نهر النيل .........
مابين السَقـّا المصري والخَرّاجِي الأفريقي
مصعب المشـرّف:
وضح الآن أن الحكومة المصرية قد رضخت للأمر الواقع . وإختارت أن تحني رأسها لرياح التغيرات في منابع النيل البعيدة عن متناول يديها . فخففت من حدة لهجتها التهديدات الجوفاء التي روج لها إعلامها في الفترة الماضية دون أن تجد الصدى المأمول سواء في أدغال المنابع أو بطاح السودان ، لأن الجميع كان يدرك أنها ليست سوى نفخ في قربة متعددة الأخرام وتفتقر إلى آلية التنفيذ من كافة الجوانب السياسية والإقتصادية والعسكرية ..
لقد أتت محنة مياه النيل الأخيرة لتعطي إنطباعا مؤكدا بأن الخرطوم قد بلغت سن الرشد في تعاملها مع مصر ... ولم يعد الأمر كما كان عليه الحال في السابق حين كانت القاهرة تعطس فتصاب الخرطوم بالزكام .... ومن ثم فقد كتفت الخرطوم يديها شماتةً من فرط حنقها على دور مصر المفصلي في إفشال إتفاق الدوحة الذي إستنفذت فيه مع قطر وتشاد والسعودية أقصى ما يمكن من جهد وبذل وعطاء ، ... وعلى وقع ما يجري برمته من المنابع وحتى المصب إستغرقت جوبا سيلفاكير في الضحك الذي يقطّع المصارين وهي تتأهب لتصبح الدولة رقم (11) في حوض النيل ؛ ولها بعد يناير 2011م حساباتها "الدفترية" الخاصة بها في المياه.
وأما دول منابع النيل فقد مضت كالسلحفاء التي سابقت الأرنب وبلغت نهاية الشوط من سعيها الصبور الدؤوب لترسيخ وتكريس حقوقها في المياه بعد أن بدأت تلوح في الأفق بوادر إستعدادات الحكومة المصرية على نقل وبيع جزء من حصتها في ماء النيل إلى إسرائيل تحت ستار نقل الماء إلى صحراء سيناء بهدف توطين البدو الرحل .......
جميعنا يعلم أن لا حاجة لدول منابع النيل في الماء خلال الظرف الراهن وأن حاجتها جميعا منه تكاد تناهز بالكاد 6.5 مليار متر مكعب ..... ولأجل ذلك فإن وراء الأكمة ما وراءها .. ولكن ليس هناك من نظرية مؤامرة إسرائيلية ... بل أن كل ما في الأمر أن دول المنبع ترغب في تسجيل حصتها الدفترية في ماء النيل وبما يعني رفع حصتها النظرية منه لأجل أن يجمع الحساب تاليا بعند تنفيذ مصر لبند سري آخر من بنود كامب ديفيد وهو المتعلق بتوصيل جزء من ماء النيل إسرائيل وبيعه لها.
لقد تم إحياء هذا البند وتدخلت الولايات المتحدة بقوة لوضعه موضع التنفيذ بعد أن فشلت المفاوضات بين إسرائيل وتركيا لمدها بالماء العذب نظرا لإرتفاع ثمن العرض التركي الذي بدأ وكأنه تعجيزي ، لاسيما عقب وصول أردوغان للسلطة ....
آجلا أو عاجلا ستجلس الحكومة المصرية مع ممثلي أو زعماء دول المنابع للبحث في إتفاق جديد سيكون من أهم شروطه هو تقرير حصص معينة لدول المنبع تبيعها لإسرائيل مباشرة على أن يتم توصيل البضاعة (الماء) عبر مواسير مصر ضمن ما تبيعه مصر لإسرائيل من الماء.
ويبقى الخاسر الوحيد في هذه الصفقة هو السودان بدون أدنى شك ...
ولا ندري كيف ستواجه الحكومة السودانية مثل هذا الموقف الذي ربما يؤدي إلى تفويت حصيلة بيع 9 مليار متر مكعب سنويا يتنازل عنها الشعب السوداني طواعية إلى "أشقائه" المصريين في الوقت الحالي لعدم حاجته لها ... وبالتالي فلن يحصل السودان على دولار واحد من حصيلة بيع دول المنبع ومصر الماء لإسرائيل . اللهم إلا إذا تم التوصل لإتفاق ثنائي بينه وبين مصر يتعهد فيه "السقّاء المصري" بتجنيب جزء من حصيلة البيع وتحويلها للخزينة السودانية ..... فهل تتمنع الخرطوم عن هذا الرزق الحلال أم تفكر بالطريقة المصرية الشهيرة :- "فتِّحْ مُخّكْ تاكُل مَلْبَنْ" ؟ .
وبالطبع لن تسكت حكومة جوبا بعد يناير 2011م عن حقوقها المالية في حصيلة بيع ماء النيل لإسرائيل إسوة بغيرها ، لاسيما وأنها غير منوطة أو ملزمة بإتخاذ أو تبني أية مواقف محددة تجاه إسرائيل.
فهل يدخل السودان في منظومة "السَقّا المصري" و"الخَرّاجَة الأفارقة" من باعة الماء بالمتر المكعب لإسرائيل ولسان حاله يردد "الموت وسط الجماعة عرس" ؟ .... و "فتِّحْ مُخّكْ تاكُل مَلْبَنْ" ؟ ..... أم يتمسك السودان بحقوقه العربية التاريخية في العداء مع إسرائيل ، والتي لم يعد أحد من العرب الرسميين الأحياء (بمن فيهم منظمة التحرير الفلسطينية) يناصبها في حقيقة الأمر العداء؟
ربما يخرج علينا أحد الخبثاء بحل وجيه يقترح أن تبيع الخرطوم هذه المليارات الثلاث عشر المكعبة من حصة السودان الذي يتنازل عنها طواعية لمصر ... يقترح بيعها لتجار الجبهة والهمباتة الجدد . ولهؤلاء الخيار في بيعها لمن يشاؤون...... وبذلك ترضي الخرطوم عزيز مصر وتمير أهلها وتزداد كيل بعير على نحو يسير.
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام
أعلى الصفحة