|
بسم الله الرحمن الرحيم
وحدويون حتى النخاع 2 - 2
المتوكل محمد موسي
Almotwakel_m@yahoo.com
هذه الأرض هى الأم التى ترضعنا .. وهى الخيمة والمعطف الملجأ .. وهى الثوب الذى يسترنا .. وهى السقف الذى نأوى إليه .. وهى الصدر الذى يدفئنا .. وهى الحرف الذى نكتبه .. وهى الشعر الذى يكتبنا .. كلما هم أطلقوا سهماً عليها .. غاص فى قلبى أنا .. هكذا تحب الدكتورة سعاد الصباح وطنها الكويت وهكذا ينبغى نحب بلدنا وأكثر.
قلنا فى الجزء الأول من هذا المقال أن وحدة السودان هى غاية ينبغى أن تُشحذ الهمم لصيانتها ضد التفتيت ، ومن يملكون قطراً مثله عليهم أن يستميتوا فى سبيل بقائه موحداً، ولا سبيل هنا لتعداد الأسباب التى تفرض علينا بقاء السودان موحداً وهى أسباب تجرى فى دمائنا وأصبحت جزءاً من تفاصيل حياتنا ، إذاً فلا صوت يعلو على صوت الوحدة .. منذ الآن وحتى موعد الإستفتاء فى مطلع العام القادم، سنُغلب خيار الوحدة وعلى الشعب أن يهب ويعبر عن ولائه وخياره للوحدة وينتفض لصالحها.
فى المقال السابق أشدنا بصحيفة الإهرام اليوم لسعيها فى صمت لإعلاء شأن الوحدة والإضطلاع بدورها الرائد، كشأن المؤسسات الرائدة، فى العمل من أجل ذلك .. وبعد كتابتنا الجزء الأول من المقال وقرأت فى الصحف أن هناك من كانت تعتمل فى دواخله ذات الأحاسيس الجيَّاشة بحب الوطن، إنهم مجموعة المبدعين الذين رموا القفاز فى وجه السياسيين، فلقد قرأت أن المبدع عثمان النو ولفيفاً من أقرانه المبدعين قد أسسوا مجموعةً سموها "عشان بلدنا" تحت شعار "مبدعون ضد اليأس" من أجل تعزيز فرص الوحدة فى الإستفتاء القادم والذى أضحى قاب قوسين أو أدنى .. ليقترب السودان كثيراً من أسوأ فصول أزماته ويتركز برنامجهم الوحدوى فى إقامة حفلات ومنتديات أدبية فى الشمال والجنوب تمجد السودان وتدعو للحفاظ عليه موحداً .. فلهم الشكر على إستشعارهم للمسئولية الوطنية .. وهكذا المبدع دوماً ضمير أمته وإحساسها المفعم وقلبها الخفاق .. رغم أن مثل هذه الجهود لا تستوجب الشكر لأنها نداء وطنى خالص وواجب وفرض عين على الجميع .. ولكن نشكرهم تحفيزاً لهم لبذل المزيد من الجهد وحض وإستنهاض همم وعزائم الآخرين من بنى الوطن للحاق بقطار الدفاع عن الوحدة ودفق المزيد من الجهود حتى نحقق ما نصبو إليه من آمال عراض فى أن يبقى وطننا العملاق عملاقاً رغم العواصف التى تهب عليه من كل صوب وحدب .. ولتدم أيها الوطن.
هناك قطاع آخر ينبغى أن تستنهض همته مبادرة مبدعين ضد اليأس .. وأعنى به قطاع الرياضة فهو من القطاعات المشهود لها بأنها بوتقة للإنصهار بين أفراد المجتمع السودانى بل هو من القطاعات التى يمكن أن تخلق فارقاً كبيراً يُصب لصالح الوحدة .. فمعلوم أن الرياضيين تتمدد علاقاتهم بطول وعرض الوطن وهم أكثر القطاعات تأهيلاً لقيادة معركة وحدة السودان أسوة بإخوتهم فى مجال الفنون والآداب .. وهنا نستشهد بملحمة التشجيع الذى قاده مريخ جوبا والرياضيين فى جنوب السودان عندما سُيرت قوافل بالعربات مملوءة بالمشجعين ليسافروا أياماً فى طريقٍ وعر إلى يوغندا لمناصرة مريخ السودان الذى كان يخوض مباراة مصيرية ضد فريق فيلا اليوغندى وقد إنتصر المريخ فى تلك المباراة، ولكن الإنتصار الأكبر فى تلك المناسبة كان للسودان ولشعبه وقد فاضت المشاعر الحقيقية فى ذلك اليوم فما دمرته السياسة والحرب رأبت صدعه الرياضة فى تلك المباراة الأمر جعلنا نتحسر على عدم الإستعانة بالرياضة لتعزيز المصالحات وبناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد .. أيضاً نسوق نموذجاً آخر عما فعلته الرياضة فى جنوب إفريقيا من توحيد للمشاعر الوطنية فى تلك البلاد .. فأذكر أنه فى عام 1996م وبعد خروج المناضل نيلسون مانديلا من السجن وبدأت الأمور تتجه نحو المصالحة .. أسهم الفريق القومى الجنوب إفريقى فى سرعة إلتئام جروح شعب جنوب إفريقيا .. إذ تم إستضافت بطولة الأمم الإفريقية وإصطف الشعب وراء فريقه فى إلتحام جماهيرى رائع ونادر ليفوز الفريق ببطولة الأمم الإفريقية وكان يضم السود والبيض والمدرجات تضمهم أيضاً جنباً إلى جنب .
فى مستهل هذا المقال تحدثنا عن المهددات التى ستعن فى حياة الشعب السودانى بعد الإنفصال، ولكننا ننبه إلى أن الذى يحدونا للحض على تغليب مبدأ الوحدة السودانية ليس هو ما سيجره الإنفصال من أزمات وويلات فقط .. ولكن الذى يشعرنا بالقلق ويجعلنا نعضد خيار الوحدة .. هو عشقنا لهذا الوطن وحبنا الذى يجرى فى دمائنا له .. وهى عاطفة جياشة تتملكنا حياله .. نعم عاطفة .. وربما إنبرى إنفصالى وقال لنا أن هذا حديث عاطفى لا يمت إلى ما نعيشه من واقع بصلة .. وبدورنا نقول له ما قيمة الأوطان دون عاطفة .. فالعاطفة هى الآصرة والوشيجة التى تُعمق من إرتباط الإنسان بأرضه..وهى أمور لا يمكن إخضاعها للقياس ولا لأحكام الذين قست قلوبهم من العمة فطفقوا يدعون للفرقة والشتات وإضعاف الوطن وتقطيع أوصاله.
من أهم مهددات الإنفصال أننا سنرث دولتين تشتركان فى حدود تمتد إلى نحو ألف كيلو متر مربع يصعب عليهما ، وهما الدولتان الضعيفتان المنقسمتان ، من السيطرة والقدرة على ضبطها ومنع المشاكل من أن تندلع فيها خاصة إذا علمنا أن على طول هذه الحدود تُوجد قبائل عديدة تمتد حواكيرها ومصالحها الإقتصادية بينهما .. وسنورد مثالاً واحد للأزمات وما ستؤول إليه الأوضاع بعد الإنفصال من مخاطر وعليه نقيس باقى أوضاعنا.. إذا انفصل الجنوب قبل حسم موضوع تبعية منطقة الردوم والتى تُوجد بها حفرة النحاس والتى تتبع الآن لجنوب دارفور فى الوقت الذى تتدعى فيه حكومة الجنوب تبعيتها لها .. فإن أهل دارفور لن يقبلوا بتبعية المنطقة لغيرهم ..وهنا سيبرز حجم المشكلة بعد الإنفصال ولكن فى إطار الوحدة يمكن معالجة هذه الأزمة .. ولكن المنطقة وما تزخر به من نحاس وذهب تجعل منها أزمة أسوأ بكثير من أى أزمة من أزمات السودان ، وإن لم نرد أى سبب آخر لأخطار الإنفصال فإن موضوع حفرة النحاس وحدها سيُغرق كلا الدولتين وجيرانهما فى بحور من المشاكل والأزمات لاحدود لها ، فهلا غلّبنا خيارالوحدة على الإنفصال؟ أم ننتظر حتى تحل الكارثة بالجميع ؟. |