تركز بصفة أساسية ضد جنوب السودان ذو الأغلبية غير المسلمة، وقد بدأ إعطاء الحرب ضد الجنوب مبررات وتفسيرات دينية منذ عهد الفريق إبراهيم عبود، إلا أن الفترة بين الأعوام (91/2005) تعتبر الأبرز على هذا الصعيد  وقد ساهم إعطاء الحرب أبعاداً دينية في تأجيجها وزيادة إشتعالها. ومايثير الإنتباه (والدهشة) أن قيادات عليا في السلطة إعترفت بعد توقيع السلام مع الحركة أن الحرب سياسية وليست دينية، أما قيادات المؤتمر الشعبي التي كانت جزءاً من السلطة، فقد خطت خطوات متقدمة في هذا الطريق إلا أنها ماتزال مترددة حتى اليوم في إصدار إعتذار صريح عن تلك الأخطاء مثلها مثل عدد كبير من الأحزاب والمجموعات التي ترفض الإقدام على هذه الخطوة بشكل واضح وصريح.

ومن أفظع حوادث العنف الديني الإعتداءات الوحشية لجماعة التكفير والهجرة على مصلين بمساجد جماعة أنصار السنة المحمدية، أبرزها حادثة مسجد الثورة في العام 96 وراح ضحيته عشرة أشخاص، ومسجد مدني، ومسجد الجرافة بأمدرمان وقتل فيه عشرون شخصاً.

 



© Copyright by sudaneseonline.com